تفسير الطبري سورة النحل

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة النحل

تفسيرُ سورةِ النحل كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 201 دقيقة قراءة

تفسير سورة النحل كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

﷽ تفسيرُ سورةِ النحلِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أتى أمرُ اللَّهِ، فقرُب منكم أيُّها الناسُ ودَنَا، فلا تَسْتَعْجِلُوا وُقوعَه.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الأمرِ الذي أعلَم اللَّهُ عبادَه مجيئَه وقُرْبَه منهم ما هو، وأيُّ شيءٍ هو؛ فقال بعضُهم: هو فرائضُه وأحكامُه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.

قال: الأحكامُ والحدودُ والفرائضُ (١).

وقال آخرون: بل ذلك وعيدٌ مِن اللَّهِ لأهلِ الشركِ به، أخبَرهم أن الساعةَ قد قَرُبت، وأن عذابَهم قد حضَر أجَلُه، فدَنَا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: [حدَّثنا الحسينُ، قال] (٢): ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قال: لما نزَلت هذه الآيةُ، يعنى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.

قَالَ رَجْلٌ (١) مِن المنافقين بعضُهم لبعضٍ: إن هذا يَزْعُمُ أن أمرَ اللَّهِ قد (٢) أتى، فأمْسِكوا عن بعضِ ما كنتم تعمَلون، حتى تَنْظُروا ما هو كائنٌ.

فلما رأَوا أنه لا يَنْزِل شيءٌ، قالوا: ما نراه نزَل شيءٌ.

فنزَلت: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].

فقالوا: إن هذا يَزْعُم مثلَها أيضًا.

فلما رأَوْا أَنه لا يَنْزِلُ شيءٌ، قالوا: ما نرَاه نزَل شيءٌ.

فنزَلت: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٣) [هود: ٨].

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي بكرِ بن حَفْصٍ، قال: لما نزَلت: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.

رفَعوا رُءوسَهم، فنزَلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ شعيبٍ، قال: سمِعتُ أبا صادقٍ (٥) يَقرَأُ: (يا عِبادِى أتَى أمرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه).

وأولى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هو تهديدٌ مِن اللَّهِ أهلَ الكفرِ به وبرسولِه، وإعلامٌ منه لهم قربَ العذابِ منهم والهلاكِ؛ وذلك أنه عَقَّب ذلك بقولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

فدلَّ بذلك على تَقْريعِه المشركين به (١)، ووعيدِه (٢) لهم.

وبعدُ، فإنه لم يَبْلُغَنا أن أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّهُ ﷺ استَعْجَل فرائضَ قبل أن تُفْرَضَ عليهم؛ فيقالَ لهم مِن أجلِ ذلك: قد جاءَتكم فرائضُ اللَّهِ فلا تَسْتَعْجِلوها.

وأما مُسْتَعْجِلو العذابِ مِن المشركين، فقد كانوا كثيرًا.

وقولُه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا للَّهِ وعلوًّا له عن الشركِ الذي كانت قريشٌ ومَن كان مِن العربِ على مثلِ ما هم عليه يَدين به.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه تعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ فقرَأ ذلك أهلُ المدينةِ وبعضُ البصريين والكوفيين: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

بالياءِ (٣) على الخبرِ عن أهلِ الكفرِ باللَّهِ، وتوجيهٍ للخطابِ بالاستعجالِ إلى أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وكذلك قرَءوا الثانيةَ بالياءِ.

وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ بالتاءِ على توجيهِ الخطابِ بقولِه: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ إلى أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وبقولِه تعالى: (عَمَّا تُشْرِكُونَ (٤)) إلى المشركين (٥).

والقراءةُ بالتاءِ في الحرفين جميعًا على وجهِ الخطابِ للمشركين أولى بالصوابِ، لما بيَّنتُ مِن التأويلِ أن ذلك إنما هو وعيدٌ مِن اللَّهِ للمشركين، ابتدَأ أوَّلَ الآيةِ بتهديدِهم، وختَم آخرَها بنكيرِ (١) فعلِهم، واستعظامِ كفرِهم، على وجهِ الخطابِ لهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾، بالياءِ، وتشديدِ الزايِ، ونَصْبِ الملائكةِ، بمعنى: يُنَزِّلُ اللَّهُ الملائكةَ بالرُّوحِ (٢).

وقرَأ ذلك بعضُ البصريين وبعضُ المكيين: (يُنزِلُ المَلائِكَةَ) بالياءِ وتخفيفِ الزايِ، ونصبِ الملائكةِ (٣).

وحُكِى عن بعضِ الكوفيين أنه كان يَقْرَؤُه: (تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ) بالتاءِ وتشديدِ الزايِ، والملائكةُ بالرفعِ (٤)، على اختلافٍ عنه في ذلك، وقد رُوِى عنه موافقةُ سائرِ قرأةِ بلدِه.

وأولى القراءاتِ (٥) بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾.

بمعنى: يُنَزِّلُ اللَّهُ ملائكةً.

وإنما اختَرت ذلك، لأن اللَّهَ هو المنزِّلُ ملائكتَه بوحيِه إلى رسلِه، فإضافةُ فعلِ ذلك إليه، أولى وأحقُّ.

واختَرت "يُنَزِّلُ" بالتشديدِ على التخفيفِ، لأنه تعالى ذكرُه كان يُنَزِّلُ مِن الوحيِ على مَن نزَّله، شيئًا بعدَ شيءٍ، والتشديدُ به، إذ كان ذلك معناه، أولى مِن التخفيفِ.

[فتأويلُ الكلامِ: يُنَزِّل اللَّهُ ملائكتَه بما يحيا] (٦) به الحقُّ، ويَضْمَحِلُّ به الباطلُ، ﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.

يَعْنى: على مَن يشاءُ مِن رسلِه، ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾.

فـ "أن" الأولى (١) في موضعِ خفضٍ، ردًّا على الروحِ، والثانيةُ في موضعِ نَصْبٍ بـ "أنذروا".

ومعنى الكلامِ: يُنزِّلُ الملائكةَ بالروحِ مِن أمرِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه، بأن أنذِروا عبادى سطْوَتى على كُفرِهم بي، وإشراكِهم في اتخاذِهم معىَ الآلهةَ والأوثانَ، فإنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾.

يَقولُ: لا تَنْبَغى الأُلوهةُ إلَّا لي، ولا يَصْلُحُ أَن يُعْبَدَ شَيءٌ سواى، ﴿فَاتَّقُونِ﴾.

يقولُ: فاحذَروني؛ بأداءِ فرائضِى، وإفرادِ العبادةِ، وإخلاصِ الربوبيةِ لى، فإن ذلك نجاتُكم مِن الهَلَكَةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾.

يقولُ: بالوحيِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.

يقولُ: يُنَزِّلُ الملائكةَ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾: إنه لا يَنْزِل ملَكٌ إلا ومعه رُوحٌ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾.

قال: لا يَنْزِلُ ملَكٌ إلا معه رُوحٌ.

﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.

قال: بالنُّبوةِ.

قال ابن جريجٍ: وسمِعت الرُّوحَ خَلْقٌ مِن الملائكةِ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) [الإسراء: ٨٥].

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.

قال: كلُّ كَلِمٍ (٣) تَكلم به ربنا فهو رُوح منه، قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.

إلى قولِه: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٤) [الشورى: ٥٣،٥٢].

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾.

[يقولُ: يُنَزِّلُ بالرحمةِ والوحْيِ مِن أمرِه] (٥) ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيَصْطَفى منهم رسلًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ [مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ] (١)﴾.

قال: بالوحيِ والرحمةِ (٢).

وأما قولُه: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.

فقد بيَّنا معناه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ إنما بعَث الله المرسلين أن يُوَحَّدَ (٣) اللهُ وحدَه، ويُطاعَ أمرُه، ويُجتنَبَ سخَطُه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه معرِّفًا خلقَه حجتَه عليهم في توحيدِه، وأنه لا تَصْلُحُ الأُلوهةُ إلا له: خلَق ربُّكم، أيُّها الناسُ، السماواتِ والأرضَ بالعدلِ، وهو الحقُّ، منفردًا بخلِقها، لم يَشْرَكْه في إنشائِها وإحداثِها شريكٌ، ولم يُعِنْه (٤) مُعِينٌ، فأَنَّى يكونُ له شريكٌ؟

﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤه: علا (٥) ربُّكم، أيُّها القومُ، عن شِرْكِكم ودعواكم إلهًا دونَه، فارتَفع عن أن يَكُونَ له مِثْلٌ (٦) أو شريكٌ أو ظَهِيرٌ، لأنه لا يَكُونُ إلهًا إلا مَن يَخْلُقُ ويُنْشِئُ بقدرتِه مثل السماواتِ والأرضِ، ويَبْتَدِعُ الأجسامَ فيُحْدِثُها مِن غيرِ شيءٍ، وليس ذلك في قُدرةِ أحدٍ سوى اللهِ الواحدِ القهارِ، الذي لا تَنْبَغى العبادةُ [إِلَّا له] (١)، ولا تَصْلُحُ الأُلوهةُ لشيءٍ سواه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِه عليكم أيضًا، أيُّها الناسُ، أنه خلَق الإنسانُ من نطفةٍ، فأحدَث مِن ماءٍ مَهينٍ خلقًا عجيبًا، قَلَبه تاراتٍ خَلْقًا بعد خلقٍ، في ظلماتٍ ثلاثٍ، ثم أخرَجه إلى ضياءِ الدنيا، بعدَما تمَّ خلقُه، ونفَخ فيه الروحَ، فغذّاه ورزَقه القوتَ، ونمَّاه، حتى إذا استوى على سُوقِه، كفَر بنعمةِ ربِّه، وجحَد مدبرَه، وعبَد مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وخاصَم إلهَه، فقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].

ونَسِى الذي خلَقه، فسوَّاه خلقًا سَوِيًّا مِن ماءٍ مَهِينٍ.

ويَعْنى بالمُبينِ: أنه يُبينُ عن خصومتِه بمنطقِه، ويجادِلُ بلسانِه، فذلك إبانتُه، وعُنِى بالإنسانِ: جميعُ الناسِ، أُخْرِج بلفظِ الواحدِ، وهو في معنى الجميعِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِه عليكم أيُّها الناسُ ما خلَق لكم مِن الأنعامِ، فسخَّرها لكم، وجعَل لكم من أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها ملابسَ تَدْفَئُون بها، ومنافعَ من ألبانِها، وظهورَها تَرْكَبُون (٢)، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.

يقولُ: ومِن الأنعامِ ما تَأْكُلون لحمَه؛ كالإبلِ والبقرِ والغنمِ وسائرِ ما يُؤكَلُ لحمُه.

وحُذِفت "ما" من الكلامِ، لدِلالة "مِن" عليها.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى وعليُّ بنُ داودَ، قال المُثَنَّى: أخبرنا.

وقال ابن داودَ: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.

يقولُ: الثيابُ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: يَعْنى بالدفءِ الثيابَ، والمنافعِ ما تَنْتَفِعون به مِن الأطعمةِ والأشربةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.

قال: لباسٌ يُنْسَجُ، ومنها مَرْكَبٌ ولبنٌ ولحمٌ (٢).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: لباسٌ يُنْسَجُ، ﴿وَمَنَافِعُ﴾: مَرْكَبٌ ولحمٌ ولبنٌ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾.

قال: نَسْلُ كلِّ دابةٍ (١).

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾.

يقولُ: لكم فيها لباسٌ ومنفعةٌ وبُلْغةٌ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.

قال: هو منافعُ ومآكلُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.

قال: دفءُ اللُّحُفِ التي جعَلها اللهُ منها.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: بلَغني عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾.

قال: نِتاجُها ورُكوبُها وألبانُها ولحومُها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خَلَقها اللهُ لكم ﴿جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾.

يعني: تَرُدُّونَها بالعشيِّ من مسارحِها إلى مُراحِها ومنازلِها (١) التي تأوِى إليها، ولذلك سُمِّى المكانُ المُراحَ، لأنها تُراحُ إليه عشاءً (٢)، فتأوى إليه، يقالُ منه: أراح فلانٌ ماشيتَه، فهو يُريحُها إراحةً.

وقولُه: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.

يقولُ: وفى وقتِ إخراجِكموها غُدوةً مِن مُراحِها إلى مسارحِها، يقالُ منه: سَرَّح فلانٌ ماشيتَه يُسَرِّحُها تَسريحًا [وشروحا] (٣)، إذا أخرَجها للمرعى (٤) غُدْوةً، وسرَحت الماشيةُ: إذا خرَجت للمرعى، تَسْرَح سرْحًا [وسُرُوحا] (٥) فالسَّرْحُ بالغداةِ، والإراحةُ بالعشيِّ، ومنه قولُ الشاعرِ (٦): كأنَّ بقايا الأثرِ (٧) فوق مُتُونِه … مَدَبُّ الدَّبَى (٨) فوقَ النّقا (٩) وَهْوَ سارحُ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: وذلك أعجبُ ما يكونُ، إذا راحت عظامًا ضُروعُها، طِوالًا، أسنِمتُها، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: إذا سرَحت لرِعْيَتِها (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ (٢).

قال: إذا راحت كأعظمِ ما تَكونُ (٢) أسنمةً وأحسنِ ما تكونُ (٣) ضُروعًا (٤).

وقولُه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.

يقولُ: وتَحْمِلُ هذه الأنعامُ أثقالكم (٥) إلى بلدٍ آخرَ، لم تَكُونوا بالغِيه (٦) إلا بجَهْدٍ من أنفسِكم شديدٍ، ومشقةٍ عظيمةٍ، كما حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن عكرمةٍ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.

قال: لو تُكَلَّفونه لم تَبْلُغوه إلا بجَهْدِ شديدٍ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.

قال: لو كُلِّفْتُموه لم تَبْلغوه إلا بشِقِّ الأنفسِ (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.

قال: البلدُ مكةُ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللهِ: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.

قال: مشقةٍ عليكم (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، يقول: بِجَهْدِ الأنفسِ.

حدَّثنا محمدُ [بنُ عبدِ الأعلى] (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (٥).

واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بكسرِ الشينِ: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.

سوى أبي جعفر القارئِ (١)، فإن المثنى حدَّثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثني أبو سعيدٍ الرازيُّ، عن أبي جعفرٍ قارئِ المدينةِ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، بفتحِ الشينِ، وكان يقولُ: إنما الشَّقُّ: شَقُّ النفسِ.

وقال ابن أبي حمادٍ: وكان معاذٌ الهرَّاءُ يقولُ: هي لغةٌ، تقولُ العربُ: بشَقٍّ وبشِقٍّ، وبرَقٍّ وبرِقٍّ.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهى كسرُ الشينِ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وشذوذِ ما خالَفه، وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ بكسرِ الشينِ وفتحِها، وذلك قولُ الشاعرِ (٢): وذى إبلٍ يَسْعَى ويَحْسِبُها له … أخي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودُءوبِ و "مِن شَقِّها"، أيضًا، بالكسرِ والفتحِ؛ وكذلك قولُ العجّاجِ (٣): أصبَح مَسْحولٌ (٤) يوازى شَقًا و "شَقًّا"، بالفتحِ والكسرِ، يَعْنى بقولِه: "يوازى شِقًّا": يُقاسي مشقةً.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَذْهَبُ بالفتحِ إلى المصدرِ مِن: شَقَقْتُ عليه أَشُقُّ شَقًّا.

وبالكسرِ إلى الاسمِ.

وقد يَجُوزُ أن يكونَ الذين قرَءوا بالكسرِ، أرادوا إلا ينقصٍ مِن القوَّةِ، وذَهَابِ شيءٍ منها، حتى لا يَبْلُغَه إلا بعدَ نَقْصِها، فيكونَ معناه عندَ ذلك: لم تكونوا بالغيه إلا بشقِّ قُوَى أنفسِكم، وذَهَابِ شِقِّها الآخرِ.

ويُحْكَى عن العربِ: خُذْ هذا الشِّقَّ.

لشِقَّةِ الشاةِ، بالكسرِ.

فأما في: شَقَقْتُ (١) عليك شَقًّا، فلم يُحْكَ فيه إلا النصبُ (٢).

وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم أيُّها الناسُ ذو رأفةٍ (٣) ورحمةٍ، ومن رحمتِه بكم خلَق لكم الأنعامَ لمنافِعِيكم ومصالحِكم، وخلَق السماواتِ والأرضَ أدلةً لكم على وحدانيةِ ربِّكم، ومعرفةِ إلهِكم، لتَشْكُروه على نِعَمِه عليكم، فيزيدَكم مِن فضلهِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق الخيلَ والبغالَ والحَميرَ لكم أيضًا لتركَبوها، ﴿وَزِينَةً﴾.

يقولُ: وجعَلها لكم زينةً، تَتَزَينون بها، مع المنافعِ التي فيها لكم للركوبِ وغيرِ ذلك، ونُصِبَ الخيلُ والبغالُ، عطفًا على الهاءِ والألفِ في قولِه: ﴿خَلَقَهَا﴾.

ونُصِبَ الزينةُ بفعل مضمرٍ على ما بَيَّنتُ، ولو لم يَكُنْ معها (٤)، واوٌ، وكان الكلامُ: لتركَبوها زينةً.

كانت منصوبةً بالفعلِ الذي قبلَها، الذي هي به متصلةٌ، ولكنَّ دخولَ الواوِ آذَنَت بأن معها ضميرَ فعلٍ، وبانقطاعِها عن الفعلِ الذي قبلَها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾.

قال: جعَلها لتَرْكَبوها، وجعَلها زينةً لكم (١).

وكان بعضُ أهلِ العلمِ يرى أن في هذه الآيةِ دلالةً على تحريمِ أكلِ لُحومِ الخيلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدِ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ (٢)، عن أبي (٣) إسحاقَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾.

قال: هذه للرُّكوبِ.

﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.

قال: هذه للأكلِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا (٤) هشامٌ الدَّستوائيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن مولى (٥) نافعِ بن عَلْقمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان يَكْرَهُ لحومَ الخيلِ والبغالِ والحميرِ، وكان يقولُ: قال اللهُ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.

فهذه للأكلِ، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ فهذه للرُّكوبِ (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن (٢) أبي ليلى، [عن المنهالِ] (٣)، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه سُئِل عن لُحومِ الخيلِ، فكرِهها، وتلا هذه الآية: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ الآية (٤).

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه سُئِل عن لُحومِ الخيلِ، فقال: اقْرَأ التي قبلَها: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ … ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾، فجعَل هذه للأكلِ، وهذه للرُّكوبِ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الملكِ بنُ أبي غَنِيَّة (٥)، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: فجعَل منه الأكلَ.

ثم قرَأ حتى بلَغ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾.

قال: لم يَجْعَلْ لكم فيها أكلًا.

قال: وكان الحَكَمُ يقولُ: الخيلُ والبغالُ والحميرُ حرامٌ في كتابِ اللهِ (٦).

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن أَبي غَنِيَّةً (١)، عن الحَكَمِ، قال لُحومُ الخيلِ حرامٌ في كتابِ اللهِ.

ثم قرَأ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾.

وكان جماعةٌ غيرُهم مِن أهلِ العلمِ يُخالِفونهم في هذا التأويلِ، ويَرَوْن أن ذلك غيرُ دالٍّ على تحريمِ شيءٍ، وأن الله جلَّ ثناؤُه إنما عرَّف عبادَه بهذه الآيةِ، وسائرِ ما في أوائلِ هذه السورةِ، نِعَمَه عليهم، ونبَّههم به على حُجَجِه عليهم، وأدلتِه على وحدانيتِه، وخَطَأَ فعلِ مَن يُشْرِكُ به مِن أهلِ الشركِ.

ذكرُ بعضِ مَن كان لا يَرَى بأسًا بأكلِ لحمِ الفَرَسِ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، أنه أكَل لحمَ فَرَسٍ (٢).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسود بنحوِه.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: نحَر أصحابُنا فَرَسًا في النَّجْعِ (٣)، وأكَلوا منه، ولم يرَوا به بأسًا (٤).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما قاله أهلُ القولِ الثاني، [وذلك] (٥) أنه لو كان في قولِه تعالى ذكرُه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾.

دِلالةٌ على أنها لا تَصْلُحُ - إذ كانت للركوبِ - للأكلِ، لكان في قولِه: ﴿فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.

دلالةٌ على أنها لا تَصْلُحُ - إذ كانت [للأكلِ والدِّفْءِ - للركوبِ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن ركوبَ (١) ما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.

جائزٌ حلالٌ غيرُ حرامٍ، دليل] (٢) واضحٌ على أن أكلَ ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾.

جائزٌ حلالٌ غيرُ حرامٍ، إلا بما نَصَّ على تحريمِه، أو وضَع على تحريمِه دلالةً؛ مِن كتابٍ، أو وحيٍ إلى رسولهِ ﷺ.

فأما بهذه الآيةِ، فلا يُحَرَّمُ أَكلُ شيءٍ.

وقد وضَع الدَّلالةَ على تحريمِ لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ بوحيِه إلى رسولِه، وعلى البغالِ بما قد بيَّنا في كتابِنا، كتابِ الأطعمةِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، إذ لم يَكُنْ هذا الموضعُ من مواضعِ البيانِ عن تحريمِ ذلك، وإنما ذكَرنا ما ذكَرنا، ليَدُلَّ على ألَّا وجهَ لقولِ (٣) مَن اسْتَدَلَّ بهذه الآيةِ على تحريمِ لُحومِ (٤) الفرسِ.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كنا نأكُلُ لحمَ الخيلِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ قلت: فالبغالُ؟

قال: أما البغالُ فلا (٥).

وقولُه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويَخْلُق ربُّكم مع خلقِه هذه الأشياءَ التي ذكَرها لكم، ما لا تَعْلَمون، مما أعَدَّ في الجنةِ لأهلِها، وفي النارِ لأهلِها، مما لم تَرَهُ عَينٌ، ولا سمِعته أذنٌ، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللهِ، أَيُّها الناسُ، بيانُ طريقِ الحقِّ لكم، فمن اهْتَدى فلنفسِه، ومَن ضلَّ فإنما يَضِلُّ عليها.

والسبيلُ هي الطريقُ، والقصدُ مِن الطرقِ (١): المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه، كما قال الراجزُ (٢): فصَدَّ عن نَهْج الطريقِ القاصدِ وقولُه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

يَعْنى تعالى ذكرُه: ومن السبيلِ جائزٌ عن الاستقامةِ مُعْوَجٌّ، فالقاصدُ من السُّبُلِ الإسلامُ، والجائرُ منها اليهوديةُ والنصرانيةُ وغيرُ ذلك مِن مِلَلِ الكفرِ، كلُّها جائرٌ عن سواءِ السبيلِ وقصدِها، سوى الحنيفيةِ المسلمةِ، وقيل: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فأُنثتْ في هذا الموضعِ.

وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما قيل: ﴿وَمِنْهَا﴾، لأنَّ السبيلَ وإن كان لفظُها لفظَ واحدٍ، فمعناها الجمعُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

يقولُ: البيانُ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، يقولُ: على اللهِ البيانُ؛ أن يُبَيِّن الهدى والضلالةَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

قال: طريقُ الحقِّ على اللهِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

يقولُ: على اللهِ البيانُ؛ بيانُ (٤) حلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

قال: [السبيلُ طريقً الهدى] (٦) (٧).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

قال: إنارتُها.

حدَّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، يقولُ: على اللهِ البيانُ، يُبَيِّنُ الهدى مِن الضلالةِ، ويُبَيِّنُ السبيلُ التي تَفَرَّقت عن سُبُلِه، ومنها جائرٌ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي من السُّبُل (٢)، سُبُلُ (٣) الشيطانِ.

وفى قراءةِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (وَمِنْكُمْ جائِرٌ، وَلَوِ شَاءَ (٤) لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

قال: في حرفِ ابن مسعود: (وَمِنْكُمْ جائِرٌ) (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، [عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

يعنى: السبلُ المتفرِّقةُ (٦).

حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ] (٧)، عن ابن عباسٍ، في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

يقولُ: الأهواءُ المختلفةُ (١).

حدَّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

يعنى: السبلُ التي تَفَرَّقت عن سبيلِه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ السبلُ المتَفَرقةُ عن سبيلِه.

حدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابن وهبٍ] (٢)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

قال: من السُّبُلِ جائرٌ عن الحقِّ.

قال: وقال اللهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣) [الأنعام: ١٥٣].

وقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

يقولُ: ولو شاء اللهُ للَطَفَ بجميعِكم، أيُّها الناسُ، بتَوْفِيقِه، فكنتم تَهْتَدون، وتَلْزَمون قصدَ السبيلِ، ولا تَجُورون عنه، فتَتَفرَّقون في سبلٍ عن الحقِّ جائرةٍ.

كما حدّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

قال: لو شاء لهداكم أجمعين لقَصْدِ السبيلِ الذي هو الحقُّ.

وقرَأ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية [يونس: ٩٩)، وقرَأ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية [السجدة: ١٣].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذي أنعَم عليكم هذه النِّعَمَ، وخلَق لكم الأنعامَ والخيلَ وسائرَ البهائمِ لمنافعِكم ومصالحِكم، هو الربُّ الذي أنزَل من السماءِ ﴿مَاءً﴾، يعني: مطرًا، ﴿لَّكُمْ﴾، مِن ذلك الماءِ ﴿شَرَابٌ﴾ تَشْرَبونه، ﴿وَمِنْهُ﴾ شرابُ أشجارِكم وحياةُ غُروسِكم ونباتُها.

﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

يقولُ: في الشجرِ الذي يَنْبُتُ مِن الماءِ الذي أُنْزِل مِن السماءِ تُسِيِمون، يعنى تُرْعُون، يقالُ منه: أسام فلانٌ إبِلَه يُسِيمُها إسامةً، إذا أرْعاها، وسوَّمها أيضًا يُسوِّمُها، وسامَت هي، إذا رعَت، فهي تَسُومُ، وهى إبلٌ سائمةٌ، ومن ذلك قيل للمواشِي المُطْلَقَةِ في الفلاةِ وغيرها للرَّعْيِ: سائمةٌ.

وقد وجَّه بعضُهم معنى السَّوْمِ في البيعِ، إلى أنه مِن هذا، وأنه ذَهابُ كلِّ واحدٍ من المتَبايِعَيْن، فيما يَنْبَغى له مِن زيادةِ ثمنٍ ونقصانٍ (١) كما تَذْهَبُ سوائمُ المواشى حيثُ شاءَت مِن مراعيها، ومنه قولُ الأعشى (٢): ومشَى القومُ بالعِمَادِ إلى الرَّزْ … حَى (٣) وأعيا المُسيمَ أين المساقُ وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النَّضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

قال: تُرْعُونَ (٤).

حدَّثنا أحمدُ بنُ سهيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، في قولِه: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

قال: تُرْعُون (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: تُرْعُون.

حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

يقولُ: شَجَرٌ يُرْعُون فيه أنعامَهم وشاءَهم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

قال: تُرْعُون.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جُوَييرٍ، عن الضحاكِ: فيه تُرْعُون (٢).

حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿تُسِيمُونَ﴾.

يقول: تُرْعُون أنعامَكم حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن أبي طلحةَ القَنّادِ، قال: سمِعت عبدِ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أَبزَى، قال: فيه تُرْعُون.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

يقولُ: تُرْعُون.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: تُرْعُون (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

قال: تُرْعُون.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

قال: تُوْعُونَ (٢).

قال: الإسامةُ الرِّعْيَةُ، وقال الشاعرُ (٣): مثلِ ابن بَزْعَةَ أَو كَآخَر مِثْلِهِ … أَوْلَى لك ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ قال: يا بنَ راعيةِ الأجْمالِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يُنْبِتُ لكم ربُّكم بالماءِ الذي أنزَل لكم مِن السماءِ، زَرْعَكم وزَيْتونَكم ونَخِيلَكم وأعنابَكم، ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، يعنى مِن كلِّ الفواكهِ غيرِ ذلك، أرزاقًا لكم وأقواتًا وإدامًا وفاكهةً، نعمةً منه عليكم بذلك وتَفْضُّلًا، وحُجَّةً على مَن كفَر به منكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن في إخراجِ اللهِ بما يُنْزِلُ مِن السماءِ مِن ماءٍ، ما وصَف لكم ﴿لَآيَةً﴾.

يقول: لدلالةً واضحةً، وعلامةً بيِّنةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

يقولُ: لقومٍ يَعْتَبرون مواعظَ اللهِ، ويَتَفَكَّرون في حُجَجِه، فيَتَذَكَّرون ويُنيبون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿(١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن نِعَمِه عليكم أيُّها الناسُ، مع التي ذكَرها قبلُ، أن سخَّر لكم الليلَ والنهارَ يَتَعاقَبان عليكم، هذا لتَصَرُّفِكم في معاشِكم، وهذا لسكَنِكم فيه، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمعرفةِ أوقاتِ أزمنتِكم وشهورِكم وسنينِكم، وصلاحِ معايِشكم، ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ لكم بأمرِ الله، تَجْرى في فَلَكِها، لتَهْتَدُوا بها في ظُلُماتِ البرِ والبحرِ.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تَسْخيرِ اللهِ ذلك على ما سخَّره، لدِلالاتٍ واضحاتٍ، لقومٍ يَعْقِلُون حُجَجَ اللهِ ويَفْهَمون عنه تنبيهَه إياهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾.

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾: وسخَّر لكم ما ذرَأ لكم، أي ما خلَق لكم في الأرضِ ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ مِن الدوابِّ والثمارِ.

كما حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.

يقول: وما خلَق لكم ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من الدوابِّ، ومن الشجرِ والثمارِ، نِعَمٌ مِن الله مُتظاهِرةٌ، فاشْكُروها للهِ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: مِن الدوابِّ والأشجارِ والثمارِ (١).

ونُصِب قولُه: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأن قولَه ﴿وَمَا﴾ في موضعِ نصبٍ بالمعنى الذي وصَفت.

وإذا كان ذلك كذلك، وجَب أن يكونَ ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾، حالًامِن "ما"، والخبرُ دونَه تامٌّ (٢)، ولو لم تَكُنْ "ما" في موضعِ نصبٍ، وكان الكلامُ مبتدأً مِن قولِه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ لم يَكُنْ في "مختلفٍ" إلا الرفعُ؛ لأنه كان يصيرُ مُرافَعَ "ما" حينَئذٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذي فعَل هذه الأفعالَ بكم وأنعَم عليكم، أيُّها الناسُ، هذه النِّعَمَ، هو الذي سخَّر لكم البحرَ، وهو كلُّ نَهَرٍ، مِلْحًا كان ماؤه أو عَذْبًا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وهو السمكُ الذي يُصْطادُ منه ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، وهى اللُّؤلُؤُ والمَرجانُ.

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.

قال: منهما (٣) جميعًا.

﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، قال: هذا اللُّؤْلُوُ (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، يعني: حِيتانَ البحرِ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا [خلَّادُ بنُ] (١) يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: جاء رجلٌ إلى أبى جعفرٍ، فقال: هل في حُلْيِ النساءِ صَدَقَةٌ؟

قال: لا، هي كما قال اللهُ ﷿: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٢).

﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾، يعنى: السُّفْنَ ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، وهى جمعُ ماخِرةٍ.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَوَاخِرَ﴾؛ فقال بعضُهم: المواخرُ المواقِرُ (٣).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرٍو بنُ موسى القزّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾.

قال: المواقِرُ (٤).

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن أبي بكرٍ الأصمِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، قال: ما أُخِذ عن يمينِ السفينةِ وعن يَسارِها مِن الماءِ، فهو المواخرُ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي مَكِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾.

قال: هي السفينةُ تقولُ بالماءِ هكَذا.

يَعْنى: تَشْقُّه (١).

وقال آخرون فيه: بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾.

قال: تَجْرى فيه مُتَعَرِّضةً.

وقال آخرون فيه بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾.

قال: تَمْخُرُ السفينةُ الرياحَ، ولا تَمْخُرُ الريحُ من السُّفُنِ، إلا الفُلْكَ العظيمَ (٢).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا: إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، غيرَ أن الحارثَ قال في حديثِه: ولا تَمْخُرُ الرياحُ مِن السفنِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَوَاخِرَ﴾.

قال: تَمْخُرُ الريحَ.

وقال آخرون فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: تَجْرِى بريحٍ واحدةٍ، مُقبلةً ومُدبِرةً (١).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: تجرى مُقْبِلةً ومُدْبِرةً، بريحٍ واحدةٍ (٢).

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيدَ بنُ إبراهيمَ، قال: سمِعت الحسنَ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾.

قال: مقبلةً ومدبرةً، بريحٍ واحدةٍ (٣).

والمخْرُ في كلامِ العربِ صوتُ هبوبِ الريحِ إذا اشتدَّ هبوبُها، وهو في هذا الموضعِ صوتُ جريِ السفينةِ بالريحِ إذا عصَفَت، وشَقِّها الماءَ حينَئِذٍ بصدرِها.

يُقالُ: منه: مخَرَت السفينةُ تَمْخُرُ مَخْرًا ومُخورًا، وهى ماخرةٌ.

ويقالُ: امْتَخَرْتُ الريحَ وتَمَخَّرْتُها.

إذا نظَرْتَ مِن أين هُبوبُها، وتَسَمَّعْتَ صوتَ هُبوبِها.

ومنه قولُ واصلٍ مولى أبي (٤) عُيَيْنةَ: كان يُقالُ: إذا أراد أحدُكم البولَ فلْيَتَمَخَّرِ الريحَ.

يريدُ بذلك: ليَنْظُرْ مِن أينَ مَجراها وهبوبُها؛ ليَسْتَدْبِرَها، فلا تُرجِعَ عليه البولَ وتردَّه عليه (٥).

وقولُه: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولتَتصَرَّفوا في طلبِ معايِشِكم بالتجارةِ (٦)، كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.

قال: تجارةُ البرِّ والبحرِ.

وقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

يقولُ: ولتَشْكُروا ربَّكم على ما أنعَم به عليكم، من ذلك [ما سخَّر لكم] (١) مِن هذه الأشياءِ، التي عدَّدها في هذه الآياتِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن نِعَمِه عليكم أيُّها الناسُ أيضًا، أن ألْقَى في الأرضِ رواسِيَ، وهى جمعُ راسيةٍ، وهى الثوابتُ في الأرضِ مِن الجبالِ.

وقولُه: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعنى: أن لا تميدَ بكم، وذلك كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦).

والمعنى: أن لا تَضِلوا.

وذلك أنه جلَّ ثناؤُه أرْسَى الأرضَ بالجبالِ، لئلا تَمِيدَ خلقَه الذي على ظهرِها، وقد كانت مائدةً قبل أن تُرْسَى بها.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن قيسِ بن عُبَادٍ، أن الله ﵎ لما خلَق الأرضَ جَعَلت تمورُ، قالت الملائكةُ: ما هذه بمُقِرَّةٍ على ظهرِها أحدًا، فأصبَحت صُبحًا وفيها رواسيها (٢).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن حبيبٍ، عن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: لما خلّق اللهُ الأَرضَ قمَصت (٣)، وقالت: أي ربِّ، أَتَجْعَلُ عليَّ بنى آدمَ، يَعْمَلُون عليَّ الخطايا، ويَجْعَلُون عليَّ الخَبَثَ؟

قال: فأَرْسَى اللهُ عليها مِن الجبالِ ما تَرَوْن وما لا تَرَوْنَ، فكان إقرارُها كاللحمِ يَتَرَجْرَجُ (١).

والمَيْدُ هو الاضْطرابُ والتكفِّى (٢)، يُقال: مادت السفينةُ تمِيدُ مَيْدًا.

إذا تَكَفَّأتْ بأهلِها، ومالَت، ومنه المَيْدُ الذي يَعْتَرى راكبَ البحرِ: وهو الدُّوَارُ (٣).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن تُكْفَأَ بكم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾.

قال: الجبالَ، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾.

قال قتادةُ: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لما خُلِقت الأَرضُ كادَت تَميدُ، فقالوا: ما هذه بمُقِرَّةٍ على ظهرِها أحدًا.

فأصبَحوا وقد خُلِقت الجبالُ، فلم تَدْرِ الملائكةُ ثمَّ (٤) خُلِقت الجبالُ (٥)؟

وقولُه: ﴿وَأَنْهَارًا﴾.

يقولُ: وجعَل فيها أنهارًا، فعطَف بالأنهارِ على الرواسِي، وأعملَ فيها ما أعملَ في الرواسِي، إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ والمرادُ منه، وذلك نظيرُ قول الراجزِ (١): تَسْمَعُ في أجوافِهن صَوْرا … وفي اليَدَيْنِ حَشَّةً وبَوْرَا والحشَّةُ: اليُبْسُ، فعَطَف بالحَشَّةِ على الصوتِ، والحَشَّةُ لا تُسْمَعُ، إذ كان مفهومًا المرادُ منه، وأن معناه: وتَرَى في اليدين حَشَّةً.

وقوله: ﴿وَسُبُلًا﴾، وهي جمعُ سبيلٍ، كما الطُّرُقُ جمعُ طريقٍ.

ومعنى الكلامِ: وجعَل لكم أيُّها الناسُ في الأرضِ سُبُلًا وفجاجًا تَسْلُكونها، وتَسيرون فيها في حوائجِكم، وطَلَبِ معايشِكم؛ رحمةً بكم ونعمةً منه بذلك عليكم، ولو عمّاها عليكم لهلَكتم ضلالًا وحَيْرةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسُبُلًا﴾، أي: طُرُقًا (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَسُبُلًا﴾.

قال: طُرُقًا (٣).

وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، يقولُ: لكي تَهْتَدوا بهذه السُّبُلِ التي جعَلها لكم في الأرضِ، إلى الأماكن التي تَقْصِدون، والمواضعِ التي تُرِيدون، فلا تَضِلُّوا وتَتَحَيَّروا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالعلاماتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها معالمُ الطرقِ بالنهارِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

يعنى بالعلاماتِ: معالمَ الطُّرُقِ بالنهارِ، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بالليل (١).

وقال آخرون: عُنِى بها النجومُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

قال: منها ما يكونُ علاماتٍ، ومنها ما يَهتَدُون به.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

قال: منها ما يكونُ علامةً، ومنها ما يُهْتَدى به (٢).

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).

حدثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.

قال المُثَنَّى: قال (٢) إسحاقُ: خالَف قَبيصةُ وكيعًا في الإسنادِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ والعلاماتُ النجومُ، وإن الله ﵎ إنما خلَق هذه النجومَ لثلاثِ خَصَلات؛ جعَلها زينةً للسماءِ، وجعَلها يُهتَدى بها، وجعَلها رُجومًا للشياطين، فمن تعَاطى فيها غيرَ ذلك، فقد رأيَه، وأخطَأ حظَّه، وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا علمَ له به.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾.

قال: النجومُ (٣).

وقال آخرون: عُنِى بها الجبالُ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ عن الكلبيِّ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾.

قال: الجبالُ (٤).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه عدَّد على عبادِه مِن نِعَمِه إنعامَه عليهم بما جعَل لهم مِن العلاماتِ التي يهْتدون بها في مسالِكهم وطُرُقِهم التي يَسيرونها، ولم يَخْصُصْ بذلك بعضَ العلاماتِ دونَ بعضٍ، فكلُّ علامةٍ اسْتَدلَّ بها الناسُ على طُرُقِهم وفِجاجِ سُبُلِهم، فداخلٌ في قولِه: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، والطُّرُقُ المسْبُولةُ الموطوءةُ علامةٌ للناحيةِ المقصودةِ، والجبالُ علامات يُهْتَدى بهنَّ إلى قَصْدِ السبيل، وكذلك النجومُ بالليلِ، غير أن الذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ أن تَكُونَ العلاماتُ من أدلةِ النهارِ إذ كان اللهُ قد فصَل منها أدلةَ الليل بقولِه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ وإذ كان ذلك أشبهَ وأولى بتأويلِ الآيةِ، فالواجبُ أن يَكُون القولُ في ذلك ما قاله ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رُوِّيناه عن عطيةَ عنه، وهو أن العلاماتِ معالمُ الطُّرُقِ وأماراتُها التي يُهْتدى بها إلى المستقيمِ منها نهارًا، وأن يكون النَّجمِ الذي يُهْتدى به ليلًا هو الجَدْىُ والفَرْقدانِ، لأنَّبها اهتداءَ السفرِ، دونَ غيرِها مِن النجومِ.

فتأويلُ الكلامِ إذن: وجعَل لكم أيُّها الناسُ علاماتٍ تسْتَدِلُّون بها نهارًا على طُرُقِكم في أسفارِكم، ونجومًا تهتَدون بها ليلًا في سُبُلكم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لعَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ: أفمن يخلقُ هذه الخلائقَ العجيبةَ، التي عدَّدناها عليكم، ويُنْعِمُ عليكم هذه النِّعَمَ العظيمةَ، كمن لا يخلقُ شيئًا، ولا يُنْعِمُ عليكم نعمةً صغيرةً ولا كبيرةً.

يقول: أتُشْرِكون هذا في عبادةِ هذا؟

يُعَرِّفُهم بذلك عِظمَ جهلِهم، وسوءَ نظرِهم لأنفسِهم، وقلَّةَ شُكْرِهم لمن أَنْعَم عليهم بالنِّعمِ التي عدَّدها عليهم، التي لا يُحْصِيها أحدٌ غيرُه.

قال لهم جلَّ ثناؤُه مُوَبِّخَهم: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيُّها الناسُ.

يقولُ: أفلا تَذكَّرون نِعمَ اللهِ عليكم، وعظيمَ سُلطانِه وقُدرتِه على ما شاء، وعجزَ أوثانِكم وضعْفَها وَمَهانتَها، وأنها لا تَجْلُّبُ إلى نفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا، فتَعْرِفوا بذلك خَطَأَ ما أنتم عليه مُقيمون، من عبادِتكُموها، وإقرارِكم (١) لها بالأُلُوهَةِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

واللهُ هو الخالقُ الرازقُ، وهذه الأوثانُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ تُخْلَقُ، ولا تَخْلُقُ شيئًا، ولا تَمْلِك لأهلِها ضَرًّا ولا نفعًا.

قال اللهُ: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).

وقيل: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [ومن لا يَخْلُقُ] (٣) هو الوَثَنُ والصَّنَمُ، و "مَن" لذَوِى التمييزِ خاصةً، فجُعِل في هذا الموضعِ لغيرِهم التمييزُ، إذ وقَع تَفْصِيلًا بينَ مَن يَخْلُقُ ومَن لا يَخْلُقُ.

ومَحْكيٌّ عن العربِ: اشْتَبه عليَّ الراكبُ وحملُه (٤)، فما أَدْرِى مَن ذا مِن (٥) ذا.

حيثُ جُمِعًا وأحدُهما إنسانٌ، حَسُنت "من" فيهما جميعًا.

ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥].

وقولُه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تُطِيقوا أداءَ شُكْرِها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

يقول جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لما كان منكم من تقصيرٍ في شكرِ بعضِ ذلك، إذا تُبتُم وأنَبْتُم إلى طاعتِه، واتباعِ مَرْضاتِه، ﴿رَحِيمُ﴾ بكم أن يُعَذِّبَكم عليه بعدَ الإنابةِ إليه والتوبةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ (١) الذي هو إلهُكم أيها الناسُ، يَعْلَمُ مَا تُسِرُّون في أنفسِكم من ضمائرِكم، فتُخْفُونه عن غيرِكم فَمَا (٢) تُبْدُونه (٣) بألسنتِكم وجوارحِكم، وما تُعْلِنونه بألسنتِكم وجوارحِكم من (٤) أفعالِكم، وهو مُحْصِ ذلك كلَّه عليكم، حتى يُجَازِيَكم به يومَ القيامةِ؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ منكم بإساءتِه، ومُسائِلُكم عما كان منكم مِن الشكرِ في الدنيا على نِعَمِه التي أنعَمها عليكم، منها (٥) التي أحْصَيتم والتي لم تُحْصُوا.

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأوثانُكم الذين تَدْعون مِن دونِ اللهِ، أَيُّها الناسُ، آلهةً لا تَخْلُقُ شيئًا وهى تُخْلَقُ - فكيف يَكُونُ إلهًا ما كان مصنوعًا مُدَبَّرًا؟

لا تَمْلِك لأنفسِها نفعًا ولا ضَرًّا؟.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ: والذين تَدْعُون مِن دونِ اللهِ، أيُّها الناسُ، ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.

وجعَلها جلَّ ثناؤُه أمواتًا غيرَ أحياءٍ؛ إذ كانَت لا أرواحَ فيها، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: وهى هذه الأوثانُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، أمواتٌ لا أرواحَ فيها، ولا تَمْلِكُ لأهلِها ضَرًّا ولا نَفْعًا.

وفي رفْعِ الأمواتِ وجهان؛ أحدُهما: أن يَكُونَ خبرًا للذين.

والآخرُ على الاستئنافِ.

وقولُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ: وما تَدْرِى أصنامُكم التي تَدْعونَ مِن دونِ اللهِ متى تُبْعَثُ.

وقيل: إنما عُنِى بذلك الكفارُ، أنهم لا يَدْرون متى يُبعَثون.

القولُ في تأويلَ قولِه ﷿: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: معبودُكم الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإفرادَ الطاعةَ له، دونَ سائرِ الأشياءِ - معبودٌ واحدٌ؛ لأنه لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، فأَفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلُوا معه شريكًا سواه.

﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: مستنكرةٌ لما نَقُصُّ عليهم مِن قدرةِ اللهِ وعظمتِه، وجميلِ نِعَمِه عليهم، وأن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا له، والأُلوهةَ ليست لشيءٍ غيرِه (١)، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.

[يقولُ: وهم مستكبرون] (٢) عن إفرادِ اللهِ بالأُلوهةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، اتباعًا منهم لما مضَى عليه من الشركِ باللهِ أسلافُهم، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديثِ الذي قضَى (٣)، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عنه القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا (١) أن الله يَعْلَمُ ما يسرُّ هؤلاء المشركون، من إنكارِهم ما ذكَرنا من الأنباءِ في هذه السورةِ، واعتقادِهم نكيرَ (٢) [قولِنا لهم] (٣): إلهُكم إلهٌ واحدٌ، واستكبارِهم (٤) على اللهِ وما يُعْلِنون من كفرِهم باللهِ وفِرْيتِهم عليه، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.

يقولُ: إن الله لا يُحِبُّ المستكبرين عليه أنْ يُوَحِّدوه، ويَخْلَعوا ما دونَه مِن الآلهةِ والأندادِ، كما حدَّثنا محمدُ بنُ [عُمرَ بنُ عليٍّ] (٥)، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن رجلٍ، أن الحسنَ بنُ عليٍّ كان يَجْلِسُ إلى المساكينِ، ثم يقولُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ من المشركين: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي شيءٍ أَنزَل ربُّكم؟

قالوا: الذي أنزَل ما سطَّره الأوَّلون مِن قَبْلِنا [من الأباطيلِ] (٦).

وكان ذلك كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: أحاديثُ الأوَّلين وباطِلُهم، قال ذلك قومٌ مِن مشركي العربِ كانوا يَقْعُدون بطريقِ مَن أَتَى النبيَّ (١) ﷺ، فإذا مرَّ بهم أحدٌ من المؤمنين (٢) يريدُ نبيَّ اللهِ ﷺ، قالوا (٣) لهم: أساطيرُ الأوّلين.

يُريدُ: أحاديثُ الأوَّلين وباطِلُهم.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدِ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: أحاديثُ الأوَّلين (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المشركون لمن سأَلهم: ماذا أنزَل ربُّكم؟: الذي أنزَل ربُّنا - فيما يَزْعُم محمدٌ - عليه أساطيرُ الأوَّلين.

لتَكُونَ لهم ذنوبُهم التي هم عليها مُقِيمون، مِن تكذيبِهم باللهِ (٥)، وكفرِهم بما أنْزَل على رسولِه ﷺ، ومِن ذُنوبِ الذين يَصُدُّونهم عن الإيمانِ باللهِ - يُضِلُّون: يَفْتِنون منهم - بغير علمٍ.

وقولُه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.

يقولُ: ألا ساء الإثمُ الذي يَأْثَمون، والثِّقَلُ ﴿الذي يَتَحَمَّلون] (٦).

وبنحوَ الذي قلنا في تأويلِ (٧) ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن [أبى نجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ومِن أوزارِ مَن أضَلوا؛ احتمالُهم (٢) ذنوبَ أنفسِهم، وذنوبَ مَن أَطاعَهم، [ولا يُخَفِّفُ ذلك عمن أطاعَهم] (٣) مِن العذابِ شيئًا (٤).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: ومن أوزارِ الذين يُضِلونهم: حملُهم ذُنوبَ أنفسِهم.

وسائرُ الحديثِ مثلُه (٥).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدِ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾.

قال: حملُهم ذُنوبَ أنفسِهم وذنوبَ مَن أطاعَهم، ولا يُخَفِّفُ ذلك عمن أطاعَهم من العذابِ شيئًا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي ذنوبَهم وذنوبَ الذين يُضِلُّونهم بغيرِ علمِ، ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [يقولُ: يَحْمِلُون ذُنوبَهم، وذلك مِثْلُ قولِه: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].

يقولُ: يَحْمِلُون مع ذُنوبِهم ذُنوبَ الذين يُضِلُّونهم بغيرِ علمٍ] (١) (٢).

حدَّثني المثنى، قالَ: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.

قال: قال النبيُّ ﷺ: "أيُّما داعٍ دعَا إلى ضلالةٍ فاتُّبِع، فإن عليه مِثْلَ أوزارِ مَن اتَّبَعَه مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ؛ وأيُّما داعٍ دعا إلى هُدًى فاتُّبِع، فله مثلُ أجورِهم مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ (٣).

حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن رجلٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلَمَ أنه بلَغه أنه يَتَمَثَّلُ للكافرِ عملُه في صورةِ أقبَح ما خلَق اللهُ وجهًا، وأنتَنِه ريحًا، فيَجْلِسُ إلى جَنْبِه كلَّما أفزَعه شيءٌ زادَه (٤)، وكلَّما تخوَّف شيئا (٥) زادَه خوفًا.

فيقولُ: بئس الصاحبُ أنت، ومن أنت؟

فيقولُ: وما تَعْرِفُني؟

فيقولُ: لا.

فيقولُ: أنا عمَلُك، كان قبيحًا، فلذلك تَرَانى قبيحًا، وكان مُنتِنًا، فلذلك تَرَانى مُنْتِنًا، طَاطِئْ إليَّ (١) أرْكَبْك، فطالَما ركِبتنى في الدنيا.

فيَرْكَبُه، وهو قولُه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قد مكَر الذين من قبلِ هؤلاء المشركين، الذين يَصُدُّون عن سبيلِ اللهِ من أراد اتباعَ دينِ اللهِ، فرامُوا (٣) مغالبةَ اللهِ ببناءٍ بَنَوْه، يُريدون بزعمِهم الارتفاعَ إلى السماءِ لحربِ مَن فيها.

وكان الذي رام ذلك - فيما ذُكر لنا - جبارًا من جبابرةِ النَّبَطِ، فقال بعضُهم: هو نُمرودُ بنُ كَنْعانَ.

وقال بعضُهم: هو بُخْتُنَصَّرَ.

وقد ذكَرتُ بعضَ أخبارِهما في سورة "إبراهيم" (٤).

وقيل: إن الذي ذُكِر في هذا الموضعِ هو الذي ذكَره اللهُ في سورةِ "إبراهيمَ".

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أمر الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه بإبراهيمَ فأُخْرج - يعنى: من مدينتِه - قال (٥): فأُخرِج (١) فلقِى لوطًا على بابِ المدينةِ، وهو ابن أخيه، فدعاه، فآمَن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وحلَف نُمرودُ أن (٢) يطلبَ إلهَ إبراهيمَ، فأخذ (٣) أربعةَ أفراخٍ (٤) من أفراخِ (٥) النُّسورِ، فرباهنَّ باللحمِ والخبزِ (٦)، حتى كَبِرْنَ وغَلُظْنَ واستعلَجنَ (٧)، فربطهنَّ في تابوتٍ، وقعَد في ذلك التابوتِ، ثم رفع رجْلًا من لحمٍ لهنَّ فطِرْنَ، حتى إذا ذهَبنَ في السماءِ، أشرَف يَنظُرُ إلى (٨) الأرضِ، فرأَى الجبالَ تَدِبُّ كدبيبِ النملِ، ثم رفَع لهنَّ اللحمَ، ثم نظرَ فرأى الأرضَ يُحيطُ (٩) بها بحرٌ، كأنها فَلَكةٌ (١٠) في ماءٍ، ثم رفَع طويلًا فوقَع في ظلمةٍ، فلم يَرَ ما فوقَه [ولم يرَ] (١١) ما تحتَه، ففزِع، فألقى اللحمَ، فاتَّبِعْنَه مُنقَضَّاتٍ؛ فلمَّا نظَرت الجبالُ إليهنَّ، وقد أَقْبَلْنَ مُنقضَّاتٍ، وسمِعنَ (١٢) حفيفَهنَّ، فزِعَت الجبالُ، وكادت أن تزولَ من أمكنتِها، ولم يفعلنَ، وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦].

وهي في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَإنْ كادَ (١) مَكْرُهُمْ).

فكان طَيْرُورَتُهن (٢) به من بيتِ المقدسِ ووقوعُهن به في جبلِ الدخانِ، فلمَّا رأَى أنه لا يُطِيقُ شيئًا، أخَذ في بُنيانِ الصرحِ، فبَنى حتى إذا أسنَده (٣) إلى السماءِ ارتقَى فوقَه يَنْظُرُ (٤)، يَزعْمُ، إلى إلهِ إبراهيمَ، فأحدَث، ولم يكن يُحدِثُ، وأخَذَ اللهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَوَاعد، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يقولُ: من مأمنِهم.

وأخَذهم من أساسِ (٥) الصَّرْحِ، فتَنَقَّضَ بهم، يسقُط (٦)، فتَبلْبلَتْ ألسنُ الناسِ يومئذٍ من الفزعِ، فتكلَّموا بثلاثةٍ وسبعين لسانًا، فلذلك سُمَّيَتْ بابلَ.

و [إنما كان لسانُ الناسِ من] (٧) قبلِ ذلك بالسُّريْانيةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾.

قال: هو نُمرودُ حينَ بنى الصرحَ (٨).

حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن زيدِ ابن أسلمَ: إن أوّلَ جبارٍ كان في الأرضِ نُمرودُ، فبعَث اللهُ عليه بَعوضةً، فدخَلت في مَنخَرِه، فمكث أربعَمائةِ سنةٍ يُضْرَبُ رأسُه بالمطارقِ، أرحمُ الناسِ به من جمعَ يديه فضَرَب بهما رأسَه، وكان جبارًا أربعَمائةِ سنةٍ، فعذَّبه اللهُ أربعَمائةِ سنةٍ كمُلْكِه، ثم أماته اللهُ؛ وهو الذي كان بني صَرْحًا إلى السماءِ، وهو الذي قال اللهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

وأما قولُه: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ فإن معناه: هدَم اللهُ بنيانَهم من أصلِه.

والقواعدُ جمعُ قاعدةٍ، وهى الأساسُ، فكان (١) بعضُهم يقولُ: هذا مثَلٌ للاستئصالِ، وإنما معناه أن الله استأصَلهم.

وقال: العربُ تقولُ ذلك إذا استُؤْصِل الشيءُ.

وقولُه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

اختَلف أهل التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم (٢): فخرَّ عليهم السقفُ من فوقِهم: أعالى بيوتِهم من فوقِهم.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: [إى واللهِ، لأَتاها] (٣) أمرُ الله من أصلِها] (٤)، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

والسقفُ أعالى البيوتِ.

فَائْتفَكتْ (٥) بهم بيوتُهم، فأهلَكهم اللهُ ودمَّرهم، ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٦).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

قال: أتَى اللهُ بنيانَهم من أصولِه، فخرَّ عليهم السقفُ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ؛ وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾.

قال: مَكْرُ نُمرودَ بن كَنْعانَ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

أن العذابَ أتاهم من السماءِ.

ذُكر من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

يقولُ: عذابٌ من السماءِ، لمَّا رأَوْه استسلَموا وذَلُّوا.

وأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: تساقَطت عليهم سقوفُ بيوتِهم، إذ أتَى أصولَها وقواعدَها أمرُ اللهِ، فائْتَفَكتْ بهم منازلُهم؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من قواعدِ البنيانِ وخَرَّ السقفِ، وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأشهرِ الأعرفِ منهما (١) أولى من توجيهِها (٢) إلى غيرِ ذلك ما وُجِد إليه سبيلٌ.

﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأتى هؤلاء الذين مكَرُوا من قبلِ مشركي قريشٍ، عذابُ (٣) اللهِ من حيثُ لا يدرُون أنه أتاهم منه.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾.

يقولُ تعالَى ذكرُه: فعَل اللهُ بهؤلاء الذين مكَروا، الذين وصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه أمرَهم، ما فعَل بهم في الدنيا من تعجيلِ العذابِ لهم والانتقامِ، بكفرِهم وجحودِهم وحدانيتَه، ثم هو مع ذلك يومَ القيامةِ مُخزِيهم فمذلُّهم بعذابٍ أليمٍ، وقائلٌ لهم عندَ ورودِهم عليه: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أصلُه من شاققتُ فلانًا، فهو يُشاقُّنى، وذلك إذا فعَل كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه ما (٤) يَشُقُّ عليه.

يقولُ تعالى ذكرُه يومَ القيامةِ، تقريعًا (٥) للمشركين بعبادتِهم الأصنامَ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾.

يقولُ: أين الذين كنتم تزعُمون في الدنيا أنهم [شركاءُ فيَّ] (١) اليومَ، ما لهم لا يحضُرونكم، فيدفعُوا عنكم ما أنا مُحِلٌّ بكم من العذابِ، فقد كنتم تعبُدونهم في الدنيا، وتتولَّونهم، والوليُّ يَنْصُرُ وليَّه.

وكانت مشاقَّتُهم الله في أوثانِهم مخالفتَهم إياه في عبادتِهم.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾.

يقولُ: تخالفِونى (٢).

وقولُه: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

يعنى: الذِّلَّةَ (٣) والسوءَ.

يعنى: عذابَ اللهِ على الكافرين.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين أوتوا العلمَ: إن الخزىَ اليومَ والسوءَ على مَن كَفَر باللهِ، فجَحَد وحدانيتَه، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.

يقولُ: الذين تقْبِضُ أرواحَهم الملائكةُ، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.

يعني: وهم على كفرِهم وشركِهم باللهِ.

وقيل: إنه عنَى بذلك من قُتِل من قريشٍ ببدرٍ، وقد أُخرِج إليها كَرْهًا.

حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهريُّ، قال: ثني سفيانُ بن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ناسٌ بمكةَ أَقَرُّوا بالإسلامِ (٤) ولم يهاجِرُوا، فأُخرِج بهم كَرْهًا إلى بدرٍ، فقُتِل بعضُهم، فأَنزَلَ اللهُ فيهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.

وقولُه: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾.

يقولُ: فاستسلَموا لأمرِه، وانقادُوا له حينَ عاينُوا الموتَ قد نزَل بهم؛ ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾.

وفي الكلامِ محذوفٌ استُغنِى بفَهْمِ سامعيه ما (١) دلّ عليه الكلامُ عن ذكرِه، وهو: قالوا (٢): ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾، يُخْبِرُ (٣) عنهم بذلك أنهم كذَبوا وقالوا: ما كنا نعصِى الله.

اعتصامًا (٤) منهم بالباطلِ، رجاءَ أن ينجُوا بذلك، فكذَّبهم اللهُ، فقال: بل قد (٥) كنتم تعمَلون السوءَ، وتصدُّون عن سبيلِ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ: إن اللهِ ذو علمٍ بما كنتم تعمَلون في الدنيا من معاصيه، وتأتُون فيها ما يُسخِطُهُ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ (٦) لهؤلاء الظلمةِ أنفسِهم حينَ يقولون لربِّهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾.

يعني: طبقاتِ جهنمَ.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

يعنى: ماكثين فيها.

﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.

يقولُ: فلبئس منزلُ مَن تكبَّر على اللهِ، ولم يُقِرَّ بربوبيتِه، ويصدِّق بوحدانيتِه - جهنمُ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾.

يقولُ تعالَى ذكرُه: وقيل للفريقِ الآخَرِ (١)، الذين هم أهلُ إيمانٍ وتقوَى للهِ: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟

قالوا: ﴿خَيْرًا﴾.

يقولُ: قالوا: أنزَل خيرًا.

وكان بعضُ أهل العربيةِ من الكوفيين يقولُ: إنما اختَلف الإعرابُ في قولِه: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤].

وقولِه: ﴿خَيْرًا﴾.

والمسألةُ قبلَ الجوابين كليهما واحدةٌ، وهى قولُه: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾.

لأن الكفارَ جحَدوا التنزيلَ، فقالوا حين سمِعوه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

أي: هذا الذي جِئْتَ به أساطيرُ الأوَّلين: ولم يُنزِل اللهُ منه شيئًا.

وأما المؤمنون فصدَّقوا التنزيلَ، فقالوا: ﴿خَيْرًا﴾.

بمعنى أنه أنزَل خيرًا.

فانتصَب بوقوعِ الفعلِ من اللهِ على الخيرِ، فلهذا افترقا.

ثم ابتدَأ الخبرَ، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.

وقد بيَّنا القولَ في ذلك فيما مَضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه (٢).

وقولُه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: للذين آمَنوا باللهِ في هذه الدنيا ورسولِه، وأطاعوه فيها، ودعَوا عبادَ اللَّهِ إلى الإيمانِ والعملِ بما أمَر اللهُ به، ﴿حَسَنَةٌ﴾.

يقولُ: كرامةٌ من اللهِ.

﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾.

يقولُ: ولدارُ الآخرِة خيرٌ لهم من دارِ الدنيا، وكرامةُ اللهِ التي أعدَّها لهم فيها أعظمُ من كرامتِه التي عجَّلها لهم في الدنيا.

﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.

يقولُ: ولنعم دارُ الذين خافوا الله في الدنيا فاتَّقَوْا عقابَه بأداءِ فرائضِه، وتجنَّب معاصيه، دارُ الآخرةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهؤلاء مؤمنون، فيقالُ (١) لهم: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ فيقولون: ﴿خَيْرًا﴾.

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.

أي: آمَنُوا باللهِ، وأمَروا بطاعةِ اللهِ، وحَثُوا أهلَ (٢) طاعةِ اللهِ على الخيرِ ودعَوْهم إليه (٣).

القول في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿جَنَّات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.

يعنى تعالَى ذكرُه بقولِه: ﴿جَنَّات عَدْنٍ﴾: بساتينُ للمُقام (٤).

وقد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنى "عَدْنٍ" فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِهُ (٥).

﴿يَدْخُلُونَهَا﴾.

يقولُ: يدخُلون جناتِ عدنٍ.

وفى رفعِ "جنات" أوجهٌ ثلاثةٌ: أحدُها أن يكونَ مرفوعًا على الابتداءِ، والآخرُ بالعائدِ من الذكرِ في قولِه: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾.

والثالثُ على أن يكون خبرًا لـ "نعم"، فيكونُ المعنى إذا جُعِلَتْ خبرًا لـ "نعم": ولنعمَ دارُ المتقين جنَّاتُ عَدْنٍ.

ويكونُ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ في موضعِ حالٍ، كما يُقالُ: نعم الدارُ دارٌ تسكنُها أنتَ.

وقد يجوزُ أن يكونَ - إذا كان الكلامُ بهذا التأويلِ - ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ من صلةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.

وقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

يقولُ: تجرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾.

يقولُ: للذين أحسَنوا في هذه الدنيا في جناتِ عدنٍ ما يشاءون، مما تَشْتَهِي أنفسُهم، وتَلَذُّ أعينُهم، ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.

يقولُ: كما يَجْزِى اللهُ هؤلاء الذين أحسَنوا في هذه الدنيا، بما وصَف (١) لكم أيها الناسُ أنه جَزَاهم به في الدنيا والآخرةِ، كذلك يجزِى الذين اتقَوه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كذلك يجزِى اللهُ المتقين الذين تَقْبِضُ أرواحَهم ملائكةُ اللهِ، وهم طَيِّبون بتَطْيِيبِ اللهِ إيَّاهم (٢) بنَظافةِ الإيمانِ وطُهْرِ الإسلامِ، في حالِ حياتِهم وحالِ مماتِهم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٣) في قولِه: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾.

قال: أحياءً وأمواتًا، قدَّر اللهُ ذلك لهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾.

يعنى جلَّ ثناؤُه أن الملائكةَ تَقْبِضُ أرواحَ هؤلاء المتقين وهى تقولُ لهم: سلامٌ عليكم، صِيروا إلى الجنةِ.

بشارةً مِن اللهِ، تُبَشِّرُهم بها الملائكةُ.

كما حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، أنه سمِع محمدَ بنُ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: إِذا اسْتَنْقَعَتْ (٢) نفسُ العبدِ المؤمنِ، جاءه مَلَكٌ فقال: السلامُ عليك وليَّ اللهِ، اللهُ يقرأُ عليك السلامَ.

ثم نزَع (٣) بهذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١].

قال: الملائكةُ يَأْتُونه (١) بالسلامِ مِن قِبَلِ اللهِ، وتُخبِرَه أنه من أصحابِ اليمينِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الأشْيَبُ (٣) أبو عليٍّ، عن أبي رجاءٍ، عن محمدِ بن مالكٍ، عن البَرَاءِ، قال: قولُه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].

قال: يُسلِّمُ عليه عندَ الموتِ (٤).

وقولُه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ: بما كنتم تُصِيبون في الدنيا - أيامَ حياتِكم فيها - طاعةَ اللهِ، وطَلَبَ مرضاتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هل يَنتظِرُ هؤلاء المشركون إلا أن تأتِيَهم الملائكةُ لقبضِ أرواحِهم، أو يأتىَ أمرُ ربِّك بحشرِهم لموقفِ القيامةِ، ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

يقول جلَّ ثناؤُه: كما يَفعَلُ هؤلاء مِن انتظارِهم ملائكةَ اللهِ لقبضِ أرواحِهم، أو إتيانِ أمرِ اللهِ، فَعَلَ أسلافُهم مِن الكفرةِ باللهِ؛ لأن ذلك في كلِّ مشركٍ باللهِ، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وما ظلَمهم اللهُ بإحلالِ سُخْطِه بهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتِهم ربَّهم وكفرِهم به، حتى اسْتَحَقُوا عقابَه، فعُجِّل لهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.

قال (١): بالموتِ.

وقال في آيةٍ أُخرَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]: وهو مَلَكُ الموتِ، وله رُسُلٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.

و (٢) ذاكم يومَ القيامةِ (٣).

حدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.

يقولُ: عندَ الموتِ حين تَتَوَفَّاهم.

﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأصاب هؤلاء الذين فعَلوا مِن الأممِ الماضيةِ فِعْلَ هؤلاء المشركين مِن قريشٍ، ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾.

يعني: عقوباتُ ذنوبِهم، ونِقَمُ مَعاصِيه التي اكْتَسَبوها، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

يقولُ: وحلَّ بهم مِن عذابِ اللهِ، ما كانوا به (٥) يستهزِئون منه، ويَسْخَرون عندَ إِنذَارِهم ذلك رُسُلُ اللهِ، ونزَل ذلك بهم دونَ غيرِهم من أهلِ الإيمانِ باللهِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين أشرَكوا بالله، فعبَدوا الأوثانَ والأصنامَ مِن دونِ الله: ما نَعْبُدُ هذه الأصنامَ إلا لأنَّ الله قد رضِي عبادَتَناها (١)، ولا نُحَرِّمُ ما حَرَّمْنا من البَحَائِر والسَّوائبِ، إلا أنَّ الله شاء منا ومِن آبائِنا تَحْرِيمَنَاها ورَضِيَه، لولا ذلك لقد غَيَّر ذلك ببعضِ عقوباتِه، أو بهدايتِه إيَّانا إلى غيرِه من الأفعالِ.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأممِ المشركةِ الذين اسْتَنَّ هؤلاء سُنَّتَهم، فقالوا مثلَ قولِهم، وسلَكوا سبيلَهم في تكذيبِ رسلِ الله، واتباعِ أفعالِ آبائِهم الضُلَّالِ.

وقولَه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: فهل أيُّها القائلون: لو شاء اللهُ ما أشرَكنا ولا آباؤُنا.

على رسلِنا الذين نُرْسِلُهم لإنذارِكم عقوبتَنا على كفرِكم - ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.

يقولُ: إِلا أَن تُبَلِّغَكم ما أَرْسَلنا إليكم مِن الرسالةِ.

ويعنى بقولِه: ﴿الْمُبِينُ﴾.

الذي يُبِينُ عن معناه لِمَنْ أَبْلَغَه، ويُفْهِمُه مَن أُرْسِل إليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد بَعَثْنا أيها الناسُ في كلِّ أمةٍ سلَفَتْ قبلَكم رسولًا، كما بعَثنا فيكم، بأن اعبدوا الله وحدَه لا شريكَ له، وأفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له العبادةَ، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.

يقولُ: وابْعُدُوا مِن الشيطانِ، واحْذَروه (١) أن يُغْوِيَكم، ويَصُدَّكم عن سبيلِ اللهِ، فتَضِلُّوا، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾.

يقولُ: فمِمَّن بعَثْنا فيهم رسلَنا مَن هدَى اللهُ، فوَفَّقه لتصديقِ رسلِه والقَبُولِ منها، والإيمانِ بالله، والعملِ بطاعتِه، ففاز وأفْلَح، ونجا مِن عذابِ الله.

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾] (٣).

يقولُ: وممن بَعَثْنا رسلَنا إليه مِن الأممِ، آخرون حقت عليهم الضلالة فجاروا عن قَصْدِ السبيلِ، فكفَروا بالله، وكذَّبوا رسلَه، واتَّبَعوا الطاغوتَ، فأهلَكهم اللهُ بعقابهِ، وأنزَل بهم (٢) بأسَه الذي لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين.

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: إن كنتم أيها الناسُ غيرَ مصدِّقى رسولِنا فيما يُخبِرُكم به عن هؤلاء الأممِ، الذين حلَّ بهم ما حلَّ مِن بأسِنا، بكفرِهم بالله وتكذيبِهم رسولَه، فسيروا في الأرضِ التي كانوا يَسْكُنونها، والبلادِ التي كانوا يَعْمُرُونها، فانظروا إلى آثارِ الله فيهم، وآثارِ سُخُطِه النازلِ بهم، كيف أعْقَبَهم تكذيبُهم رسلَ الله ما أعْقَبَهم، فإنكم تَرَوْن حقيقةَ ذلك، وتعلمون به صحةَ الخبرِ الذي يُخبِرُكم به محمدٌ ﷺ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن تحرصْ يا محمدُ على هُدَى هؤلاء المشركين إلى الإيمانِ باللهِ واتباعِ الحقِّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾.

اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ بفتحِ الياءِ مِن ﴿يَهْدِي﴾، وضمِّها من ﴿يُضِلُّ﴾ (١).

وقد اخْتَلَف في معنى ذلك قارِئوه كذلك؛ فكان بعضُ نَحْويى الكوفةِ يَزْعُمُ أن معناه: فإن الله مَن أَضَلَّه لا يَهْتَدِى.

وقال: العربُ تقولُ: قد هَدَى الرجلُ.

يريدون: قد اهْتَدَى.

[وهَدَى] (٢) واهْتَدَى بمعنًى واحدٍ (٣).

وكان آخرون منهم يَزْعُمون أن معناه: فإن الله لا يهدِى مَن أَضلَّه.

بمعنى أن مَن أَضلَّه اللهُ، فإن الله لا يَهْديه (٤).

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (فَإِنَّ الله لا يُهْدَى) بضمِّ الياءِ مِن (يُهْدَى) ومِن (يُضِلُّ) وفتحِ الدالِ مِن (يُهدَى) (٥).

بمعنى: مَن أَضلَّه اللهُ فلا هاديَ له.

وهذه القراءةُ أولى القراءتين عندى بالصوابِ؛ لأن يَهْدِى بمعنى يَهْتَدِى (٦) قليلٌ في كلامِ العربِ غيرُ مُسْتَفيضٍ، وأنه لا فائدةَ في قولِ قائلِ: مَن أَضلَّه اللهُ فلا يَهْدِيه.

لأن ذلك مما لا يَجْهَلُه كثيرُ (٧) أَحَدٍ.

وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءةُ بما كان مستفيضًا في كلامِ العربِ من اللغةِ بما فيه الفائدةُ العظيمةُ، أَوْلَى وأخرَى.

فتأويلُ الكلامِ - لو كان الأمرُ على ما وَصَفْنا - إن تَحرِصْ يا محمدُ على هُداهم، فإن مَن أضلَّه اللهُ منهم (٧) فلا هاديَ له، فلا تُجْهِدْ نفسَك في أمرِه، وبَلِّغْه ما أُرْسِلْتَ به لتَتِمَّ عليه الحُجَّةُ.

﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يقولُ: وما لهم مِن ناصرٍ يَنْصُرُهم مِن اللهِ إِذا أراد عقوبتهم، فيَحُولُ بينَ اللهِ وبينَ ما أراد مِن عقوبتِهم.

وفي قولِه: ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾.

لغتان؛ فمِن العربِ مَن يقولُ: حرَص يَحْرِصُ.

بفتحِ الراءِ في فَعَل وكسرِها في يَفْعِل.

و: حَرِص يَحْرَصُ، بكسرِ الراءِ في فَعِل، وفتحِها في يَفْعَل.

والقراءةُ على الفتحِ في الماضي، والكسرِ في المُسْتَقْبَل (١)، وهى لغةُ أهلِ الحجازِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وحلَف هؤلاء المشركون مِن قريشٍ ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ حَلِفَهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.

بعدَ مماتِه، وكذَبوا وبَطَلُوا (٢) في أيمانِهم التي حَلَفوا بها كذلك، بل سيَبْعَثُه اللهُ بعد مماتِه ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ أن يَبْعَثَهم؛ وَعْدَ عبادِه، واللهُ لا يُخلِفُ الميعادَ.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ: ولكن أكثرَ قريشٍ لا يعلمون وَعْدَ اللهِ عبادَه، أنه باعثُهم يومَ القيامةِ بعد مماتِهم أحياءً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: تكذيبًا [بأمرِ اللهِ - أو: بأمرِنا - فإن] (١) الناسَ صاروا في البعثِ فريقين (٢)؛ مُكَذِّبٌ ومُصَدِّقٌ، ذُكِر لنا أن رجلًا قال لابنِ عباسٍ: إن ناسًا بهذا العراقِ يَزْعُمون أن عليًّا مبعوثٌ قبلَ يومِ القيامةِ، ويَتَأَوَّلون هذه الآيةَ.

فقال ابن عباسٍ: كذَب أولئك، إنما هذه الآيةُ للناسِ عامَّةً، ولَعَمْرِى لو كان عليٌّ مبعوثًا قبلَ يوم القيامة، ما أنْكَحْنا نساءَه، ولا قَسَمْنا ميراثَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال ابن عباسٍ: إن رجالًا يقولون: إن عليًّا مبعوثٌ قبلَ يومِ القيامةِ، ويتأوَّلون: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

قال: لو كُنَّا نَعْلَمُ أن عليًّا مبعوثٌ، ما تَزوَّجْنا نساءَه، ولا قَسَمْنا ميراثَه، ولكنْ هذه للناسِ عامَّةً (٣).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.

قال: حلَف رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ عند رجلٍ من المُكَذِّبين، فقال: والذي يرسِلُ الرُّوحَ مِن بعدِ الموتِ.

فقال: وإنك لتزعُمُ أنك مبعوثٌ من بعدِ الموتِ.

وأقسَم باللهِ جهدَ يمينِه: لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يموتُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبِيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: كان لرجلٍ من المسلمين على رجلٍ من المشركين دَيْنٌ، فأتاه يَتَقاضاه، فكان فيما تَكَلَّم به: والذي أرجوه بعدَ الموتِ إنه لكذا.

فقال المشركُ: إنك (١) تَزْعُمُ أَنك تُبْعَثُ بعدَ الموتِ.

فَأَقْسَم باللهِ جهدَ يمينِه: لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يموتُ.

فأنزل اللهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن عطاءِ بن أبى رباحٍ، أنه أخبَره أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال اللهُ: سبَّنى ابن آدمَ ولم يكنْ ينْبَغي له أن يَسُبَّنى، وكذَّبنى ولم يكن يَنْبغى له أن يُكَذِّبَنى، فأما تكذيبُه إيَّايَ، فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.

قال: قلتُ: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾.

وأما سَبُّه إِيَّاى، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].

وقلتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) [الإخلاص: ١ - ٤].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: بل لَيَبْعَثَنَّ اللهُ مَن يموتُ، وعدًا عليه حقًّا؛ ليُبيِّنَ لهؤلاء الذين يَزْعُمون أن الله لا يَبْعَثُ مَن يموتُ، ولغيرِهم الذي يختلفون فيه؛ مِن إحياءِ اللهِ خَلْقَه بعدَ فنائِهم، وليعلمَ الذين جحَدوا صحةَ ذلك، وأنكَروا حقيقتَه، أنهم كانوا كاذبين في قِيلِهم: لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يموتُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.

قال: للناسِ عامَّةً (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّا إِذا أَرَدْنا أَن نَبْعَثَ مَن يموتُ، فلا تَعَبَ علينا ولا نَصَبَ في إحيائِناهم، ولا في غيرِ ذلك مما [نَخلُقُ ونُكَوِّنُ ونُحْدِثُ] (٢)؛ لأَنَّا إِذا أَرَدْنَا خَلْقَه وإنشاءَه، فإنما نقولُ له: كُنْ.

فيكونُ، لا معاناةَ فيه، ولا كُلْفَةَ علينا.

واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: "يكونُ"، فقرَأَه أكثرُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ على الابتداءِ (٣)، وعلى أن قولَه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾.

كلامٌ تامٌّ مُكْتَفٍ بنفسِه عما بعدِه، ثم يُبْتَدَأُ فيُقالُ: ﴿فَيَكُونُ﴾.

كما قال الشاعرُ (٤): * يُريدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فيُعْجِمُهُ * وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الشامِ، وبعضُ المتأخرين من قرأةِ الكوفيين: (فَيَكونَ) نصبًا، عطفًا على قولِه: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾.

وكأنَّ معنى الكلامِ على مذهبِهم: ما قولُنا لشيءٍ إذا أرَدْناه إلا أن نقولَ له: كُنْ.

فيكونَ.

وقد حُكِى عن العربِ سَماعًا: أُريدُ أن آتِيَك، فيَمْنَعَنِى المطرُ.

عطفًا بـ "يَمْنَعَنى" على "أن آتيَك".

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين فارَقوا قومَهم ودُورَهم وأوطانَهم؛ عداوةً لهم في اللهِ على كفرِهم، إلى آخرين غيرِهم.

﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

يقولُ: مِن بعدِ نِيلَ منهم في أنفسِهم بالمَكَارهِ (١) في ذاتِ اللهِ.

﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.

يقولُ: لَنُسْكِنَنَّهم في الدنيا مَسْكَنًا يَرْضَوْنه صالحًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾.

قال: هؤلاء أصحابُ محمدٍ، ظلَمهم أهلُ مكةَ، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، حتى لَحِق طوائفُ منهم بالحَبَشَةِ، ثم بَوَّأَهمُ اللَّهُ المدينةَ بعدَ ذلك، فجَعَلها لهم دارَ هجرةٍ، وجعَل لهم أنصارًا من المؤمنين (٢).

حُدِّثتُ عن القاسمِ بن سَلَّامٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾.

قال: المدينةَ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.

قال: هم قومٌ هاجَروا إلى رسولِ اللهِ ﷺ من أهلِ مكةَ، بعدَ ظُلمِهم؛ وظَلَمَهمُ المشركون (١).

وقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: لَنَرْزُقَنَّهم في الدنيا رزقًا حسنًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لَتَرْزُقَنَّهم في الدنيا [رزقًا حسنًا] (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن العَوَّامِ، عمَّن حدَّثه، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا أعطَى الرجلَ من المهاجرين عطاءَه يقولُ: خُذْ، بارَك اللهُ لك فيه، هذا ما وعَدك اللهُ في الدنيا، وما ذَخَره (١) لك في الآخرةِ أفضلُ.

ثم تَلَا هذه الآيةَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

وأوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لَنُحِلَّنَّهم ولَنُسْكِنَنَّهم؛ لأن التَّبَوُّءَ في كلامِ العربِ الحلولُ بالمكانِ والنزولُ به.

ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣].

وقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت في أبى جَنْدَلِ بن سُهَيْلٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، قال: نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾، إلى قولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبى جَنْدلِ بن سُهَيْلٍ.

وقولُه: ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ: ولثوابُ اللَّهِ إيَّاهم - على هجرتِهم فيه - في الآخرةِ، أكبرُ؛ لأن ثوابَه إيَّاهم هنالك الجنةُ، التي ويدُومُ نعيمُها ولا يَبِيدُ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللهُ: ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: واللهِ لَمَا يُثِيبُهم اللهُ عليه (١) مِن جنتِه أكبرُ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، وآتيناهم الثوابَ الذي [ذَكَرْنا، هم] (٣) ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في اللهِ على ما نابهم في الدنيا.

﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

يقولُ: وباللَّهِ يَثِقُون في أمورِهم، وإليه يَسْتَنِدون في نوائبِ الأمورِ التي تنوبُهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (٤) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمدُ إلى أُمَّةٍ من الأممِ، للدعاءِ إلى توحيدِنا، والانتهاءِ إلى أمرِنا ونَهْينا ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ مِن بَنى آدمَ ﴿نُوحِي (٥) إِلَيْهِمْ﴾ وَحْيَنا - لا ملائكةً.

يقولُ: فلم نُرْسِلْ إلى قومِك إلا مثلَ الذي كُنَّا نُرْسِلُ إلى مَن قَبْلَهم مِن الأممِ؛ مِن جنسِهم، وعلى مِنهاجِهم.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾.

يقولُ المشركى قريشٍ: وإن كنتم لا تَعْلَمون أن الذين كُنَّا نَرْسِلُ إلى مَن قبلَكم مِن الأممِ، رجالٌ مِن بنى آدمَ مثلُ محمدٍ ﷺ، وقلتُم: هم ملائكةٌ.

أو (٦) ظَنَنْتُم أن اللَّهَ كلَّمهم قِبَلًا (١) ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وهم الذين قد قَرءُوا الكتبَ مِن قبلِهم؛ التوراةَ والإنجيلَ، وغيرَ ذلك مِن كتبِ اللهِ التي أنزَلها على عبادِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قال: أهل التوراة (٢).

حدَّثنا ابن وكيعِ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، قال: سأَلتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾.

قال: سمِعْنا أنه مَن أسلَم من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (٤) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

قال: هم أهلُ الكتابِ (٥).

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

قال: قال لمشركي قريشٍ: إن محمدًا في التوراةِ والإنجيلِ (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ عن ابن عباسٍ، قال: لما بعَث اللهُ محمدًا رسولًا، أنكَرتِ العربُ ذلك، أو مَن أنكَر منهم، وقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ.

قال: فأنزَل اللهُ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢].

وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾.

فاسألوا أهلَ الذكرِ؛ يعنى أهلَ الكتبِ الماضيةِ: أبشرًا كانت الرسلُ التي أتَتْكُم أم ملائكةً؟

فإن كانوا ملائكةً أنكَرْتم (٢)، وإن كانوا بشرًا فلا تُنكِروا أن يكونَ محمدٌ (٣) رسولًا.

قال: ثم قال: ﴿أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].

أي ليسوا من أهلِ السماءِ كما قلتُم (٤).

وقال آخرون في ذلك ما: حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

قال: نحن أهلُ الذكرِ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

قال: الذكرُ القرآنُ (١).

وقرأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الآية [فصلت: ٤١].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أرسلنا بالبيناتِ والزُّبُرِ رجالًا نُوحِى (٢) إليهم.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾؟

وما الجالبُ لهذه الباءِ في قولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فإن قُلتَ (٣): جالِبُها قولُه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾.

وهى مِن صلتِه.

فهل يجوزُ أن تكون صلةُ ﴿وَمَا﴾ قبلَ ﴿إِلَّا﴾، بعدَها؟؛ وإن قلتَ: جالبُها غيرُ ذلك.

فما هو، وأين الفعلُ الذي جلَبها؟

قيل: قد اختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الباءُ التي في قولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من صلة ﴿أَرْسَلْنَا﴾.

قال (٤): ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، ومع الجحدِ والاستفهامِ في كلِّ موضعٍ، بمعنى "غَيْر".

وقال: معنى الكلامِ: وما أرسلنا من قبلِك بالبيناتِ والزُّبُرِ غيرَ رجالٍ نُوحِى إليهم.

ويقولُ على ذلك: ما ضَرَب إلا أخوك زيدًا.

وهل كلَّم إلا أخوك عَمْرًا؟

بمعنى: ما ضَرَب زيدًا غيرُ أخيك.

وهل كلَّم عَمْرًا إلا أخوك.

ويَحْتجُّ في ذلك بقولِ أَوْسِ بن حَجَرٍ (٥): أبَنى لُبَيْنَى لَسْتُمُ بيدٍ … إلا يدٍ ليْسَت لها عَضُدُ ويقولُ: لو كانت "إلا" بغيرِ مَعْنَى "غَيْر" (١) "؛ لَفَسَد الكلامُ؛ لأن الذي خفَض الباءُ قبلَ "إلا" لا يَقْدِرُ على إعادتِه بعدَ "إلا" لخفضِ اليدِ الثانيةِ (٢)، ولكنْ مَعْنَى "إِلَّا" معنَى "غير" ويَسْتَشْهدُ أيضًا بقولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء:٢٢]،: "إلا" بمعنَى "غَيْر" في هذا الموضعِ.

وكان غيره يقولُ: إنما هذا على كلامين؛ يُريدُ: وما أَرْسَلْنا من قبلِك إلا رجالًا، أرْسَلْنا بالبيناتِ والزُّبُرِ.

قال: وكذلك قولُ القائلِ: ما ضرَب إلا أخوك زيدًا.

معناه: ما ضرَب إلا أخوك.

ثم يَبْتَدِئُ: ضرَب زيدًا.

وكذلك ما مَرَّ إلا أخوك بزيدٍ.

ما مرَّ إلا أخوك.

ثم يقولُ: مرَّ يزيدٍ.

ويَسْتَشْهدُ على ذلك ببيتِ الأعْشَى (٣): وليس مُجِيرًا إِن أَتَى الحيَّ خائفٌ … ولا قائلًا (٤) إلا هو المُتَعَيَّبَا ويقولُ: لو كان ذلك على كلمةٍ لكان خطأً؛ لأن المُتَعَيَّبَا من صلةِ القائلِ (٥)، ولكن جاز ذلك على كلامين (٦).

وكذلك قولُ الآخرِ (٧): نُبِّئْتُهم عذَّبوا بالنارِ جارَهم … وهل يُعَذِّبُ إِلا اللَّهُ بالنارِ فتأويلُ الكلامِ إذن: وما أرْسَلنا من قبلِك إلا رجالًا نُوحِي إليهم، أرْسَلْناهم بالبيناتِ والزُّبُرِ، وأنْزَلْنا إليك الذكرَ.

والبيناتُ هي الأدلةُ والحُجَجُ التي [أعْطاها اللهُ رسلَه؛ أدلةً] (١) على نبوتِهم، شاهدةً لهم على حقيقةِ ما أَتَوْا به إليهم مِن عنِد اللهِ.

والزُّبُرُ الكتبُ.

وهى جمعُ زَبُورٍ.

مِن زَبَرْتُ الكتابَ وذَبَرْتُه.

إذا كتَبْتَه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾.

قال: الزُّبُرُ الكتبُ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.

قال: الآياتِ.

﴿وَالزُّبُرِ﴾ قال (٣): الكتبِ (٤).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: الزُّبُرُ الكتبُ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ (٥) يَعْنى: بالكتبِ (٦).

وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْر﴾.

يقولُ: وأَنزَلْنا إليك يا محمدُ هذا القرآنَ؛ تذكيرًا للناسِ، وعِظَةً (١) لهم.

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.

يقولُ: لتُعَرِّفَهم ما نُزِّل (٢) إليهم من ذلك.

﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

يقولُ: ولِيَتَذَكَّروا فيه، ويَعْتَبِروا بما (٣) أنْزَلْنا إليك.

وقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا الثوريُّ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

قال: يُطِيعون (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفأمِن الذين ظلَموا المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فراموا أن يَفْتِنوهم عن دينِهم، مِن مشركى قريشٍ - الذين قالوا، إذ قيل لهم: ماذا أنْزَل ربُّكم؟

قالوا (٥): أساطيُر الأوَّلين.

صدًّا منهم، لمن أراد الإيمانَ باللهِ، عن قصدِ السبيلِ - أن يَخْسِفَ اللهُ بهم الأرضَ، على كفرِهم وشركِهم، أو يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ من مكانٍ لا يُشْعَرُ به، ولا يُدرَى مِن أين يأتيه؟

وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنى بذلك نُمُرودَ بنَ كَنْعَانَ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

قال: هو نُمرُودُ بنُ كَنْعانَ وقومُه (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي قُلْناه في تأويلِ ذلك؛ لأن ذلك تهديدٌ مِن اللَّهِ أَهلَ الشركِ به، وهو عَقِيبُ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

فكان تهديدُ مَن لم يُقِرَّ بِحُجّةِ اللَّهِ، الذي جرَى الكلامُ بخطابِه قبلَ ذلك، أحْرَى مِن الخبرِ عمَّن انْقَطَع ذكرُه عنه.

وكان قتادةُ يقولُ في معنى السيئاتِ في هذا الموضعِ، ما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾.

أي: الشركَ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يُهْلِكَهم في تصرفِهم في البلادِ، وتردُّدِهم في أسفارِهم.

﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإنهم لا يُعجِزون الله مِن ذلك، إن أراد أخْذَهم كذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾.

يقولُ: في اختلافِهم (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.

قال: إن شئتَ أَخَذْتَه في سفرِه (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في أسفارِهم (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.

وقال ابن جريجٍ في ذلك ما: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾.

قال: التَّقَلُّبُ أَن يَأْخُذَهم بالليل والنهارِ (٤).

وأما قولُه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

فإنه يعنى: أو يُهْلِكَهم بتخوُّفٍ، وذلك بنقصٍ من أطرافِهم (٥) ونَواحيهم، الشىَء بعدَ الشئِ، حتى يُهْلِكَ جميعَهم، يقالُ.

منه: تخَوَّف مالَ فلانٍ الإنفاقُ.

إذا انْتَقَصَه.

ونحوُ تخَوُّفِه - مِن التَّخوُّفِ - بمعنى التنقُّصِ، قولُ الشاعرِ (١): تخَوَّف السيرُ منها تامِكًا قَرِدًا … كما تخوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٢) [يعنى بقولهِ: تخَوَّف السيرُ.

تنَقَّص سَنامَها.

وقد ذكَرْنا عن الهيثمِ بن عديٍّ (٣) أنه كان يقولُ: هي لغةٌ لأَزْدِ شَنُوءةَ، معروفةٌ لهم.

ومنه قولُ آخَرَ (٤): تخوُّفُ غَدْرِهم (٥) مالى وأُهدِى … سَلاسلَ في الحُلُوقِ لها صَلِيلُ] (٦) وكان الفرَّاءُ يقولُ (٧): العرب تقول: [تحَوَّفْتُه - أي: تنَقَّصْتُه - تحَوُّفًا] (٨).

أي: أخَذْتُه مِن حافاتِه وأطرافِه.

قال: فهذا الذي سمِعْتُه (٩)، وقد أتَى التفسيرُ بالخاءِ (١)، وهو (٢) بمعنى.

قال (٣): ومثلُه ما قُرِئ بوجهيْن؛ قوله: إن لك في النهارِ سَبْحًا وسَبْخًا (٤).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن المسعوديِّ، عن إبراهيمَ بن عامرِ بن مسعودٍ، عن رجلٍ، عن عمرَ، أنه سألهم عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: ما نَرَى إلا أنه عندَ تنقُّصِ (٥) ما نُردِّدُه (٦) مِن الآياتِ.

فقال عمرُ: ما أَرَى (٧) إلا أنه على ما تَنْتَقِصون مِن معاصى اللَّهِ.

قال: فخرَج رجلٌ ممن كان عندَ عمرَ، فَلَقِى أعرابيًّا، فقال: يا فلانُ، ما فعَل ربُّك (٨)؟

قال: قد تخَيَّفْتُه؛ يعنى تنَقَّصْتُه (٩).

قال: فرجَع إلى عمرَ فأَخْبَرَه، فقال: قدَّر اللهُ ذلك (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

يقولُ: إِنْ شَئتُ أَخَذْتُه على أثرِ موتِ صاحبِه، نُخَوِّفُ (٢) بذلك (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ الُخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

قال: التنقُّصِ والتَّقْريعِ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على تنقُّصٍ (٥).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٦)، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

قال: تنقُّصٍ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، فيُعاقِبَ أو يَتَجاوزَ (١).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

قال: كان يقالُ: التخوُّفُ التنقُّصُ؛ يَنْتَقِصُهم مِن البُلدانِ مِن الأطرافِ (٢).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾.

يعنى: يَأْخُذُ العَذَابُ طائفةً، ويَتْرُكُ أخرى، و (٣) يُعَذِّبُ القريةَ ويُهْلِكُها، ويَتْرُكُ أخرى إلى جَنْبِها (٤).

وقولُه: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

يقولُ: فإن ربَّكم إن لم يَأْخُذْ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ بعذابٍ مُعَجَّلٍ لهم، وأخَذَهم بالموتِ (٥) وتنقُّصِ بعضِهم في أثرِ بعضٍ، لَرءوفٌ بخلقِه، رحيمٌ بهم، ومِن رأفتِه ورحمتِه بهم لم يَخْسِفُ بهم الأرضَ، ولم يُعَجِّلْ لهم العذابَ، ولكن يُخَوِّفُهم ويُنَقِّصُهم بموتٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾.

اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالياءِ على الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (أَوَ لَمْ تَرَوا) بالتاءِ على الخطابِ (١).

وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأ بالياءِ، على وجهِ الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ؛ لأن ذلك في سياقِ قَصَصِهم والخبرِ عنهم، ثم عَقِبَ ذلك الخبرُ [عن ذَهابهم] (٢) عن حجةِ اللهِ عليهم، وترْكِهم النظرَ في أدلتِه، والاعتبارَ بها.

فتأويلُ الكلامِ إذن: أولم يَرَ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ، إلى ما خلَق اللهُ مِن جسم قائمٍ؛ شجرٍ أو جبلٍ أو غيرِ ذلك.

﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾.

يقولُ: يَرْجِعُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، فهو في أولِ النهارِ على حالٍ، ثم يَتَقَلَّصُ، ثم يَعودُ إلى حالٍ أُخرى في آخرِ النهارِ.

وكان جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ يقولون في اليمينِ والشَّمائلِ ما: حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾.

أما اليمينُ فأولُ النهارِ، وأما الشمائلُ (٣) فآخرُ النهارِ (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾.

قال: الغُدُوِّ والآصالِ، إذا فاءَت الظِّلالُ - ظلالُ كلِّ شيءٍ - بالغدوِّ سجَدَت للهِ، وإذا فاءَت بالعَشِيِّ سَجَدَت للهِ (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾.

يعنى: بالغدوِّ والآصالِ، تَسْجُدُ الظِّلالُ اللهِ عُدْوةً، إلى أن يَفِئَ الظلُّ، ثم تَسْجُدُ للهِ إلى الليلِ.

يعنى ظلَّ كلِّ شيءٍ.

وكان ابن عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ ما: حدَّثنا المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

يقولُ: تَتَمَيَّلُ (٢).

واخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾.

فقال بعضُهم: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

قال: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُه (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

قال: سجد ظلُّ المؤمنِ طَوْعًا، وظَلُّ الكَافِرِ كَرْهًا.

وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: كلًّا عن اليمينِ والشَّمائلِ في حالِ سجودِها.

قالوا: وسجودُ الأشياءِ غيرُ ظلالِها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قالا: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، في قولِ اللَّهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

قال: إذا فاء الفيءُ توَجَّه كلُّ شيءٍ ساجدًا قِبَلَ القبلِة؛ مِن نَبْتٍ أو شجرٍ.

قال: فكانوا يَسْتَحِبُّون الصلاةَ عند ذلك (١).

حدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا الِحمَّانيُّ، قال: ثنا يحيى بن يَمانٍ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

قال: إذا زالت الشمسُ سجَد كلُّ شيءٍ للهِ (٢).

وقال آخرون: بل الذي وصَف اللهُ بالسجودِ في هذه الآيةِ، ظلالُ الأُشياءِ، فإنما يَسْجُدُ ظلالُها دونَ التي لها الظِّلالُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

قال: هو سجودُ الظِّلالِ؛ ظلالِ (١) كلِّ شيءٍ؛ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دَابَّةٍ (٢)؛ سجودُ ظِلالِ الدَّوابِّ، وظلالِ كلِّ شيءٍ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾.

ما خلَق مِن (٤) شيءٍ، عن يمينِه وشَمائلِه (٥) - فلفظُ ﴿مَا﴾: لفظٌ عن اليمينِ والشَّمائلِ - قال: ألم تَرَ أنك إذا صلَّيْتَ الفجرَ، كان ما بيَن مَطْلِع الشمسِ إلى مَغْرِبها ظلًّا، ثم بَعث اللهُ عليه الشمسَ دليلًا (٦)، وقبَض اللهُ الظلَّ (٧).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ أَخْبَر في هذه الآيةِ، أن ظلالَ الأشياءِ هي التي تَسْجُدُ.

وسجودُها مَيَلانُها ودَوَرانُها مِن جانبٍ إلى جانبٍ، وناحيةٍ إلى ناحيةٍ، كما قال ابن عباسٍ.

يقالُ ذلك: سجَدَت النخلةُ.

إذا مالت.

وسجَد البعيرُ.

وأسْجَدَ إِذا مَيَّل (٨) للركوبِ.

وقد بيَّنا معنى السجودِ في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه.

وقولُه: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.

يعنى: وهم صاغرون.

يقال منه: دخَر فلانٌ للهِ يَدْخَرُ دَخَرًا ودُخُورًا.

إذا ذلَّ له وخضَع.

ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (١): فلم يَبْقَ إِلا داخِرُ في مُخَيَّسٍ (٢) … ومُنْجَحِرٌ في غيرِ أَرضِك في جُحْرِ (٣) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.

أي: صاغِرون (٥).

حدَّثنا ابن عبدٍ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.

وأما توحيدُ اليمينِ (٦) في قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾.

فَجَمَعَها؛ فإن ذلك إنما جاء كذلك لأن معنى الكلامِ: أولم يَرَوْا إلى ما خلَق اللهُ مِن شيءٍ، يَتَفَيَّأُ ظلالُ ما خلَق مِن شيءٍ عن يمينِه - أي: ما خلَق (١) - وشمائِله.

فلفظُ ﴿مَا﴾ لفظٌ واحدٌ ومعناه معنى الجمعِ، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾.

بمعنى: عن يمينِ ما خلَق.

ثم رجَع إلى معناه في الشَّمائلِ.

وكان بعضُ أهل العربيةِ يقولُ (٢): إنما تَفْعَلُ العربُ ذلك؛ لأن أكثرَ الكلامِ مُواجَهةُ الواحدِ الواحدَ، فيُقالُ للرجلِ: خُذْ عن يمينكِ.

قال: فكأنه إذا وحَد ذهَب إلى واحدٍ من القومِ، وإذا جمَع فهو الذي لا مَسْأَلَةَ (٣) فيه.

واسْتُشْهِد لفعلِ (٤) العربِ ذلك، بقولِ الشاعرِ (٥): بِفي الشامِتينَ الصَّخْرُ إن كان هَدَّنى (٦) … رَزِيَّةُ شِبْلَىْ مُخْدِرٍ في الضَّراغِمِ (٧) فقال: بفِى الشامِتينِ، ولم يَقُلْ: بأفْواهِ.

وقولِ الآخرِ (٨): [الواردون [وتَيْمٌ] (٩) في ذرا] (١٠) سبأ … قد عَضَّ أَعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ ولم يَقُلْ: جلودُ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ يَخْضَعُ [ويَخْشَعُ] (١) ويَسْتَسْلِمُ لأمرِه ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دابَّةٍ تَدِبُّ عليها، والملائكةُ التي (٢) في السماواتِ، وهم لا يَسْتَكْبِرون عن التذلُّلِ له بالطاعةِ، والذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ، قلوبُهم مُنْكِرةٌ، وهم مُسْتَكْبِرون، وظِلالُهم تَتَفَيَّأُ عن اليمينِ والشَّمائلِ سُجَّدًا للهِ، وهم داخرون.

وكان بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ يقولُ: اجْتُزِئ بذكرِ الواحدِ مِن الدوابِّ عن ذكرِ الجميعِ، وإنما معنى الكلامِ وللهِ يَسْجُدُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن الدوابِّ والملائكةِ، كما يقالُ: ما أتانى مِن رجلٍ.

بمعنى: ما أتاني مِن الرجالِ.

وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يقولُ (٣): إنما قيل: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾.

لأن "ما" وإن كانت قد (٤) تكونُ على مذهبِ "الذي" فإنها غيرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِذَا أُبْهِمَت غَيرَ مؤقتةٍ أشْبَهَت الجزاءَ، والجزاءُ يَدْخُلُ "مِن" فيما جاء مِن اسمٍ بعدَه من النكرةِ، فيقالُ: مَن ضرَبه من رجلٍ فاضْربِوه.

ولا تَسْقُطُ "مِن" من هذا الموضعِ؛ كراهيةَ أن تُشْبِهَ أن تكونَ حالًا لـ "مَن" و "ما"، فجعَلوه بـ "مِن" بـ (مِن) ليَدُلُّ على أنه تفسيرٌ لـ "ما" و "من"؛ لأنهما غيرُ مُؤَقَّتَتَينِ (٥)، فكان دخولُ "مِن" فيما بعدَهما تفسيرًا لمعناها، وكان دخولُ "مِن" أَدَلُّ على ما لم يُوَقَّتْ مِن "مَن" و "ما"، فلذلك لم تُلْقَيا (٦).

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يَخافُ هؤلاء الملائكةُ التي في السماواتِ، وما في الأرضِ من دابَّةٍ، ربَّهم مِن فوقِهم، أن يُعَذِّبَهم إن عَصَوْا أَمرَه، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

يقولُ: ويَفْعَلون ما أمَرَهم اللهُ به، فيُؤَدُّون حقوقَه، ويَجْتَنِبون سَخَطَه.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لعبادِه: لا تَتَّخِذوا لى شريكًا، أيُّها الناسُ، ولا تَعْبُدوا معبودَيْن؛ فإنكم إذا عبَدْتُم معىَ غيرى، جعَلْتُم لى شريكًا ولا شريكَ لى، إنما هو إله واحد، ومعبودٌ واحدٌ، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.

يقولُ: فإياىَ فاتَّقوا، وخافوا عقابى بمعصيتِكم إياىَ إن عصَيْتُمونى وعبَدْتُم غيرى، أو أشْرَكْتُم في عبادتِكم لي شريكًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ ملكُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، هو الذي خلَقَهم، وهو الذي يَرْزُقُهم، وبيدِه حياتُهم وموتُهم.

وقولُه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وله الطاعةُ والإخلاصُ دائمًا ثابتًا واجبًا.

يقالُ منه: وصَب الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا ووَصَبًا، كما قال الدِّيليُّ (١).

لا أبْتَغِى (١) الحمدَ القليلَ بقاؤُه … يومًا بذَمِّ الدهرِ أَجْمَعَ واصِبَا ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].

وقولُ حسَّان (٢): غيَّرَتْه الريحُ تَسْفِى به … وهَزِيمٌ رَعْدُه واصِبُ فأما مِن الألم، فإنما يقالُ: وصِب الرجلُ يَوْصَبُ وَصَبًا، وذلك إذا أَعْيَا ومَلَّ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): لا يَغْمِزُ السَّاقَ مِن أَيْنٍ ولا وَصَبٍ … ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الواصبِ: فقال بعضُهم: معناه ما قلنا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن الأغَرِّ بن الصَّبَّاحِ، عن خليفةَ بن حُصَيْنٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

قال: دائمًا (٤).

حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

قال: دائمًا (٥).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النُّعمانِ، عن عكرمةَ، قال: دائمًا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائمًا (١).

حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

قال: دائمًا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: وَلَهُ الدَّينُ وَاصِبا له.

قال: دائما.

حدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جويبرٍ، الضحاكِ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

أي: دائمًا، فإن (٢) الله ﵎ لم يَدْعُ شيئًا مِن خلقِه إلا عبَدَه (٣)، طائعًا أو كارهًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاصِبًا﴾.

قال: دائمًا، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].

أي: دائمٌ (١).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

قال: دائمًا، والواصبُ الدائمُ (٢).

وقال آخرون: الواصبُ في هذا الموضعِ الواجبُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النعمانِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

قال: واجبًا (٣).

وكان مجاهدٌ يقولُ: معنى الدِّينِ في هذا الموضعِ الإخلاصُ.

وقد ذكَرْنا معنى الدينِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا (٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.

قال: الإخلاصُ (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن قال: تَضْرَعون دُعاءً (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، ﵄، قال: الضُّرُّ السَّقَمُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إذا وهَب لكم ربُّكم العافيةَ، ورفَع عنكم ما أصابكم مِن المرضِ في أبدانِكم، ومن الشدةِ في معاشِكم، وفرَّج البلاءَ عنكم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.

يقولُ: إذا جماعةٌ منكم يَجْعَلُون للَّهِ شريكًا في عبادتهِم، فيَعْبُدون الأوثانَ، ويَذْبَحون (٢) لها الذبائحَ؛ شكرًا لغيرِ من أنعَم عليهم بالفرجِ مما كانوا فيه مِن الضُّرِّ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.

يقولُ: ليَجْحَدوا الله نعمتَه، فيما آتاهم مِن كشفِ الضرِّ عنهم، ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وهذا مِن اللَّهِ وعِيدٌ لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، وتهديدٌ لهم، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: تمتَّعوا في هذه الحياةِ الدنيا إلى أن تُوافِيَكم آجالُكم، وتَبْلُغوا الميقاتَ الذي وقَّته لحياتِكم (٣) وتمتُّعِكم فيها، فإنكم مِن ذلك ستَصِيرون إلى ربِّكم، فتَعْلَمون بلقائِه وَبالَ ما كسَبَت أيديكم، وتَعْرِفون سوءَ [مَغَبَّةِ أمرِكم] (١)، وتَنْدَمون [حينَ لا يَنْفَعُكم النَّدمُ] (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويَجْعَلُ هؤلاء المشركون مِن عَبَدةِ الأوثانِ، لما لا يَعْلَمون منه ضَرًّا ولا نفعًا، ﴿نَصِيبًا﴾.

يقولُ: حظًّا وجزءًا (٣) ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مِن الأموالِ؛ إشراكًا (٤) منهم له بالذي يَعْلَمون أنه خلَقَهم، وهو الذي يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم دونَ غيرِه، كالذى حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.

قال: يَعْلَمون أن الله خلَقَهم، ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثم يَجْعَلون لما لا يَعْلَمون أنه يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، نصيبًا مما رزَقْناهم (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.

وهم مُشْرِكو العربِ.

جعَلوا لأوثانِهم نصيبًا مما رزَقْناهم (٦)، وجزءًا مِن أموالِهم يَجْعَلونه لأوثانِهم (٧).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.

قال: جعَلوا لآلهتِهم التي ليس لها نصيبٌ ولا شيءٌ، جعَلوا لها نصيبًا مما قال اللهُ مِن الحرثِ والأنعامِ، يُسَمُّون عليها أسماءَها، ويَذْبَحون لها.

وقولُه: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهِ أَيُّها المشركون الجاعِلون للآلهةِ والأندادِ نصيبًا مما (١) رزَقْناكم، شركًا باللهِ وكفرًا، ليَسْأَلنَّكم اللهُ يومَ القيامةِ عما كنتم في الدنيا ﴿تَفْتَرُونَ﴾.

يعنى: تَخْتَلقون مِن الباطلِ والإفْكِ على اللهِ، بدَعْواكم له شريكًا، وتصْييركِم لأوثانِكم فيما رزَقكم نصيبًا، ثم لَيُعاقِبَنَّكم (٢) عُقوبةً تكونُ جزاءً لكفرِكم نعمَه، وافترائِكم عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن جَهْلِ هؤلاء المشركين باللهِ (٣) وخُبْثِ فعلِهم، وقبحِ فرْيتِهم على ربِّهم، أنهم يَجْعَلون لمن خلَقَهم ودبَّرهم وأنْعَم عليهم، فاسْتَوْجَب بنعمِه عليهم الشكرَ، واسْتَحَق عليهم الحمدَ - البناتِ.

ولا يَنْبَغِى أن يكونَ للَّهِ ولدٌ ذكرٌ ولا أنثى، ﴿سُبْحَانَهُ﴾.

يُنَزِّهُ (٤) ﷻ بذلك نفسَه، عما أضافوا إليه ونسَبوه مِن البناتِ، فلم يَرْضَوْا بجهلِهم إذ أضافوا إليه ما لا يَنْبَغى إضافتُه إليه، ولا يَنْبَغى أن يكونَ له مِن الولدِ، أن يُضِيفوا إليه ما يَشْتَهونه لأنفسِهم، ويُحِبُّونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يَكْرَهونه لأنفسِهم، ولا يَرْضَوْنه لها من البناتِ، ما يَقْتُلُونها إذا كانت لهم.

وفي "ما" التي في قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.

وجهان مِن العربيةِ؛ النصبُ عطفًا بها (١) على البناتِ، فيكونُ معنى الكلامِ، إذا أريد ذلك (٢): ويَجْعَلون للهِ البناتِ، ولهم البنينَ الذين يَشْتَهونهم (٣)، فتكونُ ﴿مَا﴾ للبنين.

والرفعُ، على أن الكلامَ مبتدأٌ من قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ: يَجْعَلُون للهِ البناتِ، ولهم البنونَ (٤).

وقولُه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾.

يقولُ: وإذا بُشِّر أحدُ هؤلاء الذين جعَلوا للَّهِ البناتِ، بولادةِ ما يُضِيفُه إليه من ذلك له، ظلَّ وجهُه مسْودًّا، مِن كراهتِه له، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.

يقولُ: قد كظَم الحزنَ، وامْتَلأ غَمًّا بولادتِه له، فهو لا يُظْهِرُ ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، يقولُ: يَجْعَلُون للَّهِ البناتِ، تَرْضَوْنهن (٥) لى، ولا تَرْضَوْنهن (٦) لأنفسِكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهليةِ إذا وُلِد للرجلِ منهم جاريةٌ، أمسَكها على هُونٍ، أو دسَّها في الترابِ، وهى حيَّةٌ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.

وهذا صَنيعُ مشركي العرب، أخبَرهم اللهُ بخُبْثِ صنيعِهم، فأما المؤمنُ فهو حَقيقُ أَن يَرْضَى بما قسَم اللهُ له، وقضاءُ اللهِ خيرٌ مِن قضاءِ المرءِ (٢) لنفسِه، ولعَمْرِى ما يَدْرِى أنه خيرٌ؛ لرُبَّ جاريةٍ خيرٌ لأهلِها مِن غلامٍ.

وإنما أخْبَركم الله بصنيعِهم؛ لتَجْتَنِبوه (٣) وتَنْتَهوا عنه، وكان أحدُهم يَغْذُو كلبَه، ويَئِدُ ابنتَه (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال: ابن عباسٍ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.

قال: حزينٌ (٥).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.

قال: الكَظيمُ الكَمِيدُ (٦).

وقد بينَّا ذلك بشواهِده في غيرِ هذا الموضعِ (٧).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَتَوَارَى﴾ هذا المُبَشَّرُ بولادةِ الأنثى مِن الولدِ له ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ فَيَغِيبُ عن أبصارِهم، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ يعنى: مِن مَساءتِه إياه، مُمَيِّلًا (١) بين أن يُمْسِكَه ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي: على هَوانٍ.

وكذلك ذلك في لُغةِ قريشٍ، فيما ذُكِر لى، يقولون للهَوانِ: الهُونَ.

ومنه قولُ الُحطَيْئةِ (٢): فلمَّا خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ (٣) مُمْسِكٌ … على رَغْمِه ما أَثْبَتَ الحَبْلَ حافِرُهْ (٤) وبعضُ بنى تَمِيمٍ جعَل الهُونَ مصدرًا للشيءِ الهَيِّنِ؛ ذكَر الكِسائيُّ أنه سمِعهم يقولون: إن كنتَ لَقليلَ هَوْنِ المُؤنةِ منذُ اليومِ.

قال: وسمِعْتُ الهَوانَ في مثلِ هذا المعنى، سمِعْتُ منهم قائلًا يقولُ لبعيرٍ له: ما به بأسٌ غيرُ هَوانِه.

يعني: خفيفَ الثمنِ.

فإذا قالوا: هو يَمْشِى على هَوْنِه.

لم يقولوه إلا بفتح الهاءِ، كما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٥) [الفرقان: ٦٣].

﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾.

يقولُ: يَدْفِنُه حيَّا في الترابِ، فيَئِدُه، كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾.

يقولُ (٦): يَئِدُ ابنتَه (٧).

وقولُه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.

يقولُ: ألا ساء الحكمُ الذي يَحْكُمُ هؤلاء المشركون، وذلك أن جعَلوا للهِ ما لا يَرْضَوْن لأنفسِهم، وجعَلوا لما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم شِرْكًا فيما رزَقَهم اللهُ، وعبَدوا غيرَ مَن خَلَقَهم، وأَنْعَم عليهم.

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ الخزاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن جابرٍ الحنفيُّ (٢)، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلَمة، قال: سمِع أبو هريرةَ رجلًا وهو يقولُ: إن الظالمَ لا يضرُّ إلا نفسَه.

قال: فالتفتَ إليه فقال: بلى، واللهِ إن الحُبارى (٣) لتموتُ في وَكْرِها هَزْلًا (٤) بظلمِ الظالمِ (٥).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا أبو عُبيدة الحدَّادُ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ السَّدُوسيُّ، عن الزُّبيرِ بن عديٍّ، قال: قال ابن مسعودٍ: خطيئةُ ابن آدمَ قتَلت الجُعَلَ (٦).

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، قال: قال عبدُ اللهِ، كاد الجُعَلُ أن يهلِكَ في جُحْرِه بخطيئةِ ابن آدمَ (١).

حدَّثني المُثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ: قال اللهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.

قال: نرى أنه إذا حضَر أجلُه فلا يُؤخَّرُ ساعةً ولا يقدَّمُ، وما لم يحضُرْ أجله، فإن الله يؤخَّرُ ما شاء، ويقدَّمُ ما شاء (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويجعَلُ هؤلاء المشركون للهِ ما يكرَهونه لأنفسِهم [مِن البناتِ] (٣)، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾.

يقولُ: وتقولُ ألسنتُهم الكذبَ وتفتريه؛ ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾.

و ﴿أَنَّ﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأنها ترجمةٌ عن الكذبِ.

وتأويلُ الكلامِ: ويجعَلون للهِ ما يكرهونه لأنفسِهم، ويزعُمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسِهم البناتُ يجعَلونهن للهِ تعالى، وزعَموا أن الملائكةَ بناتُ اللهِ.

وأما ﴿الْحُسْنَى﴾ التي جعَلوها لأنفسِهم، فالذكورُ من الأولادِ، وذلك أنهم كانوا يَئِدون الإناثَ من أولادِهم، ويستبْقون الذكورَ منهم، ويقولون: لنا الذكورُ وللهِ البناتُ.

وهو نحوُ قولِه (٤): ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

مُفْرَطُونَ﴾.

قال: مَنسيُّون مُضَيَّعون (١).

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا بَهْرُ بنُ أسدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.

قال: متْروكون في النارِ، مَنسيُّون فيها.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال حصينٌ: أخبَرنا عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثِله.

حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.

قال: مَنسيُّون.

حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٢)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدثنى المثنى، قال: أخبَرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).

بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لكم أيُّها الناسُ لعظةً في الأنعامِ التي نُسْقيكم (١) مما في بطونِه.

واختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ (٢) أهلِ مكةَ والعراقِ والكوفةِ والبصرةِ - سوى عاصمٍ - ومِن أهلِ المدينةِ أبو جعفرٍ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بضمِّ النونِ (٣)، بمعنى أنه أسقاهم شرابًا دائمًا.

وكان الكِسائيُّ يقولُ: العربُ تقولُ: أَسقيناهم نهرًا (٤)، وأسقيناهم لبنًا.

إذا [جعَله له] (٥) شُرْبًا دائمًا، فإذا أرادوا أنهم أَعْطَوْه شَرْبَةً قالوا: سقيناهم (٦)، فنحن نَسْقِيهم (٧).

بغير ألفٍ.

وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ - سوى أبى جعفرٍ - ومِن أهلِ العراقِ عاصمٌ: (نَسقيكم).

بفتح النونِ (٨)، من: سقاه اللهُ، فهو يَسْقِيه.

والعربُ قد تُدْخِلُ الأَلفَ فيما كان من السقى غيرَ دائمٍ، وتَنْزِعُها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهرُ الكلامَين عندَها ما قال الكِسائيُّ.

يَدلُّ على ما قلنا من ذلك قولُ لَبِيدٍ في صفةِ سحابٍ (٩): جَبْهَتَهُ (١) أَوِ الخَرَاتَ (٢) والكَتَدْ (٣) بال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخُ (٤) فَفَسَدْ وطابَ الْبَانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ ويقولُ: رجَع بقولِه: فبَرد.

إلى معنى اللبنِ؛ لأن اللبنَ والألبانَ يكونُ (٥) في معنَى واحدٍ.

وفي تذكيرِ النَّعَمِ قولُ الآخرِ (٦): أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ يُلْقحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ فذكَّر النَّعَمَ.

وكان غيُره منهم يقولُ (٧): إنما قال: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾.

لأنه أراد: مما في بطونِ ما ذكَرْنا.

ويُنشِدُ في ذلك رَجزًا لبعضِهم (٨): حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية.

قال: أمَرها أن تأكلَ من الثمراتِ، وأمَرها أن تتبعَ سبلَ ربِّها ذُلُلًا (١).

وقد بيَّنا معنى الإيحاءِ، واختلافِ المختلفين فيه، فيما مضَى بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وكذلك معنى قولِه: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ (٢).

وكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ﴿يَعْرِشُونَ﴾.

ما حدَّثني به (٣) يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْرِشُونَ﴾.

قال: الكَرْمُ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ثُمَّ كُلِي﴾ أيتُها النحلُ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾.

يقولُ: فاسلُكى طُرُقَ رَبِّك ﴿ذُلُلًا﴾.

يقولُ: مُذَلَّلةً لكِ.

والذُّلُلُ: جمعُ ذَلُولٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [ذكر من قال ذلك] حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.

قال: هذا الذي فُضِّل [في المالِ] (١) والولدِ، لا يُشْرِكُ عبدَه في مالِه وزوجتِه، يقولُ: قد رضيتُ بذلك للهِ.

ولم ترضَ (٢) به لنفسِك، فجعَلْتَ اللَّهِ شريكًا في مُلْكِه وخلقِه (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي جعَل لكم أيها الناسُ من أنفسِكم أزواجا.

يعنى أنه خلَق مِن آدمَ زوجتَه (٤) حواءَ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.

أي: واللهُ خلق آدمَ، ثم خلَق زوجته منه، ثم جعَل لكم بنينَ وحفَدةً (٥).

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ (٦) بالحفَدَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الأَحْتانُ، أَحْتانُ الرجلِ على بناتِه.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةَ (١)، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغلِبَ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن ابن حُبيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.

قال: الأَختانُ (٢).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ (٣)، عن عاصمٍ، عن [زِرٍّ، قال] (٤): سألتُ عبد الله: ما تقولُ في الحفَدَةِ؟

هم حَشَمُ الرجلِ يا أبا عبد الرحمنِ؟

قال: لا، ولكنهم الأَختانُ (٥).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيان، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الحَفَدةُ الأَخْتانُ (٦).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ بإسنادِه، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.

حدَّثنا ابن بشارٍ وأحمدُ بنُ الوليدِ القرشُّي وابنُ وكيعٍ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العنبريُّ ومحمدُ بنُ خالدِ (٧) بن خِداشٍ (٨) والحسنُ بن خلفٍ الواسطيُّ، قالوا: ثنا يحيى بنُ ومثلُه: (فجزاءُ مثل (١) ما قتل من النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وشَبَّه لكم (٢) شبهًا أيُّها الناسُ؛ للكافرِ من عبيدِه، والمؤمنِ به منهم.

فأمّا مثَلُ الكافِرِ، فإنه لا يَعمَلُ بطاعةِ اللهِ، ولا يأتى خيرًا، ولا يُنفِقُ في شيءٍ من سبيلِ اللَّهِ ماله، لغلبةِ خِذلانِ اللَّهِ عليه، كالعبدِ المملوكِ الذي لا يقدِرُ على شيءٍ فيُنفقه.

وأما المؤمنُ باللَّهِ، فإنه يعملُ بطاعتِه (٣)، وينفقُ في سبيلِه ماله، كالحرِّ الذي آتاه الله مالًا، ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾.

يقولُ: بِعِلْمٍ من الناسِ وغيرِ علمٍ، ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾.

يقولُ: هل يستوى العبدُ الذي لا يملكُ شيئًا ولا يقدرُ عليه، وهذا الحرُّ الذي قد رزَقه الله رزقًا حسنًا، فهو يُنفقُ كما وصف؟

فكذلك لا يستوى الكافرُ العاملُ بمعاصى اللَّهِ، المخالفُ أمرَه، والمؤمنُ العاملُ بطاعتِه وبنحوِ ما (٤) قلنا في ذلك [كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ] (٥).

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.

يقولُ: الحمدُ الكاملُ للهِ خالصًا، دون ما تَدْعُون أيها القومُ من دونِه من الأوثانِ، فإياه فاحْمَدُوا دونها.

وقولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ: ما الأمرُ كما تفعلون، ولا القولُ كما تقولون، ما للأوثانِ عندهم من يد ولا معروفٍ فتُحمَدَ عليه، إنما الحمدُ للهِ، ولكنَّ أكثرَ هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها، لا يعلَمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلِهم بما يأتون ويَذَرون، يجعَلونها للهِ شركاءَ في العبادةِ والحمدِ.

وكان مجاهدٌ يقولُ: ضرب اللهُ هذا المثلَ، والمثلَ الآخرَ الذي (١) بعدَه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾.

وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾.

يعنى بذلك الصنمَ، أنه لا يسمعُ شيئًا، ولا ينطق، لأنه إما خشبٌ منحوتٌ، وإما نُحاسٌ مصنوعٌ، لا يقدرُ على نفعٍ لمن خدَمه، ولا دفع ضُرٍّ عنه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾.

يقولُ: وهو عِيالٌ على ابن عمِّه وحُلفائِه وأهلِ ولايتِه، فكذلك الصنمُ كُلٌّ على من يعبدُه، يحتاجُ أن يحملَه، ويضعهَ، ويخدُمه، كالأبكمِ من الناسِ الذي لا يقدرُ على شيءٍ، فهو كُلٌّ على أوليائه من بنى أعمامِه مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وابنُ عيينةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾.

قال: زيدوا عقاربَ لها أنيابٌ كالنخلِ الطِّوالِ (٢).

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن عبدِ اللهِ بن مرةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٣).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ نحوَه.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ قال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾.

قال: أَفَاعِىَ (٤).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبد اللهِ قال: أفاعِيَ في النارِ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ مثلَة (٥).

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال: وجائزٌ أن تكونَ في غيرِ ذلك، ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ أنها نزَلَت في شيءٍ، ولا دَلالة في كتابٍ، ولا حجةَ عقْل، أىُّ ذلك عُنِى بها، ولا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ مما (١) قلنا؛ لدلالةِ ظاهرِه عليه، وأن الآيةَ كانت قد تَنْزِلُ (٢) لسببٍ مِن الأسبابِ، ويكونُ الحكمُ بها عامًّا فى كلِّ ما كان بمعنى السبب الذي نزلَت فيه.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾.

قال: وكيلًا (٣).

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ، أيُّها الناسُ، يَعْلَمُ ما تَفْعَلون فى العهودِ التي تُعاهِدون اللهَ مِن الوفاءِ بها، والأحلافِ والأيمانِ التي تُؤَكِّدونها على أنفسِكم؛ أتَبرُّون فيها (٤) أم تَنْقُضونها، وغيرَ ذلك مِن أفعالِكم، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، وهو مُسائِلُكم عنها وعما عمِلْتُم فيها، يقولُ (٥): فاحْذَروا اللهَ أن تَلْقَوه، وقد خَالَفْتُم فيها أمرَه ونهيَه، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه ما لا قِبَلَ لكم به من أليمِ عقابِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه - ناهيًا عبادَه عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها، وآمِرًا بوفاءِ أوعَد قومًا قبلَها على معصيتِهم إياه إن عَصَوْه أذاقهم السوءَ في الدنيا، والعذابَ العظيمَ في الآخرةِ، فقال تعالَى ذكرُه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فهذا لهم في الدنيا، ﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهذا لهم في الآخرةِ.

ثم أتْبَع ذلك ما لمَنْ أوفى بعهدِ اللهِ وأطاعه، فقال تعالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ فى الدنيا ﴿يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فالذي بيَّن (١) هذه السيئةَ بحكمتِه، أراد (٢) أن يُعْقِبَ ذلك الوعدَ لأهلِ طاعتِه بالإحسانِ (٣) فى الدنيا والغفرانِ في الآخرةِ، وكذلك فعَلَ تعالَى ذكرُه.

وأما القولُ الذى رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه الرزقُ الحلالُ، فإنه محتَمِلٌ أن يكونَ معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى ذكْرُه يُقَنِّعُه في الدنيا بالذي يَرْزُقُه من الحلالِ -وإن قلَّ- فلا تَدْعُوه نفسُه إلى الكثيرِ منه من غيرِ حِلِّه، لا أنه يَرْزُقُه الكثيرَ منه من الحلالِ، وذلك أن أكثرَ العاملين للهِ تعالَى ذكْرُه بما يَرضاه من الأعمالِ، لم نرهم رُزِقوا الرزقَ الكثيرَ من الحلالِ فى الدنيا، ووجَدْنا ضيقَ العيشِ عليهم أغلبَ من السَّعةِ.

وقولُه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فذلك لا شَكَّ أنه في الآخرةِ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبى على أن يحمِلَهم على ذنبٍ لا يُغْفَرُ (١).

وقال آخرون: هو الاستعاذةُ، فإنه إذا استعاذ باللهِ مُنِع منه، ولم يُسَلَّطْ عليه.

واستشهَدوا لصحةِ قولهم ذلك بقولِ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].

وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك في سورةِ "الحِجْرِ" (٢).

وقال آخرون في ذلك، بما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.

قال: إن عدوَّ اللهِ إبليسَ قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فهؤلاء الذين لم يُجعَلْ للشيطانِ عليهم سبيلٌ، وإنما سلطانُه على قومٍ اتخذوه وليًّا، وأشرَكوه في أعمالِهم (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

يقولُ: السلطانُ على من تولَّى الشيطانَ وعمِل بمعصيةِ اللهِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾.

يقولُ: الذين يُطيعونه ويعبُدونه.

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إنه ليس له سلطانٌ على ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: رفَعناها فأنزَلنا غيرَها (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾.

قال: نسَخناها؛ بدَّلناها: رَفَعْناها، وأَثْبَتْنا غيرَها.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: هو كقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٢)﴾.

[البقرة: ١٠٦] حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾.

قالوا: إنما أنت مُفترٍ، تأتى بشيءٍ وتَنْقُضُه، فتأتى بغيرِه.

قال: وهذا التبديلُ (٣) ناسخٌ، ولا تُبَدَّلُ آيةٌ مكانَ آيةٍ إلا بنسخٍ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾.

يقولُ تعالَى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للقائلين لك: إنما أنتَ مفترٍ.

فيما تَتْلو عليهم مِن آيِ كتابِنا: ﴿نَزَّلَهُ (٤) رُوحُ الْقُدُسِ﴾.

يقولُ: قُلْ جاء به جبريلُ مِن عندِ ربي بالحقِّ.

وقد بيَّنتُ فى غيرِ هذا الموضعِ معنى "رُوحِ القُدُسِ" بما أغنَى عن إعادتِه (٥).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ العَمْرِيُّ، عن موسى بنِ عُبيدةَ الرَّبَذيِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: جبريلُ.

وقولُه: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ نزَّل هذا القرآنَ -ناسخَه ومنسوخَه- رُوحُ القدسِ عليَّ مِن ربى؛ تثبيتًا للمؤمنين، وتقويةً لإيمانِهم؛ ليَزْدادوا بتصديقِهم لناسخِه ومنسوخِه إيمانًا إلى إيمانِهم، وهدًى لهم من الضلالِة، وبُشْرَى للمسلمين الذين استسلَموا لأمرِ اللهِ، وانقادوا لأمرِه ونهيِه، وما أنْزَله فى آيِ كتابِه، فأقرُّوا بكلِّ ذلك، وصدَّقوا به قولًا وعملًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نعلَمُ أن هؤلاء المشركين يقولون، جهلًا منهم: إنما يُعلِّمُ محمدًا هذا الذى يتْلوه بشرٌ مِن بنى آدمَ، وما هو من عندِ اللهِ.

يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه مكذِّبَهم فى قيلِهم ذلك: أَلَا تَعْلَمون كذِبَ ما تقولون.

إن لسانَ الذى تُلْحِدون إليه.

يقولُ: تميلون إليه بأنه يُعَلِّمُ محمدًا، أَعْجَمِيٌّ.

وذلك أنهم، فيما ذُكِر، كانوا يزعُمون أن الذى يُعلِّمُ محمدًا هذا القرآن عبدٌ روميٌّ؛ فلذلك قال تعالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.

يقولُ: وهذا القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبينٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في اسمِ الذي كان المشركون يزعُمون أنه يُعَلِّمُ محمدًا هذا القرآنَ من البشرِ؛ فقال بعضُهم: كان اسمَه بَلْعامُ، وكان قَيْنًا (١) بمكةَ نصرانيًّا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطَّوسِيُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ (٢)، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مسلمِ بن عبدِ اللهِ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُعلِّمُ قَيْنًا بمكةَ، وكان أعجميَّ اللسانِ، وكان اسمَه بَلْعامُ، فكان المشركون يروْن رسولَ اللهِ ﷺ حينَ يدخُلُ عليه، وحينَ يَخرُجُ مِن عندِه، فقالوا: إنما يُعَلِّمُه بَلْعامُ.

فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٣).

وقال آخرون: اسمُه يعيشُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حَبيبٍ، عن عكرمةَ، قال: كان النبيُّ ﷺ يُقْرِئُ غلامًا لبنى المُغيرةِ أعجميًّا.

قال سفيانُ: أُراه يُقالُ له: يَعيشُ.

قال: فذلك قولُه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾.

وقد قالت قريشٌ: إنما يُعلِّمُه بشرٌ؛ عبدٌ لبنى الحَضْرميِّ يقالُ له: يعيشُ.

قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.

وكان يعيشُ يقرَأُ الكُتُبَ (٢) وقال آخرون: بل كان اسمَه جَبْرٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ -فيما بَلَغَنى- كثيرًا ما يجلِسُ عندَ المَرْوَةِ إلى (٣) غلامٍ نَصْرانِيٍّ يُقالُ له: جَبْرٌ.

عبدٌ [لبعضِ بني الحَضْرميِّ] (٤)، فكانوا يقولون: واللهِ ما يُعلِّمُ محمدًا كثيرًا مما يأتى به إلا جبرٌ النصرانيُّ غلامُ (٥) الحضْرميِّ.

فأنزَل اللهُ تعالى فى قولِهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: كانوا يقولون: إنما يُعلِّمُه نصرانيٌّ على المَرْوةِ، ويُعَلِّمُ محمدًا رُوميٌّ، يقولون: اسمُه جَبْرٌ.

وكان صاحبَ كُتُبٍ، عبدٌ لابنِ الحضرميِّ.

قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾.

قال: وهذا قولُ قريشٍ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾.

قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١).

وقال آخرون: بل كانا غلامين؛ اسمُ أحدِهما يسارٌ، والآخرِ جَبْرٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ اللهِ (٢) بنِ مسلمٍ الحَضْرَميِّ، أنه كان لهم عَبْدان مِن أهلِ [عينِ التَّمْرِ] (٣)، وكانا صَيْقَلَيْنِ (٤)، وكان يُقالُ لأحدِهما: يسارٌ.

والآخرِ: جبرٌ.

فكانا يَقْرآن التوراةَ، وكان رسولُ اللهِ ﷺ ربما جلَس إليهما، فقال كفارُ قريشٍ: إنما يجلِسُ إليهما يتعلَّمُ منهما.

فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٥).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى (١) بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن حُصينٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ الحضرميِّ نحوَه (٢).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن حُصينٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، قال: كان لنا غلامان وكانا يَقْرآن كتابًا لهما بلسانِهما، فكان النبيُّ ﷺ يَمُرُّ عليهما، فيقومُ يَسْتَمِعُ منهما، فقال المشركون: يتعلَّمُ منهما.

فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه ما كذَّبهم به، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٣).

وقال آخرون: بل كان ذلك سَلْمَانَ الفارسيَّ.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾.

كانوا يقولون: إنما يُعَلِّمُه سَلْمانُ الفارسيُّ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾.

قال: قولُ كفارِ قريشٍ: إنما يُعَلِّمُ محمدًا عبدُ ابنِ الحَضْرَميِّ، وهو صاحبُ كتابٍ.

يقولُ اللهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١).

وقيل: إن الذى قال ذلك: رجلٌ كاتِبٌ لرسولِ اللهِ ﷺ ارْتَدَّ عن الإسلامِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذى ذكَر اللهُ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ إنما افْتَتَن (٢)؛ أنه كان يَكْتُبُ الوَحْيَ، فكان يُمْلِى عليه رسولُ اللهِ ﷺ: "سميعٌ عليمٌ" أو "عزيزٌ حكيمٌ"، وغيرَ ذلك مِن خواتِمِ الآيِ، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللهِ ﷺ وهو على الوَحْيِ، فيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللهِ ﷺ، فيقولُ: "عزيزٌ حكيمٌ" أو "سميعٌ عليمٌ" أو "عزيزٌ عليمٌ"؟

فيقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: "أيَّ ذلك كَتَبْتَ فهو كذلك".

ففَتَنَه ذلك، فقال: إن محمدًا يَكِلُ ذلك إليَّ، فأكْتُبُ ما شئتُ.

وهو الذي ذكَر لي سعيدُ ابنُ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ (٣).

واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ بضمِ الياءِ (٤)، من: أَلْحَد يُلْحِدُ إلْحادًا.

بمعنى: يَعْتَرِضون، ويَعدِلون إليه، ويُعَرِّجون إليه، مِن قولِ الشاعرِ (١): قَدْنِيَ (٢) مِن نصرِ الخُبَيْبَيْنِ (٣) قَدِى ليس أَميرى بالشَّحِيحِ المُلْحِدِ وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (لسانُ الذي يَلْحَدُونَ إليه) بفتحِ الياءِ (٤)، يعنى: يَميلون إليه، من لحَد فلانٌ إلى هذا الأمرِ، يَلْحَد لحدًا ولُحُودًا.

وهما عندى لغتان بمعنًى واحدٍ، فبأَيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ فيهما الصوابَ.

وقيل: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.

يعنى القرآنَ، كما تقولُ العربُ لقصيدةٍ من الشعرِ [لسِن فيها] (٥) الشاعرُ: هذا لسانُ فلانٍ.

تُرِيدُ قصيدتَه، كما قال الشاعرُ (٦): لِسانُ السُّوءِ تُهْديها إلينا … [وحِنْتَ وما حَسِبْتُك أن تَحِينا] (٧) يعني باللسانِ: القصيدةَ والكلمةَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بحُجَجِ اللهِ وأدلتِه، فيصدِّقون بما دلَّت عليه، ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾.

يقولُ: لا يُوَفِّقُهم الله لإصابةِ الحقِّ، ولا يُسَدِّدُهم (١) لسبيلِ الرُّشدِ في الدنيا، ولهم في الآخرةِ وعيدُ (٢) اللهِ إِذا ورَدوا عليه يومَ القيامةِ عذابٌ مؤلمٌ موجعٌ.

ثم أخبَر تعالى ذكرُه المشركين الذين قالوا للنبيِّ ﷺ: إنما أنت مُفْتَرٍ.

أنهم هم أهلُ الفِرْيةِ والكَذِبِ، لا نبيُّ اللهِ ﷺ والمؤمنون به، وبرَّأَ من ذلك نبيَّه ﷺ وأصحابَه، فقال: إنما يَتَخَرَّصُ الكَذِبَ، ويَتقوَّلُ الباطلَ الذين لا يُصدِّقون بحُجَجِ اللهِ وإعلامِه؛ لأنهم لا يَرْجُون على الصدقِ ثوابًا، ولا يخافون على الكذبِ عقابًا، فهم أهلُ الإفْكِ وافتراءِ الكذبِ، لا مَن كان راجيًا مِن اللهِ على الصدقِ الثوابَ الجزيلَ، وخائفًا على الكذبِ العقابَ الأليمَ.

وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.

يقولُ: والذين لا يؤمنون بآياتِ اللهِ هم أهلُ الكذبِ، لا المؤمنون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾.

اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى العاملِ فى "مَنْ" مِن قولِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾، ومِن قولِه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ فقال بعضُ نَحْوِيِّى البصرةِ: صار قولُه: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ خبرًا لقولِه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ وقولِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، فأخبَرهم (١) بخبرٍ واحدٍ، وكان ذلك يدُلُّ على المعنى.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هذان جَزاءانِ اجْتَمَعا، أحدُهما منعَقِدٌ بالآخرِ، فجوابُهما واحدٌ، كقولِ القائلِ: مَن يَأْتِنَا، فَمَنْ يُحْسِنْ نُكْرِمْه.

بمعنى: مَن يُحْسِنْ مِمَّنْ يَأْتِنا نُكْرِمْه.

قال: وكذلك كلُّ جَزَاءَيْن اجْتَمَعا، الثاني مُنْعَقِدٌ بالأوَّلِ، فالجوابُ لهما واحدٌ.

وقال آخرُ مِن أهلِ البصرةِ: بل (٢) قولُه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ مرفوعٌ بالرَّدِّ (٣) على "الَّذِين" (٤) فى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.

ومعنى الكلامِ عندَه: إنما يَفْتَرِى الكذبَ مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بعدِ إِيمَانِهِ، إِلا مَن أُكرِه مِن هؤلاء وقلبُه مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ.

وهذا قولٌ لا وجهَ له؛ وذلك أن معنى الكلامِ لو كان كما قال قائلُ هذا القولِ، لكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أخرَج مِمَّن (٥) افترَى الكذبَ في هذه الآيةِ، الذين وُلِدوا على الكفرِ وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قَطُّ، وخصَّ به الذين قد كانوا آمنوا فى حالٍ، ثم راجَعوا الكفرَ بعد الإيمانِ.

والتنزيلُ يدُلُّ على أنه لم يُخَصِّصْ بذلك هؤلاء دونَ سائرِ المشركين الذين كانوا على الشركِ مُقيمين؛ وذلك أنه تعالى ذكرُه أخبر خبرَ قومٍ منهم أضافوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ افتراءَ الكذبِ، فقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وكذَّب جميعَ المشركين بافترائِهم على اللهِ، وأخبَر أنهم أحقُّ بهذه الصفةِ من رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.

ولو كان الذين عُنُوا بهذه الآيةِ هم الذين كفَروا باللهِ من بعدِ إيمانِهم، وجَب أن يكونَ القائلون لرسولِ اللهِ ﷺ: إنما أنت مُفترٍ.

حينَ بدَّل (١) اللهُ آيةً مكانَ آيةٍ، كانوا هم الذين كفروا باللهِ بعد الإيمانِ خاصةً، دونَ غيرِهم من سائرِ المشركين؛ لأن هذه في سياقِ الخبرِ عنهم، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ، فبيِّنٌ فسادُه، مع خروجِه عن (٢) تأويلِ جميعِ أهلِ العلمِ بالتأويلِ.

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى: أن الرافعَ (٣) لـ "مَن" الأولى والثانيةِ، قولُه: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾، والعربُ تفْعَلُ ذلك في حروفِ الجزاءِ، إذا اسْتَأْنَفَتْ أحدَهما على الآخرِ.

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في عمارِ بنِ ياسرٍ، وقومٍ كانوا أسلَموا، ففَتَنَهم المشركون عن دينِهم، فثبت على الإسلامِ بعضُهم، وافْتَتَنَ بعضٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، وذلك أن المشركين أصابوا عمارَ بنَ ياسرٍ فعذَّبوه، ثم ترَكُوه فرجَع إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فحدَّثه بالذى لَقِى مِن قريشٍ والذى قال، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه عُذْرَه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.

قال: ذُكِر لنا أنَّها نزَلت في عمارِ بنِ ياسرٍ، أخَذه بنو المغيرةِ، فغَطُّوه في بئرِ ميمونٍ (٢)، وقالوا: اكفُرْ بمحمدٍ.

فتابَعَهم على ذلك وقلبُه كارهٌ، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا﴾؛ أي: مَن أتَى الكفرَ على اختيارٍ واسْتِحبابٍ، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [عبدِ الكريمِ] (٤) الجَزَرِيِّ، عن أبى عُبيدةَ بنِ محمدِ بنِ (٥) عمارِ بنِ ياسرٍ، قال: أخَذ المشركون عمارَ بنَ ياسرٍ، فعذَّبوه حتى باراهم (٦) في بعضِ ما أرادوا، فشكَا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: "كيف تجِدُ قلبَك؟

".

قال: مطمئنًّا بالإيمانِ.

قال النبيُّ ﷺ: "فإن عادوا فعُدْ" (١).

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.

قال: نزَلَتْ في عمارِ بنِ ياسرٍ (٢).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لما عُذِّب الأعْبُدُ أعْطَوْهم ما سأَلُوا إلا خَبَّابَ بنَ الأَرَتِّ، كانوا يُضْجِعونه على الرَّضْفِ (٣)، فلم يَسْتَقِلُّوا (٤) منه شيئًا (٥).

فتأويلُ الكلامِ إذن: مَن كفَر باللهِ مِن بعدِ إيمانِه، إلا مَن أُكْرِه على الكفرِ فنطَق بكلمةِ الكفرِ بلسانهِ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، موقِنٌ بحقيقتِه، صحيحٌ عليه عزمُه، غيرُ مَفْسوحِ الصدرِ بالكفرِ، لكنْ مَن شرَح بالكفرِ صدرًا فاخْتاره وآثرَه على الإيمانِ، وباح به طائعًا، فعليهم غضبٌ مِن اللهِ، ولهم عذابٌ عظيمٌ.

وبنحوِ الذى قلنا في ذلك وَرَد الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.

حدَّثنى عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.

فَأَخبَر اللهُ سبحانه أنه مَن كفَر من بعدِ إيمانِه، فعليه غضبٌ مِن اللهِ، وله عذابٌ عظيمٌ، فأما مَن أُكْرِه فتكلَّمَ به بلسانِه (١)، وخالَفَه قلبُه بالإيمانِ؛ لينجوَ بذلك مِن عدوِّه، فلا حرجَ عليه؛ لأن اللهَ سبحانه إنما يأخُذُ العبادَ بما عَقَدتْ عليه قلوبُهم (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: حَلَّ بهؤلاء المشركين غضبُ اللهِ، ووجَبَ لهم العذابُ العظيمُ؛ مِن أجلِ أنهم اخْتاروا زينةَ الحياةِ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ؛ ولأن اللهَ لا يُوَفِّقُ القومَ الذين يَجْحَدون آياته مع إصرارِهم على جحودِها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء المشركون الذين وصفتُ لكم صِفتَهم في هذه الآياتِ، أيها الناسُ، هم القومُ الذين طبَع اللهُ على قلوبِهم، فختَم عليها بطابَعِه، فلا يؤمنون ولا يَهْتدون، وأصَمَّ أسماعَهم، فلا يَسْمعون داعيَ اللهِ إلى الهُدَى، وأعْمَى أبصارَهم، فلا يُبْصِرون بها حُججَ اللهِ إبصارَ مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.

يقولُ: وهؤلاء الذين جعَل اللهُ فيهم هذه الأفعالَ هم الساهون عما أعدَّ اللهُ لأمثالِهم من أهل الكفرِ، وعما يُرادُ بهم.

وقولُه: [﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الهالكون] (١)، الذين غَبَنُوا أنفسهم حُظُوظَها من كرامةِ اللهِ تعالى ذكرُه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إن ربَّك يا محمدُ للذين هاجَروا مِن (٢) ديارِهم ومساكنِهم وعشائرِهم من المشركين وانْتَقَلوا عنهم إلى ديارِ أهلِ الإسلامِ ومساكنِهم وأهلِ وَلايتِهم، مِن بعدِ ما فَتَنَهم المشركون الذين كانوا بينَ أظْهُرِهم -قبلَ هجرتِهم- عن دينِهم، ثم جاهدوا المشركين بعدَ ذلك بأيديهم بالسيفِ، وبألسنتِهم بالبراءةِ منهم، ومما يَعْبُدون مِن دونِ اللهِ، وصبَروا على جهادِهم.

﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

يقولُ: إن ربَّكَ مِن بعدِ فِعْلَتِهم هذه لهم ﴿لَغَفُورٌ﴾.

يقولُ: لذو سَتْرٍ على ما كان منهم مِن إعطاءِ المشركين ما أرادوا منهم؛ مِن كلمةِ الكفرِ بألسنتِهم، وهم لغيرِها مُضْمِرون، وللإيمانِ مُعْتَقِدون.

﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يُعاقِبهم عليها مع إنابتِهم إلى اللهِ وتوبتِهم.

وذُكِر عن بعضِ أهلِ التأويلِ أن هذه الآيةَ نزَلتْ في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، كانوا تَخَلَّفُوا (١) بمكةَ بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ، فاشْتَدَّ المشركون عليهم، حتى فتَنوهم عن دينِهم، فأَيِسوا مِن التوبةِ، فأنزَل اللهُ فيهم هذه الآية، فهاجَروا ولَحِقوا برسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].

قال: ناسٌ مِن أهلِ مكةَ آمنوا، فكتَب إليهم بعضُ أصحابِ النبيِّ ﷺ بالمدينةِ: أن هاجِروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا.

فخرَجوا يريدون المدينةَ، فأدرَكَتْهم قريشٌ بالطريقِ ففتَنوهم، وكفَروا مُكْرَهين، ففيهم نزَلت هذه الآيةُ (٢).

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

قال ابنُ جريجٍ: قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، ثم نسَخ واسْتَثْنَى فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

ذُكِر لنا أنه لما أَنْزَل اللهُ أن أهلَ مكةَ لا يُقبَلُ منهم إسلامٌ حتى يُهاجروا، كتَب بها أهلُ المدينةِ إلى أصحابِهم مِن أهلِ مكةَ، فلما جاءَهم ذلك تبايعوا بينَهم على أن يَخْرُجوا، فإن لَحِق بهم المشركون مِن أهلِ مكةَ، قاتَلوهم حتى يَنْجُوا أو يَلْحَقوا باللهِ، فخرَجوا فأدرَكهم المشركون، فقاتَلوهم؛ فمنهم مَن قُتِل، ومنهم مَن نَجا، فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية (١).

حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شريكٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ مكةَ أسلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ، فأَخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم، فأُصيب بعضُهم، وقُتِل بعضٌ، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين، وأُكرِهوا، فاسْتَغْفِروا لهم.

فنزَلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآيةِ [النساء: ٩٧].

قال: وكُتِب إلى مَن بَقِى بمكةَ من المسلمين هذه الآيةُ؛ لا عذرَ لهم.

قال: فخرَجوا فلَحِقَهم المشركون، فأعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: ١٠].

فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا وأَيِسوا مِن كلِّ خيرٍ، ثم نزَلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

فكتَبوا إليهم بذلك: إن اللهَ قد جعَل لكم مَخْرَجًا.

فخرَجوا، فأدرَكهم المشركون فقاتَلوهم، حتى (١) نَجا من نَجا، وقُتِل مَن قُتِل (٢).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في عمَّار بنِ ياسرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، [والوليدِ بن أبي رَبيعةَ] (٣)، والوليدِ بنِ الوليدِ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ (٤).

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيةُ في شأنِ ابنِ أبى سَرْحٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في سورةِ النحلِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ثم نسَخ واسْتَثْنَى مِن ذلك فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وهو عبدُ اللهِ [بنُ سعدِ] (٥) بن أبي سَرْحٍ، الذى كان يكتُبُ لرسولِ اللهِ ﷺ، فأزَلَّه (٦) الشيطانُ، فلَحِق بالكفارِ، فأمَر به النبيُّ ﷺ أن يُقتَلَ يومَ فتحِ مكةَ، فاستجار له أبو عَمرٍو (١)، فأجاره النبيُّ ﷺ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ تُخاصِمُ عن نفسِها وتَحْتَجُّ عنها، بما أَسْلَفَتْ في الدُّنيا مِن خيرٍ أو شرٍّ، أو إيمانٍ أو كفرٍ، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ في الدنيا مِن طاعةٍ ومعصيةٍ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

يقولُ: وهم لا يُفْعَلُ بهم إلا ما يَسْتَحِقُونه ويَسْتَوْجِبونه، بما قَدَّموه من خيرٍ أو شرٍّ، فلا يُجزَى المحسنُ إلا بالإحسانِ، ولا المسئُ إلا بالذى أسْلَف مِن الإساءةِ، لا يُعاقَبُ محسنٌ، ولا يُبخَسُ جزاءَ إحسانِه، ولا يُثابُ مسيءٌ إلا ثوابَ عملِه.

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى السببِ الذى من أجلِه قيل: ﴿تُجَادِلُ﴾، فَأَنَّث الكُلَّ.

فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قيل ذلك لأن معني ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: كلُّ إنسانٍ.

وأنَّث لأن النفسَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، يُقالُ: ما جاءَنى نفسٌ واحدٌ وواحدةٌ.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يرَى هذا القولَ من قائلِه غلطًا، ويقولُ: "كلُّ" إذا أُضِيفَتْ إلى نكرةٍ واحدةٍ خرَج الفعلُ على قَدْرِ النكرة؛ كلُّ امرأةٍ قائمةٌ، وكلُّ رجلٍ قائمٌ، وكلُّ امرأتَيْن قائمتانِ، وكلُّ رجلَيْن قائمان، وكلُّ نساءٍ قائماتٌ، وكلُّ رجالٍ قائمون.

فيَخْرُجُ على عددِ النكرةِ وتأنيثِها وتذكيرِها، ولا حاجةَ به إلى تأنيثِ النَّفْسِ وتذكيرِها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾.

يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ومثَّل اللهُ مثَلًا لمكةَ التي سُكَّانُها أهلُ الشركِ باللهِ، هى القريةُ التى كانت آمنةً مطمئنةً، وكان أمْنُها أن العربَ كانت تَتَعادَى، ويَقْتُلُ بعضُها بعضًا، ويَسْبِى بعضُها بعضًا، وأهلُ مكةَ لا يُغَارُ عليهم، ولا يُحارَبون في بلدِهم، فذلك كان أمْنُها.

وقولُه: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾.

يَعْنى قارَّةً بأهلِها، لا يَحْتاجُ أهلُها إلى النُّجَعِ (١)، كما كان سكانُ البوادِى يَحتاجون إليها، ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾.

يقولُ: تأتى أهلَها معايشُهم واسعةً كثيرةً.

وقولُه: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾.

يعنى: من كلِّ فَجٍّ من فِجاجِ هذه القريةِ، ومن كلِّ ناحيةٍ فيها.

وبنحوِ الذي قلنا في أن القريةَ التي ذُكِرت في هذا الموضعِ، أُرِيد بها مكةُ، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: يعنى مكةَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عنِ ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾.

قال: مكةَ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾.

قال: ذُكِر لنا أنها مكةُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً﴾.

قال: هي مكةُ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذه مكةُ (٤).

وقال آخرون: بل القريةُ التي ذكَر اللهُ فى هذا الموضعِ: مدينةُ الرسولِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني [ابنُ عبدِ الرحيمِ] (١) البَرْقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرَنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ، أن عبدَ الكريمِ بنَ الحارثِ الحَضْرَميَّ، حدَّثه (٢) أنه سمِع مِشْرَحَ بن هاعانَ (٣) يقولُ: سمعتُ [سُلَيْمَ بنَ عِتْرٍ] (٤) يَقولُ: صَدَرْنا من الحجِّ مع حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وعثمانُ محصورٌ بالمدينةِ، فكانت تسألُ عنه: ما فعَل؟

حتى رأتْ راكِبَيْن، فأرسَلَتْ إليهما تسأَلُهما، فقالا: قُتِل.

فقالت حفصةُ: والذي نفسي بيدِه إنها القريةُ -تعنى المدينةَ- التى قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾.

قرَأها، قال أبو شُريحٍ (٥): [وأخبرَني] (٦) [عُبيدُ اللهِ] (٧) بنُ المغيرةِ عمن حدَّثه، أنه كان يقولُ: إنها المدينةُ (١).

وقولُه: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: فكفَر أهلُ هذه القريةِ بأنْعُمِ اللهِ التي أنْعَم عليها.

واختلَف أهلُ العربيةِ في واحدِ "الأَنْعُمِ".

فقال بعضُ نَحويِّى البصرةِ: جمعُ النِّعْمَةِ على أَنْعُمٍ، كما قال اللهُ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥].

فزعَم أنه جمعُ الشِّدَّةِ.

وقال آخرُ منهم: الواحدُ نُعْمٌ.

وقال: يقالُ: أيامُ طُعْمٍ ونُعْمٍ.

أى: نعيمٍ.

قال: فيجوزُ أن يكونَ معناها: فكفَرَتْ بنعيمِ اللهِ لها (٢).

واستشهَد على ذلك بقولِ الشاعرِ (٣): وعندى قُرُوضُ (٤) الخيرِ والشَّرِّ كلِّه … فبُؤْسٌ [بذى بُؤْسٍ] (٥) ونُعْمٌ (٦) بِأَنْعُمِ وكان بعضُ أهلِ الكوفةِ يقولُ: "أَنْعُم" جمعُ نَعْماءَ، مثلُ بَأْسَاءَ وأَبْؤُسٍ، وضَرَّاءَ وأَضُرٍّ.

فأما الأشُدُّ فإنه زعَم أنه جمعُ شَدٍّ.

وقولُه: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأذاق اللهُ أهلَ هذه القريةِ لباسَ الجوعِ، وذلك جوعٌ خالَط أذاه أجسامَهم، فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه ذلك لمخالطتِه أجسامَهم بمنزلةِ اللباسِ لها؛ وذلك أنهم سُلِّط عليهم الجوعُ سنينَ متواليةً، بدعاءِ رسولِ اللهِ ﷺ، حتى أكلَوا العِلْهِزَ والجيَفَ.

قال أبو جعفرٍ: والعِلْهِزُ: الوَبَرُ يُعْجَنُ بالدمِ والقُرادِ يَأْكُلونه.

وأما الخوفُ فإن ذلك كان (١) خوفَهم مِن سَرايا رسولِ اللهِ ﷺ التى كانت تُطِيفُ (٢) بهم.

وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

يقولُ: بما كانوا يَصْنَعون من الكفرِ بأَنعُمِ اللهِ، ويَجْحَدون آياتِه، ويُكَذِّبون رسولَه.

وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وقد جرَى الكلامُ مِن ابتداءِ الآيةِ إلى هذا الموضعِ على (٣) وجهِ الخبرِ عن القرية؛ لأن الخبرَ وإن كان جرَى في الكلامِ عن القريةِ اسْتِغْناءً بذكرِها عن ذكرِ أهلِها؛ لمعرفةِ السامعين بالمرادِ منها، فإن المرادَ أهلُها، فلذلك قيل: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

فردَّ الخبرَ إلى أهلِ القريةِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].

ولم يَقُلْ: "قائلة".

وقد قال قبلَه: ﴿فَإِذَا هُوَ﴾؛ لأنه رجَع بالخبرِ إلى الإخبارِ عن أهلِ القريةِ.

ونظائرُ ذلك في القرآنِ كثيرةٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاء أهلَ هذه القريةِ التي وصَف اللهُ صِفتَها في هذه الآيةِ التي قبلَ هذه الآيةِ، ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾.

يقولُ: رسولُ اللهِ ﷺ.

يقولُ: مِن أَنْفُسِهم يَعْرِفونه، ويعرِفون نسبَه وصدْقَ لَهْجَتِه، يدعُوهم إلى الحقِّ، وإلى طريقِ مستقيمٍ، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ولم يَقْبَلوا منه ما جاءَهم به مِن عندِ اللهِ ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾.

وذلك لباسُ الجوعِ والخوفِ، مكانَ الأمنِ والطُّمَأْنِينةِ والرزقِ الواسعِ الذي كان قبلَ ذلك يُرْزَقُونه، وقتلٌ بالسيفِ، ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

يقولُ: وهم مشركون.

وذلك أنه قُتِل عظماؤُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ على الشركِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾: إى واللهِ، يَعرِفون نسبَه وأمرَه، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

فَأَخَذهم اللهُ بالجوعِ والخوفِ والقتلِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَكُلُوا﴾ أيها الناسُ ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ مِن بهائمِ الأنعامِ التى أحلَّها لكم ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ مُذكَّاةً غيرَ محرَّمةٍ عليكم.

﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾.

يقولُ: واشكُروا اللهَ على نعَمِه التي أنعَم بها عليكم في تحليلِه ما أحلَّ لكم من ذلك، وعلى غيرِ ذلك من نعمِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.

يقولُ: إن كنتم تَعْبُدون اللهَ، فتُطيعونه فيما يأمُرُكم وينهاكم.

وكان بعضُهم يقولُ: إنما عَنَى بقولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: طعامًا كان بعَث به رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركين مِن قومِه في سِنِي الجَدْبِ والقَحْطِ رِقَّةً عليهم، فقال اللهُ تعالى للمشركين: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: من هذا الذى بعَث به إليكم، ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾.

وذلك تأويلٌ بعيدٌ مما يدُلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه: قد أَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية والتى بعدَها، فبيَّن بذلك أن قولَه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.

إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أن ما كان المشركون يُحرِّمونه من البَحَائِرِ والسَّوَائِبِ والوَصائِلِ وغيرِ ذلك -مما قد بيَّنا قبلُ فيما مضَى- لا معنى له؛ إذ كان ذلك مِن خُطُواتِ الشيطانِ، فإن كلَّ ذلك حلالٌ، لم يُحَرِّم اللهُ منه شيئًا (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا المشركين الذين كانوا يُحَرِّمون [ما ذَكَرْنا] (٢) مِن البَحَائِرِ وغيرِ ذلك: ما حرَّم اللهُ عليكم، أيها الناسُ، إلا الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزيرِ.

وما ذُبِح للأَنْصابِ فسُمِّيَ عليه غيرُ اللهِ؛ لأن ذلك مِن ذبائحِ مَن لا يَحِلُّ أَكْلُ ذبيحتِه، فمن اضْطُرَّ إلى ذلك أو إلى شيءٍ منه، لمجاعةٍ حلَّت، فأكَله ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

يقولُ: ذو سَتْرٍ عليه أن يُؤاخِذَه بأكْلِه ذلك في حالِ الضرورةِ، رحيمٌ به أن يُعاقبَه عليه.

وقد بيَّنَّا اختلافَ المُخْتَلِفِين في قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.

والصوابَ عندَنا مِن القولِ فى ذلك، بشواهدِه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية.

قال (١): وإن الإسلامَ دينٌ مُطَهِّرُهُ اللهُ مِن كلِّ سُوءٍ، وجعَل لك فيه يا بنَ آدمَ سَعَةً إِذا اضْطُرِرْتَ إلى شيءٍ من ذلك.

قولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ فى أكلِه، ولا عادٍ أن يَتَعَدَّى حلالًا إلى حرامٍ، وهو يجِدُ عنه مَنْدُوحَةً (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.

اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾.

فيكونُ "تصفُ الكذبَ" بمعنى: ولا تقولوا لوصْفِ ألسنتِكم الكَذِبَ.

فيكونُ "ما" بمعنى المصدرِ.

وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ: (ولَا تقولُوا لما تصِفُ ألْسِنَتُكم الكَذِبِ هذا).

بخفضِ "الكذبِ" (٣)، بمعنى: ولا تقولوا للكذبِ الذى تَصِفُه ألسنتُكم: هَذَا حَلالٌ وهذَا حَرَامٌ.

فيجعَلُ "الكذبَ" ترجمةً عن "ما" التي في ﴿لِمَا﴾ فيَخْفِضُه بما يَخْفِضُ به "ما".

وقد حُكِى عن بعضِهم: (لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكُذُبُ).

برفعِ "الكُذُبِ" (٤)، فيجعَلُ "الكُذُبَ" من صفةِ الألسنةِ، ويُخَرَّجُ (٥) على "فُعُلٍ"، على أنه جمعٌ؛ كَذُوبٌ وكُذُبٌ، مثلُ شَكُورٍ وشُكُرٍ.

والصوابُ عندى من القراءةِ فى ذلك نصبُ "الكَذِبِ"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه.

فتأويلُ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك لما ذكَرنا: ولا تقولوا لوصْفِ ألسنتِكم الكذبَ فيما رزَقَ اللهُ عبادَه من المطاعمِ: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ؛ كى تفتَروا على اللهِ بقيلِكم ذلك الكذبَ، فإن اللهَ لم يُحَرِّمْ من ذلك ما تُحَرِّمون، ولا أَحَلَّ كثيرًا مما تُحِلُّون.

ثم تقدَّم إليهم بالوعيدِ على كذبِهم عليه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.

يقولُ: إن الذين يَتخرَّصون على اللهِ الكذبَ ويَخْتَلِقُونه، لا يُخَلَّدون فى الدنيا، ولا يَبقَون فيها، إنما يَتَمَتَّعون فيها قليلًا.

وقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾.

فرفَع؛ لأن المعنَى: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاعٌ قليلٌ: أو: لهم متاعٌ قليلٌ في الدنيا.

وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

يقولُ: ثم إلينا مرجعُهم ومعادُهم، ولهم على كذبِهم وافترائِهم على اللهِ بما كانوا يفتَرون، عذابٌ عندَ مصيرِهم إليه، أليمٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾: في البَحيرةِ والسائبةِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: البحائرُ السُّيَّبُ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وحرَّمنا من قبلك يا محمدُ على اليهودِ ما أَنْبَأْناك به من قبلُ في سورةِ "الأنعامِ"؛ وذاك ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (٣) [الأنعام: ١٤٦].

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بتحريمِنا ذلك عليهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

فجزَيناهم ذلك ببغيِهم على ربِّهم، وظلمِهم أنفسَهم بمعصيتِهم (٤) اللهَ، فأورَثهم ذلك عقوبةَ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾.

قال: فى سورةِ "الأنعامِ" (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾.

قال: في سورةِ "الأنعامِ".

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾.

قال: ما قصَّ اللهُ تعالى في سورةِ "الأنعامِ" حيثُ يقولُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك [يا محمدُ] (٢) للذين عَصُوا اللهَ، فجهِلوا بركوبِهم ما ركِبوا من معصيةِ اللهِ، وسَفِهوا بذلك، ثم راجَعوا طاعةَ اللهِ والندمَ عليها، والاستغفارَ والتوبةَ منها، من بعدِ ما سلف منهم ما سلَف من ركوبِ المعصيةِ، وأصلَح فعمِل بما يحبُّ اللهُ ويرضاه، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾.

يقولُ: إن ربَّك يا محمدُ من بعدِ توبتِهم لهم (٣) ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن إبراهيمَ خليلَ اللهِ كان مُعَلِّمَ خَيْرٍ، يأتمُّ به أهلُ الهُدَى، ﴿قَانِتًا﴾.

يقولُ: مُطيعًا للهِ، ﴿حَنِيفًا﴾.

يقول: مستقيمًا على دينِ الإسلامِ، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

يقولُ: [ولم يكنْ يُشْرِكُ] (١) بِاللهِ شيئًا فيكونَ من أولياءِ أهلِ الشركِ به.

وهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى أهلَ الشركِ به من قريشٍ أن إبراهيمَ منهم برئٌ، وأنهم منه بُرآءُ.

﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾.

يقولُ: كان يُخْلِصُ الشكرَ للهِ فيما أنعَم عليه، ولا يَجْعَلُ معه في شكرِه فى نعمِه عليه شريكًا من الآلهةِ والأندادِ وغير ذلك، كما يَفْعَلُ مشركو قريشٍ، ﴿اجْتَبَاهُ﴾.

يقولُ: اصطَفاه واختَاره لخُلَّتِه، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

يقولُ: وأرشَده إلى الطريقِ المستقيمِ، وذلك دينُ (١) الإسلامِ، لا اليهوديةُ ولا النصرانيةُ.

وينحوِ الذي قلنا في معنى ﴿أُمَّةً قَانِتًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن يحيى بنِ الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه جاء إلى عبدِ اللهِ، فقال: من نسأَلُ إذا لم نَسْأَلُكَ؟

فكأَنَّ ابن مسعودٍ رقَّ له، فقال: أخبِرْني عن الأُمَّةِ.

قال: الذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ (٢).

(٣) حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن أبى العُبَيدينِ، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ عن الأُمَّةِ القانتِ.

قال: الأمَّةُ مُعلِّمُ الخيْرِ، والقانتُ المطيعُ للهِ ورسولِه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن منصورٍ -يعني ابن عبدِ الرحمنِ- عن الشَّعْبِيِّ، قال: ثنى فَرْوةُ بنُ نَوْفلٍ الأشجعيُّ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: إن مُعاذًا كان أُمَّةٌ قانتًا للهِ حنيفًا.

فقلتُ في نفسي: غلِط أبو عبدِ الرحمنِ، إنما قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (١)﴾.

فقال: تدرى ما الأُمَّةُ، وما القانتُ؟

قلتُ: اللهُ أَعلمُ.

قال: الأُمَّةُ الذي يُعلِّمُ الخيرَ، والقانتُ المطيعُ للهِ ولرسولِه، وكذلك كان معاذُ بنُ جَبَلٍ، كان (٢) يُعلِّمُ الخيرَ، وكان مطيعًا للهِ ولرسولِه (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ فِراسًا يُحدِّثُ عن الشَّعْبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال: إن معاذًا كان أُمَّةً قانتًا للهِ.

قال: فقال رجلٌ من أشجعَ يُقالُ له: فَرْوةُ بنُ نوفلٍ: نَسِيَ، إنما ذاك إبراهيمُ.

قال: فقال عبدُ اللهِ: مَن نَسِيَ؟

إنما كنا نُشَبِّهُه بإبراهيمَ.

قال: وسُئِل عبدُ اللهِ عن الأمَّةِ، فقال: معلِّمُ الخيرِ، والقانتُ المطيعُ للهِ ورسولِه (٤).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن فِراسٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قرأتُ عند عبدِ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾.

فقال: كان معاذٌ أُمَّةً قانتًا.

قال: هل تدْرِى ما الأمةُ؟

الأُمةُ الذى يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ، والقانتُ الذى يُطيعُ اللهَ ورسولَه (٥).

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا بَيَانُ بنُ بِشْرٍ البَجَليُّ، الشَّعْبيِّ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن معاذًا كان أمةً قانتًا للهِ حنيفًا ولم يكُ من المشركين.

فقال له رجلٌ: نسيتَ؟

قال: لا، ولكنَّه شبيهُ (١) إبراهيمَ (٢).

والأُمَّةُ معلِّمُ الخيرِ، والقانتُ المطيعُ.

حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن ابنِ عونٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾.

قال: مطيعًا.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن معاذًا كان أمةً قانتًا معلِّمَ الخيرِ (٣).

وذكِر فى الأمَّةِ أشياءُ مختلَفٌ فيها، قال: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].

يعني: بعد حينٍ.

﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن سعيدِ بنِ سابقٍ، عن ليثٍ، عن شَهْرِ ابن حَوْشَبٍ، قال: لم تَبْقَ الأرضُ إلا وفيها أربعةَ عشَرَ يَدْفَعُ اللهُ بهم عن أهلِ الأرضِ، وتُخْرِجُ بركتَها، إلا زمنَ إبراهيمَ، فإنه كان وحدَه (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرنا سَيَّارٌ، عن الشعبيِّ، قال: وأخبَرنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن ابنِ مسعودٍ نحوَ حديثِ يعقوبَ، عن ابنِ عُلَيةَ، وزاد فيه: الأُمَّةُ الذي يُعلِّمُ الخيرَ، ويُؤْتَمُّ به، ويُقْتَدَى به، والقانتُ المطيعُ للهِ وللرسولِ.

قال له أبو فَرْوةَ الكنديُّ: إنك أَوْهَمْتَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾: [على حِدَةٍ] (٢)، ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾.

قال: مُطيعًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: مُطيعًا للهِ في الدنيا.

قال ابنُ جريجٍ: وأخبَرنى ابنُ (٤) عُوَيْمرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: ﴿قَانِتًا﴾ مُطِيعًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾.

قال: كان إمامَ هُدًى مُطِيعًا لله، تُتَّبَعُ سنتُه وملتُه (٥).

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن ابنَ مسعودٍ قال: إن معاذًا كان أمةً قانتًا.

قال غيرُ قتادةَ: قال ابنُ مسعودٍ: هل تَدْرُون ما الأُمَّةُ؟

الذي يُعَلِّمُ الخيرَ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن فراسٍ: عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قُرِئَتْ (١) عندَ عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾.

فقال: إن مُعاذًا كان أمةً قانتًا.

قال: فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال: أَتَدْرُون ما الأُمَّةُ؟

الذى يُعَلِّمُ الناسَ الخيرَ، والقانتُ الذي يُطِيعُ اللهَ (٢).

وقد بيَّنا معنى الأمةِ (٣) ووجوهَها (٤)، ومعنى القانتِ، باختلافِ المختلِفين فيه، فى غيرِ هذا الموضعِ مِن كتابِنا بشواهدِه، فأغْنَى بذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وآتيْنا إبرهيمَ -على قنوتِه للهِ، وشكرِه له على نعمِه، وإخلاصِه العبادةَ له- فى هذه الدنيا ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلًا باقيًا على الأيامِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

يقولُ: وإنه فى الدارِ الآخرةِ يومَ القيامةِ لَممَّن صلَح أمرُه وشأنُه عندَ اللهِ، وحسُنَت منه (٥) منزلتُه وكرامتُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.

قال: لسانَ صدقٍ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: فليس مِن أهلِ دينٍ إلا يَتَوَلَّاه ويَرْضاه (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ثم أوْحَيْنا إليك يا محمدُ، وقلْنا لك: اتَّبِعْ ملةَ إبراهيمَ الحنيفيةَ المسلمةَ، ﴿حَنِيفًا﴾.

يقولُ: مسلمًا على الدينِ الذي كان عليه إبراهيمُ، بريئًا من الأوثانِ والأندادِ التي يَعْبُدُها قومُك، كما كان إبراهيمُ تبرَّأ منها.

وقولُه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما فرَض اللهُ أيُّها الناسُ تعظيمَ يومِ السبتِ إلا على الذين اخْتَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو أعظمُ الأيامِ؛ لأن اللهَ تعالى فرَغ مِن خلقِ الأشياءِ يومَ الجمعةِ، ثم سبَت يومَ السبتِ.

وقال آخرون: بل أعظمُ الأيامِ يومُ الأحدِ؛ لأنه اليومُ الذى ابْتَدَأ اللهُ فيه فى (٣) خلقِ الأشياءِ.

[فاخْتارُوا تعظيمَه وترَكوا] (١) تعظيمَ يومِ الجُمُعةِ الذى فرَض اللهُ عليهم تعظيمَه، واسْتَحَلُّوه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: اتَّبَعوه وترَكوا الجُمُعةَ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾.

قال: أرادوا الجُمعة فأخْطَئوا، فأخَذُوا السبتَ مكانَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: اسْتَحَلَّه بعضُهم، وحرَّمه بعضُهم.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.

قال: باستحلالِهم يومَ السبتِ (٣).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.

قال: كانوا يَطْلُبون يومَ الجمعةِ فأَخْطَئوه، وأخَذوا يومَ السبتِ، فجعَله عليهم.

وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمدُ لَيَحْكُمُ بين هؤلاء المختلِفِين بينَهم في استحلالِ السبتِ وتحريمِه، عندَ مصيرِهم إليه يومَ القيامةِ، فيَقْضِي بينَهم في ذلك وفى غيرِه مما كانوا فيه يَخْتَلِفون فى الدنيا بالحقِّ، ويَفْصِلُ بالعدلِ، بمُجازاةِ المُصيبِ فيه جزاءَه، والمُخطئِ فيه منهم ما هو أهلُه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ادْعُ يا محمدُ من أرْسَلك إليه ربُّك بالدعاءِ إلى طاعتِه، ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾.

يقولُ: إلى شريعةِ ربِّك التي شرَعَها لخلقِه، وهو الإسلامُ، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾.

يقولُ: بوحيِ اللهِ الذى يُوحِيه إليك، وكتابِه الذي يُنْزِلُه عليك، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.

يقولُ: وبالعِبَرِ الجميلةِ التي جعَلها اللهُ حُجَّةً عليهم في كتابِه، وذكَّرهم بها في تنزيلِه، كالتي عدَّد عليهم في هذه السورةِ مِن حُجَجِه، وذكَّرهم فيها ما ذكَّرهم مِن آلائِه، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

يقولُ: وخاصِمْهم بالخصومةِ التي هي أحسنُ من غيرِها؛ أن تَصْفَحَ عما نالوا به عِرْضَك من الأذى، ولا تَعْصِه في القيامِ بالواجبِ عليك مِن تبليغِهم رسالةَ ربِّك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أَعْرِضْ عن أذاهم إياك (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ هو أعلمُ بمَن جار (٢) عن قصد السبيلِ مِن المختلِفين في السبتِ وغيرِه من خلقِه، وحادَّ (٣) اللهَ، وهو أعلمُ بمن كان منهم سالكًا قصدَ السبيل، ومحَجَّةَ الحقِّ، وهو مُجازٍ جميعَهم جزاءَهم عندَ ورودِهم عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.

يقول تعالى ذكرُه للمؤمنين: وإن عاقَبْتُم أيُّها المؤمنون مَن ظَلَمَكم واعْتَدَى عليكم، فعاقِبوه بمثلِ الذى نالَكم به ظالمُكم من العقوبةِ، ولئن صبَرْتُم عن عقوبتِه، واحْتَسَبْتُم عندَ اللهِ ما نالكم به مِن الظلمِ، ووكَلْتُم أمرَه إليه، حتى يكونَ هو المتولِّىَ عقوبتَه، ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.

يقولُ: لَلصَّبرُ عن عقوبتِه، لذلك (٤) خيرٌ لأهلِ الصبرِ احتسابًا وابتغاءَ ثوابِ اللهِ؛ لأن اللهَ يُعَوِّضُه مِن الذى أراد أن يَنالَه، بانتقامِه من ظالمِه على ظلمِه إياه، من لذةِ الانتصارِ.

و"هو" مِن قولِه: ﴿لَهُوَ﴾ كنايةٌ عن الصبر، وحسُن ذلك، وإن لم يَكُنْ ذكَر قبلَ ذلك الصبرَ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾.

عليه.

وقد اخْتلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذي مِن أجلِه نزَلَت هذه الآيةُ.

وقيل: هي منسوخةٌ أو مُحْكَمةٌ؛ فقال بعضُهم: نزلَت من أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه أَقْسَموا حينَ فعَل المشركون يومَ أُحُدٍ ما فعَلوا بقَتْلَى المسلمين، من التمثيلِ بهم، أن يُجاوِزوا فعلَهم فى المُثْلةِ بهم، إن رُزِقوا الظَّفَرَ عليهم يومًا، فنهاهم اللهُ عن ذلك بهذه الآية، وأمَرَهم أن يَقْتَصِروا في التمثيلِ بهم، إن هم ظفِروا (١)، على مثلِ الذى كان منهم، ثم أمرَهم بعدَ ذلك بتركِ التمثيلِ، وإيثارِ الصبرِ عنه بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

فنسَخ بذلك عندَهم ما كان أذِن لهم فيه مِن المُثْلَةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعْتُ داودَ، عن (٢) عامرٍ، أن المسلمين قالوا لمَّا مثَّل (٣) المشركون بقَتْلاهم يومَ أُحُدٍ: لَئِن ظَهَرْنا عليهم لنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ.

فأنْزَل اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.

قالوا: بل نَصْبِرُ (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: لمَّا رأَى المسلمون ما فعَل المشركون بقَتْلاهم يومَ أُحُدٍ، مِن تَبْقيرِ البُطونِ، وقطعِ المذَاكيرِ، والمُثْلَةِ السيئةِ، قالوا: لئِن أظْفَرَنا اللهُ بهم، لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ.

فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، قال: نزَلَت سورةُ "النحلِ" كلُّها بمكةَ، وهى مكيةٌ، إلا ثلاثَ آياتٍ فى آخرِها نزَلَت بالمدينةِ (١) بعدَ أُحُدٍ، حيثُ قُتِل حمزةُ ومُثِّل به، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لئن ظهَرْنا عليهم، لنُمَتِّلَنَّ بثلاثين رجلًا منهم".

فلمَّا سمِع المسلمون بذلك، قالوا: واللهِ لئن ظهَرْنا عليهم لنَمُثِّلَنَّ بهم مُثْلةً لم يُمَثِّلْها أحدٌ مِن العربِ بأحدٍ قطُّ.

فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ إلى آخر السورةِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.

قال: [مُثِّلَ بالمسلمينَ] (٣) يومَ أحدٍ، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.

إلى قولِه: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.

ثم قال بعدُ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: لما أُصِيب فى أهلِ أحدٍ المَثْلُ، فقال المسلمون: لئن أصَبْناهم لنُمثِّلَنَّ بهم.

فقال اللهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾، [فلم تُعاقِبوا] (١)، ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.

ثم عزَم وأخبرَ فلا يُمثَّلُ (٢)، فنهَى عن المَثْلِ.

قال: مثَّل الكفارُ بقتلَى أُحدٍ، إلا حنظلةَ بنَ الراهبِ، كان الراهبُ أبو عامرٍ مع أبي سفيانَ، فترَكوا حنظلةَ لذلك.

وقال آخرون: نُسِخ ذلك بقولِه فى "براءةَ": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

قالوا: وإنما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.

[حينَ أمَر المؤمنين] (٣) ألّا يبتدِئوهم (٤) بقتالٍ حتى يبتدِئوهم (٤) به، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.

قال: هذا [حين أمَر] (٥) اللهُ نبيَّه أن يُقاتلَ مَن قاتَله.

قال: ثم نزَلت "براءةُ" وانسلاخُ الأشهرِ الحُرُمِ.

قال: فهذا مِن المنسوخِ (٦).

وقال آخرون: بل عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

نبيَّ اللهِ خاصّةً، دون سائرِ أصحابِه، فكان الأمرُ بالصبرِ له عزيمةً من اللهِ دونَهم.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.

قال: أمَرَهم اللهُ أن يَعفُوا عن المشركين، فأسلَم رجالٌ لهم مَنَعةٌ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو أذِن اللهُ لنا لانتصَرنا مِن هؤلاء الكلابِ.

فنزل القرآنُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.

واصبِرْ أنتَ يا محمدُ، ولا تكنْ (١) ممَّن ينتصِرُ، وما صبرُك إلا باللهِ.

قال: ثم نسَخ هذا، وأمَره بجهادِهم، فهذا كلُّه منسوخٌ (٢).

وقال آخرون: لم يُعْنَ بهاتين الآيتين شيءٌ مما ذكَر هؤلاءِ، وإنما عُنِى بهما أنّ من ظُلِم بظُلامةٍ، فلا يحِلُّ له أن ينالَ [ممن ظلَمه] (٣) أكثرَ ممّا نال الظالمُ منه.

وقالوا: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خالدٍ، عن ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.

يقولُ: إن أخَذ منك رجلٌ شيئًا، فخُذْ منه مثلَه (١) حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إن أخَذ منك شيئًا فخُذْ منه مثلَه.

قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال سفيانُ: ويقولون: إن أخذ منك دينارًا، فلا تأخُذْ منه إلا دينارًا، وإن أخَذ منك شيئًا، فلا تأخُذْ منه إلا مثلَ ذلك الشيءِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: لا تعتَدُوا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذِكرُه أمَر من عُوقِب مِن المؤمنين بعقوبةٍ، أن يعاقِبَ مَن عاقَبه بمثلِ الذى عُوقِب به، إن اختار عقوبتَه، وأعلَمه أن الصبرَ على تركِ عقوبتِه، على ما كان منه إليه، خيرٌ، وعزَم على نبيِّه ﷺ أن يصبرَ، وذلك أن ذلك هو ظاهرُ التنزيلِ، والتأويلاتُ التي ذكَرناها عمّن ذكَروها عنه، محتمِلتُها الآيةُ كلَّها.

فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أيِّ (٤) ذلك عُنِى بها من خبرٍ ولا عقلٍ، كان الواجبُ علينا الحكمَ بها، إلى باطنٍ (١) لا دَلالةَ عليه، وأن يقالَ: هي آيةٌ محكمةٌ، أمَر اللهُ تعالى ذِكرُه عبادَه أَلَّا يتجاوَزُوا فيما وجَب لهم قبلَ غيرهم من حقٍّ، من مالٍ أو نفسٍ -الحقَّ الذي جعَله اللهُ لهم (٢) إلى غيره.

وأنها غيرُ منسوخةٍ، إذ كان لا دَلالةَ على نسخِها، وأن للقولِ (٣) بأنها محكمةٌ، وجهًا صحيحًا مفهومًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واصبِرْ يا محمدُ على ما أصابَك مِن أذًى فى اللهِ، ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

يقولُ: وما صبرُك إن صبَرتَ إلا بمعونةِ اللهِ وتوفيقِه إياك لذلك، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: ولا تحزَنْ على هؤلاءِ المشركين الذين يُكذِّبونك، ويُنكِرون ما جئتَهم به في آنِ ولَّوا عنك وأعرَضوا عمّا أتيتَهم به من النصيحةِ، ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.

يقولُ: ولا يَضِيقُ (٤) صدُرك بما يقولون من الجهلِ، ونسبتِهم ما جئتَهم به إلى أنه سحرٌ أو شِعرٌ أو كهانةٌ، ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مما يحتالون بالخدعِ في الصدِّ عن سبيلِ اللهِ مَن أراد الإيمانَ بك، والتصديقَ بما أنزَل اللهُ إليك.

واختلَفت القرأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ العراقِ: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾.

بفتحِ الضَّادِ من (٥) "الضَّيقِ"، على المعنى الذى وصفتُ من تأويلِه.

وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (ولا تكُ فى ضِيقٍ)، بكسرِ الضادِ (١).

وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فِي ضَيْقٍ﴾.

بفتحِ الضادِ؛ لأنَّ الله تعالى إنما نهَى نبيَّه ﷺ أن يَضيقَ صدرُه مما يَلقَى مِن أذى المشركين، على تبليغِه إياهم وحيَ اللهِ وتنزيلَه، فقال له: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢].

وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢].

وإذ كان ذلك هو الذى نهاه تعالى ذِكرُه، ففَتْحُ الضادِ هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ فى ذلك المعنى، تقولُ العربُ: فى صدرى مِن (٢) هذا الأمرِ ضَيقٌ.

وإنما تُكسرُ الضادُ في الشيءِ الذى يتَّسِعُ أحيانًا ويضيقُ؛ من قلَّةِ المعاشِ، وضيقِ المسكنِ، ونحوِ ذلك، فإن وقَع الضَّيقُ، بفتحِ الضادِ، فى موقعِ (٣) الضِّيقِ بالكسرِ، كان على أحدِ وجهين؛ إما على جميعِ (٤) الضِّيقةِ (٥)، كما قال أعشى بنى ثعلبةَ (٦): فَلَئنْ رَبُّكَ مِن رحمتِه … كشَف الضِّيقةَ عنّا وفسَحْ والآخرُ على تخفيفِ الشيءِ الضَّيِّقِ، كما يخفَّفْ الهيِّنُ الليِّنُ، فيقالُ: هو هَيْنٌ لَيْنٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: و (١) إن الله يا محمدُ ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اللهَ في محارمِه فاجتنَبوها، وخافوا عقابَه عليها، فأحجَموا عن التقدُّمِ عليها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.

يقولُ: وهو مع الذين يُحسِنون رعايةَ فرائضِه، والقيامَ بحقوقِه، ولزومَ طاعتِه فيما أمَرهم به ونهاهم عنه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.

قال: اتَّقَوُا اللهَ فيما حرَّم عليهم، وأحسَنوا فيما افترَض عليهم.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ (٢)، عن رجلٍ، عمر الحسنِ مثلَه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن هَرِمَ ابنَ حَيَّانَ العَبْديَّ لما حضَره الموتُ، قيل له: أوصِ.

قال: ما أدرى ما أُوصِى، ولكنْ بِيعُوا دِرْعِي، فاقْضُوا عَنِّى دَيْنِي، فإن لم يَفِ (١)، فبيعوا فَرَسى، فإن لم تَفِ (٢) فبيعوا غُلامِي، وأُوصيكم بخواتيمِ سورةِ "النحلِ": ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.

ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ لمّا نزَلت هذه الآيةُ قال: "بَلْ نَصْبِرُ" (٣).

آخرُ تفسيرِ سورةِ "النحلِ"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد