تفسير الطبري سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الإسراء

تفسيرُ سورةِ الإسراء كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 427 دقيقة قراءة

تفسير سورة الإسراء كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ بنى إسرائيلَ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾.

قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾: تنزيهًا للذى أسرَى بعبدِه وتَبْرئةً له مما يقولُ فيه المشركون مِن أنَّ له مِن خلقِه شريكًا، وأن له صاحبةً، وولدًا، وعلوًّا له وتعظيمًا عما أضافوه إليه، ونسَبوه من جهالاتِهم وخطأِ أقوالِهم.

وقد بيَّنتُ فيما مضَى قبلُ أن قولَه: ﴿سُبْحَانَ﴾.

اسمٌ وُضِع موضعَ المصدرِ، فنُصِب لوُقوعِه موقعَه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وقد كان بعضُهم يقولُ: نُصِب لأنه غيرُ موصوفٍ.

وللعربِ في التسبيحِ أماكنُ تَسْتَعْمِلُه فيها؛ فمنها الصلاةُ، كان كثيرٌ من أهلِ التأويلِ يتأوَّلُون قولَ اللهِ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]: فلولا أنه كان مِن المصلِّين.

ومنها الاستثناءُ، كان بعضُهم يتأَوَّلُ قولَ اللهِ تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]: لولا تَسْتَثْنون.

ويَزْعُمُ أن ذلك لغةٌ لبعضِ أهلِ اليمنِ، ويَسْتَشْهِدُ لصحةِ تأويلِه ذلك بقولِه: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧، ١٨].

قال: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ فذكَّرهم تركَهم الاستثناءَ.

ومنها النورُ، وكان بعضُهم يتأوّلُ في الخبرِ الذي رُوِى عن النبيِّ ﷺ: "لولا ذلك لأحْرَقَت سُبُحاتُ وجهِه ما أدرَكَت مِن شيءٍ" (١).

أنه عنَى بقولِه: "سُبُحاتُ وجهِه": نورُ وجهِه.

وبنحو الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن النبيِّ ﷺ، أنه سُئِلَ عن التسبيحِ أن يقولَ الإنسانُ: سبحانَ اللهِ.

قال: "إنزاهُ (٢) اللهِ عن السُّوءِ" (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: سبحان اللهِ.

قال: إنكافُ اللهِ (٤).

وقد ذكَرنا من الآثارِ في ذلك ما فيه الكفايةُ فيما مضَى من كتابِنا هذا قبلُ (١).

والإسراءُ والسُّرَى: سيرُ الليلِ.

فمن قال: أسرَى.

قال: يُسْرى إسراءً.

ومن قال: سَرَى.

قال: يَسْرِى سُرًى.

كما قال الشاعرُ (٢): وليلةٍ ذاتِ دُجًى سرَيتُ ولم يَلِتْني عن سُراها لَيْتُ ويُروى: ذاتِ ندًى سرَيتُ.

ويَعْنى بقولِه: ﴿لَيْلًا﴾: من الليلِ.

وكذلك كان حُذيفةُ بنُ اليمانِ يَقْرَؤُها.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ، ورجلٌ يُحدِّثُ عندَه (٣) بحديثِ حينَ أُسرى بالنبيِّ ﷺ، فقال له: لا تَجِيءُ بمثلِ عاصمٍ ولا زِرٍّ، قال: قرَأ حذيفةُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِن اللَّيْلِ مِن المسجِدِ الْحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأقْصَى).

وكذا قرَأ عبدُ اللهِ (٤).

وأمَّا قولُه: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

فإنه اختُلِف فيه وفي معناه؛ فقال بعضُهم: يَعْنى مِن الحَرَمِ.

وقال: الحرمُ كلُّه مسجدٌ.

وقد بَيَّنَّا ذلك في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا (٥).

وقال: ذُكِر (٦) أن النبيَّ ﷺ كان ليلةَ أُسْرِى به إلى المسجدِ الأقصَى كان نائمًا فى بيتِ أمِّ هانئٍ ابنةِ أبي طالبٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ السائبِ، عن أبي صالحٍ باذانَ (١)، عن أمِّ هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ، في مَسْرَى النبيِّ ﷺ أنها كانت تقولُ: ما أُسرِى برسولِ اللهِ ﷺ إلا وهو في بيتي نائمٌ عندى تلك الليلةَ، فصلى العشاءَ الآخرةَ، ثم نام ونِمنا، فلما كان قُبَيلُ الفجرِ، أهبَّنا (٢) رسولُ اللهِ ﷺ، فلما صلَّى الصبحَ وصلَّينا معه قال: "يا أمَّ هانئٍ، لقد صلَّيتُ معكم العشاءَ الآخرةَ كما رأيتِ بِهذا الوادى، ثم جئتُ بيتَ المقدسِ فصلَّيتُ فيه، ثم صلَّيتُ صلاةَ الغداةِ معكم الآنَ كما تَرَيْن" (٣).

وقال آخرون: بل أُسرى به من المسجدِ، وفيه كان حينَ أُسرِى به.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ [وابنُ أبى] (٤) عديٍّ، عن سعيدِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن [مالكِ بنِ] (٥) صَعْصَعةَ (٦) رجلٍ مِن قومِه، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ: "بينا (١) أنا عندَ البيتِ بينَ النائمِ واليقظانِ، إذ سمِعتُ قائلًا يقولُ: أحدُ الثلاثةِ.

فأُتيتُ بطَستٍ مِن ذهَبٍ فيها من ماءِ زمزمَ، فشرَح صدرى إلى كذا وكذا".

قال قتادةُ: قلتُ: ما يعني به؟

قال: إلى أسفلِ بطنِه.

قال: "فاستُخرِج قلبي، فغُسِل بماءِ زمزمَ، ثم أُعيد مكانَه، ثم (٢) حُشِى إيمانًا وحكمةً، ثم أُتيتُ بدابةٍ أبيضَ (٣) يُقالُ له: البراقُ.

فوقَ الحمارِ ودونَ البغلِ، يَقَعُ خَطْوُه أقصى (٤) طرْفِه، فحُمِلتُ عليه، ثم انطلَقنا حتى أتَيْنا (٥) السماءَ الدنيا"، ثم ذكَر الحديثَ (٦).

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، [عن مالكٍ، يعنى] (٧) ابن صعصعةَ، رجلٍ مِن قومِه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.

حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ.

ثم ذكَر نحوَه (٨).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: ثني عمرُو (٩) ابنُ عبيدٍ (١)، عن الحسنِ بنِ أبي الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "بينا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنى جبريلُ، فهمَزنى بقدَمِه (٢)، فجلَستُ فلم أرَ شيئًا، فَعُدْتُ لمَضْجَعي، فجاءَني الثانيةَ، فهمَزنى بقدمِه، فجلَستُ فلم أرَ شيئًا، فَعُدْتُ لمَضْجَعي، فجاءَنِي الثالثةَ (٣)، فهمَزنى بقدَمِه، فجلَستُ، فَأَخَذَ بعَضُدى فقُمْتُ معه، فخرَج بي (٣) إلى بابِ المسجدِ، فإذا دابةٌ أبيضُ (٤) بينَ الحمارِ والبغلِ، له في فَخِذَيه جناحان يَحْفِرُ (٥) بهما رجلَيه، يَضَعُ يدَه في منتهى طرْفِه، فحمَلني عليه ثم خرَج معى (٣) لا يفوتُنى ولا أفوتُه" (٦).

حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ (٧) بنِ بلالٍ، عن شَريكِ بنِ أبى نمرٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يُحَدِّثُنا عن ليلةِ المَسْرَى برسولِ اللهِ ﷺ من مسجدِ الكعبةِ، أنه جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يُوحَى إليه، وهو نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقال أوّلُهم: أيُّهم هو؟

قال أوسطُهم: هو خيرُهم.

فقال أحدُهم: خُذُوا خيرَهم.

فكانت تلك الليلةَ، فلم يَرَهم حتى جاءوا ليلةً أخرى فيما يرَى قلبُه (٨)، والنبيُّ ﷺ تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياءُ تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم.

فلم يُكَلِّموه حتى احتَمَلوه فوضَعوه عند بئرِ زمزمَ، فتولاه منهم جبريلُ عليه السلامُ، فشقَّ ما بينَ نحرِه إلى لَبَّتِهِ، حتى فرَغ من صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ حتى أنقَى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهبٍ فيه تَوْرٌ (١) محشوًّا (٢) إيمانًا وحكمةً، فحشا به جوفَه وصدرَه ولغادِيدَه (٣)، ثم أطبَقه (٤) ثم عرَج به إلى السماءِ الدنيا، فضرَب بابًا مِن أبوابِها، فناداه أهلُ السماءِ: مَن هذا؟

قال: هذا جبريلُ.

قيل: مَن معك؟

قال: محمدٌ.

قال (٥): أو قد بُعِث إليه؟

قال: نعم.

قالوا (٦): فمرحبًا به وأهلًا.

فيَسْتَبشِرُ به أهلُ السماءِ، لا يَعْلَمُ أهلُ السماءِ بما يريدُ اللهُ في (٧) الأرضِ حتى يُعْلِمَهم، فوجَد في السماءِ الدنيا آدمَ، فقال له جبريلُ: هذا أبوك.

فسلَّم عليه، فردَّ عليه، فقال: مرحبًا بك وأهلًا بابنى، فنعم الابنُ أنت.

[ثم مضَى به إلى السماءِ الثانيةِ، فإذا هو فى السماءِ الثانيةِ] (٨) بنهرَين يَطَّرِدان (٩)، فقال: ما هذان النهران يا جبريلُ؟

قال: هذا النيلُ والفراتُ عنصرُهما (١٠).

ثم مضى (١١) به إلى السماءِ الثالثةِ (١٢)، فإذا هو بنهرٍ [آخرَ عليه قصرٌ] (١) من لؤلؤٍ وزَبَرْجدٍ (٢)، [فذهَب يشُمُّ ترابَه] (٣)، فإذا هو مسكٌ (٤)، فقال: يا جبريلُ، ما هذا النهرُ؟

قال: هذا الكوثرُ الذي خبَأ لك ربُّك (٥).

[ثم عرَج به إلى السماءِ الثالثةِ، فقالت له الملائكةُ مثل ما قالت له فى الأولى [من هذا معك، محمدٌ؟

قال: نعم.

قالوا: وقد بُعث إليه؟

قال: قد بُعِث إليه] (٦).

قالوا: فمرحبًا به وأهلًا.

ثم عرَج به إلى الرابعةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى الخامسةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى السادسةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى السابعةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، وكلُّ سماءٍ فيها أنبياءُ قد سماهم أنسٌ، فوعَيت منهم إدريسَ في الثانيةِ، وهارونَ في الرابعةِ، وآخرَ فى الخامسةِ لم أحفظِ اسمَه، وإبراهيمَ في السادسةِ، وموسى في السابعةِ بتفضيلِ كلامِه اللهَ (٧)، فقال موسى: ربِّ (٨)، لم أظنَّ أَن يُرْفَعَ عليَّ أحدٌ.

ثم علا به [فوق ذلك] (٩) بما لا يَعْلَمُه إلا اللهُ، حتى جاء سدرةَ المنتهى، ودنا (١٠) الجبَّارُ ربُّ العزّةِ، فتَدَلَّى، فكان قابَ قوسَين أو أدنى، فأوحى [إلى عبدِه] (١١) ما شاء، وأوحى اللهُ إليه (١) فيما أوحى خمسين صلاةً على أمتِه كلَّ يومٍ وليلةٍ، ثم هبَط حتى بلَغ موسى فاحتبسَه، فقال: يا محمدُ، ماذا عهِد إليك ربُّك؟

قال: "عهِد إليَّ خمسين صلاةً على أمتى كلَّ يومٍ وليلةٍ" قال: إن أمتَك لا تَسْتطيعُ ذلك (٢)، فارْجِعْ فليُخَفِّفْ عنك وعنهم.

فالتفتَ إلى جبريلَ كأنه يَسْتَشِيرُه في ذلك، فأشار إليه أن نعَم، فعاد به جبريلُ حتى أتى (٣) الجبَّارَ ﷿ وهو مكانَه، فقال: "يا ربِّ خفِّفْ عنا، فإن أُمتى لا تستطيعُ هذا".

فوضَع عنه عشرَ صلواتٍ، ثم رجَع إلى موسى ﵇، فاحتَبسه، فلم يَزَلْ يردِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارَت إلى خمسِ صلواتٍ، ثم احتبَسه عند الخمسِ، فقال: يا محمدُ قد واللهِ راودتُ بني إسرائيلَ على أدنى مِن هذه الخمسِ، فضعُفوا (٤) وترَكوه، فأمتُّك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجعْ فليخفِّفْ عنك ربُّك.

كلَّ ذلك يلتفتُ إلى جبريلَ ليُشيرَ عليه، ولا يكرهُ ذلك جبريلُ، فرفَعه عند الخمسِ، فقال: "يا ربِّ، إن أمَّتى ضعافٌ أجسادُهم وقلوبُهم، وأسماعُهم (٥)، فخفِّفْ عنا".

قال الجبَّارُ ﷻ (٦): يا محمدُ.

قال (٧): "لبَّيكَ وسعدَيكَ"، فقال: إنى لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ (٨)، كما كتَبتُ عليك في أمِّ الكتابِ، ولك بكلِّ حسنةٍ عشرُ أمثالِها، وهى خمسون فى أمِّ الكتابِ، وهي خمسٌ عليك.

فرجَع إلى موسى، فقال: كيف فعلتَ؟

فقال: "خفَّف؛ أعطانا بكلِّ حسنةٍ عشرَ أمثالِها".

قال: قد واللهِ راودتُ بنى إسرائيلَ على أدنى من هذا فترَكوه، فارجعْ فليخفِّفْ عنك أيضًا، قال: "يا موسى قد واللهِ استحيَيْتُ مِن ربِّي مما اختَلَفْتُ (١) إليه".

قال: فاهبِطْ باسمِ اللهِ.

فاستيقَظ وهو في المسجدِ الحرامِ (٢).

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ ﷿ أخبَر أنه أَسْرى بعبدِه من المسجد الحرامِ، والمسجدُ الحرامُ هو الذى يتعارَفُه الناسُ بينهم إذا ذكَروه.

وقولُه: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ يعنى: إلى مسجدِ (٣) بيتِ المقدسِ.

وقِيل له: الأقْصَى؛ لأنه أبعدُ المساجدِ التي تُزارُ، ويُبتَغى فى زيارتِه الفضلُ بعد (٤) المسجدِ الحرامِ.

فتأويلُ الكلامِ: تنزيهًا للهِ، وتبرئةً له مما نحَله المشركونَ من الأشراكِ والأولادِ (٥) والصاحبةِ، وما يجلُّ عنه ﷻ، الذي سار بعبدِه ليلًا من بيتِه الحرامِ إلى بيتِه الأَقْصى.

ثم اختلَف أهلُ العلمِ فى صفةِ إسراءِ اللهِ ﵎ بنبِيِّه ﷺ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأَقْصى؛ فقال بعضُهم: أَسْرى اللهُ بجسدِه، فسار به ليلًا على البُراقِ من بيتِه الحرامِ إلى بيتِه الأَقْصى حتى أَتَاهُ، فَأَراهُ ما شاء أن يُرِيَه من عجائبِ أمرِه وعبرِه وعظيمِ سُلطانِه، فجُمعِتْ له به الأنبياءُ، فصلَّى بهم هُنالِكَ، وعُرج به إلى السماءِ حتى صُعِد به فوق السَّماواتِ السبعِ، وأَوْحى إليه هنالِك ما شاء أن يُوحِيَ، ثم رَجَع إلى المسجدِ الحرامِ من ليلتِهِ، فصلَّى به صلاةَ الصبحِ.

ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ بعضِ الرواياتِ التي رُوِيَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِه حدَّثَنَا يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونُسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرَنى ابنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن رسولَ الله ﷺ أُسرى به على البُراقِ، وهى دابَّةُ إبراهيمَ التي كان يَزورُ عليها البيتَ الحرامَ، يَقَعُ حافرُها مَوضِعَ طرْفِها، قال: فمرّتْ بعِيرٍ من عيراتِ قريشٍ بوادٍ من تلك الأوديةِ، فنفَرتِ العِيرُ، وفيها بَعيرٌ عليه غرارَتانِ؛ سوداءُ، وزرقاءُ، حتى أتى رسولُ اللهِ ﷺ إيلياءَ، فأُتى بقدحين؛ قدحِ خمرٍ، وقدحِ لبنٍ، فأخذَ رسولُ اللهِ ﷺ قدحَ اللبنِ، فقال له جبريلُ: هُديتَ إلى الفطرةِ، لو أخذتَ قدحَ الخَمرِ غَوَتْ أمتُك؟

قال ابنُ شهابٍ: فأخبرنى ابنُ المسيَّبِ أن رسولَ اللهِ ﷺ لَقِيَ هناك إبراهيمَ وموسى وعيسى، فنعَتَهم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: "فأمَّا مُوسى فَضَرْبٌ رَجِلُ الرأسِ كأنه مِن رجالِ شَنُوءَةَ، وأما عيسى فرجلٌ أحمرُ كأنَّما خرَج مِن ديماسٍ (١)، فأشبهُ مَن رأيتُ به عروةُ بنُ مسعودٍ الثقفيُّ، وأما إبراهيمُ فأنا أشبَهُ ولدِه بهِ".

فلما رجَع رسولُ اللهِ ﷺ حدَّث قريشًا أنه أُسرى به، قال عبدُ اللهِ: فارتدَّ ناسٌ كثيرٌ بعد ما أسلَموا (٢).

قال أبو سلمةَ: فأُتى أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، فقيل له: هل لك في صاحبِك، يزعُمُ أنه أُسرى به إلى بيتِ المقدسِ، ثم رجَع في ليلةٍ واحدةٍ!

قال أبو بكرٍ: أَوَ قال ذلك؟

قالوا (١): نعم.

قال: فأَشهدُ إن كان قال ذلك لقد صدَق.

قالوا: أفتشهدُ أنه جاء الشامَ في ليلةٍ واحدةٍ؟

قال: إني أُصدِّقُه بأبعدَ من ذلك، أُصدِّقُه بخبرِ السماءِ (٢).

قال أبو سلمةَ: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ اللهِ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ: يقولُ: "لما كذَّبتْني قريشٌ قُمتُ، فمثَّل اللهُ لى بيتَ المقدسِ، فَطَفِقتُ أُخبِرُهم عن آياتِه وأنا أنظرُ إليه" (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ هاشمِ بنِ عتبةَ بن أبي وقاصٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: لما جاء جبريلُ ﵇ بالبراقِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فكأنها [صرَّت أذنيها] (٥)، فقال لها جبريلُ: مهْ يا براقُ، فواللهِ (٦) إن ركِبكِ مثلُه.

فسار رسولُ اللهِ ﷺ، فإذا هو بعجوزٍ تانئٍ (١) على جنبِ الطريقِ -قال أبو جعفرٍ: ينبغى أن [تكونَ: تانئةٍ] (٢).

ولكن أُسقِطَ منها التأنيثُ - فقال: "ما هذه يا جبريلُ؟

" قال: سِرْ يا محمدُ.

قال (٣): فسار ما شاء اللهُ أن يسيرَ، فإذا شيءٌ يدعوه، [مُتَنحيًّا عن الطريقِ يقولُ] (٤): هلُمَّ يا محمدُ.

قال جبريلُ: سرْ يا محمدُ.

فسار ما شاء اللهُ أن يسيرَ، قال: ثم لقيَه خلقٌ مِن الخلقِ (٥)، فقال أحدُهم: السلامُ عليك يا أوَّلُ، والسلامُ عليك يا آخرُ، والسلامُ عليك يا حاشرُ.

فقال له جبريلُ: ارْدُدِ السلامَ يا محمدُ.

قال: فردّ السلامَ، ثم لقيَه الثانى، فقال له مثلَ مقالةِ [الأولِ، ثم لقيه الثالثُ فقال له مثلَ مقالةِ] (٦) الأوَّلين، حتى انتهى إلى بيتِ المقدسِ، فعرَض عليه الماءَ واللبنَ والخمرَ، فتناول رسولُ الله ﷺ اللبنَ، فقال له جبريلُ: أصبتَ يا محمدُ الفطرةَ، ولو شرِبتَ الماءَ لغَرِقتَ وغَرِقتْ أمتُك، ولو شرِبتَ الخمرَ لغوَيتَ وغَوَتْ أمتُك.

ثم بُعِث له آدمُ فمَن دونه مِن الأنبياء، فأمَّهم رسولُ اللهِ ﷺ تلكَ الليلةَ، ثم قال له جبريلُ: أما العجوزُ التي رأيتَ (٧) على جانبِ الطريقِ، فلم يبقَ من الدنيا إلا (٨) ما بقىَ مِن (٩) تلك العجوزِ، وأما الذى أراد أن تميلَ إليه، فذاك عدوُّ اللهِ إبليسُ، أراد أن تميلَ إليه وأما الذين سلَّموا عليك، فذاك إبراهيمُ ومُوسى وعِيسى (١٠).

حدَّثنى عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّيَاحِيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه -شكَّ أبو جعفرٍ- فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ومعه ميكائيلُ، فقال جبريلُ لميكائيلَ: ائتني بطَستٍ مِن ماءِ زمزمَ كيما أطهرَ قلبَه، وأشرحَ له صدرَه.

قال: فشقّ عنه (١) بطنَه، فغسَله ثلاثَ مرّاتٍ، واختلَف إليه ميكائيلُ بثلاثِ طِساسٍ (٢) من ماءِ زمزمَ، فشرَح صدرَه، ونزَع ما كان فيه من غلٍّ، ومَلأه حلمًا (٣) وعلمًا وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختَم بين كتفَيه بخاتمِ النبوةِ، ثم أتاه بفرسٍ فحُمِل عليه، كلُّ خطوةٍ منه منتهى بصرِه (٤)، أو (٥) أقصى بصرِه.

قال: فسار وسار معه جبريلُ ﵇، فأتى على قومٍ يزرَعون في يومٍ ويحصُدون في يومٍ، كلما حصَدوا عاد كما كان، فقال النبيُّ ﷺ: "يا جبريلُ ما هذا؟

" قال: هؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللهِ، تُضاعَفُ لهم الحسنةُ بسبعِمائةِ ضعفٍ، وما أنفَقوا من شيءٍ فهو يُخلِفُه، وهو خيرُ الرازقينَ.

ثم أتى على قومٍ تُرضَخُ رءوسُهم بالصخرِ، كلما رُضِخَتْ عادتْ كما كانت، ولا يُفتَّرُ عنهم من ذلكَ شيءٌ، فقال: "ما هؤلاءِ يا جبريلُ؟

قال: هؤلاء الذين تتثاقلُ رءوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ.

ثم أتى على قومٍ على أقبالِهم رِقاعٌ، وعلى أدبارِهم رِقاعٌ، يَسرَحونَ كما تسرحُ الإبلُ والغنمُ، ويأكلون الضريعَ والزقُّومَ ورَضْفَ جهنمَ وحجارتَها، قال: "ما هؤلاء يا جبرِيلُ؟

" قال: هؤلاء الذين لا يؤدُّون صدقاتِ أموالِهم، وما ظلَمهم اللهُ شيئًا، وما اللهُ بظلامٍ للعبيدِ.

ثم أتى على قومٍ بينَ أيديهم لحمٌ نضيجٌ [في قدورٍ، و] (١) لحمٌ آخرُ [نِيءٌ قذرٌ] (٢) خبيثٌ، فجعَلوا يأكلونَ من النِّيءِ (٣) الخبيثِ (٤) ويدَعونَ النضيجَ الطَّيبَ، فقال: "ما هؤلاءِ يا جبريلُ؟

" قال: هذا الرجلُ مِن أمَّتِك، تكونُ عندَه المرأةُ الحلالُ الطَّيبُ، فيأتى امرأةً خبيثةً فيبيتُ عندَها حتى يُصبحَ، والمرأةُ تقومُ من عندِ زوجِها حلالًا طيبًا، فتأتى رجلًا خبيثًا فتبيتُ معه حتى تُصبحَ.

قال: ثم أتى على خشبةٍ على (٥) الطريقِ لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقَّتْه، ولا شيءٌ إلا خرَقتْه، قال: "ما هَذَا يا جبريلُ؟

" قال: هذا مثَلُ أقوامٍ مِن أُمَّتِك يقعُدونَ على الطريقِ فيقطَعونه.

ثم تلا (٦): ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].

ثم أتى على رجلٍ قد جمَع حُزْمةً (٧) عظيمةً لا يستطيعُ حمْلَها، وهو يزيدُ عليها، فقال: "ما هذا يا جبريلُ؟

" قال: هذا الرجلُ من أُمَّتِك تكونُ عليه (١) أماناتُ الناسِ لا يقدِرُ على أدائِها، وهو (٢) يريدُ أن [يحملَ عليها] (٣).

ثم أتى على قومٍ تُقْرَضُ ألسنتُهم وشفاهُهم بمقاريضَ مِن حديدٍ، كلما قُرِضتْ عادتْ كما كانتْ، لا يُفَتَّرُ عنهم مِن ذلك شيءٌ، قال: "ما هؤلاء يا جبريلُ؟

" قال: هؤلاء (٤) خطباءُ الفتنةِ (٥).

ثم أتى على جُحْرٍ صغيرٍ يخرُجُ منه ثورٌ عظيمٌ، فجعَل الثورُ يريدُ أن يَرجِعَ مِن حيثُ خرَج فلا يستطيعُ، فقال: "ما هَذَا يا جبريلُ؟

" قال: هذا الرجلُ يتكلَّمُ بالكلمةِ العظيمةِ، ثم يَنْدَمُ عليها، فلا يَسْتطيعُ أَن يَرُدَّها.

ثم أتى على وادٍ، فوجد ريحًا طيبةً باردةً، و (٦) ريحَ المسكِ، وسمِع صوتًا، فقال: "يا جبريلُ، ما هذه الريحُ الطيبةُ الباردةُ ريحُ (٧) المسكِ؟

وما هذا الصوتُ؟

" قال: هذا صوتُ الجنةِ تقولُ: يا ربِّ، آتِنى ما وعدْتَني، فقد كَثُرَتْ غُرَفى، وإستبرقى وحَريرى، وسُندسى وعَبقريِّى، ولُؤلؤى ومَرجَاني، وفِضَّتي وذهبي، وأكوابِي وصِحافي وأَباريقى، وفَواكهى ونَخلى ورُمّاني، ولَبنى وخَمرى، فآتِني ما وعدْتَنى.

فقال: لكِ كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ، ومؤمنٍ ومؤمنةٍ، ومَن آمَن بي وبرسلي، وعمِل صالحًا ولم يُشركْ بي، ولم يتخذْ من دونى أندادًا، ومَن خشيَنى فهو آمنٌ، ومَن سأَلني أعطيتُه، ومَن أقرَضنى جزَيْتُه، ومَن توكَّل عليَّ كفيتُه، إنى أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، لا أُخلفُ الميعادَ، وقد أفلَح المؤمنونَ، وتبارَك اللهُ أحسنُ الخالقينَ.

قالتْ: قد رضيتُ.

ثم أتى على وادٍ فسمِع صوتًا منكَرًا، ووجَد ريحًا منتنةً، فقال: "ما هذه الريحُ يا جبريلُ؟

وما هذا الصوتُ؟

" قال: هذا صوتُ جهنمَ، تقولُ: يا ربِّ، آتنِى ما وعدْتَني، فقد كثُرتْ سلاسلي وأغْلالى، وسَعيرى وجَحِيمي، وضَريعي وغَسَّاقي، وعذابي وعِقابي، وقد بَعُدَ قَعْرى، واشتدَّ حرِّى، فآتِني ما وعدتنى.

قال: لكِ كلُّ مشركٍ ومشركةٍ، وكافرٍ وكافرةٍ، وكلُّ خبيثٍ وخبيثةٍ، وكلُّ جَبَّارٍ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ.

قالت: قد رضِيتُ.

قال: ثم سَار حتى أتى بيتَ المقدسِ، فنزل فربَط فرسَه إلى صخرةٍ، ثم دخَل فصلَّى مع الملائكةِ، فلما قُضِيَتِ الصلاةُ، قالوا: يا جبريلُ، مَن هذا معكَ؟

قال: محمدٌ.

فقالوا: أَوَ قد أُرْسِل محمدٌ (١)؟

قال: نعم.

قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعم الخليفةُ، ونعم المَجِيءُ جاء.

قال: ثم لَقِيَ أرواحَ الأنبياءِ فأثنَوا على ربِّهم، فقال إبراهيمُ: الحمدُ للهِ الذى اتخذني خليلًا، وأعطاني مُلكًا عظيمًا، وجعلنى أمَّةً قانتًا للهِ يُؤتمُّ بى، وأنقَذنى من النارِ، وجعلَها عليَّ بردًا وسلامًا.

ثم إن مُوسى أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذى كلَّمني تكليمًا، وجعَل هلاكَ آلِ فرعونَ ونجاةَ بني إسرائيلَ على يديَّ، وجعَل من أمَّتِى قومًا يَهدُون بالحقِّ (٢) وبه يعدِلون (٣).

ثم إن داودَ ﵇ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى ملكًا عظيمًا، وعلَّمنى الزّبورَ، وألان لىَ الحديدَ، وسخَّر ليَ الجبالَ يسبِّحنَ والطيرَ، وأعطانى الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ.

ثم إن سليمانَ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذي سخَّر ليَ الرياحَ، وسخَّر لى الشياطينَ يعملونَ (١) ما شئتُ مِن محاريبَ وتماثيلَ وجفانٍ كالجوابِ وقدورٍ راسياتٍ، وعلَّمنى منطقَ الطيرِ، وأتاني مِن كلِّ شيءٍ فضلًا، وسخَّر لى جنودَ الشياطينِ والإنسَ والطيرَ، وفضَّلني على كثيرٍ مِن عبادِه المؤمنينَ، وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحدٍ مِن بعدى، وجعَل ملكى ملكًا طيبًا ليس عليَّ فيهِ حسابٌ.

ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذى جعَلني كلمتَه، وجعَل مَثَلِى مَثَلَ آدمَ خَلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كنْ.

فيكونُ، وعلَّمنى الكتابَ والحكمةَ والتوراةَ والإنجيلَ، وجعَلنى أخلُقُ مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ فأنفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنِ اللهِ، وجعَلنى أبرئُ الأكمهَ والأبرصَ وأُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، ورفَعنى وطهَّرنى، وأعاذَنى وأُمِّى مِن الشيطانِ الرجيمِ، فلم يكنْ للشيطانِ علينا سبيلٌ.

قال: ثم إن محمدًا ﷺ أثنى على ربِّه، فقال: "كلُّكم (٢) أَثْنَى على ربِّه، وأنا مُثنٍ علَى ربِّي".

فقال: "الحمدُ للهِ الذى أرسلَنى رحمةً للعالمينَ، وكافةً للناسِ بشيرًا ونَذيرًا، وأنزَل عليَّ الفرقانَ فيه تبيانُ كُلِّ (٣) شَيءٍ، وجعَل أمَّتى خيرَ أمةٍ أُخرِجتْ للناسِ، وجعَل أمَّتى أمةً (٤) وسطًا، وجعلَ أمَّتى همُ الأولين وهم الآخرين، وشرَح لي صدرِي، ووضَع عنى وِزْرِى، ورفَع لى ذكرِى، وجعَلنى فاتحًا خاتِمًا".

قال إبراهيمُ: بهذا فضَلكم محمدٌ.

قال أبو جعفرٍ، وهو الرازيُّ: خاتمُ النبوّةِ، وفاتحٌ بالشفاعةِ يومَ القيامةِ.

ثم أُتى (١) بآنيةٍ ثلاثةٍ مغطاةٍ أفواهُها، فأُتى بإناءٍ منها فيه ماءٌ، فقيل: اشرَبْ.

فشرِب منه يسيرًا، ثم دُفِع إليه إناءٌ آخرُ فيه لبنٌ، فقيل له: اشرَبْ.

فشرِب منه حتى رَوِيَ، ثم دُفع إليه إناءٌ آخرُ فيه خمرٌ، فقِيل له: اشربْ.

فقال: "لا أريدُه، قد رَوِيتُ".

فقال له جبريلُ ﷺ: أما إنها ستُحرَّم على أُمَّتِك، ولو شرِبتَ منها لم يتبعْكَ مِن أُمَّتِكَ إِلَّا قليلٌ (٢).

ثم صعِد (٣) به إلى السماءِ (٤)، فاستفتَح (٥)، فقِيل: مَن هذا [يا جبريلُ] (٦)؟

فقال: محمدٌ.

قالوا: وقد أُرسِل إليه؟

قال: نَعَمْ.

قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء.

فدخَل فإذا هو برجلٍ تامِّ الخَلْقِ لم يَنقُصْ مِن خَلْقِه شيءٌ، كما يَنْقُصُ مِن خلقِ الناسِ، على يَمينِه بابٌ يَخْرُجُ منه ريحٌ طيِّبةٌ، وعن شمالِه بابٌ يَخرُجُ منه ريحٌ خبيثةٌ، إذا نظَر إلى البابِ الذي عن يمينِه ضحِك واستبشَر، وإذا نظَر إلى البابِ الذى عن شمالِه بكَى وحزِن، فقلتُ: "يا جبريلُ، مَن هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذى لم يَنقُصْ مِن خلقِه شيءٌ، وما هذانِ البابانِ؟

" قال: هذا أبوكَ آدمُ، وهذا البابُ الذى عن يمينِه بابُ الجنةِ، إذا نظَر إلى مَن يَدخُلُه مِن ذُرِّيَّتِه ضحِك واستبشَر، والبابُ الذى عن شِمالِه بَابُ جَهَنَّمَ، إِذا نظَر إلى من يدخُلُه مِن ذرِّيَّتِه بكَى وحزِن.

ثم صعِد به جبريلُ ﷺ إلى السَّماءِ الثَّانيةِ، فاستفتَح، فقِيل: مَن هذا (٧) معَك؟

قال: محمدٌ رسولُ اللهِ.

فقالوا: وقد أُرسِل محمدٌ (١)؟

قال: نعم.

قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعمَ المَجيءُ جاء.

قال: فإذا هو بشابَّينِ، فقال: "يا جبريلُ، مَن هذان الشابَّانِ؟

" قال: هذا عيسى ابنُ مريمَ، ويحيى بنُ زكريا، ابنا الخالةِ.

قال: فصَعِد به إلى السَّماءِ الثَّالثة، فاستفتَح، فقالوا: مَن هذا؟

قال: جبريلُ.

قالوا: ومَن معَك؟

قال: محمدٌ.

قالوا: أَوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟

قال: نَعَمْ.

قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعم الخليفةُ، ونعم المَجيءُ جاء.

قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ قد فُضِّل على الناسِ كلِّهم في الحُسْنِ، كما فُضِّل القمرُ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، قال: "مَن هذا يا جبريلُ الذي فُضِّل على النَّاسِ في الحُسْنِ؟

" قال: هذا أخوكَ يوسُفُ.

ثم صعِد به إلى السماءِ الرابعةِ، فاستفتَح، فقِيل: مَن هذا؟

قال: جبريلُ.

قالوا: ومَن معك؟

قال: محمدٌ.

قالوا: أوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟

قال: نَعَمْ.

قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء.

قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: "مَن هذا يا جبريلُ"؟

قال: هذا إدريسُ رفَعه اللهُ مكانًا عليًّا.

ثم صعِد به إلى السَّماءِ الخامسةِ، فاستفتَح (٤)، فقالوا: مَن هذا؟

فقال: جبريلُ.

قالوا: [ومَن] (٥) معَكَ؟

قال: محمدٌ.

قالوا: أوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟

قال: نعم.

قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء.

ثم دخَل، فإذا هو برجلٍ جالسٍ، وحوله قومٌ يقُصُّ عليهم، قال: "مَن هذا يا جبريلُ، ومَن هؤلاءِ الذين حولَه؟

" قال: هذا هارونُ المُحبَّبُ في قومِه، وهؤلاءِ بنو إسرائيلَ.

ثم صَعِد به إلى السماءِ السادسةِ، فاستفتَح (١)، فقِيل له: مَن هذا؟

قال: جبريلُ.

قالوا: ومَن معك؟

قال: محمدٌ.

قالوا: أوَ (٢) قد أُرسِل (٣)؟

قال: نعم.

قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونعم المَجيءُ جاء.

فإذا هو برجلٍ جالسٍ، فجاوَزه، فبكَى الرجلُ، فقال: "يا جبريلُ مَن هذا؟

" قال: موسى.

قال: " [فما بالُه] (٤) يبكي؟

" قال: تَزَعُمُ بنو إسرائيلَ أنى أَكْرَمُ بني آدمَ على اللهِ، وهذا رجلٌ مِن بني آدمَ قد خلَفني في دنيا، وأنا في أُخرَى، فلو أنه بنفسِه لم أبالِ، ولكن مع كلِّ نبيٍّ أُمَّتُه.

قال: ثم صَعِد به إلى السماءِ السابعةِ، فاستفتَح (٥)، فقِيل له (٦): مَن هذا؟

قال: جبريلُ.

قيل (٧): ومَن معك؟

قال: محمدٌ.

قالوا: أو (٢) قد أُرسل (٣)؟

قال: نعم.

قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجئُ جاء.

قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ أشمطَ (٨) جالسٍ عند بابِ الجنةِ على كرسيٍّ، وعندَه قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجوهِ، أمثالُ القراطيسِ، وقومٌ في ألوانِهم شيءٌ، فقام هؤلاء الذين في ألوانِهم شيءٌ، فدخَلُوا نهرًا فاغتسَلوا فيه، فخرَجُوا وقد خلَص مِن ألوانِهم شيءٌ، ثُم دخَلوا نهرًا آخرَ، فاغتسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خلَص من ألوانِهم شيءٌ، ثم دخلوا نهرًا آخرَ فاغتسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خلَص مِن ألوانِهم (١)، فصارتْ مثلَ ألوانِ أصحابِهم، فجاءوا فجلَسوا إلى أصحابِهم، فقال: "يا جبريلُ، من هذا الأشطُ؟

ثم من هؤلاءِ البيضُ وجوهُهم؟

ومَن هؤلاءِ الذين في ألوانهم شيءٌ؟

وما هذه الأنهارُ التي دخَلوا فجَاءوا وقد صفَتْ ألوانُهم؟

" قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ، أوَّلُ مَن شَمِط على الأرضِ، وأما هؤلاءِ البيضُ الوجوهِ فقومٌ لم يَلْبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ، وأما هؤلاءِ الذين في ألوانِهم شيءٌ، فقومٌ خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فتابوا، فتاب اللهُ عليهم، وأما الأنهارُ فأوَّلُها رحمةُ اللهِ، وثانيها نعمةُ اللهِ، والثالثُ: سقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا.

قال: ثم انتهَى إلى السِّدرةِ، فقِيل له: هذه السدرةُ يَنتهِى إليها كلُّ أحدٍ خلا مِن أُمَّتِك على سُنَّتِك.

فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ مِن أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه، وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصفًّى.

وهى شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعينَ عامًا لا يقطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ للأمةِ (٢) كلِّها.

قال: فغشِيها نورُ الخَلاقِ ﷿، وغشِيتْها الملائكةُ أمثالُ الغربانِ حينَ يقعنَ على الشجرِ (٣).

قال: فكلَّمه عندَ ذلك، فقال له: سلْ.

فقال: "اتخذتَ إبراهيمَ خليلًا، وأعطيتَه مُلكًا عظيمًا، وكلَّمتَ موسى تكليمًا، وأعطَيتَ داودَ مُلكًا عظيمًا، وألنت له الحديدَ، وسخَّرت له الجبالَ، وأعطَيتَ سليمان مُلكًا عظيمًا، وسخَّرت له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ، وسخَّرتَ له الرياحَ، وأعطَيتَه ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وعلَّمتَ عيسى التَّوراة والإنجيلَ، وجعلته يُبرِئُ الأكمة والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذن الله، وأعذْتَه وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيلٌ".

فقال له ربُّه: قد اتخذتُك (١) خليلًا - وهو مكتوبٌ (٢) في التوراة: حبيبُ الرحمن (٣) - وأرسلتُك إلى الناس كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، وشرَحتُ لك صدرَك، ووضَعتُ عنك وزرَك، ورفعتُ لك ذكرك، فلا أُذكَرُ إلا ذُكِرتَ معى، وجعلتُ أمَّتَك أمةً وَسَطًا، وجعلتُ أمَّتَك هم الأوّلين وهم الآخرين، وجعلتُ أمَّتَك لا تجوزُ لهم خُطبةٌ، حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى، وجَعَلْتُ مِن أُمَّتِك أقوامًا قلوبُهم أناجيلُهم، وجعلتُك أوَّلَ النَّبيينَ خَلْقًا، وآخرهم بَعْثًا، وأَوَّلَهم (٤) يُقْضَى له، وأعطَيتُك سبعًا من المثاني لم يُعطَها نبيٌّ قبلك، وأعطيتُك الكوثر، وأعطيتُك ثمانيةَ أسهمٍ؛ الإسلامَ، والهجرة والجهاد، والصدقةَ، والصلاةَ، وصومَ رمضانَ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعلتُك فاتحًا وخاتمًا.

فقال النبيُّ ﷺ: "فَضَّلَنِي رَبِّي بسِتٍّ؛ أَعْطَانِى فَوَاتحَ الكَلِم وَخَواتِيمَه، وَجَوامِعَ الحَدِيثِ، وَأَرْسَلَنِي إلى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا ونَذِيرًا، وقَذَفَ فِي قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِن مَسِيرِةِ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائمُ ولَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ كُلُّها طَهُورًا ومَسْجِدًا".

قال: "وفَرَضَ عَلَيَّ (١) خَمْسِينَ صَلاةً".

فلما رجع إلى موسى، قال: بِمَ أُمِرْتَ يا محمد؟

قال: "بخمسين صلاةً".

قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسأَله التَّخفيف؛ فإن أمَّتَك أَضْعَفُ الأُمم، فقد لَقِيتُ مِن بَنى إسرائيل شِدَّةً، قال: فرجع النبيُّ ﷺ إلى ربِّه فسأله التَّخفيف، فوضَع عنه عَشْرًا، ثم رجع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟

قال: "بأربعين".

قال: ارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيف، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لقيتُ من بني إسرائيل شِدَّةً.

قال: فرجع إلى ربِّه، فسأله التَّخفيف، فوضَع عنه عشرًا، فرجَع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟

قال (٢): "أُمِرْتُ بثلاثِينَ".

فقال له موسى: ارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْه التَّخفيف، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ مِن بني إسرائيلَ شِدَّةً.

قال: فرجع إلى ربِّه فسَأَله التَّخفيف؛ فوضَع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أُمرت؟

قال: "أُمِرتُ (٣) بعشرينَ".

قال: ارجع إلى ربِّك فاسأَلْه التَّخفيفَ، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ من بني إسرائيل شِدَّة.

قال: فرجع إلى ربِّهِ فسأَله التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا.

فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرتَ؟

قال: "بعشرٍ".

قال ارجعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخْفِيفَ؛ فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ مِن بنى إسرائيلَ شِدَّةً.

قال: فرجَع على حياء إلى ربِّه فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسًا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟

قال: "بخمس".

قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيفَ، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ من بني إسرائيل شِدَّةً.

قال: قد رجعتُ إلى ربَّي حتى استَحْيَيْتُ فما أنا راجعٌ إليه.

فقيل له: أمَّا إِنك كما صبَرتَ نفسَك على خَمْسِ صَلَواتِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عنكَ خمسين صلاةً، فإن كلَّ حسنةٍ بعشرِ أمثالها.

قال: فرضِي محمدٌ ﷺ كُلَّ الرِّضا.

قال (١): فكان موسى أشدَّهم عليه حين مرّ به، وخيرَهم له حِينَ رجَع إليه (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عبيد الله، قال: أخبرنا أبو النَّضْرِ هاشمُ بنُ القاسم، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيع بن أنسٍ، عن أبي العالية أو غيره - شكٍّ أبو جعفرٍ -، - عن أبي هريرة في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.

إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ، فذكر نحو حديثِ عليّ بن سَهْلٍ، عن حجَّاجٍ، إلا أنه قال: جاء جبريلُ (٣) معه ميكائيلُ، وقال (٤): كما تروحُ (٥) الأنعام [إلى الضَّرِيعِ] (٦)، وقال في كلِّ موضعٍ: قال عليٌّ: "ما هؤلاء": "من هؤلاءِ (٧) "، وقال في موضع: تُقرَضُ ألسنتُهم: تُقَصُّ ألسنتُهم.

وقال أيضًا في موضعٍ قال عليٌّ فيه: ونِعْمَ الخليفةُ: [ونعم الخليفةُ] (٨).

وقال في ذكرِ الخمرِ، فقال: "لا أُرِيدُه، قد رَويتُ".

قال: جبريلُ: [قد أصبتَ الفطرة يا محمدُ، إنها ستُحَرَّمُ] (١) على أُمَّتِك.

وقال في سدرة (٢) المُنتهى أيضًا: هذه السَّدْرَةُ المنتهى، إليها يَنتَهى كلُّ أحدٍ خلا على سبيلك مِن أُمَّتِك.

وقال أيضًا في الورقة منها تُظِلُّ الخلقَ كلَّهم: تَغْشَاها الملائكةُ مثل الغِرْبانِ حينَ يَقَعْنَ على الشجرة، من حُبِّ اللهِ.

وسائرُ الحديثِ نحوُ (٣) حديث عليٍّ (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي هارونَ العَبْدِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وحدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرنا أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - واللَّفْظُ لحديث الحسنِ بن يَحيى - في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.

قال: ثنا النبيُّ ﷺ عن ليلة أُسرى به، فقال نبيُّ الله: "أُتِيتُ بدايَّةٍ هي أشبهُ الدوابِّ بالبغل، له أُذنان مضْطَربتانِ، وهو البُراقُ، وهو الذي كان تركبُه الأنبياءُ قَبْلِي، فركبتُه، فانطلق بي يَضَعُ يدَه عندَ مُنتَهى بَصَرِه، فسمِعتُ نِداء عن يَمينى: [يا محمدُ] (٥)، علَى رِسْلِك أسألْك.

فمضَيْتُ ولم أُعرِّجْ عليه، ثم سمعتُ نداءً عن شمالي: يا محمدُ، على رسْلِك أسألْك.

فمضَيتُ ولم أَعرِّجْ عليه، ثم استقبلت امرأةً (٦) عليها من كلِّ زينة (٧) الدُّنيا رافعةً يدها، تقولُ (١): على رسْلِك أسألْك.

فمضَيتُ ولَمْ أَعَرِّجْ عَلَيْها، ثُمَّ أَتيتُ بيتَ المقدس - أو قال: المسجدَ الأقْصَى - فنزَلتُ عن الدَّابَّةِ فأوثَقتُها بالحلقة التي كانت الأنبياءُ تُوثِقُ بها، ثم دخَلتُ المسجدَ فصلَّيتُ فيه، فقال لي جبريلُ: ماذا رأيت في وجهك.

فقُلتُ: سمِعتُ نِداءً عن يَمينى، أن يا محمدُ، على رِسْلِك أسألكَ.

فمضَيتُ ولم أُعرِّج عليه".

قال: ذاك داعِى اليهودِ، أَمَا إِنك لو وقَفتَ عليهِ تهوَّدَتْ أُمَّتُكَ.

قال: ثم سمِعتُ نداءً عن يسارى، أنْ يا محمدُ، على رِسْلِك أسألك، فمَضَيتُ ولم أُعرِّجْ عليه.

قال: ذاك داعى النَّصارى، أما إنك لو وقَفتَ عليه لتَنصَّرتْ أمَّتُك.

قلتُ: ثم استقْبَلَتنى امرأةٌ عليها من كلِّ زينة (٢) الدُّنيا رافعةً يدَها، تقولُ: على رسْلك أسألْك.

فمضَيتْ ولم أُعرِّجْ عليها.

قال: تلك الدُّنيا تزيَّنَتْ لكَ، أَمَا إِنَّك لو وقفت عليها [لاختارت أمَّتُك] (٣) الدُّنيا على الآخرة.

ثم أُتِيتُ بإناءين أحدُهما فيه لبنٌ، والآخرُ فيه خمرٌ، فقيل لي: اشرَبْ أيَّهُما شئت.

فأخذتُ اللبن فشربتُه.

قال: أصبتَ الفِطرة - أو قال: أخَذْتَ الفِطرة - ".

قال معمرٌ: وأخبرني الزُّهريُّ، عن ابن المسيَّبِ، أنه قيل له: أمَّا إِنَّك لو أخَذتَ الخمرَ غُوتْ أُمَّتُك.

قال أبو هارون في حديث أبي سعيد: "ثم جيء بالمعراج الذي تَعرُجُ فيه أرواحُ بنى آدمَ، فإذا أحسَنُ ما رأيتُ، ألم تر إلى المَيِّتِ كيف يَحُدُّ بصره إليه!

فعُرج بنا فيه حتى انتَهَينا إلى باب السماءِ الدُّنيا، فاستفتح جبريلُ، فقيل: مَن هذا؟

قال: جبريلُ.

قيل (٤): ومَن معك؟

قال: محمدٌ.

قيل: أو قد أُرسل إليه؟

قال: نعم.

ففتحوا وسلَّموا عليَّ، وإذا ملَكٌ مُوَكَّلٌ يَحرُسُ السماءَ يقالُ له: إسماعيلُ.

معه سبعُون ألف ملكٍ، معَ كلِّ ملَكٍ منهم مائةُ ألفٍ، ثم قرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وإذا أنا برجل كهيئتِهِ يومَ خلقه الله لم يَتَغيَّرُ منهُ شيءٌ، فإذا هو تُعرَضُ عليه أرواحُ ذُرِّيَّته، فإذا كان رُوحَ مُؤمنٍ قال: رُوحٌ طيِّبٌ، وريحٌ طيِّبةٌ، اجعَلوا كتابَه في علِّيِّينَ.

وإذا كان رُوحَ كافرٍ قال: روحٌ خبيثةٌ، ورِيحٌ خبيثةٌ، اجعَلوا كتابه في سِجِّينٍ (١).

فقلتُ: يا جبريلُ من هذا؟

قال: أبوك آدمُ.

فسلَّم عليَّ ورحَّب بى (٢)، وقال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالح [والولد الصَّالح] (٣).

ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بقوم لهم مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبل، وقد وُكِّل بهم مَن يَأْخُذُ بمَشَافِرِهم، ثم يَجْعَلُ فِي أَفواههم صَخْرًا مِن نارٍ يَخرُجُ مِن أسافِلِهم، قلتُ: يا جبريلُ مَن هؤلاء؟

قال: هؤلاء الذين يأكُلون أموال اليَتامَى ظُلْمًا.

ثم نظَرتُ فإذا أنا بقوم يُحذَى (٤) مِن جُلُودِهم ويُرَدُّ في أفواههم، ثم يُقالُ: كُلُوا كما أكَلْتُم.

فإذا أكرَهُ ما خلق الله لهم ذلك.

قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟

قال: هؤلاء الهمَّازُونَ اللمَّازونَ الذين يأكُلُونَ (٥) لحومَ النَّاسِ (٦).

ثم نَظَرتُ فإذا أنا بقومٍ على مائدةٍ عليها لحمٌ مشويٌّ كأحسن ما رأيتَ مِن اللَّحم، وإذا حولهم جيفٌ، فجعَلُوا يَميلُونَ على الجيف يأكُلونَ مِنها ويَدَعُونَ ذلكَ اللَّحمَ.

قلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟

قال: هؤلاءِ الزُّناةُ عَمَدوا إلى مَا حَرَّم الله عليهم، وتركوا ما أحلَّ الله لهم.

ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم بُطونٌ كأنها البُيوتُ وهى على سابِلة آل فرعونَ، فإذا مرَّ بهم آلُ فرعونَ ثارُوا (١)، فيَمِيلُ بأحدهم بطنُه فيَقَعُ، فيَتَوطَّؤُهم آلُ فرعون بأرجُلِهم، وهم يُعرضونَ على النَّارِ غُدوًّا وعَشِيًّا.

قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟

قال: هؤلاء أكلَةُ الرِّبَا، ربًا في بُطُونِهم، فمثلُهُم كمثل الذي يَتَخبَّطُه الشَّيطانُ من المسِّ.

ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بنساءٍ مُعلَّقاتٍ بثُدِيِّهِنَّ، ونساءٍ مُنَكَّساتٍ بأَرْجُلِهِنَّ.

قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟

قال: هنَّ اللاتى يَزْنِينَ ويَقتُلنَ أولادَهنَ".

قال: "ثُمَّ صعدنا إلى السَّماءِ الثَّانية، فإذا أنا بيوسفَ وحوله تَبَعٌ مِن أُمَّتِه، ووجهُه كالقمر ليلة البدر، فسلَّم عليَّ ورحَّب بي، ثُمَّ مضَينا إلى السَّماءِ الثَّالثة، فإذا أنا بابنى الخالَةِ؛ يَحيى وعِيسى، يُشْبِهُ أحدُهما صاحبَه؛ ثِيابَهما وشَعَرَهما، فسلَّما عليَّ ورحَّبَا بي.

ثُمَّ مضَينا إلى السَّماءِ الرَّابعةِ، فإذا أنا بإدريسَ، فسلَّم عليَّ ورحَّب، وقد قال الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧].

ثم مضينا إلى السماءِ الخامسة، فإذا أنا بهارونَ المحبَّبِ في قومه، و (٢) حولَه تَبَعٌ كثيرٌ مِن أُمَّتِه - فوصفه النبيُّ ﷺ - طويلُ اللِّحيةِ، تَكَادُ لحيَتُه تَمَسُّ سُرَّتَه، فسلَّم عليَّ ورحَّب، ثم مضَينا إلى السَّماءِ السَّادسة، فإذا أنا بموسى بن عِمْرانَ - فوصَفه النبيُّ ﷺ فقال: كثيرُ الشَّعَرِ، لو كان عليه قَمِيصانِ خرَج شَعَرُه منهما.

قال موسى: تَزِعُمُ النَّاسُ أَنى أكرمُ الخَلْقِ على الله، فهذا أكرمُ على الله منِّى، ولو كان وحدَه لم أكُنْ أُبَالى، ولكنْ كلُّ نبيٍّ ومن تبعه مِن أُمَّتِه.

ثم مضينا إلى السَّماءِ السَّابعة، فإذا أنا بإبراهيم وهو جالسٌ مُسنِدٌ ظهرَه إِلى البيت المعمور، فسلَّم عليَّ وقال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالحِ [والولد الصَّالحِ] (٣).

فقيل: هذا مكانُكَ ومكانُ أُمَّتِك، ثُمَّ تَلا: ﴿إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].

ثم دخلتُ البيتَ المعمورَ فصلَّيتُ فيه، وإذا هو يدخلُه كلَّ يومٍ سبْعُونَ أَلفَ ملَكِ، لا يَعودُون إلى يوم القيامةِ، ثم نظَرتُ فإذا أنا بشجرةٍ، إن كانت الورقةُ منها لمُغَطِّيةً هذه الأُمَّةَ، فإذا في أصلها عينٌ تَجرِى فانشعبتْ شُعْبَتين.

فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟

قال: أمَّا هذا فهو نَهرُ الرَّحمةِ، وأمَّا هذا فهو الكَوثَرُ الذي أعطَاكَهُ الله.

فاعْتَسَلتُ في نهر الرَّحمةِ فغُفِر لى ما تقدَّم من ذنبي وما تأخَّر، ثم أخَذتُ على الكوثر حتى دخلتُ الجنَّةَ؛ فإذا فيها مَا لا عَينٌ رَأَتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطَر على قلب بشرٍ، وإذا فيها رُمَّانٌ كأنه جلودُ الإبل المُقَتَّبة، وإذا فيها طيرٌ كأنها البُخْتُ".

فقال أبو بكرٍ: إن تلك الطير لناعمةٌ.

قال: "آكِلُها (١) أَنعَمُ مِنها يا أبا بكر، وإني لأرجو أن تأكل منها، ورأيتُ فيها جاريةً، فسألتُها: لمن أنتِ؟

فقالت: لزيد بن حارثةَ".

فبشَّر بها رسولُ الله ﷺ زيدًا.

قال: "ثم إن الله أمَرنى بأمرِه، وفرَض عليَّ خمسين صلاةً.

فمَررتُ عَلَى موسى، فقال: بمَ أمَرك ربُّك؟

قلتُ: فرض عليَّ خمسين صَلاةً.

قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسْأَله التخفيفَ؛ فإن أمتك لن يَقُوموا بهذا.

فرجعتُ إلى ربى فسأَلْتُه (٢) فوضَع عنى عشرًا، ثم رجعتُ إلى موسى، فلم أزَلْ أرجعُ إلى ربى إذا مررتُ بموسى حتى فرَض عليَّ خمسَ صلواتٍ، فقال موسى: ارْجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيف.

فقلتُ: قد رجَعتُ إلى ربى حتى استحييْتُ - أو قال: قلتُ: ما أنا براجعٍ - فقيل لى: إن لك بهذه الخمس صلواتٍ خمسين صلاةً، الحسنةُ (٣) بعشر أمثالها، ومَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت (٤) حسنةً، ومَن عملها كُتبت (١) عشرًا، ومَن هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلُها لم تُكْتَبْ شيئًا، فإن عملها كُتبت واحدةً" (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى رَوْحُ بنُ القاسم، عن أبي هارون عُمارة بن جُوين العبديِّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى أبو جعفرٍ، عن أبي هارونَ، عن أبي سعيدٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لما فرَغتُ مما كان في بيت المقدس، أتى بالمعراج، ولم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه، وهو الذي يَمُدُّ إليه ميِّتُكم عينيه إذا حضَر، فأصعَدني صاحبي فيه، حتى انتهى إلى بابٍ مِن الأبواب يقالُ له: بابُ الحَفَظةِ، عليه ملَكٌ يقالُ له: إسماعيلُ.

تحتَ يديه اثنا عشر ألفَ ملَكٍ، تحتَ يدَى كلِّ ملَكٍ منهم اثنا عشَرَ ألْفَ ملَكٍ".

فقال رسولُ الله ﷺ حين حدَّث هذا الحديث: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].

ثم ذكر نحوَ حديثِ معمرٍ، عن أبي هارون، إلا أنه قال في حديثه: قال: "ثم دخَل بي الجنةَ فرأيتُ فيها جاريةً لعساء (٣)، فسألتُها لمن أنتِ؟

وقد أعجَبَتنى حين رأيتُها، فقالت: لزيد بن حارثة".

فبشَّر بها رسولُ اللهِ ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ.

ثم انتهى حديثُ ابن حميدٍ، عن سلمة إلى ههنا (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيِّبِ، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهِ ﷺ وصف لأصحابه ليلةَ أُسرى به إبراهيمَ وموسى وعيسى، فقال: "أما إبراهيمُ فلم أرَ رجلًا أشبه بصاحبكم منه، وأما موسى فرجلٌ آدمُ طُوَالٌ جعدٌ أَقْنى (١)؛ كأنه من رجالٍ شَنُوءَةَ، وأما عيسى فرجلٌ أحمرُ بين القصير والطويل، سَبْطُ الشَّعَرِ، كثيرُ خيلان (٢) الوجه، كأنه خرج من ديماسٍ، كأن رأسَه يَقْطرُ ماءً، وما به ماءٌ، أشبَهُ مَن رأيتُ به عروةُ بنُ مسعودٍ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن رسول الله ﷺ بنحوه، ولم يقل: عن أبي هريرة (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ أُتى بالبُراقِ ليلةَ أُسرِى به مُسرَجًا ملجمًا ليركبَه، فاستصعَب عليه، فقال له جبريلُ: ما يَحمِلُك على هذا، فوالله ما ركبك أحدٌ قطُّ أكرمُ على اللهِ مِنه.

فقال: فارفَضَّ عرقًا (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: أُسْرِى بنبيِّ اللهِ عشاءً مِن مكة إلى بيت المقدس، فصلَّى نبيُّ اللهِ فيه، وأَرَاه اللهُ مِن آياته وأمَره ما شاء ليلةَ أُسرِى به، ثم أصبح بمكة.

ذكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "حُملتُ على دابَّةٍ يُقال لها: البُراقُ.

فوقَ الحمار ودون البغل، [يَقَعُ خَطوُه عندَ أَقصَى طَرْفِه] (١) ".

فحدَّث نبيُّ اللهِ بذلك أهل مكة، فكذَّب به المشركونَ وأنكَروه، وقالوا: يا محمدُ تُخبِرُنا أنك أتَيتَ بيتَ المقدس، وأقبَلتَ من ليلتك، ثم أصبَحتَ عندنا بمكة، فما كنتَ تجيئُنا [وتأتى به قبل] (٢) اليوم مع هذا!

فصدَّقه أبو بكرٍ، فسُمِّى أبو بكر الصديق من أجل ذلك.

حدَّثنا ابن أبي الشَّوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: لما كان ليلةُ أُسرِى برسول الله ﷺ أتى بدابَّةٍ يُقالُ لها: البُراقُ.

دونَ البغل وفوق الحمار، تَضَعُ حافرها عند منتهى طرفها (٣)، فلما أتَى بيت المقدس أتى بإناءين؛ إناءٍ من لبنٍ، وإناءٍ مِن خمرٍ.

قال (٤): فشَرِب اللبن، قال: فقال له جبريلُ: هُدِيتَ وهُدِيتْ أَمَّتُك (٥).

وقال آخرون ممن قال: أسرى بالنبيِّ ﷺ إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه: أُسرِى به ﵇، غير أنه لم يدخُلْ بيت المقدس، ولم يُصَلِّ فيه، ولم يَنزِلْ عن البُراقِ حتى رجع إلى مكةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى عاصمُ بنُ بَهْدَلةَ، عن زِرَّ بن حُبيشٍ، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.

قال: لم يُصَلِّ فيه رسولُ الله ﷺ، ولو صلَّى فيه لكُتِب عليكم الصلاةُ فيه كما كُتب عليكم الصلاةُ عند الكعبة (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمعتُ أبا بكر بنَ عَيَّاشٍ، ورجلٌ يُحدِّثُ عندَه بحديث حينَ أُسرى بالنبيِّ ﷺ، فقال له: لا تَجيءُ بمثل عاصمٍ ولا زِرٍّ.

قال: قال حذيفةُ لزرِّ بن حُبيشٍ - قال: وكان زِرٌّ رجلًا شريفًا مِن أشرافِ العرب - قال: قرأ حذيفةُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [مِنَ اللَّيْلِ] (٢) مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) - وكذا قرأ عبدُ اللهِ - قال: وهذا كما يقولون: إنه دخل المسجد فصلَّى فيه، ثم دخل فربَط دابتَه.

قال: قلتُ: والله قد دخَله.

قال: من أنت؟

فإنى أعرِفُ وجهَك ولا أدرى ما اسمُك.

قال: قلتُ: زِرُ بنُ حُبيشٍ.

قال: ما [علمُك بهذا] (٣)؟

قال: قلتُ: مِن قِبَلِ القرآن.

قال: من أخذ بالقرآن أفلَح.

قال: فقلتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.

قال: فنظر إلى، فقال: يا أصلعُ (١)، هل تُرى دَخَلَه؟

قال: قلتُ: لا والله.

قال حذيفةُ: أجَلْ، والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخَله لوجَبتْ عليكم صلاةٌ فيه، لا والله ما نزل عن البُراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعدَّ الله في الآخرةِ أجمع.

وقال: تدرى ما البُراق؟

قال: دابةٌ دونَ البغل وفوقَ الحمار، خطوُه مدُّ البصر (٢).

وقال آخرون: بل أُسرِى برُوحِه ولم يُسْرَ بجسدِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوبُ بن عُتبةَ بن المغيرة بن الأخنسِ، أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سُئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رُؤيا مِن اللهِ صادقةً (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال: ثنى بعضُ آل أبي بكرٍ، أن عائشةَ كانت تقولُ: ما فُقد جسدُ رسول الله ﷺ، ولكنَّ الله أسرى برُوحه (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال ابن إسحاق: فلم يُنكرْ ذلك [من قولهما؛ لقول] (١) الحسن: إن هذه الآية نزلت [في ذلك] (٢): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].

ولقولِ اللهِ في الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢].

ثم مضَى على ذلك، فعرَفتُ أن الوحى يأتى الأنبياء مِن اللهِ أيقاظًا ونيامًا.

وكان (٣) رسولُ الله ﷺ يقولُ: "تنامُ عَيني وقلبى يقظانُ".

فاللَّهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان قد جاءه، وعايَن فيه مِن أمرِ اللهِ ما عايَن، على أيِّ حالاتِه كان، نائمًا أو يقظانَ، كلُّ ذلك حقٌّ وصدقٌ (٤).

والصوابُ مِن القول في ذلك عندنا أن يُقالَ: إن الله أسرَى بعبده محمدٍ ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلَّى هنالك بمَن صلَّى من الأنبياء والرُّسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقولِ مَن قال: أُسرِى برُوحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن في ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ ذلك كان (٥) دليلًا على نُبُوَّتِه، ولا حُجَّةً له على رسالته، ولا كان الذين أنكَروا حقيقةً ذلك من أهل الشرك، كانوا يَدْفَعون به عن صدقِه فيه، إذ لم يكن مُنكَرًا عندهم، ولا عند أحدٍ من ذوى الفطرة الصحيحة من بني آدم، أن يرى الرائِي منهم في المنام ما على مسيرة سنةٍ، فكيف ما هو على مسيرة شهرٍ أو أقلَّ؟

وبعدُ، فإن الله إنما أخبرَ في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبِرْنا أنه أسرى برُوحِ عبدِه، وليس جائزًا لأحدٍ أن يتعدَّى ما قال الله إلى غيره.

فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ، إذ كانت العربُ تَفْعَلُ ذلك في كلامها، كما قال قائِلُهم (١): حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَناقًا … وما هي وَيْبَ غيرك بالعَناقِ يعني: حسبتَ بُغَامَ راحلَتى صوتَ عَنَاقٍ.

فحذَف "الصوت" واكتفى منه بـ "العَناقِ"، فإن العرب تَفْعَلُ ذلك فيما كان مفهومًا مرادُ المتكلِّم منهم به من الكلام، فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يُوصَلُ إلى معرفة مرادِ المتكلِّم إلا ببيانِه، فإنها لا تَحذِفُ ذلك، ولا دَلالَةَ تَدلُّ على أن مراد الله من قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، أسرَى برُوح عبده.

بل الأدلةُ الواضحةُ والأخبارُ المتتابعةُ عن نبيِّ الله ﷺ أن الله أسرَى به على دابَّةٍ يُقالُ لها: البراقُ.

ولو كان الإسراءُ برُوحِه لم تكن الرُّوحُ محمولةً على البراقِ، إذ كانت الدوابُّ لا تحملُ إلا الأجسام، إلا أن يقول قائل: إنَّما معنى قولنا: أُسرِى برُوحه: رأى في المنام أنه أُسرى بجسده على البراق، فيُكذِّبَ حينئذٍ بمعنى الأخبار التي رُويتْ عن رسول الله ﷺ أن جبريل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا على قولِ قائلِ هذا القولِ، ولم تكنِ الروحُ عندَه مما تَركَبُ الدَّوابَّ، ولم يُحمل على البراق جسمُ النبيِّ ﷺ، لم يَكُن النبيُّ ﷺ، على قوله، حُمل على البراق؛ لا جسمُه ولا شيءٌ منه، وصار الأمرُ عندَه كبعض أحلام النائمين، وذلك دفعٌ لظاهرِ التنزيل، وما تتابَعت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ، وجاءت به الآثارُ (١) عن الأئمةِ من الصحابةِ والتابعين.

وقولُه: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: الذي جعَلنا حولَه البركةَ لسكانِه في معايشِهم وأقواتِهم وحروثِهم وغروسِهم.

وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كي نُرِيَ عبدنا محمدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾.

يقولُ: مِن عِبَرنا وأدِلَّتِنا وحُجَجنا.

وذلك هو ما قد ذكرتُ في الأخبار التي رؤيتُها أنفًا، أن رسول الله ﷺ أُريَه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾: ما أَراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس.

وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي أسرى بعبدِه هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ في مسرى محمدٍ ﷺ من مكةَ إلى بيت المقدسِ، ولغير ذلك من قولِهم وقولِ غيرِهم، البصيرُ بما يَعْمَلون من الأعمالِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، ولا يَعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، بل هو محيطٌ بجميعه علمًا، ومُحصِيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد، ليَجزِى جميعهم بما هم أهلُه.

وكان بعضُ البَصريين يقولُ: كُسِرت ﴿إنَّهُ﴾ من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ لأن معنى الكلام: قلْ يا محمدُ: سُبْحانَ الذي أسرَى بعبدِه، وقل: إنه هو السَّميعُ البصيرُ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا (١) مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبده ليلًا وآتى موسى الكتابَ.

ورَدَّ الكلام إلى: ﴿وَآتَيْنَا﴾.

وقد ابتدَأه بقوله: ﴿أَسْرَى﴾.

لما قد ذكرنا قبلُ فيما مضَى مِن فعل العرب في نظائر ذلك من ابتداء الخبر بالخبر عن الغائب، ثم الرجوع إلى الخطاب وأشباهه (٢).

وعنَى بالكتاب الذي أُوتى موسى، التوراة.

﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

يقولُ: وجعلنا الكتاب - الذي هو التوراةُ - بيانًا للحقِّ، ودليلًا لهم على محجَّةِ الصواب فيما افترَض الله عليهم، وأمرَهم به، ونهاهم عنه.

وقولُه: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.

اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ بالتاء (٣) بمعنى: وآتينا موسى الكتاب بألا [تَتَّخِذوا يابني] (٤) إسرائيل.

من دوني وكيلًا.

وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة: (أَلَّا يَتَّخِذُوا) بالياء (٥)، على الخبر عن بني إسرائيل، بمعنى: وجعَلْناه هدًى لبنى إسرائيل، ألا يتخذ بنو إسرائيل من دوني وكيلًا.

وهما قراءتان صحيحَتا المعنى، متَّفقَتانِ غيرُ مختلفتين، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ (١)، غير أنِّى أُوثِرُ القراءة بالتاء (٢)؛ لأنَّها أشهرُ في القراءة وأشدُّ استفاضةً فيهم من القراءة بالياء.

ومعنى الكلام: وآتيْنا موسى الكتاب (٣) هدى لبنى إسرائيل ألَّا تَتَّخذوا حفيظًا لكم سواى.

وقد بيَّنا معنى "الوكيل" فيما مضَى (٤).

وكان مجاهدٌ يقولُ: معناه في هذا الموضع: الشريكُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.

قال: شريكًا (٥).

وكأنَّ مجاهدًا جعَل إقامة من أقامَ شيئًا سوى الله مقامَه شريكًا منه له، ووكيلًا للذي أقامَه مُقامَ اللهِ.

وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الآية قال أهلُ التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جعَله الله لهم هدًى، يُخرجُهم من الظلمات إلى النور، وجعَله رحمةً لهم (٦).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبدِه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وآتى (١) موسى الكتاب (٢) هدًى لبنى إسرائيل، يا (٣) ذرية من حمَلنا مع نوحٍ.

وعنَى بالذريةِ جميعَ مَن احتَجَّ عليه جلَّ ثناؤُه بهذا القرآنِ مِن أجناسِ الأممِ، عربِهم وعجمِهم، من بنى إسرائيلَ وغيرهم، وذلك أَنَّ كلَّ مَن على الأَرضِ مِن بنى آدمَ، فهم من ذرية من حمَله الله مع نوحٍ في السفينة.

وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: والناسُ كلُّهم ذريةُ من أنجى الله في تلك السفينة.

ذُكر لنا أنَّه ما نَجا فيها يومئذٍ غيرُ نوحٍ وثلاثةِ بنينَ له، وامرأته وثلاثِ نسوةٍ؛ وبنوه (٤) سامٌ، وحامٌ، ويافثُ؛ فأما سامٌ فأبو العرب، وأما حامٌ فأبو الحبَش، وأما يافثُ فأبو الروم.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.

قال: بنوه ثلاثةٌ ونساؤُهم، ونوحٌ وامرأتُه (٥).

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: بنوه ونساؤُهم ونوحٌ، ولم تكنْ معهم (١) امرأتُه (٢).

وقد بيَّنا هذا (٣) في غير هذا الموضع فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (٤).

وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.

يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ نوحًا - والهاءُ من ذكر نوحٍ - كان عبدًا شكورًا لله على نعمه.

وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي سمَّاه اللهُ مِن أجله شكورًا؛ فقال بعضُهم: سمَّاه الله بذلك لأنَّه كان يَحمَدُ الله على طعامِه إِذا طَعِمَه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن التيميِّ، عن أبي عثمان، عن سلمانَ، قال: كان نوحٌ إذا لبس ثوبًا أو أكل طعامًا حمد الله، فسُمِّى عبدًا شكورًا (٥) حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعدِ (٦) بن مسعودٍ بمثله (٧).

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعد بن مسعودٍ، قال: ما ليس نوحٌ جديدًا قطُّ، ولا أكَل طعامًا قطُّ، إلا حمد الله، فلذلك قال الله: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمان، قال: ثني سفيانُ الثوريُّ، قال: ثنى أبوك (٢)، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن سلمانَ، قال: إنما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا، أنَّه كان إذا لبس ثوبًا حمد الله، وإذا أكل طعامًا حمد الله (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من بني إسرائيلَ وغيرهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.

قال: إنَّه لم يُجَدِّدُ ثوبًا قطُّ إِلَّا حمد الله، ولم يُبْلِ ثوبًا قطُّ إلَّا حمد الله، وإذا شرِب شَرْبةً حمد الله، قال: الحمدُ لله الذي سقانيها على شهوةٍ ولذةٍ وصحةٍ.

وليس في تفسيرها، وإذا شرب شَرْبةً قال هذا، ولكنْ بلغني ذا.

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو فَضَالةَ، عن النضر بن شُفَيٍّ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمٍ، قال: إِنَّما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا؛ أنَّه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعَمنى، ولو شاءَ أجاعنى.

وإذا شرب قال: الحمدُ لله الذي سقاني، ولو شاء أَظمَأَنى.

وإذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ لله الذي كساني، ولو شاء أَعْرَاني.

وإذا لبس نعلًا قال: الحمدُ لله الذي حذَاني، ولو شاءَ أَحْفَاني.

وإذا قضَى حاجةً قال: الحمدُ لله الذي أخرَج عنى أَذَاه، ولو شاءَ حبَسه (١).

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبدُ الجبار بنُ عمرَ، أَنَّ ابن أبي مريم حدثه، قال: إِنَّما سَمَّى اللهُ نوحًا عبدًا شكورًا؛ أنه كان إذا خرَج البَرازُ منه قال: الحمدُ للهِ الذي سوَّغَنيك طيِّبًا، وأخرَج عنى أذاك، وأبْقَى منفعَتَكَ.

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال الله لنوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: ذُكِرَ لنا أنَّه لم يَسْتَجِدَّ ثوبًا قطُّ إلا حمد الله، وكان يَأْمرُ (٢) إذا استجَدَّ الرجلُ ثوبًا أن يقولَ: الحمدُ لله الذي كسانى ما أتجمَّلُ به، وأوارى به عورتي.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.

قال: كان إذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ للهِ.

وإذا أخلقه قال: الحمدُ للهِ (٣).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾.

وقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أنَّ معنى القضاء الفراغُ مِن الشيء، ثم يُستعمَلُ في كلِّ جلَّ ثناؤُه أنه يَبْعَثُهم عليهم.

وكانت تلك الإدالةُ والكرّةُ لهم عليهم، فيما ذكر السديُّ في خبره، أن بني إسرائيل غزَوْهم، وأصابوا منهم، واستَنْقَذوا ما في أيديهم منهم (١).

وفى قول آخرين، إطلاقُ الملكِ الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم (٢).

وردُّ ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتالٍ.

وفي قول ابن عباسٍ الذي رواه عطيةُ عنه، هي إدالهُ الله إياهم من عدوِّهم جالوتَ حتى قتَلوه (٣)، وقد ذكرنا كلَّ ذلك بأسانيده فيما مضى.

﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾.

يقولُ: وزدنا (٤) فيما أعطيناكم من الأموال والبنين.

وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.

يقولُ: وصيَّرناكم أكثر عدد نافرٍ منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.

أي: عددًا، وذلك في زمن داود (٥).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا الأُلو (١) البأس الشديد الذين يبعَثُهم الله عليكم وجوهَكم (٢).

واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾.

وقالوا: ذلك خبرٌ عن الجميع، فكذلك الواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿لِيَسُوءُوا﴾.

وقرأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (ليَسُّوءَ وُجُوهَكُمْ).

على التوحيد وبالياء، وقد يحتملُ ذلك وجهين من التأويل؛ أحدُهما ما قد ذكَرتُ، والآخرُ منهما: ليسوء الله وجوهكم.

فمَن وجَّه تأويل ذلك إلى: ليسوءَ مجئُ الوعدِ وجوهَكم.

جعَل جوابَ قوله: ﴿فَإِذَا﴾ محذوفًا، قد استُغْنِىَ (٣) بما ظهَر عنه، وذلك المحذوفُ: "جاء".

فيكونُ الكلامُ تأويلُه: فإذا جاء وعدُ الآخرة ليسوءَ وجوهَكم جاء.

ومَن وجَّه تأويلَه إلى: ليسوءَ الله وجوهَكم.

كان أيضًا في الكلام محذوفٌ (٤)، غير أنه (٥) سوى "جاء"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعدُ الآخرة بعَثناهم ليسوء الله وجوهَكم.

فيكونُ المُضمَرُ "بعثناهم"، وذلك جوابُ "إذا" حينَئذٍ.

وقرَأ ذلك بعضُ أهل العربية من الكوفيين: (لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على وجه الخبر من الله ﵎ اسمُه عن نفسه (٦).

وكان مجيءُ وعدِ المرَّة الآخرة عند قتلهم يحيى.

ذِكرُ الرواية بذلك.

والخبرُ عمّا جاءهم من عند الله حينئذٍ كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في الحديث الذي ذكَرنا إسناده قبلُ؛ أن رجلًا من بنى إسرائيلَ رأى في النوم أن خرابَ بيت المقدسِ وهلاك بني إسرائيل على يَدَىْ غلامٍ يتيمٍ ابن أرملةٍ من أهل بابل، يُدْعَى بُخْتُنصَّر، وكانوا يَصدُقون فتَصدُقُ رؤياهم، فأقبَل فسأَل عنه حتى نزل على أمِّه وهو يَحتطبُ، فلما جاء وعلى رأسه حزمةٌ من حطبٍ ألقاها، ثم قعَد في جانب البيت، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال: اشترِ بهذا (١) طعامًا وشرابًا.

فاشترى بدرهم لحمًا وبدرهمٍ خبزًا وبدرهمٍ خمرًا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليومُ الثاني فعَل به ذلك، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ فعل ذلك، ثم قال له: إني أُحِبُّ أن تكتبَ لى أمانًا إن أنت ملَكتَ يومًا من الدهرِ.

فقال: تسخَرُ بي؟

فقال: إني لا أسخَرُ بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندى يدًا!

فكلَّمته أمُّه، فقالت: وما عليك إن كان (٢)، وإلا لم يَنقُصْك شيئًا!

فكتب له أمانًا، فقال (٣): أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها.

قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصَبةٍ فأعرِفُك بها.

فكسَاه وأَعْطَاه، ثم إن ملك بني إسرائيلَ كان يُكرِمُ يحيى بن زكريا، ويُدْنِى مجلسَه، ويستشيرُه في أمرِه، ولا يقطَعُ أمرًا دونَه، وإنه هوىَ أن يتزوَّجَ ابنة امرأةٍ له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحِها، وقال: لستُ أَرْضاها لك، فبلَغ ذلك أمَّها فحقَدت على يحيى حينَ نهاه أن يتزوَّجَ ابنتَها، فعمَدت أمُّ الجارية حينَ جلَس الملكُ على شرابه، فألبَستْها ثيابًا رقاقًا حُمْرًا، وطيَّبْتها وألبَسْتها من الحَلْي، و (٤) ألبَستها فوق ذلك كساءً أسودَ، وأرسَلتْها إلى الملكِ، وأمرتْها أن تَسقِيَه، وأن تَعرِضَ (١) له (٢)، فإن أرادها على نفسِها أبَت عليه حتى يُعطيَها ما سأَلتْه، فإذا أعطاها ذلك سألتْه أن يأتيَ برأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ (١) له (٢)، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها على نفسِها، فقالت: لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك.

قال: ما (٣) تَسْأَليني؟

قالت: أسألُك أن تبعَثَ إلى يحيى بن زكريا، فأُوتَى (٤) برأسه في هذا الطَّسْتِ.

فقال: ويحَك سَلِينى غيرَ هذا.

فقالت له: ما أريدُ أن أسألك إلا هذا.

قال: فلما أبَتْ (٥) عليه بعَث إليه، فأُتى برأسه، والرأسُ يتكلَّمُ حتى وُضِع بين يديه وهو يقولُ: لا يَحِلُّ لك (٦).

فلما أصبَح إذا دمُه يَغلى، فأمَر بترابٍ فأُلقى عليه، فرقى الدمُ فوق الترابِ يغلى، فأُلقى عليه الترابُ (٧) أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزَلْ يُلقَى عليه الترابُ حتى بلَغ سورَ المدينة وهو [في ذلك] (٨) يغلى وبلَغ صَيْحائينَ (٩)، فثار في الناس، وأراد أن يبعَثَ عليهم جيشًا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَّرَ وكلَّمه وقال: إن الذي كنتَ أرسَلتَ تلك المرَّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخلتُ المدينة وسمعتُ كلام أهلها، فابعَثْني.

فبعَثه، فسار بختُنصَّرَ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تَحصَّنوا منه في مدائنهم، فلم يُطِقهم (١)، فلما اشتدَّ عليهم المُقامُ وجاع أصحابُه، أرادوا الرجوعَ، فخرَجت إليهم عجوزٌ من عجائز بنى إسرائيلَ، فقالت: أين أميرُ الجندِ؟

فأُتى بها إليه، فقالت له: إنه بلَغنى أنك تريدُ أن تَرجِعَ بجندِك قبل أن تَفتحَ هذه المدينةَ.

قال: نعم، قد طال مُقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيعُ المقامَ فوقَ الذي كان منى.

فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينةَ أتُعطينى ما أسألُك، فتقتلُ مَن أمَرتُك بقتله، وتَكُفُ إذا أَمَرتُكَ أَن تَكُفَّ؟

قال: نعم.

قالت: إذا أصبَحت فاقسِمْ جندَك أربعة أرباعٍ، ثم أَقِمْ على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماء فنادُوا: إِنا نستفتِحُك يا الله بدمِ يحيى بن زكريا.

فإنها سوف تسَّاقَطُ.

ففعَلوا، فتساقَطت المدينةُ، ودخَلوا مِن جوانبها، فقالت له: [كُفَّ يدَك] (٢)، اقتُلْ على هذا الدم حتى يَسكُن.

وانطلَقتْ به إلى دم يحيى، وهو على ترابٍ كثيرٍ، فقتَل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةً، فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدك، فإن الله ﵎ إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ، حتى يُقتَلَ مَن قتَله، ومَن رضِي قتلَه.

وأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفَّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيتَ المقدس، وأمَر به أن تُطرَحَ فيه الجيَفُ، وقال: مَن طرح فيه جيفةً فله جزيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابِه الرومُ من أجل أنَّ بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خرَّبه بختُنصَّرَ ذهَب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتِهم (٣)، وذهب بدانيالَ وعَلْيا وعَزَرْيَا (٤) وميشائيلَ، هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء وذهَب معه برأس الجالوت (٥)، فلما قدِم أرضَ بابلَ وجَد صَيْحائينَ قد مات، فملَك مكانَه، وكان أكرم الناس عليه دانيالُ وأصحابُه، فحسَدهم المجوسُ (١)، فوشَوا بهم إليه، وقالوا: إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبُدون إلهَك، ولا يأكُلون من ذبيحتِك، فدعاهم فسَألهم، فقالوا: أَجَلْ، إن لنا ربًّا نعبُدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتكم.

فأمر بخدٍّ فخُدَّ لهم، فأُلقوا فيه، وهم ستةٌ، وأُلقى معهم [سَبُعٌ ضارٍ] (٢) ليأكُلَهم، فقال: انطلقوا فلنأكُلْ ولْنشرَبْ.

فذهَبوا فأكَلوا وشربوا، ثم راحوا فوجَدوهم جلوسًا والسَّبُعُ مفترشٌ ذراعيه بينَهم، ولم يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأه (٣) شيئًا، ووجَدوا معهم رجلًا، فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟

إنما كانوا ستةً!

فخرج إليهم السابعُ.

وكان مَلَكًا من الملائكة، فلطمه لطمةً فصار في الوحش، فكان فيهم سبعَ سنينَ، لا يراه وحشيٌّ إلا أتاه حتى يَنكِحَه، يقتصُّ منه ما كان يصنَعُ بالرجال، ثم إنه رجَع ورَدَّ الله عليه مُلكَه، فكانوا أكرم خلق الله عليه، ثم إن المجوس وشَوا (٤) به ثانيةً، فألقوا له أسدًا في بئرٍ قد ضَرِى، فكانوا يُلقُون له الصخرة فيلتقِمُها (٥)، فألقوا له دانيالَ، فقام الأسدُ في جانبٍ، ودانيالُ في جانبٍ لا يمَسُّه، فأخرَجوه، وقد كان قبل ذلك خَدَّ لهم خَدًا، فأوقَد فيه نارًا، حتى إذا أَجَّجها قذَفهم فيها، فأَطفَأَهَا اللهُ عليهم ولم يَنكَأُهم (٦) منها شيءٌ، ثم إن بختُنصرَ رأى بعد ذلك في منامه صنمًا رأسُه من ذهبٍ، وعنقُه مِن شَبَهٍ (٧)، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ وقواريرَ، ورجلاه من فخَّارٍ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ من السماء من قبل القبلة، فكسَرت الصنمَ فجعَلتْه هشيمًا، فاستيقظ فزِعًا وأُنسيها، فدعا السحرةَ والكهنةَ، فسأَلهم، فقال: أخبرونى ما رأيتُ.

قالوا: لا، بل أنتَ أخبرْنا ما رأيت فتعبُرَه لك.

قال: لا أدرى.

قالوا: فهؤلاء الفتيةُ الذين تُكرِّمُهم، فادعُهم فاسأَلْهم، فإن هم لم يُخْبروك بما رأيتَ فاقتُلْهم (١).

فأرسل إلى دانيالَ وأصحابه، فدعاهم، فقال: أخبروني ماذا رأيتُ؟

فقال له دانيالُ: أخبرْنا ما رأيتَ فنَعبُرَه لك.

قال: [لا أدرى] (٢) قد نَسيتُها.

فقال له دانيالُ: كيف نعلَمُ رؤيا لم تُخبرْنا بها؟

فأمر البواب أن يقتُلَهم، فقال دانيالُ للبوَّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه: فأخِّرْنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن نحن أخبَرْنا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا.

فأجَّلهم فدعَوُا الله، فلمّا كان اليومُ الثالثُ أبصَر كلُّ رجلٍ مِنهم رؤيا بختُنصرَ على حدةٍ، فأتوا البوَّابَ فأخبَروه، فدخل على الملك فأخبَره، فقال: أدخِلْهم عليَّ.

وكان بختُنصرَ لا يعرِفُ من رؤياه شيئًا، إلا شيئًا يذكُرونه، فقالوا له: رأيتَ كذا وكذا.

فقَصُّوها عليه، فقال: صدَقتم.

قالوا: نحن نَعبُرُها لك.

أما الصنمُ الذي رأيتَ رأسَه مِن ذهبٍ، فإنه مُلكُك (٣)، حسنٌ مثلَ الذهب - وكان قد ملك الأرض كلَّها - وأما العنقُ مِن الشَّبَه، فهو مُلْكُ ابنك بعدَك (٤)، يملكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثل الذهبِ.

وأما صدرُه (٥) من حديدٍ فهو مُلْكُ أهل فارسَ، يملكون بعد (٦) ابنك، فيكونُ مُلكُهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنُه الأخلاطُ، فإنه يذهَبُ ملكُ أهل فارسَ، ويتنازعُ الناسُ الملُك في كلِّ قريةٍ، حتى يكون الملِكُ يملكُ اليوم واليومين، والشهرَ والشهرين، [ثم يُقتَلُ] (١)، فلا يكونُ للناسِ قوامٌ على ذلك، كما لم يكن للصنم قوامٌ على رجلين من فخّارِ؛ فبينما هم كذلك، إذ بعث الله تعالى نبيًّا من أرض العرب، فأظهَره على بقية مُلكِ أهل فارس، وبقية مُلكِ ابنك ومُلكك، فدمَّره وأهلكه (٢) حتى لا يَبقَى منه شيءٌ، كما جاءت الصخرةُ فهدَمت الصنمَ.

فعطَف عليهم بختُنصرَ فأحَبَّهم، ثم إن المجوس وشوا (٣) بدانيالَ، فقالوا: إن دانيالَ إذا شرب الخمرَ لم يَمْلِكُ نفسَه أن يبولَ.

وكان ذلك فيهم عارًا، فجعل لهم بختُنصّرَ طعامًا، فأكَلوا وشربوا، وقال للبوّاب: انظر أوّلَ مَن يخرُجُ عليك يبولُ، فاضربه بالطَّبَرْزِينِ (٤)، وإن قال: أنا بختُنصّرَ.

فقل: كذَبتَ، بختُنصرَ أَمَرنى.

فحبَس اللهُ عن دانيال البولَ، وكان أوّلَ مَن قام من القوم يريدُ البول بختُنصّرَ، فقام مُدلًّا، وكان ذلك ليلًا، يسحَبُ ثيابَه، فلما رآه البوّابُ شدَّ عليه، فقال: أنا بختُنصرَ.

فقال: كذبتَ، بختُنصرَ أمرنى أن أقتُلَ أوّلَ مَن يخرُجُ.

فضربه فقتله.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى سنحاريب.

قال: فردَّ اللهُ لهم الكرَّةَ عليهم، كما قال.

قال: ثم عصَوا ربَّهم وعادوا لما نُهوا عنه، فبعَث عليهم في المرّة الآخرةِ بحُتَنصَّرَ، فقتل المُقاتِلةَ، وسبَى الذُّرِّيَّةَ، وأَخَذ ما وجد مِن الأموال، ودخَلوا بيتَ المقدسِ، كما قال الله ﷿: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.

دخلوه فتبَّروه وخرَّبوه، وألقَوا فيه ما استطاعوا مِن العَذِرَةِ والحيض والجيَفِ والقَذَرِ، فقال الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.

فرجمهم فردَّ إليهم مُلْكَهم، وخلَّص من كان في أيديهم مِن ذُرِّيَّةِ بنى إسرائيل، وقال لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.

قال أبو المُعلَّى: ولا أعلَمُ ذلك إلا من هذا الحديثِ، ولم يَعِدْهم الرجعةَ إلى مُلكِهم (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾.

قال: بعث (٢) مَلكُ فارس ببابلَ جيشًا، وأمَّر عليهم بختُنصّرَ، فأتوا بنى إسرائيلَ، فدمَّروهم، فكانت هذه الآخرة ووعدَها (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بْنُ مُسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما ضرَب لبُختِنصَرَ المُلْكُ بجرانِه (٤)، قال: ثلاثةً، فمَن استأخّر منكم بعدَها فلْيَمش إلى خشبته (٥).

فغزا الشام، فذلك حينَ قتَّل وأخرَب (١) بيتَ المقدسِ، ونزَع حِلْيتَه، فجعَلها آنيةً ليشرب فيها الخمورَ، وخُونًا (٢) يأكُلُ عليها (٣) الخنازير، وحمل التوراة (٤) معه، ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم به بمائة وصيفٍ منهم دانيالُ وعَزَرْيا وحَنَنْيا ومشائيلُ، فقال (٥): أصلحْ لى أجسامَ هؤلاء لعلِّى أختارُ منهم أربعةً يخدُموننى.

فقال دانيالُ لأصحابه: إنما نُصروا عليكم بما غيَّرتم من دين آبائكم، لا تأكُلوا لحمَ الخنزير، ولا تشرَبوا الخمرَ.

فقالوا للذى يُصْلِحُ أجسامَهم: هل لك أن تُطعِمَنا طعامًا، هو أهونُ عليك في المئونة مما تُطعِمُ أصحابنا؟

فإن لم نَسمَنْ قبلَهم رأيتَ رأيك!

قال: ماذا؟

قال: خبزُ الشعيرِ والكُرَّاثُ.

ففعل فسمِنوا قبلَ أصحابهم، فأَخَذهم بُخْتُنصَّرَ يَخدُمونه، [بَيْنا ذلك، رأى] (٦) بختُنصرَ رؤيا، فجلس فنسيها، فعاد فرقَد فرآها، فقام فنسيها، ثم عاد فرقَد فرآها، فخرَج إلى الحجرة فنسيها، فلما أصبَح دعا العلماء والكهَّانَ، فقال: أخبروني بما رأيتُ البارحة، وأوِّلوا لي رؤياى، وإلا فلْيَمش كلُّ رجلٍ منكم إلى خشبته، موعدُكم ثالثةٌ.

فقالوا: هذا لو أخبَرنا برؤياه.

وذكر كلامًا لم أحفَظْه، قال: وجعَل دانيالُ كلَّما مرَّ به أحدٌ من قرابته يقولُ: لو دعانى الملكُ لأخبَرْتُه برؤياه، ولأوَّلتُها له.

قال: فجعَلوا يقولون: ما أحمقَ هذا الغلامَ الإسرائيليَّ.

إلى أن مرَّ به كهلٌ.

فقال له ذلك، فرجَع إليه فأخبرَه، فدعاه فقال: ماذا رأيتُ؟

قال: رأيتَ تمثالًا.

قال: إيه.

قال: ورأسُه من ذهبٍ.

قال: إيه.

قال: وعنقُه من فضةٍ.

قال: إيه.

قال: وصدرُه من حديدٍ.

قال: إيه.

قال: وبطنُه من صُفْرٍ (١).

قال: إيه.

قال: ورجلاه من آنُكٍ (٢).

قال: إيه.

قال: وقدماه من فخارٍ.

قال: هذا الذي رأيتَ؟

قال: إيه.

قال: فجاءت حصاةٌ فوقَعت في رأسه، ثم في عنقِه، ثم في صدرِه، ثم في بطنِه، ثم في رجليه، ثم في قدميه.

قال: فأهلَكتْه.

قال: فما هذا؟

قال: أما الذهبُ فمُلْكُك، وأما الفضةُ فمُلكُ ابنك من بعدك، ثم مُلكُ ابن ابنك.

قال: وأما الفخّارُ فملُكُ النساء.

فكساه جبةً [من حرير] (٣)، وسوَّره وطاف به في القرية، وأجاز خاتَمه، فلما رأت ذلك فارسُ، قالوا: ما الأمرُ إلا أمر هذا الإسرائيليِّ.

فقالوا: ائتوه من نحو الفتية (٤)، ولا تذكُروا له دانيالَ، فإنه لا يصدِّقُكم عليه.

فأتَوه.

فقالوا: إن هؤلاء الفتيةَ الثلاثة ليسوا على دينك، وآية ذلك أنك إن قرَّبتَ إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكُلوا ولم يَشرَبوا.

فأمر بحطبٍ كثيرٍ فوُضع، ثم [أَرْقَاهم عليه] (٥)، ثم أوقَد فيه نارًا، ثم خرَج من آخر الليل يبولُ، فإذا هم يتحدَّثون، وإذا معهم رابعٌ يُروِّحُ عنهم (٦) يُصلِّى، قال: من هذا يا دانيالُ؟

قال: هذا جبريلُ، إنك ظلَمتَهم.

قال: ظلمتُهم (٧)!

فأمر بهم فأُنزلوا، قال: ومسَخ اللهُ تعالى بختَنصَّرَ مِن الدوابِّ كلِّها، فجُعِل من كلِّ صِنفٍ من الدوابِّ؛ رأسًا (٨) من السباع الأسد، ومن الطير النَّسْرِ، وملك ابنُه فرأى كفًّا خرَجتْ بين لَوْحَين، ثم كتَبتْ سطرين، فدعا الكهانَ والعلماء فلم [يجد فيه] (٩) علمًا، فقالت له أمُّه: إنك لو أعدتَ إلى دانيالَ مَنزِلته التي كانت له مِن أبيك أخبَركَ.

وكان قد جفاه، فدعاه، فقال: إني معيدٌ إليك منزلتَك من أبي، فأخبرْني ما هذان السطران؟

قال: أما أن تُعيد إليَّ منزلتي من أبيك، فلا حاجةَ لى بذاك، وأما هذان السطران فإنك تُقتَلُ الليلةَ.

فأخرج من في القصرِ أجمعين، وأمر بقفله، فأُقفِلت الأبوابُ عليه، وأدخَل معَه أمنَ أهل القرية في نفسه معه سيفٌ، فقال: من جاءك من خلق الله فاقتُلْه، وإن قال: أنا فلانٌ.

وبعَث الله عليه البطنَ فجعَل يمشِى حتى كان شطرُ الليل، فرقَد ورقَد صاحبُه، ثم نبَّهه البطنُ، فذهَب يمشى والآخرُ نائمٌ، فرجَع فاستيقَظ به، فقال له: أنا فلانٌ.

فضرَبه بالسيف فقتله (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾، آخر العقوبتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، كما دخله عدوُّهم قبل ذلك، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، فبعث الله عليهم في الآخرة بُختَنصرَ البابليَّ المجوسيَّ، أبغضَ خلقِ اللهِ إِليه، فسبَى وقتل وحَرَّب بيت المقدسِ، وسامهم سوءَ العذاب.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: ثم (٢) جاء وعدُ الآخرة من المرتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾.

قال: ليُقبِّحوا وجوهَكم.

﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.

قال: يُدمِّروا ما علَوا تدميرًا.

قال: هو بختُنصرَ، بعَثه الله عليهم في المرّة الآخرة (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فلما أفسَدوا بعَث الله عليهم في المرّة الآخرة بختَنصرَ، فخرَّب المساجد وتبَّر ما علوا تتبيرًا (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: فيما بلغني؛ استخلَف الله على بني إسرائيلَ بعد ذلك - يعنى بعدَ قتلِهم شعياءَ - رجلًا منهم يقالُ له: [ياشيةُ بنُ آموص] (٢).

فبعث اللهُ الخَضِرَ نبيًّا - كان رسولُ اللهِ ﷺ، فيما بلغنى، يقولُ: "إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا؛ لأنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ" - قال: واسمُ الخضرِ، فيما كان وهبُ بنُ منبهٍ يزعم عن بني إسرائيل: إِرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وكان مِن سبطِ هارونَ بن عمران (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، ومحمدُ بنُ عبد الملك بن زنجُويه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريم، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ معقلٍ، عن وهبِ بن منبهٍ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمّن لا يُتَّهمُ، عن وهب بن منبهٍ اليمانيِّ، واللفظُ لحديث ابن حميدٍ، أنه كان يقولُ: قال الله ﵎ لإرْمِيَا حين بعَثه نبيًّا إلى بنى إسرائيلَ: يا إرميا، من قبل أن أخلُقَكَ اخترتُكَ، ومن قبل أن أُصوِّرَك في بطن أمِّك قدَّستُك، ومن قبل أن أُخْرِجَك من بطن أمِّك طهَّرتُك، ومن قبل أن تبلُغَ السعى نبَّيتُك (١)، ومن قبل أن تبلُغَ الأشدَّ اختبَرتُك (٢)، ولأمر عظيم اجتبيتُك (٣).

فبعث الله إرميا إلى ذلك الملكِ من بني إسرائيل يسدِّدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله.

قال: ثم عظُمت الأحداثُ في بني إسرائيلَ، وركبوا المعاصيَ، واستحلُّوا المحارم، ونَسُوا ما كان الله تعالى صنَع بهم، وما نجاهم من عدوِّهم سنحاريبَ وجنوده.

فأوحَى الله إلى إرمياءَ أن ائتِ قومَك من بنى إسرائيل، واقصُصْ عليهم ما أمرُك به، وذكِّرْهم نعمتى عليهم، وعرِّفْهم أحداثَهم.

فقال إرمياءُ: إني ضعيفٌ إن لم تُقوِّنى، عاجزٌ إن لم تُبلِّغْني، مخطئ إن لم تُسدِّدْني، مخذولٌ إن لم تَنصُرْني، ذليلٌ إن لم تُعِزَّنى.

قال الله ﵎: أوَلم تعلَمْ أن الأمورَ كلَّها تصدُرُ عن مَشيئتى، وأن القلوب كلَّها والألسنةَ بيدى، أُقلِّبُها كيف شئتُ، فتُطيعُني، وإنى أنا الله الذي لا شيء مثلى، قامت السماوات والأرضُ وما فيهنَّ بكلمتى، وأنا كلَّمتُ البحار، ففهمت قولى، وأمَرتُها فعقلتُ أمرى، وحدَّدتُ عليها بالبطحاء فلا تعدَّى حدِّى، تأتى بأمواج [أمثال الجبال] (٤)، حتى إذا بلَغت حدِّى ألبستُها مذلَّةَ طاعتى خوفًا واعترافًا لأمرى، إنِّي معك، ولن يصل إليك شيءٌ معي، وإني بعثتُك إلى خَلْقٍ عظيمٍ مِن خَلقِى؛ لتُبلِّغَهم رسالاتي ولتستحقَّ بذلك مثل أجرِ مَن اتّبَعك منهم لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تُقصِّرْ عنها [تستحقَّ بذلك] (٥) مثل وزرِ مَن ترَكتَ (٦) في عماه لا ينقصُ ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلِقْ إلى قومك فقل: إن الله ذكر بكم (١) صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يَسْتَتيبَكم يا معشرَ الأبناء.

وسَلْهم كيف وجد آباؤهم مغبَّةً طاعتى، وكيف وجَدوا هم مغبَّةَ معصيتى، وهل علموا أن أحدًا قبلَهم أطاعنى فشَقِى بطاعتى، أو عصاني فسعد بمعصيتى، فإن الدوابَّ مما تذكُرُ أوطانَها الصالحةَ، فتنتابُها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهَلكة؛ أما أحبارُهم ورهبانُهم فاتخَذوا عبادى حَوَلًا ليعبدوهم دونى وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهَلوهم أمرى، وأنسَوْهم ذكرى، وغرُّوهم منى؛ أما أمراؤهم وقادتُهم فبطروا نعمتى، وأمنوا مكرى، ونَبَذُوا كتابي، ونسُوا عهدى، وغيَّروا سنَّتى، فادّان لهم عبادى بالطاعة التي لا تنبغى إلا لى، فهم يُطيعونهم في معصيتى، ويُتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأةً عليَّ وغِرّةً، وفِرْيَةً عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلوِّ مكاني، وعظمة (٢) شأني، فهل يَنبِغى لبشرٍ أن يُطاعَ في معصيتى، وهل ينبغى لى أن أخلُقَ عبادًا (٣) أَجعَلُهم أربابًا من دوني؟!

وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيرى؛ لطلب الدنيا بالدين، ويتفقَّهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل؛ وأما أولادُ الأنبياء، فمَكْثُورون (٤) مقهورون مُغيِّرون (٥)، يخوضون مع الخائضين، ويتمنَّون عليَّ مثلَ نُصرة آبائهم والكرامة التي أكرَمتُهم بها، ويزعُمون أن لا أحد أولي بذلك منهم منى، بغيرِ صدقٍ ولا تفكُّرٍ ولا تدبُّرٍ، ولا يذكرون كيف كان نصرُ (٦) آبائهم لى، وكيف كان جدُّهم في أمرى حينَ غيَّر المُغيِّرون، وكيف بذَلوا أنفسَهم ودماءَهم، فصبَروا وصدَقوا حتى عزَّ أمرى، وظهَر دينى، فتأنَّيتُ بهؤلاء القومِ لعلَّهم يستجيبون فأطْوَلتُ لهم، وصفَحتُ عنهم، لعلَّهم يَرجِعون، فأكثَرتُ ومدَدتُ لهم في العمرِ لعلّهم يتذكَّرون، فأعذرتُ في كلِّ ذلك، أُمطِرُ عليهم السماءَ، وأُنبِتُ لهم الأرضَ، وأُلبِسُهم العافيةَ، وأظهِرُهم على العدوِّ، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا منى، فحتى متى هذا؟!

أبى يتمرَّسون؟

أم إيَّاىَ يُخادعون؟

وإنى أحلِفُ بعزَّتى لأُقيِّضنَّ لهم فتنةً يتحيّرُ فيها الحليمُ، ويَضِلُّ فيها رأىُ ذى الرأى، وحكمةُ الحكيمِ، ثم لأُسلِّطنَّ عليهم جبّارًا قاسيًا عاتيًا، أُلبِسُه الهيبةَ، وأنتزِعُ مِن صدرِه الرأفةَ والرحمةَ واللِّيانَ (١)، يتبَعُه عددٌ وسوادٌ مثلُ سوادِ الليلِ المظلمِ، له عساكرُ مثلُ قِطَعِ السحابِ، ومراكبُ أمثالُ العَجَاجِ، كأن حفيفَ (٢) راياتِه طيرانُ النسورِ، وإن حَمْلةَ فُرسانِه كريرُ (٣) العِقبانِ.

ثم أوحَى اللَّهُ إلى إرميا: إنى مُهلكٌ بني إسرائيلَ بيافثَ - ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم من ولدِ يافثِ بن نوحٍ - فلمّا سمع إرميا وحىَ ربَّه صاح وبكَى وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه فقال: ملعونٌ يومٌ وُلدتُ فيه، ويومُ لُقِّيتُ التوراةَ، ومن شرِّ أيامى يومٌ ولدتُ فيه، فما أُبقيتُ آخرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بى خيرًا ما جعَلنى آخرَ الأنبياءِ من بنى إسرائيلَ، فمِن أجلى تُصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ، فلما سمِع اللَّهُ تضرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه، وكيف يقولُ، ناداه: يا إرميا، أشَقَّ عليك ما أوحيتُ لك؟

قال: نعمْ، يا ربِّ أهلِكْنى قبلَ أن أرى في بنى إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به.

فقال اللَّهُ: وعزَّتى العزيزةِ، لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِكَ في ذلك.

ففرِح عندَ ذلك إرميا لِمَا قال له ربُّه، وطابت نفسُه، وقال: لا، والذي بعَث موسى وأنبياءه بالحقِّ لا أمُرُ ربى بهلاكِ بني إسرائيلَ أبدًا.

ثم أتى مَلِكَ بنى إسرائيلَ فأخبَره ما أوحى اللَّهُ إليه، فاستبشَر وفرِح، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذنوبٍ كثيرةٍ قدَّمناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقُدرتِه.

ثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحى ثلاثَ سنيَن لم يزدادوا إلا معصيةً وتماديًا في الشرِّ، وذلك حيَن اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حيَن لم يكونوا يتذكّرون الآخرةَ، وأمسَك عنهم حيَن أَلْهتهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملكُهم: يا بنى إسرائيلَ، انتهُوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم قومٌ لا رحمةَ لهم بكم، وإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه.

فأبَوا عليه أن يَنزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه، وإن اللَّهَ ألقى في قلبِ بختنصَّرَ بن نَبُوزَرادانَ (١) بن سنحاريبَ بن دارْياسَ بن نُمرودَ بن فالَخِ بن عابَرِ بن نُمرودَ صاحبِ إبراهيمَ الذي حاجَّه في ربِّه، أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يفعلَ فيه ما كان جدُّه سنحاريبُ أراد أن يفعَلَ، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ يريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ، فلمّا فصَل سائرًا أتى ملكَ بنى إسرائيلَ الخبرُ أن بختَنصّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملكُ إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّك أوحَى إليك أن لا يُهلكَ أهلَ بيتِ المقدسِ، حتى يكونَ منك الأمرُ في ذلك؟!

فقال إرميا للملك: إن ربى لا يُخلِفُ الميعادَ وأنا به واثِقٌ.

فلما اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلكِهم وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال له: اذهَبْ إلى إرميا فاستفتِه.

وأمَره بالذي يَستفتِى فيه، فأقبَل المَلَكُ إلى إرمياءَ، وقد تمثَّل له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟

قال: أنا (١) رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ أستفتيك في بعضِ أمرى.

فأذِن له، فقال له المَلَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، أتيتُك أستفتيك في أهلِ رَحِمى، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرنى اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حسنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتى إيّاهم إلا إسخاطًا لى، فأفتِنِى فيهم يا نبيَّ اللَّهَ.

فقال له: أحسِنُ فيما بينَك وبيَن اللَّهِ، وصِل ما أمَرك اللَّهُ أن تَصِلَ، وأبشِرْ بخيرٍ.

وانصرَف عنه، فمكَث أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ (١) الذي كان (١) جاءه، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟

قال: أنا الرجلُ الذي أتيتُك أستفتيك في شأنِ أهلى.

فقال له نبيُّ اللَّهِ: أَوَ ما طهُرت (٢) لك أخلاقُهم بعدُ، ولم ترَ منهم الذي تُحِبُّ؟

فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعلَمُ كرامةً يأتيها أحدٌ مِن الناسِ لأهلِ رحِمِه إلا قد أتيتُها إليهم وأفضلَ مِن ذلك.

فقال النبيُّ: ارجِعْ إلى أهلِك فأحسِنْ إليهم.

أسألُ (٣) اللَّهَ الذي يُصلِحُ عبادَه الصالحين أن يُصلحَ ذاتَ بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاتِه، ويُجنِّبَكم سُخْطَه.

فقام المَلَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا وقد نزَل بختُنصّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ، بأكثرَ من (٤) الجرادِ، ففزِع مِنهم بنو إسرائيلَ فزعًا شديدًا، وشقّ ذلك على مَلِكِ بنى إسرائيلَ، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعَدك اللَّهُ؟

فقال: إنى بربى واثقٌ.

ثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرميا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يضحكُ ويستبشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعَده، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟

قال: أنا الذي كنتُ أتيتُك في شأنِ أهلى مرَّتين.

فقال له النبيُّ: أوَ لم يأنِ لهم أن [يُفيقوا مِن الذي] (١) هم فيه (٢)؟

فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يصيبُنى مِنهم قبلَ اليومِ كنتُ أصبِرُ عليه، وأعلَمُ [أن ما بِهم] (٣) في ذلك سُخْطِى؛ فلما أتيتُهم اليومَ رأيتُهم في عملٍ لا يُرضِى اللَّهَ ولا يُحِبُّه اللَّهُ.

فقال له نبيُّ اللَّهِ: على أيِّ عملٍ رأيتَهم؟

قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رأيتُهم على عملٍ عظيمٍ من سُخطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ اليومِ لم يشتدَّ عليهم غضبى، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكن غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتيتُك لأخبِرَكَ خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي بعَثك بالحقِّ إلَّا ما دعوتَ عليهم ربَّك أن يُهلِكَهم.

فقال إرميا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأَبقِهم، وإن كانوا على سُخْطِك وعملٍ لا ترضاه فأَهلِكْهم.

فلمّا (٤) خرَجت الكلمةُ من فِي إرميا (٥) أرسَل اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا ملكَ السماء، ويا (٦) أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَنِى؟

فنودى: إرميا، إنهم لم يُصِبْهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيتَ بها رسولَنا.

فاستيقَن النبيُّ ﷺ أنها فُتياه التي أفتَى بها ثلاثَ مرَّاتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، وطار إرميا حتى خالَط الوحشَ، ودخَل بختُنصرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بنى إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يملأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا ثم يقذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَف راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بنى إسرائيلَ، وأمَرهم أن يجمَعوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، فاجتمَع عندَه كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ من بني إسرائيلَ، فاختار منهم سبعيَن ألفَ صبيٍّ، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقسِمَهم (١) فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقسِمْ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخترتَهم من بنى إسرائيلَ.

ففعَل، وأصاب كلُّ رجلٍ منهم أربعةَ غِلْمَةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ دانيالُ وحَنَانْيَا وعَزَارْيَا وميشائيلُ وسبعةُ آلافٍ من أهلِ بيتِ داودَ، وأحدَ عَشَرَ ألفًا مِن سبطِ يوسفَ بن يعقوبَ، وأخيه بنياميَن، وثمانيةُ آلافٍ من سبطِ أشرِ بن يعقوبَ، وأربعةَ عشرَ ألفًا من سبطِ زبالونَ بن يعقوبَ ونَفْثَالى بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ يهوذا بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ روبيلَ ولاوِى ابنى يعقوبَ، ومَن بقِى مِن بنى إسرائيلَ، وجعَلهم بختُنصرَ ثلاثَ فرقٍ؛ فثلثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثلثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين الألفِ حتى أقدَمهم بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأولى التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ بإحداثِهم وظُلْمِهم، فلما ولَّى بختُنصرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرميا على حمارٍ له معه عصيرٌ.

ثم ذكَر قصتَه حيَن أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعَثه، ثم خبرَ رؤيا بختِنصرَ وأمرَ دانيالَ، وهلاكَ بُختِنصرَ، ورجوعَ مَن بقى مِن بنى إسرائيلَ في أيدى أصحابِ بختنصرَ بعدَ هلاكِه إلى الشامِ، وعمارةَ بيتِ المقدسِ، وأمرَ عُزيرٍ وكيف ردَّ اللَّهُ عليه التوراةَ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم عمَدتْ بنو إسرائيلَ بعدَ ذلك يُحدِثون الأحداثَ، يعنى بعدَ مَهلِكِ عُزيرٍ، ويعودُ اللَّهُ عليهم، ويبعَثُ فيهم الرسلَ، ففريقًا يكذِّبون، وفريقًا يقتُلون، حتى كان آخرُ مَن بعَث اللَّهُ فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بنَ زكريا وعيسى ابنَ مريم، وكانوا من بيتِ آلِ داودَ (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرَ بن عبدِ اللَّهِ بن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ أنه قال، وهو يحدِّثُ عن قتلِ يحيى بن زكريا، قال: [ما قُتل يحيى بنُ زكريا إلا [بامرأةٍ تبغِى مِن بغايا] (٢) بنى إسرائيلَ؛ كان فيهم مَلِكٌ، وكان] (٣) يحيى بنُ زكريا تحتَ يَدَىْ ذلك الملكِ، فهمَّت ابنةُ ذلك الملكِ بأبيها، فقالت: لو أنى تزوَّجتُ بأبى فاجتمَع لى سلطانُه دونَ النساءِ!

فقالت له: يا أبتِ، تزوَّجْنى.

فدعَته إلى نفسِها، فقال لها: يا بنيةُ، إن يحيى بنَ زكريا لا يُحِلُّ لنا هذا.

فقالت: من لى بيحيى بن زكريا!

ضيَّق عليَّ، وحال بينى وبيَن أن أتزوَّج بأبى، فأغلِبَ على مُلكِه ودنياه دونَ النساءِ.

قال: فأمَرت اللعّابين ومَحَلَتْ (٤) بذلك لقتلِ (٥) يحيى بن زكريا، فقالت: ادخُلوا عليه فألعِبوه (٦)، حتى إذا فرَغتم فإنه سيُحَكِّمُكم، فقولوا: دمَ يحيى بن زكريا.

فلا تقبَلوا غيرَه.

وكان اسمُ الملكِ روادَ (٧)، واسمُ ابنتِه البغيَّ، وكان الملكُ فيهم إذا حدَّث فكذَب، أو وعَد فأخلَف، خُلع فاستُبدِل به غيرُه، فلما ألعَبوه وكثُر عجبُه منهم، قال: سلُونى أُعطِكم.

قالوا: دمَ يحيى بن زكريا، أَعطِناه.

قال: ويحَكم سلُونى غيرَ هذا، فقالوا: لا نسألُك غيرَه.

فخاف على مُلكِه إن هو أخلَفهم أن يُستحَلَّ بذلك خَلْعُه، فبعَث إلى يحيى بن زكريا وهو جالسُ في محرابِهِ يُصلِّى، فذبَحوه في طَسْتٍ ثم حزُّوا رأسَه، فاحتمَله رجلٌ في يدَيه والدمُ يُحمَلُ في الطَّسْتِ معه، قال: فطلَع برأسِه يحمِلُه حتى وقَف به على الملكِ ورأسُه يقولُ في يَدَي الذي يحمِلُه: لا يَحِلُّ لك (١).

فقال رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ: أيُّها الملكُ، لو أنك وهَبتَ لى هذا الدمَ؟

فقال: وما تصنَعُ به؟

قال: أُطهِّرُ منه الأرضَ، فإنه قد كان ضيَّقها علينا.

فقال: أعطُوه إياه.

فأخَذه فجعَله في قُلّةٍ، ثم عمّد به إلى بيتٍ في المذبحِ، فوضَع القُلةَ فيه، ثم أغلَق عليه، ففار في القُلَّةِ حتى خرَج منها مِن تحتِ البابِ مِن البيتِ الذي هو فيه، فلما رأَى ذلك الرجلُ، فظِع (٢) به، فأخرَجه فجعَله في فلاةٍ من الأرضِ، فجعَل يفورُ، وعظُمت فيهم الأحداثُ، ومنهم مَن يقولُ: أَقرَّ مكانَه [في القربانِ] (٣) ولم يُحوَّلْ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: فلما رفَع اللَّهُ عيسى من بين أظهرِهم وقتَلوا يحيى بنَ زكريا - وبعضُ الناسِ يقولُ: وقتَلوا زكريا - ابتعَث اللَّهُ عليهم مَلِكًا من ملوكِ بابلَ يقالُ له: خردوسُ.

فسار إليهم بأهلِ بابلَ حتى دخَل عليهم الشامَ، فلما ظهَر عليهم أمَر رأسًا مِن رءوسِ جنودِه (٥) يُدعَى نَبُوزَرادانَ صاحبَ القتلِ.

فقال له: إنى قد كنتُ حلَفتُ بإلهى لئن أنا ظهَرْتُ (٦) على أهلِ بيتِ المقدسِ لأقتُلنَّهم حتى تسيلَ دماؤهم في وسطِ عسكرى، إلّا أن لا أجدَ أحدًا أقتُلُه.

فأمَر أن يقتُلَهم حتى يبلُغَ ذلك مِنهم نَبُوزُرادانَ، فدخَل بيتَ المقدسِ، فقام في البقعةِ التي كانوا يُقرِّبون فيها قربانَهم، فوجَد فيها دمًا يغلى، فسأَلهم فقال: يا بنى إسرائيلَ، ما شأنُ هذا الدمِ الذي يَغلِى، أخبِرونى خبرَه، ولا تكتُمونى شيئًا من أمره.

فقالوا: هذا دمُ قربانٍ كان لنا كنّا قرَّبناه فلم يُتَقَبَّلْ منا، فلذلك (١) هو يَغلِى كما تراه، ولقد قرَّبنا منذُ ثمانِمائةِ سنةٍ القربانَ فتُقبِّلَ منا إلا هذا القربانُ.

قال: ما صدَقتُمُونى الخبرَ.

قالوا له: لو كان كأوَّلِ زمانِنا لقُبل مِنّا، ولكنه قد انقطَع منا المُلكُ والنُّبوَّةُ والوحيُ، فلذلك لم يُقبَلْ منا.

فذبَح منهم نَبُوزُرادانَ على ذلك الدمِ سبعَمائةٍ وسبعين روحًا مِن رءوسِهم فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعِمائةِ غلامٍ مِن غِلمانِهم فذُبحوا على الدمِ فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعةِ آلافٍ مِن شِيَعهم وأزواجِهم، فذبَحهم على الدمِ فلم يَبرُدْ ولم يهدَأْ، فلما رأَى نبوزُرادان أن الدمَ لا يهدَأُ قال لهم: ويْلَكم يا بنى إسرائيلَ، اصدُقونى واصبِروا على أمرِ ربِّكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرضِ، تفعَلون فيها ما شِئتم، قبلَ أن لا أتركَ مِنكم نافخَ نارٍ؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتَلتُه.

فلما رأَوُا الجهدَ وشدَّةَ القتلِ صدَقوه الخبرَ، فقالوا له: إن هذا دمُ نبيٍّ مِنّا كان ينهانا عن أمورٍ كثيرةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ، فلو أطَعناه فيها لكان أرشدَ لنا، وكان يُخبِرُنا بأمرِكم، فلم نُصدِّقْه، فقتَلناه، فهذا دمُه.

فقال لهم نَبُوزُرادانَ: ما كان اسمُه؟

قالوا: يحيى بنَ زكريا.

فقال: الآنَ صدَقتمونى، بمثلِ هذا ينتقِمُ ربُّكم مِنكم.

فلما رأى نَبُوزُرادانَ أنهم صدَقوه خرَّ ساجدًا وقال لمن حولَه: غلِّقوا أبوابَ المدينةِ، وأخرِجوا مَن كان ههنا من جيشِ خردوسَ.

وخلا في بنى إسرائيلَ، ثم قال: يا يحيى بنَ زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومَك مِن أجْلِك، وما قُتل مِنهم مِن أجلِك، فاهدأْ بإذنِ اللَّهِ قبلَ أن لا أُبقىَ من قومِك أحدًا.

فهدَأ دمُ يحيى بن زكريا بإذنِ اللَّهِ، ورفَع نَبُوزُرادانَ عنهم القتلَ، وقال: آمَنتُ بما آمَنَت به بنو إسرائيلَ، وصدَّقتُ وأيقَنتُ أنه لا ربَّ غيرُه، ولو كان معَه آخرُ لم يصلُحْ، ولو كان له شريكٌ لم تَستمسِكِ السماواتُ والأرضُ، ولو كان له ولدٌ لم يصلُحْ، فتبارَك وتقدَّس، وتسبَّح وتكبَّر وتعظَّم، ملكُ الملوكِ الذي [يَملِكُ السماواتِ السبعَ، بعلمٍ وحكمٍ وجبروتٍ وعزَّةٍ] (١)، الذي بسَط الأرضَ وألقَى فيها رواسىَ ألَّا (٢) تزولَ، فكذلك يَنبغِى لربى أن يكونَ ويكونَ مُلكُه.

فأُوحِى (٣) إلى رأسٍ مِن رءوسِ بقيةِ الأنبياءِ أن نَبُوزَرادانَ حَبُورٌ صدوقٌ - والحبورُ بالعِبرانيةِ: حديثُ الإيمانِ - وإن نبوزَرادانَ قال لبني إسرائيلَ: إن عدوَّ اللَّهِ خردوسَ أمَرنى أن أقتلَ منكم حتى تسيلَ دماؤكم وسطَ عسكرِه، وإنى لستُ أستطيعُ أن أعصيَه.

قالوا له: افعلْ ما أُمِرتَ به.

فأمَرهم فحفَروا خندقًا وأمَر بأموالِهم من الخيلِ والبغالِ والحميرِ والبقرِ والغنمِ والإبلِ، فذبَحها حتى سال الدمُ في العسكرِ، وأمَر بالقتلى الذين كانوا قبلَ ذلك، فطُرِحوا على ما قُتِل مِن مواشيهم حتى كانوا فوقَهم، فلم يظُنَّ خردوسُ إلا أنَّ ما كان في الخندقِ مِن بنى إسرائيلَ، فلما بلَغ الدمُ عسكرَه، أرسَل إلى نبوزَرادانَ أن ارفَعْ عنهم، فقد بلَغتنى دماؤهم، وقد انتقَمتُ منهم بما فعَلوا.

ثم انصرَف عنهم إلى أرضِ بابلَ، وقد أفنَى بنى إسرائيلَ أو كاد، وهى الوقعةُ الآخرةُ التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ، يقولُ اللَّهُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٤، ٨] و "عسى" من اللَّهِ حقٌّ، فكانت الوقعةُ الأولى بختنصّرَ وجنودَه، ثم ردَّ اللَّهُ لكم الكرَّةَ عليهم، وكانت الوقعةُ الآخرةُ خردوسَ وجنودَه، وهي كانت أعظمَ الوقعتين، فيها كان خرابُ بلادِهم، وقتلُ رجالِهم، وذهَب الحسنُ بقولِه هذا إلى أن الحصيرَ في هذا الموضعِ عُنِى به الحصيرُ الذي يُبْسَطُ ويُفتَرَشُ؛ وذلك أن العربَ تسمى البساطَ الصغيرَ حصيرًا، فوجَّه الحسنُ معنى الكلامِ إلى أن اللَّهَ تعالى جعَل جهنمَ للكافرين به بساطًا ومِهادًا، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].

وفوجَّه الحسنُ وتأويلٌ صحيحٌ، وأما الآخرون، فوجَّهوه إلى أنه فَعِيلٌ مِن الحَصْرِ الذي هو الحبسُ.

وقد بيَّنتُ ذلك بشواهدِه في سورةِ البقرةِ (١)، وقد تسمِّى العربُ الَمِلكَ حصيرًا بمعنى أنه محصورٌ، أي: محجوبٌ عن الناسِ.

كما قال لبيدٌ (٢): وَمَقامَةٍ (٣) غُلْبِ (٤) الرِّقابِ كَأَنَّهُمْ … جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ يعنى بالحصيرِ: المَلِكَ.

ويقالُ للبخيلِ: حصورٌ وحَصِرٌ؛ لمنعِه ما لديه مِن المالِ عن أهلِ الحاجةِ، وحبسِه إياه عن النفقةِ، كما قال الأخطلُ (٥): وَشَارِبٍ مُربحٍ بالكأْسِ نَادَمَنِى … لا بالحَصُورِ وَلا فيها بِسَوَّارِ ويُروى: بسّآرِ.

ومنه الحَصِرُ في المنطقِ؛ لامتناعِ ذلك عليه، واحتباسِه إذا أراده، ومنه أيضًا الحَصورُ عن النساءِ؛ لتعذُّرِ ذلك عليه، وامتناعِه من الجماعِ.

وكذلك الحَصَرُ في الغائطِ: احتباسُه عن الخروجِ.

وأصلُ ذلك كلِّه واحدٌ وإن اختلَفت ألفاظُه.

فأما الحَصِيران: فالجَنْبان، كما قال الطَّرِمَّاحُ (٦): قَلِيلًا تُتَلِّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ … عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ (١) الْحَصِيرَيْنِ بِادِنِ يعنى بالحَصِيرَين: الجَنْبَين.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: معنى ذلك: وجعَلنا جَهَنَّمَ للكافرين فراشًا ومهادًا لا يُزايِلُه.

من الحصيرِ الذي هو بمعنى البساطِ؛ لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامِعًا معنى الحبسِ والامتهادِ، مع أن الحصيرَ بمعنى البساطِ في كلامِ العربِ أشهرُ منه بمعنى الحبسِ، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئًا بمعنى حبسِ شيءٍ، فإنما تقولُ: هو له حاصرٌ أو مُحْصِرٌ.

فأما الحصيرُ فغيرُ موجودٍ في كلامِهم، إلا إذا وصَفَته بأنه مفعولٌ به، فيكونُ في لفظِ فعيلٍ ومعناه مفعولٌ به، ألا ترَى بيتَ لبيدٍ: "لدى بابِ الحصيرِ".

فقال: لدى بابِ الحصيرِ.

لأنه أراد: لدى بابِ المحصورِ، فصرَف مفعولًا إلى فعيلٍ، فأما فعيلٌ في الحصرِ بمعنى وصفِه بأنه الحاصرُ، فذلك ما لا نجِدُه في كلامِ العربِ؛ فلذلك قلتُ: قولُ الحسنِ أولى بالصوابِ في ذلك.

وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن ذلك جائزٌ، ولا أعلمُ لما قال وجهًا يصِحُّ إلا بعيدًا، وهو أن يُقالَ: جاء حصيرٌ.

بمعنى: حاصرٌ، كما قيل: عليمٌ.

بمعنى: عالمٌ، و: شهيدٌ.

بمعنى: شاهدٌ.

ولم يُسمَعْ ذلك مستعملًا في الحاصرِ كما سمِعنا في عالمٍ وشاهدٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه على نبيِّنا محمدٍ ﷺ يرشِدُ ويسدِّدُ من اهتدَى به ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

يقولُ: للسبيلِ التي هي أقومُ مِن غيرِها وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ومِن نعمِه (١) عليكم أيُّها الناسُ، مخالفتُه بيَن علامةِ الليلِ وعلامةِ النهارِ، بإظلامِه علامةَ الليلِ (٢)، وإضاءتِه علامةَ النهارِ؛ لتسكُنوا في هذا، وتتصرَّفوا في ابتغاءِ رزقِ اللَّهِ الذي قدَّره لكم بفضلِه في هذا، ولتعلموا باختلافِهما عددَ السنيَن وانقضاءَها، وابتداءَ دخولِها، وحسابَ ساعاتِ النهارِ والليلِ وأوقاتَها.

﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.

يقولُ: وكلَّ شيءٍ بيَّناه بيانًا شافيًا لكم أيُّها الناسُ؛ لتشكروا اللَّهَ على ما أنعَم به عليكم من نعمِه، وتُخلِصوا له العبادةَ دونَ الآلهةِ والأوثانِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن أبي الطُفيلِ قال: قال ابن الكَوَّاءِ لعليٍّ: يا أميرَ المؤمنين، ما هذه اللَّطْخةُ التي في القمرِ؟

فقال: ويْحَك!

أما تقرأُ القرآن؟

﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، فهذه محوُه (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلْقٌ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليّ بن ربيعةَ، قال: سأل ابن الكوّاءِ عليًّا فقال: ما هذا السوادُ في القمرِ؟

فقال عليٌّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ هو المحوُ (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبيدِ بن عُميرٍ (١)، قال: كنتُ عندَ عليٍّ، فسأله ابن الكَوّاءِ عن السوادِ الذي في القمرِ، فقال: ذاك آيةُ الليلِ مُحِيتْ (٢).

حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُديرٍ، عن رُفيعٍ أبى كثيرةَ (٣)، قال: قال عليٌّ بنُ أبى طالبٍ، رضوانُ اللَّهِ عليه: سَلُوا عما شِئتم.

فقام ابن الكوّاءِ فقال: ما السوادُ الذي في القمرِ؟

فقال: قاتلكَ اللَّهُ، هلا سألتَ عن أمرِ دينِك وآخرتِك؟

قال: ذلك مَحْوُ الليلِ (٤).

حدَّثني زكريَّا بنُ يحيى بنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، عن حُيَيِّ بن عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبليِّ (٥)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ، أن رجلًا قال لعليٍّ: ما السوادُ الذي في القمرِ؟

قال: إِنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (٦).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾.

قال: هو السوادُ بالليلِ (٧).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ﴿طَائِرَهُ﴾: عملَه (١).

فإن قال قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.

إن كان الأمرُ على ما وصفْتَ، ولم يقُلْ: الزمناه في يديهِ ورجليهِ أو غيرِ ذلك من أعضاءِ الجسدِ؟

قيل: لأنَّ العُنُقَ هو موضعُ السِّماتِ، وموضعُ القلائدِ والأطوِقَةِ، وغيرِ ذلك مما يَزينُ أو يَشينُ، فجرى كلامُ العربِ بنسبةِ الأشياءِ اللازمةِ بنى آدمَ وغيرَهم من ذلك إلى أعناقِهم وكثُر استعمالُهم ذلك حتى أضافُوا الأشياءَ اللازمةَ سائرَ الأبدانِ إلى الأعناقِ، كما أضافوا جناياتِ أعضاءِ الأبدانِ إلى اليدِ، فقالُوا: ذلك بما كسبتْ يداه.

وإن كان الذي جرَّ عليه لسانُه أو فرجُه، فكذلك قولُه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.

واختلفتْ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾؛ فقرَأه بعضُ أهلِ المدينةِ ومكةَ، وهو نافعٌ وابنُ كثيرٍ وعامةُ قرأةِ العراقِ (٢): ﴿وَنُخْرِجُ﴾ بالنونِ ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ بفتحِ الياءِ من ﴿يَلْقَاهُ﴾ وتخفيفِ القافِ منه، بمعنى: ونُخرِجُ له نحنُ يومَ القيامةِ.

ردًّا على قولِه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ﴾: ونحنُ نُخرِجُ له يومَ القيامةِ كتابَ عملِه منشورًا.

وكان بعضُ قرَأَةِ أهلِ الشامِ (٣) يوافقُ هؤلاءِ على قراءةِ قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ﴾.

ويخالِفُهم في قولِه: ﴿يَلْقَاهُ﴾.

فيقرؤه (يُلَقَّاهُ) بضَمِّ الياءِ وتشديدِ القافِ، بمعنى: ونُخرج له نحنُ يومَ القيامة كتابًا يلقاهُ.

ثم بردِّه إلى ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، فيقولُ: يلقى الإنسانُ ذلك الكتابَ منشورًا.

وذُكِر عن مجاهدٍ ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه قرأها: (ويَخرُجُ لهُ يومَ القيامةِ كتابًا).

قال يزيدُ: يعنى: يخرجُ الطائرُ كتابًا (١).

هكذا أحسَبُه قرَأها بفتحِ الياءِ، وهى قراءةُ الحسنِ البصريِّ وابنِ مُحيصنٍ (٢)؛ وكأنَّ من قرَأ هذه القراءةَ وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: ويَخرُجُ له الطائرُ الذي ألزمناه عُنُقَ الإنسانِ يومَ القيامةِ، فيصيرُ كتابًا يقرؤه منشورًا.

وقرأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ (٣): (ويُخرَجُ لَهُ).

بضمِّ الياءِ على مذهبِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وكأنَّه وجَّه معنى الكلام إلى: ويُخرَجُ له الطائرُ يومَ القيامةِ كتابًا.

يريدُ: ويُخرِجُ اللَّهُ له ذلك الطائرَ قد صيَّره كتابًا، غير أنَّه قال: (يُخرجُ) (٤).

لأنَّه (٥) نحَّاه نحوَ ما لم يُسمَّ فاعلُه.

وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ، قراءةُ من قرأَه: ﴿وَنُخْرِجُ﴾.

بالنونِ وضمِّها، ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾، بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ؛ لأنَّ الخبرَ جرَى قبلَ ذلك عن اللَّهِ تعالى ذِكرُه أنَّه الذي ألزَم خلقَه ما ألزَم من ذلك؛ فالصوابُ أن يكونَ الذي يليه خبرًا عنه أنَّه هو الذي يُخرِجُه لهم يومَ القيامةِ، و (٦) أن يكونَ بالنونِ كما كان الخبرُ الذي قبلَه بالنونِ.

وأما قولُه: ﴿يَلْقَاه﴾.

فإنَّ في إجماعِ الحجةِ من القرأةِ على تصويبِ ما اخترنا من القراءةِ في ذلك، وشذوذِ ما خالفه، الحجةَ الكافيةَ لنا على تقاربِ معنى القراءتين، أعنى ضمَّ الياءِ وفتحَها في العملُ ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.

قال معمرٌ: وتلا الحسنُ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧].

يا ابن آدمَ بُسِطَتْ لك صحيفتُك، ووكِّل بك ملَكانِ كريمانِ؛ أحدُهما عن يمينِك، والآخرُ عن يسارِك.

فأمَّا الذي عن يمينِك فيحفَظُ حسناتِك وأما الذي عن شِمالكِ فيحفظُ سيِّئاتِك، فأمْلِلْ (١) ما شئتَ، أَقْلِلْ أو أَكثِرْ، حتى إذا متَّ طُويَتْ صحيفتُك، فجُعلت في عنقِك معك في قبرِك (٢)، حتى تخرُجَ يومَ القيامةِ كتابًا تلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، قد عدل واللَّهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسِك (٣).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَائِرَهُ﴾: عمله، [ويَخرُج له ذلك] (٤) العملُ كتابًا يلقاه منشورًا.

وقد كان بعضُ أهل العربية يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: حظَّه (٥).

من قولهم: طارَ سَهَمُ فلانٍ بكذا.

إذا خرَج سهمُه على نصيبٍ من الأنصِباءِ، وذلك وإن كان قولًا له وجهٌ، فإنَّ تأويلَ أهلِ التأويلِ على ما قد بيَّنتُ، وغير جائزٍ أن يُتجاوزَ في تأويلِ القرآنِ ما قالوه إلى غيرِه، على (٦) أنَّ ما قاله هذا القائلُ، إن كان عنَى بقولِه حظَّه من العملِ والشقاءِ والسعادةِ فلم يُبعِدْ، فمعنى (٧) قولِه من معنى قولِهم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا شَريكٌ، عن سلَمةَ أو غيرِه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أَمَرْنا بالطاعةِ فعصَوا (١).

وقد يَحتمِلُ أيضًا إذا قُرئ كذلك أن يكونَ معناه: جعلناهم أمراءَ ففسقوا فيها؛ لأنَّ العربَ تقولُ: هو أميرٌ غيرُ مأمورٍ.

وقد كان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (٢) يقولُ: قد يتوجَّه معناه إذا قُرئ كذلك إلى معنى أكثرْنا مُترفيها، ويحتجُّ لتصحيحِ قولِه ذلك بالخبرِ الذي رُوى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "خَيْرُ المَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ (٣) " (٤).

ويقولُ: معنى قولِه: مأمورةٌ: كثيرةُ النسلِ.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيينِ (٥) يُنكرُ ذلك من قِيلِه، ولا يُجيزُ (أَمِرْنا) (٦)، بمعنى أكثَرْنا إلا بمَدِّ الألفِ من (آمَرْنا).

ويقولُ في قولِه: "مُهرةٌ مأمورةٌ": إنما قيلَ ذلك على الإتباعِ لمجيء "مأبورةٍ" بعدها، كما قيل: "ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غيرَ مَأْجُورَاتٍ" (٧).

فهَمَزَ مأزوراتٍ لهمزِ مأجوراتٍ، وهى من وَزَرْتُ إتباعًا لبعضِ الكلامِ بعضًا.

وقرَأ ذلك أبو عثمانَ (٨): (أمَّرْنا)، بتشديدِ الميمِ، بمعنى: الإمارةِ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، أنه قرَأ: (أَمَّرْنَا)، مشددةً من الإمارةِ (١).

وقد تأوَّل هذا الكلامَ على هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (أَمَّرْنا مُتَرَفِيها).

يقولُ: سلَّطنا أشرارَها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتُهم بالعذابِ، وهو قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ (٢) [الأنعام: ١٢٣].

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعتُ الكسائيَّ يُحدِّث عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، أنَّه قَرَأها: (أَمَّرْنا).

وقال: سلَّطنا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ (٤)، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: (أَمَّرْنا) مُثقَّلةً: جعَلنا عليها و ﴿مُتْرَفِيهَا﴾: مستكبرِيها (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: (أمَّرْنا مُترَفيها) قال: بعَثْنا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (آمَرْنا) (٢) بمَدِّ الألفِ من "أمرنا"، بمعنى: أكثرنا فَسَقَتَها.

وقد وجَّه تأويلَ هذا الحرفِ إلى هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، إلا أنَّ الذين حدَّثونا لم يميِّزوا لنا اختلافَ القراءاتِ في ذلك، وكيف قَرَأ ذلك المتأوِّلون، إلا القليلُ منهم.

ذكرُ مَن تأوَّل ذلك كذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وإذا أَرَدنا أن نُّهْلِكَ قَريةً آمَرنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها).

يقولُ: أكثَرنا عددَهم (٣).

حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: (آمَرنا مُتْرفيهَا).

قال: أكثَرناهم (٤).

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: (آمَرنا مُتْرفِيهَا).

قال: أكثَرناهم (٥).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (آمَرنا مُتَرفِيهَا).

يقولُ: أكثَرنا مترفيها؛ أي: كبراءَها (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وإذا أَرَدنَا أن نُّهلِكَ قَريةً آمَرنا مُترفِيهَا فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْها القَولُ).

يقولُ: أكثَرنا مترفيها؛ أي: جبابرتَها، ففسَقُوا فيها وعمِلوا بمعصيةِ اللَّهِ، ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.

وكان يُقالُ: إذا أراد اللَّهُ بقومٍ صلاحًا بعَث عليهم مُصْلِحًا، وإذا أراد بهم فسادًا بعَث عليهم مُفْسِدًا، وإذا أراد أن يُهلِكَها أكثَر مترفيها (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (آمَرْنا مُتْرَفِيها).

قال: أكثَرناهم (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا على زينبَ وهو يقولُ: "لا إلهَ إلا اللَّهُ!

ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترَب.

فُتِح اليومَ (٣) من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذا".

وحلَّق بيَن إبهامِه والتي تليها، قالت: يا رسولَ اللَّهِ أَنهِلكُ وفينا الصالحون؟

قال: " نعم إذا كثُر الخَبَثُ" (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وإذا أَرَدنا أن نُّهْلِكَ قَريةً آمَرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها).

قال: ذكَر بعضُ أهلِ العلمِ أن "آمرنا": وقد اختُلِف في مبلغِ مدةِ القَرْنِ، فحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا: حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي محمدٍ عن (١) [زرارةَ بن أوفى] (٢)، قال: القَرْنُ عشرون ومائة سنةٍ، فبُعِث رسولُ اللَّهِ ﷺ في أولِ قرنٍ كان، وآخرُهم يزيدُ بنُ معاويةَ (٣).

وقال آخرون: بل هو مائةُ سنةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حسانُ بنُ محمدِ بن عبدِ الرحمنِ الحِمْصِيُّ أبو الصَّلْتِ الطائيُّ، قال: ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ (٤)، عن محمدِ بن القاسمِ، عن عبدِ اللَّهِ بن بُسْرِ المازنيِّ، قال: وضَع النبيُّ ﷺ يدَه على رأسِه وقال: "سيعيشُ هذا الغلامُ قَرْنًا".

قلتُ: كم القرنُ؟

قال: "مائةُ سنةٍ" (٥).

حدَّثنا حسانُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ، عن محمدِ بن القاسمِ، قال: ما زِلْنا نَعُدُّ له حتى، تمَّت مائةُ سنةٍ ثم مات.

قال أبو الصلتِ: أخبرَني سلامةُ أنَّ محمدَ بنَ القاسمِ هذا كان ختَنَ عبدِ اللَّهِ بن بُسرٍ (١).

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزَارِيُّ، قال: أخبرَنا عمرُ بن شاكرٍ، عن ابن سيرينَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "القرنُ أربعونَ سنَةً" (٢).

وقولُه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾.

أُدْخِلت الباءُ في قولِه: ﴿بِرَبِّكَ﴾.

وهو في محلِّ رفعٍ؛ لأن معنى الكلامِ: وكفاك ربُّك، وحَسْبُك ربُّك، بذنوبِ عبادِه خبيرًا.

دَلالةً على المدحِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ كلامٍ كان بمعنى المدحِ أو الذمِّ، تُدْخِلُ في الاسمِ الباءَ، والاسمُ المُدْخَلَةُ عليه الباءُ في موضعِ رفعٍ، لتَدلَّ بدخولِها على المدحِ أو الذمِّ، كقولِهم: أكرِمْ به رجلًا، وناهيك به، رجلًا، وجاد بثوبِك ثوبًا، وطاب بطعامِكم طعامًا.

وما أشبَه ذلك من الكلامِ، ولو أُسْقِطَت الباءُ مما دخَلَت فيه من هذه الأسماءِ رُفِعَتْ؛ لأنها في محلِّ رفعٍ، كما قال الشاعرُ (٣): ويُخْبرُنِى عَن غائبِ المَرْءِ هَدْيُهُ … كَفَى الهَدَىُ عَمَّا غَيَّبَ المَرَّءُ مُخْبِرًا فأما إذا لم يَكُنْ في الكلامِ مدحٌ أو ذمٌّ فلا يُدْخِلُون في الاسمِ الباءَ، لا يجوزُ أن يُقالَ: قام بأخيك.

وأنت تُرِيدُ: قام أخوك.

إلا أن تُرِيدَ: قام رجلٌ آخرُ به.

وذلك معنًى غيرُ المعنى الأوّل.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: مَن كان طلُبه الدنيا العاجلةَ، ولها يَعمَلُ ويَسْعَى، وإِيَّاها حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾.

قال: العاجلةُ الدنيا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: مَن أراد الآخرةَ، وإيَّاها طلَب، ولها عمِلَ عملَها، الذي هو طاعةُ اللَّهِ وما يُرْضِيه عنه.

وأضاف "السعىَ" إلى الهاءِ والألفِ، وهى كنايةٌ عن "الآخرةِ"، فقال: وسعَى للآخرةِ سعىَ الآخرةِ.

ومعناه: وعمِل لها عملَها؛ لمعرفةِ السامعين بمعنى ذلك، وأن معناه: وسعَى لها سعيَه لها.

﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.

يقولُ: هو مؤمنٌ مُصَدِّقٌ بثوابِ اللَّهِ وعظيمِ جزائِه على سعيِه لها، غيرُ مكذِّبٍ به تكذيبَ مَن أراد العاجلةَ.

يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾.

يعنى: فمَن فعَل ذلك، ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ﴾.

يعنى: عملُهم بطاعةِ اللَّهِ، ﴿مَشْكُورًا﴾.

وشكرُ اللَّهِ إيَّاهم على سعيِهم ذلك حُسْنُ جزائِه لهم على أعمالِهم الصالحةِ، وتجاوزُه لهم عن سيئِها برحمتِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾: شَكَرَ اللَّهُ لهم حسناتِهم، وتجاوَز عن سيئاتِهم (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يُمدُّ يا محمدُ ربُّك كلا الفريقين من مُريدِ [العاجلةِ، ومريدِ] (٢) الآخرةِ الساعى لها سعيَها وهو مؤمنٌ، في هذه الدنيا من عطائِه، فيرزُقُهما جميعًا من رزقِه إلى بلوغِهما الأَمَدَ، واستيفائِهما الأجلَ ما كتَب لهما، ثم تختلِفُ بهما الأحوالُ بعدَ المماتِ، وتَفترِقُ بهما بعدَ الوُرودِ المصادرُ، ففريقُ مريدى العاجلةِ إلى جهَنَّمَ مَصْدَرُهم، وفريقُ مريدى الآخرةِ إلى الجنةِ مآبُهم، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.

يقولُ: وما كان عطاءُ ربِّك الذي يُؤْتِيه مَن يشاءُ من خلقِه في الدنيا ممنوعًا عمَّن بسَطه عليه، لا يَقْدِرُ أَحدٌ من خلقِه منعَه (١) ذلك وقد آتاه اللَّهُ إياه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.

أي: منقوصًا، وإن اللَّهَ تباركَ اسمُه قَسَم الدنيا بينَ البَرِّ والفاجرِ، والآخرةُ خصوصًا عندَ ربِّك للمتقين (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.

قال: منقوصًا (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سهلُ بنُ أبي الصلتِ السَّرَّاجُ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾.

قال: [كُلًّا نُعطِى] (٤) من الدنيا البَرَّ والفاجرَ (٥).

الفريقَين اللذَين همُّ أحدِهما الدارُ العاجلةُ، وإياها يَطلُبُ، ولها يَعمَلُ، والآخرِ الذي يُرِيدُ الدارَ الآخرةَ، ولها يَسْعَى، مُوقِنًا بثوابِ اللَّهِ على سعيِه، ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١): كيف فضَّلنا أحدَ الفريقين على الآخرِ، بأنْ بَصَّرنا هذا رُشْدَه، وهَدَيْناه للسبيلِ التي هي أقومُ، وهديناه (٢) للذى هو أهدَى وأرشدُ، وخذَلْنا هذا الآخرَ، فأَضْلَلناه عن طريقِ الحقِّ، وأَغْشَيْنَا بصرَه عن سبيلِ الرشدِ، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾.

يقولُ: وفريقُ مريدِى الآخرةِ أكبرُ في الدارِ (٣) الآخرةِ درجاتٍ، بعضُهم على بعضٍ؛ لتفاوتِ منازِلهم بأعمالِهم في الجنةِ، ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ بتفضيلِ اللَّهِ بعضَهم على بعضٍ من هؤلاء الفريقِ الآخرين في الدنيا فيما بَسَطنا لهم فيها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.

أي: في الدنيا، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وإن للمؤمنين في الجنةِ منازلَ، وإن لهم فضائلَ بأعمالِهم، وذكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "إن بيَن أعلَى أهلِ الجنِة وأسفلِهم درجةً كالنَّجْمِ يُرَى في مَشارِقِ الأرضِ ومغاربِها" (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿لَا تَجْعَلْ﴾ يا محمدُ مع اللَّهِ شريكًا في أُلوهيِه وعبادتِه، ولكن أخْلِصْ له العبادةَ، وأَفْرِدْ له الأُلوهةَ، فإنه لا إلهَ غيرُه، فإنك إنْ تَجْعَلْ معه إلهًا غيرَه، وتعبُدْ معه سواه، ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾.

يقولُ: تَصِيرَ ملومًا على ما ضَيَّعْتَ من شكرِ اللَّهِ على ما أنعَم به عليك من نِعَمِه، وتصييرِك الشكرَ لغيرِ مَن أولاك المعروفَ، وفى إشراكِك في الحمدِ مَن لم يَشْرَكْه في النعمةِ عليك غيرُه، ﴿مَخْذُولًا﴾ قد أسلَمك ربُّك لمَن بغاك سوءًا، فإذا أسلَمك ربُّك الذي هو ناصرُ أوليائِه، لم يكن لك من دونِه وليٌّ يَنْصُرُك ويَدْفَعُ عنك.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾.

يقولُ: مذمومًا في نعمةِ اللَّهِ (١).

وهذا الكلامُ وإن كان خرَج على وجهِ الخطابِ لنبيِّ اللَّهِ ﷺ (٢) فإنَّه معنيٌّ به جميعُ مَن لَزِمه التكليفُ من عبادِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾.

يعنى بذلك تعالى ذكرُه: حكَم ربُّك يا محمدُ بأمرِه إياكم ألا تعبُدُوا إلا اللَّهَ، فإنه لا يَنْبَغِى أن يُعْبَدَ غيرُه.

وقد اختلَفت ألفاظُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾.

وإن كان معنى جميعِهم في ذلك واحدًا.

ذكرُ ما قالوا في ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

يقولُ: أَمَر (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ سلّامٍ، قال: جاء رجلٌ إلى الحسنِ، فقال: إنه طلَّق امرأتَه ثلاثًا.

فقال: إنك عَصَيْتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك.

فقال الرجلُ: قضَى اللَّهُ ذلك عليَّ.

فقال الحسنُ - وكان فصيحًا -: ما قضَى اللَّهُ.

أي: ما أمَر اللَّهُ.

وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

فقال الناسُ: تكلَّم الحسنُ في القدرِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

أي: أَمَرَ رَبُّك في ألا تَعْبُدُوا إلا إياه، فهذا قضاءُ اللَّهِ العاجلُ.

وكان يُقالُ في بعضِ الحكمةِ: مَن أرْضَى والديه أرضَى خالقَه، ومن أسخَط والديه فقد أسخَط ربَّه.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه.

وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (ووَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه) (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، قال: ثنا نُصَيْرُ بنُ أَبى الأَشعَثِ، قال: ثنى ابن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبيه، قال: أعطانى ابن عباسٍ مصحفًا، فقال: هذا على قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ.

قال أبو كريبٍ: قال يحيى: رأيتُ المصحفَ عندَ نُصيرٍ فيه: (وَوَصَّى رَبُّكَ).

يعني: وقضَى رَبُّكَ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: وأوصَى ربُّك (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه (٣).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أنه قرَأها: (ووَصَّى رَبُّك).

وقال: إنهم ألصَقُوا الواوَ بالصادِ فصارت قافًا (٤).

وقولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

يقولُ: وأمَركم بالوالدين إحسانًا أن تُحْسِنُوا إليهما وتَبَرُّوهما.

ومعنى الكلامِ: وأمَركم أن تُحْسِنُوا إلى الوالدين.

فلمّا حُذِفت "أن" تعلَّق القضاءُ بالإحسانِ، كما يقالُ في الكلامِ: آمُرُك به خيرًا، وأُوصِيك به خيرًا.

بمعنى: آمُرُك أن تَفْعَلَ به خيرًا.

ثم تُحْذَفُ "أن" فيتعلَّقُ الأمرُ والوصيةُ بالخيرِ، كما قال الشاعرُ (٥): عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونا … ومن أبى دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا فأعمَلَ "يوصِينا" في الخيرِ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (١) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ على التوحيدِ (٢)، على توجيهِ ذلك إلى "أحدِهما"؛ لأن "أحدَهما" واحدٌ، فوحَّدُوا ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ لتوحيدِه، وجعَلوا قولَه: ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ معطوفًا على "الأحدِ".

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (إما يَبْلُغَانِّ).

على التثنيةِ، وكسرِ النونِ وتشديدِها (٣).

وقالوا: قد ذُكِر الوالدان قَبْلُ، وقولُه: (يَبْلُغانِّ) خبرٌ عنهما بعد ما قد تقدَّم أسماؤُهما.

قالوا: والفعلُ إذا جاء بعدَ الاسمِ كان الكلامُ أن يكونَ فيه دليل على أنه خبرٌ عن اثنين أو جماعةٍ.

قالوا: والدليلُ على أنه خبرٌ عن اثنين في الفعلِ المُستقبَلِ الألفُ والنونُ.

قالوا: وقولُه: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾.

كلامٌ مُستأنَفٌ، كما قيل: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١].

وكقولِه: (﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾.

ثم ابتدَأ فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].

وقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ﴿أُفٍّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ ما غلَظ من الكلامِ وقبُح.

وقال آخرون: الأُفُّ وسخُ الأظفارِ، والتَّفُّ كلُّ ما رفَعْتَ بيدِك من الأرضِ من شيءٍ حقيرٍ.

وللعربِ في "أُفٍّ" لغاتٌ ستٌّ؛ رفعُها بالتنوينِ، وغيرِ التنوينِ، وخفضُها كذلك، ونصبُها.

فَمَن حَفَض ذلك بالتنوينِ، وهى قراءةُ عامةِ أهلِ المدينةِ (١)، شبَّهها بالأصواتِ التي لا معنى لها، كقولِهم في حكايةِ الصوتِ: غاقٍ غاقٍ.

فخفَضوا القافَ ونوَّنُوها، وكان حكمُها السكونَ، فإنه لا شيءَ يُعْرِبُها من أجلِ مجيئِها بعدَ حرفٍ ساكنٍ، وهو الألفُ، فكَرِهوا أن يجمَعوا بيَن ساكنين، فحرَّكوا إلى أقربِ الحركاتِ من السكونِ، وذلك الكسرُ؛ لأن المجزومَ إذا حُرِّك فإنما يُحرَّكُ إلى الكسرِ.

وأما الذين خفَضوا بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ عامةِ قرأةِ الكوفيين والبصريين (٢)، فإنهم قالوا: إنما يُدْخِلُون التنوين فيما جاء من الأصواتِ ناقصًا، كالذى يأتى على حرفين مثلِ: "مهٍ"و "صهٍ" و "بخ"، فيُتَمَّمُ بالنونِ (٣) لنقصانِه عن أبنيةِ الأسماءِ.

قالوا: و "أُفٍّ" تامٌّ لا حاجةَ بنا إلى تتمتِه بغيرِه؛ لأنَّه قد جاء على ثلاثةِ أحرفٍ.

قالوا: وإنما كسَرنا الفاءَ الثانيةَ لئلا نَجْمَعَ بيَن ساكنين.

وأما مَن ضَمَّ ونَوَّن، فإنه قال: هو اسمٌ كسائرِ الأسماءِ التي تُعْرَبُ، وليس بصوتٍ، وعُدِل به عن الأصواتِ.

وأما مَن ضَمَّ ذلك بغيرِ تنوينٍ، فإنه قال: ليس هو باسمٍ متمكنٍ فيُعْرَبَ بإعرابِ الأسماءِ المَتمكِّنةِ.

وقالوا: نَضُمُّه كما نَضُمُّ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].

وكما نَضُمُّ الاسمَ في النداءِ المفردِ فنقولُ: يا زيدُ.

ومَن نَصَبه بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ بعضِ المكيِّين وأهلِ الشامِ (١)، فإنّه شبَّهه بقولِهم: مُدَّ يا هذا ورُدُّ.

ومَن نصَب بالتنوينِ (٢)، فإنه أعمَل الفعلَ فيه، وجعَله اسمًا صحيحًا، فيقول: ما قلتُ له أفًّا ولا تُفًّا.

و كان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: قُرِئت: (أُفَّ)، و (أفًّا).

لغةٌ، فجعَلوها مثلَ نعتِها.

وقرَأ بعضُهم (٣): (أُفٌّ).

وذلك أن بعضَ العرب يقولُ: أُفٍّ لك.

على الحكايةِ؛ أي: لا تَقُلْ لهما هذا القولَ.

قال: والرفعُ قبيحٌ، لأنه لم يَجِئْ بعدَه بلامٍ.

والذين قالوا: أُفِّ.

فكسَروا كثيرٌ، وهو أجودُ، وكسَر بعضُهم ونوَّن.

وقال بعضُهم: أُفِّى.

كأنه أضَاف هذا القولَ إلى نفسِه، فقال: أُفِّى هذا لكما، والمكسورُ من هذا منوَّنٌ وغيرُ منوَّنٍ على أنه اسمٌ غيرُ متمكِّنٍ، نحوَ "أمس" وما أشبَهه، والمفتوحُ بغيرِ تنوينٍ كذلك.

وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: كلُّ هذه الحركاتِ الستِّ تَدْخُلُ في "أف" حكايةً، تُشَبَّهُ بالاسمِ مرةً وبالصوتِ أُخْرَى.

قال: وأكثرُ ما تُكْسَرُ الأصواتُ بالتنوينِ إذا كانت على حرفين مثلَ: "صهٍ" و "مهٍ" و "بخٍ"، وإذا كانت على ثلاثةِ أحرفٍ شُبِّهت بالأدواتِ "أفَّ" مثلُ: ليتَ ومَدَّ، و "أُفِّ" مثلُ: مُدَّ، يُشبَّه بالأدواتِ، وإذا قال أُفٍ مثلُ صهٍ.

وقالوا سمِعتُ: مِضِّ يا هذا ومِضُّ.

وحُكِى عن الكسائيِّ أنه قال: سمِعتُ.

ما علَّمَك أهلُك إلا مِضِّ ومِضُّ.

وهذا كأَفَّ وأفُّ.

ومن قال: أُفًّا جعَله مثلَ "سُحْقًا وبُعدًا".

والذي هو أولَى بالصحةِ عندى في قراءةِ ذلك قراءةُ مَن قرَأه: (فلا تَقُلْ لَهُما أُفِّ).

بكسرِ الفاءِ بغيرِ تنوينٍ؛ لعلَّتين: إحداهما، أنها أشهرُ اللغاتِ فيها وأفصحُها عندَ العربِ (١).

والثانيةُ، أن حظَّ كلِّ ما لم يَكُنْ له معربٌ من الكلامِ السكونُ، فلما كان ذلك كذلك وكانت الفاءُ في "أف" حظُّها الوقوفُ، ثم لم يكنْ إلى ذلك سبيلٌ لاجتماعِ الساكنين فيه، وكان حكمُ الساكنِ إذا حُرِّك أن يحرَّكَ إلى الكسرِ، حُرِّكت إلى الكسرِ، كما قيل: مُدِّ وشُدِّ ورُدِّ البابَ.

وقولُه: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تَزْجُرْهما.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا واصلٌ الرَّقَاشيُّ، عن عطاءِ بن أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾.

قال: لا تَنْفُضْ يدَك على والديك (٢).

يقالُ منه: نَهَرَه يَنْهَرُه نَهْرًا، وانتَهَرَه ينتهِرُه انتهارًا.

وأما قولُه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقُلْ لهما قولًا جميلًا حسنًا.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

قال: أحسنَ ما تَجِدُ مِن القولِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ: ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

يقولُ: لا تَمْتَنِعْ من شيءٍ يُرِيدانه (١).

قال أبو جعفرٍ: وهذا الحديثُ خطأٌ، أعنى حديثَ هشامِ بن عُروةَ، إنما هو: (٢) هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه.

ليس فيه عمرُ.

كذلك (٣) حُدِّث عن ابن عُليةَ وغيرِه، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

أي: قولًا ليِّنًا سهلًا (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملةُ بنُ عمرانَ، عن أبي الهَدَّاجِ التُّجِيبيِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: كلُّ ما ذكَر اللَّهُ ﷿ في القرآنِ من برِّ الوالدين، فقد عرَفتُه، فقد عرَفتُه، إلا قولَه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

ما هذا القولُ الكريمُ؟

فقال ابن المسيَّبِ: قولُ العبدِ المذنبِ للسيِّد الفظِّ (٥).

الرَّحْمَةِ﴾.

قال: لا تَمتنعْ مِن شيءٍ أحَبَّاه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.

قال: هو أن لا تَمتنعَ مِن شيءٍ يُريدانِه.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُقرئُ أبو عبدِ الرحمنِ، عن حَرملةَ بن عِمرانَ، عن أبي الهدَّاجِ (١)، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيَّبِ: ما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؟

قال: ألمْ ترَ إلى قولِ العبدِ المُذنِبِ للسيدِ الفظِّ الغليظِ (٢).

والذُّلُّ - بضمِّ الذالِ - والذِّلَّةُ (٣) مصدران مِن الذليلِ، وذلك أن يَتذلَّلَ (٤) وليس بذليلٍ في الخِلقةِ، مِن قولِ القائلِ: قد ذَلَلتُ لك (٥) أَذِلُّ ذِلَّةً وذِلًّا.

وذلك نظيرُ القُلِّ والقِلَّةِ، إذا أُسقِطت الهاءُ ضُمت الذالُ من الذُّلِّ، والقافُ من القُلِّ، وإذا أُثْبِتت الهاءُ كُسِرت الذالُ من الذِّلةِ، والقافُ من القِلَّةِ، كما قال الأعشى (٦): * وَمَا كُنْتُ قُلًّا قبلَ ذلكَ أَزْيَبَا* يريد: القُلَّةَ.

وأما الذِّلُّ بكسرِ الذالِ وإسقاطِ الهاءِ فإنه مصدرٌ من الذَّلولِ مِن قولِهم: دابةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، وذلك إذا كانت لينةً غيرَ صعبةٍ (٧).

ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥].

يُجمعُ ذلك ذُلُلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩].

وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ ذلك أنه لا يَتوعَّرُ (١) عليها مكانٌ سلَكتْه.

واختَلفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ بضمِّ الذالِ على أنه مصدرٌ من الذَّليلِ.

وقرَأ ذلك سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: (جَناحَ الذُّلِّ) بكسرِ الذالِ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أسدٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخْفِضْ لَهُما جُناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ).

[قال: كُنْ لهما ذَليلًا، ولا تَكنْ لهما ذَلولًا] (٣).

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرَنى عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، قال: سمعتُ عاصمًا الجَحْدَرِيَّ يَقْرَأُ: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ).

قال: كُنْ لهما ذليلًا، ولا تكنْ لهما ذَلولًا (٥).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، عن عاصمٍ مثلَه.

قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله عاصمٌ كان يَنبغى أن تكونَ قراءتُه بضمِّ الذالِ لا بكسرِها.

وبكسرِها حدَّثنا نصرٌ وابنُ بشارٍ.

وحُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بِشرٍ جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ ابن جبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخفِضْ لَهُما جنَاحَ الذِّلِّ).

قال الفرَّاءُ: وحدَّثنى (١) الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، أنه قرَأها: (الذِّلِّ) أيضًا، قال (٢): فسألتُ أبا بكرٍ فقال: ﴿الذُّلِّ﴾ قرَأها عاصمٌ (٣).

وأما قولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

فإنه يقولُ: ادعُ اللَّهَ لوالديك بالرحمةِ، وقل: ربِّ ارحمْهما، وتَعَطَّفْ عليهما بمغفرتِك ورحمتِك، كما تَعَطَّفا عليَّ في صِغَري، فرحِماني وربَّياني صغيرًا، حتى اسْتَقْلَلَتُ بنفسي، واسْتَغْنيتُ عنهما.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ هكذا عُلِّمتُم، وبهذا أُمِرْتُم، خذوا تعليمَ اللهِ وأدبَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج [ذاتَ يومٍ] (٤) وهو مادٌّ يدَيْه رافعٌ صوتَه يقولُ: "مَن أَدْرَك والدَيْه أو أحدَهما ثمَّ دخَل النَّارَ بعدَ ذلكَ فَأَبْعَده اللهُ وأَسْحَقَه".

ولكن كانوا يرَوْن أنه من بَرَّ والديْه، وكان فيه أدنى تُقًى، فإن ذلك مُبْلِغُه جَسيمَ الخيرِ (٥).

وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: إِنَّ قولَ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

منسوخٌ بقولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ غيرَ (١) معنى النسخِ، بأن يكونَ تأويلُها على الخُصوصِ، فيكونَ معنى الكلامِ: وقل ربِّ ارحَمْهما [إذا كانا مؤمنَينِ] (٢)، كما رَبَّياني صغيرًا، فيكونَ مرادًا بها الخُصوصُ على ما قلنا غيرُ منسوخٍ منها شيءٌ.

وعَنَى بقولِه: ﴿رَبَّيَانِي﴾ نَمَّياني (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ مِن تعظيمِكم أمرَ آبائِكم وأمهاتِكم، وتَكرِمَتِهم، والبرِّ بهم، وما فيها من اعتقادِ الاستخفافِ بحقوقِهم، والعقوقِ لهم، وغيرِ ذلك مِن ضمائرِ صدورِكم، لا يخفى عليه شيءٌ مِن ذلك، وهو مُجازيكم على حَسَنِ ذلك وسيِّئِه، فاحذروا أن تُضمِروا لهم سوءًا، [وتعقِدوا] (٤) لهم عقوقًا.

وقولُه: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾.

يقولُ: إن أنتم أصلحْتُم نيَّاتِكم فيهم، وأطعْتُم الله فيما أمَركم من البرِّ بهم، والقيامِ بحقوقِهم عليكم، بعد هفوةٍ كانت منكم، أو [زَلَّةٍ في] (٥) واجبٍ لهم عليكم مع القيامِ بما ألزَمكم في غيرِ ذلك مِن فرائضِه، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ بعدَ الزَّلةِ، والتائبين بعدَ الهَفْوةِ غفورًا لهم.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ (١) ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي وعمِّى، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾.

قال: البادِرَةُ تكونُ مِن الرجلِ إلى أبويْه لا يريدُ بذلك إلا الخيرَ، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ (٢).

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَني أبي، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحَكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: هو الرجلُ تكونُ منه البادرةُ إلى أبَويه وفي نيتِه وقلبِه أنه لا يؤاخَذُ به.

واختلف أهل التأويلِ في تأويل قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، فقال بعضُهم: هم المُسبِّحون.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال (٣): ثنا أبو كُدَيْنَةَ، وحدَّثنى ابن سِنان القَزَّازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةً، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: المُسَبِّحين (١).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا أبو خَيْثَمَةَ زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرِو بن شُرحْبيلَ، قال: الأَوَّابُ: المسبِّحُ (٢).

وقال آخرون: هم المُطيعون المحسنون.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني على بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

يقولُ: للمُطِيعين المُحسنين (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: هم المُطيعون وأهلُ الصلاةِ (٤): حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: للمُطِيعين المُصلين (٥).

وقال آخرون: بل هم الذين يُصلُّون بين المغرب والعشاءِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، عن أبي صَخْرٍ حميدِ بن زيادٍ، عن ابن المُنكدرِ، يرفعُه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: "الصلاةُ بينَ المغربِ والعشاء" (١).

وقال آخرون: هم الذين يُصلُّون الضُّحَى.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرو بنُ عليٍّ، قال: ثنا رباح أبو سليمانَ الرَّقاءُ، قال: سمِعتُ عَونًا العُقيْليَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الذين يُصلون صلاةَ الضُّحَى (٢).

وقال آخرون: بل هو الراجِعُ من ذنبِه، التائبُ منه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمد بن الوليدِ القُرَشِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الذي يُصيبُ الذنْبَ ثم يتوبُ، ثم يُصِيبُ الذنبَ ثم يَتوبُ (٤).

حدَّثنا ابن المثَّنى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، عن شعبةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ] (١) بن المُسَيَّبِ، قال: هو الذي يُذنِبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يتوبُ، في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يُسألُ عن هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: هو الذي يُذنبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ بنحوِه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن سعيد بن المُسيَّبِ بنحوِه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: هو العبدُ يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يَتوبُ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعْتُ سعيدَ بنَ المُسيَّبِ يَقولُ، فذكَرَ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا الثَّوريُّ ومَعمرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: الأَوَّابُ: الذي يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الراجعين إلى الخيرِ (١).

حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ وأبو داودَ وهشامٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بن عُمَير: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الذي يَذكُرُ ذنوبه في الخلاء، فيستغفرُ الله منها (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن (٣).

الثوريِّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأوَّابُ: الذي يَذكرُ ذنوبَه في الخلاءِ فيستغفرُ اللَّهَ منها (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بن عُمَيرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الذي يذكرُ ذنبَه ثم يتوبُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الأوَّابون: الراجِعون التَّائبون (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال ابن جريج، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ: الرجلُ يذنِبُ ثم يتوبُ ثلاثًا (٢).

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

قال: الذي (٣) يتذكر ذنوبَه، فيستغفرُ الله لها (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ (٥) بنُ شُريحٍ، عن عقبةَ بن مسلمٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنه قال في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: يُذنبُ العبدُ ثم يتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه، ثم يُذنبُ فيتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه، ثم يُذنبُ الثالثةَ، فإن تاب تاب اللهُ عليه توبةً لا تُمْحَى (٦).

وقد رُوى عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ غيرُ القولِ الذي ذكَرنا عن مجاهدٍ (٧)، وهو ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مُسلمٍ، في [مالِك حقًّا] (١) سوى الزكاةِ.

ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.

قال: صلتَه التي تريدُ أن تَصِلَه بها، ما كنتَ تريد أن تَفعلَ إليه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.

قال: هو أن تَصِلَ ذا القرابةِ والمسكينَ وتُحسِنَ إلى ابن السبيلِ.

وقال آخرون: بل عنَى بذلك (٢) قرابةَ رسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصبَّاحُ بنُ يَحيى المُزَنيُّ (٣)، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشامِ: أقَرأتَ القرآنَ؟

قال: نعم.

قال: أفما قرَأت في "بني إسرائيلَ": ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؟

قال: وإنكم للقَرَابَةُ الذي (٤) أمَر اللهُ أن يُؤتَى حقَّه؟

قال: نعم (٥).

وأولى التأويلَين عندى بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّل ذلك أنه (٦) بمعنى وصيةِ اللهِ على قَطْعِ سفرِه.

وقيل: إنما عنَى بالأمرِ بإيتاءِ (١) ابن (٢) السبيل حقَّه أن يُضافَ ثلاثةَ أيامٍ.

والقولُ الأوَّل عندى أولَى بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَخْصُصْ من حقوقِه شيئًا دونَ شيءٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فذلك عامٌّ في كلِّ حقٍّ له أن يُعطاه؛ من [ضيافتِه أو حملِه أو معونتِه] (٣) على سَفرِه.

وقولُه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.

يقولُ: ولا تفرِّقْ يا محمدُ ما أعطاك اللهُ مِن مالٍ في معصيتِه تفريقًا.

وأصلُ التبذيرِ التفريقُ في السَّرَفِ.

ومنه قولُ الشاعرِ (٤): أُناسٌ أجارُونا فَكانَ جِوَارُهُمْ … أعاصِيرَ مِنْ فَسْوِ (٥) العِرَاقِ المُبَذَّرِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربي، قال: ثنا أبو الأخوص، عن أبي إسحاقَ، عن أبي العُبَيْدَينِ، قال: قال عبدُ اللهِ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.

قال: التبذيرُ في غيرِ الحقِّ، وهو الإسرافُ (٦).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن وتلقّاها بالكُفران.

كالذى حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾: إن المُنْفقِين في معاصى اللهِ ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُعرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء الذين أمَرْتُك أن تُؤتيَهم حقوقَهم إذا وجَدْتَ إليها السبيلَ، بوجهِكَ عندَ مسألتِهم إياك ما لا تجدُ إليه سبيلًا: حياءً منهم ورحمةً لهم (١)، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾.

يقولُ: انتظارَ رزقٍ (٢) تنتظِرُه من عندِ ربِّك، وترجو تَيسيرَ اللَّهِ إياه لك، فلا تُؤَيِّسْهم، ولكن ﴿قُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

يقولُ: ولكن عِدْهم وَعْدًا جميلًا، بأن تقولَ: سيرزُقُ اللهُ فأُعطِيكم (٣).

وما أشبهَ ذلك مِن القولِ الليِّنِ غيرِ الغليظِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠].

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾.

قال: انتظارَ الرزقِ، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

قال: ليِّنًا، تَعِدُهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾.

قال: رزقٍ، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) [الزخرف: ٣٢].

حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾.

قال: انتظارَ رزقٍ من اللَّهِ يأتِيك.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾.

قال: إن سَأَلوك فلم يَجِدُوا عندك ما تُعطيهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾.

قال: رزقٍ تَنْتَظِرُه، تَرْجُوه، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

قال: عِدهم عِدَةً حسنةً: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعَلنا، أعطَيْناكم.

فهو القولُ الميسورُ (٣).

قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: إن سألوك فلم يكنْ عندَك ما تُعطِيهم، فأعرَضتَ عنهم ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾.

قال: رزقٍ تَنتَظِرُهُ (٤)، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾.

قال: انتظارَ رزق الله (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن عبيدة في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾.

قال: ابتغاءَ الرزقِ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ قال (٢): رزقٍ تَنتَظِرُه، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

قال (٣): معروفًا.

حدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

قال: عِدْهم خيرًا.

وقال الحسنُ: قُل لهم قولًا (٤) ليِّنًا سهلًا (٥).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾.

يقولُ: لا تَجِدُ شيئًا تُعْطِيهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾.

يقولُ: انتظارَ الرزقِ من ربِّك.

نزَلتْ في مَن كان يَسأَلُ النبيَّ ﷺ من المساكينِ (٦).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثني عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.

قال: الرفقُ.

يكونَ أراد توجيهَ ذلك إلى أن نبيَّ اللهِ ما أُمر بمنعِهم ما سألوه، ليُنِيبُوا من معاصى الله، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه، فيكون ذلك وجها يَحْتَمِلُه (٦) تأويلُ الآيةِ، وإن كان لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالِفًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾.

وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى للمُمتنعِ من الإنفاقِ في الحقوقِ التي أوجَبها اللهُ في أموالِ ذوى الأموالِ، فجعَله [كالمَشدودةِ يدُه] (١) إلى عنقِه، الذي لا يَقْدِرُ على الأخذِ بها والإعطاءِ.

وإنما معنى الكلامِ: ولا تُمْسِك يا محمدُ يدَك بُخْلًا عن النفقةِ في حقوقِ اللَّهِ، فلا تُنْفِقُ فيها شيئًا إمساكَ المغلولةِ يدُه إلى عنقِه الذي لا يَستطِيعُ بسطَها، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾.

يقولُ: ولا تَبْسُطْها بالعطيةِ كلَّ البسطِ، فتَبقَى لا شيءَ عندَك، ولا تَجِدُ، إذا سُئلت، شيئًا تُعْطِيه سائلَك، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.

يقولُ: فتَقْعُدَ يلومُك (٢) سائلوك إذا لم تُعْطِهم حينَ سأَلوك، وتلومُك نفسُك على الإسراعِ في مالكِ وذَهابِه، ﴿مَحْسُورًا﴾.

يقولُ: مُعْيًى (٣)، قد انقُطِع بك، لا شيءَ عندَك لنفقةٍ.

وأصلُه - يُرى (٤) - من قولهم للدابةِ التي قد سِير عليها حتى انقَطَع سيرُها وكلَّتْ ورَزَحتْ من السيرِ -: دابةٌ (٥) حَسيرٌ.

يقالُ منه: حسَرْتُ الدابةَ، فأنا الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.

يقولُ: هذا في النفقةِ، يقولُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.

يقولُ: لا تبسُطْها بخيرٍ (١)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: يعنى التبذيرَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾.

يقولُ: يلومُ نفسَه على ما فات من مالِه، ﴿مَحْسُورًا﴾.

يعني: ذهَب مالُه كلُّه فهو محسورٌ (٢).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يعنى بذلك البخلَ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.

أي: لا تُمْسِكْها عن طاعةِ اللهِ، ولا عن حقِّه، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾.

يقولُ: لا تُنْفِقْها في معصيةِ اللهِ، و (٤) فيما لا (٥) يَصْلُحُ (٦)، ولا يَنْبَغِى لك، وهو الإسرافُ.

قولَه: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.

قال: ملومًا (٧) في عبادِ اللهِ، محسورًا على ما سلَف من دهرِه وفرَط.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.

قال: في النفقةِ.

يقولُ: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ (٨)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾.

يقولُ: لا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ يا محمدُ إلى أمرِنا فيما أمَرناك ونهيناك، من بسطِ يدِك فيما تَبْسُطُها فيه، وفي مَن تَبْسُطُها له، وفى (١) كفِّها عمَّن تَكُفُّها عنه، وتَكُفُّها فيه، فنحن أعلمُ بمصالح العبادِ منك ومن جميعِ الخلقِ، وأبصرُ بتدبيرِهم.

كالذي حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ثم أخبَرنا ﵎ كيفَ يصْنَعُ، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾.

قال: يَقْدِرْ: يُقلُّ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ "يَقْدِرُ" كذلك.

قال: ثم أخبرَ عبادَه أنه لا يرزَؤُه ولا يئُوده أن لو بَسَط عليهم، ولكن نظرًا لهم منه، فقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].

قال: والعربُ إذا كان الخِصْبُ وبُسِط عليهم أَشِروا (٢)، وقتَل بعضُهم بعضًا، وجاء الفسادُ، فإذا كان السَّنَةُ (٣) شُغِلوا عن ذلك (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقَضَى ربُّك يا محمدُ ألَّا تعبُدوا إلا إياه، وبالوالِدَين إحسانًا، فموضعُ ﴿تَقْتُلُوا﴾ نَصْبٌ (٥) عطفًا على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾.

ويعنى بقولِه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوفَ [افتِقارٍ ونقْصٍ] (٦).

وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى، وذكَرنا الروايةَ فيه (١).

وإنما قال جلَّ ثناؤُه ذلك للعربِ؛ لأنهم كانوا يقتُلون الإناثُ من أولادِهم خوفَ العَيْلةِ على أنفسِهم بالإنفاقِ عليهن.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾.

أي: خشيةَ الفاقةِ، و (٢) كان أهلُ الجاهليةِ يقتُلون أولادَهم خشيةَ الفاقةِ، فوعَظهم اللهُ في ذلك، وأخبَرهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللهِ، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٣).

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾.

قال: كانوا يقتُلون البناتِ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾.

قال: الفاقةُ والفقرُ (٥).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾.

يقولُ: الفقرُ (٦).

وأما قولُه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.

فإن القَرأةَ اختلَفت في قراءتِه؛ فقرَأتْه عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ بكسر الخاءِ من الخَطْأِ وسكونِ الطاءِ (١).

وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ اسمًا من قول القائلِ: خَطِئتُ فأنا فأنا أَخْطَأُ خَطْأً (٢)، بمعنى: أذنبتُ وأثِمْتُ، ويُحكى عن العرب: خَطِئتُ: إذا أذنبتَ عمدًا، وأخطأتُ: إذا وقَع منك الذنب (٣) على غيرِ عمدٍ منك له.

والثاني: أن يكونَ بمعنى "خَطَأ" بفتحِ الخاءِ والطاءِ، ثم كُسِرت الخاء وسُكِّنت الطاءُ، كما قيل: قِتْبٌ وقَتَبٌ، وحِذْرٌ وحَذَرٌ، ونِجْسٌ ونَجَسٌ (٤).

والخِطْءُ بالكسرِ اسمٌ، والخَطَأُ بفتح الخاءِ والطاءِ مصدرٌ من قولِهم: خَطِئ الرجلُ.

وقد يكونُ اسمًا من قولِهم: أَخْطَأَ.

فأما المصدرُ منه فالإخطاءُ.

وقد قيل: خَطِئ.

بمعنى أخطَأ، كما قال الشاعرُ (٥): يا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا (٦) بمعنى: أخطَأنَ.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل المدينة: (إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَأً) بفتح الحَاءِ والطاءِ مقصورًا (٧) على توجيهِه إلى أنه اسمٌ، من قولِهم: أخطَأ فلانٌ خَطَأً.

وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ: (إنَّ قَتَلَهُمْ كان خَطَاءً) بفتحِ الخاءِ والطاءِ ومدِّ الخَطَاءِ، بنحوِ معنى مَن قرَأه خَطَأً بفتحِ الخاءِ والطاءِ، غيرَ أنه يُخالِفُه في مدِّ الحرفِ (١).

وكان عامةُ (٢) أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ الكوفة وبعضِ البصريين منهم يرَوْن أن الخِطْءَ والخَطَأَ بمعنًى واحدٍ، إلا أن بعضَهم زعَم أن الخِطْءَ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في القراءةِ أكثرُ، وأن الخَطَأَ بفتحِ الخاءِ والطاءِ في كلامِ الناسِ أفشَى (٣)، وأنه لم يُسْمَعِ الخِطْءُ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في شيءٍ من كلامِهم وأشعارِهم، إلا في بيتٍ أنشَده لبعضِ الشعراءِ (٤): الخطْءُ فاحِشَةٌ والبِرُّ نافِلَةٌ (٥) … كعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فِي الْأَرْضِ تُؤْتَبَرُ (٦) وقد ذكَرتُ الفرقَ بيَن الخِطْءِ بكسرِ الخاءِ وسكون الطاءِ وفتحِهما.

وأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القراءةُ التي عليها قرَأةُ أهل العراقِ وعامةُ أهلِ الحجازِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها، وشذوذِ ما عداها (٧).

وإن معنى ذلك: كان إثمًا وخطيئةً، لا خَطَأً من الفعلِ؛ لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدًا لا خطَأً، وعلى عمدِهم ذلك عاتَبهم ربُّهم، وتقدَّم إليهم بالنهى عنه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خِطْئًا كَبِيرًا﴾.

قال (١): خطيئةً (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.

قال: خطيئةً.

قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: ﴿خِطْئًا﴾: خطيئةً (٣).

القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أيضًا ألَّا تَقْرَبُوا أيها الناسُ الزنى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.

[يقولُ: إن الزِّنى كان فاحشةً] (٤)، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.

يقولُ: وساءَ طريقُ الزِّنى طريقًا؛ لأنه طريق أهلِ معصيةِ اللهِ، [والمخالفينِ] (٥) أمرَه، فأَسْوِئ به طريقًا يُورِدُ صاحبَه نارَ جَهَنَّمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقضَى أيضًا ألَّا تقتُلوا، أيُّها الناسُ، النفسَ التي حرَّم اللهُ قتلَها إلا بالحقِّ.

وحقُّها أن لا تُقتَلَ إلا بكفرٍ بعد إسلامٍ، أو زنًى بعد إحصانٍ، أو قودٍ بنفس؛ وإن كانت كافرةً لم يتقدَّمْ كفرَها إسلامٌ، فأن لا يكونَ تقدَّم قَتْلَها لها عهدٌ وأمانٌ.

كما حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: وإنا والله ما نعلَمُ يَحِلُّ (١) دمُ امرِئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ إلا رجلًا قتل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ، أو زَنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ، أو كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ - [أو غيره] (٢) قال: قيل لأبي بكرٍ: أتَقتُلُ مَن يرَى ألَّا يُؤَدَّيَ الزكاةَ؟!

قال: لو منَعونى شيئًا مما أَقَرُّوا به لرسولِ اللهِ ﷺ لقاتَلْتُم.

فقيل لأبي بكرٍ: أليس قال رسولُ اللهِ ﷺ: "أُمِرتُ أن أُقاتِل الناسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ.

فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم [وأموالهم] (٣) إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ"؟

فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها (٤).

حدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا عمرُو بن هاشمٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حيانَ عن حميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "أُمرتُ أن أُقاتِل الناسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ.

فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللهِ".

قيل: وما حقُّها؟

قال: "زنًى بعد إحصانٍ، وكفْرٌ بعدَ إيمانٍ، وقتْلُ نفس فيُقْتَلُ بها" (١).

وقولُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾.

يقولُ: ومَن قُتِل بغيرِ المعاني التي ذكَرنا أنه إذا قُتِل بها كان قَتْلًا بحقٍّ، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾.

يقولُ: فقد جعَلنا لوليِّ المقتولِ ظُلْمًا سلطانًا على قاتلِ وليِّه، فإن شاء استَقاد منه فقَتَله بوليِّه، وإن شاء عفَا عنه، وإن شاء أخَذ الدِّيَةَ.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى السلطانِ الذي جُعِل لوليِّ المقتولِ؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قُلْنا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾.

قال: بيِّنةً من اللهِ ﷿ أَنزَلها، يَطْلُبُها وليُّ المقتولِ؛ العَقْلَ (٢) أو القَوَدَ، وذلك السلطانُ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ في قولِه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾.

قال: إن شاء عفَا، وإن شاء أخَذ الدِّية (٤).

وقال آخرون: بل ذلك السلطانُ هو القتلُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: وهو القَوَدُ الذي جعَله اللهُ تعالى (١).

وأولى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: أن السلطانَ الذي ذكَر اللهُ تعالى في هذا الموضعِ ما قاله ابن عباسٍ، من أن لوليِّ القتيلِ القتلَ إن شاء، وإن شاء أخَذ الديةَ، وإن شاء العفوَ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال يومَ فتحِ مكةَ: "ألا ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَيْن؛ بين أن يَقتُلَ أو يَأخُذَ الدية" (٢).

وقد بيَّنا الحكمَ في ذلك في كتابِنا "كتابِ الجِراحِ".

وقولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (فَلا تُسْرِفْ) بمعنى الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ (٣)، والمرادُ به هو والأئمةُ مِن بعدِه.

يقولُ: فلا تَقْتُلْ بالمقتولِ ظُلْمًا غيرَ قاتلِه، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يفعَلون ذلك؛ إذا قتَل رجلٌ رجلًا عمَد وليُّ القتيلِ إلى الشَّريفِ من قبيلةِ القاتلِ فقتَله بوليِّه وترَك القاتلِ، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك عبادَه، وقال لرسولِه ﵊: قتلُ غيرِ القاتلِ بالمقتولِ معصيةٌ وسَرَفٌ، فلا تَقْتُلْ به غيرَ قاتلِه، وإن قتَلتَ القاتلَ بالمقتولِ فلا تُمَثِّلْ به.

وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿فَلَا تُمثِّلْ (١) به (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن طَلْقٍ بن حَبيبٍ بنحوِه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حُصَيْفٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

قال: لا تَقْتلِ اثنيْن بواحدٍ (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ قال (٤): كان هذا بمكةَ ونبيُّ اللهِ ﷺ، وهو أولُ شيءٍ نزَل من القرآنِ في شأنِ القتلِ.

كان المشركون [من أهلِ مكةِ] (٥) يَغتالون أصحابَ النبيِّ ﷺ، فقال اللهُ ﵎: مَن قتَلكم من المشركين، فلا يَحْمِلنَّكم قَتْلُه إياكم على أن تَقْتُلوا له أبًا أو أخًا أو أحدًا من عشيرتِه وإن كانوا مشركين، فلا تَقْتُلوا إلا قاتِلكم.

وهذا قبلَ أن تَنزِل "براءةُ"، وقبلَ أن يُؤمَروا بقتالِ المشركين، فذلك قولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

يقولُ: لا تَقتُلْ غير قاتلِك، وهى اليومَ على ذلك الموضعِ من المسلمين، لا يَحِلُّ لهم أن يَقتُلوا إلا قاتلَهم (٦).

ذكرُ مَن قال: عُنى به وليُّ المقتولِ حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾.

قال: كان الرجلُ يُقتل فيقولُ وليُّه: لا أرضَى حتى أقتُلَ به فلانًا وفلانًا من أشرافِ قبيلتِه (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

قال: لا تَقتُلْ غيرَ قاتلِك، ولا تُمثِّلْ به (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

[قال: لا] (٣) يَقتُلْ غيرَ قاتلِه؛ مَن قَتَل بحديدةٍ قُتل بحديدةٍ، ومَن قَتَل بخَشَبةٍ قُتِل بخشبةٍ، ومن قتَل بحَجَرٍ قُتِل بحجرٍ.

ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "إن من أعتَى الناسِ على اللهِ جلَّ ثناؤُه ثلاثةً؛ رجلٌ قتَل غيرَ قاتلِه، أو قتَل بذَحْلِ (٤) الجاهليةِ، أو قتَل في حرمِ الله" (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال (٦): سمِعتُه - يعنى ابنَ زيدٍ - يقولُ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾.

قال: إن العربَ كانت إذا قُتِل منهم قتيلٌ، لم يَرْضَوْا أن يَقتُلوا قاتلَ صاحبِهم حتى يَقتُلوا أشرفَ مِن الذي قتَله، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾.

يَنصُرُه ويَنْتَصِفُ مِن حقِّه، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: يَقْتُلْ بريئًا (١).

ذكرُ مَن قال: عُنِي به القاتل حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ [بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ] (٢): ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.

قال: لا يُسْرِفِ القاتلُ في القتلِ (٣).

وقد ذكَرنا الصوابَ من القراءةِ في ذلك عندَنا، وإنْ (٤) كان كِلَا وَجْهى القراءةِ عندَنا صوابًا، فكذلك جميعُ أوجهِ تأويلِه التي ذكَرناها غيرُ خارجٍ وجهٌ منها من الصوابِ؛ لاحتمالِ الكلامِ ذلك، وإِنَّ في نهيِ اللهِ جلَّ ثناؤُه بعضَ خلقِه عن الإسرافِ في القتلِ، نهيًا منه جميعَهم عنه.

وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.

فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في مَن عُنى بالهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾.

وعلامَ هي عائدةٌ، فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على وليِّ المقتولِ، وهو المعنيُّ بها، وهو المنصورُ على القاتلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.

قال: هو دفعُ الإمامِ إليه - يعنى إلى الوليِّ - فإن شاء قتَل، وإن شاء عفا.

وقال آخرون: بل عُنى بها المقتولُ.

فعلى هذا القولِ هي عائدةٌ على "مَن" في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: إن المقتولَ كان منصورًا (١).

وقال آخرون: عُنى بها دمُ المقتولِ.

وقالوا: معنى الكلامِ: إن دمَ القتيلِ كان منصورًا على القاتل.

وأشبهُ ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: عُنِى بها (٢) الوليُّ وعليه عادَتْ؛ لأنه هو المظلومُ ووليُّه المقتولِ، وهى إلى ذكرِه أقربُ (٣) من ذكرِ المقتولِ، وهو المنصورُ أيضًا؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قضَى في كتابه المنَزَّلِ، أن سلَّطه على قاتلِ وليِّه، وحكَّمَه فيه؛ بأن جعَل إليه قتلَه إن شاء، واستبقاءَه على الديةِ إن أحبَّ، والعفوَ عنه إن رأَى، وكفَى بذلك نُصرةً [له من اللهِ] (٤)، فلذلك قلنا: هو المعنيُّ بالهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أيضًا أن لا تقرَبُوا مالَ اليتيمِ بأكلٍ، إسرافًا وبدَارًا أن يَكْبَروا، ولكن اقرَبُوه بالفَعْلةِ التي هي أحسنُ، والخَلَّةِ التي هي أجملُ، وذلك أن تَتَصَرَّفوا فيه له بالتثميرِ والإصلاحِ والحَيْطةِ.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ، اشتدَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فكانوا لا يُخالِطُونهم في طعامٍ أو أكلٍ ولا غيرِه، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].

فكانت هذه لهم فيها رُخصةً (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

قال: كانوا لا يُخالِطُونهم في مالٍ ولا مأكلٍ ولا مَرْكَبٍ، حتى نزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٢).

وقال ابن زيدٍ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

قال: الأكلُ بالمعروفِ، أن تأكُلَ معه إذا احْتَجتَ إليه.

كان أَبيٌّ يقولُ ذلك.

وقولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾.

يقولُ: حتى يَبْلُغَ وقت اشتدادِه في العقلِ، وتدبيرِ مالِه، وصلاحِ حالِه في دينِه.

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾.

يقولُ: وأَوْفُوا بالعَقدِ الذي تُعاقِدُون الناسَ في الصلحِ بينَ أهلِ الحربِ والإسلامِ، وفيما بينَكم أيضًا، والبيوعِ والأشربةِ والإجاراتِ، وغيرِ ذلك العقودِ؛ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ يقولُ: إن الله سائلٌ ناقضَ العهدِ عن نقضِه إيَّاه.

يقولُ: فلا تَنْقُضُوا العهودَ الجائزةَ بينَكم وبينَ من عاهَدْتُموه أيها الناسُ فَتَخْفِرُوه، وتَغْدِرُوا بَمَن أعطيتُموه ذلك.

وإنما عنَى بذلك أن العهدَ كان مطلوبًا؛ يقال في الكلامِ: ليُسْتَلَنَّ فلانٌ عهدَ فلانٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أن أوفوا الكيلَ للناسِ إذا كلتم لهم حقوقَهم قِبَلَكم، ولا تبخَشُوهم، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [يقولُ: وقضَى أَن زِنُوا أيضًا إذا وزَنتُم لهم بالميزانِ المستقيمِ] (١)؛ وهو العدلُ الذي لا اعوجاجَ فيه، ولا دَغَلَ (٢)، ولا خديعةَ.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القسطاسِ؛ فقال بعضُهم: هو القَبَّانُ (٣).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا الحسنُ بنُ ذكوانَ، عن الحسنِ: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.

قال: القَبَّانُ (٤).

وقال آخرون: هو العدلُ بالروميةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: القِسطاسُ: العدلُ بالروميةِ (١).

وقال آخرون: هو الميزانُ صَغُر أو كَبُر.

وفيه لغتان: القِسطاسُ بكسر القافِ، والقُسطاسُ بضمِّها، مثل القِرطاسِ والقُرطاسِ.

وبالكسرِ يقرَأُ عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ، وبالضمِّ يقرأُ عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وقد قرَأ به أيضًا بعضُ قرأةِ الكوفيين (٢)، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لأنهما لغتان مشهورتان، وقراءتان مستفيضتان في قرَأةِ الأمصارِ.

وقولُه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.

يقولُ: إيفاؤُكم أيها الناسُ مَن تكِيلون له الكيلَ، ووزنُكم بالعدلِ لمَن تُوفون (٣) له خيرٌ لكم من بَخْسِكم إيَّاهم ذلك، وظُلمِكموهم فيه.

وقولُه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.

يقولُ: وأحسنُ مَرْدُودًا عليكم، وأولى إليه فيه فِعْلُكم ذلك؛ لأن اللهُ ﵎ يَرْضَى بذلك عليكم، فيُحْسِنُ لكم عليه الجزاءَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: خيرٌ ثوابًا وعاقبةٌ.

وأُخْبِرْنَا أن (١) ابن عباسٍ كان يقولُ: يا معشرَ الموالى، إنكم وَلِيتُم أمرين (٢) بهما هلَك الناسُ قبلكم؛ هذا المكيالَ، وهذا الميزانَ.

قال: وذكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "لا يَقدِرُ رجلٌ على حرامٍ ثم يَدَعُه، ليس به إلا مخافةُ اللهِ، إلا أبدَله اللهُ في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخرةِ ما هو خيرٌ له من ذلك" (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.

قال: عاقبةً وثوابًا (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا تَقُلْ ما ليس لك به علمٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بن داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

يقولُ: لا تَقُلْ (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: لا تَقُلْ: رأيتُ (١) ولم تَرَ (٢)، و: سمِعتُ ولم تَسمَعْ؛ فإن الله سائلُك عن ذلك كلِّه (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

قال: لا تَقُلْ: رأيتُ ولم تَرَ، و: سمِعتُ ولم تَسمعْ، و: علمتُ ولم تَعْلَمْ (٤).

حُدِّثتُ عن محمدِ بن ربيعةَ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن أبي عمرِ البزَّارِ، عن ابن الحَنَفِيَّةِ، قال: شهادةُ الزورِ (٥).

وقال آخرون: بل معناه: ولا تَرْمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

يقولُ: لا تَرْمِ أحدًا بما ليس لك به علمٌ (٦).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: ولا تَرْمِ (١).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وهذان التأويلان متقاربا المعنى؛ لأن القولَ بما لا يَعلَمُه القائلُ يدخُلُ فيه شهادةُ الزورِ، ورمىُ الناسِ بالباطلِ، وادعاءُ سماعِ ما لم يَسْمَعْه ورؤيةِ ما لم يَرَهُ.

وأَصلُ القَفْوِ: العَضَهُ والبَهْتُ.

ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "نحن بنو النضرِ بن كنانةَ لا نَقْفُو أُمَّنا، ولا نَنْتَفى من أَبِينا" (٢).

وكان بعضُ البصريين يُنْشِدُ في ذلك بيتًا (٣).

وَمِثْلُ الدُّمَى شُمُّ العَرَانِينِ (٤) ساكنٌ … بهِنَّ الحَيَاءُ لا يُشِعْنَ التَّقافيا يعنى بالتقافي: التقاذفُ.

ويُزعم أن معنى قولِه: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: لا تَتَّبعْ ما لا تعلَمُ ولا يَعْنِيك.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفةِ يَزْعُمُ أن أصلَه القيافةُ، وهى اتِّباعُ الأثرِ (٥)، وإذ (٦) كان كما ذكَروا وجَب أن تكونَ القراءةُ: (وَلا تَقُفْ) (٧) بضمِّ القافِ وسكونِ الفاءِ، مثل: ولا تَقُلْ.

قال: والعربُ تقولُ: قفوتُ أَثَرَه، وقُفْتُ (١) أَثَرَه.

فتُقَدِّمُ أحيانًا الواوَ على الفاءِ (٢)، وتُؤَخِّرُها أحيانًا بعدَها، كما قيل: قاعَ الجملُ الناقةَ - إذا ركبها - وقَعَا.

وعاث وعَثى.

وأنشَد سماعًا من العربِ (٣): ولَوْ أنى [رَمَيْتُكَ مِنْ قَرِيبٍ] (٤) … لعاقَكَ مِنْ دُعاءِ الذِّئْبِ (٥) عاقِى (٦) يعني: عائقٌ.

ونظائرُ هذا كثيرةٌ في كلامِ العربِ.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا تَقُلْ للناسِ وفيهم ما لا علمَ لك به، فتَرْمِيهم بالباطلِ، وتَشْهَدَ عليهم بغيرِ الحقِّ، فذلك هو القَفْوُ.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لأن ذلك هو الغالبُ من استعمالِ العربِ القفوَ فيه.

وأما قولُه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.

فإن معناه: إن اللَّهَ سائلٌ هذه الأعضاءَ عما قال صاحبُها؛ من أنه سمِع أو أبصَر أو علِم، تَشْهَدُ عليه جوارحُه عند ذلك بالحقِّ.

وقال: ﴿أُولَئِكَ﴾.

ولم يَقُلْ (٧): "تلك".

كما قال الشاعرُ (٨): ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى … والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ (٩) وإنما قيل: أولئك؛ لأن "أولئك" و "هؤلاء" للجمعِ القليلِ الذي يَقعُ للتذكيرِ والتأنيثِ، و "هذه" و "تلك" للجمع الكثير، فالتذكير للقليل [من [بابِ إن] (١)] (٢) كان (٣) التذكيرُ في الأسماءِ قبلَ التأنيثِ (٤) [لك التذكيرُ للجمع الأوَّلِ] (٥)، والتأنيتُ للجمعِ الثاني، وهو الجمعُ الكثيرُ؛ لأن العربَ تجعَلُ الجمع على مثالِ الأسماءِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تمشِ في الأرضَ مُخْتَالًا مُسْتَكْبِرًا، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.

يقولُ: إنك لن تَقطَعَ الأرضَ باخْتيالِك، كما قال رُؤْبة (٦): * وقاتِمِ (٧) الأعماقِ خاوِى المُخْتَرَقْ * يعنى بالمُخْتَرَقِ: المُقَطَّعُ.

﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.

[يقولُ: ولن تساوىَ الجبالَ طُولًا] (٨) بفخرِك وكِبْرِك.

وإنما هذا نهيٌ من اللَّهِ عبادَه عن الكِبْرِ والفخرِ والخُيَلاءِ، وتَقدَّم منه إليهم فيه معرِّفُهم بذلك أنهم لا يَنالُون بكبرِهم وفِخَارِهم شيئًا يَقْصُرُ عنه غيرُهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.

يعنى: بكِبْرِك ومرَحِك.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.

قال: لا تَمْشِ في الأرضِ فَخْرًا وَكِبْرًا، فإِن ذلك لا يَبْلُغُ بك الجبالَ، ولا تَخْرِقِ الأَرضَ بكِبْرِك وفَخْرِك (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.

قال: لا تَفْخَرُ.

وقيل: ولا تمش مرحًا.

ولم يقل: مَرِحًا؛ لأنه لم يُرِدْ بالكلام: لا تَكُنْ مرِحًا.

فيَجعَلَه من نعتِ الماشِي، وإنما أُرِيدَ: لا تَمْرَحْ فِي الأَرضِ مَرَحًا، ففسَّر بالمَرَحِ (٢) المعنى المرادَ من قولِه: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾، كما قال الراجزُ (٣): يُعْجِبُهُ السَّخُونُ (١) والعَصِيدُ (٢) … والتَّمْرُ حُبًّا ما لَهُ مَزيدُ فقال: حُبًّا؛ لأن في قولِه: يُعْجِبُه.

معنى يُحِبُّ.

فأخرج قوله: حُبًّا.

من معناه دونَ لفظِه.

وقولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.

فإن القرأةَ اختلَفت فيه، فقرَأه بعضُ قرَأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ على الإضافةِ (٣) بمعنى: كلُّ هذا الذي ذكَرنا من هذه الأمورِ التي عدَّدْنَا من مُبْتدأِ قولِنا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

إلى قولنا: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.

﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾.

يقولُ: سيئُ ما عدَّدْنا عليك عندَ ربِّك مكروهًا.

وقال قارئو هذه القراءةِ: إنما قيل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ بالإضافة؛ لأن فيما عدَّدْنا من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

أمورًا، هي أمرٌ بالجميل، كقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

وقولُه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.

وما أشبَه ذلك.

قالوا: فليس كلُّ ما فيه نهيًا عن سيئةٍ، بل فيه نهىٌ عن سيئةٍ، وأمرٌ بحسناتٍ، فلذلك قرَأنا: ﴿سَيِّئُهُ﴾.

وقرأ عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئَةً) (٤).

وقالوا: إنما عَنى بذلك: كلُّ ما عدَّدْنا من قولِنا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾.

ولم يَدخُل فيه ما قبلَ ذلك.

قالوا: وكلُّ ما عدَّدْنا من ذلك الموضعِ إلى هذا الموضع سيئةٌ لا حسنةَ فيه، فالصوابُ قراءتُه بالتنوينِ.

ومن قرَأ هذه القراءةَ، فإنه يَنبغِي أن يكونَ من نيتِه أن يكونَ المكروهُ مقدَّمًا على السيئةِ، وأن يكونَ معنى الكلامِ عندَه: كلُّ ذلك كان مكروهًا سيئةً؛ لأنه إن جعل قوله: "مكروهًا" بعدَ (١) السيئةِ من نعتِ السيئةِ، لزِمه أن تكونَ القراءةُ: (كلُّ ذلك كان سيئةً عندَ ربِّك مكروهةً)، وذلك خلافُ ما في مصاحفِ المسلمين.

وأولى القراءتين عندى في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾.

على إضافةِ السيئ إلى الهاءِ، بمعنى: كلُّ ذلك الذي عدَّدْنَا من ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ … ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾؛ لأن في ذلك أمورًا منهيًّا عنها، وأمورًا مأمورًا بها، وابتداءُ الوصيةِ والعهدِ من ذلك الموضعِ دونَ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.

إنما هو عطفٌ على ما تقدَّم من قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فإذ (٢) كان ذلك كذلك فقراءتُه بإضافةِ السيئِ إلى الهاء أولى وأحقُّ من قراءتِه (سيئةً) بالتنوينِ، بمعنى السيئةِ الواحدةِ.

فتأويلُ الكلام إذنْ: كلُّ هذا الذي ذكَرنا لك من الأمورِ التي عدَّدناها عليك كان سيئُه (٣) مكروهًا عندَ ربِّك يا محمدُ، يكْرَهُه ويَنْهَى عنه ولا يَرْضَاه، فاتَّقِ مواقعتَه والعَمَلَ به.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي بيَّنا لك يا محمدُ من الأخلاقِ (١) التي أمَرناك بجميلِها، ونهيناك عن قبيحها، ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾.

يقولُ: من الحكمةِ التي أوحَيْناها إليك في كتابِنا هذا.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾.

قال: القرآنُ.

وقد بيَّنا معنى الحكمةِ فيما مضَى من كتابِنا هذا، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).

﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.

يقولُ: ولا تجعَلْ مع اللَّهِ شريكًا في عبادتِك، ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾: تَلُومُك نفسُك وعارفوك من الناسِ، ﴿مَدْحُورًا﴾.

يقولُ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا في النار، ولكن أَخْلِص العبادةَ للَّهِ الواحدِ القهارِ، فتنجوَ من عذابِه.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بن داود، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.

يقولُ: مطرودًا (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.

قال: ملومًا في عبادةِ اللَّهِ، مدحورًا في النارِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للذين قالوا من مُشركي العربِ: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾.

يقولُ: أَفَخَصَّكم ربُّكم بالذكورِ من الأولادِ، ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ وأنتم لا تَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِكم، بل تَئِدُونهن، وتَقتُلونهن، فجعَلتُم للَّهِ ما لا تَرْضَوْنه لأنفسِكم، ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفِرْيَةِ على اللَّهِ ما ذكَرنا: إنكم أيها الناسُ لتقولون بقيلِكم: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، قولًا عظيمًا، وتفترون على اللَّهِ فِريةٌ منكم.

وكان قتادة يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾.

قال: قالت اليهودُ: الملائكةُ بناتُ الجنِّ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ لهؤلاء المشركين المفترِين على اللَّهِ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ العِبَرَ والآياتِ والحججَ، وضرَبنا لهم فيه الأمثالَ، وحذَّرناهم فيه وأنذرناهم ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾.

يقولُ: ليتذكَّروا تلك الحججَ عليهم، فيعقِلوا خطأَ ما هم عليه مُقيمونَ، ويَعْتبروا بالعِبَرِ، فيتَّعظُوا بها، ويُنبيوا من جهالتِهم فما يَعتَبرون بها، ولا يتذكَّرون بما يرِدُ عليهم من الآياتِ والنُّذُرِ، وما يزَيدُهم تذكيرُنا إيَّاهم ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾.

يقولُ: إِلا ذَهَابًا عن الحقِّ، وبُعدًا مِنه وهَرَبًا.

والنُّفورُ في هذا الموضعِ مصدرٌ من قولِهم: نفَر فلانٌ من هذا الأمرِ ينفِرُ منه نفْرًا ونُفُورًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قُل يا محمدُ لهؤلاء المشركينَ الذين جعَلوا مع اللَّهِ إلهًا آخرَ: لو كان الأمرُ كما تقولون، من أنَّ معه آلهةً، وليس ذلك كما تقولون، إذنْ لابتغتْ تلك الآلهةُ القرْبةَ من اللَّهِ ذى العرشِ العظيمِ، والتمسَت الزُّلْفَةَ إليه، والمرتبةَ منه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.

يقولُ: لو كان معه آلهةٌ إذنْ لعرَفُوا له فضلَه ومرتبتَه ومنزلتَه عليهم، فابتغَوا ما يقرِّبُهم إليهِ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.

قال: لابتغَوا القُربَ إليه، مع أنَّه ليس كما يقولون (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.

وهذا تنزيهٌ منَ اللَّهِ تعالى ذكرُه نفسَه عما وصَفه به المشركون، الجاعِلون معه آلهةً غيرَه، المُضيفون إليه البناتِ، فقال: تنزيهًا للَّهِ وعلوًّا له عما تقولون (١)، أيُّها القومُ، عليه من الفِريةِ والكذِبِ، فإنَّ ما تُضيفون إليه من هذه الأمورِ ليس من صفتِه، ولا ينبغى أن يكونَ له صفةً.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: يُسبِّحُ نفسه إذ قيلَ عليه البهتانُ: وقال تعالى: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾.

ولم يقُلْ: تعاليًا، كما قال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].

كما قال الشاعرُ (٢): أنْتَ الفِداءُ لكَعْبةٍ هَدَّمْتَها … ونَقَرْتَها بِيَدَيْكَ كُلَّ مُنَقَّرِ مُنِعَ الحَمامُ مَقيلَهُ مِن سَقفِها … ومِن الحَطيم فَطارَ كُلَّ مُطَيَّرِ وقولُه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾.

يقولُ: تُنزِّهُ اللَّهَ أَيُّها المشركون عمَّا وصَفْتُموه به إعظامًا له وإجلالًا - السمواتُ السبعُ والأرضُ ومَن فيهنَّ؛ من المؤمنين به من الملائكةِ والإنس والجنِّ، وأنتم مع إنعامِه عليكم وجميلِ أياديه عندَكم تَفتَرون عليه بما تفترون.

وقولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤه: وما مِن شيءٍ مِن خلقِه إلا يُسبحُ بحمدِه.

كما حدَّثني به نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يعلَى، عن موسى بن عُبيدةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "ألا أُخبِرُكُم بشيءٍ أمَر به نُوحٌ ابنه؟

إِنَّ نُوحًا قال لابنِه: يا بُنَيَّ آمُرُكَ أَنْ تَقَولَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبحمدِه؛ فإنَّها صلاةُ الخلْقِ، وتَسبيحُ الخلْقِ، وبها يُرزَقُ الخلْقُ، قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ " (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ (٢)، قال: سمِعتُ عكرمةَ، يقولُ: لا يَعِيبنَّ أحدُكم دابَّتَه ولا ثوبَه؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيءٍ يُسبِّحُ بحمدِه (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.

قال: الشجرةُ تُسبِّح، والأُسْطوانةُ (٤) تُسبِّحُ (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ وزيدُ بنُ حبابٍ، قالا: ثنا حُديرٌ (١) أبو الخطابِ، قال: كنا مع يزيدَ الرَّقاشيِّ ومعه الحسنُ في طعامٍ، فقدّموا الخِوانَ، فقال يزيدُ الرَّقاشيُّ: يا أبا سعيدٍ، يُسبِّحُ هذا الخوانُ؟

فقال: كان يُسبِّحُ مرَّةً (٢).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ، ويونسُ، عن الحسنِ أنَّهما قالا في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.

قالا: كلُّ شيءٍ فيه الروحُ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الطعامُ يُسبِّحُ (٤).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.

قال: كلُّ شيءٍ فيه الروحُ يُسَبِّحُ؛ من شجرةٍ (٥) أو شيءٍ فيه الروحُ (٦).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ، عن عبد عبدِ اللَّهِ بن بابي (٧)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: أن الرجلَ إذا قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ.

فهي كلمةُ الإخلاصِ التي لا يَقْبَلُ اللَّهُ من أحدٍ عملًا حتى يقولَها، فإذا قال: الحمدُ للَّهِ.

فهي كلمةُ الشكرِ، التي لم يَشْكُرِ اللَّهَ عبدٌ قطُّ حتى يقولَها، فإذا قال: اللَّهُ أكبرُ.

فهى تملأُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فإذا قال: سبحانَ اللَّهِ.

فهى صلاةُ الخلائقِ التي لم يَدْعُ اللَّهُ أحدًا من خلقِه إلا قرَّره (١) بالصلاةِ والتسبيحِ، فإذا قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّه.

قال: أسلَم عبدى واستسلَم (٢).

وقولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن لا تفقَهون تسبيحَ ما عدا تسبيحَ مَن كان يُسبَّحُ بمثلِ ألسنتِكم.

﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ يقولُ: إن اللَّهَ كان حليمًا، لا يَعْجَلُ على خلقِه الذين يخالفون أمرَه ويكفُرون به، ولولا ذلك لعاجَل هؤلاء المشركين الذين يدْعُون معه الآلهةَ والأندادَ بالعقوبةِ.

﴿غَفُورًا﴾ يقولُ: ساترًا عليهم ذنوبَهم، إذا هم تابوا منها بالعفو منه لهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾: عن خلقِه، فلا يَعْجَلُ كعجلةِ بعضِهم على بعضٍ، ﴿غَفُورًا﴾ لهم إذا تابوا (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قرأتَ يا محمدُ القرآنَ على هؤلاء المشركين الذين لا يُصَدِّقون بالبعثِ، ولا يُقرِّون بالثوابِ والعقابِ، جعَلنا بينَك وبينَهم حجابًا، يَحجُبُ قلوبهم عن أن يَفْهَموا ما تقرؤُه عليهم؛ فينتفِعوا به، عقوبةً منا لهم على كفرِهم.

والحجابُ ههنا هو الساترُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: الحجابُ المستورُ أكنَّةٌ على قلوبِهم أن يَفْقَهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطانَ فاستحوَذ عليهم (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.

قال: هي الأكنَّةُ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.

قال: قال أبي: لا يَفقَهونه، وقرأ: [﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ] (٣) وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.

فهم لا يَخْلُصُ ذلك إليهم.

وكان بعضُ نحوييِّ أهل البصرة يقولُ: معنى قولِه: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: حِجابًا ساترًا، ولكنه أُخرِج وهو فاعلٌ في لفظِ المفعولِ، كما يقالُ: إنك مشئومٌ علينا وميمونٌ.

وإنما هو شائمٌ ويامنٌ؛ لأنه مِن شأَمهم ويَمَنَهم.

قال: والحجابُ ههنا هو الساترُ.

وقال: ﴿مَسْتُورًا﴾.

وكان غيرُه من أهلِ العربيةِ يقولُ: معنى ذلك: حجابًا مستورًا عن العبادِ فلا يرونه.

وهذا القولُ الثاني أظهرُ بمعنى الكلامِ، أن يكونَ المستورُ هو الحجابَ، فيكونُ معناه: أنَّ اللَّهَ ستَره عن أبصارِ الناس فلا تُدْرِكُه أبصارُهم.

وإن كان للقولِ الأوّلِ وجهٌ مفهومٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ عند قراءتِك عليهم القرآنَ أكنَّةً.

وهى جمعُ كَنانٍ، وذلك ما يتغشَّاها من خِذْلانِ اللَّهِ إيَّاها (١) عن فَهمِ ما يُتْلَى عليهم، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ يقولُ: وجَعَلنا في آذانِهم وقرًا عن سماعِه، وصممًا، والوَقرُ بالفتحِ، في الأذنِ: الثِّقَلُ، والوِقرُ بالكسرِ من الحِمْلِ.

وقولُه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾.

يقولُ: وإذا قلتَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ في القرآنِ وأنت تتلوه، ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.

يقولُ: انفضُّوا، فذهَبوا عنك نفورًا من قولِك ذلك، استكبارًا له واستعظامًا من أن تُوحِّدَ اللَّهَ تعالى ذكرُه.

وبما قلنا في ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا﴾.

وإن المسلمين لما قالوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ.

أنكَر ذلك المشركون وكبُرت عليهم، فضاقَها إبليسُ وجنودُه، فأبَى اللَّهُ إلا أن يُمضِيَها ويَنْصُرَها ويُفْلِجَها ويُظْهِرَها على من ناوَأَها، إنها كلمةٌ من خاصَم بها فَلَج، ومن قاتَل بها نُصِر، إنما يَعرِفُها أهلُ هذه الجزيرةِ من المسلمين، التي يَقْطَعُها الراكبُ في ليالٍ قلائلَ، ويسيرُ الدهرَ في فِئام من الناسِ لا يَعرِفُونها ولا يُقِرُّون بها (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.

قال: بغضًا لما تكلَّم به، لئلا يسمَعوه، كما كان قومُ نوحٍ يجعَلون أصابعَهم في آذانِهم لئلا يسمَعوا ما يأمرُهم به من الاستغفارِ والتوبةِ، ويَسْتغشُون ثيابَهم.

قال: يَلْتَفُّون بثيابِهم، ويجعَلون أصابعَهم في آذانِهم لئلا يسمَعوا ولا يُنظر إليهم (٢).

وقال آخرون: إنما عُنِى بقوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.

الشياطينُ، وإنها تَهرُبُ من قراءةِ القرآنِ وذكرِ اللَّهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارعُ، قال: ثنا روحُ بنُ المسيبِ أبو رجاءٍ الكُليبيُّ (٣)، قال: ثنا عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: هم الشياطينُ (٤).

والقولُ الذي قلنا في ذلك أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾.

فأن يكونَ ذلك خبرًا عنهم أولى، إذ كان بخبرِهم متصلًا، من أن يكونَ خبرًا عمن لم يَجرِ له ذكرٌ.

وأما النفورُ، فإنها جمعُ نافرٍ، كما القُعودُ جمعُ قاعدٍ، والجُلُوسُ جمعُ جالسٍ، وجائزٌ أن يكونَ مصدرًا أُخرِج من غيرِ لفظِه؛ إذ كان قولُه: ﴿وَلَّوْا﴾.

بمعنى: نفَروا، فيكونَ معنى الكلامِ: نفَروا نُفورًا، كما قال امرؤُ القيسِ (١): * وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلالِ * إذ كان "رُضْتُ" بمعنى: أذللْتُ، فَأُخْرِج الإذلالُ من معناه، لا من لفظِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: نحن أعلمُ يا محمدُ بما يستمِعُ به هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من مشركي قومِك، إذ يستمعون إليك وأنتَ تقرَأُ كتابَ اللَّهِ، ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: النجوَى فِعْلُهم، فجعَلهم هم النجوى، كما يقولُ: هم قومٌ رضًا، وإنما رضًا فِعْلُهم.

وقولُه: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.

يقولُ: حينَ يقولُ المشركون باللَّهِ: ما تَتَّبِعون إلا رجلًا مسحورًا.

وعُنِى، فيما ذكَر، بالنجوى الذين تَشاوَروا في أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في دارِ النَّدوةِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾.

قال: هي مِثْلُ قيلِ الوليدِ بن المُغيرةِ ومَن معه في دارِ الندوةِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ الآية: ونجواهم أن زعَمُوا أنه مجنونٌ، وأنه ساحرٌ، وقالوا: أساطيرُ الأوَّلين (٢).

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (٣) يذهبُ بقولِه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ له إلى معنى: ما تَتَّبِعُون إلا رجلًا له سَحْرٌ؛ أي له رِئَةٌ، والعربُ تُسَمِّي الرئةَ سَحْرًا، والسَّحْرُ من قولِهم للرجل إذا جبُن: قد انتفَخ سَحْرُه.

وكذلك يقالُ: لكلِّ ما أكَل أو شرِب من آدميٍّ وغيره: مسحورٌ، ومُسَحَّرٌ.

كما قال لبيدٌ (٤): فإن تَسْأَلِينا فِيمَ نَحْنُ فإنَّنا … عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الأَنامِ المُسَحَّرِ وقال (١): * ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشرابِ * أي: نغَذَّى بهما، فكأن معناه عنده كان: إن تَتَّبِعون إلا رجلًا له رِئَةٌ، يأكلُ الطعامَ، ويشرَبُ الشَّراب، لا مَلَكا لا حاجةَ به إلى الطعامِ والشرابِ.

والذي قال من ذلك غيرُ بعيدٍ من الصوابِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: انظُر يا محمدُ بعينِ قلبِك فاعتبِرْ كيفَ مثَّلوا لك الأمثالَ، وشبَّهوا لك الأشباهَ، بقولِهم: هو مسحورٌ، وهو شاعرٌ، وهو مجنونٌ.

﴿فَضَلُّوا﴾.

يقولُ: فجاروا عن قصدِ السبيلِ بقيلِهم ما قالوا، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.

يقولُ: فلا يَهْتَدون لطريقِ الحقِّ لضلالِهم عنه وبُعدِهم منه، وأن الله قد خذَلهم عن إصابتِه، فهم لا يَقْدِرون على المَخْرَجِ مما هم فيه من كفرهم بربِّهم (٢) إلى الإيمانِ به.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.

قال: مخرجًا، الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابُه أيضًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: مخرجًا، الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابُه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من مشركي قريشٍ، وقالوا بعنَتِهم (١): ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ لم نَتَحَطَّمْ ولم نَتَكَسَّرُ بعدَ مماتنِا وبِلانا، ﴿وَرُفَاتًا﴾.

يعنى ترابًا في قُبورِنا.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: يقولُ اللهُ: ﴿وَرُفَاتًا﴾.

قال: ترابًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ (٣)، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾.

يقولُ: غبارًا (٤).

ولا واحد للرُّفاتِ، وهو بمنزلةِ الدُّقاقِ والحُطَامِ.

يقال منه: رُفِتَ يُرْفَتُ رَفْتًا فهو مرفوتٌ؛ إذا صُيِّر كالحُطامِ والرُّضَاضِ.

وقولُه: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.

قالوا إنكارًا منهم للبعثِ بعدَ الموتِ: إنَّا لمبعوثون بعدَ مصيرِنا في القبورِ عظامًا غيرَ مُنحَطِمَةٍ ورفاتًا مُنْحَطِمَةً، وقد بَلينا فصِرْنا فيها ترابًا - خلقًا مُنْشَأً، كما كُنَّا قبلَ المماتِ، جديدًا؛ نُعادُ كما بُدِئْنَا؟

فأَجَابَهم ﷻ مُعرِّفَهم قُدرتَه على بعثه إياهم بعدَ مماتِهم، وإنشائِه لهم كما كانوا قبلَ بِلاهم خلقًا جديدًا، على أيِّ حالٍ كانوا من الأحوال، عظامًا أو رفاتًا أو حجارةً أو حديدًا، أو غيرَ ذلك مما يَعْظُمُ عندهم أن يُحْدِثَ مِثْلَه خَلْقًا أمثالَهم أحياءً.

﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للمكذّبين بالبعثِ بعدَ المماتِ من قومِك القائلين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: كونوا - إن عجِبتُم من إنشاءِ اللهِ إياكم، وإعادتِه أجسامَكم، خلقًا جديدًا بعد بِلاكم في الترابِ، ومصيركم رفاتًا، وأنكَرتُم ذلك من قُدرتِه - ﴿حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ إن قدرتُم على ذلك، فإني أُحْيِيكم وأبعَثُكم خلقًا جديدًا بعد مصيرِكم كذلك كما بدأتُكم أولَ مرةٍ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الموتُ، وأُرِيد به: أو كونوا الموتَ، فإنكم إن كُنْتُموه أَمَتُّكم ثم بَعَثْتُكم بعد ذلك يومَ البعثِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

قال: الموتُ، قال: لو كنتمُ موتَى لأحْيَيْتُكم (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

يعنى الموتَ.

يقولُ: إن كنتُم الموتَ أَحْيَيْتُكم (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربِيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، قال: ثنا ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

قال: الموتُ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

قال: الموتُ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: كونوا الموتَ إن استَطَعْتُم؛ فإن الموتَ سيموتُ.

قال: وليس شيءٌ أكبرَ في نفسِ ابن آدمَ من الموتِ (١).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغنى عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هو الموتُ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمر، أنه كان يقولُ: يُجاءُ بالموتِ يوم القيامةِ كأنه كبشٌ أملحُ حتى يُجعَلَ بينَ الجنةِ والنارِ، فيُنادى منادى (٣) يُسْمِعُ أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ، فيقولُ: هذا الموتُ قد جِئْنا به ونحن مهلكوه، فأيْقِنُوا يا أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ أن الموتَ قد هلَك (٤).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: يعنى الموتَ، يقولُ: لو كنتُم الموتَ لأمتُّكم (٥).

وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بن العاصِ يقولُ: إن الله يَجِيءُ بالموتِ يومَ القيامةِ، وقد صار أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ إلى منازلِهم، كأنه كبشٌ أملحُ، فيقفُ بينَ الجنةِ والنارِ، فيُنادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ: هذا الموتُ، ونحن ذابحوه، فأَيْقِنُوا بالخلودِ.

وقال آخرون: عُنى بذلك السماءُ والأرضُ والجبالُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

قال: السماءُ والأرضُ والجبالُ (١).

وقال آخرون: بل أُرِيد بذلك: كونوا ما شِئْتُم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

قال: ما شئتُم فكونوا، فَسَيُعِيدُكم اللهُ كما كنتُم (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

قال: مِن خَلْقِ اللهِ، فإن الله يُميتُكم ثم يَبْعَثُكم يومَ القيامةِ خَلْقًا جديدًا (٣).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.

وجائزٌ أن يكونَ عَنى به الموتَ؛ لأنه عظيمٌ في صدورِ بني آدمَ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به السماءَ والأرضَ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به غيرَ ذلك، ولا بيانَ في ذلك أبينُ مما بَيَّنَ جلَّ ثناؤُه، وهو كلُّ ما كَبُر في صدورِ بنى آدمَ مِن خَلْقِه؛ لأنه لم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ.

وأما قولُه: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾.

فإنه يقولُ: فسيقولُ لك يا محمدُ هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ: ﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾ خلقًا جديدًا، إن كُنَّا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا مما يَكْبُرُ في صدورِنا؟!

فقل لهم: يُعِيدُكم ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

يقولُ: يُعيدُكم كما كنتُم قبلَ أن تَصِيروا حجارةً أو حديدًا إنسًا أحياءً، الذي خلَقكم إنسًا من غيرِ شيءٍ أولَ مرةٍ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

أي: خَلَقَكُم (١).

وقولُه: (٢) ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾.

يقولُ: فإنك إذا قلتَ لهم ذلك، فسيَهزُّون إليك رءوسَهم برفعٍ وخفضٍ.

وكذلك النَّغْضُ في كلامِ العربِ، إنما هو حركةٌ بارتفاعٍ ثم انخفاضٍ، أو انخفاضٍ ثم ارتفاعٍ، ولذلك سُمِّيَ الظليمُ نَغْضًا؛ لأنه إذا عَجَّل المشيَ ارتفَع وانخفَض وحرَّك رأسَه، كما قال الشاعرُ (٣): أسكَّ (١) نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدِجا (٢) ويقال: نَغَضَتْ سِنُّه: إذا تحرَّكتْ وارتفَعتْ من أصلِها، ومنه قولُ الراجزِ (٣): ونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أَسْنانُها وقولُ الآخرِ (٣): لما رأتْنِي أنْغَضَتْ لىَ الرأسا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾: أي: يُحرِّكون رءوسَهم تكذيبًا واستهزاءً.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾.

قال: يُحرِّكون رءوسَهم (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾.

يقولُ: سيُحرِّكونها إليك استهزاءً (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾.

قال: يُحرِّكون رءوسَهم يَستهزِءُون ويقولون: متى هو؟!

(١) حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾.

يقولُ: يَهزُّون (٢).

وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولون: متى البعثٌ، وفى أيِّ حالٍ ووقتٍ يُعيدُنا خلقًا جديدًا، كما كنا أوَّلَ مرةٍ؟!

قال اللهُ تعالى لنبيِّه: قلْ لهم يا محمدُ إذا قالوا لك: متى هو؟!

متى هذا البعثُ الذي تَعِدُنا؟

﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

وإنما معناه: هو قريبٌ؛ لأنَّ "عسى" من اللهِ واجبٌ، ولذلك قال النبيُّ ﷺ: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةَ كَهاتين".

وأشارَ بالسَّبابة والوسطى (٣).

لأنَّ الله كان قد أعلمه أنَّه قريبٌ (٤).

القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قُل عسى أن يكونَ بعثُكم أيُّها المشركونَ قريبًا، ذلك يومَ يدعوكم ربُّكم بالخروجِ من قبورِكم إلى موقف القيامةِ، فتستجيبون بحمدِه واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: فتستجيبون بأمرِه.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾.

يقولُ: بأمرِه (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾.

قال: بأمرِه (٢).

وقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفتِه وطاعتِه.

ذكرُ من قال ذلك وقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفتِه وطاعتِه.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: أي: بمعرفتِه وطاعتِه (٣).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقال: معناه: فتستجيبون للهِ من قبورِكم بقدرتِه، ودعائِه إيَّاكم، وللهِ الحمدُ في كلِّ حالٍ، كما يقولُ القائلُ: فعلتُ ذلك الفعلَ بحمدِ اللهِ.

يعنى: وللهِ الحمدُ على كلِّ [ما فعلتُه] (١)، وكما قال الشاعرُ (٢): فإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فَاجِرٍ … لَبِسْتُ وَلا مِن غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ بمعنى: فإنِّي والحمدُ للهِ لا ثوبَ فاجرٍ لبِستُ.

وقولُه: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: وتحسبون عندَ مُوافاتِكم القيامةَ من هَوْلِ ما تُعاينون فيها، ما لبِثتُم في الأرضِ إِلَّا قليلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: في الدنيا، تحاقَرَت الدنيا (٣) في أنفسِهم وقلَّت حين عاينوا يومَ القيامة (٤).

وقولُه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقُلْ يا محمد لعبادِى يَقُلْ بعضُهم لبعضٍ التي هي أحْسنُ من المحاورةِ والمخاطبةِ.

كما حدَّثنا خلَّادُ بن أسلم، قال: ثنا النضرُ، قال: أخبَرنا المباركُ، عن الحسنِ في هذه الآية: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

قال: التي هي أحسنُ، لا يقولُ له مثلَ قولِه، بل يقولُ له: يرحَمُك اللهُ، يغفرُ اللهُ لك (١).

وقولُه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.

يقولُ: إِنَّ الشيطانَ يُسوِّءُ محاورةَ بعضهم بعضًا ﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.

يقولُ: يُفْسِدُ بينَهم، ويُهيِّجُ بينَهم الشرَّ.

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.

يقول: إنَّ الشيطانَ كان لآدمَ وذريَّتِهِ عدوًّا مبينًا؛ قد أبانَ لهم عداوَتَه بما أظهَرَ لآدم من الحسَدِ، وغرورهِ إيَّاه حتى أخرَجَه من الجنةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ الذين قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ فيتوبُ عليكم برحمتِه، حتى تُنيبوا عمَّا أنتم عليه من الكفرِ به وباليومِ الآخرِ ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بأنْ يخذلَكُم عن الإيمانِ، فتموتوا على شرِكِكم، فيعذِّبَكم يومَ القيامةِ بكفرِكم به.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن عبد الملكِ بن جُريجٍ قولَه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾.

قال: فتؤمنوا ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: فتموتوا على الشركِ كما أنتم (١).

وقولُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾، يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أرسلناكَ يا محمدُ على من أرسلناكَ إليه لتدعُوَه إلى طاعتِنا، ربًّا ولا رقيبًا، إنَّما أرسلناكَ إليهم لتُبلِغَهم رسالاتِنا، وبأيدينا صَرْفُهم وتدبيرُهم، فإن شئنا رحِمناهم، وإن شِئنا عذَّبْناهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وربُّك يا محمدُ أعلمُ بمن في السماواتِ والأرضِ وما يُصلِحُهم، فإنَّه هو خالقُهم ورازقُهم ومدبِّرُهم، وهو أعلمُ بمن هو أهلٌ للتوبةِ والرحمةِ، ومن هو أهلٌ للعذابِ، أهدِى للحقِّ مَن سبَق له منِّي الرحمةُ والسعادةُ، وأُضَلُّ مَن سبَق له منِّى الشقاءُ والخِذْلانُ.

يقولُ: فلا يَكْبُرنَّ ذلك عليك؛ فإنَّ ذلك من فعلى بهم كتفضيلى (٢) بعضَ النبيين على بعضٍ؛ بإرسالِ بعضِهم إلى بعضِ الخلقِ، وبعضِهم إلى الجميعِ، ورفعِى بعضَهم على بعضٍ درجاتٍ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾: اتَّخَذَ اللهُ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، وجَعَل اللهُ عيسى كَمَثَلِ آدم خلَقه من ترابٍ، ثم قال له: كُنْ فكانَ (٣)، وهو عبدُ اللهِ ورسولُه، من كلمةِ اللهِ ورُوحِه، وآتى سليمانَ مُلكًا لا يَنبغِي لأحدٍ من بعده، وآتى داودَ زبورًا (١) - كُنَّا نحدَّثُ أنه (٢) دعاءٌ عَلَّمه داودَ؛ تحميدٌ وتمجيدٌ، ليس فيه حلالٌ ولا حرامٌ، ولا فرائضُ ولا حدودٌ - وغفر لمحمدٍ ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.

قال: كلَّم اللهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى الناسِ كافَّةً (٤).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمد لمشركي قومِك الذين يَعْبُدون من دونِ اللهِ مِن خلقِه: ادعُوا أيُّها القومُ الذين زعَمتم أنَّهم أربابٌ وآلهةٌ من دونِه، عندَ ضُرٍّ يَنزِلُ بكم، فانظُروا هل يقدِرون على دفعِ ذلك عنكم، أو تحويلِه عنكم إلى غيِركم، فتدعوهم آلهةً، فإنَّهم لا يقدِرون على ذلك، ولا يملِكُونه، وإنَّما يملِكُه ويقدِرُ عليه خالِقُكم وخالِقُهم.

وقيل: إنَّ الذين أُمِر النبيُّ ﷺ أن يقولَ لهم هذا القولَ، كانوا يعبُدون الملائكةَ وعُزيرًا والمسيحَ، وبعضُهم كانوا يعبُدون نفرًا من الجنِّ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.

قال: كان أهلُ الشركِ يقولون: نعبُدُ الملائكةَ وعُزَيرًا، الذين يَدْعون، يعنى: الملائكةَ والمسيحَ وعُزيرًا (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابًا، ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

يقولُ: يبتغِى المدعوّون أربابًا إلى ربِّهم القُربةَ والزُّلفةَ، لأنهم أهلُ إيمانٍ به، والمشركون باللهِ يعبُدونهم من دونِ اللهِ، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: أَيُّهم بصالحِ عملِه (٢) واجتهادِه في عبادتِه أقربُ عندَه زُلفةً.

﴿وَيَرْجُونَ﴾ بأفعالِهم تلك ﴿رَحْمَتَهُ﴾، ﴿وَيَخَافُونَ﴾ بخلافهم أَمْرَه ﴿عَذَابَهُ﴾، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ ﴿كَانَ مَحْذُورًا﴾ مُتَّقًى.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ، غير أنهم اختلَفوا في المدعوِّين؛ فقال بعضُهم: هم نفرٌ من الجنِّ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللهِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: كان ناسٌ من الإنسِ يعبدون قومًا من الجنِّ، فأسلَم الجنُّ وبقى الإنسُ على كفرِهم، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

يعني: الجنُّ (١).

حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، قال: قال عبدُ الله في هذه الآيةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.

قال: قَبِيلٌ من الجنِّ كانوا يُعبَدون فأسلَموا (٢).

حدَّثني عبدُ الوارثِ بن عبد الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثني الحسينُ، عن قتادةَ، عن معبدِ بن عبدِ اللهِ الزِّمَّانيِّ (٣)، عن عبدِ اللهِ بن عتبةَ بن مسعودٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: نزَلت في نفرٍ من العربِ كانوا يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم الجنِّيون، والإنسُ الذين كانوا (٤) يعبُدونهم لا يَشعُرون بإسلامِهم، فأُنزِلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بن عتبةَ ابن مسعودٍ، عن حديثِ عمِّه عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في نفرٍ من العربِ كانوا يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم الجنِّيُّون، والنفرُ من العربِ لا يشعُرون بذلك (١).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: قومٌ عبَدوا الجنَّ فأسلَم أولئك الجنُّ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: كان نفرٌ من الإنسِ يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم النفرُ من الجنِّ، واستمسَك الإنسُ بعبادتِهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: كان ناسٌ يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم أولئك الجنِّيُّون، وثبتتِ الإنسُ على عبادتِهم، فقال اللهُ ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٤).

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.

قال: كان أناسٌ من أهلُ الجاهليةِ يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فلمَّا بُعث النبيُّ ﷺ لا أسلَموا جميعًا، فكانوا يبتغون أيُّهم أقربُ.

وقال آخرون: بل همُ الملائكةُ.

حدَّثني الحسينُ بن علي الصُّدَائيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ السكَنِ، قال: أخبَرنا أبو العوَّامِ، قال: أخبَرنا قتادةُ، عن عبدِ اللهِ بن معبدٍ الزِّمَّانيِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: كان قبائلُ من العربِ يعبُدون صِنفًا من الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ.

ويقولون: هم بناتُ اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ (١) معشرُ العربِ ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الملائكةُ، تبتغى إلى ربِّها الوسيلةَ، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.

قال: وهؤلاء الذين عبَدوا الملائكةَ من المشركين (٣).

وقال آخرون: بل هم عزيرٌ وعيسى وأمُّه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ السكَنِ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: عيسى وأمُّه وعُزَيرٌ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكم بنُ عبدِ اللهِ العجليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: عيسى ابن مريمَ (٢) وعُزيرٌ في هذه الآيةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: عيسى ابن مريمَ وعُزيرٌ والملائكةُ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٤): هو عُزيرٌ والمسيحُ والشمسُ والقمرُ (٥).

وأولى الأقوالِ بتأويل هذه الآية قولُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ الذي رُوِّيناه، عن أبي معمرٍ عنه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين يدعوهم المشرِكون آلهةً أنهم يبتغون إلى ربِّهم الوسيلةَ في عهدِ النبيِّ ﷺ، ومعلومٌ أن عُزيرًا لم يكُنْ موجودًا على عهد نبيِّنا ﷺ، فيبتغِيَ إلى ربِّه الوسيلةَ، وأنَّ عيسى قد كان رُفِع، وإنما يبتغِي إلى ربِّه الوسيلةَ من كان موجودًا حيًّا يعمَلُ بطاعةِ اللهِ، ويتقرَّبُ إليه بالصالحِ من الأعمالِ، فأمَّا من كان لا سبيلَ له إلى العملِ، فبم (١) يبتغى إلى ربِّه الوسيلةَ؟!

فإذ (٢) كان لا معنى لهذا القولِ، فلا قولَ في ذلك إلا قولُ مَن قال ما اخترَنا فيه مِن التأويلِ، أو قولُ مَن قال: هم الملائكةُ، وهما قولان يحتمِلُهما ظاهرُ التنزيلِ.

وأما الوسيلةُ فقد بيَّنا أنها القُربةُ والزُّلفةُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الوسيلةُ القُربةُ (٣).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾.

قال: القربةُ والزلفةُ (٤).

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما من قريةٍ من القُرى إلا نحن مهلِكو أهلِها بالفناءِ، فمُبيدوهم استئصالًا، ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾؛ إما ببلاءٍ من قَتلٍ بالسيفِ، أو غيرِ ذلك من صنوفِ العذابِ، ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (١) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فمُبيدُوها، ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾ بالقتلِ والبلاءِ.

قال: كلُّ قريةٍ في الأرضِ سيصيبُها بعضُ هذا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

إلا أنه قال: سيصيبُها هذا أو بعضُه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾: قضاءٌ من اللهِ كما تسمَعون ليس منه بدٌّ؛ إما أن يُهلِكَها بموتٍ، وإما أن يهلِكَها بعذابٍ مستأصلٍ؛ إذا تَرَكوا أمرَه، وكذَّبوا رسلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

قال مُبِيدُوها (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا ظهَر الزِّنى والرِّبا في أهلُ قريةٍ، أَذِنَ اللهُ في هلاكِها (٢).

وقولُه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.

يعني: في الكتابِ الذي كُتِب فيه كلُّ ما هو كائنٌ؛ وذلك اللوحُ المحفوظُ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.

قال: في أُمِّ الكتابِ.

وقرَأ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨].

ويعنى بقوله: ﴿مَسْطُورًا﴾: مكتوبًا مُبَيَّنًا، ومنه قولُ العجاجِ (٣): واعلَمْ بأنَّ ذا الجلالِ قد قَدَرْ في الكُتُبِ الأولى التي كان سَطَرْ أَمْرَك هذا فاحْتفِظْ فيه النَّتَرْ (٤) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما منَعَنا يا محمدُ أن نرسلَ بالآياتِ التي سألها قومُك، إِلَّا أنَّ مَن كان قبلَهم من الأممِ المكذِّبةِ سألوا ذلك مثلَ سؤالِهم، فلمّا أتاهم ما سألوا منه كذَّبوا رُسُلَهم، فلم يصدِّقوا مع مجيءِ الآياتِ، فعُوجِلوا، فلم نرسِلْ إلى قومِك بالآياتِ؛ لأنَّا لو أرسَلْنا بها إليها، فكذَّبوا بها، [سلَكْنا بهم] (١) في تعجيلِ العذابِ لهم مسلَك الأممِ قبلَها.

وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سأَل أهلُ مكة النبيَّ ﷺ أن يجعَلَ لهم الصَّفا ذهبًا، وأن يُنَحِّيَ عنهم الجبالَ فيزرعوا، فقيل له: إن شئتَ أن تستأنِىَ (٢) بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئتَ أن نؤتتهم الذي سأَلُوا، فإن كفَرُوا أُهْلِكُوا كما أُهْلِك من قبلَهم.

قال: "لا (٣)، بلْ تَسْتأنِى (٤) بهم".

فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٥).

حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا مَسْتورُ (١) بنُ عبادٍ، عن مالكِ بن دينارٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾.

قال: رحمةً لكم أيتُها الأمةُ؛ إنا لو أرسَلْنا بالآياتِ فكذَّبتم بها، أصابَكم ما أصاب مَن قبلَكم (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال المشركون لمحمدٍ ﷺ: يا محمدُ إنك تزعُمُ أنه كان قبلَك أنبياءُ، فمِنهم مَن سُخِّرت له الريحُ، ومنهم من كان يُحيى الموتَى، فإن سرَّك أن نؤمنَ بك ونصدِّقَك، فادعُ ربَّك أن يكونَ لنا الصَّفا ذهبًا.

فأوحَى اللهُ إليه: إني قد سمِعتُ الذي قالوا، فإن شئتَ أن نفعَلَ الذي قالوا، فإن لم يؤمِنوا نزَل العذابُ، فإنه ليس بعدَ نزولِ الآية مناظرةٌ، وإن شئتَ أن تستأني قومَك استَأْنَيْتَ بهم (٣).

قال: "يا ربِّ، أَسْتَأْنِي" (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾.

قال: قال أهلُ مكةَ لنبيِّ اللهِ ﷺ: إن كان ما تقولُ حقًّا، ويسُرُّك أن نؤمِنَ، فحوِّلْ لنا الصَّفا ذهبًا.

فأتاه جبريلُ ﵇، فقال: إن شئتَ كان الذي سأَلك قومك، ولكنه إنْ كان، ثُمَّ لم يؤمِنوا، لم يُنَاظُرُوا، وإن شئتَ استأنيتَ بقومِك.

قال: "بل أسْتَأْنِي بقومِي".

فأنزَل اللهُ: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾.

وأنزَل اللهُ ﷿: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) [الأنباء: ٦].

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، أنهم سأَلوا أن يُحوَّل الصفا ذهبًا، قال اللهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾.

قال ابن جريجٍ: لم يأتِ قريةً بآيةٍ فيُكَذِّبوا بها إلا عُذِّبوا، فلو جُعِلتْ لهم الصَّفا ذهبًا ثم لم يؤمنوا عُذِّبوا (٢).

و "أن" الأُولى التي مع ﴿مَنَعَنَا﴾، في موضعِ نصبٍ بوقوعِ "مَنَعنا" عليها، و "أن" الثانيةُ رفعٌ؛ لأن معنَى الكلامِ: وما منَعَنا إرسالَ الآياتِ إلا تكذيبُ الأوَّلين من الأممِ، فالفعلُ لـ "أن" الثانيةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقد سأَل الآياتِ يا محمدُ مِن قبلِ قومِك ثمودُ، فآتيَناها ما سأَلت، وجعَلنا تلك الآية ناقةً مبصرةً.

جعَل الإبصارَ للناقةِ، كما تقولُ للشَّجَّةِ: مُوضِحةٌ (٣)، و: هذه حجةٌ مبينةٌ.

وإنما عنَى بالمبصِرةِ (٤): المضيئةَ البيِّنةَ التي مَن يراها كانوا أهلَ بصرٍ بها، أنها للهِ حجةٌ، كما قيل: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧].

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾.

أي: بيِّنةً.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ ذكرُه: ﴿النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾.

قال: آيةً (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾.

يقولُ ﷿: فكان بها ظُلْمُهم؛ وذلك أنهم قتَلُوها وعقرُوها، فكان ظُلْمُهم بعقرِها وقتلِها.

وقد قيل: معنَى ذلك: فكَفَرُوا بها.

ولا وجْهَ لذلك، إلا أنْ يكونَ (٢) قائلُه أراد: فَكَفَرُوا باللهِ بقتلِها.

فيكونَ ذلك وجهًا.

وأما قولُه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.

فإنه يقولُ: وما نرسِلُ بالعِبَرِ والذِّكر إلا تخويفًا للعبادِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: وإِنَّ اللهَ يخوِّفُ الناسَ بما شاء من آياتِه (٣) لعلَّهم يُعتِبون (٤)، أو يذَّكَّرون، أو يرجِعون.

ذُكِر لنا أن الكوفةَ رَجِفَتْ على عهدِ ابن مسعودٍ، فقال: يأيها الناسُ، إنَّ رَبَّكم يستعتِبُكم فأعتِبوه (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن أبي رجاءٍ، عن حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهذليُّ، عن الحسنُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾.

قال: يقولُ: أحطْتُ لك بالعربِ ألَّا يقتُلُوك (١)، فعرَف أنه لا يُقتَلُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾.

قال: فهُم في قبضَتِه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ قولَه: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾.

قال: منَعك من الناسِ.

قال معمرٌ (٣): قال قتادةُ مثلَه (٤).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (٥): ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾.

قال: منَعك من الناسِ (٦).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾.

أي: منعَك من الناسِ حتى تُبلِّغَ رسالةَ ربِّك (٧).

الحسنُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.

قال: الموتُ الذريعُ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾.

وهذا حضٌّ (٢) من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه (٣) محمدًا (٤) ﷺ، على تبلِيغِ رسالتِه، وإعلامٌ منه له (٥) أنه قد تقدَّم منه إليه القولُ بأنه سيمنَعُه (٦) كلَّ مَن بغاه سُوءًا وهلاكًا، يقولُ جلَّ ثناؤُه: واذكُرْ يا محمدُ إذ قُلْنا لك: إنَّ ربَّك أحاط بالناسِ قدرةً، فهم في قبضَتِه لا يقدِرون على الخروجِ من مشيئتِه، ونحن مانِعوك منهم، فلا تتهيَّبْ مِنهم أحدًا، وامْضِ لِما أَمَرْناك به من تبليغِ رسالتِنا.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: عصَمك من الناسِ (٧).

وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هو رؤيا عينٍ، وهى ما رأى [نبي الله] (١) ﷺ لمَّا أُسرِى به من مكةَ إلى بيتِ المقدسِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في (٢): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: هي رؤيا عينٍ أُرِيَها رسولُ اللهِ ﷺ ليلةَ أُسرِى به، وليست برؤيا منام (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، سُئِل عن قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: هي رؤيا عينٍ رآها النبيُّ ﷺ ليلةَ أُسْرِى به.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن [فراتٍ القزاز] (٥)، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: كان ذلك ليلةَ أُسْرِى به إلى بيتِ المقدسِ، فرأى ما رأى، فكذَّبه المشركون حينَ أخبَرهم (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: أُسْرِى به عشاءً إلى بيتِ المقدسِ، فصلَّى فيه، وأَراه اللهُ ما أراه الآياتِ، ثم أصبَح بمكةَ، فأخبَرهم أنه أُسْرِى به إلى بيت المقدس، [فقالوا له] (٢): يا محمد، ما شأنك؟!

أمسيت فيه ثم أصبَحتَ فِينا تخبرنا أنَّك أتيتَ بيتَ المقدسِ!

فعجِبوا من ذلك حتى ارتدَّ بعضُهم عن الإسلامِ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا هَوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: قال كفارُ أهلِ مكةَ: أليس من كذبِ ابن أبي كبشةَ أنه يزعَمُ أنه سار مَسيرةَ شهرين في ليلةٍ!

حدَّثني أبو حَصينٍ، قال: ثنا عبثرٌ، قال: ثنا حُصيَنٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: مَسيرُه إلى بيتِ المقدسِ (٤).

حدَّثني أبو السائبِ ويعقوبُ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الحسنِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: حين أُسْرِى به (١).

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: ليلةَ أُسْرِى به (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: الرؤيا التي أرَيْناك في بيتِ المقدسِ - حينَ أُسرِى به - فكانت تلك فتنةً للكافرِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

يقولُ: أراه اللهُ من الآياتِ والعِبرِ في مَسيرِه إلى بيتِ المقدسِ.

ذُكِر لنا أن ناسًا ارتدّوا بعدَ إسلامِهم حينَ حدَّثهم رسولُ اللهِ ﷺ بمسيرِه، أنكَروا ذلك وكذَّبوا به، وعَجبوا منه، وقالوا: تُحدِّثُنا أنَّك سِرْتَ مسيرةَ شهرين في ليلةٍ واحدةٍ (٤)!

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: هو ما أُرِى في بيت المقدس ليلةَ أُسْرِى به (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾.

قال: أَراه اللهُ من الآياتِ في طريق بيتِ المقدسِ حين أُسْرِى به؛ نزَلت فريضةُ الصلاةِ ليلةَ أُسْرِى به، [وأُسْرِى به] (١) قبلَ أن يهاجرَ بسنةٍ ولتسعِ (٢) سنينَ من العشْرِ التي مكثها بمكةَ، ثم رجع من ليلتِه، فقالت قريشٌ: أتَعشَّى فينا وأصبَح فينا، ثم زعَم أنه جاء الشامَ في ليلةٍ ثم رجَع؟!

وايمُ اللهِ إن الحِدَأةَ لتجيئُها شهرين (٣)؛ شهرًا مقبلةً، وشهرًا مُدبرةً (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: هذا حينَ أُسْرِى به إلى بيتِ المقدسِ، افتُتِن فيها ناسٌ، فقالوا: يذهَبُ إلى بيتِ المقدسِ ويرجِعُ في ليلةٍ!

وقال: "لمَّا أتَانِي جبريلُ ﵇ بالبُراقِ ليحْمِلَني عليها صرَّت بأذنَيها، وانقبضَ بعضُها إلى بعضٍ، فنظَر إليها جبريلُ، فقال: والذي بعثَني بالحقِّ من عنده ما ركِبَك أحدٌ من ولدِ آدم خيرٌ منه".

قال: "فصرَّت بأذنَيها وارْفَضَّت (٥) عَرَفًا حتى سال ما تحتَها، وكان مُنتهَى خطوِها (٦) عندَ مُنتهَى طرفِها".

فلما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان محمدٌ لينتهِىَ حتى يأتى بكِذْبةٍ تخرُجُ من أقطارِها.

فأَتَوْا أبا بكرٍ ﵁، فقالوا: هذا صاحبُك يقولُ كذا وكذا.

فقال: أوَقد قال ذلك؟

قالوا: نعم.

فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدَق.

فقالوا: تصدِّقُه إن قال ذهَب (٧) إلى بيتِ المقدسِ ورجَع في ليلةٍ؟!

فقال أبو بكرٍ: إى، نزَع اللهُ عقولَكم، أُصدِّقُه بخبرِ السماء، والسماءُ أبعدُ من بيتِ المقدسِ، ولا أصدِّقُه بخبرِ بيتِ المقدسِ؟!

قالوا للنبيِّ ﷺ: إنا قد جئنا بيتَ المقدسِ، فصِفْه لنا.

فلما قالوا ذلك، رفَعه اللهُ ﵎ ومثَّله بينَ عينَيه، فجعَل يقولُ: "هو كذا، وفيه كذا".

فقال بعضُهم: وأبيكم إنْ أخطَأ منه حرفًا.

قال (١): فقالوا: هذا (٢) رجلٌ ساحرٌ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

يعنى: ليلةَ أُسْرِى به إلى بيتِ المقدسِ، ثم رجَع من ليلتِه، فكانت فتنةً لهم (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ] (٤)، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (٥): ﴿الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾.

قال: حينَ أُسْرِى بمحمدٍ ﷺ (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

وقال آخرون: هي [رؤيا نومٍ، وهى] (٧) رُؤياه التي رأَى أَنَّه يدخُلُ مكةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال: يقالُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرى أنه دخَل مكةَ هو وأصحابُه، وهو يومَئذٍ بالمدينةِ، فجعَل (١) رسول اللهِ ﷺ السيرَ إلى مكةَ قبلَ الأجَلِ، فرَدَّه المشرِكون، فقالت أناسٌ: قد رُدَّ (٢) رسولُ الله ﷺ، وقد كان حدَّثنا أنه سيدخُلُها.

فكانت رجعَتُه فتنتَهم (٣).

وقال آخرون ممن قال هي رؤيا منامٍ: إنما كان رسولُ اللهِ ﷺ رَأَى في منامِه قومًا يَعلُون مِنبَرَه (٤).

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن محمدِ بن الحسنِ بن زبالةَ، قال: ثنا عبدُ المهيمنِ بنُ عباسٍ بن سهلِ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، عن جَدِّي، قال: رأَى رسولُ اللهِ ﷺ بنى فلانٍ يَنزُون علي منبرِه نزوَ القِردةِ، فساءه ذلك، فما استَجْمَع ضاحكًا حتى مات.

قال: وأنزل اللهُ ﷿ في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

الآية (٥).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى به رُؤْيا رسولِ اللهِ ﷺ ما رأى من الآياتِ والعِبرِ في طريقِه إلى بيتِ المقدسِ، وبيتَ (١) المقدسِ ليلةَ أُسرِى به، وقد ذكَرنا بعضَ ذلك في أوَّلِ هذه السورةِ.

وإنما قُلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن هذه الآية إنما نزَلت في ذلك، وإيَّاه عنَى اللهُ ﷿ بها.

فإذ (٢) كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وما جعَلنا رؤياك التي أَرَيناك ليلةَ أسْرَينا بك من مكةَ إلى بيتِ المقدسِ، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.

يقولُ: إِلا بَلاءً للناسِ الذين ارتدُّوا عن الإسلامِ لمَّا أُخبِروا بالرُّؤيا التي رآها ﵊، وللمشرِكين من أهلِ مكةَ الذين ازدادوا بسماعِهم ذلك من رسولِ اللهِ ﷺ تماديًا في غيِّهم، وكفرًا إلى كفرِهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٣).

وأما قولُه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلَفوا فيها؛ فقال بعضُهم: هي شجرةُ الزَّقُومِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا [ابن عيينة] (٤)، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: شجرةُ الزَّقومِ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: هي شجرةُ الزَّقُّومِ.

قال أبو جهلٍ: أيُخوِّفُنى ابن أبى كبشةَ بشجرةِ الزَّقُّومِ؟!

ثم دعا بتَمرٍ وزُبدٍ، فجعَل يقولُ: زَقِّمْنى.

فأنزل اللهُ تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥].

وأَنَزَل: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (٢).

حدَّثني أبو السائبِ ويعقوبُ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: شجرةُ الزَّقُّومِ (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ مثلَه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: فإنَّ قريشًا كانوا يأكُلون التمرَ والزُّبدَ، ويقولون: تزقَّموا هذا الزَّقومَ.

قال أبو رجاءٍ: فحدَّثني عبدُ القدوسِ، عن الحسنِ، قال: فوصَفَها اللهُ لهم في "الصافاتِ".

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنُ، قال: قال أبو جهل وكفارُ أهلُ مكةَ: أليس مِن كذِبِ ابن أبي كبشةَ أنَّه يُوعِدُكم بنارٍ تحترقُ فيها الحجارةُ، ويزعُمُ أنه ينبتُ فيها شجرةً.

﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: هي شجرةُ الزَّقومِ (١).

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عبثرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: شجرةُ الزَّقومِ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال [في قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: هي شجرةُ الزقوم] (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن رجلٍ يقالُ له: بدرٌ، عن عكرمةَ، قال: شجرةُ الزَّقومِ.

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزَّازِ، قال: سُئِل سعيدٌ بنُ جبيرٍ عن الشجرة الملعونةِ، قال: شجرةُ الزَّقومِ (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ العَزْرميِّ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾.

قال: شجرةُ الزقومِ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ بمثلِه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: الزقومُ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المُحَجَّلِ، عن أبي معشَرٍ، عن إبراهيمَ، أنه كان يحلِفُ ما يسْتَثْنِى؛ أن الشجرةَ الملعونةَ شجرةُ الزقومِ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزَّازِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: شجرةُ الزَّقُّومِ (٢).

حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الزَّقُّومُ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.

وهي شجرةُ الزَّقومِ، خوَّف اللهُ بها عبادَه، فافتُتِنوا بذلك، حتى قال قائلُهم؛ أبو جهلِ بنُ هشامٍ: زعَم صاحبُكم هذا أنَّ في النارِ شجرةً، والنار تأكلُ الشجرَ، وإنا واللهِ ما نعلمُ الزَّقومَ إلا التمرَ والزُّبدَ، فتزقَّموا.

فأنزَل اللهُ ﵎ حين عَجِبوا أن يكونَ في النارِ شجرةٌ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤، ٦٥].

إنى خلَقْتُها (٣) من النارِ، وعذَّبتُ [بها من شِئْتُ من عبادي] (٤).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

قال: الزقومُ؛ وذلك أن المشركين قالوا: يخبِرُنا هذا أنّ في النارِ شجرةً، والنارُ تأكُلُ الشجرَ حتى لا تدعَ منه شيئًا (١)!

وكان (٢) ذلك فِتنةً (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قال: شجرةُ الزقومِ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

الزَّقومُ التي سألوا الله أن يملأَ بيوتَهم منها.

وقال: هي الصَّرَفانُ بالزُّبدِ تتزقَّمُه.

والصَّرَفانُ صِنْفٌ من التَّمرِ.

قال: وقال أبو جهلٍ: هي الصَّرفانُ بالزبدِ.

وافتُتِنوا بها (٥).

وقال آخرون: هي الكَشُوثُ (٦).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن أبي فُدَيكٍ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن مولًى لبنى هاشمٍ، حدَّثه أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الحارثِ بن نوفلٍ أرسَله إلى ابن عباسٍ، يسألُه عن الشجرةِ الملعونة في القرآنِ، قال: هي هذه الشجرةُ التي تَلْوِى على الشجرةِ، وتُجعَلُ في الماءِ، يعني: الكشُوثا (١).

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: عنَى بها (٢) شجرةَ الزقومِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على ذلك.

ونُصِبت الشجرةُ الملعونةُ عطفًا بها على الرُّؤيا.

فتأويلُ الكلامِ إذن: وما جعَلنا الرؤيا التي أرَيناك، والشجرةَ الملعونةَ في القرآنِ، إلا فِتنةً للناسِ.

فكانت فتنتُهم في الرؤيا ما ذكرتُ من ارتدادِ مَن ارتدَّ، وتمادِى أهلُ الشركِ في شركِهم، حينَ أخبَرهم رسولُ اللهِ ﷺ بما أَراه اللهُ في مسيرِه إلى بيتِ المقدسِ ليلةَ أُسْرِى به، وكانت فتنتُهم في الشجرةِ الملعونةِ ما ذكَرنا من قولِ أبي جهلٍ والمشرِكين معه: يُخْبِرُنا محمدٌ أنّ في النارِ شجرةً نابتةً، والنارُ تأكُلُ الشجرَ، فكيف تنبتُ فيها؟!

وقولُه: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾.

يقولُ: ونخوِّفُ هؤلاء المشركين بما نتوعَّدُهم به (٣) من العقوباتِ والنَّكالِ، ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تخويفُناهم (٤)، ﴿إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.

يقول: إلا تماديًا وغيًّا كبيرًا في كفرِهم، وذلك أنَّهم لما خُوِّفوا بالنارِ التي طعامُهم فيها الزَّقومُ دَعَوْا بالتمرِ والزُّبدِ، وقالوا: تزقُّمُوا من هذا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك وقد تقدَّم ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك، ونذكُرُ بعضَ مَن بقِى.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾.

قال: طَلْعُها كأنه رءوسُ الشياطينِ، والشياطينُ ملعونون.

قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.

لمَّا ذكَرها زادهم افتِتانًا وطغيانًا، قال اللهُ ﵎: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ تمادِىَ هؤلاء المشركين في غَيِّهم وارْتِدادِهم، عُتُوًّا على ربِّهم، مخوِّفًا (١) إياهم تحقيقَهم قولَ عَدُوِّهم وعدوِّ والدِهم - حين أمرَه ربُّه بالسُّجودِ له فعصاه وأبى السجودَ له؛ حَسَدًا واستكبارًا -: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكيف صَدَّقوا ظَنَّه فيهم (٢)، وخالَفوا أمرَ ربِّهم وطاعتَه، واتَّبعوا أمرَ عدوِّهم وعدوِّ والدِهم.

ويعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾: واذكُرْ إذ قلنا للملائكةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾.

فإنه اسْتَكبر وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.

يقولُ: لِمَنْ خَلَقْتَه مِن طينٍ.

فلمَّا حُذِفَتْ "مِن" تَعلَّق به قولُه: ﴿خَلَقْتَ﴾، فنُصِب، يفتخِرُ عليه الجاهلُ بأنه خُلِق مِن نارٍ، وخُلِق آدمُ من طينٍ.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث ربُّ العِزَّةِ ﵎ إبليسَ، فأَخَذ مِن أدِيمِ الأرضِ؛ مِن عَذْبها ومِلْحِها، فخُلِق منه آدمُ، فكلُّ شيءٍ خُلِق من عذبِها، فهو صائِرٌ إلى السعادةِ وإن كان ابنَ كافرين، وكلُّ شيءٍ خَلَقه مِن مِلحِها، فهو صائرٌ إلى الشَّقاوةِ وإن كان ابنَ نبييِّن، ومن ثَمَّ قال إبليسُ: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.

أي هذه الطينةُ أنا جِئتُ بها، ومِن ثَمَّ سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلِق مِن أديمِ الأَرضِ.

وقولُه: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيتَ هذا الذي كَرَّمْتَه عليَّ، فأَمَرْتَنى بالسجودِ له، ويَعْنى بذلك آدمَ، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾.

أقْسَم عدوُّ اللهِ، فقال لربِّه: لئن أخَّرتَ إهْلاكى إلى يومِ القيامةِ، ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: لأَستوليَنَّ عليهم، ولأَستأصِلَنَّهم، ولأَستميلَنَّهم.

يقالُ منه: احْتَنك فلانٌ ما عندَ فلانٍ مِن مالٍ أو عِلمٍ أو غيرِ ذلك.

ومنه قولُ الشاعرِ (١): نَشْكُو إليكَ سَنَةً قد أَجْحَفَتْ … جَهْدًا إلى جَهْدٍ بنا فَأَضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أموالَنا وجَلَّفَتْ (٢) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: لأَحْتَوِيَنَّهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقولُ: لأَستوليَنَّ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: لأُضِلَّنَّهم (٣).

وهذه الألفاظُ وإن اختَلَفَتْ فإنها مُتَقارِباتُ المعنى؛ لأن الاسْتِيلاءَ والاحْتواءَ بمعنًى واحدٍ، وإذا اسْتَوْلَى عليهم فقد أضَلَّهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لإبليسَ إذ قال له: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

اذهَبْ فقد أَخَّرْتُكَ، فَمَن تَبِعَك منهم - يَعْنى مِن ذُرِّيَّةِ آدم، ﵇ فأَطاعَك، فإن جهنم جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم.

يقولُ: ثوابُك على دُعائِك إياهم إلى (١) مَعْصِيَتى، وثوابُهم على اتِّباعِهم إياك وخِلافِهم أمرى.

﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.

يقولُ: ثَوَابًا مَكْثُورا مُكَمَّلًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.

عذابُ جهنمَ جزاؤُهم، ونِقْمَةٌ مِن اللهِ مِن أعدائِه، فلا يُعْدَلُ عنهم من عذابِها شيءٌ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينٌ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.

قال: وافرًا (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَوْفُورًا﴾.

قال: وافرًا (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: واستخفِفْ واستجهِلْ.

من قولهم: اسْتَفَزَّ فُلانًا كذا وكذا فهو يَسْتَفِرُّه.

﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الصوتِ الذي عَناه جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، فقال بعضُهم: عَنَى به صوتَ الغناءِ، واللَّعِبَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.

قال: بِاللَّهْوِ والغناءِ (١).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا يذكُرُ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.

قال: اللَّعِبُ واللَّهوُ.

وقال آخرون: عَنَى به واستفزِزْ من استطعتَ منهم بدُعائِك إياه إلى طاعتِك ومعصيةِ اللهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.

قال: صوتُه كلُّ داعٍ دَعا إلى معصيةِ اللهِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.

قال: بدعائِك (١).

وأَولَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يُقالَ: إن الله ﵎ قال لإبليسَ: واسْتَفْزِزْ مِن ذُرِّيَّةِ آدمَ مَن استطعتَ أن تَسْتَفِزَّه بصوتِك.

ولم يَخْصُصْ مِن ذلك صوتًا دونَ صوتٍ، فكلُّ صوتٍ كان دُعاءً إليه وإلى عمله وطاعتِه، وخِلافًا للدعاءِ إلى طاعةِ اللهِ، فهو داخلٌ في معنى صوتِه الذي قال اللهُ ﵎ اسمُه له: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.

وقوله: (وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك (٢)).

يقولُ: واجْمَعْ عليهم مِن رُكْبانِ جُندِك ومُشاتِهم مَن يُجْلِبُ عليهم (٣) بالدعاءِ إلى طاعتِك والصَّرْفِ عن طاعتى.

يُقالُ منه: أَجْلَبَ فلانٌ على فلانٍ إجْلابًا.

إذا صاح عليه.

والجَلبَةُ: الصوتُ.

وربما قيل: ما هذا الجلَبُ؟

كما يقالُ: الغَلَبَةُ والغَلَبُ، والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا يَذْكُرُ عن مجاهدٍ في قولِه: (وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيلِكَ وَرَجْلِك).

قال: كلُّ راكبٍ وماشٍ في معاصى اللهِ (٤).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك).

قال: إن له خَيْلًا ورَجُلًا مِن الجِنِّ والإِنسِ، وهم الذين يُطيعونه (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك): [إِنَّ له خَيْلًا ورِجالًا جنودًا مِن الجِنِّ والإنسِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: (وَرَجْلِك)] (٢).

قال: الرِّجالُ المشاةُ (٣).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجُلِك).

قال: خيلُه كلُّ راكبٍ في معصيةِ اللهِ، ورَجُلُه كلُّ راجلِ في معصيةِ اللهِ (٤).

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (وَأَجلِب بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك).

قال: ما كان من راكبٍ يُقاتلُ في معصيةِ اللهِ فهو مِن خيلِ إبليسَ، وما كان مِن راجِلٍ يُقاتِلُ (٥) في معصيةِ اللهِ فهو مِن رجالِ إبليسَ (٦).

والرَّجُلُ جمعُ راجلٍ، كما التَّجْرُ جمع تاجِرٍ، والصَّحْبُ جمعُ صاحِبٍ (٧).

وأما قولُه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

فإن أهلُ التأويلِ اخْتَلَفوا في المُشارَكَةِ التي عُنِيَتْ بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمْرُه إياهم بإنفاقِ أموالِهم في غيرِ طاعةِ اللهِ، واكْتِسابِهِمُوهَا مِن غيرِ حِلِّها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا يَذْكُرُ عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾.

[قال: الأموالُ] (١) التي أصَابوا (٢) مِن غيرِ حِلِّها (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾.

قال: ما أُكِل من مالٍ بغيرِ طاعةِ اللهِ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن طلحةَ بن عمرٍو، عن عطاء بن أبي رَباحٍ، قال: الشِّرْكُ في أموالِ الرِّبا (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: قد واللهِ شارَكَهم في أموالِهم؛ أعْطاهم (١) اللهُ أموالًا فأَنْفَقُوها في طاعةِ الشيطانِ في غيرِ حقِّ الله تبارَك اسمُه.

وهو قولُ قتادةَ.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: أمَرهم (٢) أن يَكْسِبوها من خبيثٍ، ويُنْفِقُوها في حرامٍ (٣).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: كلُّ مالٍ في معصيةِ اللهِ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: مشاركتُه إياهم في الأموالِ والأولادِ ما زيَّن لهم فيها مِن معاصى اللهِ حتى ركِبوها.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: كلُّ مالٍ (٥) أنْفَقوا في غيرِ حقِّه (٦).

وقال آخرون: بل عنى بذلك كلَّ ما كان مِن تحريمِ المشركين ما كانوا يُحَرِّمون من الأنْعامِ، كالبحَائرِ والسَّوائبِ ونحوِ ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: الأموالُ ما كانوا يُحَرِّمون مِن أَنعامِهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مشاركتُه في الأموالِ؛ أن جعَلوا البَحيرةَ والسَّائبةَ والوَصِيلةَ لغيرِ اللهِ (٢).

حدَّثنا محمدٌ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾.

فإنه قد فعَل ذلك؛ أما في الأموالِ فأمرَهم أن يَجْعَلوا بَحيرةً وسائبةً ووَصيلةً وحامًا (٣).

قال أبو جعفرٍ: الصوابُ: حامِيًا.

وقال آخرون: بل عنَى به ما كان المشركون يَذْبَحونه لآلهتِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ، يقولُ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: يَعْنى ما كانوا يَذْبَحون لآلهتِهم (٤).

وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بذلك كلَّ مالٍ عُصِيَ اللهُ فيه بإنفاقٍ في حرامٍ، أو اكتسابٍ من حرامٍ، أو ذَبْح للآلهةِ، أو تَسْيِيبٍ أو بَحْرٍ للشيطانِ، وغيرِ ذلك مما كان مَعْصِيًّا به أو فيه، وذلك أَنَّ الله قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾، فكلُّ ما أُطِيع الشيطانُ فيه مِن مالٍ وعُصِيَ اللهُ فيه، فقد شارَك فاعلُ ذلك فيه إبليسَ، فلا وجهَ لخصُوصِ بعضِ ذلك دونَ بعضٍ.

وقولُه: ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ شِرْكَتِه بني آدمَ في أولادِهم؛ فقال بعضُهم: شِرْكتُه إياهم فيهم بزناهم بأُمَّهاتِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: أولادُ الزِّنا (١).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا يذكُرُ عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: أولادُ الزِّنا (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: أولادُ الزِّنا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولادُ الزِّنا.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: أولادُ الزِّنا، يَعْنى بذلك أهلَ الشِّرْكِ (١).

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: الأولادُ أولادُ الزِّنا.

وقال آخرون: عنَى بذلك وَأَدَهم أَوْلادَهم وقَتْلَهمُوهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: ما قتلوا مِن أولادِهم، وأَتَوْا فيهم الحرامَ (٢).

وقال آخرون: بل عنَى بذلك صَبْغَهم إياهم في الكفرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: قد واللهِ شارَكهم في أموالِهم وأولادِهم، فمَجَّسوا وهوَّدوا ونصَّروا، وصبَغوا غيرَ صِبْغَةِ الإسلامِ، وجَزَّءوا مِن أموالهم جُزْءًا للشيطانِ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: قد فعل ذلك؛ أما في الأولاد فإنَّهم هَوَّدُوهم ونَصَّروهم ومَجَّسوهم (٢).

وقال آخرون: بل عنَى بذلك تَسْميتَهم أولادَهم عبدَ الحارثِ وعبدَ شمسٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني عيسى بنُ يونسَ، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

قال: مشاركتُه إياهم في الأولادِ؛ سَمَّوْا عبدَ الحارثِ وعبدَ شمسٍ وعبد فُلانٍ (٣).

وأوْلَى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: كلُّ ولدٍ ولَدَتْه أنثى عُصِيَ اللهُ بتسميتِه ما يَكْرَهُه اللهُ، أو بإدخالِه في غيرِ الدِّينِ الذي ارْتَضاه اللهُ، أو بالزِّنى بأُمِّهِ، أو بقَتْلِه ووَأدِه، أو غيرِ ذلك من الأمورِ التي يُعْصَى اللهُ [بها أو فيها] (٤)، فقد دَخَل في مشاركةِ إبليسَ فيه مَنْ وُلِدَ ذلك المولودُ له أو منه؛ لأن الله لم يَخْصُصْ بقولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، مَعْنَى الشِّرْكة فيه بمعنًى دُونَ معنًى، فكلُّ ما عُصِى اللهُ فيه أو به، وأُطِيعَ به الشيطانُ أو فيه، فهو [مشاركةُ مَنْ] (٥) عصَى الله فيه أو به، إبليسَ فيه وقولُه: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لإبليسَ: وعِدْ أتباعَك من ذُرِّيَّةِ آدمَ النُّصْرةَ على من أرادَهم بسوءٍ.

يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لأنه لا يُغْنى عنهم مِنْ عقابِ اللهِ إذا نزَل بهم شيئًا، فهم مِن عِداتِه في باطلٍ وخديعةٍ، كما قال لهم عدوُّ اللهِ حِينَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لإبليسَ: إنَّ عبادى الذين أطاعونى فاتَّبَعوا أمرى، وعَصَوْكَ يا إبليسُ، ليس لك عليهم حُجَّةٌ.

وقولُه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وكَفاك يا محمدُ رَبُّك حَفيظًا، وقَيِّمًا بأمرِك، فانْقَدْ لأمرِه، وبَلِّغْ رِسالَتَه هؤلاء المشركين، ولا تَخَفْ أحدًا، فإنه قد تَوَكَّلَ بحِفْظِك ونُصْرَتِك.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: وعبادُه المؤمنون، وقال اللهُ في آيةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠].

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾.

يقول تعالى ذكرُه للمشركين به: ربُّكم أيها القومُ هو الذي يُسَيِّرُ لكم السُّفُنَ في البحرِ، فيحْمِلُكم فيها ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: لتَوصَّلُوا بالرُّكوب فيها إلى أماكِنِ تجاراتِكم ومطَالِبِكم ومَعايِشِكم، وتَلْتَمِسوا مِن رِزْقِه.

﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.

يقولُ: إن الله كان بكم رحيمًا حينَ أجْرَى لكم الفُلْكَ في البحرِ؛ تَسْهِيلًا منه بذلك عليكم التَّصرُّفَ في طلبِ فضلِه في البلادِ النائيةِ، التي لولا تَسْهيلُه ذلك لكم لصَعُبَ عليكم الوصولُ إليها.

وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿يُزْجِي لَكُمُ﴾.

أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾.

يقولُ: يُجْرِى الفُلْكَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾.

قال: يُسَيِّرُها في البحرِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾.

قال: يُجْرِى.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾.

قال: يُجْرِيها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا نالَتْكم الشِّدَّةُ والجَهْدُ في البحرِ، ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾.

يقولُ: فَقَدْتم مَنْ تَدْعون مِن دُونِ اللهِ مِن الأَنْدادِ والآلهةِ، وجارَ (١) عن طريقِكم فلم يُغِثْكم، ولم تَجِدوا غيرَ اللهِ مُغِيثًا يُغِيثُكم - دعوتموه، فَلَمَّا دعوتموه [وأغاثكم] (٢) وأجاب دُعاءَكم، ونَجَّاكم مِن هَوْلِ ما كنتم فيه في البحرِ، أعْرَضْتم عمَّا دعاكم إليه ربُّكم مِن خَلْعِ الأندادِ، والبَراءةِ مِن الآلهةِ، وإفرادِه بالألوهةِ؛ كُفرًا منكم بنِعمتِهِ (٣)، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.

يقولُ: وكان الإنسانُ ذا جَحْدٍ لنعَمِ ربِّه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ [يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ] (٤) عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ أيها الناسُ مِن ربِّكم، وقد كَفَرْتم نعمتَه بتَنْجِيتِه إياكم من هولِ ما كنتم فيه في البحرِ، وعظيمِ ما كنتم قد أشْرَفْتم عليه مِن الهلاكِ، فَلَمَّا نَجاكم وصِرْتم إلى البَرِّ كَفَرْتم به (٥)، وأَشْرَكْتم في عبادتِه غيرَه، ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يعنى ناحية البَرِّ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾.

يقولُ: أو يُمطِرَكم حجارةً مِن السماءِ تَقْتُلُكم، كما فَعَل بقومِ لوطٍ، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾.

يقولُ: ثم لا تَجِدوا لكم قَيِّمًا (١) يقومُ بالمدافَعَةِ عنكم مِن عذابِه، وما يَمْنَعُكم منه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾.

يقولُ: حجارةً مِن السماءِ، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾: أي مَنَعَةً ولا ناصرًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينٌ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾.

قال: مطرَ الحجارةِ إذا خَرَجْتُم مِن البحرِ.

وكان بعضُ أهلُ العربيةِ يُوَجِّهُ تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾.

إلى: أو يُرْسِلَ عليكم رِيحًا عاصِفًا تَحصِبُ.

ويَسْتَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٣): مُسْتَقْبِلِين شمالَ الشَّامِ تَضْرِبُنا … بحاصِبٍ كنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ وأصلُ الحاصِبِ: الريحُ تَحصِبُ بالحَصْباءِ.

والحصباءُ: الأرضُ فيها الرملُ والحَصَى الصِّغارُ.

يُقالُ (١) في الكلامِ: حصَب (٢) فلانٌ فلانًا.

إذا رَماه بالحصباءِ.

وإنما وُصِفَتِ الريحُ بأنها تحصِبُ؛ لرَمْيِها الناسَ بذلك، كما قال الأَخْطَلُ (٣): ولقد عَلِمْتِ إِذا العشارُ (٤) تَرَوَّحَتْ … هَدَجَ الرِّئَالِ (٥) تَكُبُّهُنَّ شَمَالًا تَرمْى العِضاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْجِها … حتى يَبِيتَ على العِضاهِ جُفَالا القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ (٦) فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ (٧) عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ (٨) بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾، أيها القومُ مِن ربِّكم، وقد كَفَرْتم به بعدَ إنْعامِه عليكم النعمةَ التي قد عَلِمْتم، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحرِ ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾.

يقولُ: مَرَّةً أُخرى.

والهاء التي في قوله: ﴿فِيهِ﴾.

مِن ذِكْرِ البحر.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾.

أي: في البحرِ مرةً أُخرى (١).

﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾.

وهى التي تَقْصِفُ مَا مَرَّتْ به فتُحَطِّمُه وتَدُقُّه، من قولِهم: قصَف فلانٌ ظَهْرَ فلانٍ.

إذا كسَره، ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾.

يقولُ: فيُغْرِقكم اللهُ بهذه الريحِ القاصِفِ ﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾.

يقولُ: بكُفْرِكم به.

﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.

يقول: ثم لا تجدوا لكم علينا تابعًا يَتْبَعُنا بما فَعَلْنا بكم، ولا ثائِرًا يَثأَرُنا بإهلاكناكم (٢).

وقيل: ﴿تَبِيعًا﴾ في موضعِ "التابِعِ"، كما قيل: "عليمٌ" في موضعِ "عالمٍ".

والعربُ تقولُ لكل طالبٍ بدَمٍ أو دَيْنٍ أو غيرِه: تبيعٌ.

ومنه قولُ الشاعرِ: عَدَوْا وَعَدَتْ غِزْلانُهم فكأَنها … ضوامِنُ غُرمٍ لَزَّهن تَبِيعُ وبنحوِ الذي قلنا في "القاصفِ" و "التَّبيعِ" قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾.

يقولُ: عاصِفًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿قَاصِفًا﴾: التي تُغْرِقُ (٤).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.

يقولُ: نصيرًا (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ.

قال محمدٌ: ثائِرًا.

وقال الحارثُ: نصيرًا ثائرًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.

قال: ثائرًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.

أي: لا نَخافُ أَن تُتْبَعَ بشيءٍ مِن ذلك.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.

يقولُ: لا يَتْبَعُنا أحدٌ بشيءٍ مِن ذلك (٣).

والتارةُ تُجْمَعُ (٤): تاراتٌ وتِيَرٌ.

وأَفْعَلْتُ (٥) منه: أَتَرْتُ.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

[*] .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

﷽ القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: بِتَسْلِيطِنا إياهم على غيرِهم مِن الخَلْقِ، وتَسْخيرِنا سائرَ الخلقِ لهم، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ على ظُهُورِ الدَّوابِّ والمَرَاكِب، وفى ﴿وَالْبَحْرِ﴾ في الفُلْكِ التي سَخَّرْناها لهم، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾.

يقولُ: مِن طَيِّباتِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وهى حَلالُها ولَذِيذاتُها، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.

ذُكِرَ لنا (١) أن ذلك تَمَكُّنُهم مِن العملِ بأَيْدِيهِم (١)، وأخْذِ الأطعمةِ والأشْرِبَةِ بها، ورَفْعِها بها إلى أفواهِهم، وذلك غيرُ مُتَيَسِّرٍ لغيرِهم من الخَلْقِ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية.

قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ في اليَدَيْن يَأْكُلُ بهما، ويَعْمَلُ بهما، وما سوى الإنْسِ يأكُلُ بغيرِ ذلك.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

قال: قالت الملائكةُ: يا ربَّنا، إنك أعْطَيْتَ بني آدمَ الدنيا يَأْكُلون منها، ويَتَنعَّمون، ولم تُعْطِنَا ذلك، فأَعْطِناه في الآخرة.

فقال: وعِزَّتى لا أَجْعَلُ ذُرِّيَّةَ مَن خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، كَمَنْ قلتُ له: كُنْ.

فكان.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الإمامِ" الذي ذكَر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنه يَدْعو كلَّ أُناسٍ به؛ فقال بعضُهم: هو نَبِيُّه ومَن كان يَقْتَدِى به في الدنيا ويَأْتَمُّ به.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: بنبيِّهم (١).

حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: بنبيِّهم.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: بنبيِّهم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: بنبيِّهم (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه [يَدْعُو بهم] (١) بكُتُبِ أعمالِهم التي عَمِلوها في الدنيا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: الإمامُ، ما عَمِل وأَمْلَى، فكُتب عليه، فمن بُعِث مُتَّقِيًا للهِ جُعِل كتابُه بيمينِه، فقَرَأه واسْتَبْشَر، ولم يُظْلَمُ فَتِيلًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]: والإمامُ ما أمْلَى وعَمِل (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: بأعمالِهم.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: بكتابِهم الذي فيه أعمالُهم (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

يقولُ: بكتابِهم (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: بأعمالِهم (١).

وقال آخرون: بل مَعْناه: يومَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بكتابهم الذي أَنْزَلْتُ عليهم بأمرى (٢) ونَهْيِى.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ - يَعْنى (٣) - ابن زيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.

قال: بكتابِهم الذي أُنزِل عليهم فيه أمرُ الله ونَهْيُه وفَرائِضُه، والذي عليه يُحاسبون.

وقَرَأ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].

قال: الشِّرْعَةُ الدِّينُ، والمنْهاجُ السُّنَّةُ.

وقَرَأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣].

قال: فنوحٌ أَوَّلُهم، وأنت آخِرُهم (٤).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾: بكُتُبِهم (٥).

وأَوْلَى هذه الأقوالِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: يومَ ندْعو كلَّ أُناس بإمامهم الذي كانوا يَقْتَدون به، ويَأْتَمُّون به في الدنيا؛ لأن الأغْلَبَ مِن استعمالِ العربِ "الإمامَ" فيما ائْتُمَّ واقْتُدِىَ به، وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأَشْهَرِ أوْلَى، ما لم تَثْبُتْ حُجَّةٌ بخلافِه يَجِبُ التسليمُ لها.

وقولُه: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾.

يقولُ: فمَن أُعْطِيَ كتابَ عمله بيمينِه، ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ ذلك حتى يَعْرِفُوا جميعَ ما فيه، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَظْلِمُهم اللهُ مِن جزاءِ أعمالِهم ﴿فَتِيلًا﴾ وهو المُنْفَتِلُ الذِي فِي شَقِّ بطنِ النَّوَاةِ.

وقد مضَى البيانُ عن "الفَتيلِ" بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.

قال: الذي في شَقِّ النَّواةِ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أُشِيرَ إليه بقوله: ﴿هَذِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: أُشِير بذلك إلى النِّعَمِ التي عَدَّدَها تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.

فقال: ومَن كان في هذه النِّعَمِ (٣) أَعْمَى فهو في نِعَمِ (٣) الآخرةِ أَعْمَى وأَضَلُّ سبيلًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: سُئِل عن هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

فقال: قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.

قال: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هذه النعمِ في الدنيا، فهو في الآخرةِ أعمَى وأَضَلُّ سَبِيلًا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن كان في هذه الدنيا أعمَى عن قُدْرَةِ اللَّهِ فيها وحُجَجِه، فهو في الآخرةِ أعمَى.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾.

يقولُ: مَن عَمِيَ عن قُدرةِ اللَّهِ فِي الدُّنيا، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾.

قال: الدُّنيا (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾.

يقولُ: مَن كان في هذه الدنيا أعمَى عما عايَنَ فيها مِن نعمِ اللهِ وخلقِه وعجائبِه (٣)، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: فيما يَغِيبُ عنه مِن أمرِ الآخرةِ أعمَى.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾: في الدنيا فيما أرَاه اللهُ مِن آياتِه، من خلقِ السماواتِ والأرضِ، والجبالِ والنجومِ، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ الغائبةِ التي لم يَرَها أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

فقَرَأ: ﴿إِنَّ فِي (٢) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣].

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].

وقَرَأَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.

وقرَأ حتى بَلَغ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٦].

قال: كلٌّ له مُطيعون إِلَّا ابنَ آدمَ.

قال: فمَن كان في هذه الآياتِ التي يَعْرفُ أنها منَّا، ويَشْهَدُ عليها، وهو يَرَى قدرتَنا ونعمتَنا، أعمَى، فهو في الآخرةِ التي لم يَرَها، أعمَى وأَضَلُّ سبيلًا.

وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معني ذلك: ومن كان في هذه الدُّنيا أعمَى عن حُجَجِ اللَّهِ، على أنه المُنْفَرِدُ بخَلْقِها وتدبيرِها، وتصريفِ ما فيها، فهو في أمرِ الآخرةِ التي لم يَرَها ولم يُعايِنْها، وفيما هو كائنٌ فيها ﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

يقولُ: وأَضَلُّ طريقًا منه في أمر الدنيا التي قد عايَنَها ورَآها.

وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى ذكرُه لم يَخْصُص في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى﴾، عمَى الكافرِ به عن بعضِ حُجَجِه عليه فيها دونَ بعض، فيُوَجَّهَ ذلك إلى عَماه عن نِعَمِه بما أنْعَم به عليه مِن تكريمِه بنى آدمَ، وحَمْله إياهم في البرِّ والبحرِ، وما عَدَّد في الآيةِ التي ذكَر فيها نِعَمَه عليهم، بل عَمَّ بالخبرِ عن عَماه في الدنيا، فهو (١) كما عَمَّ تعالى ذكرُه.

واخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾؛ فَكَسَرَتِ (٢) القَرأَةُ جميعًا الحرفَ الأولَ، أعنِى قولَه: (ومَنْ كان في هذه أَعْمِى) (٣).

وأما قوله: (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى).

فإن عامَّةً قَرَأَةِ الكوفيين أمالَتْ أيضًا قولَه: (فهو في الآخِرَةِ أَعْمِى).

وأما بعضُ قرأةِ البصرةِ فإنه فتَحه، وتَأَوَّلَه بمَعْنَى: فهو في الآخرةِ أشَدُّ عَمًى.

واسْتَشْهَد لصحةِ قراءتِه بقولِه: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

وهذه القراءةُ هي أوْلَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ؛ للشاهدِ الذي ذكرْنا عن قارِئِه كذلك، وإنما كرِه مَن كرِه قراءتَه كذلك؛ ظَنًّا منه أن ذلك مقصودٌ به قَصْدَ عَمَى العينَيْن الذي لا يُوصَفُ أحدٌ بأنه أعْمَى مِن آخرَ أعمَى؛ إذ كان عمَى البصرِ لا يَتَفاوَتُ فيكونَ أحدُهما أَزْيَدَ عَمًى مِنْ آخَرَ، إلا بِإِدْخال "أَشَدَّ" أو "أبْيَنَ"، فليس الأمرُ في ذلك كذلك.

وإنما قلنا: ذلك مِن عَمَى القلبِ الذي يَقَعُ فيه التَّفاوُتُ.

فإِنما عنَى به عمَى قلوبِ الكفارِ عن حُجَجِ الله التي عايَنَتْها أبصارُهم، فلذلك جاز ذلك وحَسُن.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾.

قال: أعمَى عن حُجَّتِه في الآخرةِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الفتنةِ" التي كاد المشركون أن يَفْتِنوا رسولَ اللهِ ﷺ بها عن الذي أَوْحَى اللهُ إليه، إلى غيرِه؛ فقال بعضُهم: ذلك الإلمامُ بالآلهةِ؛ لأن المشرِكين دَعَوْه إلى ذلك، فهمَّ به رسولُ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يسْتلِمُ الحجرَ الأسودَ، فمنَعَتْه قريشٌ، وقالوا: لا نَدَعُك (٢) حتى تُلِمَّ (٣) بآلهتِنا.

فحدَّث نفسَه وقال: "ما عَليَّ أَنْ أُلِمَّ بها بعدَ أَن يَدَعُونِي أَسْتَلِمُ الحَجَرَ، واللهُ يعلمُ أنِّي لها كارِهٌ".

فأبَى اللهُ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الآية (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: ذُكِر لنا أن قريشًا خَلَوْا برسولِ اللهِ ﷺ ذاتَ ليلةٍ إلى الصُّبح يُكلِّمونه ويُفخِّمونه ويُسوِّدونه ويُقارِبونَه، وكان في قولِهم أن قالوا: إنَّك تأتى بشيءٍ لا يأتى به أحدٌ من الناسِ، وأنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا.

فما زالوا يكلِّمونَه حتى كاد أن يُقارِفَهم (١)، ثم مَنَعَه اللهُ وعَصَمه مِن ذلك، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾.

قال: أطافوا به ليلةً، فقالوا: أنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا فأرادوه على بعضِ ما يُريدون، فهَمَّ أن يُقارِبَهم (١) في بعضِ ما يُريدُون، ثم عصَمه اللهُ، فذلك قولُه: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾؛ الذي أرادوا، فهَمَّ أن يُقارِبَهم (٣) فيهِ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ.

قال: قالوا له: ائتِ آلهتَنَا فامْسَسْها.

فذلك قولُه: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾.

وقال آخرون: إنما كان ذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ هَمَّ أَن يُنْظِرَ قومًا بإسلامِهم إلى مدةٍ سَأَلوه الإنْظارَ إلَيها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾: وذلك أن ثَقِيفًا كانوا قالوا للنبيِّ ﷺ: يا رسولَ اللهِ، أَجِّلْنا سنةً حتى يُهدَى لآلهتِنا، فإذا قبَضْنا الذي يُهدَى لآلهتِنا أخَذْناه، ثم أسْلَمْنا وكسَّرنا الآلهةَ.

فهَمَّ رسولُ اللهِ ﷺ أن يُعطيَهم وأن يُؤجِّلَهم، فقال اللهُ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (١).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن نبيِّه ﷺ أن المشركين كادوا أن يَفْتِنوه عمَّا أوحاه اللهُ إليه ليَعْملَ بغيرِه، وذلك هو الافتراءُ على اللهِ.

وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان ما ذكَر عنهم مَن ذكَر أنَّهم دَعَوْه إلى أن يَمَسَّ آلهتَهم ويُلِمَّ بها.

وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك ما ذُكِر عن ابن عباسٍ مِن أمرٍ ثَقيفٍ ومسألَتِهم إيَّاه ما سألوه ممَّا ذَكَرْنا.

وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك.

ولا بيانَ في الكتابِ ولا في خبرٍ يَقْطَعُ العذرَ أيُّ ذلك كان، والاختلافُ فيه موجودٌ على ما ذَكَرْنا، فلا شيءَ فيه أصوبُ من الإيمانِ بظاهرِه حتى يأتىَ خبرٌ يجبُ التسليمُ له ببيانِ ما (٢) عَنى بذلك منه.

وقولُه: ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولو فعَلْتَ ما دَعَوْك إليه مِن الفتنةِ عن الذي أوحَيْنا إليك، لَاتَّخَذوكَ إذن لأنفُسِهم خليلًا، وكنتَ لهم وكانوا لك أولياءَ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن ثبَّتْناك يا محمدُ، بعِصْمَتِناك (٣) عمَّا دعاك إليه هؤلاء المشركون من الفتنة، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: لقد كِدتَ تميلُ إليهم وتَطْمَئِنُّ شيئًا قليلًا، وذلك ما كان ﷺ همَّ به مِن أن يَفعَل بعضَ الذي كانوا سَأَلُوه فِعلَه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ فيما ذُكِر، حينَ نزَلت هذه الآيةُ ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله: "لا تَكِلْنِي إلى نَفْسى طَرْفَةَ عينٍ" (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لو رَكَنْتَ إلى هؤلاء المشركين يا محمدُ، شيئًا قليلًا فيما سألوك، إذَنْ لأذَقْناك ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ عذابِ المماتِ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: يَعْنى ضعفَ عذابِ الدنيا والآخرةِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَحِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾.

قال: عذابَها، ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾.

قال: عذابَ الآخرةِ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾.

أي عذابَ الدنيا والآخرةِ.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾.

قال: عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ (٢).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: يعنى عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ (٣).

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ (٤) في قولِه: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾: مُختَصَرٌ، كقولِك: ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ (٥) المماتِ.

فهُما عذابان؛ عذابُ المماتِ به ضُوعِف عذابُ الحياةِ.

وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، يقولُ: ثم لا تجدُ لك يا محمدُ - إن نحن أذَقْناك لرُكونِك إلى هؤلاء المشركين، لو رَكَنْتَ إليهم، عذابَ الحياةِ وعذابَ المماتِ - علَينا نَصيرًا ينصُرُك علينا، فيَمْنَعُك من عذابِك، ويُنقِذُك ممَّا نالكَ منّا مِن عقوبةٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (١) إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾.

يقولُ ﷿: وإن كاد هؤلاء القومُ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾.

يقولُ: لَيَسْتَخِفُّونَك مِن الأرضِ التي أنتَ بها ليُخرجوكَ مِنها، ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: ولو أخرَجوك منها لم يلْبَثوا بعدَك فيها إلَّا قليلًا حتى أُهلِكَهم بعذابٍ عاجلٍ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين كادوا أن يستفِزُّوا رسولَ اللهِ ﷺ ليُخرِجوه مِن الأرضِ، وفى الأرضِ التي أرادُوا أن يخرِجوه مِنها؛ فقال بعضُهم: الذين كادوا أن يستفزُّوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن ذلك اليهودُ، والأرضُ التي أرادوا أن يخرِجُوه منها المدينةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعْتَمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمَيٌّ أَنَّه بلَغه أن بعضَ اليهودِ قال للنبيِّ ﷺ: إن أرضَ الأنبياءِ أرضُ الشامِ، وإن هذه ليست بأرضِ الأنبياءِ.

فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (١).

وقال آخرون: بل كان القومُ الذين فعَلوا ذلك قريشًا، والأرضُ مكةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (٢) إِلَّا قَلِيلًا﴾: وقد هَمَّ أهلُ مكةَ بإخراجِ النبيِّ ﷺ من مكةَ، ولو فعَلوا ذلك لَمَا تَوَطَّنوا، ولكنَّ اللَّهَ كفَّهم عن إخراجِه حتى أمَرَه، ولَقلَّما مع ذلك لَبِثُوا بعد خروجِ نبيِّ اللهِ ﷺ من مكةَ، حتى بعَث اللهُ عليهم القتلَ يومَ بدرٍ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾.

قال: قد فعَلوا بعدَ ذلك، فأهلكهم اللهُ يومَ بدرٍ، ولم يَلْبَثوا بعدَه إلا قليلًا حتى أهْلَكهم اللهُ يومَ بدرٍ، وكذلك كانت سُنَّةُ اللهِ في الرُّسلِ إذا فعَل بهم قومُهم مثل ذلك (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خِلَافَكَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: لو أخرَجتْ قريشٌ محمدًا لعُذِّبوا بذلك (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وأوْلَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ قتادةَ ومجاهدٍ؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾.

في سياقِ خبرِ اللَّهِ ﷿ عن قريشٍ وذِكْرِه إيَّاهم، ولم يَجْرِ لليهودِ قبلَ ذلك ذكرٌ، فتَوَجَّه (٣) قولُه: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾.

إلى أنَّه خبرٌ عنهم، فهو بأن يكونَ خبرًا عمَّن جَرَى له ذكرٌ أَوْلَى مِن غيرِه.

وأمَّا القليلُ الذي استثناه اللهُ جلَّ ذكرُه في قولِه: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فإنَّه - فيما قيل - ما بينَ خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ إلى أنْ قتَل اللهُ مَن قتَل مِن مشركِيهم ببدرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (٤) إِلَّا قَلِيلًا﴾: يَعْنى بالقليلِ يومَ أخذَهم ببدرٍ، فكان ذلك هو القليلَ الذي لبِثوا بعدَه (٥).

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (١) إِلَّا قَلِيلًا﴾: كان القليلُ الذي لبِثوا بعدَ خروجِ النبيِّ ﷺ من بين أظهُرِهم إلى بدرٍ، فأَخَذَهم بالعذابِ يومَ بدرٍ (٢).

وعَنَى بقولِه: ﴿خِلَافَكَ﴾: بعدَك.

كما قال الشاعرُ (٣): عَقَب الرَّدَاذُ (٤) خِلافَها فكأَنَّما … بسَط الشَّواطِبُ بينَهنَّ حَصِيرًا يعنى بقولِه: خلافَها: بعدَها.

وقد حُكى عن بعضِهم أنه كان يقرَؤُها: (خَلْفَكَ) (٥).

ومعنَى ذلك ومعنَى الخلافِ في هذا الموضعِ واحدٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لو أخرَجوك [مِن مكةَ] (٦) لم يَلْبَثوا خِلافَك إلا قليلًا، وَلأَهْلكْناهم بعذابٍ مِن عندِنا، سُنَّتَنا في مَن قد أَرْسَلْنا قبلَك من رُسلِنا، فإِنَّا كذلك كنا نفعَلُ بالأمم إِذا أخرَجتْ رُسلَها مِن بين أظهُرِهم.

ونُصِبتِ "السُّنَّةُ" على الخروجِ (٧) مِن معنى قولِه: ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

لأن معنَى ذلك: لَعَذَّبْناهم بعدَ قليلٍ كسُنَّتِنا في أممٍ مَن أَرْسَلْنا قبلَكَ مِن رُسلنا.

ولا تجدُ لسُنَّتِنا تحويلًا عمَّا جرَت به.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾.

أي: سُنَّةَ الأُممِ والرُّسلِ كانت قبلَك كذلك، إذ كذَّبوا رُسلَهم وأخرَجوهم، لم يُناظَروا أن الله عاجِلٌ (١) علَيهم عذابَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أقمِ الصلاةَ يا محمدُ لدُلُوكِ الشمسِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي عَنَاه اللهُ بدُلوكِ الشمسِ؛ فقال بعضُهم: هو وقتُ غروبِها، والصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها حينئذٍ صلاةُ المغربِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أبي إسحاقَ - يعنى الشَيْبانيَّ - عن عبدِ الرحمن بن الأسودِ، عن أبيه، أنَّه كان مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ على سطحٍ حينَ غرَبتِ الشمسُ، فقرأ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

حتى فرَغ من الآيةِ، ثم قال: والذي نفسي بيدِه إن هذا لَحِينَ دَلَكَتِ الشمسُ وأفْطَر الصائمُ ووقتُ الصلاةِ (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عُقْبَةَ بن عبدِ الغافرِ، أنَّ أبا عُبيدةَ بنَ عبدِ اللهِ كتَب إليه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان إذا غرَبتِ الشمسُ صلَّى المغربَ، ويُفطِرُ عندَها إن كان صائمًا، ويُقسِمُ عليها يمينًا ما يُقسِمُه على شيءٍ من الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، إن هذه الساعةَ لميقاتُ هذه الصلاةِ.

ويقرَأُ فيها تفسيرَها من كتابِ اللهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

حدَّثنا محمدُ بن المثنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: هذا دلوكُ الشمسِ، وهذا غَسَقُ الليلِ.

وأشار إلى المشْرقِ والمغْربِ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: دلوكُ الشمسِ غُروبُها.

يقولُ: دَلَكتْ بَرَاحِ (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، أَنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكتْ بِرَاحٍ (٣).

يعنى بِـ "رَاحٍ" مكانًا (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُها غُروبُها (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قد ذُكِر لنا أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يُصلِّيها إذا وجَبتْ، وعندَها يُفطِرُ إذا كان صائمًا، ثم يُقسِمُ عليها قسَمًا لا يُقسِمُه على شيءٍ مِن الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إن هذه الساعةَ لِمَيقاتُ هذه الصلاةِ.

ثم يقرَأُ ويُصلِّيها.

وتَصْدِيقُها مِن كتابِ اللَّهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

قال: كان أبي يقولُ: دُلوكُها حينَ تُريدُ الشمسُ تَغْرُبُ إلى أن يَغْسِقَ الليلُ.

قال: هي المغربُ حينَ يغسِقُ الليلُ، وتَدْلُكُ الشمسُ للغروبِ.

حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، سمِع عمرُو بنُ دينارٍ أبا عُبيدة بنَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ يقولُ: كان عبدُ اللهِ يُصلِّى المغربَ حينَ يغرُبُ حاجبُ الشمسِ، ويحلِفُ أنَّه الوقتُ الذي قال اللهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ حينَ غرَبتِ الشمسُ: هذا، واللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، وقتُ هذه الصلاةِ.

وقال: دلوكُها غروبُها (١).

وقال آخرون: دلوكُ الشمسِ مَيْلُها للزَّوالِ، والصلاةُ التي أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بإقامتِها عندَ دلوكِها الظهرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: دلوكُها مَيْلُها.

يعنى الشمسَ (٢).

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

قال: دُلوكُها زَوالُها (٣).

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

قال: دلوكُها مَيْلُها (٤).

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن سيَّارِ بن سَلَامةَ، عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَميِّ قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

قال: إذا زالَت (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ مرَّةً أخرَى، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا سيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ فسأله والدى عن مواقيتِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّى الظهرَ إذا زالتِ الشمسُ، ثم تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢).

حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

قال: الظهرُ، دلوكُها إذا زالَتْ عن بطنِ السماءِ وكان لها في الأرضِ فَيْءٌ.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

قال: دُلوكُها زوالُها (٣).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَ ذلك (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

قال: لزوالِ الشمسِ (٤).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ زَيْغُها بعدَ نصفِ النَّهارِ.

يعنى الظهرَ (١).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: دلوكُ الشمسِ، قال: حينَ تَزِيعُ عن بطنِ السماءِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

أي: إذا زالَتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاةِ الظهرِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

قال: حين تَزِيعُ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ حين تَزيغُ.

وأوْلى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنى بقولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

صلاةَ الظهرِ.

وذلك أن الدُّلوكَ في كلامِ العربِ الميْلُ.

يُقالُ منه: دلَك فلانٌ إلى كذا.

إذا مال إليه.

ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن الحسنِ أَنَّ رجلًا قال له: أيُدَالِكُ الرجل امرأتَه (٤)؟

يعنى بذلك: أيَميلُ بها إلى المماطلةِ بحقِّها.

ومنه قولُ الراجزِ (١): هذا مَقامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ غُدْوَةَ (٢) حتى دَلَكَتْ بِرَاحِ ويُرْوَى: بَرَاحٍ، بفتحِ الباءِ.

فمَنْ روَى ذلك "بِراحِ" بكسرِ الباءِ، فإنَّه يعنى أنَّه يَضَعُ الناظرُ كفَّه على حاجِبِه مِن شُعاعِها، ليَنْظُرَ [ما بَقِى من غِيابِها] (٣).

وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ؛ أبى عُبَيدةَ، والأصمعيِّ، وأبي عمرٍو الشَّيْبانيِّ، وغيرِهم.

وقد ذكَرتُ في الخبرِ الذي روَيتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكَتْ بِراحٍ (٤).

يعنى بـ "براحٍ" مكانًا.

ولستُ أدرى هذا التفسيرَ - أعْنِي قولَه: بِراحٍ مكانًا - مِن كلامٍ مَن هوَ مُمَّنْ في الإسنادِ، أَو مِن كلام عبدِ اللهِ؟

فَإِن يَكُنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فلا شكَّ أنَّه كان أعلمَ بذلك مِن أهلِ الغريبِ الذين ذكَرتُ قولَهم، وأن الصوابَ في ذلك قولُه دونَ قولِهم.

وإن لم (٥) يكنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فإنَّ أهلَ العربيةِ كانوا أعلمَ بذلك منه.

ولِمَا قال أهلُ الغريبِ في ذلك شاهدٌ مِن قولِ العَجَّاجِ، وهو قولُه (٦): والشمسُ قد (٧) كادتْ تكونُ دَنَفًا (٨) أدْفَعُها بالرَّاح كي تَزَحْلَفا (١) فأَخبَر أَنه يَدْفَعُ شُعَاعَها لِيَنْظُرَ إِلَى مَغيبها بِرَاحِه.

ومَن روَى ذلك بفتحِ الباءِ، فإنَّه جَعَلَه اسمًا للشَّمسِ، وكَسَر الحاءَ لإخراجِه إيَّاه على تقديرِ: قَطَامِ وحَذَامِ ورَقاشِ.

فإذا كان معنى الدُّلوكِ في كلامِ العربِ هو الميلُ، فلا شكَّ أن الشمسَ إذا زالَت عن كبِدِ السماءِ فقد مالَتْ للغروبِ، وذلك وقتُ صلاةِ الظهرِ.

وبذلك ورَد الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ، وإن كان في [إسنادِ بعضه] (٢) بعضُ النَّظرِ.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنى أبو بكرِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن أبي مسعودٍ عُقبةَ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "أتاني جبريلُ ﵇ لِدُلُوكِ الشمس، حينَ زالَتِ الشمسُ (٣)، فصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ" (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بن واقدٍ، قال: ثنى سَيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: قال أبو بَرْزةَ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يُصَلِّي الظهْرَ إِذا زالَتِ الشمسُ.

ثم تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن ابن أبى ليلى، عن رجلٍ، عن جابر بن عبدِ اللَّهِ، قال: دعَوْتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ وَمَن شَاء من أصحابِه، فطَعِموا عندِي، ثم خرَجوا حين زالَت الشمسُ، فخرَج النبيُّ ﷺ فقال: "اخْرُج يا أبا بكرٍ قد (٢) دَلَكَتِ الشمسُ" (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ (٤) الرازيُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثنا أبو عَوَانَةَ، الأسودِ بن قيسٍ، عن نُبَيْحٍ العَنَزِيِّ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَ حديثِ ابن حُميدٍ (٥).

فإذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي (٦) به استَشْهَدْنا، فبَيِّنٌ إذنْ أن معنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ بحدودِهما ممَّا أوجبَ اللهُ عليك فيهما؛ لأنهما الصلاتان اللتان فرضَهما اللهُ على نبيِّه من وقتِ دُلوكِ الشمسِ إلى غَسَقِ اللَّيلِ.

وغسقُ الليلِ هو إقبالُه ودُنُوه بظَلامِه.

كما قال الشاعرُ (٧): *آبَ هذا الليلُ إِذ غَسَقَا* وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في الصلاةِ التي أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بإقامتِها عندَه؛ فقال بعضُهم: الصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها عندَه صلاةُ المغربِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

قال: غسَقُ الليل بُدُوُّ الليلِ (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

قال: بدوُّ الليلِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: غسَقُ الليلِ غروبُ الشمسِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: صلاةِ المغربِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: بُدُوِّ الليلِ لصلاةِ المغربِ، وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "لا تزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي على الفِطْرَةِ ما صَلَّوْا صلاةَ المغرب قبلَ أن تَبْدُوَ النُّجومُ" (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذِ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: يعنى إظْلامَ (٢) الليلِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: كان أبى يقولُ: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: ظُلْمةِ الليلِ.

وقال آخرون: هي صلاةُ العصرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في (٣): ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.

قال: صلاةُ العصرِ.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: الصلاةُ التي أُمر النبيُّ ﷺ بإقامتِها عندَ غسَقِ الليل هي صلاةُ المغربِ دونَ غيرِها؛ لأن غسقَ الليلِ هو ما وصَفنا من إقبالِ الليلِ وظلامِه، وذلك لا يكونُ إلا بعدَ مَغيبِ الشمسِ.

فأمَّا (٤) صلاةُ العصرِ، [فإنَّها ممَّا تُقامُ] (٥) بينَ ابتداءِ دلوكِ الشمسِ إلى غسَقِ الليلِ، لا عندَ غسَقِ الليل.

وأما قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.

فإن معناه: وأقِمْ قرآنَ الفجرِ.

أي: ما تقرَأُ به في صلاة الفجر من القرآنِ.

"والقرآنُ" معطوفٌ على "الصلاةِ" في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.

وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِب قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.

على الإغراءِ، كأَنَّه قال: وعلَيك قرآنَ الفجرِ.

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

يقولُ: إن ما تقرَأُ به في صلاةِ الفجرِ من القرآنِ كان مشهودًا؛ يشهَدُه، فيما ذُكر، ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.

وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، وعن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: "تشهَدُه ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ" (١).

حدَّثنا موسى (١) بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا ليثُ بنُ سعدٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عَسْكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يفتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَين من الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى منهن ينظُرُ فِي الكتابِ الذي لا ينظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيمحو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، ثم ينزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم ترها عينٌ، ولم (٢) تخطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مسكنُه، ولا يسكُنُ معه من بنى آدمَ غيرُ ثلاثةٍ؛ النبيِّينَ والصدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لمن دخَلك.

ثم يَنزِلُ في الساعةِ الثالثةِ إلى السماءِ الدنيا بروحِهِ وملائكتِه فتنتفضُ، فيقولُ: قومى بقُوَّتى (٣).

ثم يطَّلِعُ إلى عبادِه، فيقولُ: من يستغفِرْني أغفِرْ له، من يسألْني أُعْطِه، من يدعوني فأستجيبَ له.

حتى يطلُعَ الفجرُ".

فذلك حينَ (٤) يقولُ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال موسى في حديثِه: "شهِده اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ".

وقال ابن عسكرٍ في حديثِه: "فيشهَدُه اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ" (٥).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عقبةَ بن عبدِ الغافرِ، قال: قال أبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ: كان عبدُ اللَّهِ يحدِّثُ أن صلاةَ الفجرِ عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ، ويقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاةَ الصبحِ، كنَّا نُحدَّثُ أن عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ؛ حَرَسُ الليلِ وحَرَسُ النَّهارِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: صلاةَ الفجرِ.

وأما قولُه: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ فإنَّه (٢) يقولُ: ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ يشهَدون تلك الصلاةِ (٣).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ أَنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: تنزِلُ ملائكةُ النَّهارِ وتصعَدُ ملائكةُ الليلِ (٤).

حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن (٥) عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ، عن أبي عُبيدةَ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: يشهَدُه حرسُ الليلِ وحرسُ النَّهارِ من الملائكةِ في صلاةِ الفجرِ (٦).

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: كانوا يقولون: تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الفجرِ فتشهَدُ فيها جميعًا، ثم يصعَدُ هؤلاء ويقيمُ هؤلاء.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

يعنى: صلاةَ الصبحِ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.

قال: صلاةَ الصبحِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.

قال: صلاةَ الصبحِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: تجتمِعُ في صلاةِ الفجرِ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: يعنى صلاةَ الغداةِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.

قال: صلاةَ الفجرِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: مشهودًا من الملائكةِ فيما يذكُرون.

قال: وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ وأُبيُّ بنُ كعبٍ يقولان: الصلاةُ الوسطى التي حضَّ اللَّهُ عليها صلاةُ الصبحِ، قال: وذلك أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ صلاتا النَّهارِ، والمغربَ والعشاءَ صلاتا الليلِ، وهى بينها، وهى صلاةُ نومٍ، ما نعلمُ صلاةً يُغفَلُ عنها مثلَها.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي الوردِ بن ثُمامةَ، عن أبي محمدٍ الحضرميِّ، قال: ثنا كعبٌ، في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن هذه الآيةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

إنها لصلاةُ الفجرِ، إنها لمَشهودةٌ (١).

حدَّثني الحسنُ بنُ عليِّ بن عياشٍ (٢) قال: ثنا بشرُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرني أبي، عن الزهريِّ، قال ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاة الفجرِ".

ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرَءوا إن شئتُم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

قال: صلاةَ الفجرِ، يجتمِعُ فيها ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ومن اللَّيلِ فاسهَرْ بعدَ نومَةٍ يا محمدُ، بالقرآنِ، نافِلةً لك خالصةً دونَ أمَّتِك.

والتهجُّدُ التيقُّظُ والسّهَرُ بعدَ نومَةٍ من اللَّيلِ، وأمَّا الهجودُ نفسُه فالنومُ.

كما قال الشاعرُ (١): ألَا طرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجودُ … فباتَت بعُلَّاتِ (٢) النَّوالِ تجودُ وقال الحُطَيئةُ (٣): ألا طرَقَت هندُ الهنودِ وصُحْبَتى … بحَوْرانَ حَوْرانِ الجنودِ (٤) هُجُودُ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشُعَيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ (٥) بن يزيدَ، عن ابن (٦) أبي هلالٍ، عن الأعرجِ أنَّه قال: أخبرَني حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في سفرٍ، فقال: لأنظُرنَّ كيف يصلِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ.

قال: فنام رسولُ اللَّهِ ﷺ ثم استيقَظ، فرفَع رأسَه إلى السماءِ، فتلا أربعَ آياتٍ من آخرِ سورةِ "آل عِمرانَ": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].

حتى مرَّ بالأربعِ، ثم أهوَى (١) إلى القِرْبةِ، فأخَذ (٢) سواكًا فاستَنَّ به، ثم توضَّأ، ثم صلَّى، ثم نام، ثم استيقَظ فصنَع كصنيعِه أوَّلَ مرَّةٍ (٣)، ويزعُمون أنَّه التهجُّدُ الذي أمَره اللَّهُ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سعيدٌ، عن أبي إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن علقمةَ والأسودِ، أنَّهما قالا: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ (٥).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الأسودِ، قال: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ (٦)، قال: ثني أبو إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن يزيدُ، عن علقمةَ و (٧) الأسودِ بمثلِه.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: التهجُّدُ بعدَ النومِ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: التهجُّدُ ما كان بعد العشاءِ الآخِرةِ (١).

حُدِّثتُ عن عبدِ اللَّهِ بن صالحٍ، عن الليثِ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن الأعرجِ، عن كَثيرِ بن العباسِ، عن الحجاجِ بن عمرٍو، قال: إنما التهجُّدُ بعدَ رقْدةٍ (٢).

وأما قولُه: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾.

فإنَّه يقولُ: فَضْلًا (٣) لك عن فرائضِك التي فرَضتُها عليك.

واخْتُلِف في المعنى الذي من أجلِه خُصَّ بذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ، مع كونِ صلاةِ كلِّ مصلٍّ بعدَ هجودِه، إذا كان قبلَ هجودِه قد كان أدَّى فرائضَه، نافلةً فَضْلًا (٤)، إذ كانت غيرَ واجبةٍ عليه؛ فقال بعضُهم: معنى خصوصِه بذلك: هو أنها كانت فريضةً عليه، وهى لغيرِه تطوُّعٌ، وقيل له: أقِمْها نافلةً لك.

أي: فضلًا لك من الفرائضِ التي فرَضتُها عليك عمَّا فرَضتُ على غيرِك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: يعنى بالنافِلةَ أنها للنبيِّ ﷺ خاصَّةً، أُمِر بقيامِ الليلِ وكُتِب عليه (٥).

وقال آخرون: بل قيل ذلك له ﵇؛ لأنَّه لم يكنْ فعلُه ذلك يُكفَّرُ به عنه شيءٌ من الذنوبِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه كان قد غفَر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فكان له نافلةَ فضلٍ، فأمَّا غيرُه فهو له كفارةٌ، وليس له هو نافلةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: النافلةُ للنبيِّ ﷺ خاصَّةً، من أجلِ أنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فما عمِل مِن عمَلٍ سوى المكتوبةِ فهو نافِلةٌ من أجلِ أنَّه لا يعمَلُ ذلك في كفارةِ الذنوبِ، فهى نوافلُ وزيادةٌ، والناسُ يعمَلون ما سوى المكتوبةِ لذنوبِهم في كفَّارتِها، فليست للناسِ نوافلَ (١).

وأولى القولين بالصوابِ في ذلك القولُ الذي ذكَرنا عن ابن عباسٍ؛ وذلك أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد خصَّه بما فرَض عليه من قيامِ اللَّيلِ دونَ سائرِ أمَّتِه.

فأمَّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان، فيما ذُكِر عنه، أكثرَ ما كان استغفارًا لذنوبِه بعدَ نزولِ قولِ اللَّهِ ﷿ عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢].

وذلك أن هذه السورةَ أُنزِلت عليه بعدَ مُنْصَرَفِه من الحديبيةِ، وأُنزِل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.

عامَ قُبِضَ، وقيل له فيها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١، ٣] فكان يُعدُّ له ﷺ في المجلسِ الواحدِ استغفارٌ مائةَ مرَّةٍ (١)، ومعلومٌ أن اللَّهَ لم يأمُرْه أن يستغفِرَه إلا لِمَا يغفِرُه له باستغفارِه ذلك، فبَيِّنٌ إذن وجهُ فسادِ ما قاله مجاهدٌ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن (٢) عطيةَ، عن شهرٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: إنما كانت النافلةُ للنبيِّ ﷺ خاصةً (٣).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾.

قال: تطوُّعًا وفضِيلةً لك (٤).

وقولُه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

و "عسى" من اللَّهِ واجبةٌ، وإِنَّما وجْهُ قولِ أهلِ العلمِ: "عسى" من اللَّهِ واجبةٌ؛ لعلمِ المؤمنين أن اللَّهَ لا يدَعُ أن يفعلَ بعبادِه ما أطمَعهم فيه من الجزاءِ على أعمالِهم والعِوضِ على طاعتِهم إيَّاه؛ إذْ (٥) ليس من صفتِه الغرورُ، ولا شكَّ أنه قد أطمَع من قال ذلك له في نفعِه، إذا هو تعاهَده ولزِمَه، فإن لزِم المقولُ ذلك له وتعاهَدَه ثم لم ينفَعْه، ولا سببَ يحولُ بينَه وبينَ نفعِه إيَّاه، مع الإطماعِ الذي تقدَّم منه لصاحِبِه على تعاهُدِه إيَّاه ولزُومِه، فإنَّه لصاحبِه غارٌّ بما كان من إخلافِه إيَّاه فيما كان أطمَعه فيه بقولِه الذي قال له.

وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ جائزٍ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه من صفتِه الغرورُ لعبادِهِ صحَّ ووجَب أن كلَّ ما أطمَعَهم فيه من طمَعٍ على طاعتِه، أو على فعلٍ من الأفعالِ، أو أمرٍ أو نهيٍ، أمَرهم به أو نهاهم عنه، فإنَّه موفٍّ لهم به، وإنه منه كالعِدَةِ التي لا يُخْلفُ الوفاءُ بها، قالوا: "عسى" و "لعلَّ" من اللَّهِ واجبةٌ.

وتأويلُ الكلامِ: أقِمِ الصلاةَ المفروضةَ يا محمدُ في هذه الأوقاتِ التي أمَرتُك بإقامتِها فيها، ومن الليلِ فتهجَّدْ فرضًا فرَضتُه عليك، لعلَّ ربَّك أن يبعَثَك يومَ القيامةِ مقامًا تقومُ فيه محمودًا تُحمَدُه، وتُغبطُ فيه.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك المَقامِ المحمودِ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلمِ: ذلك هو المَقامُ الذي هو يقومُه ﷺ يومَ القيامةِ للشَّفاعةِ للناسِ ليُريحَهم ربُّهم من عظيمِ ما هم فيه مِن شدَّةِ ذلك اليومِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فيسمِعُهم الدَّاعِى، وينفُذُهم البصرُ، حُفاةً عراةً كما خُلِقوا، قيامًا لا تَكَلَّمُ نفسٌ إِلَّا بإذنِه، ينادَى: يا محمدُ.

فيقولُ: "لبيَّكَ وسعدَيك، والخيرُ في يَديك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ من هَدَيت، عبدُك بين يدَيْك، وبك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، تبارَكتَ وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ".

فهذا المقَامُ المحمودُ الذي ذكَره اللَّهُ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن، عن صلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجْمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فلا تَكَلَّمُ نفسٌ، فأوّلُ مَدْعُوٍّ (١) محمدٌ النبيُّ ﷺ، فيقومُ محمدٌ النبيُّ ﷺ فيقولُ: "لبَّيك".

ثم ذكَر مثلَه (٢).

حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ (٣) بن خالدٍ الرَّقيُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن رِشْدِينَ بن كريبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزعراءِ، عن عبدِ اللَّهِ، في قصَّةٍ ذكَرها، قال: ثم يَأْمرُ بالصراطِ فيُضرَبُ على جسرٍ جَهنَّمَ، فيمرُّ الناسُ بقَدْرِ أعمالِهم؛ يمرُّ أوَّلُهم كالبرقِ، وكمرِّ الرِّيحَ، وكمرِّ الطيرِ، وكأسرَعِ البهائمِ، ثم كذلك حتى يمرَّ الرجلُ سعْيًا، ثم مشْيًا، حتى يجئَ آخِرُهم يتلبَّطُ (٥) على بطنِه، فيقولُ: ربِّ لِمَا بطَّأْتَ بي.

فيقولُ: إنى لم أُبَطِّئْ بك، إنما أَبْطأ بك عمَلُك.

قال: ثم يأذنُ اللَّهُ في الشفاعةِ، فيكونُ أولَ شافعٍ يومَ القيامةِ جبريلُ ﵇، رُوحُ القُدُسِ، ثم إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ثم موسى، أو عيسى - قال أبو الزعراءِ: لا أدرى أيُّهما قال - قال: ثم يقومُ نبيُّكم ﵇ رابِعًا، فلا يشفعُ أحدٌ بعدَه فيما يشفَعُ فيه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي ذكَر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: شفاعةُ محمدٍ يومَ القيامةِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: هو الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أمَّتِه، فهو المَقامُ المحمودُ (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ خُيِّر بينَ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، أو ملِكًا نبيًّا، فأومأ إليه جبريلُ ﵇: أَن تَواضَعْ.

فاختارَ نبيُّ اللَّهِ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، فأُعطِى به نبيُّ اللَّهِ [ثِنْتَين؛ أَنه] (١) أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ، وأوّلُ شافعٍ.

وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنَّه المَقامُ المحمودُ الذي قال اللَّهُ ﵎: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: شفاعة يومِ القيامةِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: هي الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أُمَّتِه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ والثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال: سمِعتُ حُذيفةَ يقولُ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ حيثُ يُسمِعُهم الدّاعِي، ويَنفُذُهم البصرُ، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا، سُكوتًا لا تكلَّمُ نفسٌ إلا بإذنِه.

قال: فينادَى محمدٌ، فيقولُ: "لبَّيك وسَعْديك، والخيرُ في يدَيك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ مَن هَدَيت، وعبْدُك بينَ يدَيك، ولك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجَا مِنك إلا إليكَ، تبارَكْت وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ".

قال: فذلك المَقامُ المحمودُ الذي ذكر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال (٤): قال حُذيفةُ: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ حيثُ يَنفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعِى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا أوّلَ مرَّةٍ، ثم يقومُ النبيُّ ﷺ فيقولُ: "لبَّيك وسعْدَيك".

ثم ذكَر نحوَه، إلا أنَّه قال: هو المقامُ المحمودُ.

وقال آخرون: بل ذلك المَقامُ المحمودُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يبعَثَهُ إِيَّاه، هو أن يُقعِدَه معه على عرشِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: يُجلِسُه معه على عرشِه (١).

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بن يزيدُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

سُئل عنها قال: "هِيَ الشَّفاعَةُ" (٢).

حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا داودُ بنُ يزيدَ الأوْدِيُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قال: "هو المَقامُ الذي أشفعُ فيهِ لأمَّتِي" (١).

حدَّثنا أبو عُتبةَ الحِمْصِيُّ أحمدُ بنُ الفرَجِ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن الزُّبيدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبٍ بن مالكٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمتى على تَلٍّ، فَيَكْسُوني ربي حُلةً خضراءَ، ثم يُؤْذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المَقامُ المحمودُ" (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثني الليثُ، عن (٣) عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفرٍ، قال: سمِعتُ حمزةَ بنَ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللَّهُ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الشمسَ لَتَدْنو حتى يَبْلُغَ العرقُ نصفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك اسْتَغاثوا بآدمَ ﵇، فيقولُ: لستُ صاحبَ ذلك".

ثم بموسى ﵇، فيقولُ كذلك، ثم بمحمدٍ فيَشْفَعُ بينَ الخلقِ، فَيَمْشِى حتى يَأْخُذَ بحَلْقَةِ الجنةِ، فيومَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقامًا مَحُمودًا (٤).

حدَّثني أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، عن عليّ بن الحكمِ، قال: ثنى عثمانُ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ وعلقمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنى لأَقُومُ المَقامُ المحمودَ".

فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، وما ذلك المَقامُ المحمودُ؟

قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ذاك إذا جيءَ بكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا (١)، فيَكُونُ أولَ مَن يُكْسَى إبراهيمُ ﵇، فيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ (٢) بَيْضَاوَيْنِ، فَيَلْبَسُهما، ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْشِ، ثم أُوتَى بكِسْوتِى فألْبَسُها، فأقومُ عن يمينِه مَقامًا لا يقومُه غيرى، يَغْبِطُنى به (٣) الأولون والآخرون، ثم يُفْتَحُ نَهَرٌ مِن الكَوْثَرِ إلى الحَوْضِ" (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عليِّ بن الحسينِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "إذا كان يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ الأَرْضَ مَدَّ الأدِيمِ حتى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيهِ - قال النبيُّ ﷺ: فأكُونُ أوَّلَ مَن يُدْعَى وجِبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللَّهِ ما رآهُ قَبْلَها، فأقولُ: أي ربِّ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إليَّ.

فيقولُ اللَّهُ ﷿: صدَق.

ثم أشْفَعُ، قال: فهو المقامُ المَحْمُودُ".

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عليّ بن الحسينِ، قال: قال النبيُّ ﷺ: "إذا كان يومُ القيامةِ".

فذكَر نحوَه، وزاد فيه: "ثم أشْفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك (١) عبدُوكَ في أطرافِ الأرضِ (٢).

وهو المقامُ المحمودُ" (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهْمانَ، عن آدمَ بن (٤) عليٍّ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: إن الناسَ يصيرون (٥) يومَ القيامةِ جُثًا (٦)، مع كلِّ نبيٍّ أمَّتُه، ثم يجئُ رسولُ اللَّهِ ﷺ في آخرِ الأممِ هو وأمَّتُه، فيَرقَى هو وأمَّتُه على كَوم فوقَ الناسِ، فيقولُ: يا فلانُ اشفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ.

فما زال (٧) يردُّها بعضُهم على بعضٍ حتى (٨) يرجِعَ ذلك إليه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي وعَدَه (٩) اللَّهُ إيَّاه (١٠).

حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا حَيْوةُ وربيعٌ، قالا: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمَّتِى على تَلٍّ، "فيَكْسُونِي ربى ﷿ حُلَّةً خضراءَ، ثم يؤذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المقامُ المحمودُ" (١).

وهذا وإن كان هو الصحيحَ من القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

لِمَا ذكَرنا من الروايةِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه والتابِعين، فإنَّ ما قالَه مجاهدٌ مِن أنَّ اللَّهَ يُقعِدُ محمدًا ﷺ على عرشِه، قولٌ غيرُ مدفوعٍ صحَّتُه، لا مِن جهةِ خبرٍ ولا نظَرٍ؛ وذلك لأنَّه لا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا عن أحدٍ من أصحابِه، ولا عن التابِعين، بإحالةِ ذلك؛ فأمَّا مِن جهةِ النَّظرِ، فإِن جمِيعَ من ينتَحِلُ الإسلامَ إنَّما اختلَفوا في معنَى ذلك على أوجهٍ ثلاثةٍ؛ فقالت فرقةٌ مِنهم: اللَّهُ ﷿ بائنٌ من خلقِه، كان قبلَ خلْقِه الأشياءَ، ثم خلَق الأشياءَ فلم يماسَّها، وهو كما لم يزَلْ، غيرَ أنَّ الأشياءَ التي خلَقها، إذ لم يكنْ هو لها مُماسًّا، وجَب أن يكونَ لها مُبايِنًا، إذ لا فعَّال للأشياءِ إلا وهو مماسٌّ للأجسامِ أو مُباينٌ لها.

قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ ﷿ فاعلَ الأشياءِ، ولم يجُزْ أن يُوصَفَ في قولِهم بأنَّه مماسٌّ للأشياءِ، وجَب بزعمِهم أنَّه لها مباينٌ.

فعلى مذهبِ هؤلاء سواءٌ أقعَد (٢) محمدًا ﷺ على عرشِه أو على الأرضِ، إذ كان من قولِهم إن بيْنونتَه من عرشِه وبيْنونتَه من أرضِه بمعنى واحدٍ في أنَّه بائنٌ مِنهما كلَيهما، غيرُ مماسٍّ لواحدٍ منهما.

وقالت فرقةٌ أُخرَى: كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يُباينُه (١)، ثم خلَق الأشياءَ فأقامَها بقُدرتِه، وهو كما لم يزلْ قبلَ خلقِه الأشياءِ لا شيءَ يماسُّه ولا شيءَ يباينُه.

فعلَى قولِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا ﷺ على عرشِه، أو على أرضِه، إذ كان سواءٌ على قولِهم عرشِه وأرضِه في أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذا، كما أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذه.

وقالت فرقةٌ أخرَى: كان اللَّهُ عزَّ ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يباينُه، ثم أحدثَ الأشياءِ وخلَقَها، فخلَقَ لنفسِه عرشًا اسْتَوى عليه جالسًا (٢)، وصار له مماسًّا، كما أنَّه قد كان قبلَ خلقِه الأشياءَ لا شيءَ يرزقُه رزقًا، ولا شيءَ يحرمُه ذلك، ثم خلَق الأشياءَ فرزَق هذا وحرَم هذا، وأعطَى هذا، ومنَع هذا.

قالوا: فكذلك كان قبلَ خَلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه ولا يباينُه، وخلَق الأشياءِ فماسَّ العرشَ بجلوسِه عليه دونَ سائرِ خلْقِه، فهو مماسٌّ ما شاء مِن خلْقِه، ومباينٌ ما شاء مِنه.

فعلَى مذهبِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا على عرشِه، أو أقعَدَه على مِنبَرٍ من نورٍ، إذ كان من قولِهم: إن جلوسَ الربِّ ﷿ على عرشِه ليس بجلوسٍ يشغَلُ جميعَ العرشِ.

ولا في إقعادِ محمدٍ ﷺ موجِبًا له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجَه من صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، كما أن مباينةَ محمدٍ ﷺ ما كان مُباينًا له من الأشياءِ غيرُ موجبةٍ له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجتِه (١) من صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، من أجلِ أنه موصوفٌ بأنَّه له مبايِنٌ، كما أن اللَّهَ ﷿ موصوفٌ على قولِ قائلِ هذه المقالةِ بأنه مبايِنٌ لها، هو له مبايِنٌ.

قالوا: فإذا كان معنى مبايِنٌ ومبايِنٍ لا يوجِبُ لمحمدٍ ﷺ الخروجَ من صفةِ العُبودَةِ والدخولَ في معنى الربوبيَّةِ (٢)، فكذلك لا يوجِبُ له ذلك قعودُه على عرشِ الرحمنِ.

فقد تبيَّن إذن بما قُلنا أنه غيرُ محالٍ في قولِ أحدٍ ممَّن ينتَحِلُ الإسلامَ ما قاله مجاهدٌ من أنَّ اللَّهَ ﵎ يُقْعِدُ محمدًا ﷺ على عرشِه.

فإن قال قائلٌ: فإِنَّا لا نُنكرُ إقعادَ اللَّهِ محمدًا على عرشِه، وإنما تُنكِرُ (٣) إقعادَه (٤).

- حدَّثني عباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، [عن سلمِ بن جعفرٍ] (٥)، عن الجُرَيرِيِّ، عن سَيفٍ السَّدُوسيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلَامٍ، قال: إن محمدًا ﷺ يومَ القيامةِ على كرسيِّ الربِّ بينَ يدَيِ الربِّ ﵎ (٦).

- وإنما تُنْكِرُ إِقْعادَه إِيَّاه معه.

قيل: أفجائزٌ عندَك أن يقعِدَه علَيه لا مَعه؟

فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرارِ بأنَّه إمَّا معه، أو إلى أنَّه يقعِدُه، واللَّهُ للعرشِ مباينٌ، أو لا مماسَّ ولا مباينَ، وبأيِّ ذلك قال كان منه دخولًا في بعضِ ما كان يُنْكِرُه.

وإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ.

كان (١) مِنه خروجًا من قولِ جميعِ الفِرقِ التي حكَيْنا قولَهم، وذلك فِراقٌ لقولِ جميعِ من ينتَحِلُ الإسلامَ، إذ كان لا قولَ في ذلك إلا الأقوالَ الثلاثةَ التي حكَيْناها، وغيرُ محالٍ في قولٍ منها ما قال مجاهدٌ في ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقلْ يا محمدُ: يا ربِّ أدخِلْني مُدخلَ صدْقٍ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى "مُدْخلِ الصدقِ" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يرغَبَ إليه في أن يدْخِلَه إيَّاه، وفى "مُخْرجِ الصدقِ" الذي أمرَه أن يرغَبَ إليه في أن يخرِجَه إيَّاه؛ فقال بعضُهم: عنَى بمُدْخلِ الصِّدقِ مُدْخِلَ رسولِ اللَّهِ ﷺ المدينة حين هاجَر إليها، ومُخرجِ الصدقِ مُخْرجَه من مكةَ حينَ خرَج منها مهاجرًا إلى المدينةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ، مكةَ، ثم أُمِر بالهجرةِ، فأنزَل اللَّهُ ﵎ اسمُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.

قال: كفارُ أهلِ مكةَ لمَّا ائتمَروا برسولِ اللَّهِ ﷺ ليقتُلُوه أو يطرُدُوه أو يُوثِقُوه، وأراد اللَّهُ قتالَ أَهلِ مكةَ، فأمَره أن يخرُجَ إلى المدينةِ، فهو الذي قال اللَّهُ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾.

قال: المدينةَ، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.

قال: مكةَ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: أخرَجه اللَّهُ من مكةَ إلى الهجرةِ بالمدينةِ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.

قال: المدينةَ، حين هاجَر إليها، ﴿مُخْرَجَ (٤) صِدْقٍ﴾: مكةَ، حين خرَج منها مُخرجَ صدقٍ، قال ذلك حين خرَج مهاجرًا (٥).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقلْ ربِّ أمِتْنِى إماتةَ صِدْقٍ، وأخرِجْنى بعد المماتِ من قبرِى يومَ القيامةِ مُخرَجَ صدقٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية.

قال: يعني بالإدخالِ الموتَ، والإخراجِ الحياةَ بعدَ المماتِ (١).

وقال آخرون: بل عنَى بذلك: أدخِلْنى في أمْرِك الذي أرسَلْتنى به مِن النبوَّةِ مُدْخلَ صدقٍ، وأخرِجْنى منه مُخْرَجَ صدقٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (٢) عن ابن أبي ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾.

قال: فيما أرسَلْتنى به مِن أمْرِك، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.

قال: كذلك أيضًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ (١).

وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾.

قال: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ، وأَخْرِجْنى منه مُخرَجَ صِدْقٍ.

وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْنى مكةَ آمنًا، وأخرِجْنى منها آمنًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ قال في قولِه: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: يعنى مكةَ، دخَل فيها (٢) آمنًا، وخرَج منها آمنًا (٣).

وأشبهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معنَى ذلك: وأدخِلْنى المدينةَ مُدخلَ صدقٍ، وأخرِجْني (٤) من مكةَ مُخرَجَ صدقٍ.

وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنّ ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

وقد دلَّلنا فيما مضَى - على أنَّه عنَى بذلك أهلَ مكةَ (١).

فإذ كان ذلك عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ عمَّا كان المشركون أرادوا من استِفْزازِهم رسولَ اللَّهِ ﷺ ليخرِجُوه عن مكةَ، كان بيِّنًا، إذ كان اللَّهُ قد أخرَجَه منها، أن قولَه له (٢): ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.

أمرٌ منه لَه بالرغبةِ إليه في أن يُخرِجَه من البَلْدَةِ التي هَمَّ المشركون بإخْراجِه منها [وأَخْرَجَه اللَّهُ منها] (٣) مُخرَجَ صِدقٍ، وأن يدخِلَه البلدةَ التي نقَله (٤) اللَّهُ إليها مُدخَلَ صِدقٍ.

وقولُه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنَى ذلك: واجعلْ لِي مُلْكًا ناصرًا ينصُرُني على من ناوأنى، وعِزًّا أقيمُ به دينَك، وأدفَعُ به عنه مَن أراده بسوءٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: يُوعِدُه لَيَنْزِعَنَّ مُلكَ فارسَ وعِزَّ فارسَ، ولَيجعَلَنَّه له، وعِزَّ الرُّومِ ومُلكَ الرومِ، ولَيَجْعَلَنَّه له (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: وإنَّ نبيَّ اللَّهِ علِم ألا طاقةَ له بهذا الأمرِ إلَّا بسلطانٍ، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتابِ اللَّهِ ﷿، ولحُدودِ اللَّهِ، ولفرائضِ اللَّهِ، ولإقامةِ دينِ اللَّهِ، وإنَّ السلطانَ رحمةٌ من اللَّهِ جعَلها بينَ أظهرِ عبادِه، لولا ذلك لأغار بعضُهم على بعضٍ، فأكَل شديدُهم ضعيفَهم (١).

وقال آخرون: بل عنَى بذلك حُجةً بينةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.

قال: حُجةً بينةً (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ ﷿ نبيَّه بالرغْبةِ إليه في أن يؤْتيَه سلطانًا ناصِرًا (٣) له على من بَغاه وكادَه، وحاوَل منْعَه إقامتِه فرائضَ اللَّهِ في نفسِه وعبادِه.

وإنَّما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ خبرِ اللَّهِ عما كان المشركون همُّوا به من إخراجِه من مكةَ، فأعْلَمه اللَّهُ ﷿ أَنَّهم لو فعَلوا ذلك عُوجِلوا بالعذابِ عن قريبٍ، ثم أمَره بالرغبةِ إليه في إخراجِه مِن بين أظهرِهم إخراجَ صِدْقٍ يُحاولُه له (١) عليهم، ويُدْخلُه بلدةً غيرَها بمُدخَلِ صِدقٍ يُحاولُه عليهم ولأهلِها في دخولِه إليها، وأن يجعَلَ له سلطانًا نصيرًا على أهلِ البلدةِ التي أخرَجه أهلُها منها، وعلى كلِّ من كان لهم شبيهًا.

وإذا أُوتى ذلك، فقد أُوتى - لا شكَّ - حجةً بينةً.

وأما قولُه: ﴿نَصِيرًا﴾.

فإنَّ ابنَ زيدٍ كان يقولُ فيه نحوَ قولِنا الذي قلنا فيه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.

قال: يَنْصُرُني، وقال لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص: ٣٥].

هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، إنَّما هو سلطانٌ بآياتِنا فلا يَصِلون إليكما.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين الذين كادُوا أن يستفِزُّوكَ من الأرضِ لِيُخْرِجوك منها: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الحقِّ" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أَن يُعْلِمَ المشرِكين أنه قد جاء، و "الباطلِ" الذي [أمَره أن يُعْلِمَهم] (٢) أنه قد زَهَق؛ فقال بعضُهم: الحقُّ هو القرآنُ في هذا الموضعِ، والباطلُ هو الشيطانُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾.

قال: الحقُّ القرآنُ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾.

قال: القرآنُ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.

قال: هلَك الباطلُ، وهو الشيطانُ (١).

وقال آخرون: بل عنَى بالحقِّ جهادَ المشركين، وبالباطلِ الشركَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾.

قال: دَنا القتالُ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.

قال: الشركُ وما هم فيه (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ مكةَ وحولَ البيتِ ثلاثُمائةٍ وستُّون صنمًا، فجعَل يطعنُها ويقولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٣).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: أمَر اللَّهُ ﵎ نبيَّه ﵊ أن يُخبِرَ المشركين أن الحقَّ قد جاء، وهو كلُّ ما كان اللَّهِ فيه رضًا وطاعةٌ، وأن الباطلَ قد زهَق.

يقولُ: وذهَب كلُّ ما كان لا رضَا للَّهِ فيه ولا طاعةَ، مما هو له معصيةٌ وللشيطانِ طاعةٌ، وذلك أنَّ الحقَّ هو كلُّ ما خالَف طاعةَ إبليسَ، وأنَّ الباطلَ هو كلُّ ما وافَق طاعتَه، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عزَّ ذكرُه بالخبرِ عن بعضِ طاعاتِه، ولا ذَهابِ بعضِ معاصِيه، بل عمَّ الخبرَ عن مجيءِ جميعِ الحقِّ، وذَهابِ جميعِ الباطلِ، وبذلك جاء القرآنُ والتنزيلُ، وعلى ذلك قاتَل رسولُ اللَّهِ ﷺ أهلَ الشرْكِ باللَّهِ، أعنِى على إقامةِ جميعِ الحقِّ، وإبطالِ جميعِ الباطلَ.

وأما قولُه ﷿: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.

فإنَّ معناه: وذهَب الباطلُ.

من قولِهم: زَهَقت نفسُه.

إذا خرَجت، وأزهقتُها أنا.

ومن قولِهم: أزهَق السهمَ، إذا جاوَز الغرَضَ فاستمرَّ على جِهتِه.

يقالُ منه: زهَق الباطلُ، يرْهَقُ زُهُوقًا، وأزْهقه اللَّهُ.

أي: أذهبَه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

يقولُ: ذاهبًا (١).

وقولُه جلّ وعزَ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ونُنزِّلُ عليك يا محمدُ من القرآنِ ما هو شفاءٌ يُسْتشْفَى به من الجهلِ (٢)؛ من الضلالةِ، ويُبَصَّرُ به من العَمى - للمؤمنين (١)، ورحمةٌ لهم دونَ الكافرين به؛ لأنَّ المؤمنين يَعْمَلون بما فيه مِن فرائضِ اللَّهِ، ويُحلُّون حَلالَه، ويُحرِّمون حرامَه، فيُدْخِلُهم بذلك الجنةَ، ويُنْجيهم من عذابِه، فهو لهم رحمةٌ ونعمةٌ من اللَّهِ أنعَم بها عليهم، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.

يقولُ: ولا يزيدُ هذا الذي نُنَزِّلُ عليك من القرآن الكافِرين به ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾.

يقولُ: إهلاكًا؛ لأنهم كلَّما نزَل فيه أمرٌ من اللَّهِ بشيءٍ، أو نهىٌ عن شيءٍ، كفَروا به، فلم يأتِمروا لأمرِه، ولم ينتهُوا عما نَهاهم عنه، فزادَهم ذلك خَسَارًا إلى ما كانوا فيه قبلَ ذلك من الخَسارِ، ورِجسًا إلى رجسِهم قبلُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا سمِعه المؤمنُ انتفَع به وحفِظه ووَعاه، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ (٢) إِلَّا خَسَارًا﴾، أنَّه لا ينتفِعُ به ولا يَحْفظُه ولا يَعِيه، وإنَّ اللَّهَ جعَل هذا القرآنَ شفاءً ورحمةً للمؤمنين (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾.

يقولُ ﵎: وإذا أَنْعَمْنا على الإنسانِ فنجَّيناه من كرْبِ ما هو فيه في البحرِ، وهولِ (٤) ما قد أشرَف فيه عليه مِن الهلاكِ، بعُصوفِ الريحِ عليه، إلى البرِّ، وغير ذلك من نعمِنا، أعرَض عن ذكِرنا، وقد كان بنا مُستغيثًا دونَ كلِّ أحدٍ سوانا في حالِ الشِّدَّةِ التي كان فيها، ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.

يقولُ: وبعُد منا بجانبِه، يعني: بنفسِه، كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرٍّ مَسَّه قبلَ ذلك.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.

قال: تباعَدَ منا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

والقرَأةُ (٢) على تصييرِ الهمزةِ في: ﴿وَنَأَى﴾ قبلَ الألفِ، وهى اللغةُ الفصيحةُ، وبها نقرَأُ.

وكان بعضُ أهلِ المدينةِ يقرأُ ذلك: (وَنَاءَ).

فيُصِيِّرُ الهمزةَ بعدَ الألفِ (٣).

وذلك وإن كان لغةً جائزةً قد جاءت عن العربِ بتقدِيمِهم في نظائرِ ذلك الهمزَ في موضعٍ (٤) هو فيه مؤخَّرٌ، وتأخيرهموه في موضعٍ هو مقدَّمٌ، كما قال الشاعرُ (٥): [أغلامٌ مُعَلَّلٌ] (٦) رَاءَ رُؤْيا … فهْوَ يَهْذِى بما رأى فِي المنَامِ وكما قال: آبارٌ.

وهى أبارٌ.

فقدَّموا الهمزةَ.

فليس ذلك هو اللغةَ الجُودَى، بل الأُخْرى هي الفصيحةُ.

وقولُه ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.

يقولُ: وإذا مسَّه الشرُّ والشدَّةُ كان قَنوطًا مِن الفرَجِ والرَّوْحِ.

وبنحوِ الذي قلنا في "اليئوسِ" قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.

يقولُ: قَنُوطًا (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.

يقولُ: إذا مسَّه الشرُّ أَيِس وقَنَط.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾.

يقولُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للناسِ: كلكم يعملُ ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على ناحيتِه وطريقتِه، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ﴾ منكم ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾.

يقولُ: وربُّكم أعلمُ بمن هو منكم أهدَى طريقًا إلى الحقِّ من غيرِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾.

يقولُ: على ناحيتِه (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾.

قال: على ناحيتِه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾.

قال: على طبيعتِه، على حِدَتِه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾.

يقولُ: على ناحيتِه وعلى ما يَنْوى (٤).

وقال آخرون: الشاكلةُ الدينُ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾.

قال: على دينِه، الشاكلةُ الدينُ (٥).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ويسألُك الكفارُ باللَّهِ مِن أهلِ الكتابِ عن الرُّوحِ ما هي؟

قلْ لهم: الرُّوحُ مِن أمرِ ربى، وما أُوتيتُم أنتم وجميعُ الناسِ من العلمِ إلَّا قليلًا.

وذُكِر أن الذين سألُوا رسولَ اللهِ ﷺ عن الرُّوحِ فنزَلت هذه الآيةُ بمسألتِهم إيّاه عنها كانوا قومًا مِن اليهودِ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ في حرثٍ (١) بالمدينةِ، ومعه عَسِيبٌ (٢) يتوكَّأُ عليه، فمرَّ بقومٍ من اليهودِ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ.

وقال بعضُهم: لا تسْألُوه.

فقام متوكِّئًا على عَسيبِه، فقمتُ خلفَه، فظنَنتُ أنه يُوحَى إليه، فقال: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.

فقال بعضُهم لبعضٍ: ألم نقلْ لكم: لا تسألُوه (٣)؟

حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: بينَا أنا أمشى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في حَرَّةٍ بالمدينةِ، إذ مَرَرْنا على يهودَ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ.

فقالوا: ما أرَبُكم إلى أن تَسْمَعُوا ما تكْرَهون؟

فقاموا إليه فسألُوه، فقام، فعَرَفْتُ أنه يوحَى إليه، فقمتُ مكاني، ثم قرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فقالوا: ألم نَنْهَكم أن تسألُوه؟.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا ابن عبدِ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: سأل أهلُ الكتابِ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الرُّوحِ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

[فقالوا: أَتزْعُمُ أَنَّا لم نُؤْتَ مِن العلمِ إلَّ قليلًا] (١)، وقد أُوتينا التوراةَ، وهي الحكمةُ، ومن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أُوْتىَ خيرًا كثيرًا.

قال: فنزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧].

قال: "ما أُوتيتُم من علمٍ فنجَاكم اللَّهُ به من النارِ، فهو كثيرٌ طيِّبٌ، وهو في علمِ اللَّهِ قليلٌ" (٢).

حدَّثني إسماعيلُ بنُ (٣) المتوكلِ (٤) الأشجعيُّ أبو هاشمٍ (٥) الحِمْصيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى أبو يعقوبَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مَعْنٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إِنّى لمع النبيِّ ﷺ في حَرْثٍ (١) بالمدينةِ، إذ أتاه يهوديٌّ، فقال: يا أبا القاسمُ: ما الرُّوحُ؟

فسكَت النبيُّ ﷺ، وأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾: لَقِيَتِ اليهودُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ، فتغَشَّوْه وسألُوه، وقالوا: إن كان نبيًّا عُلَّم، فسيَعْلمُ ذلك.

فسألُوه عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكهفِ، وعن ذى القَرْنين، فأنزَل اللَّهُ في كتابِه ذلك كلَّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.

قال: يهودُ تسألُ عنه (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.

قال: يهودُ تسألُه.

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: قل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.

الآية: وذلك (٥) أنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ ﷺ: أخبِرْنا ما الرُّوحُ، وكيف تعذَّبُ الرُّوحُ التي في الجسدِ، وإنَّما الرُّوحُ مِن الله ﷿؟

ولم يكنْ نزَل عليه فيه شيءٌ، فلم يُحِرْ إليهم شيئًا، فأتاه جِبريلُ ﵇، فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فأخبرَهم النبيُّ ﷺ بذلك، قالوا له: مَن جاءَك بهذا؟

فقال لهم النبيُّ: ﷺ["جاءنى بِه] (١) جِبريلُ مِن عندِ اللَّهِ".

فقالوا: واللَّهِ ما قالَه لك إِلَّا عدوٌّ لنا.

فأنزَل اللَّهُ تبارَك اسمُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ الآيةَ (٢) [البقرة: ٩٧].

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ أمشى مع النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فمرَرْنا بأُناسٍ اليهودِ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ما الرُّوحُ (٣)؟

فأُسْكِتَ، فرأيتُ أنه يُوحَى إليه، قال: فتنحَّيْتُ عنه إلى سُباطَةٍ (٤)، فنزَلت عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية.

فقالتِ اليهودُ: هكذا نجْدُه عندَنا.

واخْتلَف أهلُ التأويلِ في "الرُّوحِ" الذي ذُكِر في هذا الموضعِ ما هي؟

فقال: بعضُهم: هي جبريلُ ﵇.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.

قال: هو جبريلُ.

قال قتادةُ: وكان ابن عباسٍ يَكْتُمُه (١).

وقال آخرون: هي مَلَكٌ من الملائكةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.

قال: الرُّوحُ ملَكٌ (٢).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني أبو هِزَانَ (٣) يَزيدُ بنُ سَمُرَةَ صاحبُ قَيْسارِيَّةَ، عمن حدَّثه، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.

قال: هو ملَكٌ من الملائكةِ له سبعون ألفَ وجهٍ، لكلِّ وجهٍ منها سبعون ألفَ لسانٍ، لكلِّ لسانٍ منها سبعون ألفَ لغةٍ، يُسبِّحُ اللَّهَ ﷿ بتلك اللغاتِ كلَّها، يُخْلَقُ [من كلِّ تسبيحةٍ ملَكٌ] (٤) يطيرُ مع الملائكةِ إلى يومِ القيامةِ (٥).

وقد بيَّنّا معنى "الرُّوحِ" في غيرِ هذا الموضعِ من كتابِنا بما أغنَى عن إعادتِه (٦).

وأما قولُه: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.

فإنه يعنى أنه مِن الأمرِ الذي يعلَمُه اللَّهُ عزَّ وجلَّ دونَكم (١) فلا تعلَمونه، ويعلَمُ ما هو.

وأما قولُه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في المعنَّى بقولِه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: الذين سأَلُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الرُّوحِ، وجميعَ الناسِ غيرَهم، ولكن لما ضمَّ غيرَ المخاطَبِ إلى المخاطَبِ (٢) خرَج الكلامُ على المخاطَبةِ؛ لأنَّ العربَ كذلك تفعلُ إذا اجتمَع في الكلامِ مخبَرٌ عنه غائِبٌ ومخاطَبٌ، أخرَجوا الكلامَ خطابًا للجمعِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزَلت بمكةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فلما هاجرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى المدينةِ أتاه أحبارُ يهودَ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعَنَيْتَنا أم قومَك؟

قال: "كُلًّا قد عَنَيْتُ".

قالوا: فإنَّك تتْلُو أَنَّا أُوتِينا التوراةَ، وفيها تِبيانُ كلِّ شيءٍ؟

فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "هي في علمِ اللَّهِ قليلٌ، وقد آتاكم ما إنْ عمِلْتُم (٣) به انتفَعْتُم".

فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٤)﴾ [لقمان: ٢٨].

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: يا محمدُ والناسُ أجمعون (١).

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الرُّوح خاصةً دونَ غيرِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ (٢).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: خرَج الكلامُ (٣) خطابًا لَمن خُوطِب به، والمرادُ به جميعُ الخلقِ؛ لأنَّ علمَ كلَّ أحدٍ سوى اللَّهِ - وإن كثُر - في علمِ اللَّهِ قليلٌ.

وإنما معنى الكلامِ: وما أوتيتُم أيها الناسُ من العلمِ إلا قليلًا من كثيرٍ مما يَعْلَمُ اللَّهُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن شِئْنَا لنَذهَبنَّ بالذي آتَيْنَاك من العلمِ بالذي أَوْحَينا إليك من هذا القرآنِ، لنَذهَبن به فلا تَعْلَمُه، ثم لا تَجِدُ لنفسِك بما نفعَلُ بك من ذلك ﴿وَكِيلًا﴾.

يعنى: قيمًا يقومُ لك فيمْنَعَنا من فعلِ ذلك بك، ولا ناصرًا يَنْصُرُك فيَحُولَ بينَنا وبيَن ما نُرِيدُ بك.

قال: وكان عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يتأوَّلُ معنى ذهابِ اللَّهِ ﷿ به رفعَه من صدورِ قارئِيه.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيعٍ، عن [شدادِ بن] (١) مَعْقِلٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ - وذكَر أنه يُسْرَى على القرآنِ -: كيف وقد أثبَتْناه في صدورِنا ومصاحفِنا؟

قال: يُسْرَى عليه ليلًا، فلا يَبْقَى منه في مصحفٍ ولا في صدرِ رجلٍ.

ثم قرَأ عبدُ اللَّهِ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٢).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا (٣) إسحاقُ بنُ يحيى، عن المسيَّبِ بن رافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: تَطْرُقُ الناسَ رِيحٌ حمراءُ من نحوِ الشامِ، فلا يَبْقَى في مصحفِ رجلٍ ولا قلبِه آيةٌ.

قال رجلٌ: يا أبا [عبدِ الرحمنِ] (٤)، إنى قد جمَعتُ القرآنَ.

قال: لا يَبْقَى في صدرِك منه شيءٌ.

ثم قرَأ ابن مسعودٍ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٥).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾.

يقولُ ﷿: ولئن شئنا لنذهبنَّ يا محمدُ بالذي أوحينا إليك، ولكنه لا يشاءُ ذلك، رحمةً من ربِّك وتفضُّلًا منه عليك، ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ باصطفائِه إياك لرسالتِه، وإنزالِه عليك كتابَه، وسائرِ نعمِه عليك التي لا تُحْصَى.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ للذين قالوا لك: إنا نأْتِي بمثلِ هذا القرآنِ: لئن اجتمَعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِه، لا يأتُون أبدًا بمثلِه، ولو كان بعضُهم لبعضٍ عونًا وظهيرًا.

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولَ اللَّهِ ﷺ بسببِ قومٍ من اليهودِ جادَلُوه في القرآنِ، وسأَلُوه أن يَأْتِيَهم بآيةٍ غيرِه (١) شاهدةٍ له على نبوَّتِه؛ لأن (٢) مثلَ هذا القرآنِ بهم قدرةٌ على أن يأتُوا به.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ محمودُ بنُ سَيحانَ ونُعْمانُ (١) بنُ أضَا (٢) وبَحْرِيُّ بنُ عمرٍو، وعُزيزُ (٣) بنُ أبى عُزيزٍ (٣)، وسلّامُ بنُ مِشْكمٍ، فقالوا: أخبِرْنا يا محمدُ بهذا الذي جئت (٤) به، حقٌّ من عندِ اللَّهِ ﷿؟

فإنا لا نراه مُتَنَاسِقًا كما تَناسَقُ التوراةُ.

فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أما واللَّهِ إنكم لتعرِفون أنه من عندِ اللَّهِ، تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم، ولو اجتَمَعَت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه ما جاءُوا به".

فقالوا (٥) عندَ ذلك - وهم جميعًا: فِنْحاصُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا، وكنانةُ بنُ أبي الحُقيقِ، وأَشْيَعُ، وكعبُ بنُ أسدٍ (٦)، وشمويلُ (٧) بنُ زيدٍ، وجبلُ بنُ عمرٍو -: يا محمدُ، ما يُعلمك هذا إنسٌ ولا جانٌّ.

فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أما واللَّهِ إنكم لتَعلَمُون أنه من عندِ اللَّهِ، [وأنى رسولُ اللَّهِ] (٨)، تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ".

فقالوا: يا محمدُ، إن اللَّهَ يَصْنَعُ لرسولِه إذا بعثَه ما شاء، ويَقدِرُ منه على ما أراد، فأَنْزِلْ علينا كتابًا نَفْرَؤُه ونَعْرِفُه، وإلا جئناك بمثلِ ما تأتى به.

فأنزَل اللَّهُ ﷿ فيهم وفيما قالوا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٩).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾.

إلى قولِه: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.

قال: مُعِينًا.

قال: يقولُ: لو برَزت الجنُّ وأعانَهم الإنسُ، فتظاهَرُوا، لم يأتُوا بمثلِ هذا القرآنِ (١).

وقولُه ﷿: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾.

رفعٌ، وهو جوابٌ لقولِه: ﴿لَئِنِ﴾؛ لأن العربَ إذا أجابَتْ "لئن" بـ "لا" رفَعُوا ما بعدَها؛ لأن "لئن" كاليمينِ، وجوابُ اليمينِ بـ "لا" مرفوعٌ، وربما جُزِم؛ لأن [" لئن" (٢) "إن"] (٣) التي يُجابُ بها، زِيدَتْ عليه لامٌ، كما قال الأعشَى (٤): لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعركةٍ … لا تُلْفِنا مِن دماءِ القومِ نَنْتَفِلُ (٥) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد بيَّنا للناسِ في هذا القرآنِ من كلِّ مَثَلٍ؛ احتجاجًا بذلك كلِّه عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحقِّ ليتَّبِعُوه ويَعْمَلُوا به، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.

يقولُ: فأبَى أكثرُ الناسِ إلا جحودًا للحقِّ، وإنكارًا الحججِ اللَّهِ وأدلتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال يا محمدُ المشركون باللَّهِ مِن قومِك لك: لن نُصَدِّقَك حتى تَفْجُرَ لنا من أرضِنا هذه عَيْنًا تَنْبُعُ لنا بالماءِ.

وقولُه: ﴿يَنْبُوعًا﴾.

"يَفْعُولٌ"، من قولِ القائلِ: نَبَع الماءُ إذا ظهَر وفار، يَنْبِعُ ويَنْبَعُ، وهو ما نبَع.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.

أي: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ عيونًا، أي: ببلدِنا هذا (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.

قال: عيونًا (٢).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنْبُوعًا﴾.

قال: عيونًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَفْجُرَ﴾؛ فرُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه قرَأ: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾.

خفيفةً (١)، وقولَه: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ بالتشديدِ، وكذلك كانت قرأةُ الكوفيين يقرَءُونها (٢).

فكأنهم ذهَبُوا بتخفيفِهم الأولى إلى معنى: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ ماءً مرةً واحدةً.

وبتشديدِهم الثانيةَ إلى أنها تَفْجيرٌ في أماكنَ شتَّى، مرةً بعد أُخْرَى، إذ كان ذلك تفجيرَ أنهارٍ لا نهرٍ واحدٍ.

والتخفيفُ في الأولى والتشديدُ في الثانيةِ على ما ذكَرتُ من قراءةِ الكوفيين أعجبُ إليَّ لما ذكَرتُ من افتراقِ معنييهما، وإن لم تَكُنِ الأُخرى (٣) مدفوعةً صحتُها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقال لك يا محمدُ مشركو قومِك: لن نُصَدِّقَك حتى تَسْتَنْبِطَ لنا عينًا من أرضِنا، تَدَفَّقُ بالماءِ أو تَفُورُ، أو يكونَ لك بستانٌ، وهو الجنةُ، من نخيلٍ وعِنَبٍ، فتُفَجِّرَ الأنهارَ (٤) بأرضِنا هذه التي نحن بها ﴿خِلَالَهَا﴾.

يعنى: خلالَ النخيلِ والكرومِ.

ويعنى بقولِه (٥): ﴿خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: بينَها في أُصولِها، تفجيرًا بسببِ أُبَنَتِها (٦).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كِسَفًا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بسكونِ السينِ (١).

بمعنى: أو تُسْقِطَ السماءَ كما زعَمْتَ علينا كِسْفًا.

وذلك أن الكِسْفَ في كلامِ العربِ جمعُ كِسْفَةٍ، وهو جمعُ الكثيرِ من العددِ [وللجنسِ] (٢)، كما تُجْمَعُ السِّدْرَةُ "سدْرٌ"، والتَّمْرَةُ "تَمْرٌ"، فحُكِى عن العربِ سماعًا: أعطِني كِسْفَةً من هذا الثوبِ.

أي: قطعةً منه.

يقالُ منه: جاءنا بثريدٍ كِسْفٍ.

أي: قِطَعِ (٣) خُبْزٍ.

وقد يَحْتَمِلُ إذا قُرِئَ كذلك: (كِسْفًا).

بسكونِ السينِ، أن يكونَ مُرَادًا به المصدرُ من "كَسَفَ".

فأما "الكِسَفُ" بفتحِ السينِ، فإنه جمعُ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، يقالُ: كِسْفَةٌ واحدةٌ، وثلاثُ كِسَفٍ.

وكذلك إلى العشرِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿كِسَفًا﴾.

بفتحِ السينِ (٤)، بمعنى جمعِ الكِسْفَةِ الواحدةِ من الثلاثِ إلى العشرِ، يعنى بذلك قِطَعًا ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ.

وأولَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ عندى (٥) قراءةُ مَن قرَأ بسكونِ السينِ؛ لأن الذين سألُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ذلك، لم يَقْصِدُوا في مسألِتهم إياه ذلك أن يكونَ بحدٍّ معلومٍ من القِطَعِ، إنما سأَلُوه أن يُسْقِطَ عليهم السماءَ قِطَعًا.

وبذلك جاء التأويلُ أيضًا من (٦) أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾.

قال: السماءُ جميعًا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال ابن جريجٍ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.

قال: هذه (٢) مرةً واحدةً.

والتي في "الروم" ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨].

قال: قِطَعًا.

قال ابن جريجٍ: كِسَفًا؛ لقولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩].

حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.

قال: أي: قِطَعًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كِسَفًا﴾.

قال: قِطعًا (٣).

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿كِسَفًا﴾.

يقولُ: قطعًا (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.

يعني: قطَعًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا (١) عن قيلِ المشركين لنبيِّ اللَّهِ ﷺ: أو تأتىَ باللَّهِ يا محمدُ والملائكةِ قبيلًا.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "القبيلِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى [تأتىَ باللَّهِ] (٢) والملائكةِ كلَّ قبيلةٍ منا قبيلةً قبيلةً.

فيُعايِنُونهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.

قال: على حِدَتِنا، كلَّ قبيلةٍ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.

قال: قبائلَ على حِدَتِها كلَّ قبيلةٍ.

وقال آخرون: معنى ذلك: أو تأتِىَ باللَّهِ والملائكةِ عِيانًا نُقابِلُهم مقابلةً، فنُعايِنُهم معاينةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: نُعايِنُهم معاينةً (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: فنُعايِنَهم (٢).

ووجَّهه بعضُ أهلِ العربيةِ إلى أنه بمعنى "الكفيلِ"، من قولِهم: هو قَبيلُ فلانٍ بما لفلانٍ عليه وزعيمُه.

وأشبهُ الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله قتادةُ من أنه بمعنى المعاينةِ، من قولِهم: قابَلتُ فلانًا مُقابلةً، وفلانٌ قَبيلُ فلانٍ.

بمعنى: قُبَالَتُه.

كما قال الشاعرُ (٣): نُصالحكُم حتى تَبُوءُوا بمثْلِها … كصَرْخةِ حُبْلَى [يَسَّرَتْها قبيلُها] (٤) يعني: قابِلتُها.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ (٥): إذا وصَفُوا بتقديرِ "فَعِيل" من قولِهم: قابلتُ، ونحوِها، جعَلُوا لفظَ صفةِ الاثنين والجميعِ من المؤنثِ والمذكرِ على لفظٍ واحدٍ، نحوُ قولِهم: هذه قبيلى، وهما قبيلى، وهم قبيلي، وهنَّ قبيلي.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن المشركين الذين ذكَر (١) أمرَهم في هذه الآياتِ: أو يكونَ لك يا محمدُ بيتٌ من ذهبٍ.

وهو الزُّخْرُفُ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾.

يقولُ: بيتٌ من ذهبٍ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ زُخْرُفٍ﴾: قال: من ذهب (٣).

حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: والزخرفُ هذا (٤) الذهبُ (٥).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾.

قال: من ذهبٍ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن الحكمِ، قال: قال مجاهدٌ: كنا لا نَدْرِى ما الزخرفُ، حتى رَأيناه في قراءةِ ابن مسعودٍ: (أوْ يكونَ لك بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: لم أَدْرِ ما الزخرفُ، حتى سمِعنا في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: (بيتٌ مِن ذَهَبٍ) (٢).

وقولُه: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾.

يعنى: أو تَصْعَدَ في دَرَجٍ إلى السماءِ.

وإنما قيل: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾.

وإنما يُرْقَى إليها لا فيها؛ لأن القومَ قالوا: أو تَرْقَى في سُلَّمٍ إلى السماءِ.

فأُدْخِلَتْ "في" في الكلامِ لتدُلَّ على معنى الكلامِ، يقالُ: رَقِيتُ في السُّلَّمِ، فأنا أَرْقَى رَقْيًا ورُقيًّا ورُقْيًا، كما قال الشاعرُ (٣): أنتَ الذي (٤) كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجُ … على الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ وقولُه: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾.

يقولُ: ولن نصدِّقَك من أجلِ رُقِيِّك إلى السماءِ ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ منشورًا ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ فيه أمرُنا باتباعِك والإيمانِ بك.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾.

قال: من ربِّ العالمين إلى فلانٍ (١)، عندَ كلِّ رجلٍ صحيفةٌ تُصْبِحُ عندَ رأْسِه يَقْرَؤُها (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: كتابًا نَقْرَؤُه من ربِّ العالمين.

وقال أيضًا: تُصْبِحُ عندَ رأسِه موضوعةً يقْرَؤُها.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾: أي: كتابًا خاصًّا (٣) نُؤْمَرُ فيه باتباعِك.

وقولُه: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين من قومِك، القائلين لك هذه الأقوالَ: تَنْزِيهًا للَّهِ عما (٤) يَصِفُونه به، وتعظيمًا له من أن يُؤْتَى (٥) به وبملائكتِه، أو يكونَ لي سبيلٌ إلى شيءٍ مما تسألُونيه، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.

يقولُ: هل أنا إلا عبدٌ من عبيدِه من بنى آدمَ، فكيف أَقْدِرُ أن أفعَلَ ما سألْتُمونى من هذه الأُمورِ؟

وإنما يَقْدِرُ عليها خالقى وخالِقُكم، وإنما أنا رسولٌ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، والذي سأَلْتُموني أن أفعَلَه بيدِ اللَّهِ الذي أنا وأنتم عبيدٌ له، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُه.

وهذا الكلامُ الذي أخبرَ اللَّهُ أنه كُلِّم به رسولُ اللَّهِ ﷺ فيما ذكَر، كان من ملأ من قريشٍ اجتَمَعُوا لمناظرةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ومُحاجَّتِه، فكلَّموه بما أخبرَ اللَّهُ عنهم في هذه الآياتِ.

ذكرُ تسميةِ الذين ناظَرُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بذلك منهم، والسببِ الذي من أجلهِ ناظَرُوه به حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى شيخٌ من أهلِ مصرَ قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن عتبةَ وشيبةَ ابنى ربيعةَ، وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، ورجلًا من بنى عبدِ الدارِ، وأبا البَخْتَرِيِّ أخا بني أسدٍ، والأسودَ بنَ المطلبِ بن أسدٍ، وزمعةَ بنَ الأسودِ، والوليدَ بنَ المغيرةِ، وأبا جهلِ بنَ هشامٍ، وعبدَ اللَّهِ بنَ أبي أميةَ، وأميةَ بنَ خلفٍ، والعاصَ بنَ وائلٍ، ونُبَيْهًا ومُنَبِّهًا ابنى الحجاجِ السَّهْمِيين، اجتَمَعُوا، أو مَن اجتَمَع منهم بعدَ غروبِ الشمسِ عندَ ظَهْرِ الكعبةِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ فكلِّموه وخاصِموه حتى تُعْذِرُوا فيه.

فبعَثُوا إليه: إن أشرافَ قومِك قد اجتَمعوا إليك لِيُكلِّموك.

فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا، وهو يظُنُّ أنه بدَا لهم في أمرِه بَدَاءٌ، وكان عليهم حريصًا، يُحِبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم، حتى جلَس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنا قد بعَثنا إليك لنُعْذِرَ فيك، وإنا واللَّهِ ما نعلَمُ رجلًا من العربِ أدخَل على قومِه ما أدخَلتَ (١) على قومِك، لقد شتَمتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّينَ، وسفَّهتَ الأحلامَ، وشتَمتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بَقِى أمرٌ قبيحٌ إلا وقد جِئْتَه فيما بينَنا وبينَك، فإن كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديثِ تَطْلُبُ مالًا، جمَعنا لك من أموالِنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا، وإن كنتَ إنما تطلُبُ الشرفَ فينا، سوَّدْناك علينا، وإن كنتَ تُريدُ به مُلْكًا ملَّكْنَاك علينا، وإن كان هذا الذي يَأْتِيك بما يَأْتِيك به رَئيًّا ترَاه قد (٢) غلَب عليك - وكانوا يسمُّون التابِعَ من الجنِّ الرئيَّ (٣) - فربما كان ذلك، بذَلنا أموالَنا في طلبِ الطبِّ لك حتى نُبْرِئَك منه، أو (٤) نُعْذِرَ فيك.

فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما بي ما تقولون، ما جِئْتُكم بما جِئْتُكم به أطلُبُ أموالَكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ عليكم، ولكنَّ اللَّهَ بعَثني إليكم رسولًا، وأنزَل عليَّ كتابًا، وأمَرني أن أكونَ لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالةَ ربى، ونصَحت لكم، فإن تقبَلوا منِّى ما جِئْتُكم به فهو حظُّكم في الدُّنيا والآخرةِ، وإن ترُدُّوه عليَّ أصْبِرُ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمُ اللَّهُ بينى وبينَكم".

أو كما قال رسولُ اللَّهِ ﷺ.

فقالوا: يا محمدُ، فإن كنتَ غيرَ قابلٍ منا ما عرَضنا عليك، فقد علِمتَ أنه ليس مِن الناسِ أحدٌ أضيقَ بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا منا، فسَلْ ربَّك الذي بعَثك بما بعَثك به، فليُسَيِّرْ عنا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا، ويَبْسُط لنا بلادَنا، وليُفَجِّرْ (٥) فيها أنهارًا كأنهارِ الشامِ والعراقِ، ولْيَبْعَثْ لنا مَن مضَى من آبائِنا، ولْيكنْ في مَن يَبْعَثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنَسْأَلُهم عما تقولُ، حقٌّ هو أم باطلٌ؟

فإن صنَعتَ ما سأَلْناك، وصدَّقُوك، صدَّقْنَاك، وعرَفنا به منزِلتَك عندَ اللَّهِ، وأنه بعَثك بالحقِّ رسولًا كما تقولُ.

فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما بهذا بُعِثتُ، إنما جْئُتكم من اللَّهِ بما بعثني به، فقد بَلَّغْتُكم ما (١) أُرْسِلْتُ به إليكم، فإن تَقْبَلُوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرةِ، وإن تَرُدُّوه عليَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بينى وبينَكم".

قالوا: فإن لم تَفْعَل لنا هذا، فخُذْ لنفسِك، فسَلْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُك بما تقولُ، ويُراجِعُنا عنك، [وتسألُه فيجعلُ] (٢) لك جِنانًا وكُنوزًا وقُصورًا من ذهبٍ وفضةٍ، ويُغْنِيك بها عما نراك تَبْتَغِي، فإنك تقومُ بالأسواقِ، وتَلْتَمِسُ المعاشَ كما نَلْتَمِسُه، حتى نَعرِفَ فضلَ منزِلتِك من ربِّك إن كنتَ رسولًا كما تَزْعُمُ.

فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثْتُ إليكم بهذا، ولكنَّ اللَّهَ بعَثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تَقْبَلُوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرةِ، وإن تَرُدُّوه عليَّ أصبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمَ اللَّهُ بينى وبينكم".

قالوا: فأسقِطِ السماءَ علينا كِسَفًا كما زعمتَ أن ربَّك إن شاء فعَل، فإنا لا نُؤمِنُ لك إلا أن تفعَلَ.

فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ذلك إلى اللَّهِ، إن شاء فعَل بكم ذلك".

فقالوا: يا محمدُ، فمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سنَجْلِسُ معك، ونسألُك عما سألْنَاك عنه، ونَطلُبُ منك ما نَطلُبُ، فيَتقدَّمَ إليك، ويُعلِّمَك ما تُرَاجِعُنا به، ويُخْبِرَك ما هو صانعٌ في ذلك بنا، إذا لم نَقْبَلْ منك ما جِئْتَنا به، فقد بلَغَنا أنه إنما يُعَلِّمُك هذا رجلٌ باليمامةِ يقالُ له: الرحمنُ.

وإنا واللَّهِ ما نُؤْمِنُ بالرحمنِ أبدًا، أَعْذَرْنا إليك يا محمدُ، أما واللَّهِ لا نَتْرُكُك وما بلَغْتَ بنا (٣) حتى نُهْلِكَك أو تُهْلِكَنا.

وقال قائلُهم: نحن نعبدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللَّهِ.

وقال قائلُهم: لن نُؤْمِنَ لك حتى تأتيَنا باللَّهِ والملائكةِ قبيلًا.

فلما قالوا ذلك قام رسولُ اللَّهِ ﷺ عنهم، وقام معه عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أميةَ بن المُغيرةِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (١) بن مخزومٍ، وهو ابن عمِته، [ابن عاتكةَ ابنةِ] (٢) عبدِ المطلبِ، فقال له: يا محمدُ عرَض عليك قومُك ما عرَضُوا، فلم تَقْبَلْه منهم، ثم سألُوك لأنفسِهم أمورًا ليَعرِفُوا منزلتَك من اللَّهِ، فلم تَفعَلْ ذلك، ثم سأَلُوك أن تُعَجَّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذابِ، فواللَّهِ لا أُومِنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماءِ سُلَّمًا تَرْقَى فيه وأنا أَنْظُرُ حتى تأتيَها، وتأتىَ معك بنسخةٍ منشورةٍ، معك أربعةٌ مِن الملائكةِ يشهَدُون لك أنك كما تقولُ، وايمُ اللَّهِ، لو فعَلتَ ذلك لظننتُ ألَّا أُصَدِّقَك.

ثم انصرَف عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وانصرفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهلِه حزينًا أَسِفًا (٣) لِمَا فاته مما كان يَطمَعُ فيه من قومِه حينَ دَعَوْه، ولِمَا رأى من مُباعدتِهم إياه، فلما قام عنهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، قال أبو جهلٍ: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد أَبَى إلا ما تَرَوْنَ من عيبِ دينِنا، وشتمِ آبائِنا، وتسفيهِ أحلامِنا، وسبِّ آلهتِنا، وإني أُعَاهَدُ اللَّهَ لأَجلِسنَّ له غدًا بحجرٍ قدرَ مَا أُطِيقُ حَمْلَه، فإذا سجَد في صلاتِه فضَحْتُ رأسَه به (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أو عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، إلَّا أنَّه قال: وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، والنضرَ بنَ الحارثُ أخا (٥) بني عبدِ الدارِ، وأبا البَختريِّ بنَ هشامٍ.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، قال: قلتُ له في قولِه تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾.

قال: قلتُ له: أنزَلت في عبدِ اللَّهِ بن أبى أميةَ؟

قال: قد زعَمُوا ذلك (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما منَع يا محمدُ مشركي قومِك الإيمانَ باللَّهِ وبما جئتَهم به من الحقِّ، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾.

يقولُ: إذ جاءَهم البيانُ من عندِ اللَّهِ بحقيقةِ ما تَدْعُوهم وصحةِ ما جئتَهم به، إلا قولُهم جهلًا منهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.

فـ ﴿أَنْ﴾ الأولى في موضعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿مَنَعَ﴾ عليها، والثانيةُ في موضعِ رفعٍ؛ لأن الفعلَ لها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين أَبَوُا الإيمانَ بك وتصديقَك فيما جئتَهم به من عندى؛ استنكارًا لأن يَبْعَثَ اللَّهُ رسولًا من البشرِ: ﴿لَوْ كَانَ﴾ أيُّها الناسُ ﴿فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾؛ لأن الملائكةَ إنما تراهم أمثالُهم من الملائكةِ، أو (٢) من خصَّه اللَّهُ من بنى آدمَ برؤيتِها، فأما غيرُهم فلا يَقْدِرون على رؤيتِها، فكيف يَبعَثُ إليهم من الملائكةِ الرسلَ، وهم لا يَقْدِرون على رؤيتِهم وهم بهيئاتِهم التي خلَقهم (٣) بها، وإنما يُرسِلُ إلى البشرِ الرسولَ منهم، كما لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشُون مُطْمئنِّين، ثم أرسَلْنا إليهم رسولًا، أرسَلْناه منهم مَلَكًا مثلَهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ للقائلين لك: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ -: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

فإنه نِعْمَ الكافي والحاكمُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.

يقولُ: إن اللَّهَ بعبادِه ذو خبرةٍ وعلمٍ بأمورِهم وأفعالِهم، والمحقَّ منهم والمُبطلِ، والمَهْدِيِّ والضالِّ، ﴿بَصِيرًا﴾ بتدبيرِهم وسياستِهم وتصريفِهم فيما شاء، وكيف شاء وأحَبَّ، لا يخفَى عليه شيءٌ من أُمورِهم، وهو مجازٍ جميعَهم بما قدَّم عندَ ورودِهم عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (١) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَهْدِ اللَّهُ يا محمدُ للإيمانِ به، ولتصديقِك وتصديقِ ما جئتَ به مِن عندِ ربِّك، فوفَّقه لذلك، فهو المُهْتَدِ الرشيدُ المصيبُ الحقَّ، لا مَن هداه غيرُه، فإن الهدايةَ بيدِه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾.

يقولُ: ومَن يُضْلِلْه اللَّهُ عن الحقِّ، فيَخْذُلْه عن إصابتِه، ولم يوفِّقْه للإيمانِ باللَّهِ وتصديقِ رسولِه، فلن تَجِدَ لهم يا محمدُ أولياءَ يَنْصُرُونهم من دونِ اللَّهِ، إذا أرادَ اللَّهُ عقوبتَهم، والاستنقاذَ منهم، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾.

يقولُ: ونَجْمَعُهم بموقفِ القيامةِ من بعدِ تفرُّقِهم في القبورِ عندَ قيامِ الساعةِ ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا﴾.

وهو جمعُ أَبْكَمَ، ويعنى بالبُكْمِ الخُرْسَ.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبُكْمًا﴾.

قال: الخُرْسُ (١).

﴿وَصُمًّا﴾.

وهو جمعُ أصمَّ.

فإن قال قائلٌ: وكيف وصَف اللَّهُ هؤلاء بأنهم يُحشَرون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وقد قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].

فأخبرَهم (٢) أنهم يَرَوْنَ، وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٢، ١٣].

فأخبرَ أنهم يَسْمَعُونَ ويَنْطِقُون؟

قيل: جائزٌ أن يكونَ ما وصَفهم اللَّهُ به من العَمَى والبَكَمِ والصَّمَمِ يكونُ صفتَهم في حالِ حشرِهم إلى موقفِ القيامةِ، ثم يُجْعَلُ لهم أسماعٌ وأبصارٌ ومنطقٌ في أحوالٍ أُخرَ غيرِ حالِ الحشرِ، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كما رُوِى (٣) عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي حدَّثَنيه عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾.

ثم قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا﴾.

وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أما قولُه: و ﴿عُمْيًا﴾.

فلا يرَون شيئًا يسرهم (١)، وقولُه: ﴿بُكْمًا﴾.

لا يَنْطِقُون بحجة، وقولُه: ﴿صُمًّا﴾.

لا يَسْمَعُون شيئًا يسرُّهم (٢).

وقولُه: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُهم إلى جهنمَ، وفيها مساكُنهم، وهم وَقُودُها.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: يعنى أنهم وَقُودُها (٣).

وقولُه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا)﴾.

يعنى بقوله: ﴿خَبَتْ﴾: لانَتْ وسَكَنَتْ.

كما قال عديٌّ بنُ زيدٍ العِبَاديُّ في وصفِ مُزْنَةٍ: وَسْطُه كاليَرَاعِ (٤) أَوْ سُرُج المجْدَل (٥) … حِينًا يَخْبُو وحينًا يُنيرُ يعنى بقولِه: يَحْبو السُّرُجُ.

أنها تَلِينُ وتَضْعُفُ أحيانًا، وتَقْوَى فتُنِيرُ أُخْرى.

ومنه قولُ القُطَاميِّ (٦): * فيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ (٧) ساعا * وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في العبارةِ عن تأويلِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾.

[يقولُ: كلَّما] (١) سكَنت (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾.

يقولُ: كلما أحرَقتهم [تسَّعرُ بهم] (٣) حَطَبًا، فإذا أحرَقتهم فلم تُبْقِ منهم شيئًا، صارَت جمرًا (٤) تتوهَّجُ، فذلك خَبْرُها، فإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جديدًا عاوَدَتْهم (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن [ابن أبي نجيحٍ] (٦)، عن مجاهدٍ قولَه (٧).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾.

قال: خَبْؤُها أنها تُسَعَرُ بهم حطبًا، فإذا أحرَقتهم فلم يَبْقَ منهم شيءٌ، صارت جمرًا (١) تتوهَّجُ، فإذا بُدِّلوا خلقًا جديدًا عاوَدَتْهم (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.

يقولُ: كلَّما احترَقت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها ليَذُوقُوا العذابَ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾.

قال: كلما لان منها شيءٌ (٤).

حُدِّثْتُ عن مَرْوَانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾.

قال: سكنت.

وقولُه: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.

يقولُ: زِدْنا هؤلاء الكفارَ سعيرًا، وذلك إسعارُ النارِ عليهم والتهابُها فيهم وتأجُّجُها بعدَ خَبْوها في أجسامِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفنا من فعلِنا يومَ القيامةِ بهؤلاءِ المشركين، ما ذكَرتُ أنَّا نَفعَلُ بهم من حشرهم على وجوهِهم عُميًا وبُكمًا وصُمًّا، وإصلائِناهم (١) النارَ على ما بَيَّنا من حالِهم فيها - ثوابُهم بكفرِهم في الدنيا ﴿بِآيَاتِنَا﴾.

يعنى: بأدلتِه وحججِه، وهم رسلُه الذين دَعَوْهم إلى عبادتِه، وإفرادِهم إياه بالألوهةِ دونَ الأوثانِ والأصنامِ، وبقولِهم إذا أُمِروا بالإيمانِ بالمعادِ، وبثوابِ اللهِ وعقابهِ في الآخرةِ: ﴿أإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ باليةً، ﴿وَرُفَاتًا﴾: قد صِرْنا ترابًا ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.

يقولون: تُبْعَثُ بعدَ ذلك خلقًا جديدًا، كما ابتُدِثْنا (٢) أولَّ مرةٍ في الدنيا.

استِنكارًا منهم لذلك، واستِعظامًا له (٣)، وتعجُّبًا من أن يكونَ ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أوَ (٤) لم يَنْظُرْ هؤلاء القائلون من المشركين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ بعيونِ قلوبهم، فيعلَموا ﴿انَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فابتدَعها من غيرِ شيءٍ، وأقامَها بقُدرتِه، ﴿قَادِرٌ﴾ بتلك القدرةِ ﴿عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أشكالَهم وأمثالَهم من الخلقِ بعدَ فنائِهم وقبلَ ذلك، وأن مَن قدَر على ذلك فلا يَمتَنِعُ عليه إعادتَهم خلقا جديدًا، بعدَ أن يَصِيروا عظامًا ورُفاتًا.

وقولُه: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل الله لهؤلاء المشركين أجلًا لهلاكِهم، ووقتًا لعذابهم ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.

يقولُ: لا شكَّ فيه أنه آتيهم ذلك الأجلُ، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾.

يقولُ: فأبَى الكافرون إلا جحودًا بحقيقةِ وعيدِه الذي أوعَدهم، وتكذيبًا به.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناسُ تَمْلِكُون خزائنَ أملاكِ ربى من الأموالِ - وعَنَى بالرحمةِ في هذا الموضعِ المالَ - ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾.

يقولُ: إذن لَبَخِلْتُم به، فلم تجودُوا بها على غيرِكم، خشية من ﴿الْإِنْفَاقِ﴾ (١)؛ الإِقْتارِ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾.

قال: الفقرِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾.

أي: خشيةَ الفاقةِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣).

وقولُه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.

يقولُ: وكان الإنسانُ بخيلًا مُمْسِكًا.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.

يقولُ: بخيلًا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.

قال: بخيلًا.

حدًّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.

قال: بخيلًا مُمْسِكًا.

وفى "القُتورِ" في كلامِ العربِ لغاتٌ أربعٌ، يقالُ: قَتَر فلانٌ يَقْتُرُ ويَقْتِرُ، وقَتَّر يُقَتِّرُ، وأقْتَر يُقْتِرُ، كما قال أبو دُوادَ (١): لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولكنْ … فقدُ مَن قد رُزِيتُه الإِعْدامُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى بنَ عِمرانَ ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تَبِينُ لَمَن رآها أنَّها حُججٌ لموسى شاهدةٌ على صدقِه وحقيقةِ نبوَّتِه.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيهنَّ وما هُنَّ؛ فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

قال: التسعُ الآياتِ البينات؛ يدُه، وعَصاه ولسانُه، والبحرُ والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، آياتٌ مفصلاتٌ (٢).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: إلقاءُ العصا مرَّتينِ عندَ فرعونَ، ونزْعُ يدِه، والعُقدةُ التي كانت بلسانِه، وخمسُ آياتٍ في "الأعراف"؛ الطوفانُ، والجرادُ، والقمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ (١).

وقال آخرون نحوًا من هذا القولِ، غيرَ أنَّهم جعَلوا اثنتين (٢) مِنهنَّ؛ إحدَاهما، الطَّمسَةَ، والأُخرى، الحَجَرَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بريدةَ بن سفيانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيّ، قال: سألني عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

فقلتُ له: هي الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والبحرُ، وعَصاه، والطَّمْسةُ، والحَجَرُ.

فقال: وما الطَّمْسةُ؟

فقلتُ: دعا موسى وأمَّن هارونُ، فقال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وقال عمرُ: كيف يكونُ الفقهُ إلا هكَذا!

فدعا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بخريطةٍ (٣) كانت لعبدِ العزيزِ بن مرْوانَ أُصِيبت بمصرَ، فإذا فيها الجوزةُ (٤) منشاةٌ (٥)، والبيضةُ والعدسةُ ما تُنكَرُ، مُسِخت حجارةً، كانت من أموالِ فرعونَ أُصِيبت بمصرَ (٦).

وقال آخرون نحوًا من ذلك، إلا أنَّهم جعلوا اثنَتَينِ مِنْهنَّ؛ إحَداهما، السنين، والأخْرى، النقصَ من الثمرات.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمةَ ومطرٍ الورَّاقِ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾.

قالا: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والعصَا، واليدُ، والسنونَ، ونقصٌ مِن الثمراتِ (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيّ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

قال: الطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ، والدمِ، والسنينَ، ونقصٍ من الثمراتِ، وعصاه، ويدِه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: مثل سُئل عطاءُ بنُ أبى رباحٍ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

ما هي؟

قال: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدَّمُ، وعصا موسى، ويدُه.

قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ عطاءٍ، وزاد: ﴿أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠].

قال: هما التاسعتان، ويقولون: التاسعتان؛ السنين، وذَهَابِ عُجْمةٍ لسانِ موسى (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: وهي متتابعاتٌ، وهي في سورة "الأعراف": ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.

قال: ﴿بِالسِّنِينَ﴾ في أهلِ البوادِى، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، لأهلِ القُري، فهاتان آيتانِ.

والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، هذه خمسٌ، ويدهُ موسى إذ أخرَجها بيضاءَ للنّاظِرين من غيرِ سوءٍ - البرصُ - وعصاه إذ ألقاها فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ (١).

حدُّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

قال: يدِ موسى، وعصاه، والطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادِعِ، والدَّمِ، والسنين، ونقصٍ من الثمراتِ.

وقال آخرون نحوًا من ذلك؛ إلا أنَّهم جعَلوا السنينَ والنقصَ من الثمراتِ آيةً واحدةً، وجعَلوا التاسعةَ تَلَقُّفَ العصا ما يأفِكون.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرازقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.

قال: هذه آيةٌ واحدةٌ، والطوفانُ، والجرادُ، والقملُ، والضفادعُ، والدمُ، ويدُ موسى، وعصاه إذ ألْقاها فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، وإذ أَلْقاها فإذا هي تَلْقَفُ ما يأفِكُون (٢).

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبهِ: اذهبْ بنا إلى النبيِّ حتى نسألَه عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

قال: لا تقلْ له: نبيٌّ، فإنَّه إن سمِعك صارت له أربعةُ (١) أعينٍ، قال: فسألا، فقال النبيُّ ﷺ "لا تُشْرِكوا بالله شَيئًا، ولا تسْرقُوا، ولَا تَزْنُوا ولَا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولَا تَسْحَرُوا، ولا تأْكُلوا الرِّبا، ولا تَمشُوا ببَرِئٍ إلى ذى سُلْطَانٍ ليَقْتُلَه، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً".

أو (٢) قال: "لا تَفِرُّوا مِن الزَّحْفِ" - شعبةُ الشاكُّ - "وأَنْتُم يا يَهُودُ، علَيكُم خاصَّةً، لا تَعْدُوا في السَّبْتِ".

فقبَّلا يَده ورجلَه، وقالا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ.

قال: "فما يَمنَعُكما أنْ تُسلِمَا"؟

قالا: إن داودَ دَعا ألا يزالَ مِن ذرِّيتِه نبيٌّ، وإنا نخشَى أن تقتلَنا يهودُ (٣).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهديٍّ، عن شعبةَ (١)، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ المُرادِيِّ (٢)، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، إِلَّا أَنَّ ابنَ مهديٍّ قال: "لَا تمشوا إلى ذى سُلطانٍ".

وقال ابن مَهدِيٍّ: أُراه قال: "ببَرِئٍ".

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ وأبو أسامةَ بنحوِه، عن شعبةَ بن الحجاجِ، عن عمرِو بن مَرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبِه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ.

فقال صاحبُه: لا تقلْ: نبيٌّ.

إِنَّه لو سمعِك كان له أربعُ (٣) أعينٍ.

قال: فأتيا رسولَ الله ﷺ يسألانِه عن ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.

فقال: "هنَّ: ولَا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا، ولَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولا تَقْذِفُوا المحصنَةَ، ولا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزحفِ، وعَلَيكم خاصَّةً يهودُ، أَلَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ".

قال: فقبَّلوا يدَيه ورجلَيه، وقالوا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ.

قال: "فَمَا يمنعكم أن تتَّبِعُونى"؟.

قالوا: إن داودَ دعا ألا يزالَ من ذرِّيِته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إِن اتبَعْناك أنْ تقتُلَنا يهود (٤).

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن عمرِو ابن مرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (١).

وأما قوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾.

فإن عامَّةَ قرَأَةِ الإسلام على قراءِته على وجْهِ الأمْرِ، بمعنى: فاسألْ يا محمدُ بنى إسرائيلَ إذ جاءَهم موسى.

ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ في تأويلِه ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

قال: سؤالُك إِيَّاهم نظرُك في القرآنِ (٢).

ورُوِى عن ابن عباسٍ أنَّه كان يقرأُ ذلك: (فسَألَ).

بمعنى: فسألَ موسى فرعونَ بنى إسرائيلَ أنْ يُرسِلَهم معه.

على وجْهِ الخبرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن حنظلةَ السَّدُوسيّ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: (فسَأل بنى إسرائيلَ إذْ جاءَهم).

يعنى: أنَّ موسى سأل فرعونَ بنى إسرائيلَ أن يُرسِلَهم معه (٣).

والقراءةُ التي لا أستجيزُ أن يُقرَأَ بغيرِها، هي القراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على تصويبِها، ورغبتِهم عمَّا خالفها.

وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾.

يقولُ: فقال لموسى فرعونُ: إني لأظنُّك يا موسى مُعاطًى (١) علمَ السِّحرِ، فهذه العجائب التي تفعلُها من سحرِك.

وقد يجوزُ أن يكونَ مرادًا به: إنّى لأظُنُّك يا موسى ساحرًا.

فوُضِع "مفعولٌ" موضعَ "فاعلٍ"، كما قيل: إنَّك مشئومٌ علينا وميمونٌ.

وإنما هو شائمٌ ويامنٌ.

وقد تأوَّل بعضُهم ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥].

بمعنى: حجابًا ساتِرًا.

والعربُ قد تُخرِجُ "فاعلًا" بلفظِ "مفعولٍ" كثيرًا.

القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾.

اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءة قولِه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾.

بفتحِ التاءِ، على وجْهِ الخطابِ مِن موسى لفرعونَ (٢).

ورُوِى عن عليّ بن أبى طالبٍ رضوانُ الله عليه، في ذلك أنَّه قرَأ: (لَقَدْ عَلِمْتُ).

بضمّ التاءِ (٣)، على وجْهِ الخبرِ من موسى عن نفسِه.

ومَن قرَأ ذلك على هذه القراءةِ، فإنَّه ينبغى أن يكونَ على مذهبِه تأويلَ قولِه: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾: إنى لأظُنُّك قد سُحِرت، فترَى أنَّك تتكلمُ بصوابٍ وليس بصواب.

وهذا وجه من التأويلِ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأَةُ الأمصارِ خلافُها، وغيرُ جائز عندَنا خلافُ الحجةِ فيما جاءت به من القراءةِ مجمِعةً عليه.

وبعدُ، فإنَّ الله تعالى ذكرُه قد أخبَر عن فرعونَ وقومِه أنهم جحَدوا ما جاءَهم به موسى من الآياتِ التسعِ، مع علمِهم بأنَّها من عندِ اللَّهِ بقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٢ - ١٤].

فأخبرَ جلَّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحرٌ.

مع علمِهم واستِيقانِ أنفسِهم بأنَّها من عنِد الله، فكذلك قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ (١).

إنما هو خبرٌ من موسى لفرعونَ بأنَّه عالمٌ بأَنَّها آياتٌ مِن عند الله.

وقد ذُكر عن ابن عباسٍ أنَّه احتَجَّ في ذلك بمثل الذي ذكَرْنا من الحُجةِ.

قال: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: يا فرعونُ.

بالنصب، ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم تلا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢).

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال موسى لفرعونَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعونُ ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ الآياتِ التسعَ البيناتِ التي أريتُكها، حجةً لى على (٣) حقيقةِ ما أدْعُوك إليه، وشاهدةً لى على صدقى (٤) وصحَّةِ قوله: إنى للهِ رسولٌ (٥) بَعثني إليك - ﴿إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن ذلك لا يقدِرُ عليه ولا على أمثالِه أحدٌ سواه، ﴿بَصَائِر﴾ يعنى بـ "البصائرِ" الآياتِ أنهنَّ بصائرُ لَمن استبصَر بهنَّ، وهدًى لَمن اهتدَى بهنَّ، يعرِفُ بهنَّ مَن رآهُنَّ أن مَن جاء بهنَّ فَمُحِقٌّ، وأنهنَّ من عندِ اللهِ لا مِن عند غيرِه، إذ كُنَّ معجِزاتٍ لا يقدِرُ عليهنَّ ولا على شيءٍ منهنَّ سوى ربِّ السماواتِ والأرض.

وهو جمعُ بصيرةٍ.

وقولُه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

يقولُ: إني لأظُنُّك يا فرعون ملعونًا ممنوعًا من الخيرِ.

والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَك عن هذا الأمرِ؟

أي: ما مَنعك منه، وما صَرَفَك (١) عنه؟

وثَبَرَه الله فهو يَثْبُرُه ويُثْبِرُه.

لغتانِ.

ورجلٌ مثبورٌ: محبوسٌ عن الخيراتِ هالكٌ.

ومنه قولٌ الشاعر (٢): إذ أُجارِي الشَّيطانَ فِي سَنَنِ الغَيِّ … ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الله الكِلابيٌّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُ بن عبدِ اللَّهِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

قال: ملعونًا (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الثقفيُّ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

يقولُ: ملْعونًا (١).

وقال آخرون: بل معناه: إني لأظنُّك يا فرعونُ مغلوبًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: قولَه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

قال: مغلوبًا (٢).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

يقولُ: مغلوبًا (٢).

وقال بعضُهم: معنى ذلك: إني لأظنُّك يا فرعون هالِكًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿مَثْبُورًا﴾.

أي: هالكًا] (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

[أي: مُهْلَكًا.

قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾] (١).

أي: هالِكًا.

[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (٣).

وقال آخرون: معناه: إني لأظُنُّك مبدلًا مُغيِّرًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بُن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطيةَ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

قال: مبدِّلًا (٤).

وقال آخرون: معناه: مخبولًا لا عقلَ له.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.

قال: الإنسانُ إذا لم يكنْ له عقلٌ فما ينفعُه؟

[يعنى: إذا لم يكنْ له عقلٌ] (١) ينتَفِعُ به في ديِنه ومعاشِه دعَتْه العربُ مَثْبُورًا.

قال: أظنُّك ليس لك عقلٌ يا فرعونُ.

قال: بَيْنا هو يخافُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ (٢) لِسَانِي﴾ أن أقولَ هذا الفرعونَ.

فلَمَّا شرح الله صدرَه اجتَرأ أن يقولَ له فوقَ ما أمرَه اللهُ (٣).

وقد بيّنّا الذي هو أولَى بالصوابِ في ذلك قبلُ (٤).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأراد فرعونُ أن يسْتفِزَّ موسى وبنى إسرائيلَ مِن الأرضِ، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ﴾ في البحرِ، ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ مِن جُندِه، ﴿جَمِيعًا﴾، ونجَّيْنا موسى وبنى إسرائيلَ، وقُلْنا لهم مِن بعدِ هلاكِ فرعونَ: ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: أرضَ الشامِ، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

يقولُ: فإذا جاءتِ الساعةُ، وهى وعدُ الآخرةِ، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

يقولُ: حشَرْناكم مِن قبورِكم إلى موقفِ القيامةِ ﴿لَفِيفًا﴾.

أي: مختلِطين، قد التفَّ بعضُكم على بعضٍ، لا تتعارَفون، ولا ينحازُ أحدٌ منكم إلى قبيلتِه وحيّه.

من قولِك (٥): لَفَفْتُ الجيوشَ، إذا ضرَبتَ بعضَها ببعضٍ، فاختَلَطَ الجميعُ.

وكذلك كلُّ شيءٍ خُلِط بشيءٍ فقد لُفَ به.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قُلْنا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن (١) أبي رَزين: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

قال: مِن كلِّ قومٍ.

وقال آخرون: بل معناه: جِئْنا بكم جميعًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

قال: جميعًا (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحَّدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعَا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: جميعا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

أي: جميعًا، أوَّلكم وآخِرَكم (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

قال: جميعًا (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

يعنى: جميعًا (٢).

ووحَّد "اللفيفَ" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه بمعنى المصدرِ، كقولِ القائلِ: لَففْتُه لفًّا ولَفيفًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وبالحقِّ أنزَلْنا هذا القرآنَ.

يقولُ: أَنزَلْناه نأمرُ فيه بالعدل والإنصافِ والأخلاقِ الجميلةِ، والأُمورِ المُسْتَحسَنةِ الحميدَةِ، ونَنْهى فيه عن الظُّلِمِ والأُمورِ القبيحةِ، والأخلاقِ الرديةِ، والأفعالِ الذَّميمةِ، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾.

يقولُ: وبذلك نزَل مِن عندِ الله على نبيِّه محمدِ ﷺ.

وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أرسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسَلْناك إليه من عبادِنا، إلا مبشِّرًا بالجنَّة من أطاعَنا، فانتهَى إلى أمْرِنا ونَهْينا، ومنذرًا من عصانا وخالَفَ أَمْرَنا ونَهْيَنا.

﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ﴾.

اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمْصارِ: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾.

بتخفيفِ الراءِ من ﴿فَرَقْنَاهُ﴾.

بمعنى: أَحْكَمناه وفصَّلْناه وبيَّناه.

وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه بتشديدِ الراءِ: (فَرّقْناه) (١).

بمعنى: نزَّلناه شيئًا بعدَ شيءٍ، آيةً بعدَ آيةٍ، وقصةً بعد قصةٍ.

وأولى القراءتين بالصواب عندَنا القراءةُ الأولى؛ لأنَّها القراءةُ التي علَيها الحُجَّةُ مُجمِعةٌ، ولا يجوزُ خلافُها فيما كانت عليه (٢) مجمِعَةً مِن أمرِ الدينِ والقرآنِ.

فإذ كان ذلك أولى القراءَتَين بالصوابِ، فتأويلُ الكلامِ: وما أرسَلْناك إلا مبشرًا ونذيرًا، وفصَّلْناه قرآنًا (٣)، وبيَّنّاه وأحْكَمناه لتقرَأه على الناسِ على مكْثٍ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾.

يقولُ: فصَّلْناه (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن (٥) الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾.

مخفَّفًا، يعنى: بيَّناه (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾.

قال: فصَّلْناه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا عبادٌ، يعني ابنَ راشدٍ، عن داودَ، عن الحسنِ أنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾.

خفَّفها: فرَق الله به (١) بينَ الحقِّ والباطلِ (٢).

وأما الذين قرَءوا القراءةَ الأُخرى، فإنَّهم تأوَّلوا ما قد ذكَرتُ من التأويل.

ذكرُ مَن قال ما حكَيْتُ من التأويل عن قارئ ذلك كذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَؤُها: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه).

مثقَّلَةً، يقولُ: أُنزِل آيةً آيةً (٣).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال، قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدْرِ، ثم أُنزِل بعدَ ذلك في عشرين سنةً، قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].

(وقُرْآنا فَرَّقْناه لِتَقْرأه على النَّاسِ على مُكْثٍ ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا) (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه).

[قال: أُنزِل مُفَرَّقًا] (٥)، لم ينزلْ جميعًا، وكان بينَ أوَّله وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وقُرْآنًا فَرَّقْناه).

قال: فرَّقه، لم ينزِّلْه جميعًا (٢).

وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾.

حتى بلغ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]: يَنقُضُ عليهم ما يأتُون به (٣).

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفة يقولُ (٤): نُصِب قولُه: ﴿وَقُرْآنًا﴾.

بمعنى: ورحمةً.

ويتأوَّلُ ذلك: وما أَرْسَلْناك إلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ورحمةً.

ويقولُ: جاز ذلك لأن القرآن رحمةٌ.

ونصْبُه (٥) على الوجْهِ الذي قُلناه أولى، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].

وقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.

يقولُ: لتقرَأَه على الناسِ على تُؤَدةٍ، فتُرتِّلَه وتبيِّنَه، ولا تعجَلْ في تلاوتِه فلا يُفْهَمَ عنك.

وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: رجلٌ قرَأ "البقرةَ" و "آلَ (١) عمرانَ"، وآخرُ قرَأ "البقرةَ"، وركُوعُهما وسجودُهما واحدٌ، أيُّهما أفضَلُ؟

قال: الذي قرَأ "البقرةَ".

وقرأ: ? ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (٢).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.

يقولُ: على تأييدٍ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾.

قال: على تَرَسُّلٍ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (٥) قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.

قال: في تَرَسُّلٍ (٦).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.

قال: التفسيرُ الذي قال الله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]: تفسيره.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبيدٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: على تُؤَدةٍ (١).

وفى "المُكْثِ" للعربِ لغاتٌ: مُكْثٌ، ومَكْثُ، ومِكْثٌ، ومِكِّيثَى مقصورٌ، ومُكْثانًا، والقراءةُ بضمِّ الميم.

وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فرَّقنا تنزيلَه، وأنزَلناه شيئًا بعدَ شيءٍ.

كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليه، قال: حُدِّثْنا عن أبي رجاءٍ، قال: تلا الحسن: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.

قال: كان الله ﵎ ينزِّلُ هذا القرآنَ بعضَه قبلَ بعضٍ، لِمَا علِم أنَّه سيكونُ ويحدُثُ في الناسِ، لقد ذُكر لنا أنَّه كان بينَ أوّلِه وآخرِه ثمانىَ عشْرةَ سنةً.

قال: فسألتُه يومًا على سُخطةٍ، فقلتُ: يا أبا سعيد: (وقُرآنًا فَرَّقْناه).

فثقَّلَها أبو رجاءٍ، فقال الحسنُ: ليس (فَرَّقْناه) ولكن ﴿فَرَقْنَاهُ﴾.

فقرَأ الحسنُ مخفَّفةً.

قلتُ: مَن يُحدَّثك هذا يا أبا سعيدٍ؟

أصحابُ محمدٍ؟

قال: فمَنْ يُحدِّثُنيه؟!

قال: أُنزِل عليه بمكةَ قبلَ أن يُهاجرَ إلى المدينةِ ثمانىَ سنين، وبالمدينةِ عشْرَ سنين.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: لم ينزَّلْ في ليلةٍ ولا ليلتين، ولا شهرٍ ولا شَهرين، ولا سنةٍ ولا سنتين، ولكنْ كان بين أوَّلِه وآخِرِه عشرون سنةً، وما شاء الله مِن ذلك (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ (١): أُنزِل على نبيِّ الله القرآنُ ثمانىَ سنين، وعشرًا بعدَما هاجَر.

وكان قتادةُ يقولُ: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينةِ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]: آمِنوا بهذا القرآنِ الذي لو اجتمَعت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه، لم يأْتُوا به ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا، أو لا تؤمِنوا به، فإن إيمانَكم به لن يزيدَ في خزائنِ رحمةِ الله، ولا ترْكَكم الإيمانَ به ينقُصُ ذلك، وإن تكفُروا به، فإن الذين أُوتوا العلمَ بالله وآياتِه مِن قبلِ نزولهِ من مؤمنى أهلِ الكتابين، إذا يُتلَى عليهم هذا القرآنُ يَخِرُّون؛ تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنَّه مِن عندِ اللَّهِ، لأذقانِهم سُجَّدًا بالأرضِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى الله بقولِه: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به الوجوهَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾.

يقولُ: للوجوهِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾.

أي: للوجوهِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٢).

وقال آخرون: بل عنَى بذلك اللِّحَى.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾.

قال: للِّحَى (٣).

وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ هؤلاءِ الذين أُوتُوا العلمَ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، إذا خرُّوا للأذقانِ سُجودًا عندَ سَماعِهم القرآنَ يُتْلَى عليهم: تنزِيهًا لربِّنا وتَبْرِئةً له مما يُضيفُ إليه المشركون به، ما كان وعدُ ربِّنا من ثوابٍ وعقابٍ، إلا مفعولًا حقًّا يقينًا؛ إيمانٌ بالقرآنِ وتصديقٌ به.

والأذقانُ في كلامِ العربِ: جمعُ ذَقَنٍ، وهو مَجمَعُ اللَّحْيَيْنِ.

وإذ كان ذلك كذلك، فالذى قال الحسنُ في ذلك أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في الذين عُنوا بقولِه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.

وفي: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿خُشُوعًا﴾.

قال: هم ناسٌ من أهلِ الكتابِ، حينَ سمِعوا ما أنزَل الله على محمدٍ، قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ النبيِّ ﷺ ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ما أُنزِل إليهمِ من عندِ اللَّهِ، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٢).

وقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: محمدٌ ﷺ (٣).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: كِتابُهم (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: ما أُنزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ.

وإنما قلنا: عنَى بقولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: القرآنَ؛ لأنه في سياقِ ذكرِ القرآنِ، ولم يَجرِ لغيرِه مِن الكتبِ ذكرٌ، فيُصرَفَ الكلامُ إليه، ولذلك جُعلتِ الهاءُ التي في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾.

مِن ذكرِ القرآنِ؛ لأن الكلامَ بذكرِه جرَى قبلَه، وذلك قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾.

وما بعدَه في سياقِ الخبرِ عنه، فلذلك وجَبت صحةُ ما قلنا، إذا لم يأتِ بخلافِ ما قلنا فيه حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويخِرُّ هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ من مؤمنى أهلِ الكتابين من قبلِ نزولِ الفرقانِ، إذا يُتلَى عليهم القرآنُ، لأذقانِهم يبكُون، ويزيدُهم ما في القرآنِ من المواعظِ والعبرِ ﴿خُشُوعًا﴾.

يعنى: خضوعًا لأمرِ الله وطاعتِه، واستكانةً له.

حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أَخبَرنا مِسْعَرٌ، عن عبدِ الأعلى التّيميّ، أنَّ مَن أُوتِيَ مِن العلم ما لم يُبكِه، لخليقٌ ألَّا يكونَ أُوتِىَ علمًا يَنْفَعُه؛ لأنَّ اللَّهَ نعَت العلماءَ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآيتين.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن مِسْعَرِ بن كِدَامٍ، عن عبدِ الأعلى التيميِّ بنحوِه، إَّلا أنه قال: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾.

ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ الآية (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.

قال: هذه جوابٌ وتفسيرٌ للآيةِ التي في "كهيعص": ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لمشركي قومِك المنكرين دعاءَ الرحمنِ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، بأيِّ أسمائِه ﷻ تَدْعُون ربَّكم، فإِنَّما تَدْعُون واحدًا، وله الأسماء الحُسْنى.

وإنما قيل ذلك له ﷺ؛ لأنَّ المشركين - فيما ذُكِر - سمِعوا النبي ﷺ يدعُو ربَّه: "يا ربَّنا الله، ويا ربَّنا الرحمن" (٢).

فظنُّوا أنه يدعو إلهين، فأنزَل الله على نبيّه ﵇ هذه الآية احتجاجا لنبيِّه عليهم.

ذكرُ الروايِة بما ذكَرنا حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن واقدٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ ساجدًا يدعو: "يا رحمنُ، يا رحيمُ".

فقال المشركون: هذا يَزْعُمُ أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنَى مثنَى.

فأنزَل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الآية (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتهجَّدُ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ، يقولُ في سجودِه: "يا رحمنُ، يا رحيمُ".

فسمِعه رجلٌ من المشرِكين، فلمَّا أصبَح قال لأصحابِه: انظُروا ما قال ابن أَبي كَبْشَةَ، يدعُو (٢) الليلةَ الرحمنَ الذي باليمامةِ (٣).

وكان باليمامةِ رجلٌ يقالُ له: رحمنُ.

فنزَلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾: بشيءٍ مِن أسمائِه (٥).

حدَّثني موسى بن سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكارٍ البصريُّ، قال: ثنى حمادُ بنُ عيسى بن عَبيدةَ بن الطُّفيلِ الجُهَنيُّ، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عبدِ العزيز بن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ للهِ تسعَةً وتسعين اسمًا كلُّهن في القرآنِ، مَن أحصَاهن دخَل الجنَّةَ" (١).

قال أبو جعفرٍ: ولدخولِ ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾.

وجهان؛ أحدُهما: أن تكون صلةً، كما قيل: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، والآخرُ: أن تكونَ في معنى أيِّ (٢)، كُرِّرت لمَّا اختلَف لفظاهما، كما قيل: ما إن رأيتُ كالليلةِ ليلةً.

وقولُه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في "الصلاةِ"؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: ولا تجهَرْ بدُعائِك ولا تُخافِتْ به، ولكنْ بينَ ذلك.

وقالوا: عنَى بالصلاةِ في هذا الموضعِ الدعاءَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قالت: في الدُّعاءِ (٣).

حدَّثنا ابن (٤) بشارٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عَبّادُ بنُ العوّامِ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: كانوا يَجْهَرون بالدعاءِ، فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ أَمِروا أَلّا يَجْهَرُوا، ولا يُخافِتوا (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن مالكٍ النُّكْرِيِّ (٣)، عن أبي الجَوزاءِ، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ.

حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيّاضٍ، عن أبي عِياضٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: الدعاءُ (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَرِيِّ (٥)، عن أبي عِياضٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: نزَلت في الدعاءِ (٦).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي عِياضٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذكَره، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: نزَلت في الدعاءِ (١).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: في الدعاءِ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: في الدعاءِ والمسألةِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ والمسألةِ (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثني سفيانُ، قال: ثني قيسُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: في الدعاءِ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَيَّاشٍ (٢) العامريِّ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: كان أعرابٌ إذا سلَّم النبيُّ ﷺ قالوا: اللهمَّ ارزُقْنا إبلًا وولدًا.

قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: في الدعاءِ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية.

قال: في الدعاءِ والمسألةِ (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: ذلك في الدعاءِ (٦).

وقال آخرون: عنَى بذلك الصلاةَ.

واختلَف قائلو هذه المقالةِ في المعنَى الذي عنَى بالنهيِ عن الجهرِ به منها؛ فقال بعضُهم: الذي نهَى عن الجهرِ به منها القراءةُ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ.

عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ ورسولُ اللهِ ﷺ متوارٍ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: كان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع صوتَه بالقرآنِ، فإذا سمِع ذلك المشركون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله، ومَن جاء به.

قال: فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمَع المشركونَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [عن أصحابِك] (١)، فلا تُسْمِعَهم القرآنَ حتى يأخُذُوا عنك (٢).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا جهَر بالصلاةِ بالمسلمين بالقرآنِ، شقَّ ذلك على المشركين إذا سمِعوه، فيُؤْذُون رسولَ اللهِ ﷺ بالشتْمِ والعَيبِ به، وذلك بمكةَ، فأنزَل اللهُ: يا محمدُ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾.

يقولُ: لا تُعلِنْ بالقراءةِ بالقرآنِ إعلانًا شديدًا يَسمعُه المشرِكون فيُؤْذُونك، ولا تُخافِتْ بالقراءةِ بالقرآنِ.

يقولُ: لا تخْفِضْ صوتَك حتى لا تُسْمِعَ أُذنيْك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

يقولُ: اطلُبْ بينَ الإعلانِ والجهرِ، وبينَ التخافُتِ والخفضِ طريقًا، لا جهرًا شديدًا، ولا خفضًا لا تُسْمِعُ أُذُنيك، فذلك القَدْرُ، فلما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ سقط هذا كلُّه، يفعَلُ الآنَ أيِّ ذلك شاء (١).

حُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية: هذا ورسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ، كان إذا صلَّى بأصحابِه فرفَع صوتَه بالقراءةِ أسمع المشركين فآذَوْه، فأمَره اللهُ ألَّا يرفَعَ صوتَه فيُسْمِعَ عدوَّه، ولا يُخافتَ فلا يُسْمِعَ مَن خلفَه من المسلمين، فأمرَه اللهُ أن يبتغيَ بينَ ذلك سبيلًا.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يرفَعُ صوتَه بالقرآنِ، فكان المشركون إذا سمِعوا صوتَه سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، فكان النبيُّ ﷺ يُخْفِي القرآنَ فما يَسْمَعُه أَصحابُه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ،، عن جعفرٍ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رفَع صوتَه [وسَمِع] (٣) المشركون، سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، وإذا خفَض لم يُسْمِعْ أصحابَه، قال اللهُ: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا جهرَ بالقرآنِ وهو يُصلِّى تفرَّقوا وأبَوْا أن يَسْتَمِعوا منه، فكان الرجلُ إذا أراد أن يَسْتمِعَ من رسولِ اللهِ ﷺ بعضَ ما يتلُو وهو يُصلِّى، استرَق السمعُ دونَهم فَرَقًا منهم، فإن رأَى أنَّهم قد عرَفوا أنه يَستمِعُ، ذهَب خشيةَ أذاهم فلم يَسْتَمِعه، فإن خفَض رسولُ اللهِ ﷺ صوته، لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأَنزَلَ اللهُ عليه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرَّقوا عنك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسْمِعَ مَن أراد أن يَسمَعَها ممن يسترِقُ ذلك دونَهم، لعلَّه يَرْعَوِى إلى بعضِ ما يَسْمَعُ فيَنْتَفِعَ به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يجهَرُ بقراءةِ القرآنِ في المسجدِ الحرامِ، فقالتْ قريشٌ: لا تجهَرْ بالقراءةِ فتُؤْذِيَ آلهتَنا فنهجُو ربَّك.

فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية (٢).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُخْتفٍ بمكةَ، فكان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع الصوتَ بالقرآنِ، فإذا سمِعه المشرِكون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله ومَن جاء به، فقال اللهُ لنبيِّه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾.

أي: بقراءتِك، فيسمَعَ المشركون فيسُبُّوا القرآنَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابِك فلا تُسمِعَهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: في القراءةِ (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رفَع صوتَه أعجبَ ذلك أصحابه، وإذا سمِع ذلك المشرِكون سبُّوه، فنزَلت هذه الآيةُ (٣).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، سلَمةَ بن (٤) علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: نُبِّئْتُ أن أبا بكرٍ كان إذا صلَّى فقرَأ، خفَض صوتَه، وأَنَّ عمرَ كان يَرْفَعُ صوتَه.

قال: فقيل لأبي بكرٍ: لم تَصْنَعُ هذا؟

فقال: أُناجي ربي، وقد علِم حاجتي.

قيل: أحْسَنْتَ.

وقيل لعمرَ: لم تَصْنَعُ هذا؟

قال: أطرُدُ الشيطانَ، وأُوقِظُ الوَسْنانَ.

قيل: أحْسَنْتَ.

فلما نزَلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

قيل لأبي بكرٍ: ارفَعْ شيئًا.

وقيل لعمرَ: اخفِضْ شيئًا (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ، عن إبراهيمَ الصائغِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: يقولُ ناسٌ: إنَّها في الصلاةِ.

ويقولُ آخرون: إنَّها في الدُّعاءِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: وكان نبيُّ اللهِ وهو بمكةَ، إذا سمِع المشركون صوتَه رمَوْه بكلِّ خبثٍ، فأمَره اللهُ أن يَغُضَّ مِن صوتِه، وأن يجعَلَ صلاتَه بينَه وبينَ ربَّه، وكان يقالُ: ما سمِعَته أذنُك فليس بمُخافتةٍ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: كان النبيُّ ﷺ يرفَعُ صوتَه بالصلاةِ فيُرْمَى بالخبثِ.

فقال: لا تَرْفَعْ صَوْتَك فَتُؤْذَى، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢).

وقال آخرون: إنما عَنى بذلك: ولا تجهَرْ بالتشهُّدِ (٣) في صلاتك، ولا تُخافِتْ به.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت هذه الآيةُ في التشهدِ (٤): ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٥).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن ابن سيرين مثلَه.

وزاد فيه: وكان الأعرابيُّ يَجْهَرُ فيقولُ: التحيَّاتُ اللهِ، والصلواتُ اللهِ.

يرفَعُ فيها صوتَه، فنزَلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (١).

وقال آخرون: بل كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّى بمكةَ جِهارًا، فأُمِر بإخْفائِها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في "بني إسرائيلَ": ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: وكان رسولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى يَجْهَرُ بصلاتِه، فآذَى ذلك المشركين بمكةَ، حتى أخفَى صلاتَه هو وأصحابُه، فلذلك قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

وقال في "الأعرافِ": ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].

وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: تُحْسِنُها مِن إتيانِها في العَلانيةِ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: تُسِيئُها (٢) في السريرةِ (٣).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

أي: لا تُراءِ بها علانيةً، ولا تُخْفِها سرًّا، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: لا تُحْسِنْ علانيتَها، وتُسِيءَ سريرتَها (٢).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: لا تُراءِ بها في العلانيةِ، ولا تُخْفِها (٣) في السريرةِ (١).

حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْرَقيُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن منصور، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: تُحْسِنُ علانيتَها وتُسيءُ سريرتَها (١).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

قال: لا تُصَلِّ مُراءاةَ الناسِ، ولا تَدَعْها مخافةً (٤).

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

قال: السبيلُ بينَ ذلك؛ الذي سنَّ له جبريلُ مِن الصلاةِ التي عليها المسلمون.

قال: وكان أهلُ الكتابِ يُخافِتون، ثم يَجهَرُ أحدُهم بالحرفِ فيَصيحُ به، ويَصيحُون هم به وراءَه، فنهاه أن يَصيحَ كما يَصيحُ هؤلاء، وأن يُخافِتَ كما يُخافتُ القومُ، ثم كان السبيلُ الذي بينَ ذلك، الذي سنَّ له جبريلُ من الصلاةِ (١).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصِّحة ما ذكَرنا عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رَواه أبو بشرٍ (٢)، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ؛ لأنَّ ذلك أصحُّ الأسانيدِ التي رُوِى عن صحابيٍّ فيه قولٌ مخرَّجًا، وأشبهُ الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أنَّ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، عَقِيبَ قولِه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.

وعَقيبَ تَقْريعِ الكفارِ بكُفرِهم بالقرآنِ، وذلك بُعْدُهم منه ومن الإيمانِ.

فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى وأشبهُ بقولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

أن يكونَ من سببِ ما هو في سياقِه من الكلامِ، ما لم يأْتِ بمعنًى يُوجِبُ صرفَه عنه، أو يكونَ على انصرافِه عنه دليل يُعلَمُ به الانصرافُ عمَّا هو في سياقِه.

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قلِ ادعُوا الله أو ادعوا الرحمنَ، أيًّا ما تدعوا فله الأسماءُ الحُسنى، ولا تَجهَرْ يا محمدُ بقراءتِك في صلاتِك ودعائِك فيها ربَّك، ومسألتِك إيَّاه، وذكرِك فيها، فيؤذِيَكَ بجهرِك بذلك المشركون، ولا تُخافِتْ بها فلا تُسمِعَها أصحابُك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

ولكن التمسْ بينَ الجهرِ والمخافتةِ طريقًا إلى أن تُسمِعَ أصحابَك، ولا تُسمِعَه المشركون فيؤذُوك.

ولولا أن أقوالَ أهلِ التأويلِ مضَتْ بما ذكَرتُ عنهم من التأويلِ - وإنا لا نَستجِيزُ خِلافَهم فيما جاء عنهم - لكان وجهًا يحتمِلُه التأويلُ أن يقالَ: ولا تَجهَرْ بصلاتِك التي أمَرناك بالمُخافَتةِ بها، وهى صلاةُ النهارِ؛ لأَنَّها عَجْمَاءُ لا يُجهَرُ بها، ولا تُخافِتْ بصلاتِك التي أمَرناك بالجهرِ بها، وهى صلاةُ الليلِ، فإِنَّها يُجهَرُ بها، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ بأن تَجْهَرَ بالتي أمَرناك بالجهرِ بها، وتُخافِتَ بالتي أمَرناك بالمُخافتةِ بها، لا تَجَهَرْ بجميعِها، ولا تُخافِتْ بكلِّها - فكان ذلك وجهًا غيرَ بعيدٍ من الصحةِ، ولكنَّا لا نَرى ذلك صحيحًا؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على خلافِه.

فإن قال قائلٌ: فأيةُ قراءةٍ هذه التي بينَ الجهرِ والمخافتةِ؟

قيل: حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا قتيبةُ ووهبُ بنُ جريرٍ، قالا: ثنا شعبةُ، عن الأشعثِ بن سُليمٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: لم يُخافِتْ مَن أَسْمَع أُذُنيْه (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأشعثِ، عن الأسود بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.

القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقل يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكونَ مربوبًا لا ربًّا؛ لأنَّ ربَّ الأربابِ لا يَنْبَغى أن يكونَ له ولدٌ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيكونَ عاجزًا ذا حاجةٍ إلى معونةِ غيرِه ضعيفًا، ولا يكونُ إلهًا من كان محتاجًا إلى مُعينٍ على ما حاول، ولم يكنْ منفردًا بالمُلكِ والسلطانِ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾.

يقولُ: ولم يكنْ له حليفٌ حالَفه مِن الذُّلِّ الذي به؛ لأنَّ مَن كان ذا حاجةٍ إلى نُصرةِ غيرِه، فذليلٌ مَهِينٌ، ولا يكونُ مَن كان ذليلًا مهينًا (١) يحتاجُ إلى ناصرٍ إلهًا يُطاعُ، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.

يقولُ: وعظِّمْ ربَّك يا محمدُ بما أمَرناك أن تُعَظِّمَه به من قولٍ وفعلٍ، وأطعْه فيما أمَرك ونَهاك.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾.

قال: لم يُحالِفْ أحدًا، ولا يَبتَغِى نصرَ أحدٍ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يُعلِّمُ أهلَه هذه الآيةَ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ الصغيرَ مِن أهلِه والكبيرَ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، قال: ثنا أبو الجنيدِ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنَّ التوراةَ كلَّها في خمسَ عشْرةَ آيةً من "بني إسرائيلَ".

ثم تلا: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (١) [الإسراء: ٣٩].

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية.

قال: إِنَّ اليهودَ والنصارى قالوا: اتَّخذ اللهُ ولدًا.

وقالت العربُ: لبَّيك لبيك، لا شريكَ لك، إلا شريكًا هو لك.

وقال الصابئون والمجوسُ: لولا أولياءُ اللهِ لذلَّ اللهُ.

فأنزَل اللهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ﴾ أنتَ يا محمدُ على ما يقولون ﴿تَكْبِيرًا﴾.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "بني إسرائيلَ"، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد