الإسلام > القرآن > تفسير > الرازي > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةاعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام.
وقال: ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية.
قال صاحب الكشاف: المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر، والمكاء الصفير.
ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي سمى بذلك لكثرة مكانه.
وأما التصدية فهي التصفيق.
يقال: صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه، وفي أصلها قولان: الأول: أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل.
الثاني: قال أبو عبيدة: أصلها تصددة، فأبدلت الياء من الدال.
ومنه قوله تعالى: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ أي يعجزون، وأنكر بعضهم هذا الكلام، والأزهري صحح قول أبي عبيدة.
وقال: صدى أصله صدى، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء.
إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزؤون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته، وقال مقاتل: كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته.
فعلى قول ابن عباس: كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم.
والأول أقرب لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ﴾ .
فإن قيل: المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة؟
قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم.
الثاني: أن هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي.
أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هاهنا.
الثالث: الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب، ما لفلان عيب إلا السخاء.
يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له.
ثم قال تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ أي عذاب السيف يوم بدر، وقيل: يقال لهم في الآخرة: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"