الآية ٣٥ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٥ من سورة الأنفال

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) قال عبد الله بن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبو رجاء العطاردي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وحجر بن عنبس ، ونبيط بن شريط ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو الصفير - وزاد مجاهد : وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم .

وقال السدي : المكاء : الصفير على نحو طير أبيض يقال له : المكاء ، ويكون بأرض الحجاز .

والتصدية : التصفيق .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد ، حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد الله الأشعري - حدثنا جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) قال : كانت قريش تطوف بالكعبة عراة تصفر وتصفق .

والمكاء : الصفير ، وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق .

وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي ، عن ابن عباس .

وكذا روي عن ابن عمر ، ومجاهد ، ومحمد بن كعب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، والضحاك ، وقتادة ، وعطية العوفي ، وحجر بن عنبس ، وابن أبزى نحو هذا .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو عمر ، حدثنا قرة ، عن عطية ، عن ابن عمر في قوله : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) قال : المكاء : الصفير .

والتصدية : التصفيق .

قال قرة : وحكى لنا عطية فعل ابن عمر ، فصفر ابن عمر ، وأمال خده ، وصفق بيديه .

وعن ابن عمر أيضا أنه قال : كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون .

رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه .

وقال عكرمة : كانوا يطوفون بالبيت على الشمال .

قال مجاهد : وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته .

وقال الزهري : يستهزئون بالمؤمنين .

وعن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد : ( وتصدية ) قال : صدهم الناس عن سبيل الله ، عز وجل .

قوله : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) قال الضحاك ، وابن جريج ، ومحمد بن إسحاق : هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي .

واختاره ابن جرير ، ولم يحك غيره .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : عذاب أهل الإقرار بالسيف ، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله، وهم يصدون عن المسجد الحرام الذي يصلون لله فيه ويعبدونه, ولم يكونوا لله أولياء, بل أولياؤه الذين يصدونهم عن المسجد الحرام، وهم لا يصلون في المسجد الحرام= " وما كان صلاتهم عند البيت "، يعني: بيت الله العتيق= " إلا مُكاء "، وهو الصفير.

يقال منه: " مكا يمكو مَكوًا ومُكاءً" وقد قيل: إن " المكو ": أن يجمع الرجل يديه، ثم يدخلهما في فيه، ثم يصيح.

ويقال منه: " مَكت است الدابة مُكاء "، إذا نفخت بالريح.

ويقال: " إنه لا يمكو إلا استٌ مكشوفة ", ولذلك قيل للاست " المَكْوة ", سميت بذلك، (9) ومن ذلك قول عنترة: وَحَــلِيلِ غَانِيَــةٍ تَــرَكْتُ مُجَـدَّلا تَمْكُــو فَرِيصَتُــهُ كَشِـدْقِ الأعْلَـمِ (10) وقول الطِّرِمَّاح: فَنَحَــا لأُِولاَهــا بِطَعْنَــةِ مُحْـفَظٍ تَمْكُــو جَوَانِبُهَــا مِــنَ الإنْهَـارِ (11) بمعنى: تصوِّت.

وأما " التصدية "، فإنها التصفيق, يقال منه: " صدَّى يصدِّي تصديةً", و " صفَّق "، و " صفّح "، بمعنى واحد.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16022 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى, عن موسى بن قيس، عن حجر بن عنبس: " إلا مكاء وتصدية "، قال: " المكاء "، التصفير= و " التصدية "، التصفيق.

(12) 16023 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، " المكاء "، التصفير= و " التصدية "، التصفيق.

16024 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، يقول: كانت صلاة المشركين عند البيت " مكاء "= يعني الصفير= و " تصدية "، يقول: التصفيق.

16025 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل, عن عطية: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، قال: التصفيق والصفير.

16026- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن قرة بن خالد, عن عطية, عن ابن عمر قال: " المكاء "، التصفيق, و " التصدية "، الصفير.

قال: وأمال ابن عمر خدّه إلى جانب.

16027 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا وكيع, عن قرة بن خالد, عن عطية, عن ابن عمر: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، قال: " المكاء " و " التصدية "، الصفير والتصفيق.

16028- حدثني الحارث قال: حدثنا القاسم قال: سمعت محمد بن الحسين يحدث، عن قرة بن خالد, عن عطية العوفي, عن ابن عمر قال: " المكاء "، الصفير, و " التصدية ": التصفيق.

16029 - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا قرة, عن عطية, عن ابن عمر في قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، قال: " المكاء " الصفير, و " التصدية "، التصفيق= وقال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر, فصفر، وأمال خده، وصفق بيديه.

16030 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني بكر بن مضر, عن جعفر بن ربيعة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول في قول الله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " قال بكر: فجمع لي جعفر كفيه, ثم نفخ فيهما صفيرًا, كما قال له أبو سلمة.

16031 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: " المكاء "، الصفير, و " التصدية "، التصفيق.

16032- ...

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سلمة بن سابور, عن عطية, عن ابن عمر: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، قال: تصفير وتصفيق.

(13) 16033- ...

قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية, عن ابن عمر, مثله.

16034- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا حبويه أبو يزيد, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفّرون ويصفقون, فأنـزل الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [سورة الأعراف: 32] ، فأمروا بالثياب.

16035 - حدثني المثنى قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد قال: كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف يستهزئون به, يصفرون به ويصفقون, فنـزلت: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " .

16036 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " إلا مكاء " ، قال: كانوا ينفخون في أيديهم, و " التصدية "، التصفيق.

16037- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " إلا مكاء وتصدية " ، قال: " المكاء "، إدخال أصابعهم في أفواههم, و " التصدية " التصفيق, يخلِطون بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم صلاتَه.

16038 - حدثنا المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله= إلا أنه لم يقل: " صلاته ".

16039- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: " المكاء "، إدخال أصابعهم في أفواههم, و " التصدية "، التصفيق.

قال نفرٌ من بني عبد الدار، كانوا يخلطون بذلك كله على محمد صلاتَه.

16040 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن سعيد بن جبير: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، قال: من بين الأصابع= قال أحمد: سقط عليَّ حرف ، وما أراه إلا الخَذْف (14) = والنفخ والصفير منها، وأراني سعيد بن جبير حيث كانوا يَمْكون من ناحية أبي قُبَيس.

(15) 16041- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن سليمان قال: أخبرنا طلحة بن عمرو, عن سعيد بن جبير في قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، قال: " المكاء "، كانوا يشبِّكون بين أصابعهم ويصفرون بها, فذلك " المكاء ".

قال: وأراني سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكون فيه نحو أبي قُبَيس.

16042- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة, عن جعفر بن ربيعة, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في قوله: " مكاء وتصدية "، قال: " المكاء " النفخ= وأشار بكفه قِبَل فيه= و " التصدية "، التصفيق.

16043 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: " المكاء "، الصفير, و " التصدية "، التصفيق.

16044 - حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, مثله.

16045 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، قال: كنا نُحَدَّث أن " المكاء "، التصفيق بالأيدي, و " التصدية "، صياح كانوا يعارضون به القرآن.

16046 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " مكاء وتصدية "، قال: " المكاء "، التصفير, و " التصدية "، التصفيق.

16047 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، و " المكاء "، الصفير, على نحو طير أبيض يقال له " المكَّاء "، يكون بأرض الحجاز، (16) و " التصدية "، التصفيق.

16048 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، قال: " المكاء "، صفير كان أهل الجاهلية يُعلنون به.

قال: وقال في " المكاء "، أيضًا: صفير في أيديهم ولعب.

* * * وقد قيل في " التصدية ": إنها " الصد عن بيت الله الحرام ".

وذلك قول لا وجه له، لأن " التصدية "، مصدر من قول القائل: " صدّيت تصدية ".

وأما " الصدّ" فلا يقال منه: " صدَّيت ", إنما يقال منه " صدَدْت ", فإن شدَّدت منها الدال على معنى تكرير الفعل قيل: " صدَّدْتَ تصديدًا ".

(17) إلا أن يكون صاحب هذا القول وجَّه " التصدية " إلى أنه من " صَدَّدت ", ثم قلبت إحدى داليه ياء, كما يقال: " تظنَّيْتُ" من " ظننت ", وكما قال الراجز: (18) تَقَضِّيَ البَازِي إذَا البَازِي كَسَرْ (19) يعني: تقضُّض البازي, فقلب إحدى ضاديه ياء, فيكون ذلك وجهًا يوجَّه إليه.

* ذكر من قال ما ذكرنا في تأويل " التصدية ".

16049 - حدثني أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن سعيد بن جبير: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، صدهم عن بيت الله الحرام.

16050 - حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن سليمان قال: أخبرنا طلحة بن عمرو, عن سعيد بن جبير: " وتصدية " قال: " التصدية "، صدّهم الناس عن البيت الحرام.

16051 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: " وتصدية "، قال: التصديد، عن سبيل الله, (20) وصدّهم عن الصلاة وعن دين الله.

16052 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية "، قال: ما كان صلاتهم التي يزعمون أنها يُدْرَأ بها عنهم= " إلا مكاء وتصدية ", وذلك ما لا يرضى الله ولا يحبّ, ولا ما افترض عليهم، ولا ما أمرهم به.

(21) * * * وأما قوله: " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "، فإنه يعني العذابَ الذي وعدهم به بالسيف يوم بدر.

يقول للمشركين الذين قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ الآية, حين أتاهم بما استعجلوه من العذاب= " ذوقوا "، أي اطعموا, وليس بذوق بفم, ولكنه ذوق بالحسِّ, ووجود طعم ألمه بالقلوب.

(22) يقول لهم: فذوقوا العذابَ بما كنتم تجحدون أن الله معذبكم به على جحودكم توحيدَ ربكم، ورسالةَ نبيكم صلى الله عليه وسلم .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16053 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "، أي: ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل.

(23) 16054 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "، قال: هؤلاء أهل بدر، يوم عذبهم الله.

16055 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " ، يعني أهل بدر، عذبهم الله يوم بدر بالقتل والأسر.

----------------- الهوامش : (9) وتمام سياقه أن يقول : " سميت بذلك لصفيرها " .

(10) من معلقته المشهورة الغالية .

سيرة بن هشام 2 : 326 ، والمعاني الكبير : 981 ، واللسان ( مكا ) وبعد البيت .

سَــبَقَتْ يَـدَايَ لَـهُ بِعَـاجِلِ طَعْنَـةٍ وَرَشَــاشِ نَــافِذَةٍ كَلَــونِ العَنْـدَمِ " الحليل " ، الزوج ، و " الغانية " : البارعة الحسن والجمال ، استغنت بجمالها عن التجمل .

" مجدلا " ، صريعًا على الجدالة ، وهي الأرض .

و " الفريصة " ، لحمة عند نغض الكتف ، في وسط الجنب ، عند منبض القلب ، وهما فريصتان، وهي التي ترعد عند الفزع ، فيقال للفزع : " أرعدت فرائصه " ، وإصابة الفريصة مقتل .

و " الأعلم " ، الجمل المشقوق الشفة العليا.

خرج إليه هذا القتيل ، مدلا بقوته وشبابه ، يحفزه أن ينال إعجاب صاحبته الغانية الجميلة به إذا قتل عنترة ، فلم يكد حتى عاجله بالطعنة التي وصف ما وصف من اتساعها كشدق البعير الأعلم .

(11) ديوانه 149 ، والمعاني الكبير : 983 ، وهو بيت من قصيدة مدح بها خالد بن عبد الله القسري ، ولكن هذا البيت ، مفرد وحده لا صلة له بما قبله ، وهي قصيدة ناقصة بلا شك .

وشرحه ابن قتيبة فقال : " نحا " انحرف ، و " المحفظ " ، المغضب .

و " تمكو " ، تصفر ، وذلك عند سيلانها .

و " الإنهار " ، سعة الطعنة ، ومنه قول قيس بن الخطيم ، يصف طعنة : طَعَنْـتُ ابـنَ عَبْــدِ الْقَيْسِ طَعْنَةَ ثَائِرٍ لَهَــا نَفَـذٌ لَـوْلا الشُّـعَاعُ أَضَاءَهَـا مَلَكْـتُ بهـا كَـفِّى فَـأَنْهَرْتُ فَتْقَهَـا يَـرَى قَـائِمٌ مِـنْ دُونِهَـا مَا وَرَاءَهَا (12) الأثر : 16022 - " موسى بن قيس الحضرمي " ، " عصفور الجنة " ، مضى برقم : 16022 .

و " حجر بن عنبس الحضرمي " ، " أبو العنبس " ، ويقال : " أبو السكن " ، قال ابن معين : " شيخ كوفي ثقة مشهور " ، تابعي ، وكان شرب الدم في الجاهلية ، شهد مع علي الجمل وصفين مترجم في التهذيب ، والكبير 12 68 ، وابن أبي حاتم 1 2 266 .

(13) الأثر : 16032 - " سلمة بن سابور " ، روى عن عطية العوفي ، وعبد الوارث مولى .

روى عنه أبو نعيم ، والفضل بن موسى ، وغيرهما .

ضعفه ابن معين ، وثقه ابن حبان وقال : " كان يحيى القطان يتكلم فيه ، ومن المحال أن يلحق بسلمة ما جنت يدا عطية " .

أما البخاري فاقتصر على قوله : " كان يحيى يتكلم في عطية " ، كأنه لا يريد استضعافه .

مترجم في لسان الميزان 3 : 68 ، والكبير 2 2 84 ، وابن أبي حاتم 2 1 163 ، وضعفه ، وميزان الاعتدال 1 : 406 ، واقتصر فقال : " جرحوه " .

(14) " الخذف " رميك بحصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن " الخذف " وقال : " إنه يفقأ عينًا ، ولا ينكي العدو ، ولا يحرز صيدًا " .

(15) " أبو قبيس " ، اسم الجبل المشرف على بطن مكة .

(16) " المكاء " ( بضم الميم وتشديد الكاف ) ، وجمعه " مكاكي " طائر نحو القنبرة ، إلا أن في جناحيه بلقًا .

سمى بذلك ، لأنه يجمع يديه ، ثم يصفر فيهما صفيرًا حسنًا .

(17) في المطبوعة والمخطوطة : " صددت تصدية " ، وهو خطأ ظاهر ، صوابه ما أثبت .

(18) هو العجاج .

(19) سلف البيت وتخريجه وشرحه 2 : 157 ، وسيأتي في التفسير 30 : 135 ( بولاق ) .

(20) في المطبوعة : " التصدية " ، وفي المخطوطة توشك أن تقرأ هكذا وهكذا ، ورأيت الأرجح أن تكون " التصديد " ، فأثبتها .

(21) الأثر : 16052 - سيرة ابن هشام 2 : 326 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16021 (22) انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ص 434 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(23) الأثر : 16053 - سيرة ابن هشام 2 : 326 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 1605.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرونقال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ; فكان ذلك عبادة في ظنهم .

والمكاء : الصفير .

والتصدية : التصفيق ; قاله مجاهد والسدي وابن عمر رضي الله عنهم .

ومنه قول عنترة :وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريصته كشدق الأعلم[ ص: 359 ] أي تصوت .

ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح .

قال السدي : المكاء الصفير ، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء .

قال الشاعر :إذا غرد المكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمراتقتادة : المكاء ضرب بالأيدي ، والتصدية صياح .

وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون .

وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء ، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت .

وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم .

والتصدية : الصفير ، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة .

قال النحاس : المعروف في اللغة ما روي عن ابن عمر .

حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال : مكا يمكو مكاء إذا صفر .

وصدى يصدي تصدية إذا صفق ; ومنه قول عمرو بن الإطنابة :وظلوا جميعا لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصديهأي بالتصفيق .

سعيد بن جبير وابن زيد : معنى التصدية صدهم عن البيت ; فالأصل على هذا تصددة ، فأبدل من أحد الدالين ياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعني أن اللّه تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه، وتخلص له فيه العبادة، فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر،وأما هؤلاء المشركون الذين يصدون عنه، فما كان صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات ‏{‏إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً‏}‏ أي‏:‏ صفيرا وتصفيقا، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات‏؟‏‏"‏‏.‏ فبأي‏:‏ شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، إلى آخر ما وصفهم اللّه به من الصفات الحميدة، والأفعال السديدة‏.‏ لا جرم أورثهم اللّه بيته الحرام، ومكنهم منه،وقال لهم بعد ما مكن لهم فيه ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏ وقال هنا ‏{‏فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) قال ابن عباس والحسن : المكاء : الصفير ، وهي في اللغة اسم طائر أبيض ، يكون بالحجاز له صفير ، كأنه قال : إلا صوت مكاء ، والتصدية التصفيق .

قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون .

قال مجاهد : كل نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطواف ، ويستهزئون به ، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون .

فالمكاء : جعل الأصابع في الشدق .

والتصدية الصفير ، ومنه الصدى الذي يسمعه المصوت في الجبل .

قال جعفر بن ربيعة : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله - عز وجل - " إلا مكاء وتصدية " فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا .

قال مقاتل : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى في المسجد قام رجلان عن يمينه فيصفران ورجلان عن شماله فيصفقان ليخلطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، وهم من بني عبد الدار .

قال سعيد بن جبير : التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام ، وعن الدين ، والصلاة .

وهي على هذا التأويل : التصددة بدالين ، فقلبت إحدى الدالين ياء ، كما يقال تظنيت من الظن ، وتقضى البازي إذا البازي كسر ، أي تقضض البازي .

قال ابن الأنباري : إنما سماه صلاة لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد فجعلوا ذلك صلاتهم .

( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما كان صلاتُهم عند البيت إلا مُكاءً» صفيرا «وتصديةً» تصفيقا أي جعلوا ذلك موضع صلاتهم التي أمروا بها «فذوقوا العذاب» ببدر «بما كنتم تكفرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما كان صلاتهم عند المسجد الحرام إلا صفيرًا وتصفيقًا.

فذوقوا عذاب القتل والأسر يوم "بدر"؛ بسبب جحودكم وأفعالكم التي لا يُقْدم عليها إلا الكفرة، الجاحدون توحيد ربهم ورسالة نبيهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان ضلال هؤلاء المشركين وجحودهم فقال : ( وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) .وقال القرطبى ما ملخصه : قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ، فكان ذلك عبادة فى ظنهم .والمكاء : الصفير .

يقال مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر .والتصدية : التصفيق .

يقال : صدى يصدى تصدية إذا صفق .قال قتادة : المكاء : ضرب بالأيدى ، والتصدية : الصياح .والمعنى : أن هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيقا وتصفيراً ، وهرجا ومرجا لاوقار فيه ، ولا استشعار لحرمة البيت ، ولا خشوع لجلاله الله - تعالى - ، وذلك لجلهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم ، ولحصرهم على أن يسيئوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن ، أو وهو يطوف بالبيت ، أو وهو يؤدى شيئا من شعائر الإِسلام وعباداته .

فقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء ليمنعوا الناس من سماعه .

قال - تعالى - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم ، فصفر ، وأمال خده وصفق بيديه .وقال مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - صلاته .وعن سعيد بن جبير : كانت قريش يعارضون النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الطواف يستهئزون به ، يصفرون ويصفقون .وقال الفخر الرازى : فإن قيل المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف جاز استثناؤهما من الصلاة؟قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب ، معتقدهم .الثانى : أن هذا كقولك : وددت الأمير فجعل جفائى صلتى .

أى : أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هنا .الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له .

كما تقول العرب : ما لفلان عيب إلا السخاء .

يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له .وقوله : ( فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) وعيد لهم على كفرهم وجحودهم ، واستهزائهم بشعائر الله .أى : فذوقوا - أيها الضالون - العذاب الشديد بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم بالحق الذى جاءكم به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله ،

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام.

وقال: ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون  ﴾ بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية.

قال صاحب الكشاف: المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر، والمكاء الصفير.

ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي سمى بذلك لكثرة مكانه.

وأما التصدية فهي التصفيق.

يقال: صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه، وفي أصلها قولان: الأول: أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل.

الثاني: قال أبو عبيدة: أصلها تصددة، فأبدلت الياء من الدال.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ  ﴾ أي يعجزون، وأنكر بعضهم هذا الكلام، والأزهري صحح قول أبي عبيدة.

وقال: صدى أصله صدى، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء.

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزؤون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته، وقال مقاتل: كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته.

فعلى قول ابن عباس: كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم.

والأول أقرب لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ﴾ .

فإن قيل: المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة؟

قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم.

الثاني: أن هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي.

أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هاهنا.

الثالث: الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب، ما لفلان عيب إلا السخاء.

يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له.

ثم قال تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ أي عذاب السيف يوم بدر، وقيل: يقال لهم في الآخرة: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المكاء: فعال بوزن الثغاء والرغاء، من مكا يمكو إذا صفر: ومنه المكاء، كأنه سمي بذلك لكثرة مكائه.

وأصله الصفة، نحو الوضاء والفراء.

وقرئ: (مكا) بالقصر.

ونظيرهما البكي والبكاء.

والتصدية: التصفيق، تفعلة من الصدى أو من صدَّ يصدّ، ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ [الزخرف: 57] وقرأ الأعمش: ﴿ وما كان صلاتهم ﴾ بالنصب على تقديم خبر كان على اسمه، فإن قلت: ما وجه هذا الكلام؟

قلت: هو نحو من قوله: وَمَا كُنْتُ أخْشَى أنْ يَكُونَ عَطَاؤُه ** أدَاهَمَ سُوداً أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْراً والمعنى أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء، ووضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة: الرجال والنساء، وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته يخلطون عليه ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر، بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ ﴾ أيْ دُعاؤُهم أوْ ما يُسَمُّونَهُ صَلاةً، أوْ ما يَضَعُونَ مَوْضِعَها.

﴿ إلا مُكاءً ﴾ صَفِيرًا فَعالٌ مِن مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ.

وقُرِئَ بِالقَصْرِ كالبُكا.

﴿ وَتَصْدِيَةً ﴾ تَصْفِيقًا تَفْعَلُهُ مِنَ الصَّدا، أوْ مِنَ الصَّدِّ عَلى إبْدالِ أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ بِالياءِ.

وقُرِئَ « صَلاتَهم» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ المُقَدَّمُ، ومَساقُ الكَلامِ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ أوْ عَدَمِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ فَإنَّها لا تَلِيقُ بِمَن هَذِهِ صِلاتُهُ.

رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ.

وَقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا أرادَ النَّبِيُّ  أنْ يُصَلِّيَ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ ويَرَوْنَ أنَّهم يُصَلُّونَ أيْضًا.

﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ يَعْنِي القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ عَذابُ الآخِرَةِ واللّامُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ: ﴿ ائْتِنا بِعَذابٍ ﴾ .

(بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اعْتِقادًا وعَمَلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاءً} صفيراً كصوت المكاء وهو طائر مليح الصوت وهو فعال من مكا يمكوا إذا صفر {وَتَصْدِيَةً} وتصفيقاً تفعلة من الصدى وذلك أنهم كانوا يطوفن بالبيت عراة وهم

مشبكون بين أصباعهم يصفرون فيها ويفقون وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلابته يخطلون عليه {فذوقوا العذاب} عذاب القعل والأسر يوم بدر {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} بسبب كفركم ونزل فى المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ ﴾ أيِ: المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنْهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالبَيْتِ لِلِاخْتِصارِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ تَعالى؛ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَظَّمَ بِالعِبادَةِ وهم لَمْ يَفْعَلُوا ﴿ إلا مُكاءً ﴾ أيْ: صَفِيرًا، وهو فُعالٌ بِضَمِّ أوَّلِهِ كَسائِرِ أسْماءِ الأصْواتِ تَجِيءُ عَلى فُعالٍ إلّا ما شَذَّ كالنِّداءِ مِن مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ، وقُرِئَ: مُكا بِالقَصْرِ كَ بُكا ﴿ وتَصْدِيَةً ﴾ أيْ: تَصْفِيقًا، وهو ضَرْبُ اليَدِ بِاليَدِ بِحَيْثُ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ، ووَزْنُهُ تَفْعِلَةٌ مِنَ الصَّدِّ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، فَحُوِّلَ إحْدى الدّالَيْنِ ياءً كَما في تَقَضّى البازِيُّ لِتَقَضُّضِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ أيْ: يَضِجُّونَ لِمَزِيدِ تَعَجُّبِهِمْ، وأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو مِنَ الصَّدا وهو ما يُسْمَعُ مِن رَجْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ جَبَلٍ ونَحْوِهِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ إمّا الدُّعاءُ أوْ أفْعالٌ أُخَرُ كانُوا يَفْعَلُونَها ويُسَمُّونَها صَلاةً، وحُمِلَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ عَلَيْها عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ بِأنَّها لا فائِدَةَ فِيها ولا مَعْنى لَها كَصَفِيرِ الطُّيُورِ وتَصْفِيقِ اللَّعِبِ.

وقَدْ يُقالُ: المُرادُ أنَّهم وضَعُوا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ الَّتِي تَلِيقُ أنْ تَقَعَ عِنْدَ البَيْتِ عَلى حَدِّ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ يُرْوى أنَّهم كانُوا إذا أرادَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُصَلِّيَ يُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ بِالصَّفِيرِ والتَّصْفِيقِ ويَرَوْنَ أنَّهم يُصَلُّونَ أيْضًا.

ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ.

وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ: إنَّ التَّصْدِيَةَ بِمَعْنى الصَّدِّ، والمُرادُ صَدُّهم عَنِ القِراءَةِ أوْ عَنِ الدِّينِ أوِ الصَّدُّ بِمَعْنى الضَّجَّةِ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ يَعِيشَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ ما ذَكَرْناهُ.

نَعَمْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ تَفْسِيرُ التَّصْدِيَةِ بِصَدِّ النّاسِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ لَها بِالطَّوافِ عَلى الشِّمالِ بَلْ لا يَكادُ يُسَلَّمُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ إمّا عَلى (وهم يَصُدُّونَ) فَتَكُونُ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ بِبَيانِ أنَّهم صَدُّوا ولَمْ يَقُومُوا مَقامَ مَن صَدُّوهُ في تَعْظِيمِ البَيْتِ، أوْ عَلى ﴿ وما كانُوا أوْلِياءَهُ ﴾ فَتَكُونُ تَقْرِيرًا لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِوِلايَتِهِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: (صَلاتَهُمْ) بِالنَّصْبِ وهي رِوايَةٌ عَنْ عاصِمٍ وأبانَ، وهو حِينَئِذٍ خَبَرُ كانَ، ومُكاءٌ بِالرَّفْعِ اسْمُها، وفي ذَلِكَ الإخْبارِ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ وهو مِنَ القَلْبِ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لا قَلْبَ، ثُمَّ قالَ: لَسْنا نَدْفَعُ أنَّ جَعْلَ اسْمِ كانَ نَكِرَةً وخَبَرَها مَعْرِفَةً قَبِيحٌ، وإنَّما جاءَتْ مِنهُ أبْياتٌ شاذَّةٌ، لَكِنْ مِن وراءِ ذَلِكَ ما أذْكُرُهُ، وهو أنَّ نَكِرَةَ الجِنْسِ تُفِيدُ مُفادَ مَعْرِفَتِهِ، ألا تَراكَ تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ، فَتَجِدُ مَعْناهُ: فَإذا الأسَدُ بِالبابِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّكَ في المَوْضِعَيْنِ لا تُرِيدُ أسَدًا واحِدًا مُعَيَّنًا وإنَّما تُرِيدُ واحِدًا مِن هَذا الجِنْسِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ هُنا النَّصْبُ والرَّفْعُ جَوازًا قَرِيبًا كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ صَلاتُهم إلّا هَذا الجِنْسَ مِنَ الفِعْلِ ولا يَكُونُ مِثْلَ قَوْلِكَ: كانَ قائِمٌ أخاكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ في (قائِمٌ) مَعْنى الجِنْسِيَّةِ.

وأيْضًا فَإنَّهُ يَجُوزُ مَعَ النَّفْيِ ما لا يَجُوزُ مَعَ الإيجابِ، ألا تَراكَ تَقُولُ: ما كانَ إنْسانٌ خَيْرًا مِنكَ ولا تُجِيزُ كانَ إنْسانٌ خَيْرًا مِنكَ، وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في مَوْضِعِهِ: ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ ، يَعْنِي القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ، وقِيلَ: عَذابَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: العَذابَ المَعْهُودَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ﴾ ولا تَعْيِينَ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والفاءُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يُرادَ مِنَ العَذابِ عَذابُ الآخِرَةِ لِلتَّعْقِيبِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ ذَلِكَ لِلسَّبَبِيَّةِ كالباءِ وأمْرُ اجْتِماعِهِما ظاهِرٌ، والمُتَبادَرُ مِنَ الكُفْرِ ما يَرْجِعُ إلى الِاعْتِقادِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُ الِاعْتِقادَ والعَمَلَ كَما يُرادُ مِنَ الإيمانِ في العُرْفِ ذَلِكَ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، يعني: يصلّون لله الصلوات الخمس وهم أهل الإيمان وقال مجاهد: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني: وهم مسلمون ويقال: فيهم من يؤول أمره إلى الإسلام.

ويقال: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني: وفي أصلابهم من يسلم.

وروي عن أبي موسى الأشعري قال: «كان أمانان في الأرض، رفع أحدهما وبقي الآخر وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وقال عطية: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، يعني المشركين حتى يخرجك منهم.

وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، يعني المؤمنين.

ثم عاد إلى ذكر المشركين فقال: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، يعني: بعد ما أخرج النبي  وأصحابه من بينهم.

وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني: يمنعون المؤمنين عن المسجد الحرام.

وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ يعني: المشركين.

قال الكلبي: يعني، ما كانوا أولياء المسجد الحرام ويقال: وما كانوا أولياء الله.

إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، يعني: ما كان أولياء الله إلا المتقون من الشرك، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله.

ثم قال: وَما كانَ صَلاتُهُمْ، معناه: وما لهم ألا يعذبهم الله وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً، يعني: لم تكن صلاتهم حول البيت إِلَّا مُكاءً يعني: إلا الصفير وَتَصْدِيَةً يعني: التصفيق باليدين، إذا صلى النبيّ  في المسجد الحرام.

قرأ الأعمش مَا كَانَ صَلاَتِهِمْ بالنصب إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً كلاهما بالضم وهكذا قرأ عاصم في إحدى الروايتين، فجعل الصلاة خبر كان، وجعل المكاء والتصدية اسم كان.

وقرأ الباقون: صَلاَتِهِمْ بالضم فجعلوه اسم كان ومكاء وَتَصْدِيَةً بالنصب على معنى خبر كان.

ثم قَالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بتوحيد الله تعالى، فأهلكهم الله في الدنيا ولهم عذاب الخلود في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ابْنُ أَبْزَى «١» : نَزَلَ قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ فِيهِمْ بمكَّة إِثر قولهم: أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، ونزل قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، عند خروج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ...

إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم.

ت: وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال: وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار» .

انتهى.

قال ع «٢» : وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي: فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ.

وقوله عز وجل: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضمير في قوله:

أَوْلِياءَهُ: عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن «٣» .

وقال الطبريُّ «٤» : عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ناسخ لقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

قال ع «٥» : وفيه نظر لأنه خبر لا يدخله نسخ.

وقوله سبحانه: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ/ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المُكَاء: الصَّفير قاله ابن عباس «١» والجمهورُ، والتصدية: عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول: وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال: وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية.

قال ع «٢» : والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيّدون فيهما وقت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة.

وقوله سبحانه: فَذُوقُوا الْعَذابَ ...

الاية: إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف قاله الحسن وغيره «٣» فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ.

قال ع «٤» : والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ حكايةً عما مضَى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية:

لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ: إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كان سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ.

وقوله سبحانه: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، الحسرة: التلهّف

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَضَعُونَ خُدُودَهم بِالأرْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

فَأمّا المُكاءُ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: مَكا الطّائِرُ [يَمْكُو] مُكاءً: إذا صَفَّرَ، ويُقالُ: مَكِيَتْ يَدُهُ [تَمْكى] مَكًى، مَقْصُورٌ، أيْ: غَلُظَتْ وخَشُنَتْ، ويُقالُ: تَمَكّى: إذا تَوَضَّأ.

وأنْشَدُوا: أنَّكَ والجَوْرُ عَلى سَبِيلِ كالمُتَمَكِّي بِدَمِ القَتِيلِ وَسُئِلَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنَ عَنِ المُكاءِ، فَجَمَعَ كَفَّيْهِ، وجَعَلَ يَصْفِرُ فِيهِما.

والثّانِي: أنَّهُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ يَخْلِطُونَ بِهِ وبِالتَّصْدِيَةِ عَلى مُحَمَّدٍ  صَلاتَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أهْلُ اللُّغَةِ يُنْكَرُونَ أنْ يَكُونَ المُكاءُ إدْخالَ الأصابِعِ في الأفْواهِ، وقالُوا: لا يَكُونُ إلّا الصَّفِيرُ.

وفي التَّصْدِيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها التَّصْفِيقُ، قالَهُ [ابْنُ] عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: صَدى: إذا صَفَّقَ بِيَدَيْهِ.

قالَ الرّاجِزُ: ضَنَّتْ بِخَدٍّ وجَلَّتْ عَنْ خَدٍّ ∗∗∗ وأنا مِن غَرْوِ الهَوى أُصْدِّي الغَرْوُ: العَجَبُ، يُقالُ: لا غَرْوَ مِن كَذا، أيْ: لا عَجَبَ.

والثّانِي: أنَّ التَّصْدِيَةَ: صَدَّهُمُ النّاسُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ودِينِهِ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ، قامَ رَجُلانِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ عَنْ يَمِينِهِ فَيَصْفِرانِ، ورَجُلانِ عَنْ يَسارِهِ فَيُصَفِّقانِ، فَتَخْتَلِطُ عَلى النَّبِيِّ  صَلاتُهُ وقِراءَتُهُ، فَقَتَلَهُمُ اللهُ بِبَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.» فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمّى المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ صَلاةً؟

فَعَنْهُ: جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدُهُما: أنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ مَكانَ الصَّلاةِ، ومَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ: زُرْتُ عَبْدَ اللهِ، فَجَعَلَ جَفائِي صِلَتِي، أيْ: أقامَ الجَفاءَ مَقامَ الصِّلَةِ، قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَهُ أطْعِمْنِي عَمِيمُ تَمْرًا ∗∗∗ فَكانَ تَمْرِي كَهْرَةً وزَبْرًا أيْ: أقامَ الصِّياحَ عَلَيَّ مَقامَ التَّمْرِ.

والثّانِي: أنَّ مَن كانَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ صَلاتَهُ، فَلا صَلاةَ لَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ما لِفُلانٍ عَيْبٌ إلّا السَّخاءُ، يُرِيدُونَ: مِنَ السَّخاءِ عَيْبُهُ، فَلا عَيْبَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَتًى كَمُلَتْ خَيْراتُهُ غَيْرَ أنَّهُ ∗∗∗ جَوادٌ فَلا يُبْقِي مِنَ المالِ باقِيًا <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "وَما كانَ صَلاتُهُمْ" بِالرَفْعِ، "عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً" بِالنَصْبِ، "وَتَصْدِيَةً" كَذَلِكَ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "صَلاتَهُمْ" بِالنَصْبِ، "إلّا مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عن سُلَيْمانَ الأعْمَشِ بِخِلافٍ عنهُ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قالَ في قِراءَةِ عاصِمٍ: أفَإنْ لَحَنَ عاصِمٌ تَلْحَنُ أنْتَ؟

قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَدْ رُوِيَ الحَرْفُ كَذَلِكَ عن أبانَ بْنِ تَغْلِبَ، قالَ قَوْمٌ: وهَذِهِ القِراءَةُ خَطَأٌ لِأنَّهُ جَعَلَ الِاسْمَ نَكِرَةً والخَبَرَ مَعْرِفَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: فَإنْ قِيلَ: "إنَّ (المُكاءَ والتَصْدِيَةَ) اسْمُ جِنْسٍ واسْمُ الجِنْسِ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا واحِدٌ في التَعْرِيفِ"، قِيلَ: إنَّ اسْتِعْمالَهُ هَكَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ، كَما قالَ حَسّانُ:.

كَأنَّ سَبِيئَةً مِن بَيْتِ رَأسٍ ∗∗∗ يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ ولا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ.

فَأمّا أبُو الفَتْحِ فَوَجَّهَ هَذِهِ القِراءَةَ بِما ذَكَرْناهُ مِن تَعْرِيفِ اسْمِ الجِنْسِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُرَجِّحُ قِراءَةَ الناسِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنَّما ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى هَذِهِ القِراءَةِ لَمّا رَأى الفِعْلَ أنَّ "الصَلاةَ" مُؤَنَّثَةٌ، ورَأى المُسْنَدَ إلَيْها لَيْسَ فِيهِ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ فَأرادَ تَعْلِيقَهُ بِمُذَكَّرٍ وهو "المُكاءُ"، وأخْطَأ في ذَلِكَ، فَإنَّ العَرَبَ تُعَلِّقُ الفِعْلَ لا عَلامَةَ فِيهِ بِالمُؤَنَّثِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ  ﴾ ، و( كَيْفَ كانَ عاقِبَةَ المُفْسِدِينَ ) ونَحْوُ هَذا مِمّا أُسْنِدَ فِيهِ الفِعْلُ دُونَ عَلامَةٍ إلى المُؤَنَّثِ.

والمُكاءُ عَلى وزْنِ الفِعالِ: الصَفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والجُمْهُورُ، فَقَدْ يَكُونُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ: وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُقالُ: مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: وحَلِيلِ غانِيَّةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا ∗∗∗ ∗∗∗ تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَكَأنَّما يَمْكُو بِأعْصَمَ عاقِلِ ∗∗∗ ∗∗∗...................

يَصِفُ رَجُلًا فَرَّ لَهُ حَيَوانٌ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ: فَنَحا لِأُولاها بِطَعْنَةِ مُحْفَظٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمْكُو جَوانِبُها مِنَ الإنْهارِ ومَكَتِ اسْتُ الدابَّةِ إذا صَفَّرَتْ، يُقالُ: ولا تَمْكُو إلّا اسْتٌ مَكْشُوفَةٌ، ومِن هَذا قِيلَ لِلِاسْتِ: مَكْوَةٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالهَمْزَةُ في مُكاءٍ مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذا قِيلَ لِلطّائِرِ: المُكّاءُ، لِأنَّهُ يَمْكُو أيْ يُصَفِّرُ في تَغْرِيدِهِ، ووَزْنُهُ فُعّالٌ بِشَدِّ العَيْنِ كَخُطّافِ، والأصْواتُ في الأكْثَرِ تَجِيءُ عَلى فُعالٍ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ كالبُكاءِ والصُراخِ والدُعاءِ والجُؤارِ والنُباحِ ونَحْوِهِ.

ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ المُكاءَ صَوْتُ الأيْدِي، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "إلّا مَكا" بِالقَصْرِ.

و"التَصْدِيَةُ" عَبَّرَ عنها أكْثَرُ الناسِ بِأنَّها التَصْفِيقُ.

وقَتادَةُ بِأنَّها الضَجِيجُ والصِياحُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِأنَّها الصَدُّ والمَنعُ، ومَن قالَ "إنَّها التَصْفِيقُ" قالَ: "إنَّما كانَ لِلْمَنعِ عن ذِكْرِ اللهِ ومُعارَضَةً لِقِراءَةِ رَسُولِ اللهِ  لِلْقُرْآنِ"، والتَصْدِيَةُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مِن صَدى يَصْدى إذا صَوَّتَ، والصَدى: الصَوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ يَصِفُ الأرْوِيَةَ: لَها كُلَّما رِيعَتْ صَداةٌ ورَكْدَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمِصْرانَ أعْلى ابْنَيْ شَمامِ البَوائِنِ فَيَلْتَئِمُ -عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ- قَوْلُ مَن قالَ: هو التَصْفِيقُ، وقَوْلُ مَن قالَ: الضَجِيجُ، ولا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: هو الصَدُّ والمَنعُ إلّا أنْ يُجْعَلَ التَصْوِيتُ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ المَنعُ، فَفُسِّرَ اللَفْظُ بِالمَقْصُودِ لا بِما يَخُصُّهُ مِن مَعْناهُ.

ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "التَصْدِيَةُ" مِن صَدَّ يَصُدُّ، اسْتُعْمِلَ الفِعْلُ مُضَعَّفًا لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ لا لِيُعَدّى فَقِيلَ: صَدَّدَ، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يَتَعَدّى إذا ضُعِّفَ فَإنَّما يُضَعَّفُ لِلتَّكْثِيرِ، إذِ التَعَدِّي حاصِلٌ قَبْلَ التَضْعِيفِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ  ﴾ ، والَّذِي يُضَعَّفُ لِيُعَدّى هو كَقَوْلِهِمْ عَلَّمَ وغَرَّمَ، فَإذا قُلْنا في صَدَّ: صَدَّدَ، فَفِعْلٌ في الصَحِيحِ يَجِيءُ مَصْدَرُهُ في الأكْثَرِ عَلى تَفْعِيلٍ، وفي الأقَلِّ عَلى تَفْعِلَةٍ، مِثْلُ كَمَّلَ تَكْمِيلًا وتَكْمِلَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، بِخِلافِ المُعْتَلِّ فَإنَّهُ يَجِيءُ في الأكْثَرِ عَلى تَفْعِلَةٍ، مِثْلُ عَزّى وتَعْزِيَةً، وفي الشاذِّ عَلى تَفْعِيلٍ مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: باتَ يُنْزِي دَلْوَهُ تَنَزِّيًا ∗∗∗ ∗∗∗...............

وإذا كانَ فِعْلٌ في الصَحِيحِ يَتَّسِقُ فِيهِ المَثَلانِ رُفِضَ فِيهِ تَفْعِلَةٌ مِثْلُ قَوْلِنا: تَصْدِيَةٌ، وصُيِّرَ إلى تَفْعِيلٍ لِتَحُولَ الياءُ بَيْنَ المِثْلَيْنِ كَتَخْفِيفٍ وتَشْدِيدٍ، فَلَمّا سَلَكُوا مَصْدَرَ صَدَّدَ المَسْلَكَ المَرْفُوضَ أُصْلِحَ ذَلِكَ بِأنْ أُبْدِلَ أحَدُ المِثْلَيْنِ ياءً كَبَدَلِهِمْ فِي: تَظَنَّنْتُ ونَحْوِهِ، فَجاءَ: تَصْدِيَةً، فَعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ يَلْتَئِمُ قَوْلُ مَن قالَ: التَصْدِيَةُ: الصَدُّ عَنِ البَيْتِ والمَنعُ.

ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَصْدِيَةُ مِن صَدَّ يَصِدُّ -بِكَسْرِ الصادِ في المُسْتَقْبَلِ- إذا ضَجَّ، ويُبَدِّلُ أيْضًا عَلى هَذا أحَدِ المِثْلَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ  ﴾ بِكَسْرِ الصادِ، ذَكَرَهُ النَحّاسُ.

وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُكاءَ والتَصْدِيَةَ إنَّما أحْدَثَها الكُفّارُ عِنْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ  لِتَقْطَعَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ قِراءَتَهم وصَلاتَهُمْ، ويُخَلَّطَ عَلَيْهِمْ، فَكانَ المُصَلِّي إذا قامَ يَقْرَأُ مِنَ المُؤْمِنِينَ اكْتَنَفَهُ مِنَ الكُفّارِ عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ مَن يَمْكُو ويُصَدِّي حَتّى تَخْتَلِطَ عَلَيْهِ قِراءَتُهُ، فَلَمّا نَفى اللهُ وِلايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: وكَيْفَ لا نَكُونُ أولِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ؟

فَقَطَعَ اللهُ هَذا الِاعْتِراضَ بِأنْ قالَ: "وَما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَصْدِيَةَ"، وهَذا كَما يَقُولُ الرَجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشَرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما يُدَوَّنُ أنَّ المُكاءَ والتَصْدِيَةَ كانَ مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَقَرُّبِ بِهِ والتَشَرُّعِ، ورَأيْتُ عن بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ كانَ يَمْكُو عَلى الصَفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءَ، وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنَقُّصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزايَدُونَ فِيها وقْتَ النَبِيِّ  لِيَشْغَلُوهُ وأُمَّتَهُ عَنِ القِراءَةِ والصَلاةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى عَذابِهِمْ بِبَدْرٍ بِالسَيْفِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والحَسَنُ، والضَحّاكُ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ ولابُدَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأشْبَهُ أنَّ الكُلَّ نَزَلَ بَعْدَ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا مَضى.

واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوفة على جملة ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ [الأنفال: 34] فمضمونها سبب ثان لاستحقاقهم العذاب، وموقعها، عقب جملة: ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ [الأنفال: 34] يجعلها كالدليل المقرر لانتفاء ولايتهم للمسجد الحرام، لأن من كان يفعل مثل هذا عند مَسجد الله لم يكن من المتقين، فكان حقيقاً بسلب ولاية المسجد عنه، فعطفت الجملة باعتبارها سبباً للعذاب، ولو فصلت باعتبارها مقررة لسلب أهلية الولاية عنهم لصحَ ذلك، ولكن كان الاعتبار الأول أرجح؛ لأن العطف أدل عليه مع كون موقعها يفيد الاعتبار الثاني.

والمُكآء على صيغة مصادر الأصوات كالرغاء والثغاء والبُكاء والنواح، يقال: مكَا يمْكُو إذا صَفّر بفيه، ومنه سمي نوع من الطْير المَكّاء بفتح الميم وتشديد الكاف، وجمعه مَكَاكِيء بهمزة في آخره بعد الياء، وهو طائر أبيضُ يكون بالحجاز.

وعن الأصمعي قلت لمنتجع بن نبهان «ما تَمكُو» فشبك بين أصابعه ثم وضعها على فمه ونفخ.

والتصدية التصفيق مشتقاً من الصدى وهو الصوت الذي يرده الهواء محاكياً لصوت صالح في البراح من جهة مقابلة.

ولا تعرف للمشركين صلاة، فتسمية مكائهم وتصديتهم صلاة مشاكلة تقديرية؛ لأنهم لما صدوا المسلمين عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام عند البيت.

كان من جملة طرائق صدهم إياهم تشغيبهم عليهم وسخريتهم بهم يحاكون قراءة المسلمين وصلاتهم بالمُكاء والتصدية، قال مجاهد: «فَعَل ذلك نفر من بني عبد الدار يخلطون على محمد صلاته» وبنو عبد الدار هم سدنة الكعبة وأهل عمارة المسجد الحرام فلما فعلوا ذلك للاستسخار من الصلاة سمي فعلهم ذلك صلاة على طريقة المشاكلة التقديرية، والمشاكلة ترجع إلى استعارة علاقتها المشاكلة اللفظية أو التقديرية فلم تكن للمشركين صلاة بالمكاء والتصدية، وهذا الذي نحاه حذاق المفسرين: مجاهد، وابن جبير، وقتادة، ويؤيد هذا قوله: ﴿ فذُوقوا العذاب بما كنتم تكفُرون ﴾ [الأحقاف: 34] لأن شأن التفريع أن يكون جزاء على العمل المحكي قبله، والمكاء والتصدية لا يعدان كفراً إلاّ إذا كانا صادرين للسخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالدين، وأما لو أريد مجرد لهو عملوه في المسجد الحرام فليس بمقتض كونَه كفراً إلاّ على تأويله بأثر من آثار الكفر كقوله تعالى: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ [التوبة: 37].

ومن المفسرين من ذكر أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويمكّون ويصفقون روي عن ابن عباس كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفقون ويصغرون، وعليه فإطلاق الصلاة على المكاء والتصدية مجاز مرسل، قال طلحة بن عمرو: أراني سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكّون فيه نحو أبي قبيس، فإذا صح الذي قاله طلحة بن عمرو فالعندية في قوله: ﴿ عند البيت ﴾ بمعنى مطلق المقاربة وليست على حقيقة ما يفيده (عند) من شدة القرب.

ودل قوله: ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ على عذاب وَاقع بهم، إذ الأمر هنا للتوبيخ والتغليظ وذلك هو العذاب الذي حل بهم يوم بدر، من قتل وأسر وحَرَب (بفتح الراء).

﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ أي بكفركم ف (ما) مصدرية، و ﴿ كان ﴾ إذا جعل خبرها جملة مضارعية أفادت الاستمرار والعادة، كقول عايشة، «فكانوا لا يقطعون السارق في الشيء التافه» وقول سعيد بن المسيب في «الموطأ»: «كانوا يعطون النفَل من الخُمس».

وعبر هنا ب ﴿ تكفرون ﴾ وفي سورة [الأعراف: 39] ب ﴿ تكسبون ﴾ لأن العذاب المتحدث عنه هنال لأجل الكُفر.

والمتحدث عنه في الأعراف لأجل الكفر والإضلال ومَا يجره الإضلال من الكبرياء الروئاسة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً ﴾ في المُكاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: هو أنْ يَشْبِكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ويَصْفُرَ في كَفِّهِ بِفِيهِ فَيَكُونُ المُكاءُ هو الصَّفِيرَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: وحَلِيلُ غَنِيَّةٍ تَرَكَتْ مُجَدَّلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ بِشِدْقِ الأعْلَمِ أيْ تَصْفُرُ بِالرِّيحِ لَمّا طَعَنَتْهُ.

وَأمّا التَّصْدِيَةُ فَفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّصْفِيقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الإطْنابَةِ: وظَلُّوا جَمِيعًا لَهم ضَجَّةُ ∗∗∗ مُكاءٍ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ والثّانِي: أنَّهُ الصَّدُّ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَتَصَدّى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِيَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، ويَصْفُرُ لَهُ إنْ غَفَلَ عَنْهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّها تَفْعِلَةٌ مِن صَدَّ يَصِدُّ، وهو الضَّجِيجُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ  ﴾ أيْ يَضِجُّونَ.

الخامِسُ: أنَّهُ الصَّدى الَّذِي يُجِيبُ الصّائِحَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ البَيْتِ مِنَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ صَلاةً ولَيْسَ مِنها؟

قِيلَ عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُقِيمُونَ التَّصْفِيقَ والصَّفِيرَ مَقامَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ صَلاةً وإنْ لَمْ يَكُنْ في حُكْمِ الشَّرْعِ صَلاةً.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِ الصَّلاةِ.

﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فالقُوا.

الثّانِي: فَجَرِّبُوا.

وَحَكى مُقاتِلٌ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ قامَ مِن كُفّارِ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ رَجُلانِ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ  يَصْفُرانِ كَما يَصْفُرُ المُكاءُ والمُكاءُ طائِرٌ، ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ يُصَفِّقانِ بِأيْدِيهِما لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ وقِراءَتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف، يستهزءون ويصفرون ويصفقون، فنزلت ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن نبيط- وكان من الصحابة رضي الله عنه- في قوله: ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت...

﴾ الآية.

قال: كانوا يطوفون بالبيت الحرام وهم يصفرون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة تصفر وتصفق، فأنزل الله: ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ قال: والمكاء الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق، وأنزل فيهم ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ [ الأعراف: 32] الآية.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ إلا مكاء وتصدية ﴾ قال: المكاء، صوت القنبرة.

والتصدية، صوت العصافير وهو التصفيق.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة، كان يصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المكاء، والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسد عليه صلاته.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

ققال: نعم، أما سمعت حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول: نقوم إلى الصلاة إذا دعينا ** وهمتك التصدي والمكاء وقال آخر من الشعراء في التصدية: حتى تنبهنا سحيراً ** قبل تصدية العصافير وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عن ابن عباس رضي الله عنه قال: المكاء، الصفير.

كان أحدهما يضع يده على الأخرى ثم يصفر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا مكاء وتصدية ﴾ قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: المكاء، إدخال أصابعهم في أفواههم.

والتصدية، الصفير يخلطون بذلك كله على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: المكاء، الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز، والتصدية التصفيق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا مكاء ﴾ قال: كانوا يشبكون أصابعهم ويصفرون فيهن ﴿ وتصدية ﴾ قال: صدهم الناس.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال وهو قوله: ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ فالمكاء، مثل نفخ البوق.

والتصدية، طوافهم على الشمال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ قال: يعني أهل بدر، عذبهم الله بالقتل والاسر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ ، الحراني (١) (٢) (٣) (٤) (٥) هذا معنى المكاء في اللغة، ثم [يقال: مكت است الدابة تمكو مكاءً: إذا نفخت بالريح، ذكره أبو عبيد عن أبي زيد (٦) (٧) (٨) (٩) أراد: تصفر فريصته بالدم، قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان (١٠) (١١) فأما المكاء: فهو (فعال) من مكا إذا صفر، وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي (١٢) (١٣) ضنت بخدّ وجلت عن خدّ ...

وأنا من غرو الهوى أصدّي (١٤) أي: أصفق بيدي من عجيب الهوى.

وقال أبو عبيدة: أصلها: تصددة، فأبدلت الياء من الدال، قال ومنه قوله: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ  ﴾ أي: يعجون (١٥) (١٦) (١٧) وقال أبو علي: ليس ينبغي أن يقال هذا خطأ؛ لأنه قد ثبت بقوله ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون (تصدية) منه، فيكون (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قال (٢٤) (٢٥) صددت الكأس عنا أم عمرو بني الفعل منه على (فعّل) للتكثير على حد: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ ﴾ (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) واختار الأزهري مذهب أبي عبيدة فقال: صدى: أصله صدد (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى  ﴾ أصله: تصدد، من الصدد وهو ما استقبلك وصار قبالتك (٣٧) وأما التفسير فقال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك وقتادة: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق (٣٨) قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون (٣٩) وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي  في الطواف ويستهزءون به ويصفرون يخلطون عليه طوافه وصلاته (٤٠) وقال مقاتل: كان إذا صلى رسول الله  في المسجد يقومون علي يمينه ويساره بالصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته (٤١) (٤٢) إذا قام الملائكة ابتعثتم ...

صلاتكم التصدي والمكاء (٤٣) فعلى ما ذكره مجاهد ومقاتل كان التصدية والمكاء إيذاء للنبي  ، وعلى قول ابن عباس كان ذلك نوع عبادة لهم، واختار أبو إسحاق هذا [فقال: أعلم الله أنهم كانوا مع صدهم أولياء المسجد الحرام كان تقربهم إلى الله بالصفير والتصفيق (٤٤) (٤٥) ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ ﴾ وكأنهم جعلوا ذلك صلاة لهم.

قال ابن عرفة (٤٦) (٤٧) قلت (٤٨) (٤٩) (٥٠) أي: أقام الصياح عليّ مقام إطعامي التمر (٥١) (٥٢) فتى كملت أخلاقه غير أنه ...

جواد فما يبقي من المال باقيا (٥٣) ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ ، قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج وابن إسحاق: يريد عذاب السيف يوم بدر (٥٤) ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ أي: بما كنتم تجحدون أن الله معذبكم، ومُوقِع بكم ما أوقع يوم بدر، قاله ابن إسحاق (٥٦) (٥٧) (١) هو: عبد الله بن الحسن بن أحمد أبو شعيب الحراني، لغوي محدث مؤدب صدوق، لازم ابن السكيت مدة إحدى وعشرين سنة، وتوفي في بغداد سنة 295 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 435، و"إنباه الرواة" 2/ 115، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 536، و"البداية والنهاية" 11/ 107.

(٢) هو: شيخ العربية يعقوب بن إسحاق بن يوسف البغدادي النحوي المشهور بابن السكيت، أخذ عن أبي عمرو الشيباني والأصمعي وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، وكان حجة في العربية مع التدين والفضل، له نحو عشرين مصنفًا نافعًا، أشهرها "إصلاح المنطق"، توفي سنة 244 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 273، و"إنباه الرواة" 4/ 56، و"نزهة الألباء" 2/ 138، و"بغية الوعاة" 2/ 549.

(٣) في "المشوف المعلم": مكاءً.

وانظر: "لسان العرب" (مكا) 7/ 425.

(٤) "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" (م ك و) 2/ 730 مختصرًا، وهو كذلك في "تهذيب اللغة" (مكا) 4/ 3432.

(٥) "تهذيب اللغة"، الموضع السابق.

(٦) المصدر السابق 4/ 3432 بنحوه (٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٨) في "لسان العرب" (فهق) 6/ 3480: الفهق: اتساع كل شيء ينبع منه ماء أو دم، وطعنة فاهقة: تفهق بالدم.

(٩) عجز بيت من معلقة عنترة وصدره: وحليل غانية تركت مجدلًا وهو في "ديوانه" ص 207، و"تفسير الطبري" 9/ 240، و"شرح القصائد السبع الطوال" ص 340.

(١٠) هو: المنتجع بن نبهان الأعرابي، وهو من بني نبهان من طيِّئ، لغوي أخذ عنه علماء زمانه، وأكثر عنه الأصمعي.

انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 157، و"إنباه الرواة" 3/ 323.

(١١) انظر: "شرح القصائد السبع الطوال" ص 341.

(١٢) في (ح): المكائي، وهو خطأ.

ففي "الصحاح" (مكا) 6/ 2495: المكاء: بالمد والتشديد: طائر، والجمع: المكاكي، والمكَاء: مخفف، الصفير.

وفي"لسان العرب" (مكا) 7/ 425: المكَّاء: بالضم والتشديد: طائر في ضرب القنبرة إلا أن في جناحيه بلقًا، سمي بذلك لأنه يجمع يديه ثم يصفر فيها صفيرًا حسنا.

(١٣) انظر: "غريب القرآن" ص 190.

(١٤) الرجز لبشار بن برد كما في "ديوانه" 2/ 222، وهو بلا نسبة في "غريب القرآن" == لابن قتيبة ص 190، و"زاد المسير" 3/ 353، وقد ترك ابن قتيبة بيتًا بين هذين البيتين ونصه كما في الديوان: ثم انثنت كالنفس المرتد وقد تحرف في الديوان قوله: غرو، إلى عرق، واحتار المحققان في توجيهه.

والغرو: العجب، وغروت: عجبت، ويقال: لا غرو: أي ليس بعجب، انظر: "الصحاح" (غرا) 6/ 2446.

(١٥) انظر: قول أبي عبيدة في "سر صناعة الإعراب" 2/ 762، ولم يذكره في "مجاز القرآن" 1/ 246.

(١٦) هو: أحمد بن محمد بن يزديار بن رستم أبو جعفر النحوي الطبري، البغدادي، كان متصدرًا لإقراء النحو، ومؤدبًا لأولاد الوزير ابن الفرات، وصنّف عدة كتب وكان حيًّا عام 304 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 5/ 115، و"إنباه الرواة" 1/ 163، و"بغية الوعاة" 1/ 387.

(١٧) "سر صناعة الإعراب" 2/ 762.

(١٨) في المصدر السابق: فتكون.

(١٩) في المصدر السابق: أصلها.

(٢٠) التحلية: ما كفر به اليمين.

انظر: "لسان العرب" (حلل) 2/ 975.

(٢١) التعلة: ما يتعلل به، ومنه تعلة الصبي أي ما يعلل به ليسكت، المصدر السابق (علل) 5/ 3079.

(٢٢) في "سر صناعة الإعراب": الحرفان.

(٢٣) "سر صناعة الإعراب" 2/ 762.

(٢٤) يعني أبا علي الفارسي.

(٢٥) صدر بيت لعمرو بن كلثوم، وعجزه: وكان الكأس مجراها اليمينا انظر: "ديوانه" ص 65، و"كتاب سيبويه" 1/ 222.

(٢٦) يوسف: 23.

(٢٧) في "الحجة": من.

(٢٨) في "الحجة": في.

(٢٩) هكذا في جميع النسخ، والصواب: مرفوض، بدلالة قوله السابق إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض وكما في"الحجة".

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٣١) رواه البخاري (1203، 1204) "صحيحه" أبواب العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء، ومسلم (422) "صحيحه" كتاب الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة.

(٣٢) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 147 - 148.

(٣٣) في "تهذيب اللغة": صد ويصدّد.

(٣٤) انظر: "لسان العرب" (صدد) 4/ 2411.

(٣٥) انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص 503.

(٣٦) قال ابن سيده: التصدية: التصفيق والصوت، على تحويل التضعيف، ونظيره: قصيت أظفاري في حروف كثيرة، قال: وقد عمل فيه سيبويه بابًا، وقد ذكر منه يعقوب وأبو عبيد أحرفًا.

"لسان العرب" (صدد) 4/ 2410.

(٣٧) "تهذيب اللغة" (صد) 2/ 1985.

وقد تصرف الواحدي بعبارة الأزهري.

(٣٨) رواه عن المذكورين جميعًا ابن جرير 9/ 240 - 243، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 6796.

(٣٩) رواه ابن جرير 9/ 241، والثعلبي 6/ 59 أ، والبغوي 3/ 355.

(٤٠) رواه الثعلبي 6/ 59 أ، والبغوي 3/ 355، ورواه بمعناه ابن جرير 9/ 242، وابن أبي حاتم 5/ 1697.

(٤١) "تفسير مقاتل" ل 121 أ، وقد نقل الواحدي معنى قوله.

(٤٢) ساقط من (ح).

(٤٣) البيت لحسان كما في "لسان العرب" (مكا) 7/ 4251 وليس في "ديوانه".

(٤٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412 مع تصرف يسير.

(٤٥) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(٤٦) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة == الأزدي، المعروف بنفطويه، الإمام الحافظ النحوي، كان عالمًا بالحديث والعربية، مبرزًا في الفقه الظاهري، توفي سنة 323 هـ.

انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 154، و"إنباه الرواة" 1/ 211، و"نزهة الألباء" ص 194، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 75.

(٤٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٤٨) في (ح): (قلت له)، وفي (م): (فقلت).

(٤٩) في (ح): (نهرة).

(٥٠) لم أهتد لقائله.

(٥١) انظر: قول ابن الأنباري مختصرًا في "تفسير البغوي" 3/ 355.

(٥٢) يعني ابن الأنباري، انظر: قوله هذا في"زاد المسير" 3/ 354.

(٥٣) البيت للنابغة الجعدي في رثاء أخيه، انظر: "ديوانه" ص 173، و"كتاب سيبويه" 1/ 367، و"الخزنة" 3/ 334.

(٥٤) ذكره عنهم سوى ابن عباس -  - الماوردي 2/ 316، وانظر قول ابن عباس في: "تنوير المقباس" ص 181، وانظر قول الضحاك وابن جريج في: "تفسير الطبري" 9/ 244، وقول ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 317.

(٥٥) انظر: "النكت والعيون" للماوردي 2/ 316، و"البحر المحيط" 4/ 491.

(٥٦) نص عبارة ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 317: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون: أي لما أوقع بهم يوم بدر من القتل.

(٥٧) "تفسير مقاتل" ل 121 أمع اختلاف يسير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللهم ﴾ الآية، قالها النضر بن الحارث أو سائر قريش لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا على أنفسهم إن كان أمره هو الحق، والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل رواه البخاري ومسلم في كتابيهما، وانتصب الحقَ لأنه خبر كان.

وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحود أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقاباً، وليس مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفي العقوبة عن أنفسهم.

﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي لو آمنوا واستغفروا فإن الاستغفار أمان من العذاب قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب وهما وجود النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر، وقيل: الضمير في يعذبهم للكفار، وفي وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله ﴾ المعنى أي شيء يمنع من عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام والجملة في موضع الحال، وذلك من الموجب لعذابهم ﴿ وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ ﴾ الضمير للمسجد الحرام أو لله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ المكاء: التصفير بالفم.

والتصدية: التصفيق باليد.

وكانوا يفعلونها إذ صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.

وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.

ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.

وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.

ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.

ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله  حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.

وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله  من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.

وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.

وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.

أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.

ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.

وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.

والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله  والمؤمنين من الصدّ.

وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.

ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.

والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.

قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.

وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.

وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.

عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.

فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.

وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.

وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي  في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.

ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.

ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.

قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.

وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.

والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.

وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله  الآية.

ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.

ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.

ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.

ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.

يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله  والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم  ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.

ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.

ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".

وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.

واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟

والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله  : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.

ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.

وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.

ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.

﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.

التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.

ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.

﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية.

ذكر نهاية سفههم، وغاية جرأتهم على الله، وبغضهم الحق، مع علمهم أن الله هو الإله، وأنه قادر على إنزال العذاب، وله السلطان على إمطار الحجارة بقولهم: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، فلم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة سفههم، وجرأتهم على الله، وبغضهم الحق، وذكر هذا - والله أعلم - ليعلم الناس ما لحق رسول الله  بدعاء هؤلاء السفهاء إلى دين الله الذين لم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة بغضهم الحق، وجرأتهم على الله، وما يتحمل منهم من العظيم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ أي: في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحداً في الدنيا ما دام هو فيهم، وما دام مؤمن فيهم بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أي: يؤمنون، وهو كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ومن رحمته ألا يعذب أحداً من أمته في الدنيا، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التناد بقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...

 ﴾ وقوله: ﴿ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ : في أهل مكة خاصة أنه لا يعذبهم ما دام هو فيهم، وما دام فيهم أحد من المسلمين؛ من نحو النساء والذراري؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ...

﴾ الآية [الفتح: 25]، أي: لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم، أي: بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم، ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي: يصلون.

وقيل: يؤمنون؛ وكذلك روي عن ابن عباس -  - ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد، ولا يعذبهم تعذيب استئصال على ما أهلك سائر الأمم.

ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أي سيؤمنون؛ أي: لا يعذبهم ما دام يعلم أن فيهم أحداً يؤمن في آخر عمره، أو من قولهم ألا يجوز لله أن يهلك أحداً إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره؛ لقولهم في الأصلح: إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم وهم يستغفرون، أي: سيؤمنون.

لكن لو كان كما قالوا، لكان لا يجوز الجهاد معهم أبداً، ويسقط الأمر بالقتال؛ إذ لعل فيهم من يسلم، فإذا أمره بالجهاد والقتال معهم، دل أن ذلك ليس ما توهموا، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : أي: وهم يدخلون في الإسلام.

وقيل: يسلمون.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : بقية من بقي في مكة من المسلمين، فلما خرجوا منها قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ ...

﴾ الآية.

وروي عن أبي هريرة -  - قال: فيكم أمانان: أحدهما: رسول الله  ؛ لقول الله  : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ .

والآخر: الاستغفار؛ لقول الله  : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .

قال: فذهب أمان، وهو رسول الله، وبقي أمان، وهو الاستغفار.

وعن ابن عباس -  ما - قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين؛ لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم؛ فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم، وهو الاستغفار الذي ذكر.

وروي عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله  كان ساجداً في آخر سجوده في صلاة الآيات، فقال: أف!

أف!، فقال: رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم؟

رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون" وعن بعضهم: أمانان أنزلهما الله؛ أما أحدهما: فمضى، وهو نبي الله، وأمّا الآخر: فأبقاه الله -  - بين أظهركم، وهو الاستغفار والتوبة.

وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم، وجعل ذلك كتاباً يتلى عليهم في الصلوات - أوجه ثلاثة من الحكمة: أحدها: تعريف لهذه الأمة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم إذا تمادوا في غيهم واستقبلوه بالمكروه والأذى ألا يترك الأمر لهم بالمعروف، ولا يؤيس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم، وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم.

والثاني: ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد وإن كانوا قد جهلوه، إذا كان التضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق، لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك.

والثالث: يكون فيه بيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

أي: ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما كان لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب؛ من تكذيبهم الرسول والآيات التي أرسلها إليهم، وصدهم الناس عن المسجد الحرام، وهو مكان العبادة، وسؤالهم بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أي: ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل رسولاً بقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً...

﴾ الآية [طه: 134]؛ بل أرسل إليهم الرسول، فكذبوه، وبعث إليهم الآيات فكذبوها، وصدّوا الناس عن المسجد الحرام، فلا عذر لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب [عنهم]، إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي  واستغفار المؤمنين، وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبونه بها.

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

أي: عن الصلاة فيه.

ويحتمل أن يكونوا صدّوا الناس عن رسول الله، لكنه ذكر المسجد لما كان رسول الله فيه؛ لئلا يروا رسول الله فيتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ ﴾ .

أي: لم يكونوا أولياء ليصرفوا العذاب عن أنفسهم بالولاية، وهو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، وهم ليسوا بأوليائه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ ﴾ : أنهم كانوا يصدون الناس عن المسجد الحرام؛ لما ادعوا أنهم أولياؤه، وأنهم أولى بالمسجد الحرام [منهم]، أخبر أنهم ليسوا أولياءه، إنما أولياؤه المتقون الذين اتقوا ما أتوا هم، أو أولياؤه الموحدون، لا الذين أشركوا غيره في عبادته وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .

قال بعضهم: [كان أحسن حالهم التي هم عليها هي حال الصلاة]، فإذا كان صلاتهم مكاء وتصدية فكيف حالهم في غير الصلاة؟!

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ وذلك أن النبي -  - وأصحابه إذا صلوا في المسجد الحرام، قام طائفة من المشركين عن يمين النبي وأصحابه، فيصفرون كما يصفر المكاء، وطائفة تقوم عن يسارهم فيصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي وأصحابه صلاتهم، فنزل قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .

ثم اختلف في المكاء والتصدية؛ قال بعضهم: المكاء: هو مثل نفخ البوق، والتصدية: هي طوافهم على الشمال.

وقال القتبي: المكاء: الصفير؛ يقال: مكا يمكو، وهو مثل ما قيل للطائر: مكاء؛ لأنه يمكو، أي: يصفر، يعني: يصوت، والتصدية: هي التصفيق؛ يقال: صدى: إذا صفق بيديه.

وقال أبو عوسجة: المكاء: شبه الصفير، والتصدية: ضرب باليدين، وهو من الصدى؛ من الصوت.

وقيل: المكاء: صفير كان أهل الجاهلية يلعبون به، والتصدية: الصدّ عن سبيل الله ودينه.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ذوقوا العذاب يوم بدر، وهو الهزيمة والقتل الذي كان عليهم يوم بدر.

ويحتمل قوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : في الآخرة؛ بكفرهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما كان صلاة المشركين عند المسجد الحرام إلا صَفِيرًا وتَصْفِيقًا، فذوقوا -أيها المشركون- العذاب بالقتل والأسر يوم بدر بسبب كفركم بالله، وتكذيبكم لرسوله.

<div class="verse-tafsir" id="91.LdKnQ"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده