تفسير الطبري سورة الكهف

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الكهف

تفسيرُ سورةِ الكهف كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 371 دقيقة قراءة

تفسير سورة الكهف كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ الكهفِ ﷽ القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.

قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خصَّ برسالتِه محمدًا وانتخَبه لبلاغِها عنه، إلى خلقِه نبيًّا مرسلًا، وأنزَل عليه كتابًا قيِّمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا.

وعنى بقولِه عزَّ ذكرُه ﴿قَيِّمًا﴾: مُعتدِلًا مُستقيمًا.

وقيل: عنَى به، أنه قيِّمٌ على سائرِ الكتبِ، يُصدِّقُها ويَحفَظُها.

ذكرُ مَن قال: عنَى به: مُعتدِلًا مُستقيمًا حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.

يقولُ: أَنزَل الكتابَ عدْلًا قيِّمًا، ولم يَجعَلْ له عِوَجًا (١).

فأخبَر (٢) ابن عباسٍ بقولِه هذا بيانِه معنى "القيِّمِ"، أن "القيِّمَ" مؤخَّرٌ بعدَ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.

ومعناه التقديمُ، بمعنى: أنزلَ الكتابَ على عبدِه قيِّمًا.

حُدِّثْتُ عن محمدِ محمدِ بن يزيدَ (١)، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿قَيِّمًا﴾.

قال: مستقيمًا (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾.

أي: معتدلًا لا اختلافَ فيه (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.

قال: أنزَل اللهُ الكتابَ قيمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾، قال: وفي بعضِ القراءةِ (٥): (ولكنْ جَعَلَه قيِّمًا) (٦).

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابن عباسٍ ومن قال بقولِه في ذلك؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.

فأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه أنزَل الكتابَ الذي أنزَله إلى محمدٍ ﷺ قَيِّمًا مستقيمًا لا اختلافَ فيه ولا تفاوتَ، بل بعضُه يُصَدِّقُ بعضًا، وبعضُه يَشْهَدُ لبعضٍ، لا عِوَجَ فيه، ولا ميلَ عن الحقِّ.

وكُسِرتَ العينُ من قولِه: ﴿عِوَجًا﴾؛ لأن العرب كذلك تقولُ في كلِّ اعوِجاجٍ كان في دينٍ، أو فيما لا يُرَى شخصُه قائمًا (١) فيُدْرَكَ عِيانًا منتصبًا، كالعِوَج (٢) في الدين، ولذلك كُسِرتِ العينُ في هذا الموضعِ، وكذلك العِوَجُ في الطريقِ؛ لأنه ليس بالشخْصِ المُنْتصِبِ.

فأما ما كان من عَوجٍ في الأشخاصِ المنتصبةِ قيامًا، فإن عينَها تُفْتَحُ، كالعَوَجِ في القناةِ والخشبةِ ونحوِها.

وكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: ولم يَجْعَلْ له مُلْتَبَسًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: ولم يَجْعَلْ له ملتبَسًا (٣).

ولا اختِلافَ أيضًا بينَ أهلِ العربيةِ في أنَّ معنى قولِه ﴿قَيِّمًا﴾ - وإن كان مؤخرًا - التقديمُ إلى جنبِ ﴿الْكِتَابَ﴾.

وقيل: إنما افتتَح جلَّ ثناؤُه هذه السورةَ بذكر نفسِه بما هو له أهلٌ، وبالخبرِ عن إنزالِ الكتابِ على رسولِه؛ إخبارًا منه للمشركين من أهلِ مكةَ بأن محمدًا رسولُه ﷺ، وذلك أن المشركين كانوا سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ عن أشياء عَلَّمَهُمُوها اليهودُ من قريظةَ والنضيرِ، وأمَروهم بمسألتِهموها (٤)، وقالوا: إِنْ أخبرَكم بها فهو نبيٌّ، وإن لم يُخْبِرُكم بها فهو مُتقوِّلٌ.

فوعَدهم رسولُ اللهِ ﷺ الجوابَ عنها موعدًا، فأبطَأ الوحيُ عنه بعضَ الإبطاءِ، وتأخَّر مجيءُ جبريلَ ﵇ عنه عن ميعادِه [القومَ، فتحدَّث] (١) المشركون بأنه أخلَفهم موعده، وأنه مُتقوِّلٌ، فأنزَل اللهُ هذه السورةَ جوابًا عن مسائِلهم، وافتتَح أولَها بذكرِه، وتكذيبِ المشركين في أُحدوثَتِهم التي قد تحدَّثوها (٢) بينهم.

ذكرُ [الروايةِ بذلك] (٣) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني شيخٌ من أهلِ مصرَ، قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ -[قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أنا] (٤) - قال: بعَثت قريشٌ النضْرَ بنَ الحارثِ وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ إلى أحبارِ يهودَ بالمدينةِ، فقالوا لهم: سَلُوهم عن محمدٍ، وصِفُوا لهم صِفَتَه، وأخبِرُوهم بقولِه؛ فإنهم أهلُ الكتابِ الأولِ، وعندَهم علمُ ما ليس عندَنا من علمِ الأنبياءِ.

فخرَجا حتى قدِما المدينةَ، فسألُوا أحبارَ يهودَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، ووصَفُوا لهم أمرَه وبعضَ قولِه، وقالا: إنكم أهلُ التوراةِ، وقد جِئْناكم لتُخْبِرُونا عن صاحبِنا هذا.

قال: فقالت لهم أحبارُ يهودَ: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمُرُكم بهنَّ، فإن أخبرَكم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَلٌ، وإن لم يَفْعَلْ فالرجلُ متقوِّلٌ، فَرَوْا فيه رأيكم؛ سَلُوه عن فتيةٍ ذهَبُوا في الدهرِ الأولِ، ما كان من أمرهم؟

فإنه قد كان لهم حديثٌ عجيبٌ، وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، ما كان نبؤُه؟

وسَلُوه عن الرُّوحِ ما هو؟

فإن أخبركم بذلك فإنه نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإن هو لم يُخْبِرْكم فهو رجلٌ متقوِّلٌ، فاصنَعُوا في أمرِه (١) ما بَدا لكم.

فأقبَل النضْرُ وعقبةُ حتى قَدِما مكةَ على قريشٍ، فقالا: يا معشرَ قريشٍ، قد جئْناكم بفصلِ ما بينَكم وبينَ محمدٍ، قد أمرَنا أحبارُ يهودَ أن نسأَلَه عن أمورٍ.

فأخبَرُوهم بها، فجاءُوا رسولَ ﷺ فقالوا: يا محمدُ، أخبِرْنا.

فسألُوه (٢) عما أمَرُوهم به، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: "أُخْبِرُكم غدًا بما سأَلْتُم عنه".

ولم يَسْتَثْنِ.

فانصَرَفُوا عنه، فمكَث رسولُ اللهِ ﷺ خمسَ عشرة ليلةً لا يُحْدِثُ اللهُ إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتِيه جبريلُ ﵇، حتى أرجَف أهلُ مكةَ وقالوا: وعَدنا محمدٌ غدًا، واليومُ خمسَ عشرةَ قد أصبَحنا فيها لا يُخْبِرُنا بشيءٍ مما سأَلناه عنه.

وحتى أحزَن رسولَ اللهِ ﷺ مُكْثُ الوحيِ عنه، وشَقَّ عليه ما يَتكلَّمُ به أهلُ مكةَ.

ثم جاءَه جبريلُ ﵇ من اللهِ ﷿ بسورةِ أصحابِ الكهفِ، فيها معاتبتُه إياه على حزنِه عليهم، وخبرُ ما سألُوه عنه من أمرِ الفتيةِ، والرجلِ الطوَّافِ، وقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].

قال ابن إسحاقَ: فبلَغنى أن رسولَ اللهِ ﷺ افتتح السورةَ فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾.

يعني محمدًا، إنك رسولى في تحقيقِ ما سألوا عنه من نبوَّتِه، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.

أي: معتدلًا، لا اختلافَ فيه (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أنزَل على عبدِه القرآنَ معتدِلًا مستقيمًا لا عِوَجَ فيه، ليُنذركم أيها الناسُ بأسًا من اللهِ شديدًا.

وعنَى بـ "البأسِ" العذابَ العاجلَ، والنَّكالَ الحاضرَ، والسطوةَ.

وقولُه: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾.

يعنى: من عندِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمد بن إسحاق: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ (١): عاجِلَ عقوبةٍ في الدنيا، وعذابًا في الآخرةِ، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾.

أي: من عندِ ربِّك الذي بعثَك رسولًا (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بنحوِه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾.

أي: من عندِه (٣).

فإن قال قائلٌ: فأين مفعولُ قولِه: ﴿لِيُنْذِرَ﴾؟

فإنَّ مفعولَه محذوفٌ، اكْتُفِى بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه من ذكرِه، وهو مضمرٌ متصلٌ، بـ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ قبلَ "البأسِ"، كأنه قال (٤): ليُنْذِرَكم بأسًا.

كما قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥].

وإنما هو: يخوِّفُكم أولياءَه.

وقولُه: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: ويُبشِّرُ المصدِّقين الله ورسولَه، ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾.

وهو العملُ بما أمَر اللهُ بالعملِ به، والانتهاءُ عما نهَى اللهُ عنه، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.

يقولُ: ثوابًا جزيلًا لهم من اللهِ على إيمانِهم باللهِ ورسولِه، وعملِهم في الدنيا الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك الثوابُ هو الجنةُ التي وُعِدها المتقون.

وقولُه: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.

[يقولُ: لابثين فيه أبدًا] (١) خالدين، لا ينتقلُون عنه ولا يُنقَلُون.

ونصْبُ ﴿مَاكِثِينَ﴾ على الحالِ من قولِه: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.

في (٢) هذه الحالِ، في حالِ مُكْثِهم في ذلك الأجرِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.

أي: في دارِ خُلدٍ لا يموتون فيها، الذين صدَّقوك بما جِئتَ به عن اللهِ، وعمِلوا بما أمَرْتُهم (٣).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويحذِّرُ (١) أيضًا محمدٌ القومَ الذين قالوا: اتَخَذَ اللهُ ولدًا من مشرِكي قومِه وغيرِهم، بأسَ اللهِ وعاجلَ نِقمَتِه وآجلَ عذابِه، على قيلِهم ذلك.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: يعنى قريشًا في قولِهم: إنما نعبُدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللهِ (٢).

وقولُه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾.

يقولُ: ما لقائلي هذا القولِ - يعنى قولَهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ - ﴿بِهِ﴾ يعني: باللهِ، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾.

والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾.

من ذكْرِ اللهِ، وإنما معنَى الكلامِ: ما لهؤلاء القائلين هذا القولَ باللهِ - أنه (٣) يجوزُ أن يكونَ له ولدٌ - من علمٍ، فلجهلِهم باللهِ وعظمتِه قالوا ذلك.

وقولُه: ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾.

يقولُ: ولا لأسلافِهم الذين مضَوا قبلَهم على مثلِ الذي هم عليه اليومَ، كان لهم باللهِ وبعظمتِه علمٌ.

وقولُه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.

اختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين والبصريين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾.

بنصبِ ﴿كَلِمَةً﴾.

بمعنى: كبُرَت كلِمتُهم التي قالُوها كلِمةً.

على التَّفسيرِ (٤).

كما يُقالُ: نعم رجلًا عمرٌو، ونعمَ الرجلُ رجلًا قام، ونعمَ رجلًا قام.

وكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ (١): نُصِبت ﴿كَلِمَةً﴾؛ لأنها في معنَى: أكْبِرْ بها كلمةً.

كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].

وقال: هي في النَّصبِ مثلُ قولِ الشاعرِ (٢): ولقد عَلِمتِ إذا اللقاحُ تروَّحتْ … هَدَجَ الرِّئالِ تكبُّهنَّ شَمالا أي: تَكُبُّهنَّ الرياحُ شمالًا.

فكأنَّه قال: كبُرَت تلك الكلمةُ.

وذُكِر عن بعضِ المكِّيِّين أنه كان يقرَأُ ذلك: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ).

رفعًا (٣).

كما يُقالُ: عَظُم قولُك، وكَبُر شأنُك.

وإذا قُرِئَ ذلك كذلك لم يكنْ في قولِه: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ).

مُضمرٌ، وكان صفةً للكلمةِ.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾.

نصبًا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ القرَأةِ عليها.

فتأويلُ الكلامِ: عَظُمت الكلمةُ كلمةً تخرُجُ من أفْواهِ هؤلاء القومِ الذين قالوا: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا، والملائكةُ بناتُ اللهِ.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قولُهم: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ (٤).

وقولُه: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ما يقولُ هؤلاء القائِلون: اتَّخَذ اللهُ ولدًا.

بقيلِهم ذلك إلا كذبًا وفريةً افتَرَوْها على اللهِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾.

يعني تعالى ذكرُه بذلك: فلعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهلِكُها على آثارِ قومِك الذين قالوا لك: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].

تمرُّدًا منهم على ربِّهم - إن هم لم يؤمِنوا بهذا الكتابِ الذي أنزَلتُه عليك فيُصدِّقوا بأنَّه من عندِ اللهِ، حزنًا وتلهُّفًا ووجْدًا، بإدبارِهم عنك، وإعراضِهم عمَّا أَتَيْتَهم به، وتَركِهم الإيمانَ بك.

يُقالُ منه: بَخَعَ فلانٌ نفسَه يَبخَعُها بَخْعًا وبُخُوعًا.

ومنه قولُ ذى الرُّمةِ (١): ألا أيُّهذَا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ … لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيهِ المَقَادِرُ يريدُ: نحَّته.

فخَفَّف.

وبنحو الذي قُلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿بَاخِعٌ﴾] (٢).

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾.

يقولُ: قاتلٌ نفسَك.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣).

وأمَّا قولُه: ﴿أَسَفًا﴾.

فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: فلعلَّك باخِعٌ نفسَك إن لم يؤمِنوا بهذا الحديثِ غضَبًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.

أي: غَضَبًا.

وقال آخرون: جَزَعًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَسَفًا﴾.

قال: جزَعًا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: معناه: حُزْنًا عليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَسَفًا﴾.

قال: حُزْنًا عليهم (٢).

وقد بيَّنا معنى "الأسفِ" فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وهذه معاتبةٌ من اللهِ رسولَه (٢) على وجْدِه بمُباعَدةِ قومِه إيَّاه فيما دَعاهم إليه من الإيمانِ باللهِ، والبراءةِ من الآلهةِ والأندادِ، وكان بهم رحيمًا.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: يُعاتبُه على حُزنِه عليهم حينَ فاتَه ما كان يرجُو منهم، أي: لا تفعَلْ (٣).

وقولُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: إنا جعَلنا ما على الأرضِ زينةً للأرضِ، ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

يقولُ: لنختبِرَ عبادَنا أيُّهم أترَكُ لها، وأتبعُ لأمرِنا ونهيِنا، وأعملُ فيها بطاعتِنا.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾.

قال: ما عليها مِن شيءٍ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلوةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكم فيها، فنَاظِرٌ كيف تَعْمَلُونَ، فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ" (٢).

وأما قولُه: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

فإنّ أهلَ التأويلِ قالوا في تأويلِه نحوَ قولِنا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عصامٍ (٣) العسقلانيُّ، قال: ﴿[لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ] (٤) أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

قال: أترَكُ لها (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: اختبارًا لهم أيُّهم أتبعُ لأمْرِى وأعملُ بطاعتِي (١).

وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.

يقولُ عزَّ ذِكرُه: وإِنَّا لمُخرِّبوها بعدَ عمارتِناها، بما جَعَلْنا عليها من الزِّينةِ، فمُصَيِّرُوها ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾.

[يعني بـ "الصعيدِ" ظهر الأرضِ، وبقولِه: ﴿جُرُزًا﴾] (٢) لا نباتَ عليها ولا زرْعَ ولا غرْسَ.

وقد قيل: إنه أُرِيد بـ "الصَّعيدِ"، في هذا الموضعِ، المُستَوِى بوجهِ الأرضِ.

وذلك هو شبيهٌ بمعنَى قولِنا في ذلك.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك وبمعنَى "الجُرُزِ" قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.

يقولُ: يَهْلِكُ (٣) كلُّ شيءٍ عليها ويَبيدُ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾.

قال: يَلْقَعًا (٥).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: والصَّعيدُ الأرضُ التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: يعنى الأرضَ، إن ما عليها لفانٍ وبائدٌ، وإن المرجع لإليَّ، فلا [تأسَ، ولا] (٢) يحزنك ما تسمعُ وترى فيها (٣).

حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾.

قال: الجُرُزُ الأرضُ التي ليس فيها شيءٌ، أَلا ترى أَنَّه يقولُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧].

قال: والجُرُزُ لا شيء فيها؛ لا نبات ولا منفعة.

والصَّعيدُ المستوى.

وقرأ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧].

قال: مُسْتوِيةٌ (٤).

يقالُ: جُرِزتِ الأرضُ فهى مَجْروزةٌ.

وجَرَزَها الجرادُ والنُّعمُ.

وأرضون أَجْرازٌ، إذا كانت لا شيء فيها.

ويقال للسَّنة المُجدية: جَرَزٌ، وسنونَ أَجْرازٌ.

لجدوبها ويُبسها وقلَّة أمطارها.

قال الراجز (٥).

* قد جَرَفَتْهُنَّ السَّنونَ الأجْراز * يُقالُ: أجرز القومُ.

إذا صارت أرضُهم جُرُزًا، وجَرَزوا هم أرضهم، إذا أكلوا نباتها كلَّه (١).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أم حسبت يا محمد أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن ما خلَقتُ من السماوات والأرض وما (٢) فيهنَّ مِن العجائب أعجبُ من أمر أصحاب الكهف، وحُجَّتى بكل ذلك ثابتةٌ (٣) على هؤلاء المشركين بى (٤) من قومك وغيرهم من سائر عبادِى.

وبنحو الذي قلنا [قال بعضُ] (٥) أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.

قال محمدُ بن عمرٍو في حديثِه: قال: ليسوا عجبًا بأعجب آياتِنا.

وقال الحارثُ في حديثه: بقولهم: أعجبُ آياتنا: ليسوا أعجب آياتِنا (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: كانوا يقولون: هم عجبٌ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا [يزيدُ، قال: ثنا] (١) سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.

يقولُ: قد كان من آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.

أي: وما [قد رَأَوْا من قُدْرتى] (٣) فيما صنَعتُ مِن أمر الخلائقِ، وما وضَعتُ على العبادِ من حُجَجِى ما هو أعظم من ذلك (٤).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم حسبت يا محمدُ أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضلُ منه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.

يقولُ: الذي آتَيْتُكَ من العلم والسُّنة والكتاب أفضلُ من شأنِ أصحاب الكهف والرَّقيمِ (١).

وإنما قلنا: إنَّ القول الأوَّل أولى بتأويل الآية؛ لأنَّ الله ﷿ أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيِّه احتجاجًا بها على المشركين من قومه، على ما ذكرنا في الرواية عن ابن عباسٍ، إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجواب عنها صدقه، فكان تقريعُهم بتكذيبهم بما هو أؤكدُ عليهم في الحُجَّةِ مما سألُوا عنه (٢)، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه - أشبة من الخبر عمَّا أنعم الله على رسوله من النِّعم.

وأمّا "الكهفُ"، فإنّه كهفُ الجبل الذي أوى إليه القومُ الذين قصَّ اللَّهُ شأنهم في هذه السورة.

وأما "الرَّقيم"، فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: هو اسم (٣) قريةٍ أو وادٍ.

على اختلافٍ بينهم في ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [يحيى وعبد الرحمن، قالا] (٤): ثنا سفيانُ، عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: يزعُمُ كعبٌ أن الرّقيم القريةُ.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾.

قال: الرَّقِيمُ وادٍ بين عُسفانَ وأَيْلةَ دون فلسطينَ، وهو قريبٌ من أَيْلة (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ أبى، عن عطية، قال: الرَّقيم وادٍ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: كنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الرقيم الوادى الذي فيه أصحابُ الكهف (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الرَّقِيم﴾.

قال: يزعُمُ كعب أنها القرية (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿الرَّقِيمِ﴾.

قال: يقولُ بعضُهم: الرَّقيمُ كتاب تبيانهم.

ويقولُ بعضُهم: هو الوادى الذي فيه كهفُهم (٤).

حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: أما الكهفُ فهو غارُ الوادِى، والرَّقيمُ اسمُ الوادى (١).

وقال آخرون: الرَّقيمُ الكتابُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾.

يقولُ: الكتابُ (٢).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أبى، عن ابن قيسٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، قال: الرَّقيمُ لوحٌ من حجارةٍ كتبوا فىه قصص أصحاب الكهف، ثم وضَعوه على باب الكهف (٣).

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الرَّقيم كتابٌ، ولذلك الكتاب خبرٌ، فلم يُخبر الله عن ذلك الكتاب وعمَّا فيه.

وقرأ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١].

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٤) [المطففين: ٨، ٩].

وقال آخرون: بل هو اسم جبل أصحاب الكهف.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الرقيمُ الجبلُ الذي فيه الكهفُ (١).

قال أبو جعفرٍ: وقد قيل: إن اسم ذلك الجبل بنجلوسُ.

حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ (٢).

وقيل: إن اسمه بناجلوسُ.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني وهبُ بن سليمان، عن شُعَيب الجَبَائيِّ (٣)، أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف حيزمُ، والكلبِ حُمرانُ (٤).

وقد رُوِي عن ابن عباس في الرَّقيم ما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ القرآن أعلمه إلا حنانًا (٥)، والأوَّاهَ (٦)، والرَّقِيمَ (٧).

حدَّثنا القاسم،، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، أنه سمع عكرمة يقولُ: قال ابن عباسٍ: ما أدرى ما الرَّقيمُ، أكتابٌ أم بنيانٌ (٨)؟

وأولى هذه الأقوال بالصواب في "الرَّقيم" أن يكونَ مَعْنِيًّا به لوحٌ أو حجرٌ أو شيءٌ كُتب فىه كتابٌ.

وقد قال أهلُ الأخبار: إن ذلك لوحٌ كُتِب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف.

ثم قال بعضُهم: رفع ذلك اللوح في خزانة الملكِ وقال بعضُهم: بل جُعِل على باب كهفهم.

وقال بعضُهم: بل كان ذلك (١) محفوظًا عند بعض (٢) أهل بلدهم.

وإنما الرَّقيمُ فَعيلٌ، أصله مرقومٌ، ثم صُرِف إلى فعيلٍ، كما قيل للمجروح: جريحٌ.

وللمقتول: قتيلٌ.

يقال منه: رقَمْتُ كذا وكذا.

إذا كتبته، ومنه قيل للرَّقم في الثوبِ: رَقْمٌ.

لأنه الخطُّ الذي يُعرَفُ به ثمنُه.

ومن ذلك قيل للحيَّةِ: أَرْقَمُ.

لِمَا فيه من الآثار.

والعرب تقولُ: عليك بالرَّقْمة، ودع الضَّفَّةَ.

بمعنى: عليك برقمة الوادى حيث الماء، ودعِ الضَّفّة الجانبة.

والضَّفَّتانِ جانبا الوادى.

وأحسبُ أن الذي قال: الرَّقيم الوادِى.

ذهَب به إلى هذا، أغنى به إلى رَقْمَةِ الوادِى.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، حينَ أوَى الفِتْيَةُ أصحاب الكهف إلى كهف الجبل، هربًا بدينهم إلى اللهِ، فقالوا إذ أووه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؛ رغبةً منهم إلى ربِّهم، في أن يرزقهم من عنده رحمةً.

وقوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.

يقولُ: وقالوا: يسِّر لنا ممَّا (١) نَبْتَغى ونَلْتَمِسُ من رضاك، والهرب من الكفر بك، ومن عبادة الأوثان التي يدعونا إليها قومنا، ﴿رَشَدًا﴾.

يقولُ: سَدادًا إلى العمل بالذي تحبُّ.

وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك، أنَّهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملكٌ عابدُ وَثَنٍ، دَعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدينهم منه خشية أن يَفْتِنَهم عن دينهم، أو يقتُلهم، فاسْتَخْفَوْا منه في الكهف.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو (٢) في قوله: ﴿أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: كانت الفتيةُ على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا، وقد أخرج لهم صنمًا، فأبَوْا، وقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.

قال: فاعْتَزلوا عن قومهم لعبادة اللَّهِ، فقال أحدهم: إنَّه كان لأبى كهفٌ يَأْوِى (٣): فيه غنمَه، فانطلقوا بنا نَكِنَّ فيه.

فدخلوه وفُقدوا في ذلك الزمانِ فطلبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف.

فقال قومُهم: لا نريد لهم عقوبةً ولا عذابًا أشدَّ مِن أن نَرْدِمَ عليهم هذا الكهف.

فبَنَوْه عليهم ثم رَدَموه، ثم إنَّ اللَّهَ بعث عليهم ملكًا على دين عيسى، ووقع (٤) ذلك البناء الذي كان رُدِم عليهم، فقال بعضُهم لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟

فقالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، حتى بلغ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.

وكان وَرِقُ ذلك الزمان كبارًا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعامٍ وشرابٍ، فلمَّا ذهب ليَخْرُجَ، ورأى على باب الكهف شيئًا أنكره؛ فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهمًا، فنظروا إليه [فأنكروه، وأنكروا] (١) الدرهم، وقالوا: من أين لك هذا، هذا مِن وَرِقِ غير هذا الزمانِ؟

واجْتَمَعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انْطَلَقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوحٌ يكتبون فيه ما يكونُ، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملكُ، فأخبره بأمره، ونظَروا في الكتاب متى فُقدوا (٢)، فاسْتَبْشَروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلق بنا فأَرِنا أصحابك.

فانطلق وانطلقوا معه؛ ليريهم، فدخل قبل القوم، فضرب على آذانهم (٣)، فقال الذين غلبوا على أمرِهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: مرج أمرُ أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت (٥) فيهم الملوكُ، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطَّواغيت، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريمَ، مُتمسِّكُون بعبادةِ اللَّهِ وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم، ملكٌ من الرومِ يُقالُ له: دَقْيانوس (٦).

كان قد عبد الأصنام، وذبَح للطَّواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقامَ على دينِ عيسى ابن مريم؛ كان يَنزِلُ [في قُرى الروم] (١)، ولا يَترُكُ في قريةٍ يَنزِلُها أحدًا ممَّن يدينُ بدين عيسى ابن مريم إلا قتله (٢)، حتى يعبُد الأصنام، ويذبَحَ للطَّواغيت (٣)، حتى نزَلَ دقيانوسُ مدينة الفتية أصحاب الكهفِ (٤)، فَلَمَّا نزلها دَقْيانوس (٥) كَبُر ذلك على أهل الإيمان، فاستَخْفُوا منه وهربوا في كلِّ وجهٍ.

وكان دَقْيانوسُ قد أَمَرَ حِينَ قدِمَها أَن يُتَّبَعَ أهلُ الإيمان فيُجمعوا له، واتَّخَذ شُرَطًا مِن الكُفَّارِ مِن أهلها، فجعلوا يَتَّبِعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يَسْتَخفُون فيها، فىَسْتَخْرِجونهم إلى دقيانوس، فيُقَدِّمُهم إلى المجامع التي يُذبَحُ فيها للطَّواغيت، فيُخَيِّرُهم بين القتل، وبين عبادة الأوثان والذبح للطَّواغيت، فمنهم مَن يرغَبُ في الحياةِ ويَفْظَعُ بالقتل (٦)؛ فيفْتَتِنُ، ومنهم مَن يَأْبَى أَن يعبد غيرَ اللَّهِ؛ فيُقْتَلُ، فَلَمَّا رأى ذلك أهلُ الصلابة مِن أهل الإيمان بالله، جعلوا يُسْلِمون أنفسهم للعذابِ والقتل، فيقتلون ويُقَطَّعون، ثم يُربط ما قُطِّع مِن أجسادِهم، فيُعلَّق على سور المدينة من نواحيها كلِّها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظُمَتِ الفتنةُ على أهل الإيمان، فمنهم من كفَر فتُرِك، ومنهم مَن صَلْب (٧) على دينه فقُتِل.

فلَمَّا رأى ذلك الفتيةُ أصحاب الكهف، حزنوا حُزْنًا شديدًا، حتى تغيَّرَتْ ألوانهم، ونَحَلَتْ أجسامُهم، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة، والتَّحميد والتَّسبيح، والتَّهليل [والتكبير] (٨)، والبكاء والتَّضرُّع إلى الله.

وكانوا فِتْيَةً أَحْداثًا أحرارًا مِن أبناء أشراف الروم.

فحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لقد حُدِّثْتُ أنَّه كان على بعضهم مِن حَداثةِ أسْنانِهم (١) وَضَحُ (٢) الوَرِقِ (٣).

قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكونَ إلى اللهِ، ويَسْتَغِيثُونَه (٤) - وكانوا ثمانية نفَرٍ (٥): مَكْسَلْمِينا (٦)، وكان أكبرهم، وهو الذي كلَّم الملك عنهم، ومحسيميلنينا (٧)، ويمليخا (٨)، ومَرْطُوسُ (٩)، وكشطونسُ (١)، وبَيْرُونسُ (٢)، ودَيْنَمُوسُ (٣)، وبطونس (٤)، [وقالوش] (٥)، فلمّا أجمع دقيانوسُ أن يَجْمَعَ أهل القرية لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، بكوا إلى اللَّهِ وتَضَرَّعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهمَّ ربَّ السموات والأرض، لن نَدْعو مِن دونك إلهًا، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِمْ على عبادك الذين آمنوا بك، ومنعوا عبادتك إلا سرًّا، مُستَخْفِين بذلك، حتى يَعْبدوكَ علانيةً.

فبينما هم على ذلك، عرفهم عُرَفاؤُهم مِن الكفار، ممَّن كان يَجْمَعُ أهل المدينة لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خَلَوْا (٦) في مُصَلًّى لهم يعبدون فيه الله، ويتضرَّعون إليه، ويتوقَّعون أن يُذْكَروا لدقينوس، فانْطَلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مُصَلَّاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم، يتضرعون ويبكون ويَرْغَبون إلى اللَّهِ أَن يُنجِّيهم من دَقينوسَ وفتنته، فلمّا رآهم أولئك الكفرة من عُرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟

انطلقوا إليه.

ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، وقالوا: تَجمَعُ الناس للذَّبح لآلهتك، وهؤلاء فتيةٌ من أهلِ بيتِكَ يَسْخَرون مِنكَ ويَسْتَهْزِئُون بك، ويعصون أمرك، ويتركون الهتك، يَعْمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريمَ يُصَلُّون فيه، ويتضرَّعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تَتْرُكُهم يصنعون (١) هذا وهم بين ظهرانى سلطانك ومُلكِك؟

وهم ثمانيةُ نفرٍ: رأسهم (٢) مَكْسَلْمِينا، وهم أبناء عظماء المدينة.

فلَمَّا قالوا ذلك لدقيانوس، بعث إليهم، فأتى بهم من المُصلَّى الذي كانوا فيه، تفيضُ أعينُهم من الدَّمْعِ (٣)، مُعفَّرَةً وُجُوهُهم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذَّبح لآلهتنا التي تُعبَدُ في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أُسْوةً لسراة أهلِ مدينتكم، ولمن حضرها (٤) من الناسِ؟

اختاروا منى: إمَّا أن تَذْبَحوا لآلهتنا كما ذبح الناسُ، وإما (٥) أن أقتُلكم.

فقال: مَكْسَلْمِينا: إن لنا (٦) إلها نعبُدُه (٧) ملأ السماوات والأرضَ عَظَمَةً (٨)، لن ندعُوَ مِن دونِه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنَّا نعبُدُ اللَّهَ ربَّنا، له الحمد والتكبيرُ والتسبيحُ من أنفسنا خالِصًا أبدًا، إياه نعبُدُ، وإياه نسألُ النجاة والخير، فأمَّا الطواغيتُ وعبادتها، فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكائنينَ عُبَادًا للشياطين، ولا جاعلى أنفسنا وأجسادِنا عُبَّادًا لها، بعد إذ هدانا الله له؛ رَهْبَتَك، أو (١) فَرَقًا مِن عُبُودِتِك، اصنع بنا ما بدا لك.

ثم قال أصحابُ مَكْسَلْمِينا لدقيانوس مثل ما قال.

قال: فلمَّا قالوا ذلك له، أمر بهم فنُزع عنهم لَبُوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائِهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم، فإنَّى سأُؤَخِّرُكم أن تكونوا من أهل مملكتى وبطانتى وأهل بلاطى (٢) وسأفرُغ لكم، فأُنجزُ لكم ما وعدتُكم من العقوبة، وما يمنعُنى أن أُعَجِّلَ ذلك لكم، إلا أنِّي أراكم فتيانًا حديثةً أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أُهلِكُكم حتى أَسْتَأْنِى بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذَّكَّرون فيه، وتُراجعون عقولكم.

ثم أمر بحليةٍ كانت عليهم من ذهبٍ وفضةٍ، فنُزِعت منهم (٣)، ثم أمر بهم فأُخرجوا من عنده، وانْطَلَق دَقْيانوسُ مكانه إلى مدينةٍ سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها، لبعض ما يريدُ من أمرِه.

فلما رأى الفتيةُ دَقيانوسَ قد خرج من مدينتهم، بادروا قُدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّر بهم، فأْتَمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجُلٍ (٤) منهم نفقةً من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقى، ثم ينطلقوا إلى كهف قريبٍ من المدينة، في جبلٍ يُقال له: بنجلوس (٥).

فيمْكُثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دَقْيانوسُ أَتَوْه فقاموا بين يديهِ، فَيَصْنَعُ بهم ما شاء.

فَلَمَّا قال ذلك بعضُهم لبعض، عمد كلُّ فتًى منهم، فأخذ من بيت أبيه نفقةً، فتَصَدَّقوا (٦) منها، وانطلقوا بما بقى معهم من نفقتهم، واتَّبعهم كلبٌ لهم، حتى أتَوْا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس لهم عملٌ إلا الصلاة والصيام والتسبيحَ والتكبير والتحميد (١)، ابتغاء وجه اللع تعالى، والحياة التي لا تَنْقطِعُ، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى مِنهم يُقالُ له: يمليخا.

فكان على طعامهم، يَبْتاعُ لهم أرزاقهم من المدينة سرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم (٢) وأجْلَدِهم، فكان يمليخا يصنعُ ذلك، فإذا دخل المدينة يضَعُ ثيابًا كانت عليه حِسانًا، ويأخُذُ ثيابًا كثياب المساكين الذين يَسْتَطْعِمون فىها، ثم يأخُذُ وَرِقَه فينْطلِقُ إلى المدينة، فيشتَرى لهم طعامًا وشرابًا، ويَتَسَمَّعُ ويتجسَّسُ (٣) لهم الخبرَ، هل ذُكر هو وأصحابُه بشيءٍ في بَلاطِ (٤) المدينة، ثم يَرجِعُ إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويُخبرهم بما سمع من أخبار الناسِ، فلبثوا كذلك (٥) ما لبثوا، ثم قدم دَقْيانوسُ الجبَّارُ المدينة التي منها خرج (٦) إلى مدينته، وهى مدينةُ أُفْسُوسَ (٧)، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطَّواغيت، ففزِعَ من ذلك أهلُ الإيمانِ، فَتَخَبَّئوا في كلِّ مَخْبَأ، وكان يَمْليخا بالمدينة يشترى لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه، وهو يبكى، ومعه طعامٌ قليلٌ، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينةَ، وأنَّهم قد ذُكروا وافتُقدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة ليَذْبَحوا للطواغيت.

فلمَّا أخبرهم بذلك فزعوا فزَعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعُون الله، ويتضرَّعون إليه، ويتعوَّذون به من الفتنة، ثم إِنَّ يَمليخا قال لهم: يا إخْوَتاه، ارفعوا رءوسكم، فاطْعَموا من هذا الطعام الذي جئتُكم به، وتوكَّلوا على ربِّكم.

فرفعوا رءوسهم، وأعينهم تفيضُ مِن الدمعِ؛ حَذَرًا وتخوُّفًا على أنفسهم، فطَعِموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدَّثون ويَتَدارَسون، ويُذَكِّرُ بعضُهم بعضًا، على حزنٍ منهم، مشفقين ممَّا أَتاهم به صاحبُهم من الخبر، فبينا (١) هم على ذلك، إذ (٢) ضرب الله على آذانهم في الكهف (٣)، وكلبُهم باسِطٌ ذِراعَيْه بباب الكهف، فأصابهم (٤) ما أصابهم وهم مؤمنون مُوقِنون مُصدِّقون بالوعد، ونفقتُهم موضوعةٌ عندهم، فلمَّا كان الغدُ فقدهم دَقيانوسُ، فالتَمَسَهم فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءَنى شأن هؤلاء الفتية الذين ذهَبوا، لقد كانوا يَظُنُّون أنَّ بى غضَبًا عليهم فيما صَنَعوا في أوَّلِ شأنهم، لجهلهم ما جهلوا من أمرى، ما كنتُ لأحمل (٥) عليهم في نفسى، ولا أُؤَاخِذَ أحدًا منهم بشيءٍ إن هم تابوا وعبدوا آلهتى، ولو فعلوا لَتَرَكتُهم، وما عاقبتُهم بشيءٍ سلف منهم.

فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيقٍ أن ترحم قومًا فَجَرَةً مَرَدَةً عُصاةً، مُقيمين على ظُلْمِهم ومعصيتهم، وقد كنتَ أجلتهم أجلًا، وأخَّرتهم عن العقوبة التي أصبتَ بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجَلِ، ولكنَّهم لم يتوبوا ولم يَنْزِعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلَقْتَ يُبذِّرون أموالهم بالمدينةِ، فلمَّا علموا بقدومك فَرُّوا فلم يُرَوْا بعدُ، فإن أحبَبتَ أن تُؤْتَى بهم فأَرْسِلْ إلى آبائهم فامْتَحِنَّهم، واشْدُدْ (١) عليهم يدُلُّوك عليهم، فإنَّهم مختبئون منك.

فلمَّا قالوا ذلك لدقيانوس الجبار، غضِب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأُتى بهم فسألهم عنهم وقال: أخبرُونى عن أبنائكم المردة الذين عصَوْا أمرى، وتركوا آلهتى، ائتُونى بهم، وأنْبِئونى بمكانهم.

فقال له آباؤهم: أمَّا نحنُ فلم نعصِ أمرَك ولم نُخالفك، قد عبدنا آلهتك وذبَحْنا لهم، فلِمَ تقتُلُنا في قومٍ مَرَدةٍ، قد ذهَبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتَقَوْا في جبل يُدعَى بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرضٌ بعيدةٌ، هربًا مِنك؟!

فلمَّا قالوا ذلك خلَّى سبيلهم، وجعل يأتمرُ ماذا يصنَعُ بالفتية، فأَلْقَى اللَّهُ ﷿ في نفسه أن يأمُرَ بالكهف فيُسَدَّ عليهم، كَرامةً من الله، أراد أنْ يُكرمهم، ويُكرم أجساد الفتية، فلا يجول، [ولا يطوفُ بها شيءٌ] (٢)، وأراد أن يُحْييهم، ويجعلهم آيةً لأمةٍ تُستَخْلَفُ مِن بعدهم، وأن يبيِّن لهم أن الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، وأَنَّ اللَّهَ يبعَثُ من في القبور، فأمر دَقْيَنوسُ بالكهفِ أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دَعُوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتى فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكُن كهفُهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم.

ففعل ذلك بهم عدوُّ الله، وهو يظُنُّ أنهم أيقاظٌ يعلمون ما يُصنَعُ بهم، وقد تَوفَّى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْهِ بباب الكهف، قد غَشَّاه اللهُ ما غَشَّاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذاتَ الشِّمالِ، ثم إن رجُلين مؤمنين كانا في بيت الملكِ دقيانوس يَكْتُمان إيمانهما؛ اسمُ أحدهما يندروسُ (١)، واسمُ الآخرِ روناسُ (٢)، فَأَتَمرًا (٣) أن يكتُبا (٤) شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم وأسماءَهم وأسماء آبائهم، وقصة خبرِهم في لَوْحَين (٥) من رصاصٍ، ثم يَصْنَعا لهما (٦) تابوتًا مِن نُحاسٍ، ثم يجعلا اللَّوْحين فيه، ثم يَكْتُبا عليه في فَمِ الكهف بينَ ظَهْرانَى البُنْيانِ، ويَخْتِما على التابوتِ بخاتمهما، وقالا: لعلَّ اللَّهَ أَن يُظْهِرَ على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم - حين يقرأُ هذا الكتاب - خبرهم، ففعلا ثم بنيا عليه في البُنيانِ، فَبَقِى دَقْيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يَبقوا، ثم هلك دقيانوسُ والقَرْنُ الذين (٧) كانوا معه، وقرونٌ بعده كثيرةٌ، وخَلَفَتِ الخُلُوفُ بعدَ الخُلُوفِ (٨).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أصحاب الكهف أبناءَ عُظَماء مدينتهم، وأهلِ شرفهم (٩)، فخرجوا فاجتمعوا وراءَ المدينة على غير ميعادٍ، فقال رجلٌ منهم [هو أَسَنُّهم] (١٠): إنى لأَجِدُ في نفسى شيئًا ما أظنُّ (١١) أحدًا يَجِدُه.

قالوا: ماذا تجدُ؟

قال: أجدُ في نفسى أنَّ ربِّي ربُّ السماوات والأرض.

[وقالوا: نحن نجدُ] (١).

فقاموا جميعًا فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (٢) لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبَّارٌ، يُقال له: دقيانوسُ.

فلبثوا في الكهف ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا، رُقَّدًا (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: كان أصحابُ الكهف فتيانًا مُلوكًا مُطَوَّقين مُسَوَّرين، ذوى ذوائب، وكان معهم كلبُ صَيْدِهم، فخرجوا في عيدٍ لهم عظيمٍ في زيٍّ ومَوْكِبٍ (٤)، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبُدُون، وقذَف الله في قلوبِ الفِتيةِ الإيمان فآمَنوا، وأخْفَى كلُّ واحدٍ (٥) منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يَظْهَرَ إيمانُ بعضهم لبعضٍ: نخرُجُ مِن بين أظْهُرِ هؤلاء القوم، لا يُصيبُنا عقابٌ بجُرمِهم.

فخرَج شابٌّ مِنهم حتى انْتَهَى إلى ظلِّ شجرةٍ، فجلس فيه، ثم خرج آخرُ فرآه جالسًا وحدَه، فرَجا أن يكونَ على مثل أمره من غيرِ أن يظهر ذلك منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاءُوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضُهم: ما جمعكم؟

وقال آخرُ: بل ما جمَّعَكم؟

وكلٌّ يكتُمُ إيمانَه من صاحبه مخافةً على نفسه.

ثم قالوا: ليَخْرُجُ منكم فَتَيانِ، فيَخْلُوا، فيتَواثَقا أن لا يُفْشِى واحدٌ منهما على صاحبه، ثم يُفْشِى كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه أمره، فإنَّا نرجو أن نكونَ على أمرٍ واحدٍ.

[فخرج فَتَيانِ منهم فتَواثَقَا، ثم تكلَّما فذكر كلُّ واحدٍ منهما أمره لصاحبه، فأَقبَلا مُستَبشِرَيْن إلى أصحابهما فقالا: قد اتَّفَقْنا (١) على أمرٍ واحدٍ] (٢).

فإذا هم جميعًا على الإيمان، وإذا كهفٌ في الجبل قريبٌ منهم، فقال بعضُهم لبعض: ائؤُوا (٣) إلى الكهف ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا، فجعله الله عليهم رقْدَةً واحدةً، فناموا ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا.

قال: وفقَدَهم قومُهم فطَلَبوهم وبعثوا البُرُدَ (٤)، فَعَمَّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلَمَّا لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لَوْحٍ: فلانُ بنُ فلان، وفلان بن فلان أبناءُ ملوكنا، فقَدْناهم في عيدِ كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، من (٥) سنة كذا وكذا، في مملكة فلان بن فلانٍ.

ورفعوا اللَّوْحَ في الخِزانة، فمات ذلك الملكُ، وغلب عليهم ملكٌ مسلمٌ مع المسلمين، وجاء قَرْنٌ بعد قرنٍ، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا (٦).

وقال آخرون: بل كان مصيرهم إلى الكهف؛ هربًا من طلب سلطانٍ كان طلبهم بسببِ دَعْوى جنايةٍ، ادُّعِىَ على صاحب لهم أنَّه جناها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ، أنه سمع وهب بن منبِّهٍ يقولُ: جاء حواريُّ عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخُلَها، فقيل له: إن على بابها صنمًا لا يدخُلُها أحدٌ إلا سجد له، فكره أن يَدْخُلَها، فأتَى حَمَّامًا، فكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يَعْمَلُ فيه يُواجرُ نفسَه من صاحب الحمَّام، ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامِه البركة، ودُرَّ عليه الرزقُ، فجعل يقومُ (١) عليه (٢)، وجعَل يَسْترسِلُ إليه (٣)، وعَلِقَه فتيةٌ من أهل المدينة، وجعَل يخبرُهم خبر السماء والأرضِ وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدَّقوه، وكانوا على مثل حاله في حُسنِ الهيئة، وكان يَشْتَرِطُ على صاحب الحمَّام أن الليل لي، لا تَحُولُ بينى وبين الصلاةِ إذا حضَرَتْ.

فكان على ذلك حتَّى جاء ابن الملكِ بامرأةٍ، فدخل بها الحمَّام، فعيَّرَه الحواريُّ فقال: أنت ابن الملكِ، وتدخُلُ معك هذه الكذا (٤) فاستحيا، فذهَب فرجع مرًّة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبَّه وانتهره ولم يلتفت، حتى دخل ودخلت معه المرأةُ، فماتا في الحمَّام جميعًا، فأُتِيَ الملكُ فقيل له (٥): قتل صاحبُ الحمَّامِ ابنَك.

فالتُمس، فلم يُقْدَرُ عليه فهرب.

قال: من كان يَصْحَبُه؟

فسَمَّوا الفتيةَ، فالتُمسوا، فخرجوا من المدينةِ، فمرّوا بصاحبٍ لهم في زرعٍ له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، فانطلق معهم [ومعه] (٦) الكلبُ، حتى أَوَاهم الليلُ إلى الكهف، فدخلوه، فقالوا: نبيتُ هاهنا الليلةَ، ثم نُصْبحُ إن شاء الله فترون رأيَكم.

فضُرب على آذانهم، فخرج الملكُ في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلَّما أراد رجلٌ أَن يَدْخُلَ أُرْعِب، فلم يُطِقْ أَحدٌ أن يَدْخُلَه، فقال قائلٌ: أليس لو كنتَ قدرت عليهم قتلتهم؟

قال: بلى.

قال: فابْنِ عليهم باب الكهف، ودعهم فيه يموتوا عَطَشًا وجوعًا.

ففعل (١).

القولُ في تأويل قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾.

يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾: فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف.

أي: ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج.

بمعنى: ابتلاه الله به، وأرسله عليه، وقولُه: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾.

يعنى: سنين معدودةً، ونُصِب العددُ بقوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾.

وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾.

يقولُ: ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددًا من رقْدَتِهم؛ لينظُرَ عبادى فيعْلَموا بالبحث أيُّ الطائفتين اللتين اختَلَفتا في قدْرِ مَبْلَغِ مُكْثِ الفِتية في كهفهم رقودًا ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا﴾.

يقولُ: أصوبُ لقدْرِ لُبثهم فيه، ﴿أَمَدًا﴾، ويَعْنى بالأمد الغاية، كما قال النابغة (٢): إلَّا لمثلك أو مَن أنتَ سابقُهُ … سَبقَ الجَوَادِ إذا استولى على الأمد وذكر أن الذين اختلفوا في ذلك في أمورهم قومٌ من قوم الفتية؛ فقال بعضهم: كان الحزبان جميعًا كافرين.

وقال بعضُهم: بل كان أحدهما مسلمًا، والآخرُ كافرًا.

ذِكرُ مَن قال: كان الحزبان مِن قوم الفتية حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾، من قومِ الفتية (١).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد بنحوه (١).

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثله (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.

يقولُ: ما كان لواحد من الفريقين علمٌ، لا لكفَّارهم ولا لمؤمنيهم (٢).

وأما قوله: ﴿أَمَدًا﴾.

فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: بعيدًا.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.

يقولُ: بعيدًا.

وقال آخرون: معناه: عددًا.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَدًا﴾.

قال: عددًا (١).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله (١).

وفى نصب قوله: ﴿أَمَدًا﴾.

وجهان؛ أحدُهما: أن يكون منصوبًا على التفسير من قوله: ﴿أَحْصَى﴾ كأَنَّه قِيلَ: أيُّ الحزبين أصوبُ عددًا لقدْرِ لُبثهم.

وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب؛ لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء.

والآخرُ: أن يكون منصوبًا بوقوع قوله: ﴿لَبِثُوا﴾ عليه، كأنَّه قيل (٢): أيُّ الحزبين أحصَى للُبثهم غايةً.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: نحن يا محمد نَقُصُّ عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أَوَوْا إلى الكهفِ ﴿بِالْحَقِّ﴾.

يعنى: بالصدق واليقين الذي لا شكَّ فيه، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾.

يقولُ: إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأُ مِن مُشرِكى قومك، فتيةٌ آمنوا بربِّهم، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.

يقولُ: وزدناهم إلى إيمانهم بربِّهم إيمانًا وبصيرةً بدينهم، حتى صبروا على هجران دارِ قومِهم، والهرب من بين أظهُرهم بدينهم إلى الله، وفِراقِ ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خُشونة المُكْثِ في كهف جبلٍ.

وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.

يقولُ عزَّ ذِكْرُه: وألهمناهم الصبر، وشدَدْنا قلوبهم بنور الإيمان، حتى عزَفَت أنفسهم عمَّا كانوا فيه (١) من خفض العَيْشِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.

يقولُ: بالإيمان.

وقوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

يقولُ: حين قاموا بين يدى الجبَّارِ دَقيَنوسَ، فقالوا له إذ عاتبهم (٢) على تركهم عبادة (٣) آلهته: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

يقولُ: قالوا: ربُّنا مَلِكُ السماواتِ والأرض وما فيهما من شيءٍ، وآلهتُك مربوبةٌ، وغير جائزٍ لنا (٣) أن نَتْرُكَ عبادةَ الربِّ ونعبُدَ المربوبَ، ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾.

يقولُ: لن نَدْعُوَ من دونِ ربِّ السماواتِ والأرض إلها؛ لأنَّه لا إله غيرُه، وأن كلَّ ما دونه فهو خلقه، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.

يقول جلَّ ثناؤُه: لكن دعونا إلهًا غير إله السماوات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلهًا، شططًا من القول، يعنى غاليًا من الكذب، مجاوِزًا مقداره في البُطُولِ والغُلوِّ، كما قال الشاعرُ (١): ألا يا لَقَوْمى قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذلِى … ويَزعُمْن أَنْ أَوْدَى بِحَقِّي باطِلى يُقالُ منه: قد أَشَطَّ فلانٌ في السَّوْمِ.

إذا جاوز القدْرَ وارتفع، يَشِطُّ إِشْطَاطًا وشَطَطًا، فأمّا من البعدِ فإِنما يُقالُ: شَطّ منزل فلانٍ، يَشُطُ شُطُوطًا.

ومن الطُّولِ: شَطَّتِ الجاريةُ تَشِطُ شَطاطًا وشِطاطًا (٢)، إذا طالت.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿شَطَطًا﴾.

قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.

يقولُ: كَذِبًا (٣).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.

قال: لقد قلنا إذن خطأ.

قال: الشَّطَطُ الخطأُ من القول (٣).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾.

يقول عزَّ ذكرُه مخبرًا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف: هؤلاء قومنا اتَّخذوا من دونِ اللهِ آلهةً يعبُدونَها من دونِه، ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾.

يقولُ: هلَّا يأتُون على عبادتهم إيَّاها بحُجَّةٍ بيَّنةٍ.

وفى الكلامِ محذوفٌ اجتُزِئ بما ظهر عمَّا حُذِف، وذلك في قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، فالهاءُ والميمُ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مِن ذِكْرِ الآلهة، والآلهة لا يُؤتَى عليها بسلطانٍ، ولا يُسأَلُ السلطانُ عليها، وإنما يُسأَلُ عابِدُوها السلطان على عبادتهمُوها، فمعلومٌ إذ كان الأمر كذلك أنّ معنى الكلام: لولا يأتون على عبادتهمُوها، واتخاذهُموها آلهةً من دونِ اللهِ، بسلطانٍ بيِّنٍ.

وبنحو ما قلنا في معنى السلطان قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾.

يقولُ: بعذرٍ بيِّنٍ.

وعنى بقوله عزَّ ذِكرُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.

ومَن أَشدُّ اعتداءً وإشراكًا بالله ممَّن اختلق، فتخرَّص على الله كذبًا، وأشرَك مع الله في سلطانه شريكًا يَعْبُدُه دونَه، ويَتَّخِذُه إلهًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾.

يقول تعالى ذكره مخبِرًا عن قيل بعض الفتية لبعضٍ: وإذ (١) اعتَزَلْتُم أَيُّها الفتيةُ قومكم الذين اتَّخذوا مِن دونِ اللَّهِ آلهة، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾.

يقولُ: وإذ (٢) اعتزلتم قومَكم و (٣) الذين يُعْبَدُون مِن الآلهة سوى الله.

فـ "ما" - إذ كان ذلك معناه - في موضع نصبٍ، عطفًا لها على الهاء والميم التي في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾.

وهى في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)، هذا تفسيرها (١).

وأما قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، فإنَّه يعنى به: فصيروا إلى غارِ الجبل الذي يسمى بنجلوسَ، ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.

يقولُ: يَبْسُطُ لكم ربُّكم من رحمته، بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس، وطلبه إياكم لعَرْضِكم على الفتنة.

وقوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ جوابٌ لـ "إذ"، كأنَّ معنى الكلام: وإذ اعتزلتم أيُّها القومُ قومَكم، فأوُوا إلى الكهف.

كما يقالُ: إِذ أَذْنَبَتَ فاستغفِرِ الله وتُبْ إِلَيْه.

وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.

يقولُ: ويُيسِّر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغَمِّ والكرب، خوفًا منكم على أنفسكم ودينكم، مرفقًا.

ويعنى بالمِرفَقِ: ما تَرْتَفِقون به من شيءٍ.

وفى المرفق من اليد وغير اليد لغتان؛ كسرُ الميم وفتح الفاءٍ، وفتح الميم وكسرُ الفاء.

وكان الكسائيُّ يُنكرُ في مِرْفَقِ الإنسان الذي في اليدِ إلا فتح الفاء وكسر الميم.

وكان الفرَّاءُ يحكى فيهما - أعنى في مِرفَقِ الأَمْرِ واليد - اللغتين كِلْتَيهما، وكان يُنْشِدُ في ذلك قول الشاعر (١): * بِتُّ أُجَافِى مِرْفَقًا عن مَرْفِقِى* ويقولُ: كسر الميم فيه أجودُ (٢).

وكان بعض نحويِّى أهل البصرة يقولُ في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.

شيئًا تَرتَفِقُون به، مثل المقطع، ومَرْفِقًا جعَله اسمًا كالمسجد، ويكونُ لغةً، يقولون: رفق يَرْفُقُ مَرْفِقًا، وإن شئتَ مَرْفَقًا، تريدُ رفقًا، ولم يُقرأْ.

وقد اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةٍ أهل المدينة: (ويُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأته عامة قرأة العراق في المِصْرَينِ: ﴿مِرْفَقًا﴾ بكسر الميم وفتح الفاء (٣).

والصواب من القول في ذلك أن يُقالَ: إنَّهما قراءتان بمعنى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما قرأةٌ من أهل القرآن، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنَّ الذي أختارُ في قراءة ذلك: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.

بكسر الميم وفتح الفاء؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين وأشهرُهما في العرب، وكذلك ذلك في كلِّ ما ارتُفِق به من شيءٍ (٤).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ يا محمدُ، ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.

يعنى بقولِه: ﴿تَزَاوَرُ﴾.

تعدِلُ وتميلُ، من الزَّورِ، وهو العِوَجُ والمَيلُ؛ يُقالُ منه: في هذه الأرضِ زَوَرٌ.

إذا كان فيها اعوجاجٌ، و: في فلانٍ: عن فلانٍ ازْوِرارٌ.

إذا كان فيه عنه إعراضٌ؛ ومنه قولُ بشرِ بن أبي خازمٍ (١): تَؤُمُ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ … وَفِيها عَنْ أَبانَيْنِ (٢) ازْوِرَارُ يعنى: إعراضًا وصدًّا.

وقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (تَزَّاوَرُ) بتشديدِ الزاي (٣)؛ بمعنى: تتزاورُ، بتاءين، ثم أدغَم إحدى التاءين في الزَّاي، كما قيل: (تظَّاهَرُون عليهم) [البقرة: ٨٥].

وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ [أهلِ الكوفةِ] (٤): ﴿تَزَاوَرُ﴾ بتخفيفِ التاءِ والزاى (٥)، كأَنَّه عنَى به: "تفاعل" من الزَّوَرِ.

وقد رُوى عن بعضِهم: (تَزْوَرُّ)، بتخفيفِ التاءِ وتسكينِ الزّاى وتشديدِ الراءِ (٦)، مثلَ: تَحمَرُّ، وبعضِهم: (تَزْوَارُّ) مثلَ تحمارُّ (١).

والصوابُ من القولِ في قراءةِ ذلك عندَنا أن يُقالَ: إنهما قراءتان - أعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾ بتخفيفِ الزَّاي، و (تَزَّاوَرُ) بتشديدِها - معروفتان، مستفيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في قرأةِ الأمصارِ، متقاربتا المَعْنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ الصوابَ.

وأما القراءتان الأخريان فإنَّهما قراءتان لا أرى القراءةَ بهما، وإن كان لهما في العربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لشذوذِهما عمَّا عليه قرأةُ الأمصارِ (٢).

وبنحو الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.

قال: تميلُ (٣).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.

يقولُ: تميلُ عنهم (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

يقولُ: تميلُ عن كهفِهم يمينًا وشمالًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.

يقولُ: تميلُ ذاتَ اليمينِ، تدَعُهم ذاتَ اليمين.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.

قال: تميلُ عن كهفِهم ذاتَ اليمينِ (١).

حُدِّثتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو أن الشمسَ تطلُعُ عليهم لأحرَقَتْهم، ولو أنهم لا يُقلَّبون (٢) لأكَلَتْهم الأرضُ.

قال: وذلك قولُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن (٤) أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾.

قال (٥): تميلُ (٦).

وقولُه: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غرَبتِ الشمسُ تتركُهم من ذاتِ شمالِهم.

وإنما معنى الكلامِ: وترَى الشمسَ إذا طلَعت تعدِلُ عن كهفِهم، فتطلُعُ عليه (١) من ذاتِ اليمينِ، لئلَّا تصيبَ الفِتيةَ؛ لأنها لو طلَعت عليهم قُبَالَتَهم لأحرَقتهم وثيابَهم، أو (٢) أشحَبَتهم.

وإذا غرَبت تتركُهم بذاتِ الشمالِ، فلا تصيبُهم؛ يُقالُ منه: قرَضتُ موضِعَ كذا.

إذا قطَعتَه فجاوزتَه، وكذلك كان يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ.

وأما الكوفيّون فإنهم يزعُمون أنه المحاذاةُ، وذكَروا أنَّهم سمِعوا من العربِ: قرَضتُه قُبُلًا ودُبُرًا، وحذوتُه ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ، وقُبُلًا ودُبُرًا.

أي كنتُ بحِذائِه.

قالوا: والقرْضُ والحَذْوُ بمعنًى واحدٍ.

وأصلُ القرْضِ: القَطْعُ.

يُقالُ منه: قرَضتُ الثوبَ.

إذا قطَعتَه.

ومنه قيل للمِقْراضِ مِقراضٌ؛ لأنه يَقْطَعُ.

ومنه: قرَض الفأرُ الثوبَ.

ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٣): إلى ظُعُنٍ يَقرِضُنَ أجْوازَ مُشرِفِ … شِمالًا وعن أيمانهنَّ الفَوارِسُ يعنى بقولِه: يَقْرِضَنَ: يَقْطَعْنَ.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

يقولُ: تذَرُهم (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالم الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾: تترُكُهم ذاتَ الشِّمالِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى.

وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾.

قال: تترُكُهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

يقولُ: تدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

قال: تَدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ (٢).

حدَّثنا ابن سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾.

قال: تترُكُهم.

وقولُه: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾.

يقولُ: والفِتيةُ الذين أَوَوْا إليه في متَّسْعٍ منه.

يُجمَعُ فَجَوَاتٍ، وفِجَاءً، ممدودًا.

وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾.

يقولُ: في فضاءٍ من الكهفِ، قال الله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾.

قال: المكانُ الداخلُ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾.

قال: المكانُ الذاهبُ (١).

حدَّثنا ابن سنانٍ (٢)، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ أبو سعيدِ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، قال: في مكانٍ داخلٍ (٣).

وقولُه: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: فِعْلُنا هذا الذي فعَلنا بهؤلاء الفِتيةِ الذين قصَصْنا عليكم أمرَهم من تصيِيرِناهم، إذ أَرَدْنا أَن نَضْرِبَ على آذانِهم بحيثُ تزَاوَرُ الشمسُ عن مضاجِعِهم ذاتَ اليمينِ إذا هي طلَعت، وتقرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ إذا هي غَرَبت، مع كونِهم في المتَّسَع من المكانِ، حيثُ (٤) لا تَحرِقُهم الشمسُ فتُشْحِبَهم، ولا تَبْلَى على طولِ رقْدَتِهم ثيابُهم، فتعفَنَ على أجسادِهم (٥) - من حُجَحِ اللَّهِ وأدلتِه (١) على خلقِه، والأدلِة التي يستدِلُّ بها أولو الألبابِ على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، وأنه لا يُعجزُه شيءٌ أرادَه.

وقولُه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.

يقولُ ﷿: مَن يوفِّقْه الله للاهتداءِ بآياتِه وحُجَجِه إلى الحقِّ الذي (٢) جعَلها أدلةً عليه ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.

يقولُ: فهو الذي قد أصاب سبيلَ الحقِّ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾.

يقولُ: ومَن أضَلَّه الله عن آياتِه وأدلتِه، فلم يوفِّقْه للاستدلالِ بها على سبيلِ الرشادِ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.

يقولُ: فلن تجِدَ له يا محمدُ خليلًا وحليفًا يُرشدُه لإصابتِها؛ لأن التَّوفيقَ والخذْلانَ بيدِ الله، يوفِّقُ مَن يشاءُ من عبادِه، ويَخذُلُ مَن أرادَ.

يقولُ: فلا يَحزُنْك إدبارُ من أدبرَ عنك من قومِك وتكذيبُهم إيَّاكَ (٣)، فإني لو شئتُ هدَيتُهم فَآمَنوا، وبيدى الهِدايةُ والضَّلالُ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وتحسَبُ يا محمدُ هؤلاء الفِتيةَ الذين قصَصْنا عليك قصَّتَهم، لو رأيتَهم في حالِ ضَرْبِنا على آذانِهم في كهفِهم الذي أوَوْا إليه - أيقاظًا.

والأيقاظُ: جمعُ يَقِظٍ، ومنه قولُ الراجزِ (٥): ووجَدوا إخْوتَهم أيْقاظا وسَيْفَ غَيَّاظٍ لهم غَيَّاظا وقولُه: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾.

يقولُ: وهم نِيامٌ.

والرُّقودُ: جمعُ راقدٍ، [كما الجُلوسُ] (١) جمعُ جالسٍ، والقُعودُ جمعُ قاعِدٍ.

وقولُه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ونقلِّبُ هؤلاء الفتيةَ في رقْدَتِهم مرَّةً للجنبِ الأيمنِ، ومرَّةً للجنبِ الأيْسَرِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: وهذا التَّقلِيبُ في رقْدَتِهم الأُولى (٢).

قال: وذُكِر لنا أن أبا عِياضٍ قال: لهم في كلِّ عامٍ تقلِيبَتانِ (٣).

حُدِّثتُ عن يزيدَ، قال: أخبَرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾.

قال: لو أنهم لا يُقلَّبون لأَكَلتْهم الأرضُ (٤).

وقولُه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

اختلَف أهلُ التأويل في الذي عنَى الله بقولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو كلبٌ من كلابِهم كان معهم.

وقد ذكَرْنا كثيرًا ممَّن قال ذلك فيما مضَى.

وقال بعضُهم: كان إنسانًا (٥) مِن الناسِ طبَّاخًا لهم تَبِعهم (١).

وأما الوصيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الفِناءُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾.

يقولُ: بالفِناءِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِيٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: بالفِناءِ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: بالفِناءِ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: بالفِناءِ.

قال ابن جريجٍ: يُمسِكُ بابَ الكهفِ (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

يقولُ: بفِناءِ الكهفِ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: فناءُ (٢) الكهف (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: يعنى بالفِناءِ (٤).

وقال آخرون: الوَصِيدُ الصَّعيدُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

يعني فِناءَهم، ويُقالُ: الوَصيدُ الصَّعيدُ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بن (٥) عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: بالصَّعِيدِ (٦).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرٍو في قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: الوَصيدُ الصَّعيدُ؛ التُّرابُ.

وقال آخرون: الوَصيدُ البابُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.

قال: بالبابِ، وقالوا: بالفناءِ (١).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الوَصيدُ البابُ، أو فناءُ البابِ حيثُ يُغلَقُ البابُ.

وذلك أن البابَ يُوصَدُ، وإيصادُه إطباقُه وإغْلاقُه، من قولِ الله ﷿: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨].

وفيه لُغَتَانِ: الأَصِيدُ، وهى لغةُ أهل نجدٍ.

والوَصيدُ، وهى لغةُ أهلِ تهامةَ.

وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ، قال: إنها لغةُ أهلِ اليمنِ.

وذلك نَظيرُ قولِهم: ورَّختُ الكتابَ وأَرَّخْتُه، ووكَّدتُ الأمرَ وأكَّدتُه (٢).

فمَن قال: الوَصيدُ.

قال: أوصدتُ البابَ، فأنا أُوصِدُه، وهو مُوصَدٌ.

ومَن قال: الأَصِيدُ.

قال: آصَدتُ البابَ، فهو مُؤْصَدٌ.

فكأن معني الكلامِ: وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْه بفِناءِ كهفِهم عندَ البابِ، يحفَظُ عليهم بابَه.

وقولُه: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾.

يقولُ: لو اطَّلَعتَ عليهم في رَقْدَتِهم التي رَقَدوها في كهفِهم، لأدْبَرتَ عنهم هارِبًا مِنهم فارًّا، ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.

يقولُ: ولمُلِئَتْ نفسُك اطِّلاعِك عليهم فَرَعًا؛ لِما كان اللَّهُ ألبَسَهم من الهَيْبَةِ؛ [كي لا] (٣) يصلَ إليهم واصِلٌ، ولا تَلْمِسَهم يدُ لامِسٍ، حتى يبلُغَ الكتابُ فيهم أجله، ويوقظهم من رقدتهم قدرتهُ وسلطانُه في الوقت الذي أراد أن يجعَلَهم عبرةً لمن شاء من خلقه، وآيةٌ لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده؛ ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١].

واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ فقرَأَتُه عامةُ قَرَأَةِ المدينة بتشديد اللام من قوله: (ولَمُلِّئتَ).

بمعنى أنه كان يمتَلئُ مرَّةً بعد مرَّةٍ.

وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ العراقِ: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾.

بالتخفيف، بمعنى: لمُلِئتَ مرَّةً (١).

وهما عندنا قراءتان مُستفيضتان في القراءةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾.

يقول تعالى ذكره: كما أرْقَدْنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وُصول واصل إليهم، وعين ناظرٍ أن يَنْظُرَ إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى (٢) على طُولِ الزمانِ، وثيابهم من العفَنِ على مرِّ الأيام بقُدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم (٣)؛ لنُعرِّفَهم عظيم سُلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادُوا بصيرةً في أمرهم الذي هم عليه؛ من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم [العبادة لله] (١) وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرِّ (٢) الزمانِ عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا.

وقولُه: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾.

يقولُ: ليسأل بعضُهم بعضًا، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾.

يقولُ عزّ ذكرُه: فتساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابه: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟

وذلك أنَّهم استنْكَروا مِن أنفسهم طول رقدتهم، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

يقولُ: فأجابه الآخرون فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.

فسلَّموا العلم إلى اللهِ.

وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.

يعنى مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تُسمَّى أُفْسُوس (٣)، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.

ذُكر أنَّهم بعثوا (٤) من رقدتهم جِياعًا، فلذلك طلبوا الطعام.

ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السبب الذي أجلِه ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتهم حين بُعثوا منها حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ (١)، أنه سمع وهب بن مُنبهٍ يقولُ: إنهم عبروا - يعنى الفتية من أصحاب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه (٢) غنمى من المطر.

فلم يزَلْ يُعالجُه حتى فتح ما أُدخل (٣) فيه، ورَدَّ الله (٤) إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِقٍ يشترى لهم (٥) طعامًا، فكلما (٦) أتى باب مدينتهم، رأى شيئًا يُنكرُه، حتى دخل على رجلٍ فقال: يعنى بهذه الدراهم طعامًا.

فقال: ومن أين لك هذه الدراهمُ؟

قال: خرَجْتُ (٧) وأصحابٌ لى أمسِ، فآوانا الليلُ، ثم أصبحوا فأرسلونى.

فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهد الملك (٨).

فلانٍ، فأنَّى لك بها؟

فرفعه إلى الملك، وكان ملكًا صالحًا، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟

قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمس، حتى أدركنا الليلُ في كهف كذا وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا.

قال: وأين أصحابك؟

قال: في الكهف.

قال: فانطلقوا (٩) معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم.

فلما رأَوه ودنا منهم، ضُرب على أُذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجلٌ أُرْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم (١٠)، فبنوا عندهم كنيسةً، واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه (١).

حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناء ملوك الروم، رزَقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهَوا إلى الكهف، فضرب اللَّهُ على سُمْخانِهم (٢) فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أُمتُهم، وجاءت أُمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا.

وقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا.

فشقَّ على ملكهم اختلافُهم، فانطلق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربِّ، قد تَرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةٌ تُبَيِّنْ لهم.

فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكرُ الوُجوهَ، ويُعرفُ الطُّرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مُستَخْفٍ، حتى أتى رجلًا يشترى منه طعامًا، فلما نظر الرجلُ إلى الوَرِقِ أَنكرها.

قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ (٣)؟

قال: بل مَلِكُنا فلانٌ.

فلم يزَلْ ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملكِ، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملكُ في الناس فجمعهم، فقال: إنَّكم قد اختلَفْتُم في الرُّوح والجسد، وإنَّ الله قد بعث لكم آية؛ فهذا رجلٌ من قوم فلانٍ.

يعنى ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى.

فركب الملكُ، وركب معه الناسُ، حتى انتهى (١) إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعونى أدخُلْ إلى أصحابى.

فلمّا أبْصَرهم ضرب الله (٢) على أُذنِه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا يُنكرون منها شيئًا، غير أنَّها لا أرواح فيها، فقال الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم.

قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ] (٣) مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف.

فقال ابن عباسٍ: لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ (٤).

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقال له: تيذوسيسُ (٥).

فلمّا ملك بقى في (٦) ملكه ثمانيًا وستِّين سنةً، فتحزَّب الناسُ في ملكه، فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بالله ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٌّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها (٦)، فكبُر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرَّع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ.

ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيسُ يُرسل إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ في الحقِّ، فجعلوا يُكَذِّبون (٧) بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحقِّ وملة الحواريين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ الصالح تيذوسيسُ، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانًا يتضرع إلى الله، ويَبْكى إليه مما يرى فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العبادِ، أراد أن يُظْهِرَ على الفتية أصحاب الكهف، ويبيِّن للناس شأنهم، ويجعلهم آيةً لهم، وحُجةً عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيسَ، ويتمَّ نعمته عليه، فلا يَنْزِعَ منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياس - أن يَهْدِمَ البنيان الذي على فم الكهف.

فيبني به حظيرةً لغنمه، فاستأجر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا باب الكهف، وحجَبَهم الله من الناس بالرُّعب، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم [غايةَ ما يُمكنه] (١) أن يَدْخُلَ من باب الكهف، ثم يتقدَّمَ حتى يرى كلبهم دونَهم إلى بابِ الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا (٢) بابَ الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهرى الكهف، فجلسوا فرحين، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذى كانوا يفعلون، لا يَرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيءٌ يُنكرونه، كهيئتهم (٣) حين رقدوا بعشيٍّ أمسٍ، وهم يرون أن ملِكَهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم، فلما قضَوْا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا (١) صاحب نفقتهم الذي كان يبتاعُ لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءَهم بالخبر أن دقينوسَ يلْتَمِسُهم ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخى، ما الذي قال الناسُ في شأننا عشيَّ أمس عند هذا الجبارِ؟

وهم يظنُّون أنَّهم رقدوا كبعض ما كانوا يَرقُدون، وقد خُيِّل إليهم أنَّهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءَلُوا بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِثْتم نياما؟

قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.

وكلُّ ذلك في أنفسهم يسيرٌ، فقال لهم يمليخا: افتُقدتُم والتُمِسْتُم بالمدينة، وهو يُريدُ أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتُلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل (٢).

فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقوْن، فلا تكفُروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله (٣)، ولا تنكروا الحياة التي لا (٤) تبيدُ بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت.

ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتَسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي [نُذكر به] (٥) عند دقينوس، وتلطَّف، [ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا] (٦)، وابتع (٧) لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فإنه كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا.

ففعل يمليخا كما كان يفعَلُ، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكَّرُ فيها، وأَخَذَ وَرِقًا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُرِبت بطابع دقينوس الملكِ، فانطلق يمليخا خارجًا، فلما مر بباب الكهفِ، رَأى الحجارةَ مَنْزوعةً عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريقِ؛ تخوفًا أن يراه أحدٌ من أهلها فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يَشْعُرُ العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائةٍ وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بينَ أن نامُوا إلى أَنِ اسْتَيْقظوا ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكونُ لأهل الإيمان إذا كان [أمر أهل الإيمان] (١) ظاهرًا فىها، فلما رآها عجب وجعل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظر يمينا وشمالًا، فعجب (٢) بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك البابَ، فتحوَّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى مِن ذلك ما يُحيطُ بالمدينة كلِّها، ورأى على كلِّ بابٍ مثل ذلك، فجعل يُخيَّلُ إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يَعْرِفُ، ورأى ناسًا كثيرًا (٣) محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشى ويعجَبُ، ويُخيَّلُ إليه أنَّه حَيْرانُ، ثم رجع إلى البابِ الذي أتى منه، فجعَل يَعْجَبُ بينه وبين نفسه ويقولُ: يا ليت شعرى، أمَا هذه عشية أمس فكان المسلمون يُخفون هذه العلامةَ ويَسْتَخْفُون بها، وأمّا اليوم فإنَّها ظاهرةٌ، لعلِّى حالمٌ!

ثم يرى أنه ليس بنائمٍ، فأخَذ كساءَه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينةَ فجعل يمشى بين ظهرَيْ (٤) سوقها، فيسْمَعُ ناسًا كثيرًا يَحْلِفون باسم عيسى ابن مريم، فزادَه فرقًا، ورأى أنه حَيْرانُ، فقام مُسنِدًا ظهره إلى جدارٍ من جُدرِ المدينة ويقولُ في نفسه: واللَّهِ ما أَدْرِى ما هذا؟

أمّا عشية أمس فليس على الأرضِ إنسانٌ يَذْكُرُ عيسى ابن مريم إلا قُتل، وأما الغداةَ فَأَسْمَعُهم وكلُّ إنسانٍ يَذْكُرُ أَمرَ عيسى لا يخافُ!

ثم قال في نفسه: لعلَّ هذه ليست بالمدينة التي أعْرِفُ، أسمع كلام أهلها، ولا أعرفُ أحدًا منهم، والله ما أعلمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا!

فقام كالحيران لا يتوجَّهُ وجهًا، ثم لقى فتًى مِن أَهلِ المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟

قال: اسمُها أُفْسُوسُ.

فقال في نفسه: لعلَّ بى مسًّا، أو بى أمرًا أَذْهَب عقلى، واللَّهِ يحقُّ لى أن أُسرِعَ الخروج منها قبلَ أَن أُخْرَى فيها، أو يصيبنى شرٌّ (١) فأهلك.

هذا الذي يُحدِّثُ به يمليخا أصحابه حين يبيِّن (٢) لهم ما بهم (٣)، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجَّلتُ الخروج من المدينة قبل أن يُفْطَنَ (٤) بى لكان أكيس لى.

فدنا من الذين يبيعُون الطعامَ، فأَخْرَج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعنى بهذه الوَرِقِ يا عبدَ اللَّهِ طعامًا.

فأخذها الرجلُ، فنظر إلى ضَرْبِ الوَرِقِ ونقشِها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجلٍ من أصحابه فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارَحُونها بينهم من رجلٍ إلى رجلٍ، ويتعجَّبُون منها، ثم جعَلُوا يَتَشاورون بينهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرضِ منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ.

فلما رآهم يَتَشاوَرُون من أجلِه فرق فَرَقًا شديدًا، وجَعَل يَرْتَعِدُ ويَظُنُّ أَنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنَّهم إنما يُريدون أن يَذْهَبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسلِّمونه إليه، وجعل ناسٌ آخرون يأتونه فيتعرَّفونه، فقال لهم وهو شديدُ الفَرَقِ منهم: أفضلوا عليَّ، قد (٥) أخَذْتم وَرقى فأمسكوا، وأما طعامُكم فلا حاجة لى به.

فقالوا له: من أنت يا فتى؟

وما شأنُك؟

والله لقد وَجَدْتَ كَنزًا من كُنوز الأوَّلين، وأنت تُريدُ أن تُخْفِيَه منا، انطلق معنا فأرناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وَجَدْتَ، فإنَّك إن لا تفعَلْ نَأْتِ بك السلطان، فتُسلِّمْك إليه فيقْتُلْك.

فلمّا سمع قولهم، عجب في نفسه فقال: قد وقعتُ في كلَّ شيءٍ كنتُ أحذَرُ منه.

ثم قالوا: يا فتى، إِنَّكَ واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أَن تَكْتُمَ ما وَجَدْتَ، [ولا تَظُنُّ في] (١) نفسك أنه سيَخْفَى لك (٢).

فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقول لهم وما يَرْجِعُ إليهم، وفرق حتى ما يُحِيرُ إليهم جوابًا (٣)، فلمّا رَأَوْه لا يتكلَّمُ أخَذوا كساءَه فطوَّقوه (٤) في عُنقِه، ثم جعلوا يقودُونه في سِكَكِ المدينةِ مُلَبَّبًا (٥).

حتى سمع به من فيها، فقيل: أُخِذ رجلٌ عنده كنزٌ.

واجتمع عليه أهلُ المدينة صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولُون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة (٦)، وما رأيناه فيها قطُّ، وما نَعْرِفُه.

فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقولُ لهم، مع ما يَسْمَعُ منهم، فلما اجتمع عليه أهلُ المدينة فرق، فسكت فلم يتكلَّم، ولو أنه قال: إنَّه من أهل المدينة، لم يُصدَّق، وكان مستيقنًا أنَّ أباه وإخوته بالمدينة، وأن حَسَبه مِن أهل المدينة من عُظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنَّه من (٧) عشية أمس يعرِفُ كثيرًا من أهلها، وأنَّه لا يَعْرِفُ اليومَ مِن أهلها أحدًا، فبينما هو قائمٌ كالحيران ينتظرُ متى يأتيه بعض أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلِّصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رأسى (٨) المدينة ومدبِّريها اللذين يُدبِّران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسمُ أحدهما أريوس، واسمُ الآخر أسطيوس، فلما انطلق به إليهما، ظنَّ يمليخا أنه يُنطَلقُ به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفتُ يمينًا وشمالًا، وجعل الناسُ يسخرون منه كما يُسخَرُ من المجنونِ والحيران، فجعل يمليخا يبكى، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمَّ إله السماوات (١) والأرض، أولج معى رُوحًا منك اليومَ تُؤيدُنى به عند هذا الجبار.

وجعَل يبكى ويقولُ في نفسه: فرَّق بينى وبين إخوتى، يا ليتهم يعلمون ما لقيتُ، وأَنِّي (٢) يُذهَبُ بى إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقومُ جميعًا بينَ يدى دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونَنَّ معًا، لا نكفر بالله ولا نشركُ به شيئًا، ولا نعبُدُ الطواغيت من دونِ اللهِ، فرَّق بينى وبينهم، فلن يرونى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟

أقاتلى هو أم لا؟

ذلك الذي يحدِّثُ به يمليخا نفسَه فيما (٣) أخبر أصحابه حين رجع إليهم.

حتى (٤) انتهى به (٥) إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس أفاق وسكن عنه البكاءُ، فأخذ أريوسُ وأسطيوسُ الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنزُ الذي وجدتَ يا فتى؟

هذا الورقُ يشهدُ عليك أنك قد وجدت كنزًا.

فقال لهما يمليخا: ما وجدتُ كنزًا، ولكنَّ هذه الورق ورِقُ آبائى ونقش هذه المدينةِ وضَرْبُها، ولكن والله ما أدرى ما شأنى، وما أدرى ما أقولُ لكم.

فقال له أحدُهما: من أنت؟

فقال له يمليخا: [أما ما أرى] (٦) فكنتُ أرى أنى من أهل هذه القرية.

قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟

فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ كذَّابٌ لا تُنبئُنا بالحقِّ.

فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعضُ من حوله: هذا رجلٌ مجنونٌ.

فقال بعضُهم: ليس بمجنونٍ، ولكنَّه يُحَمِّقُ نفسَه عمدًا لكي ينفلت منكم.

فقال له (١) أحدُهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظُنُّ أنك إذ تتجانَنُ نُرسِلُك ونُصدِّقُك بأن هذا مالُ أبيك، وضربُ هذه الورق ونقشُها منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ، وإنما أنت غلامٌ شابٌّ، تظنُّ أنك تأفِكُنا، ونحن شُمْطٌ كما ترى، وحولك سَراة أهل المدينة وولاة أمرها؟

إنى لأظُنُّنى (٢) سآمُرُ بك فتعذَّبُ عذابًا شديدًا، ثم أُوثِقُك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت.

فلما قال ذلك قال له (٣) يمليخا: أنبئونى عن شيءٍ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا عندى؛ أرأيتُم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟

فقال له الرجلُ: ليس على وجه الأرضِ رجلٌ اسمه دقينوسُ، ولم يكن إلا ملكٌ قد هلك منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وهلكت بعده قرونٌ كثيرةٌ.

فقال له يمليخا: فوالله إنى إذًا لحيرانُ، وما هو بمصدِّقى (٤) أحدٌ من الناس بما أقولُ، والله لقد علمتُ، لقد فَرَرنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين (٥) دخل مدينة أُفسوس، ولكن لا أدرى، أمدينةُ أُفسوس هذه أم لا؟

فانطلقا معى إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أُريكم أصحابى.

فلما سمع أريوسُ ما يقول يمليخا، قال: يا قوم، لعلَّ هذه آيةٌ من آياتِ اللَّهِ جعلها الله (٦) لكم على يدى هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرنا أصحابه كما قال.

فانطلق معه أريوس وأسطيوسُ، وانطلق معهم أهلُ المدينة كبيرُهم وصغيرُهم، نحو أصحاب الكهف لينظُروا إليهم.

ولما رأى الفتية أصحابُ الكهف يمليخا قد احتبس عنهم (١) بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتى فيه (٢)، ظنُّوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنُّون ذلك ويتخوَّفونه، إذ سمِعوا الأصوات وجَلْبَةَ الخيلِ مُصعِدَةً نحوَهم، فظنُّوا أَنَّهم رُسُلُ الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصى بعضُهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنَّه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظرُ متى نأتيه.

فبينما هم يقولون ذلك، وهم جُلوسٌ بين ظهرَى الكهف (٣)، فلم يَرَوْا إِلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وقد سبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكى، فلما رَأَوْه يَبكى بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقصَّ عليهم النبأ كلَّه، فعرَفوا عند ذلك أنَّهم كانوا نيامًا بأمرِ اللَّهِ ذلك الزمانَ كلَّه، وإنما أُوقِظُوا ليكونوا آيةً للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نُحاس مختومًا بخاتمٍ من فضةٍ، فقام بباب الكهفِ، ثم دعا رجالًا من عُظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاصٍ، مكتوبٌ (٤) فىهما كتابٌ، فقرأهما فوجد فىهما: إن مَكْسَلْمِينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس، ويطبيونس (١) قالوس (٢)، كانوا ثمانيةً (٣) هوبوا من ملكهم دقينوس الجبار؛ مخافة أن يَفْتِنَهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخْبِر بمكانهم أمر بالكهف فسُدَّ عليهم بالحجارة، وإنَّا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم؛ ليعلمه من بعدهم إن عثَر عليهم.

فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آيةً للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوَجَدوهم جُلُوسًا بين ظَهْرَيه، مُشرِقةً وُجوهُهم، لم تَبْلَ ثيابُهم، فخرَّ أريوسُ وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آيةً من آياته، ثم كلَّم بعضُهم بعضًا، وأنبأهم الفتيةُ عن الذي (٤) لقُوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس أن عَجِّلْ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آية من آياتِ اللَّهِ، جَعَلها الله على ملكك، وجعلها آيةً للعالمين؛ لتكونَ (٥) لهم نورًا وضياءً، وتصديقًا بالبعث، فاعجَلْ على فتية بعَثَهم الله، وقد كان توفاهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ.

فلما أتى الملك تيذوسيس الخبرُ، قام من المُسَنَّدَةِ (٦) التي كان عليها، ورجع إليه رأيُه وعقلُه، وذهب عنه همُّه، ورجع إلى الله ﷿، فقال: [أَحْمَدُك الله] (٧) ربَّ السماوات والأرض، أعبدك وأحمدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ عليَّ، ورحمتنى برحمتك، فلم تُطْفِئ النور الذي كنت جعلته لآبائى، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك.

فلما نُبِّئ (١) به أهلُ المدينةِ ركبوا إليه، وسارُوا معه حتى أَتَوْا مدينةً أُفْسُوسَ، فتلقَّاهم أهل المدينة، وسارُوا معه حتى أصعدوا (٢) نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخرُّوا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيسُ قُدَّامَهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جُلوس بين يديه على الأرضِ يُسبحون الله ويَحمَدونه، ويقولُ (٣): والله ما أشبه بكم إلا الحواريون (٤) حين رأوُا المسيح.

وقال: فرَّج الله عنكم، كأنَّكم الذين تُدْعَون فتُحْشَرُون مِن القُبورِ.

فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نُودِّعُك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك مُلكَك بالسلام، ونُعيذُك باللَّهِ مِن شر الجنِّ والإنس، فآمن (٥) بعيشٍ مِن [خُلد وشيكٍ] (٦)، إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا (٧) كرامةً إن أُكرم بها، ولا هوانًا إن أُهين به.

فبينما الملكُ قائمٌ، إذ رجعوا إلى مضاجِعِهم فنامُوا، وتوفَّى اللَّهُ أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه (٨) عليهم، وأمر أن يُجْعَلَ لكلِّ رجلٍ (٩) منهم تابوتٌ من ذهبٍ، فلما أَمْسَوْا ونام، أتوه في المنام فقالوا: إنا لم نُخْلَقْ مِن ذهبٍ ولا فِضةٍ، ولكنَّا خُلِقْنا من ترابٍ وإلى التراب نصيرُ، فاترُكنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه.

فأمر الملك حينئذٍ بتابوتٍ من ساجٍ (١٠) فجعلوهم فيه، وحجَبَهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يَقْدِرُ أحدٌ منهم (١) على أن يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ.

فهذا حديثُ أصحاب الكهف (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ، عن عبد العزيز بن أبى رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: بعثهم اللَّهُ - يعنى الفتية أصحاب الكهف - وقد سُلِّط عليهم ملكٌ مسلمٌ - يعنى على أهل مدينتهم - وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟

قالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

قال: فردُّوا علم ذلك إلى الله، قالُوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.

وإذا معهم وَرِقٌ من ضرب الملك الذي كانوا في ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.

أي بطعامٍ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.

فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكِّرةً، حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناسُ لا يَعْرِفُ منهم أحدًا (٣) ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب طعام، فسامه بطعامه، فقال صاحبُ الطعامِ: هاتِ وَرِقَك.

فأخرج إليه الوَرِقَ، فقال: من أين لك هذه (٤) الوَرِقُ؟

قال: هذه وَرِقُنا ووَرِقُ أهل بلادنا.

فقال: هيهات، هذه الوَرِقُ مِن ضَرْبِ فلان بن فلانٍ، منذُ ثلاثمائة سنةٍ (٥) وتسع سنين، أنت أصبْتَ كنزًا، ولستُ بتاركك حتى أرْفعَك إلى الملكِ.

[فرفعه إلى الملكِ] (٦)، وإذا الملكُ مسلمٌ وأصحابُه مُسلمون، ففرح واستبْشَر، وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناء آبائنا (١).

وقال المسلمون: نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا.

فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعُونى حتى أدْخُلَ على أصحابى فأبُشِّرَهم (٢)، فإنَّهم إن رَأوْكم معى أرْعَبْتُموهم.

فدخل فبشرهم، وقبض الله أرواحهم.

قال: وعمَّى اللَّهُ عليهم مكانَهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نَبنى عليهم بُنْيانًا، فإِنَّهم أبناءُ آبائنا، ونعبُدُ الله فيه (٣).

وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا تُصلِّى فيه، ونعبد الله فيه.

وأولَى الأقوال في ذلك بالصواب عندى قولُ من قال: إِنَّ الله تعالى بعثهم من رَقْدتهم ليتساءَلُوا بينَهم، كما بيَّنَّا قبلُ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ ذكره كذلك أخبر عباده في كتابه، وإنَّ الله أعثَر عليهم القومَ الذين أعثَرهم عليهم؛ ليتحقَّقَ عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعدَ طُولِ مُدَّتِها [بهيئتهم يومَ رقدوا، ولم يَشِيبُوا على مرِّ الأيام والليالى عليهم، ولم يَهْرَموا على كرِّ الدُّهور] (٤) والأزمانِ فيهم - قدرتُه على بَعْثِ مَن أماته في الدنيا مِن قبره إلى موقف القيامة يوم القيامةِ؛ لأنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١].

واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة وبعضُ العراقيين: ﴿بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾.

بفتح الواو وكسر الراء والقافِ (١).

وقرأ عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة: (بوَرْقِكم).

بسُكون الراء وكسر القاف (٢).

وقرأه بعضُ المكِّيين بكسر الراء وإدغام القافِ في الكافِ (٣).

وكلُّ هذه القراءاتِ متَّفقاتُ المعانى وإن اختلفت الألفاظُ منها، وهنَّ لغاتٌ معروفاتٌ من كلام العرب، غير أنَّ الأصل في ذلك فتح الواو وكسرُ الراء والقافِ؛ لأنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيف.

وفىه أيضًا لُغَةٌ أُخرى وهو "الوِرْقُ"، كما يقالُ للكَبِدِ: كِبْدٌ.

فإذ كان ذلك هو الأصل، فالقراءةُ به إليَّ أعجبُ، من غير أن تكونَ الأُخريان مدفوعةً صحَّتُهما.

وقد ذَكَرْنا الرواية بأن الذي بُعث معه بالوَرِقِ إلى المدينةِ كان اسمُه يَمْلِيخا.

وقد حدَّثني عبيد الله بن محمدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتلٍ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾: اسمُه يَمليخ (٤).

وأما قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.

فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: فلْيَنْظُرْ أي أهل المدينة أكثرُ طعامًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن عكرمة: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال: أكثر (١).

وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمة مثلَه، إلَّا أنه قال: أَيُّهُ أكْثَرُ (٢).

وقال آخرون: بل معناه: أيُّها أحلَّ طعامًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.

قال: أحلُّ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله (٤).

وقال آخرون: بل معناه: أيها خيرٌ طعامًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾.

قال: خيرٌ طعامًا (٤).

وأولَى الأقوال عندى في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحلُّ وأطهَرُ.

وذلك أنَّه لا معنَى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان أكثرُهم طعامًا كان خليقًا أن يكونَ الأفضلُ منه عندَه (١) أوجدَ، وإذا شُرِط على المأمورِ الشراءُ من صاحبِ الأفضلِ، فقد أُمر بشراءِ الجيدِ، كان ما عندَ المشترَى ذلك منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا.

وإنَّما وجَّه من وجَّه تأويلَ ﴿أَزْكَى﴾ إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ.

إذا كثرُ.

وكما قال الشاعرُ (٢): قَبائلُنا سَبْعٌ وأنتم ثَلاثَةٌ … ولَلسَّبْعُ أَزكَى مِن ثلاثٍ وأطيبُ بمعنى: أكثرُ.

وذلك وإن كان كذلك، فإنَّ الحلالَ الجيِّدَ، وإن قلَّ، أكثرُ من الحرامِ الخبيثِ وإن كثُر.

وقيل: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾.

فأُضِيف إلى كنايةِ المدينةِ، والمرادُ بها أهلُها؛ لأنَّ تأويلَ الكلام: فلْيَنْظُرْ أيُّ أهلِها أزكَى طعامًا.

لمعرفةِ السامع بالمرادِ مِن الكلام.

وقد يَحْتَمِلُ أن يكونوا عَنَوا بقولِهم: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾: أَيُّها أحلُّ؛ من أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم.

وقولُه: ﴿فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ﴾.

يقولُ: فَلْيَأْتِكم بقوتٍ منه تَقْتاتُونه، وطعامٍ تأْكُلونه.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عُميرٍ: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.

قال بطعامٍ.

وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾.

يقولُ: وليترفقْ في شرائه ما يَشْتَرِى، وفي طريقِه ودخولِه المدينةَ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.

يقولُ: ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا من الناسِ.

وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾.

يَعنُون بذلك دقينوسَ وأصحابَه.

قالوا: إنَّ دقينوسَ وأصحابَه إن يَظْهَروا عليكم فيَعْلَموا مكانَكم، يَرْجُموكم شتمًا بالقولِ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾.

قال: يَشْتُموكم بالقولِ، يُؤْذُوكم (١).

وقولُه: ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾.

يقولُ: أو يردُّوكم في دينِهم، فتصِيروا كفارًا بعبادةِ الأوثانِ، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.

يقولُ: ولن تُدْرِكوا (٢) الفلاحَ، وهو البقاءُ الدائمُ والخلودُ في الجنانِ، ﴿إِذًا﴾.

أي: إن أنتم عُدْتم في ملتِهم، ﴿أَبَدًا﴾: أيامَ حياتِكم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكما بَعَثْناهم بعد طولِ رَقْدَتِهم كهيئتِهم ساعةَ رقَدوا، ليتساءَلوا بينَهم فيزْدادوا بعظيمِ سلطانِ الله بصيرةً، وبحُسنِ دِفاعِ اللَّهِ عن أوليائِه معرفةً، ﴿كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: كذلك أطلَعْنا عليهم الفريقَ الآخرَ الذين كانوا في شكٍّ من (٣) قُدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتَى، وفي مِرْيَةٍ مِن إنشاءِ أجسامِ خلقِه كهيئتِهم يومَ قبَضهم (١) بعد البِلَى، فيَعْلَموا أنَّ وَعْدَ اللَّهِ [خلقَه أنَّه باعثُهم من قبورِهم بعد بَلائِهم، ومحييهم بعد فنائِهم، [كما بدَأهم] (٢) أولَ مرةٍ] (٣) حقٌّ، ويُوقِنوا أنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: أَطْلَعْنا عليهم؛ ليعلَمَ من كذَّب بهذا الحديثِ أَنَّ وعدَ اللَّهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ (٤) لا ريبَ فيها.

وقولُه: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾.

يعنى الذين أُعْثِروا على الفتيِة.

يقولُ تعالى: وكذلك أعْثَرْنا هؤلاء المختلِفين في قيامِ الساعةِ وإحياءِ اللَّهِ الموتَى بعدَ مماتِهم من قومِ تيذوسيسَ، حينَ يَتنازَعُون بينهم أمرَهم فيما الله فاعلٌ بمن أفْناه من عبادِه فأبْلاه في قبرِه بعدَ مماتِه، أمُنْشِئُهم (٥) هو أم غيرُ مُنْشِئِهم.

وقولُه: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾.

يقولُ: فقال الذين أعْثَرْناهم على أصحابِ الكهفِ: ابْنُوا عليهم بُنيانًا، ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾.

يقولُ: رَبُّ الفتيةِ أعلمُ بالفتيةِ وشأنِهم.

وقولُه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾.

يقولُ جلّ ثناؤُه: قال القومُ الذين غلَبوا على أمرٍ أصحابِ الكهفِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.

وقد اخْتُلِف [في قائلى هذه المقالةِ] (١)، أهم الرهطُ المسلمون، أم هم الكفارُ (٢)؟

وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك فيما مضَى (٣)، وسنذكُرُ إن شاء الله ما لم يَمْضِ منه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.

قال: يعنى عدوَّهم.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي روَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدِ بن عميرٍ، قال: عمَّى الله على الذين أعْثَرهم (٤) على أصحابِ الكهفِ مكانَهم فلم يَهْتَدوا، فقال المشركون: نَبْنى عليهم بُنيانًا، فإنَّهم أبناءُ آبائِنا، ونعبُدُ اللَّهَ فيها.

وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبْنى عليهم مسجِدًا نُصلِّى فيه، ونَعْبُدُ الله فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: سيقولُ بعضُ الخائِضِين في أمرِ الفتْيةِ مِن أصحابِ الكهفِ: هم ثلاثةٌ رابعُهم كلبُهم.

ويقولُ بعضُهم: هم خمسةٌ سادسُهم كلبُهم.

﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.

يقولُ: قذفًا بالظنَّ غيرَ يقينِ علمٍ.

كما قال الشاعرُ (١): *وأجْعَلَ منى الحقَّ غيبًا مُرجَّمَا* وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.

أي: قذفًا بالغيب.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.

قال: قذفًا بالظنِّ (٢).

وقولُه: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.

يقولُ: ويقولُ بعضُهم: هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم.

﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لقائلي هذه الأقوالِ في عددِ الفتيةِ منِ أصحابِ الكهفِ رجمًا منهم بالغيبِ: ربِّي أَعْلَمُ بعِدَّتهم، ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ﴾.

يقولُ: ما يعلمُ عددَهم ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ مِن خلقِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.

يقولُ: قليلٌ من الناسِ.

وقال آخرون (١): عنَى بالقليلِ أهلَ الكتابِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.

قال: يعنى أهلَ الكتابِ.

وكان ابن عباسٍ يقولُ: أنا ممَّن استَثْناه الله.

ويقولُ: عدَّتُهم سبعةٌ (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: أنا مِن القليلِ، كانوا سبعةً (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ: أنا مِن أولئك القليلِ الذين استَثْنى الله، كانوا سبعةً وثامنُهم كلبُهم (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: عدَّتُهم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم، وأنا ممن استْثنى الله.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.

قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: أنا مِن القليلِ، هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم (١).

وقولُه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تُمَارِ﴾ يا محمدُ.

يقول: لا تُجادِل أهلَ الكتابِ، ﴿فِيهِمْ﴾.

يعنى: في عدَّةِ أهلِ الكهفِ.

وحُذِفت "العِدَّةُ"، اكتفاءً بذكرِ"هُمْ" (٢) منها (٣) لمعرفةِ السامِعين بالمرادِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾.

قال: لا تُمارِ في عدَّتِهم.

وقولُه: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنَى المِراءِ الظاهرِ الذي استثْناه الله ورخَّص فيه لنبيِّه ﷺ؛ فقال بعضُهم: هو ما قصَّ الله عليه (٤) في كتابِه، أُبيح له أن يَتْلُوَه عليهم، ولا يُماريَهم بغيرِ ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

يقولُ: حسبُك ما قَصَصْتُ عليك فلا تُمارِ فيهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

قال: يقولُ: إلا بما قد أظْهَرْنا لك من أمرهم (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

أي: حسبُك ما قَصَصْنا عليك من شأنِهم.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾.

قال: حسبُك ما قَصَصْنا عليك مِن شأنِهم (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

يقولُ: حسبُك ما قَصَصْنا عليك (٤).

وقال آخرون: المراءُ الظاهرُ هو أن يقولَ: ليس كما تقولون.

ونحوَ هذا (٥) مِن القولِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.

قال: أن يقولَ لهم: ليس كما تقولون، ليس تَعْلَمون عدَّتَهم، إن قالوا: كذا وكذا.

فقل (١): ليس كذلك.

فإنَّهم لا يَعْلَمون عدَّتَهم.

وقرَأ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ (٢).

وقولُه: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْتَفْتِ في عِدَّةِ (٣) الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ، ﴿مِنْهُمْ﴾.

يعنى: من أهلِ الكتابِ، ﴿أَحَدًا﴾؛ لأنَّهم لا يَعْلَمون عدتَهم (٤)، وإنَّما يقولون فيهم رجمًا بالغيبِ، لا يقينًا من القولِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ﴾.

قال: هم أهلُ الكتابِ (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: من يهودَ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: من يهودَ.

قال: ولا تسألْ يهودَ عن أمرِ أصحابِ الكهفِ إلا ما قد أخبَرْتُك من أمرِهم.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: مِن أهلِ الكتابِ، كنا نُحدَّث، أنهم كانوا بنى الركنا - والركنا ملوكُ الرومِ - رزَقهم الله الإسلامَ، فتفرَّدُوا بدينِهم (٢)، واعتزَلوا قومَهم حتى انتهَوْا إلى الكهفِ، فضرَب الله على أصمِخَتِهم (٣)، فلبِثوا دهرًا طويلًا حتى هلَكت أمَّتُهم وجاءت أمَّةٌ مسلمةٌ بعدَهم، وكان ملِكُهم مسلمًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ (٤) رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ وهذا تأديبٌ مِن الله عزَّ ذكرُه نبيَّه (٥) ﷺ، عهِد إليه ألا يَجْزِمَ على ما يَحْدُثُ من الأُمورٍ أنه كائنٌ لا محالةَ، إلا أن يَصِلَه بمشيئةِ الله؛ لأنَّه لا يكونُ شيءٌ إلا بمشيئتِه.

وإنما قيل ذلك له، فيما بلَغنا، من أجلِ أنَّه وعَد سائليه عن المسائلِ الثلاثِ اللَّوَاتي قد ذَكَرناها فيما مضَى، اللواتى إحداهن المسألةُ (١) عن أمرِ الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ، أن يُجيبَهم (٢) عنهنَّ غدَ يومِهم، ولم يَسْتَثْنِ، فاحْتَبَس الوحيُ عنه، فيما قيل (٣)، من أجلِ ذلك خمسَ عشْرةَ (٤)، حتى حزَنه إبطاؤُه، ثم أنزَل الله عليه (٥) الجوابَ عنهنَّ، وعرَّف نبيَّه سببَ احتباسِ عنه، وعلَّمه ما الذي يَنْبَغى له (٦) أن يَسْتَعْمِلَ في عِدَاتِه وخبره عما يَحْدُثُ من الأُمورِ التي لم يأتِه مِن اللَّهِ بها (٧) تنزيلٌ، فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾ يا محمدُ لشيءٍ: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾.

كما قلتَ لهؤلاء الذين سألُوك عن أمرِ أصحابِ الكهفِ، والمسائلِ التي سألُوك عنها: سأُخْبرُكم عنها غدًا.

﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

ومعنى الكلام: إلَّا أن تقولَ معه: إن شاء الله.

فترَك ذكرَ "تقولُ" اكتفاءً بما ذكَر منه، إذا كان في الكلامِ دلالةٌ عليه.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (٨): جائزٌ أن يكونَ معنَى قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ اللَّهُ﴾.

استثناء من القول لا من الفعل.

كأن معناه عنده: لا تقولَنَّ قولا إلَّا أن يشاء الله ذلك القول.

وهذا وجهٌ بعيدٌ من المفهوم بالظاهر من التنزيل، مع خلافه تأويل أهل التأويل.

وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

اختلف أهل التأويل في معناه؛ فقال بعضُهم: واسْتَثن في يمينك إذا ذكَرْتَ أنك نسيت ذلك في حال اليمين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن هارون الحربيُّ، قال: ثنا نُعيم بن حمادٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في الرجل يَحْلِفُ، قال: له أن يَسْتثنى ولو إلى سنةٍ.

وكان يقولُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ في ذلك.

قيل للأعمش: سمعته من مجاهدٍ؟

فقال: حدَّثني به ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ (١)، تُرَى (٢) ذَهَب كِسائى هذا (٣)؟!

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

[يقولُ: إِذا نَسِيتَ] (٤) الاستثناء ثم ذكرت فاستثنِ (١).

حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

قال: بلغنى أن الحسن قال: إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله.

فليقل: إن شاء الله (٢).

وقال آخرون: بل (٣) معناه: واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا غَضِبْتَ (٤).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حكّامُ بنُ سَلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن عكرمة في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

قال: اذكرْ رَبَّك إذا غضبْتَ (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن عكرمة مثله.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: واذكر ربَّك إذا ترَكْتَ ذكره؛ لأنَّ أحد معاني النسيان في كلام العرب التركُ.

وقد بينّا ذلك فيما مضى قبلُ (٦).

فإن قال قائلٌ: أفجائزٌ للرجل أن يستثنى في يمينه إذا كان معنى الكلام ما ذكرت بعدَ مدَّةٍ من حال حلفه (١)؟

قيل: بل الصوابُ أن يستثنى ولو بعدَ حِنْثِه في يمينه، فيقول: إن شاء الله.

ليَخْرُجَ بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسْقُط عنه الحَرَج بتركه ما أَمَرَه بقيله من ذلك.

فأمَّا الكفارةُ، فلا تَسْقُط عنه بحالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه موصولًا بيمينه.

فإن قال: فما وجهُ قول من قال: له ثُنْياه ولو بعد سنةٍ.

ومن قال: له ذلك ولو بعد شهرٍ.

وقول من قال: ما دام في مجلسه؟

قيل: إنَّ معناهم في ذلك نحو معنانا في أنَّ ذلك له ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله: إن شاء الله.

بعد حينٍ من حالِ حلفه، يَسْقُطُ عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازمًا، فأما الكفارة فله (٢) لازمةٌ بالجنثِ بكلِّ حالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه كان موصولًا بالحلف، وذلك أنّا لا نَعْلَمُ قائلًا قال ممن قال: له الثُّنْيا بعد حين.

يَزْعُمُ أَنَّ ذلك يضَعُ عنه الكفارة إذا حنث، ففى ذلك أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأنَّ معنى القوم (٣) فيه كان نحو معنانا فيه.

وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ (٤) رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.

يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه ﷺ: وقُلْ: لعلَّ اللَّه أن يهدِيَنى فيُسدِّدَنى لأَسَدَّ مما وعَدْتُكم وأخبَرْتُكم أنه سيكون، إن هو شاء.

وقد قيل: إنَّ ذلك مما أمر النبيُّ ﷺ أن يقوله إذا نسى الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمرٍ مستقبل مع قوله: إن شاء الله.

إذا ذكر.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن محمدٍ (١) - رجلٌ مِن أهل الكوفة كان يفسِّرُ القرآنَ، وكان يَجْلِسُ إليه يحيى بنُ عَبَّادٍ - قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ (٢) رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.

قال: فقال: وإذا نسى الإنسانُ أن يقول: إن شاء الله.

قال: فتوبتُه من ذلك - أو: كفَّارة ذلك - أن يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (٣).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.

اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾؛ فقال بعضهم: ذلك خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن أهل الكتاب أنَّهم يقولون ذلك كذلك.

واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.

وقالوا: لو كان ذلك خبرًا مِن الله عن قدرِ لُبثِهم في الكهف، لم يكن لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلَغَ لُبثِهم فيه وقَدْرَه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: هذا قولُ أهل الكتاب، فردَّه الله عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾.

قال: في حرف ابن مسعودٍ: (وقالُوا ولبثُوا).

يعنى أنه قاله الناسُ.

ألا ترى أنه قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (٢)؟

حدثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شوذبٍ، عن مطرٍ الورّاق في قول الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾.

قال: إنما هو شيءٌ قالته اليهودُ، فردَّه الله عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (٣).

وقال آخرون: بل ذلك خبرٌ من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.

قال: عددُ ما لبثوا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، وزاد فيه: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيد بن عُميرٍ، قال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.

قال: وتسعَ سنين.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق بنحوه.

حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنى الأجلَحُ، عن الضحاك بن مزاحمٍ، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾.

فقالوا (٢): أيامًا أو أشهرًا أو سنين؟

فأنزل الله ﷿: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾.

قال: بين جبلين (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزَّ ذكرُه: ولبث أصحابُ الكهف في كهفهم رُقودًا إلى أن بعثهم الله ليتسَاءَلُوا بينهم، وإلى أنْ أعْثَر عليهم من أعْثَر، ثلاثمائة سنين (١) وتسع سنين، وذلك أنَّ الله بذلك أخبر في كتابه.

وأما الذي ذكر عن ابن مسعودٍ أنه قرأه: (وقَالُوا ولبثوا في كَهْفِهِم).

وقولُ من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد رَدَّ اللهُ ذلك عليهم.

فإنَّ معناهم (٢) في ذلك، إن إِنَّ شاء الله، كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذُكر، على عهد رسول الله ﷺ: إنَّ للفتية مِن لَدُنْ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائةٍ سنين وتسع سنين.

فردَّ اللهُ ذلك عليهم، وأخبر نبيَّه أنَّ ذلك قدر لُبثهم في الكهف من لَدُنْ أوَوْا إليه (٣) إلى أن بعثهم ليتساءلوا بينهم.

ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ: قل يا محمدُ: الله أعلمُ بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقْدَتِهم إلى يومهم هذا، لا يعلمُ ذلك (٤) غيرُ الله، وغيرُ مَن أعلمه الله ذلك.

فإن قال قائلٌ: وما يدلُّ على أن ذلك كذلك؟

قيل: الدالُّ على ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه ابتدأ الخبر عن قدر لُبثِهم في كهفهم ابتداءً، فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.

ولم يَضَعْ دليلًا على أنَّ ذلك خبرٌ منه عن قول (٥) قوم قالوه، وغيرُ جائزٍ أن يُضاف خبرُه عن شيءٍ إلى أنه خبرٌ عن (٦) غيره بغيرِ بُرهان؛ لأنَّ ذلك لو جاز [في شيء] (٧)، جاز في كلِّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره، جاز في أخبار غيره أن يُضاف إليه أنَّها أخْبارُه، وذلك قلبُ أعيانِ الحقائق وما لا يُخيَّلُ فسادُه.

فإن ظنَّ ظانٌّ أن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.

دليلٌ على أنَّ قولَه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾.

خبرٌ منه عن قوم قالوه، فإنَّ ذلك كان يجبُ أن يكونَ كذلك لو كان لا يَحْتَمِلُ مِن التأويل غيره، فأمَّا وهو محتملٌ ما قلنا من أن يكونَ معناه: قل الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة.

وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾.

خبرٌ من الله عن قومٍ قالوه، وإذا لم يكن دليلًا على ذلك، ولم يأتِ خبرٌ بأنَّ قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾.

خبرٌ من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجةٌ يجبُ التسليم لها - صحَّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.

واختلفتِ القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾.

بتنوينِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾.

بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائةٍ (١).

وقرأته عامةُ قرأة أهل الكوفة: (ثَلاثَمائِةِ سِنِينَ).

بإضافة (ثلاثمائة) إلى "السنين"، [غير منوَّنٍ] (٢).

وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (٣) قراءةُ مَن قرأه: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾.

بالتنوين، ﴿سِنِينَ﴾.

وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى (٤) ثلاثُمائة درهمٍ، وعندى مائةُ دينارٍ.

لأن المائة والألف عددٌ كثيرٌ، والعربُ لا تفسِّر ذلك إلَّا بما كان بمعناه في كثرة العددِ، والواحدُ يُؤدِّى عن الجنسِ، وليس ذلك للقليل (١) من العددِ، وإن كانت العربُ ربَّما وضعت الجمع القليل موضعَ الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجميع (٢)، فإنَّها تنوِّنُ، فتقولُ: عندى ألفٌ دراهم، وعندى مائةٌ دنانير.

على ما قد وصفتُ.

وقوله: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ علمُ غيبِ السماوات والأرض [وملكه] (٣)، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ.

يقولُ: فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتيةُ في الكهف إلى يومكم هذا، فإنَّ ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.

وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.

يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ.

وذلك بمعنى المبالغة في المدحِ، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه.

وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكلِّ موجودٍ، وأسمعه لكلِّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصرُ من الله، ولا أسمعُ، ﵎ (٤).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.

قال: يرى أعمالهم، ويسمعُ ذلك منهم، سميعًا بصيرًا (١).

وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾.

يقولُ جلّ ثناؤه: ما لخلقه دونَ ربَّهم الذي خلقهم وليٌّ يلى أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.

يقولُ: ولا يَجْعَلُ اللَّهُ في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه، شريكًا، بل هو المنفرد (٢) بالحكم والقضاء فىهم، وبتدبيرهم وتصريفهم فىما شاء وأحبَّ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾.

يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: واتَّبع يا محمدُ ما أُنزل إليك من كتاب ربِّك هذا، ولا تترُكَنَّ تلاوته واتِّباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكونَ من الهالكين، وذلك أنَّ مصير مَن خالفه، وترك اتَّباعَه يومَ القيامة إلى جهنم، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.

يقولُ: لا مغيِّر لما أوعد بكلماته التي أنزَلها عليك، أهلَ معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.

وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.

يقولُ: وإن أنت يا محمدُ لم تَتْلُ ما أُوحى إليك من كتاب ربِّك فتتبعه وتأتمَّ به، فنالك وعيدُ (٣) الله الذي أوعد فيه المخالفين حُدوده، لن تجد من دونِ اللهِ موئلًا تَئِلُ إليه، ومَعدِلًا تعدلُ عنه إليه؛ لأنَّ قدرة الله محيطةٌ بك وبجميع خلقه، لا يقدِرُ أحدٌ منهم على الهرب من أمرٍ أراده به.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾.

قال أهلُ التأويل وإن اختلفت ألفاظُهم في البيان عنه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾.

قال: مَلْجَأً.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾.

قال: ملجأً (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.

قال: [ملجأ ولا] (٢) موئلًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾.

قال: ملجأً (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.

قال: لا يجدون ملتحدًا يَلْتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأً ولا أحدًا يمنعُهم.

و"الملتحدُ" إنما هو "المفتعلُ" من "اللحدِ"، يقالُ منه: لحَدْتُ إلى كذا.

إذا ملت إليه.

ومنه قيل للَّحد: لحدٌ، لأنَّه في ناحيةٍ من القبر، وليس بالشَّقِّ الذي في وسطه، ومنه الإلحادُ في الدين، وهو المعاندةُ بالعُدول عنه والتَّرْكِ له.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿نَفْسَكَ مَعَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة؛ من الصلوات المفروضة وغيرها، ﴿يُرِيدُونَ﴾ بفعلهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ لا يُريدون به (١) عرضًا من عرض الدنيا.

وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.

في سورة "الأنعام"، والصواب من القول في ذلك عندنا، [فأغنى ذلك] (٢) عن إعادته في هذا الموضع (٣).

والقرأةُ على قراءة ذلك: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.

وقد ذُكر عن عبدِ اللَّهِ بن عامرٍ وأبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنَّهما كانا يقرأانِه: (بالغُدْوةِ والعشيِّ) (١).

وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهةٌ؛ لأن "غُدْوةً" مَعْرِفةٌ، ولا ألفَ ولا لامَ فىها، وإنما يُعرفُ بالألف واللام ما لم يكن معرفةً، فأما المعارفُ فلا تُعرَّفُ بهما.

وبعدُ، فإِنَّ "غُدْوَةً" لا تُضافُ إلى شيءٍ، وامتناعُها من الإضافة دليلٌ واضحٌ على امتناع الألف واللام من الدُّخول عليها؛ لأنَّ ما دخلته الألفُ واللامُ من الأسماءِ صلحت فيه الإضافةُ، وإنما تقولُ العرب: أتيتُك غَداةَ الجمُعةِ.

ولا تقولُ: أتيتُك غُدوة الجمعة.

والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرأةُ في الأمصار، لا نَسْتجِيزُ غيرَها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية (٢).

وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.

يقولُ جلُّ ثناؤه لنبيِّه ﷺ: ولا تَصْرِفْ عيناك عن هؤلاء الذين أمَرْتُك يا محمد أن تَصْبِرَ نفسك معهم إلى غيرهم من الكفارِ، ولا تُجاوِزْهم إليهم (٣).

وأصلُه من قولهم: عَدَوْتُ ذلك، فأنا أعْدُوه.

إذا جاوزته.

وبنحو الذي قلنا في تأويل (٤) ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.

قال: لا تُجاوِزهم إلى غيرهم (١).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: لا تتعَدَّهم إلى غيرهم.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية.

قال: قال القوم للنبى ﷺ: إِنا نَسْتَحْيِى أَن نُجالس فلانًا وفلانًا وفلانًا فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب.

فنزل القرآنُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تحقرهم، قال: "قد أمرونى بذلك".

قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢).

حدَّثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، عن أبى حازمٍ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيفٍ أنَّ هذه الآيةَ لما نزلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.

فخرج يَلْتَمِسُ، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائرُ الرأس، وجافى (٣) الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمّا رآهم جلس معهم، فقال: "الحمدُ للَّهِ الذي جَعَل لى في (١) أُمَّتِى مَن أَمَرنى أن (٢) أَصْبِرَ نفْسى معه" (٣).

ورُفعت "العينان" بالفعل، وهو: ﴿وَلَا تَعْدُ﴾.

وقولُه: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: لا تَعْدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربَّهم، إلى أشراف المُشركين، تبتغى بمجالستهم الشرَفَ والفخر.

وذلك أنَّ رسول الله ﷺ أتاه، فيما ذُكر، قومٌ من عُظَماء أهل الشركِ - وقال بعضُهم: بل مِن عُظَماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام (٤) - فرأوه جالسًا مع خَبّابٍ وصُهَيْبٍ وبلالٍ، فسألوه أن يُقِيمَهم عنه إذا حضروا.

قالوا: فهم رسول الله ﷺ بذلك (٥)، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].

ثم كان يقومُ إذا أراد القيامَ ويتركُهم قُعودًا، فأنزل الله عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يُريد (٦) بـ ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مجالسته أولئك العُظماء والأشراف.

وقد ذكَرْتُ الرواية بذلك فيما مضى قبلُ في سورةِ "الأنعام" (٧).

حدَّثني الحسين بن عمرٍو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيدٍ الأزْدِيِّ - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خَبَّابٍ، في قصةٍ ذكرها عن النبيِّ ﷺ، ذكر فيها هذا الكلامَ مُدْرجًا في الخبر: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

قال: تجالسُ الأشراف (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أُخْبِرْتُ أنَّ عُيينةَ بن حِصْنٍ قال للنبيِّ ﷺ قبل أن يُسلم: لقد آذانى ريحُ سلمان الفارسيِّ، فاجْعَلْ لنا مجلسًا منك لا يُجامِعوننا فيه، واجْعَلْ لهم مجلسًا لا نُجامِعُهم فيه.

فنزلت الآيةُ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنَّه لما نزلت هذه الآية قال نبيُّ الله ﷺ: "الحمد لله الذي جَعَل في أُمَّتِى مَن أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نفسي معه" (٣).

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

قال: تُريدُ أشراف الدنيا.

حدَّثنا صالحُ بن مسمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بن عبد الملكِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عطاءٍ، عن مسلمةَ بن عبدِ اللَّهِ الجُهنيِّ، عن عمِّه أبى مَشْجَعَةَ بن رِبْعِيٍّ، عن سلمان الفارسيِّ، قال: جاءتِ المؤلَّفَةُ قلوبهم إلى رسولِ الله؛ عيينةُ ابن بدرٍ (٤)، والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنك لو جلسْتَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرْواحَ جِبَابِهم - يَعْنُون سلمان وأبا ذرٍّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبابُ الصُّوفِ، ولم يكن عليهم غيرُها - جلسنا إليك وحادَثناك، وأخَذْنا عنك.

فأنزل الله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.

حتى بلغ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾.

يتهدَّدُهم بالنار، فقام نبيُّ الله ﷺ يلتَمسُهم حتى أصابهم في مؤَخَّرِ المسجدِ يَذْكُرون الله، يلْتَمِسُهم فقال: "الحمد لله الذي لم يُمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجالٍ من أُمَّتى، معكمُ المحيا، ومعكم المماتُ" (١).

وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ولا تُطِعْ يا محمد من شغَلْنا قلبه من الكفار الذين سألُوك طرْدَ الرهط الذين يدْعُون ربَّهم بالغداة والعشيِّ عنك - عن ذكرنا بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتَّبع هواه، وترك اتِّباعَ أمرِ اللهِ ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربِّه.

وهم، فيما ذُكِر، عيينةُ بنُ حِصْنٍ (٢)، والأقرعُ بن حابسٍ وذووهم.

حدَّثني الحسينُ بن عمرو بن محمدٍ العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيد (٣) الأَزْدِيِّ، عن أبي الكَنُودِ، عَن خَبَّابٍ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾.

قال: عُيينةُ والأقرعُ (٤).

وأما قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: وكان أمرُه ضَياعًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

قال ابن عمرٍو في حديثه، قال: ضائعًا.

وقال الحارثُ في حديثه: ضَياعًا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضَياعًا.

وقال آخرون: بل معناه: وكان أمرُه ندمًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بن المحبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن داود: ﴿فُرُطًا﴾.

قال: ندامةً.

وقال آخرون: بل معناه: هلاكًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن أبى سعيد (١) الأزديِّ، عن أبي الكُنُودِ، عن خبَّابٍ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

قال: هلاكًا (٢).

وقال آخرون: بل معناه: خلافًا للحقِّ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

قال: مخالفًا للحقِّ، ذلك الفُرْطُ (٣).

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضَياعًا وهلاكًا.

من قولهم: أفرط فلانٌ في هذا الأمر إفراطًا.

إذا أسرف فيه وتجاوز قدره.

وكذلك قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

معناه: وكان أمرُ هذا الذي أغْفَلْنا قلبه عن ذكرنا في البسارِ (٤) والكبرِ، واحتقار أهل الإيمانِ، سَرَفًا قد تجاوز حدَّه، فضَيَّع بذلك الحقَّ وهلك.

وقد حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، قال: قيل له: كيف قرأ عاصمٌ؟

فقال: ﴿كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

قال أبو كريب: قال أبو بكرٍ: كان عُيينةُ بنُ حصنٍ يفخَرُ، يقولُ: أنا وأنا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقلْ، يا محمدُ لهؤلاء الذين أغْفَلْنا قلوبَهم عن ذكْرِنا واتَّبَعوا أهواءَهم: الحقُّ أيها الناسُ من عندِ ربِّكم، وإليه التوفيقُ والخِذْلانُ، وبيدِه الهدى والضلالُ؛ يهدِى من يشاءُ مِنكم للرَّشادِ فيؤمنُ، ويُضِلُّ مَن يشاءُ عن الهُدَى فيكفرُ، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، ولستُ بطارِدٍ لهواكم مَن كان للحقِّ مُتَّبِعًا، وباللَّهِ وبما أُنزِل عليَّ مؤمنًا، فإن شئتُم فآمِنوا، وإن شئتُم فاكْفُروا، فإنَّكم إن كفَرتُم فقد أعدَّ لكم ربُّكم على كفرِكم به نارًا أحاط بكم سُرَادِقُها، وإن آمنْتُم به وعمِلتُم بطاعتِه، فإنَّ لكم ما وصَف اللَّهُ لأهلِ طاعتِه.

ورُوى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.

يقولُ: من شاء اللَّهُ له الإيمانَ آمَن، ومن شاء اللَّهُ له الكفرَ كفَر.

وهو قولُه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) [التكوير: ٢٩].

وليس هذا بإطلاقٍ من اللَّهِ الكُفرَ لمَن شاء، والإيمانَ لمَن أراد، وإنَّما هو تهديدٌ ووعيدٌ، وقد بيَّن أن ذلك كذلك قولُه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾.

والآياتُ بعدَها.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن عمرَ بن حبيبٍ، عن داودَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾.

قال: وعيدٌ من الله؛ فليس بمُعْجِزى (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].

قال: هذا كلُّه وعيدٌ (٢) ليس مُصانَعةً ولا مُراشاةً ولا تَفْويضًا.

وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾.

يقول عزَّ ذكرُه: إنا أعْدَدنا، وهو من العُدَّةِ، للظَّالِمين؛ الذين كفَروا بربِّهم نارًا (٣).

كما حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾.

قال: للكافرين.

وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.

يقولُ: أحاط سُرادِقُ النارِ التي أعدَّها اللَّهُ للكافرين بربِّهم.

وذلك فيما قيل: حائطٌ من نارٍ يُطِيفُ بهم كسُرادقِ الفُسْطاطِ، وهى الحجرةُ (٤) التي تُطِيفُ بالفُسْطاطِ، كما قال رؤبةُ (٥): يا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودُ سُرادِقُ المجدِ (١) عَلَيْكَ مَمْدُودْ وكما قال سلامةُ بنُ جندلٍ (٢): هُوَ المُولِجُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ … صُدُورُ الفُيُول بعدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ يعني: بيتًا له سُرادقٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.

قال: حائطٌ من نارٍ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عمَّن أخبره، قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.

قال: دُخَانٌ يحيطُ بالكفارِ يومَ القيامةِ، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ (٤) [المرسلات: ٣٠].

وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ في ذلك خبرٌ يدلُّ على أن معنَى قولِه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾: أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السُّرادِقَ هو البحرُ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني الحسينُ بنُ نصرٍ والعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: [ثنا أبو عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ] (٥) [ابن أميةَ، قال] (١): ثنا محمدُ بنُ حُييِّ (٢) بن يَعْلَى، عن صفوانَ بن يَعْلَى، عن يَعْلى بن أميةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "البَحْرُ هو جَهَنَّمُ".

قال: اللَّهِ فقيل له: [كيف ذلك] (٣)؟

فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.

ثم قال: واللَّهِ لا أدْخُلُها أَبَدًا، أو: ما دُمْتُ حَيًّا، ولا تُصِيبُنى مِنها قَطْرَةٌ (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلِّ واحدٍ مِثلُ مَسِيرَةِ أربعينَ سَنةً" (٥).

حدَّثنا يونسُ (٦)، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ، أَنَّه قال: "إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أَربَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلَّ [جدارٍ منها] (٧) مَسِيرَةً أَرْبَعِينَ سَنةً" (٨) (٩).

وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وإن يستغِثْ هؤلاء الظالمون يومَ القيامةِ في النَّارِ من شدَّةِ ما بهم من العطشِ، فيطلُبوا الماءَ، يُغاثوا بماءٍ كالمُهْلِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المُهْلِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ شيءٍ أُذِيب وانْماعَ (١).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أُهدِيَت إليه سِقايةٌ من ذهبٍ وفضةٍ، فأمَر بأخدودٍ فخُدَّ في الأرضِ، ثم قذَف فيه من جَزْلِ حطبٍ (٢)، ثم قذَف فيه تلك السِّقايةَ، حتى إذا أَزْبَدَت وانماعَت قال لغلامِه: ادعُ مِن يحضُرُنا من أهلِ الكوفةِ فدعا رهطًا، فلمَّا دخَلوا عليه قال: أترَوْنَ هذا؟

قالوا: نعم.

قال: ما رأينا في الدنيا شَبِيهًا للمُهْلِ أَدْنَى من هذا الذهبِ والفضةِ، حين أَزْبَدَ وانْماعَ (٣).

وقال آخرون: هو الدمُ والقيحُ الأسودُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ عن القاسمِ بن (١) أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾.

قال: القَيحُ والدَّمُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾.

قال: القَيحُ والدَّمُ الأسودُ، كعَكَر الزيتِ.

قال الحارثُ في حديثه: يعني دُرْدِيَّه (٢) (٣).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾.

قال: يقولُ: أسودُ كهيئةِ الزَّيتِ (٤).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾: ماءُ جهنَّمَ أسودُ، وهي سوداءُ، وشجرُها أسودُ، وأهلُها سودٌ (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عَمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾.

قال: هو ماءٌ غليظٌ مثلُ دُرْدِيِّ الزيتِ (٦).

[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، [قال: أخبرني عمرٌو] (١)، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّه قال: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾.

قال: كعكَرِ الزيتِ، فإذا قرَّبه إليه سقَطتْ فَرُوةُ وجهِه فيه] (٢) (٣).

وقال آخرون: هو الشيءُ الذي قد انتهَى حرُّه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الْمُهلُ هو الذي قد انتهَى حرُّه (٤).

وهذه الأقوالُ وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائلِيها، فمتقارباتُ المعنَى، وذلك أن كلَّ ما أُذيب من رَصَاصٍ أو ذهبٍ أو فِضةٍ فقد انتهَى حرُّه، وأن ما أُوقِدت عليه من ذلك النارُ حتى صار كدُرْدِيِّ الزَّيتِ، فقد انتهَى أيضًا حرُّه.

وقد حُدِّثت عن معمرِ بن المثنى، أنه قال: سمِعتُ المُنتَجِعَ (٥) بنَ نبهانَ يقولُ واللَّهِ لَفلانٌ أبغضُ إليَّ من الطَّلْياءِ والمُهلِ.

قال: فقُلنا له: وما هما؟

فقال: الجَرْباءُ (٦)، والمَلَّةُ (٧) التي تَنْحَدِرُ عن جوانبِ الخُبزةِ إِذا مُلَّت (٨) في النارِ مِنَ النارِ، كأنها سِهْلةٌ (١) حمراءُ مدقَّقةٌ، فهي جَمْرَةٌ (٢).

فالمُهلُ إذًا هو كلُّ مائعٍ قد أُوقِد عليه حتى بلَغَ غايةَ حرَّه، أو لم يكنْ مائعًا، فانْماعَ بالوَقودِ عليه، وبلَغ أقصَى الغايةِ في شدَّةِ الحرِّ.

وقوله: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾.

يقول جلَّ ثناؤُه: يشْوِي ذلك الماءُ الذي يُغاثُون به وجوهَهم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: ثنا بقيَّةُ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ - هكذا قال ابن خلَفٍ - عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦].

قال: "يُقَرَّبُ إليه فيتكرَّهُه، فإذا قَرُب منه شَوَى وجْهَه، ووقَعت فَرْوة رأسِه، فَإِذَا شَرِب قطَّع أمعاءَه، يقولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ " (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطالَقانيُّ ويَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبيدِ (٤) اللَّهِ بن بُسْرٍ (٥)، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عَنْتَرةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عام (١) أهلُ النارِ.

وقال جعفرٌ: إذا جاع (٢) أهلُ النارِ - استغاثُوا بشجرةِ الزقُّومِ، فأكَلوا منها، فاخْتَلَست (٣) جلودَ وُجوهِهم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يَعرِفُ (٤) جُلودَ وُجوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغيثون، فيُغاثُون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتهَى حرُّه، فإذا أدْنَوْهُ مِن أَفْوَاهِهِم انشَوى مِن حرِّه لُحومُ وُجوهِهم التي قد سقَطت عنها الجلودُ (٥).

وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: بئس الشرابُ هذا الماءُ الذي يُغاثُ به هؤلاء الظالمون في جهنَّمَ، الذي صِفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.

وقولُه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وساءتْ هذه النارُ التي أعْتَدْناها لهؤلاء الظالمين مُرْتَفَقًا.

والمُرْتَفَقُ في كلامِ العربِ: المتكأُ، يقالُ منه: ارْتفقُتُ.

إذا اتَّكأْتَ، كما قال الشاعرُ (٦).

قالَتْ له وارْتَفَقَتْ أَلا فَتَى يَسُوقُ بالقومِ غَزَالاتِ الضُّحَى أراد: واتَّكأت على مِرْفقِها.

وقد ارتَفَق الرجلُ.

إذا بات على مِرْفقِه (١) لا يأتيه نومٌ.

وهو مُرْتفِقٌ.

كما قال أبو ذُؤيبٍ الهُذَليُّ (٢): نام الخِلَيُّ وبتُّ الليلَ مرتفقًا … كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصَّابُ (٣) مَذْبُوحُ وأمَّا مِن الرِّفْقِ فإنَّه يقال: قد ارْتَفَقْتُ بك مُرْتَفَقًا.

وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعنى المجتمَعَ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُرْتَفَقًا﴾.

قال: مجتمَعًا (٤).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

قال: مُجتمعًا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

ولستُ أعرِفُ الارتِفاقَ بمعنى الاجتماعِ في كلامِ العربِ، وإنَّما الارتِفاقُ افتِعالٌ، إما مِن المَرفِقِ، وإما مِن الرِّفْقِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين صدَّقُوا الله ورسولَه، وعمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، وانتهَوْا إلى أمرِه ونهيِه، إنا لا نُضِيعُ ثوابَ مَن أحسَنَ عملًا، فأطاع اللَّهَ، واتَّبع أمرَه ونهيَه، بل نُجازيه بطاعتِه وعملِه الحسنِ جناتِ عَدْنٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ.

فإن قال قائلٌ: وأين خَبَرُ ﴿إِنَّ﴾ الأُولَى؟

قيل: جائزٌ أن يكونَ خبرُها قولَه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾.

فيكونَ معنى الكلامِ: إنّا لا نُضِيعُ أجرَ مَن عمِل صالحًا.

فترَك الكلامَ الأوَّلَ، واعتَمَد على الثاني بنيةِ التكريرِ، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].

بمعنى: عن قتالٍ فيه على التكريرِ، وكما قال الشاعرُ (١): إِنَّ الخَليفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه … سربالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ ويُرْوَى: تُرْجَى (٢).

وجائزٌ أن يكونَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

جزاءً، فيكون معنى الكلام: إِنَّ من عمل صالحًا فإنَّا لا نُضِيعُ أجرَه.

فتُضمَّن (٣) الفاء في قوله: ﴿إِنَّا﴾.

وجائزٌ أن يكونَ خبرُها: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.

فيكونَ معنى الكلامِ: إِنَّ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ أولئك لهم جَناتُ عدنٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنُوا وعمِلوا الصالحات جَنّاتُ عدنٍ.

يعني: بساتينُ إقامةٍ في الآخرةِ.

﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾.

يَقولُ: تَجْرِى مِن دونِهم [وبينَ (١) أيديهم الأنهارُ.

وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾.

ومعناه: من دونِهم] (٢) وبينَ أيديهم.

﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾.

يقولُ: يَلْبَسون فيها من الحُليِّ أساوِرَ من ذهبٍ.

والأساوِرُ جمع إسْوارٍ.

وقوله: ﴿يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾.

والسُّندس جمعٌ، واحدُها سُندُسةٌ، وهى ما رَقَّ من الدبياجِ، والإسْتبرَقُ: ما غلُظ منه وثخُن.

وقيل: إنَّ الإستبرَقَ هو الحريرُ.

ومنه قولُ المرَقِّشِ (٣): تراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً … وإستبرقُ الدَّيباج طَوْرًا لباسُها يعني: وغليظُ الدِّيباجِ.

وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾.

يقولُ: مُتَّكئين في جناتِ عدنٍ على الأرائِك.

وهى السُّرُرُ في الحِجالِ (٤)، واحِدَتُها أَرِيكةٌ.

ومنه قولُ الشاعرِ (٥): خُدودًا جَفَتْ (١) في السَّيْرِ حتى كأنَّما … يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ (٢) مَسَّ الأرائِكِ ومنه قولُ الأعشَى (٣): بينَ الرُّوَاقِ وجانبٍ مِن سترِها … منها وبينَ أريكةِ الأنْضَادِ (٤) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾.

قال: هي الحِجالُ (٥).

قال معمرٌ: وقال غيرُه: السُّررُ (٦) في الحِجالِ (٧).

وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾.

يقولُ: نعمَ الثوابُ جناتُ عدنٍ وما وصَف جلّ ثناؤُه أنه جعَل لهؤلاء الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

يقولُ: وحسُنت هذه الأرائكُ في هذه الجنانِ التي وصَف تعالى ذكرُه في هذه الآية مُتَّكَأً.

وقال ﷿: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

فأنَّثَ الفعلَ بمعنَى: وحسُنت هذه الأرائكُ مرتَفَقًا.

ولو ذَكَّر لتذكيرِ المُرتفقِ كان صوابًا، لأن "نِعْمَ" و "بِئسَ" إنما تُدْخِلُهما العربُ [في الكلامِ لتدُلَّا على المدح والذمِّ لا للفعلِ، فلذلك تذكِّرُهما مع المؤنَّثِ] (١)، وتوحِّدُهما مع الاثنَين والجماعةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واضْرِبْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ، الذين سألُوك أن تطرُدَ الذين يدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدون وجهَه، ﴿مَثَلًا﴾ مثلَ رجلينِ جعلنا لأحدهمَا (٢) بستانين (٣) مِن مِن كُرومٍ (٤)، ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾.

يقولُ: وأطَفْنا هذَين البُستانَين بنخلٍ.

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.

يقولُ: وجعَلْنا وسَطَ هذَين البُستانَين زرْعًا.

وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾.

يقولُ: كلا البستانين أطْعَم ثمَرَه وما فيه مِن الغُروسِ من النخلِ والكَرْمِ وصُنوفِ الزَّروعِ.

وقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾.

ثم قال: ﴿آتَتْ﴾.

فوحَّد الخبرَ؛ لأنَّ "كلتا" لا تُفْرَدُ واحدتُها، وأصلُه "كلّ"، وقد تُفْرِدُ العربُ "كلتا" أحيانًا، ويذْهَبون بها وهى مفرَدةٌ إلى التثْنيةِ، قال بعضُ الرُّجّازِ في ذلك (٥): في كِلْتِ (١) رِجْلَيْها سُلامَى (٢) واحِدَه … كلتاهما مَقْرُونةٌ بزَائِدَه يُريدُ بـ "كلت" "كلتا".

وكذلك تفعل بـ "كلتا" و "كِلَا" و "كلّ"؛ إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ وجاء الفعلَ بعدَهن (٣)، يُجْمَعُ ويُوحَّدُ.

وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.

يقولُ: ولم تَنْقُصْ من الأكلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًّا كاملًا، ومنه قولُهم: ظلَم فلانٌ فلانًا حقَّه، إذا بخَسَه ونقَصه.

كما قال الشاعرُ (٤): تظلَّمنى مالى كَذا ولَوَى يدِى … لَوَى يدَه اللَّهُ الذي هو غالِبُه وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.

أي: لم تَنْقُصْ منه شيئًا.

وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وسيَّلْنا خلالَ هذَين البُسْتانَينْ نَهَرًا.

يعنى: بينَهما وبينَ أشجارِهما نَهَرًا.

وقيل: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾.

فثقَّل الجيمَ منه؛ لأنَّ التفجيرَ في النهَرِ كلِّه، وذلك أنَّه يَمتدُّ (١) ماءً فيُسيلُ بعضُه بعضًا.

وقوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.

اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ).

بضمِّ الثاءِ والميمِ (٢).

واختلَف قارِئو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: كان له ذهبٌ وفِضَّةٌ.

وقالوا: ذلك هو الثمُرُ؛ لأنّها أموال مثمَّرةٌ، يعني: مكثَّرَةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: (وكان لَهُ ثُمُرٌ).

قال: ذهبٌ وفِضةٌ.

وفى قولِ اللَّهِ ﷿: (بثُمُرِهِ).

قال: هي أيضًا ذهبٌ وفِضةٌ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (ثُمُرٌ).

قال: ذهبٌ وفضةٌ.

قال: وقوله (وأُحيطَ بثُمُرِه): هي هي أيضًا.

وقال آخرون: بل عَنَى به المالَ الكثيرَ من صُنوفِ الأموالِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن هارونَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: قرَأها ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ)، بالضمِّ، وقال: يعنى أنواعَ المالِ (١).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ) يقولُ: مالٌ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وكان لَهُ ثُمُرٌ).

يقولُ: من كلِّ المالِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وأُحِيطَ بثُمُرِه).

قال: الثُّمُرُ مِن المالِ كلِّه، يعنى الثَّمَرَ وغيرَه من المالِ كلِّه (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الثُّمُرُ المالُ كلُّه.

قال: وكلُّ مالٍ إذا اجتَمَع فهو ثُمُرٌ، إذا كان مِن لونِ الثمرةِ وغيرِها من المالِ كلِّه.

وقال آخرون: بل عنَى به الأصلَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكان لَهُ ثُمُرٌ): الثُّمُرُ الأصلُ.

قال: (وأُحِيطَ بثُمُرِه).

قال: بأصلِه (١).

وكأنَّ الذين وجَّهُوا معناها إلى أنها أنواعٌ من المالِ أرادوا أنها جمعُ "ثمارٍ" جُمِع "ثُمُرًا"، كما يُجْمَعُ الكتاب "كُتُبًا"، والحمارُ "حُمُرًا".

وقد قرَأ بعضُ مَن وافَق هؤلاء في هذه القراءةِ: (ثُمْرٌ) بضمِّ الثاءِ وسكونِ الميمِ (٢)، وهو يُرِيدُ الضمَّ فيها، غيرَ أنه سكَّنها طلب التخفيفِ.

وقد يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بها جمعَ "ثَمَرِةٍ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "حُشْبًا".

وقرأ ذلك بعضُ المدنيّين: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.

بفتحِ الثاءِ والميمِ (٣)، بمعنى جمعِ "الثَّمَرِةِ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "خَشَبًا"، والقَصَبَةُ "قَصَبًا".

وأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ (٤) قراءةُ مَن قرَأ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ).

بضمِّ الثاءِ والميمِ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن ذلك (٥) جمعُ "ثمارٍ"، كما الكُتُبُ جمعُ "كتابٍ".

ومعنى الكلامِ: وفجَّرنا خلالَهما نهَرًا، وكان له منهما ثُمُرٌ - بمعنى من جنَّتيه (٦) - أنواعٌ من الثمارِ.

وقد بَيَّن ذلك لَمَن وُفِّق لفَهمِه - قولُه: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.

ثم قال: وكان له من هذه الكُرُومِ والنخل والزرع ثُمُرٌ.

وقولُه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾.

يقولُ ﷿: فقال هذا الذي جعَلنا له جنَّتين من أعنابٍ، لصاحبِه الذي لا مالَ له وهو يخاطِبُه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.

يقولُ: وأعزُّ عشيرةً ورَهْطًا.

كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فنَحِّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا.

احتقارًا لهم، وتكبُّرًا عليهم (١).

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك واللَّهِ أمنيةُ (٢) الفاجرِ؛ كثرةُ المالِ، وعزَّةُ النفرِ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي جعَلنا له جنتين من أعنابٍ ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، وهى بستانُه، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.

وظلمُه نفسَه كفرُه بالبعثِ، وشكُّه في قيامِ الساعةِ، ونسيانُه المعادَ إلى الله تعالى، فأوجَب لها بذلك سُخْطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه.

وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤه: قال لما عايَنَ جنتَه، ورآها وما فيها من الأشجارِ والثمارِ والزروعِ والأنهارِ المُطَّرِدَةِ، شكًّا في المعادِ إلى اللَّهِ: ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه الجنةُ أبدًا، ولا تفنَى ولا تَخْرَبَ.

وما أظنُّ الساعةَ التي وعَد اللَّهُ خلْقَه الحشرَ فيها تقومُ فتَحدُثُ.

ثم تمنَّى أُمنيةً أخرى على شكٍّ منه، فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ فرجَعتُ إليه - وهو غيرُ موقنٍ أنه راجعٌ إليه: ﴿لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.

يقولُ: لأجِدنَّ خيرًا من جنتى هذه عندَ اللهِ -إن رُدِدتُ إليه- مرجعًا ومردًّا.

يقولُ: لم يُعْطِني هذه الجنةَ في الدنيا إلا ولى عندَه أفضلُ منها في المعادِ إِن رُدِدتُ إليه.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.

قال: شَكَّ.

ثم قال: ﴿وَلَئِنْ﴾ كان ذلك ثم ﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، ما أعطَاني هذه إلا ولى عندَه خيرٌ من ذلك.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: كفورٌ لنعمِ ربِّه، مكذِّبٌ بلقائِه، متمنٍّ على اللهِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال لصاحبِ الجنتين صاحبُه الذي هو أقلُّ منه مالًا وولدًا، ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾.

يقولُ: وهو يخاطِبُه ويكلِّمُه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾.

يعني: خلَق أباك آدمَ من ترابٍ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾.

يقولُ: ثم أنَشأك من نطفةِ الرجلِ والمرأةِ، ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾.

يقولُ: ثم عدَّلك بشرًا سويًّا، رجلًا ذكرًا لا أنثى.

يقولُ: أكفَرتَ بمَن فعَل بك هذا أن يُعِيدَك خلْقًا جديدًا بعدَما تَصِيرُ رُفاتًا .

﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾.

يقولُ: أما أنا فلا أكفُرُ بربي، ولكن أنا: هو اللهُ ربِّي.

معناه أنه يقولُ: ولكن أنا أقولُ: هو الله ربِّى، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.

وفي قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدهما: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ بتشديدِ النونِ وحذفِ الألفِ في حالِ الوصلِ، كما يقالُ: أنا قائمٌ.

فتُحذَفُ الألفُ من "أنا"، وذلك قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ العراقِ (١).

وأما في الوقفِ فإن القرأةَ كلَّها تُثْبِتُ فيها الألفَ؛ لأن النونَ إنما شُدِّدت لاندغامِ النونِ من "لَكِنْ"، وهى ساكنةٌ في النونِ التي من "أنا"، إذ سقَطَت الهمزةُ التى في "أنا"، فإذا وُقِف عليها ظهَرت الألفُ التي في "أنا"، فقيل: لكنَّا؛ لأنه يقالُ في الوقف على "أنا" بإثباتِ الألفِ لا بإسقاطِها، وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ: ﴿لَكِنَّا﴾ بإثباتِ الألفِ في الوصلِ والوقفِ (٢)، وذلك وإن كان مما يُنْطَقُ به في ضرورةِ الشعرِ، كما قال الشاعرُ (٣): أنا سيفُ العشيرةِ فاعْرِفوني … حُمَيدًا قد تَذَرَّيْتُ السَّناما فأثبَتَ الألفَ في "أنا" -فليس ذلك بالفصيحِ من الكلامِ.

والقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا ما ذكَرنا عن العراقيين، وهو حذفُ الألفِ من ﴿لَكِنَّا﴾ في الوصلِ، وإثباتُها في الوقفِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وهلَّا إذ دخَلْتَ بستانَك، فأعجَبك ما رأَيتَ منه، قلتَ: ما شاء اللهُ كان.

وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو جوابُ الجزاءِ، وذلك "كان".

وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى الذى قلنا كانت "ما" نصبًا بوقوعِ فعلِ اللهِ عليه، وهو "شاء"، وجاز طرحُ الجوابِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ معروفٌ، كما قيل: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥].

وترَك الجوابَ، إذ كان مفهومًا معناه، وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: "ما" من قولِه: ﴿مَا شَاءَ اللهُ﴾ في موضعِ رفعٍ بإضمارِ "هو"، كأنه قيل: قلتَ هو ما شاء اللهُ ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

يقولُ: لا قوّةَ على ما نحاوِلُ من طاعتِه إلا به.

وقولُه: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾.

وهو قولُ المؤمِن الذى لا مالَ له ولا عشيرةَ، مثلَ صاحبِ الجنتين وعشيرته، وهو مثلُ سَلْمَانَ وصُهَيبٍ وخَبابٍ.

يقولُ: قال المؤمنُ للكافرِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منكَ مالًا وولدًا.

فإذا جعَلتَ "أنا" عمادًا نصبتَ "أقلَّ"، وبه القراءة عندَنا؛ لأن عليه قراءةُ الأمصارِ، وإذا جعَلتَه اسمًا رَفعتَ "أقلُّ".

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ المؤمنِ الموقنِ للمعادِ إلى اللهِ، للكافرِ المرتابِ في قيامِ الساعةِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منك مالًا وولدًا في الدنيا، فعسَى ربي أن يَرْزُقَنى خيرًا من بستانِك هذا ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾.

يعني: على جنةِ الكافرِ التي قال لها: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ - ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.

يقولُ: عذابًا من السماءِ تُرْمَى به رميًا وتُقْذَفُ، والحُسْبانُ: جمع حُسْبانةٍ.

وهى المَرامي.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: عذابًا.

حدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: عذابًا (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.

قال: عذابًا.

قال: الحُسبانُ: قضاءٌ من اللهِ يَقْضِيه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمّى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: الحُسبانُ: العذابُ (٢).

حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، [قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ] (٣)، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.

قال: عذابًا (٤).

وقولُه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: فتصبحَ جنَّتُك هذه -أيها الرجلُ- أرضًا ملساءَ لا شيءَ فيها، قد ذهَب كلُّ ما فيها من غَرْسٍ ونَبْتٍ، وعادت خرابًا بلاقِعَ ﴿زَلَقًا﴾ لا يثبتُ في أرضِها قدمٌ لامْلِيساسِها (٥)، ودُروسِ ما كان نابتًا فيها.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.

أى: قد حُصِد ما فيها فلم يُترَك فيها شيءٌ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.

قال: مثلَ الجُرُزِ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.

قال: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ و ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨].

واحدٌ، ليس فيها شيءٌ من النباتِ.

وقولُه: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾.

يقولُ: أو يصبحَ ماؤُها غائرًا.

فوضَع الغورَ، وهو مصدرٌ، مكانَ الغائرِ، كما قال الشاعرُ (٣): تَظَلُّ جِيادُهُ نَوْحًا عَلَيهِ … مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونا (٤) بمعنى نائحةً؛ وكما قال الآخرُ (٥): هَرِيقى مِنْ دُموعهما سِجاما (٦) … ضُباعَ (٧) وجَاوِبِي نَوْحًا قِيامَا والعربُ توحِّدُ الغَورَ مع الجمعِ والاثنين، وتذكِّرُ مع المذكرِ والمؤنثِ، تقولُ: ماءٌ غَورٌ، وماءان غَوْرٌ، ومياهٌ غَورٌ.

ويعنى بقوله: ﴿غَوْرًا﴾: ذاهبًا قد غار في الأرضِ فذهَب فلا تلحَقُه الرِّشاءُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾.

أى: ذاهبًا قد غار في الأرضِ.

وقولُه: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾.

يقولُ: فلن تُطيقَ أن تُدرِكَ الماءَ الذي كان في جنَّتِك بعدَ غَوْرِه، بطلبكَ إِيَّاهُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأحاط الهلاكُ والجوائحُ بثمرِه، وهى صنوفُ ثمارِ جنَّتِه التي كان يقولُ لها: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.

فأصبَحَ هذا الكافرُ صاحبُ هاتين الجنَّتَين، يقلِّبُ كفَّيْهِ ظهرًا لبطنٍ، تلَهُّفًا وأسفًا على ذَهَابِ نفقته التي أنفَق في جنَّتِه، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.

يقولُ: وهي خاليةٌ على نباتِها وبيوتِها.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾.

أى: يُصَفِّقُ كفَّيْهِ ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ مُتَلهِّفًا على ما فاته وهو يقولُ: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.

﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾.

يقولُ: يتمَنَّى هذا الكافرُ، بعد ما أُصِيب بجنَّتِه، أنَّه لم يكنْ كان أشرَك بربِّه أحدًا.

يعنى بذلك: هذا الكافرُ إذا هلَك وزالت عنه دنياه وانفرَد بعملِه، ودَّ أنه لم يكنْ كفَر باللهِ ولا أشرَك به شيئًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يكنْ لصاحبِ هاتين الجنَّتَين فِئَةٌ.

وهم الجماعةُ، كما قال العَجَّاجُ (١): كما يَحُورُ الفِئَةَ الكَمِيُّ وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالف بعضُهم في العبارة عنه عبارتَنا، فإن معناهم نظيرُ معنانا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾.

قال: عشِيرةٌ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾.

أي: جندٌ ينصُرونَهُ (٣).

وقولُه: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يقولُ: يمنَعونه من عقابِ اللهِ وعذابِه إذا عاقَبه وعذَّبه.

وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾.

يقولُ: ولم يكن ممتَنِعا من عذابِ الله إذا عذَّبه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾.

أي: ممتَنِعًا (١).

وقولُه: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ثَمَّ، وذلك حينَ حلَّ عذابُ الله بصاحبِ الجَنَّتَينِ في القيامةِ.

واختلَفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿الْوَلَايَةُ﴾؛ فقرَأ بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾، بفتحِ الواوِ من ﴿الْوَلَايَةُ﴾ (٢) يعْنُون بذلك: هُنالِك المُوالاةُ للَّهِ.

كقولِ اللهِ: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].

وكقولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١].

يذهَبون بها إلى الوَلايةِ في الدِّينِ.

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (هُنالك الوِلايَةُ).

بكسرِ الواوِ (٣)، من المُلْكِ والسُّلطانِ، من قولِ القائلِ: وَلِيتُ عملَ كذا، أو بلْدةَ كذا أَلِيه وِلايَةً.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأ بكسرِ الواوِ، وذلك أَنَّ اللهَ عقَّبَ ذلك خبرَه عن مُلكِه وسُلطانِه، وأن مَن أحَلَّ به نِقْمَتَه يومَ القيامةِ فلا ناصرَ له يومئذٍ، فإتْباعُ ذلك الخبرَ عن انفرادِه بالمملكةِ والسلطانِ أولى من الخبرِ عن المُوالاةِ التي لم يجرِ لها ذكرٌ، ولا معْنًى لقولِ من قال: لا يُسمَّى سلطانُ اللهِ ولايةً، وإنما يُسمَّى ذلك سلطانُ البشرِ؛ لأنَّ الولايةَ معناها أنَّه يَلى أمرَ خلقِه منفردًا به دونَ جميعِ خَلْقِه، لا أنه يكون أميرًا عليهم.

واخْتلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْحَقِّ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ خفضًا (١)، على توجِيههِ إلى أنَّه من نعتِ اللهِ، وإلى أن معنَى الكلامِ: هُنالِكَ الوَلايةُ للَّهِ الحقِّ ألوهتُه، لا الباطلِ بطولَ [ألوهةِ الآلهةِ] (٢) التي يَدْعوها المشركون باللهِ آلهةً.

وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ متأخِّرِي الكوفيِّين: (للَّهِ الحَقُّ).

برفعِ "الحقُّ" (٣) توجيهًا منهما (٤) إلى أنه من نعتِ الوَلايةِ، ومعناه: هنالك الوَلايةُ الحقُّ لا الباطلُ، للَّهِ وحدَه لا شريك له وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (٥) قراءةُ مَن قرَأه خفضًا على أنه من نعتِ اللهِ، وأن معناه ما وصَفتُ على قراءةِ مَن قرَأه كذلك.

وقولُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: اللهُ (٦) خيرٌ للمُنيبين في العاجلِ والآجل ثوابًا، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.

يقولُ: وخيرُهم عاقبةً في الآجلِ إذا صار إليه المطيعُ له، العاملُ بما أمَره اللهُ، والمنتهى عمَّا نهاه عنه.

والعُقْبُ هو العاقبةُ، يُقالُ: عاقبةُ أمرِ كذا وعُقْباه وعُقْبُه.

وذلك آخِرُه وما يصيرُ إليه مُنتَهاهُ.

وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك فقرَأَتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿عُقْبًا﴾ بضمِّ العينِ وتسكينِ القافِ (٧).

والقولُ في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مُستَفيضَتانِ في قرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واضرِبْ لحياةِ هؤلاء المُستَكبرين -الذين قالوا لك: اطرُدْ عنك هؤلاء الذين يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ، إذا نحن جئناك- الدُّنيا مِنهم مَثَلًا.

يقولُ: شَبَهًا.

﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾.

يقولُ: كمطرٍ أَنزَلْناه من السماءِ [إلى الأرضِ] (١) ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾.

يقولُ: فاختَلَط بالماءِ نباتُ الأرضِ، ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾.

يقولُ: فأصبَح نباتُ الأرضِ يابسًا مُتفَتِّتًا، ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾.

يقولُ: تُطيِّرُه الرياحُ وتُفرِّقُه، يقال منه: ذَرَته الريحُ تَذْرُوه ذَرْوًا، وذَرَتْه ذَرْيًا، وأَذْرَته تُذْرِيهِ إِذْرَاءً (٢)، كما قال الشاعرُ (٣): فقُلْتُ لَهُ صَوِّبْ وَلا تُجْهِدَنَّه … فَيُذْرِكَ مِنْ أُخرَى القَطَاةِ فَتُزلَقِ يُقال: أَذْرَيتُ الرجلَ عن الدَّابةِ والبعيرِ: إذا أَلْقَيْتُه عنه.

وقولُه: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ يقولُ: وكان اللهُ على تخريبِ جَنَّةِ هذا القائلِ حينَ دخَل جَنَّتَه: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.

وإهلاكِ أموالِ ذى الأموال الباخلين بها عن حقوقها، وإزالةِ دنْيا الكافرين به عنهم، وغيرِ ذلك مما يشاءُ، قادرًا لا يُعجِزُه شيءٌ أرادَه، ولا يُعْييه أمرٌ أرادَه، يقولُ: فلا يَفْخَرْ ذو الأموالِ بكثرةِ أموالِه، ولا يستكبِرْ على غيرِه بها، ولا يغترَّنَّ أهلُ الدنيا بدُنْياهم؛ فإنَّما مَثَلُها مَثَلُ هذا النباتِ الذى حسُن اسْتِواؤه بالمطرِ، فلم يكنْ إلا رَيْثَ أن انْقطَع عنه الماءُ، فتناهى نهايتَه، عاد يَبِسًا (١) تَذْرُوه الرياحُ، فاسدًا، تَنْبُو عنه أعينُ الناظرين، ولكنْ ليعمَلْ للباقى الذى لا يَفْنَى، والدائمِ الذي لا يَبِيدُ ولا يتغيَّرُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: المالُ والبنونَ، أَيُّها الناسُ، التي يفخَرُ بها عيينةُ والأقرعُ، ويتكبَّران بها على سلمانَ وخبابٍ وصهيبٍ، مما يُتَزيَّنُ به في الحياةِ الدنيا، وليسا من عُدَدِ (٢) الآخرةِ، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾.

يقولُ: وما يعمَلُ سلمانُ وخبابٌ وصهيبٌ من طاعةِ اللهِ ودعائِهم ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدُون وجهَه، الباقى لهم من الأعمالِ الصالحةِ بعدَ فناءِ الحياةِ الدُّنيا، خيرٌ يا محمدُ عندَ ربِّك ثوابًا من المالِ والبنينَ التى يَفتخِرُ هؤلاء المشرِكون بها، التي تَفْنَى، فلا تَبْقَى لأهلِها، ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.

يقولُ: وما يُؤمِّلُ من ذلك سلمانُ وصهيبٌ وخبابٌ، خيرٌ مما يُؤمِّلُ عيينةُ والأقرعُ من أموالِهما وأولادِهما.

وهذه الآياتُ من لَدُنِ قولِه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧].

إلى هذا الموضعِ، ذُكِر أنها نزَلت في عيينةَ والأقرعِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ، عن أبى سعدٍ (٣) الأزديِّ، وكان قارئَ الأزدِ، عن أبى الكنودِ، عن خبابٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢].

ثم ذكَر القصةَ التي قد ذكَرناها في سورةِ الأنعامِ في قصةِ عيينةَ والأقرعِ، إلى قولِه: [﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾.

قال: عيينةُ والأقرعُ] (١).

﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٢) [الكهف: ٢٨].

قال: ثم (٣) ضرَب لهم مثلًا رجلين، ومثلَ الحياةِ الدنيا (٤).

واختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنيِّ بالباقياتِ الصالحاتِ، اختلافَهم في المعنيِّ بالدعاءِ الذي وصَف جلَّ ثناؤه به الذين (٥) نَهَى رسول اللهِ ﷺ عن طردِهم، وأمَره (٦) بالصبرِ معهم؛ فقال بعضُهم: هى الصلواتُ الخمسُ.

وقال بعضُهم: هي ذكرُ اللهِ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ والتَّهليلِ، ونحوِ ذلك.

وقال بعضُهم: هي العملُ بطاعةِ اللهِ.

وقال بعضُهم: الكلامُ الطيِّبُ.

ذكرُ مَن قال: هي الصلواتُ الخمسُ حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطيُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ كاسبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ الأُمويُّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ بنِ هرمزَ يُحدِّثُ عن عبيدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ.

حدَّثني زُريقُ بنُ السَّختِ (٧)، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: الصلواتُ الخمسُ (١).

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ عن عمرِو بنِ شُرَحبيلَ في هذه الآيةِ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: هي الصلواتُ (٢) المكتوباتُ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ الله بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ (٣).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ (٤) اللهِ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ (٥).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميْسرةَ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: الصلواتُ الخمسُ.

ذكرُ مَن قال: هنَّ ذكرُ اللهِ بالتَّسبيحِ والتَّحميدِ ونحوِ ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ ومحمدُ بنُ عُمَارة الأسديُّ، قالوا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، قال: أخبَرنا أبو عَقيلٍ زُهرةُ بنُ مَعْبَدٍ القرشيُّ، من بنى تَيْمٍ (٦) من رَهطِ أبى بكرٍ الصدِّيقِ، أنَّه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ، يقولُ: قيل لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟

قال: هنَّ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ (١).

حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا حَيْوةُ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ زهرةُ بنُ معبدٍ، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: قيل لعثمانَ بنِ عفانَ: ما الباقياتُ الصالحاتِ؟

قال: هى لا إلهَ إِلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ وبحمدِه، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.

حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البرْقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ ورِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قالا: ثنا زهرةُ بنُ معبدٍ، قال: سمِعتُ الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: قالوا لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟

فذكَر مثلَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمِ بنِ هرمزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ (٢).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعت عبدَ المَلِكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكٌ، عن عمارةَ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ صيَّادٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ، عن نافعِ بنِ سَرْجَسٍ، أنه أخبرَه أنه سأل ابنَ عمرَ عن الباقياتِ الصالحاتِ، قال: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (٢).

قال ابنُ جريجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ مثلَ ذلك (٣).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: سبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ (٤).

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ: أن عبدَ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مولى سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، حدَّثه قال: أرسَلنى سالمٌ إلى (١) محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، فقال: قل له: القَنِى عندَ زاويةِ القبرِ؛ فإنَّ لى إليكَ حاجةً.

قال: فالْتَقَيا، فسَلَّم أحدُهما على الآخرِ، ثم قال سالمٌ: ما تعدُّ الباقياتِ الصالحاتِ؟

فقال: لا إلهَ إِلَّا الله، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللهِ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ.

فقال له سالمٌ: متى جعَلت فيها لا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؟

فقال: ما زلتُ أجعَلُها.

قال: فراجَعه مرَّتين أو ثلاثًا فلم ينزِعْ.

قال: فأَثْبِتْ.

قال سالمٌ: أَجَلْ فأُثْبِتُ؛ فإِنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ حدَّثني أنه سمِع رسولَ اللهِ ﷺ وهو يقولُ: "عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ فَأُرِيتُ إِبْرَاهِيمَ، فقال: يا جِبرِيلُ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟

فقال: محمَّدٌ.

فرَحَّبَ بي وسَهَّلَ، ثمَّ قال: مُرْ أمتكَ فليُكْثِروا (٢) من غِراسِ الجَنَّةِ؛ فإن تربتَها طيِّبةٌ، وأَرْضَها واسعةٌ.

فقلتُ: وما غِراسُ الجنةِ؟

قال: لا حولَ ولا قوة إلَّا باللهِ" (٣).

وجَدتُ في كتابي عن الحسنِ بنِ الصَّباحِ البزَّارِ، عن أبى نصرٍ التَّمارِ، عن عبدِ العزيزِ بنِ مسلمٍ، عن محمدِ بنِ عَجلانَ، عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله، وَاللهُ أكْبرُ، هن الباقياتُ الصالحاتُ" (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: لا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللهِ، هنَّ الباقياتُ الصالحاتُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرَّاجًا أبا السمحِ حدَّثه عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسول اللهِ ﷺ قال: "اسْتَكْثِرُوا مِن الباقِياتِ الصَّالحاتِ".

قيل: وما هن يا رسولَ اللهِ؟

قال: "المِلَّةُ".

قيل: وما هى يا رسولَ اللهِ؟

قال: "التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّسْبِيحُ، والحَمْدُ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ" (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مالكٌ، عن عُمارةَ ابنِ صيادٍ، أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ في الباقياتِ الصالحاتِ: إنها قولُ العبدِ: اللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، [ولا إلهَ إلَّا الله] (٢)، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ.

حدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى ابنُ عَجْلانَ، عن عُمارةَ بن صيَّادٍ، قال: سأَلنى سعيدُ بن المسيَّبِ، عن الباقياتِ الصالحاتِ، فقلتُ: الصلاةُ والصيامُ.

قال: لم تُصِبْ.

فقلتُ: الزكاةُ والحجُّ.

فقال: لم تُصِبْ، ولكنهنَّ الكلماتُ الخمسُ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ (٣).

ذكْرُ مَن قال: هي العملُ بطاعةِ اللهِ ﷿ حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.

قال: الأعمالُ الصالحةُ؛ سبحانَ اللهِ، والحمد للهِ، ولا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: هى ذكرُ اللهِ؛ قول: لا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، وتبارَكَ اللهُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وأستغفرُ اللهَ، وصلَّى اللهُ على رسولِ اللهِ، والصيامُ والصلاةُ والحجُّ والصَّدَقةُ والعتقُ والجهادُ والصلةُ، وجميعُ أعمالِ الحسناتِ، وهنَّ الباقياتُ الصالحاتُ، التي تَبْقَى لأهلِها في الجنةِ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.

قال: الأعمالُ الصالحةُ (٢).

ذكرُ مَن قال: هي الكلمُ الطَّيبُ حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾.

قال: الكلامُ الطيبُ (٣).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هنَّ جميعُ أعمالِ الخيرِ.

كالذى رُوِى عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ لأن ذلك كلَّه من الصالحاتِ التي تَبْقَى لصاحبِها في الآخرةِ، وعليها يُجازَى ويُثابُ، وأن اللهَ عزَّ ذكرُه لم يخصُصْ من قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾.

بعضًا دونَ بعضٍ في كتابٍ، ولا بخبرٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ.

فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك مخصوصٌ بالخبرِ الذى روِّيناه عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، فإن ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ إنما ورَد بأَنَّ قولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.

هنَّ مِن الباقياتِ الصالحاتِ، ولم يقلْ: هُنَّ جميعُ الباقياتِ الصالحاتِ، ولا كُلُّ الباقياتِ الصالحاتِ.

وجائزٌ أن تكونَ هذه باقياتٍ صالحاتٍ، وغيرُها من أعمالِ البرِّ -أيضًا- باقياتٍ صالحاتٍ.

القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ (١) الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ويوم نُسَيِّرُ (٢) الجبالَ عن الأرضِ، فنَبُسُّها بَسًّا، ونجعَلُها هباءً مُنبَثًّا، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً.

وظهورُها لرَأى أعينِ الناظرين من غيرِ شيءٍ يستُرُها من جبلٍ ولا شجَرٍ، هو بُروزُها.

وبنحوِ ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.

قال: لا خَمَرَ (١) فيها ولا غيابةَ.

يعني (٢) شجرَ (٣) فيها (٤).

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ليس عليها بناءٌ ولا شجرٌ (٥).

وقيل: معنى ذلك: وترَى الأرضَ بارزًا أهلُها الذين كانوا في بطنِها، فصاروا على ظهرِها.

وقولُه: [﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾] (٦).

يقولُ: [وجمَعْناهم] (٧) إلى موقفِ الحسابِ.

﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.

يقولُ: فلم نتركْ، ولم نُبقِ مِنهم تحتَ الأرضِ أحدًا.

يُقالُ منه: ما غادرتُ من القومِ أحدًا.

وما أغدَرتُ مِنهم أحدًا.

ومِن أَغدَرتُ قولُ الراجزِ (٨): هل لكِ والعارضُ منكِ عائضُ في هَجْمةٍ يغدِرُ منها القابضُ وقولُه: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وعُرِض الخلقُ على ربِّك يا محمدُ صفًّا، ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: يقال لهم إذ عُرضوا على اللهِ: لقد جئتُمونا أيها الناسُ أحياءً كهيئتِكم حينَ خلَقْناكم أوَّلَ مرَّةٍ.

وحُذِف "يُقالُ" مِنَ الكلامِ؛ لمعرفةِ السامعين بأنَّه مرادٌ في الكلامِ.

وقولُه: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾.

وهذا الكلامُ خرَج مَخْرجَ الخبرِ عن خطابِ اللهِ به الجميعَ، والمرادُ منه الخصوصُ، وذلك أنه قد يَرِدُ القيامة خلقٌ مِن الأنبياءِ والرسلِ، والمؤمنين باللهِ ورسلِه وبالبعثِ، ومعلومٌ أنَّه لا يُقالُ يومَئِذٍ لمَن ورَدها من أهلِ التصديقِ بوعدِ اللهِ في الدنيا، وأهلِ اليقينِ فيها بقيامِ الساعةِ: بل زعَمْتُم أن لن نجعلَ لكم البعثَ بعدَ المماتِ، والحشرَ إلى القيامة موعدًا.

وأن ذلك إنما يقالُ لمَن كان في الدنيا مكذِّبًا بالبعثِ وقيامِ الساعةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ووضَع اللهُ يومئذٍ كتابَ أعمالِ عبادِه في أيدِيهم، [فَآخِذٌ بيمينِه، وآخِذٌ] (١) بشِمالِه، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.

يقولُ عَزَّ ذكرُه: فتَرَى (٢) المشركين باللهِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾.

يقولُ: خائفِين وَجِلِينَ، ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ مكتوبٌ من أعمالِهم السيئةِ التي عمِلُوها في الدنيا، أن يؤاخَذوا بها، ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.

يعنى أنَّهم يقولون إذا قرَءُوا كتابَهم، ورأَوْا ما قد كُتِب عليهم فيه من صغائرِ ذنوبِهم وكبائرِها، نادَوا بالويلِ حينَ أيقَنوا بعذابِ اللهِ، وضَجُّوا مما قد عرَفوا من أفعالِهم (١) الخبيثةِ التي قد أحصاها كتابُهم، ولم يَقْدِروا أن يُنكِرُوا صحَّتَها.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: اشتكَى القومُ، كما تسمَعون، الإحصاءَ، ولم يشتكِ أحدٌ ظُلمًا، فإيَّاكم والمحقَّراتِ من الذنوبِ؛ فإنها تجتَمِعُ على صاحبِها حتى تُهلِكَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يضْرِبُ لها مثلًا، يقولُ: "كَمَثَلِ قَوْمٍ انْطلقوا يَسيرُون حتى نَزَلوا بفَلاةٍ من الأرضِ، وحضَر صَنيعُ القومِ، فانطلَق كلُّ رَجُلٍ يحتَطِبُ، فجَعَل الرَّجُلُ يَجِيءُ بالعُودِ، ويَجِيءُ الآخرُ بالعُودِ، حتى جمَعوا سَوادًا كثيرًا وأجَّجُوا نارًا، فإِنَّ الذنبَ الصغيرَ، يَجْتَمِعُ على صَاحبِه حتى يُهلِكَه" (٢).

وقيل: إنَّه عنى بالصغيرة في هذا الموضعِ الضحكَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن الزيَّالِ بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ قال: الضَّحكُ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبي، قال: حدَّثَتْني أمِّي حمَّادةُ ابنةُ محمدٍ، قالت: سمِعتُ أبي محمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ يقولُ في هذه الآية في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.

قال: الصغيرةُ الضَّحكُ.

ويعنى بقولِه: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾: [ما شأنُ هذا الكتابِ] (١)، ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾.

يقولُ: لا يُبقِى صغيرةً من ذنوبِنا وأعمالنِا ولا كبيرةً مِنها، ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.

يقولُ: إلَّا حفِظها.

﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا من عمَلٍ، ﴿حَاضِرًا﴾ في كتابِهم ذلك مكتوبًا مُثْبتًا، فجُوزوا بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ ما اللهُ جازِيهم بها، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.

يقولُ: ولا يجازِى ربُّك يا محمدُ أحدًا بغيرِ ما هو أهلُه؛ لا يُجازِى بالإحسانِ إلا أهلَ الإحسانِ، ولا بالسيئةِ إلا أهلَ السيئةِ، وذلك هو العدلُ.

القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مذكِّرًا هؤلاء المشركين حسَدَ إبليسَ أباهم، ومُعْلِمَهم ما كان منه من كِبْرِه واستكبارِه عليه حينَ أمَره بالسجودِ له، وأنه من العَدَاوةِ والحسَدِ لهم على مثلِ الذى كان عليه لأبيهم: ﴿وَ﴾ اذْكُرْ يا محمدُ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ الذى يُطيعُه هؤلاء المشركون، ويتَّبِعون أمْرَه، ويخالِفون أمْرَ اللهِ، فإنَّه لم يسجدْ له استكبارًا على اللهِ، وحسدًا لآدم؛ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

فقال بعضُهم: إِنَّه كان من قبيلةٍ يقالُ لهم: الجنُّ.

وقال آخرون: بل كان من خُزَّانِ الجَنَّةِ، فنُسِب إلى الجنَّةِ.

وقال آخرون: بل قيل: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾؛ لأنه مِنَ الجِنِّ الذين اسْتَجَنُّوا (١) عن أعينِ بني آدمَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خلَّادِ بنِ عطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ (٢) قبلَ أن يركَبَ المعصيةَ [مِن الملائكةِ] (٣)، اسمُه (٤) عزازيلُ، وكان من سكانِ الأرضِ، وكان من أشدِّ الملائكةِ اجتهادًا وأكثرِهم علمًا؛ فذلك (٥) دعاهُ إلى الكِبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّون (٦) جِنًّا (٧).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى، رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ من حيٍّ من أحياءِ الملائكةِ يُقال لهم: الجِنُّ.

خُلِقوا من نارِ السَّمومِ من بينِ الملائكةِ.

قال (١): وكان اسمُه الحارثَ.

قال: وكان خازِنًا من خُزَّانِ الجَنَّةِ.

قال: وخُلِقت الملائكةُ من نورٍ غيرَ هذا الحيِّ.

قال: وخُلِقتِ الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ، وهو لسانُ النارِ الذى يكونُ في طرَفِها إذا التَهَبت (٢).

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى شيبانُ، قال: ثنا سلَّامُ بنُ مسكينٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنيا (٣).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: كان إبليسُ من خُزَّانِ الجَنَّةِ، وكان يدبرُ أمرَ سماءِ الدنيا (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان إبليسُ من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً، وكان خازِنًا على الجِنانِ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ، وكان فيما قضَى اللهُ أنَّه رأى أن له بذلك شرفًا وعظمةً على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك في قلبِه كبرٌ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ؛ فلمَّا كان عندَ السجودِ حينَ أمَره أن يسجُدَ لآدمَ اسْتَخرَجَ اللهُ كِبْرَه عندَ السجودِ، فلعَنَه وأَخَّرَه إلى يومِ الدينِ.

قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: إِنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها، كما يُقال للرجلِ: مَكيٌّ، ومدنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصْريٌّ.

قاله (١) ابنُ جريجٍ (٢).

وقال آخرون: هم سبطٌ من الملائكةِ قبيلةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجِنَّ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن صالحٍ مولى التَّوأمةِ وشَريكِ بن أبى نَمِرٍ -أحدُهما أو كلاهما- عن ابنِ عباسٍ، قال: إن من الملائكةِ قبيلةً من الجنِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فعصَى، فسَخط الله عليه فمسَخه شَيْطَانًا رَجِيمًا، لعَنه اللهُ ممسُوخًا.

قال: وإذا كانت خطيئةُ الرجلِ في كبْرٍ فلا تَرْجُه، وإذا كانت خطيئتُه في معصيةٍ فارْجُه، وكانت خطيئةُ آدمَ في معصيةٍ، وخطيئةُ إبليسَ في كِبْرٍ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قبيلٌ من الملائكةِ يقال لهم الجِنُّ.

وقال ابنُ عباسٍ: لو لم يكنْ من الملائكةِ لم يؤمَرْ بالسجودِ، وكان على خزانةِ السماءِ الدنيا.

قال: وكان قتادةُ يقولُ: جَنَّ عن طاعةِ ربِّه (٤).

وكان الحسنُ يقولُ: ألجأه اللهُ إلى نَسَبِه (٥).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: كان من قبيلٍ مِن الملائكةِ يقالُ لهم: الجِنُّ (٦).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ من الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصْلُ الجنِّ كما أن آدمَ أَصْلُ الإِنسِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كان إبليسُ على السماءِ الدُّنيا، وعلى الأرضِ، وخازنَ الجِنَانِ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً، وكان خازِنًا على الجِنَانِ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرضِ، وكان مما سوَّلت له نفسُه من قضاءِ اللهِ أنَّه رأَى أن له بذلك شرفًا على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك في قلبِه كِبْرٌ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ، فاسْتَخْرَج اللهُ ذلك الكِبْرَ منه حينَ أمَره بالسجودِ لآدمَ، فاسْتكبَر وكان من الكافرين، فذلك قولُه للملائكةِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣].

يعنى: ما أسرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ.

وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

كان ابنُ عباسٍ يقولُ: قال اللهُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ لأنه كان خازِنًا على الجِنانِ، كما يقالُ للرجلِ: مكيٌّ، ومدنيٌّ، وبصريٌّ، وكوفيٌّ (١).

وقال آخرون: كان اسمُ قبيلةِ إبليسَ الجنَّ، وهم سبطٌ من الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ.

فلذلك قال اللهُ ﷿: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ فنسَبه إلى قبيلتِه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: من الجَنَّانينَ الذين يعمَلون في الجنانِ (١).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو سعيدٍ اليَحمديُّ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى سوَّارُ بنُ الجَعِدِ اليَحمديُّ، عن شهر بن حوشبٍ قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: كان إبليسُ من الجنِّ الذين طرَدتهمُ الملائكةُ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ، فذهَب به إلى السماءِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ (٣)﴾.

قال: كان خَازِنَ الجنانِ فسمى بالجَنَّانِ (٤).

حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن سفيانَ، عن (٥) أبي المِقْدامِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان إبليسُ من خَزَنَةِ الجَنَّةِ (٦).

وقد بيَّنا القولَ في ذلك فيما مضَى من كتابِنا هذا، وذكَرْنا اختلافَ المُختَلِفين فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (٧).

وقولُه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.

يقولُ: فخرَج عن أمرِ ربِّه، وعدَل عنه ومال، كما قال رؤبةُ (٨): يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وغَوْرًا غائرَا فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا يعنى بالفواسقِ: الإبلَ المنعدلةَ عن قصدِ نجدٍ.

وكذلك الفِسْقُ في الدينِ؛ إنَّما هو الانْعِدالُ عن القَصْدِ، والمَيْلُ عن الاستقامةِ.

ويُحكَى عن العربِ سماعًا: فسَقتِ الرُّطَبةُ من قِشْرِها؛ إذا خرَجت منه.

و: فسَقتِ الفأرةُ؛ إذا خرَجت من جُحرِها.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ لأنَّه مرادٌ به: ففسَق عن ردِّه أمرَ اللهِ.

كما تقولُ العربُ: اتَّخمتُ عن الطَّعامِ.

بمعنى: اتَّخمتُ لما أكَلتُه.

وقد بيَّنا القولَ في ذلك (١)، وأن معناه: عدَل وجار عن أمرِ اللهِ، وخرَج عنه.

وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ: معنى الفسقِ الاتساعُ.

وزعَم أن العربَ تقولُ: فسَق في النَّفقةِ.

بمعنى اتَّسَعَ فيها.

قال: وإنما سُمِّى الفاسقُ فاسقًا، لاتساعِه في محارمِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.

قال: في السجودِ لآدمَ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.

قال: عصَى في السجودِ لآدمَ.

وقولُه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفَتُوالون يا بنى آدمَ من استكبَرَ على أبيكم [وحسَده (١)، وكفَر] (٢) نعْمَتى عليه، وغرَّه حتى أخرَجَه من الجنةِ ونعيمِ عَيْشِه فيها إلى الأرضِ وضِيقِ العيشِ فيها، وتُطيعونَه وذريتَه من دونِ اللهِ مع عداوتِه لكم قديمًا وحديثًا، وتترُكون طاعةَ ربِّكم الذى أنعَم عليكم وأكرَمكم، بأن أسجَد لوالدِكم ملائكتَه، وأسكَنه جَنَّاتِه، وآتاكم من فواضلِ نعَمِه ما لا يُحصَى عددُه.

وذرِّيةُ إبليسَ: الشياطينُ الذين يُغوون (٣) بني آدمَ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾.

قال: ذرِّيتُه (٤) الشياطينُ، وكان يعدُّهم؛ زَلَنْبورُ صاحبُ الأسواقِ ويضَعُ رايتَه في كلِّ سوقٍ ما بينَ السماءِ والأرضِ، ثَبْرٌ صاحبُ المصائبِ، والأعورُ صاحبُ الزِّنا، ومِسْوَطٌ صاحبُ الأخبارِ يأتى بها فيُلْقِيها في أفواهِ الناسِ ولا يجِدُون لها أصْلًا، وداسِمٌ الذي إذا دخَل الرجلُ بيتَه ولم يُسلِّمْ ولم يذكرِ اللهَ بصَّرَه من المتاعِ ما لم يُرْفَعْ، وإذا أكَل ولم يذكرِ اسمَ اللهِ أكَل معه (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: إذا دخَلْتُ البيتَ ولم أُسلِّمْ، رأيتُ مطهرةً، فقلتُ: ارْفَعُوا ارْفَعوا.

وخاصَمْتُهم، ثم أذكُرُ فأقولُ: داسمٌ داسمٌ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هم أربعةٌ: ثبرٌ، وداسمٌ، وزلنبورُ، والأعورُ، ومِسْوَطٌ أحدُها (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الآية، وهم يتَوالدُون كما يتوالدُ بنو آدمَ] (٣)، وهم [أكثرُ عددًا] (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: وهو أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ.

وقال: قال اللهُ لإبليسَ: إنى لا أذرَأُ لآدمَ ذرِّيَّةً إِلَّا ذرَأتُ لك مثلَها.

فليس من ولدِ آدمَ أحدٌ إلَّا له شيطانٌ قد قُرِن به.

وقولُه: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: بئسَ البدلُ للكافرين باللهِ اتخاذُ إبليسَ وذرِّيتِه أولياءَ من دونِ الله وهم لكم عدوٌّ، مِن تَرْكِهم اتخاذَ الله وليًّا باتِّباعِهم أمرَه ونهيَه، وهو المُنْعِمُ عليهم وعلى أبيهم آدمَ من قبلِهم، المتفضِّلُ عليهم من الفواضلِ ما لا يُحصَى بدلًا.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾: بئسما استبدَلوا بعبادةِ ربِّهم إذ أطاعوا إبليسَ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ما أشهَدتُ إبليس وذرِّيتَه ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

يقولُ: ما أحضَرتُهم ذلك فأسْتَعينَ بهم على خلقِها، ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾.

يقولُ: ولا أَشْهَدتُ بعضَهم أيضًا خلقَ بعضٍ مِنهم، فأستعينَ به على خلقِه، بل تفَرَّدتُ بخلقِ جميعِ ذلك بغيرِ مُعينٍ ولا ظَهيرٍ.

يقولُ: فكيف اتَّخَذوا عدوَّهم أولياءَ من دُونى، وهم خلقٌ مِن خلقى (٢) أمثالُهم، وترَكوا عبادتي وأنا المُنعِمُ عليهم وعلى أسلافِهم، وخالقُهم وخالقُ مَن يُوَالونه من دونى منفردًا بذلك من غيرِ مُعينٍ ولا ظَهيرٍ.

وقولُه: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾.

يقولُ: وما كنتُ مُتَّخِذَ مَن لا يهدِى إلى الحقِّ ولكنَّه يُضلُّ فمَن تَبِعَه يجورُ به عن قصدِ السبيلِ، أعوانًا وأنصارًا.

وهو من قولِهم: فلانٌ يَعضُدُ فلانًا؛ إذا كان يقوِّيه ويُعينُه.

وبنحوِ ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾.

أي: أعوانًا.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).

وإنما يعنى بذلك أن إبليسَ وذرِّيتَه يُضلُّون بنى آدمَ عن الحقِّ، ولا يَهدُونهم للرُّشدِ، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عنى بالمُضِلِّين الذين هم أتباعٌ على الضَّلالةِ، وأصحابٌ على غيرِ هُدًى.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ اللهُ للمشرِكين به الآلهةَ والأندادَ: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾.

يقولُ لهم: ادْعُوا الذين كنتم تزعُمون أنَّهم شركائي في العبادةِ لِيَنصرُوكم ويمنعُوكم منِّي.

﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾.

يقولُ: فاستغاثوا بهم فلم يُغيثوهم، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

فاختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعَلنا بينَ هؤلاء المشرِكين وما كانوا يدْعُون من دونِ اللهِ شركاءَ في الدنيا يومئذٍ عداوةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: جعَل بينَهم عداوةً يومَ القيامةِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: عداوةً (١).

وقال آخرون: معناه: وجعَلنا فِعْلَهم ذلك لهم مَهْلِكًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: مَهْلِكًا (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَوْبِقًا﴾.

قال: هلاكًا (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: الموبقُ المَهْلِكُ، الذى أهْلَك بعضُهم بعضًا فيه، أوبَق بعضُهم بعضًا.

وقرَأ: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩].

حُدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَوْبِقًا﴾ قال: هلاكًا.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن عَرْفَجةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال: مهْلِكًا (١).

وقال آخرون: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ، عن عمرٍو البِكَاليِّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: وادٍ عميقٍ فُصِل به بينَ أهلِ الضَّلالة وأهل الهُدَى، وأهلِ الجنَّةِ وأهلِ النارِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ ذُكِر لنا أن عَمرًا البِكَاليَّ حدَّث عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: هو وادٍ عميقٍ فُرِق به يومَ القيامةِ بينَ أهلِ الهُدَى وأهلِ الضَّلالةِ (٢).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن حجَّاجِ بنِ أرطاةَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: واديًا في النارِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، "ح"، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: واديًا في جَهَنَّمَ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ دِرْهمٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

قال: وادٍ في جَهَنَّمَ من قَيْحٍ ودمٍ (١).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، القولُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ، ومَن وافَقه في تأويلِ الْمَوْبِقِ: أنه المَهْلِكُ، وذلك أنَّ العربَ تقول في كلامِها: قد أَوْبَقتُ فلانًا.

إذا أهْلَكْتَه.

ومنه قولُ الله ﷿: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤].

بمعنى: يُهلِكْهنَّ.

ويُقالُ للمُهلِكِ نفسَه: قد وَبِق فلانٌ فهو يَوبَقُ وبَقًا.

ولغةُ بني (٢) عامرٍ: يابِقُ، بغيرِ همزٍ.

وحُكِى عن تميمٍ أنها تقولُ: ييبِقُ.

وقد حُكى وبَقَ يَبِقُ وبُوقًا، حكاها الكسائيُّ.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: المَوبِقُ المَوْعِدُ، وَيَستشهِدُ لقِيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٣): وحادَ شَرَوْرَى فالسِّتارَ فلمْ يَدَعْ … تِعارًا له و (٤) الوَاديَيْنِ بمَوْبِقِ ويتأوّلُه: بمَوْعِدٍ.

وجائزٌ أن يكونَ ذلك المَهْلِكُ الذى جعَل جَلَّ ثناؤُه بينَ هؤلاءِ المشركين، هو الوادى الذي ذُكِر عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو.

وجائزٌ أن تكونَ العداوةُ التي قالَها الحسنُ.

وقولُه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾.

يقولُ: وعايَن المشركون النارَ يومَئذٍ: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾.

يقولُ: فعَلِموا أَنَّهم داخِلُوها.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾.

قال: عَلِموا (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبى الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، أَنَّه قال: "إِنَّ الكافرَ ليَرَى جَهَنَّمَ فَيَظُنُّ أنَّها مُواقِعَتُه مِن مَسيرَةِ أَرْبَعينَ سَنَة" (٢).

وقولُه: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.

يقولُ: ولم يجِدوا عن النَّارِ التي رأَوا مَعْدِلًا يَعْدِلون عنها إليه، يقولُ: لم يجدوا من مواقعتِها بُدًّا؛ لأنَّ اللهَ قد حتَّم عليهم ذلك.

ومن المَصْرِفِ بمعنى المَعْدِلِ قولُ أبي كبيرٍ (٣) الهذليِّ: أَزُهَيْرُ هلْ عن شَيبَةٍ مِن مَصْرِفٍ … أمْ لا خُلُودَ لباذِلٍ مُتَكَلِّفِ القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: ولقد مثَّلْنا في هذا القرآنِ للنَّاسِ مِن كلِّ مثَلٍ، ووعَظْناهم فيه مِن كلِّ عِظَةٍ، واحتَجَجْنا عليهم بكلِّ حُجَّةٍ ليتذكَّروا فيُنِيبُوا، ويَعْتَبِروا فيَتَّعِظوا، وينْزَجِروا عمَّا هم عليه مُقيمون مِن الشركِ باللهِ وعبادةِ الأوثانِ، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.

يقولُ: وكان (١) الإنسانُ أكثرَ شيءٍ مِراءً وخُصومةً، لا يُنيبُ لحقٍّ، ولا يَنْزجِرُ لموعِظةٍ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.

قال: الجدلُ الخصومةُ؛ خصومةُ القومِ لأنبيائِهم، وردُّهم عليهم ما جاءوا به.

وقرَأ: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣].

وقرَأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤].

وقرَأ: ﴿حَتَّى نُؤْتَى﴾.

.

.

الآية [الأنعام: ١٢٤]، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾.

.

.

الآية [الأنعام: ٧].

وقرَأ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ قال: هم ليس أنت.

﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (٢) [الحجر: ١٤، ١٥].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾.

يقولُ عَزَّ ذكرُه: وما منَع هؤلاء المشركين يا محمدُ الإيمانَ باللهِ إذ جاءهم (٣) بيانُ اللهِ، وعَلِموا صحَّةَ ما تدعوهم إليه وحقيقتَه، والاستغفارَ مما هم عليه مُقيمون من شِرْكِهم، إلَّا مجيئُهم سُنَّتُنا في أمثالِهم من الأممِ المُكَذِّبةِ رسُلَها قبلَهم، أو إتيانُهم العذابُ قُبُلًا.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معناه: أو يأتِيهَم العذاب فجأةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.

قال: فجأةً (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: معناه: أو يأتِيَهم العذابُ عِيَانًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.

قال: قُبُلًا: مُعاينةً؛ ذلك القُبُلُ.

وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته جماعةٌ ذاتُ عددٍ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.

بضمِّ القافِ والباءِ، بمعنى أنه يأتِيهم مِن العذابِ ألوانٌ وضروبٌ، ووجَّهوا القُبُلَ إلى جمعِ قَبيلٍ، كما يُجمَعُ القَتِيلُ: القُتُلُ، والجديدُ: الجُدُدُ.

وقرَأته جماعةٌ أخرى: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ، بمعنى: أو يأتِيَهم العذابُ عِيانًا.

من قولِهم: كَلَّمتُه قِبَلًا.

وقد بيَّنت القولَ في ذلك في سورةِ الأنعامِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وما نُرسلُ رسلَنا إلَّا ليبشِّروا أهلَ الإيمانِ والتصديقِ باللهِ بجزيلِ ثوابِه في الآخرةِ، وليُنذِروا أهلَ الكفرِ به والتكذيبِ عظيمَ عقابِه وأليمَ عذابِه، فينتَهوا عن الشركِ باللهِ، ويَنْزجِرُوا عن الكفرِ به ومعاصيهِ.

﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، يقولُ: ويخاصمُ الذين كذَّبوا باللهِ ورسولِه بالباطلِ.

وذلك كقولِهم للنبيِّ ﷺ: أخْبِرْنا عن حديثِ فتيةٍ ذهَبوا في أَوَّلِ الدَّهرِ لم يُدرَ ما شأنُهم، وعن الرَّجلِ الذى بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، وعن الرُّوحِ.

وما أشْبَهَ ذلك ممَّا كانوا يخاصِمُونه به، يبتَغون إسقاطَه، تعنيتًا (١) له ﷺ، فقال اللهُ لهم: إنا لَسْنا نبعثُ إليكم رسلَنا للجدالِ والخصوماتِ، وإنَّما نبعثُهم مُبَشِّرين أهلَ الإيمانِ بالجنةِ، ومُنذِرين أهلَ الكفرِ بالنارِ، وأنتم تجادلونهم بالباطلِ طلبًا مِنكم بذلك أن تُبِطلوا الحقَّ الذى جاءَكم به رسولى.

وعنَى بقولِه: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: ليُبطِلوا به الحقَّ ويُزِيلُوه ويذهَبوا به.

يُقالُ منه: دَحَض الشيءُ: إذا زال وذهَب.

ويُقالُ: هذا مكانٌ دَحْضٌ.

أى: مُزِلٌّ مُزلِقٌ لَا يَثْبُتُ فيه خُفٌّ ولا حافرٌ ولا قدمٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): رَدِيتُ (٣) ونَجَّى اليَشْكُريَّ حِذارُه … وحاد كما حاد البعيرُ عن الدَّحضِ ويُروَى: ونَحَّى.

وأَدْحَضتُه أنا؛ إذا أذهبتَه وأبطلتَه.

وقولُه [﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ يقولُ] (١): واتَّخذُوا -الكافرين (٢) باللهِ- حُجَجَه التي احتَجَّ بها عليهم، وكتابَه الذى أنزَله إليهم، والنُّذُرَ التى أنذرَهم بها سِخْرِيًّا يسخَرون بها.

يقولون: إنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلَى عليْهِ بُكْرَةً وَأصِيلًا، ولَوْ شِئْنَا لَقُلْنا مِثْلَ هذَا.

القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وأيُّ الناسِ أوضَعُ للإعراضِ والصدِّ في غيرِ موضِعِهما ممَّن ذكَّره بآياتِه وحُجَجِه فدلَّه بها على سبيلِ الرَّشادِ، وهدَاه بها إلى طريقِ النَّجاة، فأعرَض عن آياتِه وأدلَّتِه التى في استدلالِه بها الوصولُ إلى الخلاصِ مِن الهلاكِ.

﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.

يقولُ: ونسِىَ ما أسلَف من الذنوبِ المُهلِكةِ فلم يتبْ منها (٣)، ولم يُنِبْ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.

أى: نَسِى ما سلَف من الذنوبِ.

وقولُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنا جعَلْنا على قلوبِ هؤلاء الذين يُعرضُون عن آياتِ اللهِ إذا ذُكِّروا بها أغطيةً لئلَّا يفقَهُوه.

لأن المعنى: أن يفقَهُوا ما ذُكِّروا به.

وقولُه: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.

يقولُ: في آذَانِهِم ثِقَلًا لِئَلَّا يسمَعوه، ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وَإِن تَدْعُ يا مُحَمَّدُ هؤلاء المعرضين عن آياتِ اللهِ عندَ التذكيرِ بها، إلى الاستقامةِ على محجَّةِ الحقِّ والإيمانِ باللهِ، وما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك - ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.

يقولُ: فلن يستَقيموا إذًا أبدًا على الحقِّ، ولن يؤمِنوا بما دعوتَهم إليه؛ لأن اللهَ قد طبَع على قُلوبِهم، وسمْعِهم وأبْصارِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وربُّك يا محمدُ الساترُ على ذنوبِ عبادِه بعفوِه عنهم إذا تابوا منها: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بهم ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ هؤلاء المعرضين عن آياتِه إذا ذُكِّروا بها، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ مِن الذُّنوبِ والآثامِ، ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ولكنَّه لرحمتِه بخلقِه غيرُ فاعلٍ ذلك بهم إلى ميقاتِهم وآجالِهم، ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾.

يقولُ: لكنْ لهم موعدٌ، وذلك ميقاتُ محِلِّ عذابِهم، وهو يومُ بدرٍ، ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لن يجِدَ هؤلاء المشركون، وإن لم يُعَجِّلْ لَهم العذابُ فى الدنيا، من دونِ المَوْعِدِ الذي جعَلتُه ميقاتًا لعذابِهم، ملْجَأً يلْجَئون إليه، ومَنْجًى يَنْجُون منه.

يعنى أنهم لا يَجِدُون مَعقِلًا يعْتقِلون به من عذابِ اللهِ.

يُقالُ منه: وأَلْتُ مِن كذا إلى كذا، أيلُ وُءولًا، مثلُ "وُعولًا"، ومنه قولُ الشاعرِ (١): لا وأَلتْ (٢) نفسكَ خلَّيْتَها … للعامرييْنِ ولم تُكْلَمِ يقولُ: لا نَجَتْ.

وقولُ الأعشى (١): وقد أُخالسُ ربَّ البيتِ غفلَتَهُ … وقد يُحاذِرُ منِّى ثم ما يئِلُ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَوْئِلًا﴾.

قال: مَحْرِزًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾.

يقولُ: مَلْجأً (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾، أي: لن يجِدُوا وليًّا ولا مَلْجأً (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾.

قال: ليس من دونِه مَلْجَأً يئلون (٥) إليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وتلك القرى من عادٍ وثمودَ وأصحابِ الأيْكَةِ أَهْلَكْنا أهلَها لمَّا ظلَموا فكفَروا باللهِ وآياتِه، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.

يعنى: ميقاتًا وأجلًا، حينَ بلَغوه جاءَهم عذابٌ فأهلَكْناهم به.

يقولُ: فكذلك جعَلْنا لهؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ، الذين لا يؤمنون بك أبدًا، موعِدًا، إذا جاءَهم ذلك الموعد أهلَكْناهم، سُنَّتَنا فى الذين خَلَوا من قبلِهم من ضُرَبائِهم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.

قال: أجلًا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (لِمُهْلَكِهِم) بضمِّ الميمِ وفتحِ اللامِ، على توجيهِ ذلك إلى أنَّه مصدرٌ من: أُهْلِكُوا إهْلَاكًا (٢).

وقرَأه عاصمٌ: (لِمَهْلَكِهِم).

بفتحِ الميمِ واللامِ، على توجيهِه إلى المصدرِ، من: هَلَكُوا هَلاكًا ومَهْلَكًا (٢).

وأولى القراءتين بالصوابِ عِندى فى ذلك قراءةُ من قرَأه: (لمُهْلَكِهم) بضمِّ الميمِ وفتحِ اللامِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه، واستِدْلالًا بقولِه: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾.

فأن يكونَ المصدرُ من "أهلَكْنا"؛ إذ كان قد تقدَّم قبْلَه - أولى.

وقيل: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾.

وقد قال قبلَ ذلكِ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾؛ لأنَّ الهلاكَ إنَّما حلَّ بأهلِ القُرَى، فعاد إلى المعنى، وأَجْرَى الكلامَ عليه دونَ اللفظِ.

وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، يعني أهلَها، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.

ولم يُجْرِ (١) بلفظِ "القُرَى"، ولكنْ أجْرَى اللفظَ على القومِ، وأجْرَى اللفظَ في "القريةِ" عليها إلى قوله: ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].

وقال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾.

ولم يقلْ: أَهلَكْناها.

حمَله على القومِ، كما قال: جاءت تميمٌ.

وجعَل الفعلَ لبنى تميمٍ، ولم يجعَلْه لتميمٍ، ولو فعَل ذلك لقال: جاء تميمٌ.

وهذا لا يحسُنُ في نحوِ هذا؛ لأنه قد أراد غيرَ تميمٍ فى نحوِ هذا الموضعِ، فجعَله اسمًا، ولم يحتمِلْ إذ اعتلَّ أَن يَحذِفَ ما قبلَه كلَّه معنى التاءِ من "جاءت" مع "بني" (٢)، وترَك الفعلَ على ما كان ليُعلِمَ أَنَّه قد حذَف شيئًا قبلَ تميمٍ.

وقال بعضُهم: إنما جاز أن يُقالَ: ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ لأن القريةَ قامَت مَقامَ الأهلِ، فجاز أن تُردَّ على الأهلِ مرَّةً، وعليها مرَّةً، ولا يجوزُ ذلك في تميمٍ؛ لأن القبيلةَ تُعرَفُ به، وليس تميمٌ هو القبيلةَ، وإنما عُرِفتِ القبيلةُ به، ولو كانت القبيلةُ قد سُمِّيت بالرجلِ لجرَت علَيه، كما تقولُ: وقَعتُ في "هودٍ".

تريدُ في سورةِ "هودٍ" وليس هودٌ اسمًا للسورةِ؛ وإنما عُرِفتِ السورةُ به، فلو سمَّيتَ السورةَ بهودَ لم تُجْرِ (١)، فقلتَ: وقَعتُ في هودَ يا هذا.

لم تُجْرِ، وكذلك لو سُمِّى بنُو تميمٍ بتميمَ لَقِيل: هذه تميمُ قد أقْبَلت.

فتأويلُ الكلامِ: وتلك القُرَى أهْلَكْناهم لما ظَلَموا، وجَعَلْنا لإهْلَاكِهم موعدًا.

القولُ (*) في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى بنُ عمرانَ لفَتاه يُوشَعَ بنِ نُونٍ - [وقيل ليوشعَ: فتى موسى؛ لملازمتِه إياه، وهو يوشعُ بنُ نونِ بنِ إفراييمَ بنِ يوسفَ بنِ يعقوبَ] (٢) -: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾.

يقولُ: لا أزالُ أسيرُ ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾.

قال: لا أنتَهى (٣).

وقيل: عنى بقوله: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: اجتماعَ بحرِ فارسَ والرومِ.

والمَجمعُ: مصدرٌ من قولِهم: جَمَع يجمَعُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: والبحران: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ، وبحرُ الرومِ مما يلى المغربَ، وبحرُ فارسَ مما يلى المشرقَ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.

قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.

قال: بحرُ الروم وبحرُ فارسَ؛ أحدُهما قِبَلَ المشرقِ، والآخرُ قِبَلَ المغربِ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ (٤)﴾.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ في قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.

قال: طَنْجَةُ (٥).

وقولُه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

يقولُ: أَو أسيرَ زمانًا ودهرًا.

وهو واحدٌ، ويُجمَعُ كثيرُه وقليلُه: أحْقابٌ.

وقد تقولُ العربُ: كنتُ عندَه حِقْبَةً من الدَّهرِ.

ويجمَعونها حِقَبًا.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّه تأويلَ قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾.

إلى (٦): لا أزولُ.

ويستشهِدُ لقولِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ (١): فما برِحُوا حتى تهادَت نساؤُهم … ببَطْحاءِ ذى قارٍ عِيابَ اللَّطائمِ (٢) وذكَر بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٣) أن الحُقُبَ في لغةِ قيسٍ سنةٌ.

فأما أهلُ التأويلِ فإنهم (٤) اختلَفُوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ثمانون سنةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن هشيمٍ، قال: ثنا أبو بَلْجٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: الحُقُبُ ثمانون سنةً (٥).

وقال آخرون: هو سبعون سنةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

قال: سبعين خريفًا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).

وقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

قال: دهرًا (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حُقُبًا﴾.

قال: "الحقب" زمانًا (٣).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

قال: الحقبُ الزمانُ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما بلَغ موسى وفتاه مجمعَ البحرينِ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.

قال: بينَ البحرينِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.

يعنى بقوله ﴿نَسِيَا﴾: ترَكا.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.

قال: أَضَلَّهما (١).

حدَّثنا الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضلَّاه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضَلَّهما (٣).

وقال بعضُ أهلِ العربيةِ (٤): إن الحوتَ كان مع يوشعَ، وهو الذى نَسِيه، فأُضيف النسيانُ إليهما، كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].

وإنما يخرُجُ من المِلْحِ دونَ العذْبِ (٥).

قال أبو جعفرٍ: وإنما جاز عندى أن يقالَ: ﴿نَسْيًا﴾؛ لأنهما كانا جميعًا تَزَوَّداه لسفرِهما، فكان حملُ أحدِهما ذلك مضافًا إلى أنه حَمْلٌ منهما، كما يقالُ: خرَج القومُ من موضعِ كذا، وحمَلُوا معهم كذا من الزادِ.

وإنما حمَله أحدُهم، ولكنه لما كان ذلك عن رأيِهم وأمرِهم أُضِيف ذلك إلى جميعهم، فكذلك إذا نَسِيه حاملُه في موضعٍ، قِيلَ: نسِى القومُ زادَهم.

فأُضِيف ذلك إلى الجميعِ بنسيانِ حاملِه ذلك، فيجرِى الكلامُ على الجميعِ، والفعلُ من واحدٍ، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾؛ لأن الله جلَّ وعزَّ خاطَب العربَ بلغتِها، وما يتعارَفونه بينَهم من الكلامِ.

وأما قولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.

فإن القولَ في ذلك عندَنا بخلافِ ما قال فيه، وسنبيِّنُه إن شاء اللهُ إذا انتهَيْنَا إليه.

وأما قولُه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

فإنه يعنِى أن الحوتَ اتخذَ طريقَه الذي سلَكه في البحرِ سربًا.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

قال: الحوتُ اتخذَ.

ويعنى بالسَّرب المسلكَ والمذهبَ، يَسْرُبُ فيه: يذهَبُ فيه ويسلُكُه.

ثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ اتخاذِه سبيلَه في البحرِ سَرَبًا؛ فقال بعضُهم: صار طريقُه الذى سلك فيه كالجُحْرِ (١).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿سَرَبًا﴾.

قال: أَثَرُه كأنه جُحْرٌ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ ذكَر حديثَ ذلك: "ما انجاب (١) ماءٌ منذُ كان الناسُ غيرَه، ثبَت مكانَ الحوتِ الذي فيه، فانْجاب كالكَوَّةِ (٢) حتَّى رَجَعَ إليه موسى، فرَأى مسلَكَه، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (٣) " (٤).

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

قال: جاء فرَأى أثرَ جناحَيْه في الطينِ حينَ وقَع في الماءِ.

قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

وحلَّق بيده (٥).

وقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ ماءً جامدًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سَرَب؛ من الجُدِّ (٦) حتى أفضَى إلى البحرِ، ثم سلَك، فجعَلَ لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا (٧).

وقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ حَجرًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِسَ حتى يكونَ صخرةً (١).

وقال آخرون: بل إنما اتخَذ سبيلَه سَرَبًا في البرِّ إلى الماءِ حتى وصَل إليه، لا في البحر.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

قال: قال: حُشِر (٢) الحوتُ في البطحاءِ بعدَ موتِه حيَن أحياه الله، [ثم اتخذ منها سرَبًا حتى وصَل إلى البحرِ.

قال: والسَّرَبُ طريقُه حتى وصَل إلى الماء، وهى بطحاءُ يابسةٌ في البرِّ، بعد ما أُكِل منه دهرًا طويلًا.

قال: وهو زادُه.

قال: ثم أحياه اللهُ] (٣).

قال ابنُ زيدٍ: وأخبرَنى أبو شجاعٍ أنه رآه، قال: أُتِيتُ به فإذا هو شِقَّةُ حوتٍ وعينٌ واحدةٌ، وشِقٌّ آخرُ ليس فيه شيءٌ (٤).

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: واتخَذ الحوتُ طريقَه في البحرِ سَرَبًا.

وجائزٌ أن يكونَ ذلك السرَبُ كان بانجيابِ الماءِ (٥) عن الأرضِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بجمودِ الماءِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بتحوُّلِه حجرًا.

وأَوْضحُ (١) الأقوالِ فيه ما رُوِى الخبرُ به عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي ذكَرْناه عن أُبيٍّ عنه (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاوز موسى وفتاه مجمعَ البحرين، قال موسى لفتاه يوشعَ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾.

يقولُ: جِئْنا بغدائِنا وأَعْطِناه.

وقال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾.

كما يقالُ: أتَى الغداءُ وآتَيْتُه.

مثلُ ذهَب وأَذْهبتُه.

﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.

يقولُ: لقد لَقِينا من سفرِنا هذا عناءً وتعبًا.

وقال ذلك موسى -فيما ذُكِر- بعدَ ما جاوَز الصخرةَ؛ لأنَّه (٣) أُلْقِى عليه الجوعُ ليتذكَّرَ الحوتَ، ويرجِعَ إلى موضعِ مَطْلَبِه.

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال فتَى موسى لموسى حينَ قال له: آتنا غداءَنا لنَطْعَمَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ هنالك، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾.

يقولُ: وما أنسانى الحوتَ إلا الشيطانُ ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾.

فـ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على الحوتِ؛ لأن معنى الكلامِ: وما أنسَاني أن أذكُرَ الحوتَ إلا الشيطانُ.

فلمَّا (١) سبَق الحوتُ إلى الفعلِ، ردَّ (٢) عليه قولَه: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾.

وقد ذُكِر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللهِ: (وَمَا أَنْسَانِيهُ أَنْ أُذَكِّرَكَهُ (٣) إِلَّا الشَّيْطَانُ).

حدَّثني بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (٤).

حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ مَعْقِلٍ، يُحدِّثُ عن أبيه، أن الصخرةَ التى أَوَى إليها موسى هى الصخرةُ التي دونَ نهرِ الزِّيبِ (٥) على الطريقِ (٦).

[وقولُه] (٧): ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

[يقولُ: واتَّخذَ موسى طريقَ الحوتِ في البحرِ عجبًا] (٨) يَعْجَبُ منه.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

قال: موسى يَعْجَبُ من أَثَرِ الحوتِ في البحرِ، ودَوَّارتِه (١) التى غاب فيها، فوجد عندها خَضِرًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾: فكان موسى (٣) اتخَذ سبيلَه في البحرِ عجبًا، فكان (٤) يَعْجَبُ من سَرَبِ الحوتِ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

قال: عَجَبٌ واللهِ، حوتٌ كان يؤكَلُ منه دهرًا، أيُّ شيءٍ أعجبُ من حوتٍ كان دهرًا من الدهورِ يؤكَلُ منه، ثم صار حيًّا حتى حُشِر (٦) في البحرِ (٧).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يَبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ يَعْجَبُ من ذلك (٨).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن بن عباسٍ: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

قال: [اتخذ موسى سبيلَ الحوتِ عجبًا] (١).

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفتاه: ﴿ذَلِكَ﴾ يعنى بـ ﴿ذَلِكَ﴾: نسيانَك الحوتَ، ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾.

يقولُ: الذى كنا نلتمسُ ونطلُبُ؛ لأن موسى كان قِيل له: صاحبُك الذى تُرِيدُهُ حيث تنسَى الحوتَ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾.

قال موسى: فذاك حيث (٢) أُخبِرتُ أَنِّي واجدٌ خَضِرًا حيث يفوتُني الحوتُ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٤)، إلَّا أنه قال: حيث يفارِقُني الحوتُ.

وقولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

يقولُ: فرجَعا في الطريقِ الذي كانا قطَعاه ناكصين على أدبارِهما يَقُصَّان آثارَهما التي كانا سلَكاها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَصَصًا﴾.

قال: اتَّبَع موسى وفتاه أثرَ الحوتِ، فشقَّا (١) البحرَ راجعَين (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

قال: اتِّباعُ موسى وفتاه أثرَ الحوتِ بشقِّ البحرِ، وموسى وفتاه راجعان، وموسى يعجَبُ من أثرِ الحوتِ في البحرِ ودوَّارتِه (٣) التي غاب فيها.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: رجَعا عودَهما على بدئِهما، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: " ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

أى: يَقُصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوتِ" (٤).

وقولُه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾.

[يقولُ: فوجَد موسى وفتاه عنَد الصخرةِ حين رجَعا إليها ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾.

ذُكِر أنه الخضِرُ، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾] (١).

يقولُ: وهَبنا له رحمةً من عندِنا، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.

يقولُ: وعلَّمناه من عندِنا أيضًا علمًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.

أي: من عندِنا علمًا.

وكان سببَ سفرِ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فيما ذُكِر، أن موسى سُئِل: هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟

فقال: لا.

أو حدَّثته نفسُه بذلك، فكُرِه ذلك له، فأراد اللهُ تعريفَه أن من عبادِه في الأرضِ من هو أعلمُ منه، وأنه لم يكنْ له أن يَحْتِمَ على ما لا علمَ له به، ولكن كان ينبغي له أن يكِلَ ذلك إلى عالِمه.

وقال آخرون: بل كان سببَ ذلك أنه سأَل اللهَ جَلَّ ثناؤُه أَن يَدُلَّه على عالمٍ يزدادُ من علمِه إلى علمِ نفسِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل موسى ربَّه، فقال: ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليكَ؟

قال: الذي يذكُرُني ولا ينسَاني.

قال: فأيُّ عبادِك أقضَى؟

قال: الذى يقضِى بالحقِّ ولا يَتَّبِعُ الهوى.

قال: أى ربِّ، أيُّ عبادِك أعلمُ؟

قال: الذي يبتغِي علم الناسِ إلى علمِه (١)، عسى أن يُصِيبَ كلمةً تهديه إلى هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى.

قال: ربِّ، فهل في الأرضِ أحدٌ (٢)؟

قال: نعم.

قال: ربِّ، فمَن هو؟

قال: الخَضِرُ.

قال: وأين أطلُبُه؟

قال: على الساحلِ عندَ الصخرةِ التى يَنْفَلِتُ عندَها الحوتُ.

قال: فخرَج موسى يطلُبُه، حتى كان ما ذكَر اللهُ، وانتهَى موسى إليه عندَ الصخرةِ، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه، فقال له موسى: إنى أُرِيدُ أن تَستصحِبَني.

قال: إنك لن تُطِيقَ صُحبَتى.

قال: بلى.

قال: فإن صحِبتَى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ إلى قولِه: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

قال: فكان قولُ موسى في الجدارِ لنفسِه، ولطلبِ شيءٍ من الدنيا، وكان قولُه في السفينةِ وفي الغلامِ للَّهِ، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.

فَأَخْبَره بما قال اللهُ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾.

قال: فسار به في البحرِ حتى انتهَى إلى مجمعِ البحورِ، وليس في الأرضِ مكانٌ أكثرُ ماءً منه.

قال: وبعَث ربُّكَ الخُطَّافَ (٣) فجعَل يستقِى منه بمِنقارِه.

فقال لموسى: كم ترَى هذا الخطافَ رَزَأَ (٤) من هذا الماءِ؟

قال: ما أقلَّ ما رَزَأ.

قال: يا موسى، فإن علمى وعلمَك في علمِ اللهِ كقدْرِ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ.

وكان موسى قد حدَّث نفسَه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلَّم به، فمِن ثَمَّ أُمِرَ أَن يَأْتِيَ الخَضِرَ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خطَب موسى بني إسرائيلَ، فقال: ما أحدٌ أعلمَ باللهِ وبأمرِه منى.

[فأُمِر أن يلقَى] (٢) هذا الرجلَ (٣).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ أنه قِيل له: إن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك.

فخرَج هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ، وتزوَّدوا (٤) حوتًا مملوحًا، حتى إذا كانا حيث شاء اللهُ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ رُوحَه، فسرَب في البحرِ، فاتخَذ الحوتُ طريقَه سَرَبًا في البحرِ، فَسَرَب فيه، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ حتى بلَغ قولَه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، فكان موسى اتخذ سبيله في البحرِ عجبًا، فكان يَعْجَبُ من سَرَبِ الحَوتِ (٥).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما اقتصَّ موسى أثرَ الحوتِ انتهَى إلى رجلٍ راقدٍ قد سجَّى عليه ثوبَه، فسلَّم عليه موسى، فكشَف الرجلُ عن وجهِه، فردَّ (٦) عليه السلامَ وقال: مَن أنتَ؟

قال: موسى.

قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟

قال: نعم.

قال: أوَما كان لك في بنى إسرائيلَ شغلٌ؟

قال: بلى، ولكنى أُمِرتُ أن آتِيكَ وأَصْحبَك.

قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.

كما قصَّ اللهُ، حتى بلَغ (١): ﴿رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ صاحبُ موسى، ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.

يقولُ: نُكْرًا.

﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (٢) بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أَن الخضِرَ ليس بصاحبِ موسى.

فقال: كذَب عدوُّ اللهِ، حدَّثنا أبيُّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن موسى قام في بني إسرائيلَ خطيبًا، فقيل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟

قال: أنا.

[فعتَب اللهُ] (٤) عليه حينَ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فقال: بلى، عبدٌ لي عندَ مجمعِ البحرين.

فقال: يا ربِّ، كيف به؟

فقيل: تأخُذُ حوتًا فتجعَله في مِكْتَلٍ، [فحيث تفقِدُه فهو هناك.

قال: فأخَذ حوتًا فجعَله في مِكْتلٍ] (٥).

ثم قال لفتاه: إذا فقَدتَ هذا الحوتَ فأخبِرْني.

فانطلَقا يمشِيان على ساحلِ البحرِ حتى أتيا صخرةً، فرقَد موسي، فاضطرَب الحوتُ في المِكْتَلِ، فخرَج فوقَع في البحرِ، فأمسَك اللهُ عنه جِرْيَةَ الماءِ، فصار مثلَ الطَّاقِ، فصار للحوتِ سَرَبًا، وكان لهما عجبًا، ثم انطلَقا، فلما كان حين الغَداءِ (٦)، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.

قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوَز حيث أمره اللهُ.

قال: فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

قال: فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

قال: يَقُصَّان آثارَهما.

قال: فأَتَيا الصخرةَ، فإذا رجلٌ نائمٌ مُسَجًّى بثوبِه، فسلَّم عليه موسى، فقال: وأَنَّى بأرضِنا السلامُ!

فقال: أنا موسى.

فقال: موسى (١) بني إسرائيلَ؟

قال: نعم.

قال: يا موسى، إنى على علمٍ من علمِ اللهِ، علَّمنيه اللهُ لا تعلَمُه، وأنت (٢) على علمٍ من علمِه علَّمكه اللهُ (٣) لا أَعلَمُه.

قال: فإني ﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.

قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

فانطلَقا يمشِيان على الساحلِ، فعُرِف الخضِرُ، فحُمِل بغيرِ نَوْلٍ، فجاء عصفورٌ، فوقع على حرفِها فنقَر -أو: فنقَد- في الماءِ، فقال الخضِرُ لموسى: ما ينتقصُ (٤) عِلْمِي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا مقدارَ ما نقَر -أو نقَص- هذا العصفورُ من البحر" -أبو جعفر يشكُّ، وهو في كتابه: نقَر- قال: "فبينما [هم في السفينةِ] (٥) إذ لم يُفْجأْ موسى إلا وهو يتِدُ وَتِدًا أو ينزعُ تَخْتًا منها، فقال له موسى: حُمِلْنا بغيرِ نَوْلٍ وتخرِقُها لتُغرِقَ أَهْلَهَا؟

﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.

قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.

قال: وكانت الأولى من موسى نِسْيانًا.

قال: ثم خرَجَا فانْطَلَقا يَمشِيان، فأبْصَرا غلامًا يلعَبُ مع الغِلْمانِ، فأخَذ برأسِه فقَتَله، فقال له موسى: (أَقَتَلْتَ نفْسًا زَاكِيَةً بغيرِ نَفْسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكْرًا).

قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.

قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾.

فلم يجدا أحدًا يُطْعِمُهم ولا يَسقِيهم، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ بيدِه، قال: مسَحَه بيدِه، فقال له موسى: لم يُضَيِّفُونا ولم يُنْزِلُونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (١) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ".

قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لَوَدِدتُ أنَّه كان صبَر حتى يَقُصَّ عَلَيْنا قَصَصَهم" (٢).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جلستُ عندَ (٣) ابنِ عباسٍ وعندَه نفرٌ من أهلِ الكتابِ، فقال بعْضُهم: يا أبا العباسِ، إن نوفًا ابنَ امرأةِ كعبٍ يزعُمُ عن كعبٍ، أن موسى النبيَّ الذى طلَب العالمَ إنَّما هو موسى بنُ مَنْسَا (٤).

قال سعيدٌ: قال ابنُ عباسٍ: أنَوْفٌ يقولُ هذا؟

قال سعيدٌ: فقلتُ له نعمْ، أنا سمِعتُ نوفًا يقولُ ذلك.

قال: أنتَ سمِعتَه يا سعيدُ؟

قال: قلتُ: نعم.

قال: كذَب نوفٌ.

ثم قال ابنُ عباسٍ: حدَّثني أبيُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّ موسى نبيُّ بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أىْ ربِّ، إن كان في عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فَادْلُلْنِي عليه.

فقال له: نعمْ في عبادِى مَن هو أعلمُ مِنكَ.

ثم نعَت له مكانَه، وأذِن له في لُقِيِّه، فخَرَج موسى ومعه فتاه ومعه حوتٌ مليحٌ، قد قيل له: إذا حَيِىَ هذا الحوتُ في مكانٍ فصاحِبُك هنالك، وقد أدرَكْتَ حاجتَك.

فخرَج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوتُ يَحْمِلانِه، فسار حتى جَهَدَه السَّيرُ، وانتهى إلى الصَّخرةِ وإلى ذلك الماءِ، [وذلك الماءُ] (١) ماءُ الحياةِ، من شرِب منه خُلِّد، ولا يقارِبُه شَيْءٌ مَيِّتٌ إِلا حَيِيَ، فلمَّا نزَلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيِيَ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

فَانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا بمَنْقَلةٍ (٢) قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.

قال الفَتَى وذكَر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

قال ابن عباسٍ: فظَهر موسى على الصخرةِ حين انْتَهَيا إليها، فإذا رجلٌ مُتَلفِّفٌ في كساءٍ له، فسَلَّم موسى، فردَّ عليه العالمُ، ثم قال له: [ومن أنت؟

فقال: أنا موسى بنُ عمرانَ.

قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟

قال: نعم.

قال] (٣): وما جاء بك؟

إن كان لك في قومِك لشغلٌ؟

قال له موسى: جئتُكَ لتُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشْدًا.

﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ -وكان رجلًا [يَعْمَلُ على] (٤) الغَيْبِ قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى.

قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.

أى: إنما تعرِفُ ظاهرَ ما ترَى من العَدْلِ، ولم تُحطْ من علمِ الغيبِ بما أعلمُ.

﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.

وإن رأيتُ ما يُخالِفُنى.

﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

أى: فلا تسأَلْني عن شيءٍ وإِن أَنْكرتَه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

أى: خَبرًا] (٥).

فانْطلَقا يمشيان على ساحلِ البحرِ، يتعرَّضان الناسَ، يَلْتمِسان مَن يحمِلُهما، حتى مرَّت بهما سفينةٌ جديدةٌ وثيقةٌ لم يمرَّ بهما من السفنِ شيءٌ أحسنُ ولا أجملُ ولا أوثقُ منها، فسأَلا أهلَها أن يحمِلوهما، فحمَلوهما، فلما اطمأَنَّا فيها، ولَجَّجَتْ (١) بهما مع أهلِها، أخرَج مِنْقَارًا له ومِطْرَقةً، ثم عمَد إلى ناحيةٍ منها فضرَب فيها بالمِنْقارِ حتى خرَقها، ثم أخَذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلَس عليها يَرْقَعُها.

قال له موسى - [ورأَى أمرًا أُفْظِع به] (٢) -: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: [حمَلونا وآوَونا إلى سفينتِهم، وليس في البحرِ سفينةٌ مثلُها، فلِمَ خرَقتها لتغرِقَ أهلَها؟

لقد جئتَ شيئًا إمرًا] (٣)، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.

أى: بما ترَكتُ من عهدِك، ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.

ثم خرَجا من السفينةِ، فانطلَقَا حتى أتَيا أهلَ قريةٍ، فإذا غِلْمَانٌ يلعبون خَلْفَها، فيهم غلامٌ ليس في الغلمانِ غلامٌ أظرفُ ولا أَثْرَى (٤) ولا أَوْضَأُ منه، فأَخَذ (٥) بيدِه، وأخَذ حجرًا.

قال: فضرَب به رأسَه حتى دمَغه فقتلَه.

قال: فرأَى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيٌّ صغيرٌ قتَله (٦) لا ذنبَ له، ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (٧)﴾.

أى: صغيرةً ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.

أى: قد أُعذِرْتَ في شأني.

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فهدَمه، ثم قعد يَبْنِيه، فضجر موسى مما رآه يصنَعُ من التكلُّفِ (١) لما ليس عليه صبرٌ، فقال: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (٢) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

أى: قد استطعَمناهم فلم يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فلم يُضيِّفُونا، ثم قعَدتَ تعمَلُ (٣) فِي غيرِ ضَيْعةٍ (٤)، ولو شِئْتَ لأُعْطِيتَ عليه أجرًا في عملِه!

﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ (٥) غَصْبًا﴾ - وفي قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ: (كلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ) (٦) -وإنما عِبتُها لأَرُدَّه عنها، فسَلِمَتْ منه حينَ رأَى العيبَ الذى صنَعتُ بها، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾.

أى: ما فعلتُه عن نفسى، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.

فكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما كان الكنزُ إلا علمًا (٧).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: قيل لابنِ عباسٍ: لم نَسمَعْ لفتى موسى بذكرٍ من حديثٍ، وقد كان معه؟

فقال ابنُ عباسٍ -فيما يَذْكُرُ من حديثِ الفتى- قال: شرِب الفتى من الماءِ فخُلِّد، فأخَذه العالِمُ فطابَق به سفينةً، ثم أرسَله في البحرِ، فإنها لتموجُ به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يَكُنْ له أن يشرب منه فشرِب (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية.

قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أَنزَل قومَه مصرَ، فلما استقرت بهم الدارُ أنزل الله عليه، أن ذكِّرْهم بأيَّام اللهِ.

فخطب قومه، فذكر ما آتاهم اللهُ من الخيرِ والنعمةِ، وذكَّرَهم إذ أنجاهم اللهُ من آلِ فرعونَ، وذكَّرَهم هلاكَ عدوِّهم، وما استخلَفهم اللهُ في الأرضِ، وقال: كلَّم الله نبيَّكم تكليمًا، واصطفَاني لنفسه، وأنزَل عليَّ محبةً منه، وآتاكم اللهُ من كلِّ ما سأَلتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهلِ الأرضِ، وأنتم تقرَءُون التوراةَ.

فلم يترُكْ نعمةً أنعمَها اللهُ عليهم إلَّا ذكَرها، وعرَّفها إياهم.

فقال له رجلٌ من بني إسرائيلَ: هو كذلك يا نبيَّ اللهِ، قد عرَفنا الذي تقولُ، فهل على الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك يا نبيَّ الله؟

فقال: لا.

فبعَث اللهُ جبريلَ إلى موسى ﵉، فقال: إن اللهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ عِلْمى؟

بلى، إن على شطَّ البحرِ رجلًا أعلمَ منكَ.

فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ.

فسأَل موسى ربَّه أن يُرِيَه إياه، فأوحَى اللهُ إليه أن ائْتِ البحرَ، فإنك تجِدُ على شطَّ البحرِ حُوتًا، فخُذْه فادفَعْه إلى فتَاك، ثم الزَمْ شطَّ البحرِ، فإذا نسِيتَ الحوتَ وهلَك منكَ، فثَمَّ تَجِدُ العبدَ الصالحَ الذى تطلُبُ.

فلما طال سفرُ موسى نبيِّ اللهِ ﵇، ونَصِب فيه، سأَل فتاه عن الحوتِ، فقال له فتاه، وهو غلامُه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك.

قال الفتى: لقد رأَيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه في البحرِ سَرَبًا.

فأعجَب ذلك موسى، فرجَع حتى أتَى الصخرةَ، فوجَد الحوتَ، [فجعَل الحوتُ] (١) يضربُ في البحرِ، ويتْبَعُه موسى، وجعَل موسى يُقدِّمُ عصاه يَفرُجُ بها عنه (٢) الماءَ يَتْبَعُ الحوتَ، وجعَل الحوتُ لا يمسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ ﵇ يَعْجَبُ من ذلك حتى انتهَى به الحوتُ إلى جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، فلقِى الخَضِرَ بها فسلَّم عليه، فقال الخضرُ: وعليك السلامُ، وأنى يكونُ هذا السلامَ بهذه الأرضِ!

ومَن أنتَ؟

قال: أنا موسى.

فقال له الخضرُ: أصاحبُ بني إسرائيلَ؟

قال: نعم.

فرحَّب به، وقال: ما جاء بك؟

قال: جئتُكَ على أَن تُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشدًا.

قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.

يقولُ: لا تُطِيقُ ذلك.

قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.

قال: فانطلق به وقال له: لا تسأَلْنى عن شيءٍ أصنَعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه.

فذلك قولُه: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

فرَكبا في السفينةِ يُرِيدان البرَّ، فقام (٣) الخضرُ فخرق السفينةَ، فقال له موسى: ﴿خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى صلى الله عليه لما قطَع البحرَ وأنجاه اللهُ من آلِ فرعونَ، جَمَع بني إسرائيلَ، فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك الله عدوَّكم، وأقطعكم البحر، وأَنْزَل عليكم التوراةَ.

قال: فقيل له: إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك.

قال: فانطلق هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ يطلُبانِه، فتزوَّدوا (١) مملوحةً في مِكْتَل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقِيتما رجلًا عالمًا يقال له: الخَضِرُ.

فلما أتيا ذلك المكانَ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ روحَه، فسرَب له من الجُدِّ (٢) حتى أَفْضَى إلى البحر، ثم سلَك، فجعَل لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا.

قال: ومضى موسى وفتاه.

يقولُ الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾.

ثم تلا إلى قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.

فلقيا رجلًا عالمًا يقالُ له: الخضرُ، فذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "إنما سُمِّي الخَضِرُ خضِرًا؛ لأنه قعَد على فَروةٍ (٣) بيضاءَ فاهتزَّت به خضراءَ" (٤).

حدثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنى الأوزاعيُّ، قال: حدثنى الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنه تمارَى هو والحُرُّ بنُ قيسِ بنِ حِصْنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى، فقال ابنُ عباسٍ: هو خضِرٌ.

فمرَّ بهما أبيُّ بنُ كعبٍ، فدعاه ابنُ عباسٍ، فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبِ موسى الذى سأل السبيلَ إلى لُقِيِّه، فهل (٥) سمِعتَ رسولَ اللهِ يذكُرُ شأنَه؟

قال: نعم (٦)، سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "بيْنَا موسى في ملأٍ من بنى إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ [مكانَ أحدٍ] (٧) أعلمَ منك؟

قال موسى: لا.

فأَوْحَى الله إلى موسى: بلي، عبدُنا (١) خضِرٌ.

فسأل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّه، فجعَل اللهُ له الحوتَ آيةً، وقيل له: إذا افتقدتَ (٢) الحوتَ فارجِعْ فإنك ستلقاه.

فكان موسى يتْبعُ أثرَ الحوتِ في البحرِ، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾.

قال موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا﴾ (٣)، خَضِرًا، وكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابِه" (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ عمرَ النُّميريُّ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سمِعتُ الزهريِّ يحدِّثُ، قال: أخبرني عبيدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه تمارَى هو والحرُّ بن قيسِ بن حصنٍ الفَزاريُّ في صاحبِ موسى.

ثم ذكَر نحوَ حديثِ العباسِ، عن أبيه (٥).

القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ (٦) مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للعالمِ: هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنى من العلمِ الذى علَّمك اللهُ، ما هو رَشادٌ إلى الحقِّ ودليلٌ على هدًى؟

قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ: إنَّك لن تُطِيقَ الصبرَ معى؛ وذلك أَنِّي أعْمَلُ بباطنِ علمٍ علَّمَنيه اللهُ، ولا عِلمَ لك إلَّا بالظاهرِ من الأُمورِ، فلا تَصبِرُ على ما تَرى منِّى (١) من الأفعالِ.

كما ذكَرْنا مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ قبلُ مِن أنَّه كان رجلًا يعمَلُ على الغيبِ، قد عُلِّم ذلك (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قولِ العالمِ لموسى: وكيف تَصْبِرُ يا موسى على ما تَرى منِّى من الأفعالِ التى لا علْمَ لك بوجوه صوابِها، وتُقيمُ معى عليها، وأنت إنما تحكُمُ على صوابِ المُصيبِ، وخَطأِ المُخْطئِ، بالظاهرِ الذي عندَك، وبمَبْلغِ علمِك، وأفعالى تَقَعُ بغيرِ دليلٍ ظاهرٍ لرأْيِ عينِك على صوابِها؛ لأنَّها تُبتَدَأُ لأسبابٍ تحدُثُ آجلةً غيرَ عاجلةٍ، لا علمَ لك بالحادثِ عنها؛ لأنَّه (٣) غَيْبٌ، و [لم تُحِطْ] (٤) بعلمِ الغيبِ ﴿خُبْرًا﴾.

يقولُ: علمًا.

﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا﴾.

[يقولُ: قال موسى للعالمِ: ستجِدُني إن شاء اللهُ صابرًا] (٥) على ما أرَى منك، وإن كان خلافًا لما هو عندِى صوابٌ، ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.

يقولُ: وأنتهِى إلى ما تأْمُرُنى وإن لم يكنْ مُوافِقًا هواىَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: فإنِ اتَّبَعتني الآنَ فلا تَسْألني عن شيءٍ أعْمَلُه مما تَسْتَنكِرُه؛ فإنِّى قد أَعْلَمْتُك أَنِّى أعمَلُ العمل على الغيب الذى لا تُحيطُ به علمًا، ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

يقولُ: حتى أُحْدِثُ أنا لك ذِكْرًا (١) مما تَرى من الأفعالِ التي أفعلُها التى تَستَنكِرُها، [أذْكُرُه لك، وأُبَيِّنُ لك شأنَه، وأبْتَدئُك بالخبرِ عنه] (٢).

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: عن شيءٍ أصنعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ يَسِيران يطلُبان سَفِينَةً يَرْكَبانِها، حتى إذا أصاباها رَكِبا في السَّفينة، فلمَّا رَكِباها خرَق العالمُ السَّفينةَ، قال له موسى: أَخَرَقْتَها بعدما قد لَجَّجْنا فى البَحرِ؛ لتُغْرِقَ أهلها؟

﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.

يقولُ: لقد جئتَ [بشيءٍ عظيمٍ] (٤)، وفعَلتَ فِعْلًا مُنكَرًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.

أى: عَجَبًا (١)؛ أن قومًا لَجَّجُوا سفينتَهم [في البحرِ فخُرِقَتْ] (٢) كأَحْوجِ ما يكونون (٣) إليها!

ولكنْ عَلِم مِن ذلك ما لم يعلَمْ نبىُّ اللهِ موسى (٤) من علمِ اللهِ الذي أتاه، وقد (٥) قال لنبىِّ اللهِ موسى ﵇: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.

يقولُ: نُكْرًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.

قال: مُنكَرًا (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٧).

والإمْرُ في كلامِ العربِ الداهيةُ، ومنه قولُ الراجزِ (٨): قد لَقِيَ الأقرانُ مِنْكَ (١) نُكْرَا داهِيةً دَهياءَ إِدًّا إِمْرَا وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: أَصْلُه كلُّ شيءٍ شديدٍ كثيرٍ.

ويقولُ: منه قيل للقومِ: قد أَمِروا.

إذا كثُروا واشتدَّ أمْرُهم.

قال: والمصدرُ منه: الأمَرُ، والاسمُ: الإمْرُ.

واختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾.

فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾.

بالتاءِ في ﴿لِتُغْرِقَ﴾، ونصْبِ "الأهلِ" (٢)، بمعنى: لتُغرِقَ أنتَ أيُّها الرجلُ أهلَ السَّفينة بالخَرْقِ الذي خرَقْتَ فيها.

وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِيَغْرَقَ) بالياء (أهلُها) بالرفعِ (٣)، على أن "الأهلَ" هم الذين يَغْرَقون.

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِنَّهما قراءتان معروفَتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ، متَّفِقَتا المعنى وإنِ اختَلَفت ألفاظُهما، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وإنما قُلنا: هما متَّفِقتا المعنى؛ لأنه معلومٌ أن إنكارَ موسى على العالِم خَرْقَ السَّفينةِ إنما كان؛ لأنَّه كان عندَه أن ذلك سببٌ لغَرَقِ أَهْلِها إِذا أُحْدِث (٤) فيها، فلا خفاءَ على أحدٍ معنى ذلك، قُرِئ بالتاءِ ونَصْبِ "الأهلِ"، أو بالياءِ ورَفْعِ "الأهلِ".

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.

أى: بما ترَكتُ من عهدِك (١).

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنَّ موسى سألَ صاحبَه أَلَّا يُؤاخِذَه بما نَسِى فيه عهده من سؤالِه إيَّاه عن (٢) وجْهِ ما فعَل وسببِه، لا بما سألَه عنه وهو لعهدِه ذاكرٌ؛ للصحيحِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بأن ذلك معناه، مِن الخبرِ.

وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.

قال: "كانت الأُولى مِن موسى نِسْيانًا" (٣).

وقولُه: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.

يقولُ: لا تُغْشِنى ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.

يقولُ: لا [يَضِيقُ عليك] (٤) أمْرِى معك، وصُحْبَتى إيَّاك.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (٥) بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلقا حتى إذا لَقِيا غلامًا قتله العالم، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.

واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والبصرةِ: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) (١).

وقالوا: معنى ذلك: المُطَهَّرَةُ التي لا ذنبَ لها، ولم تُذيب قطُّ لصِغَرِها.

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (٢).

بمعنى التائبةِ المغفورِ لها ذنوبُها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.

قال: فالزكيةُ التائبةُ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكيَةً) قال: الزاكيةُ التائبةُ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ: (أقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً).

قال: قال الحسنُ: تائبةً (٤).

هكذا [قرَأ في الحديثِ بشرٌ والحسنُ] (٥): (زاكيةً).

حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: (نَفْسًا زاكيةً (١)): بمعنى تائبةٍ.

ذكرُ مَن قال: معناها: المسلمةُ التى لا ذنبَ لها حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني يَعلَى بنُ مسلمٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: وجَد خَضِرٌ غِلْمَانًا يلعَبون، فأَخَذ غلامًا ظريفًا، فأضْجَعَه ثم ذبَحه بالسكينِ - قال: وأخبَرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: اسمُ الغلامِ الذي قتله الخَضِرُ جَيْسُورُ (٢) - (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً (٣)).

قال: مُسْلِمةً.

قال: وقرَأها ابنُ عباسٍ: ﴿زَكِيَّةً﴾.

كقولِك: زكِيًّا (٤).

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهل الكوفة يقولُ: معنى "الزَّكِيَّةِ" و "الزاكية" واحدٌ، كـ "القاسِيَةِ" و "القَسِيَّةِ" (٥).

ويقولُ: هى التى لم تَجْنِ شيئًا.

وذلك هو الصوابُ عندى؛ لأنى لم أجِدْ فَرْقًا بينهما في شيءٍ من كلام العربِ.

فإذا كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرَأ ذلك القارئ فمُصيبٌ؛ لأنَّهما قراءتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ.

وقولُه: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقولُ: بغيرِ قِصاصٍ بنفسٍ قتلتْ فَلَزِمها القتلُ قَوَدًا بها.

وقولُه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (١)﴾.

يقولُ: لقد جئتَ بشيءٍ مُنكَرٍ، وفعلتَ فعلًا غيرَ معروفٍ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٢)﴾: والنُّكْرُ أَشدُّ مِن الإمْرِ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: ألم أقلْ لك: إنك لن [تُطِيقَ صبرًا معي] (١) على ما تَرى من أفعالى التى لم تحِطْ بها خُبْرًا؟

قال موسى له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾.

يقولُ: بعد هذه المرَّةِ، ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾.

يقولُ: ففارِقْني، ولا تكنْ لى مُصاحِبًا، ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.

يقولُ: قد بلَغتَ العذرَ في شأني.

واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (مِنْ لَدُنِي عُذرًا).

بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِ النّونِ (٢).

وقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتشديدِ النونِ (٣).

وقرأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ بإشْمامِ [الدالِ الضَّمَّ وتسكينها] (٤) وتخفيفِ النونِ (٥).

وكأنَّ الذين شدَّدوا النونَ طلبوا للنونِ التى فى "لَدُنْ" السلامةَ من الحركةِ، إذ كانت في الأصلِ ساكنةً، ولو لم تشدَّدْ لَتَحَرَّكت، فشَدَّدوها كراهةً منهم تحريكَها، كما فعَلوا ذلك (٦) فى "من" و "عن" إذا أضافوهما إلى مكنىِّ المخبِرِ عن نفسِه، فشدَّدوها (٧)، فقالوا: منِّى، وعنِّى.

وأما الذين خفَّفوها، فإنَّهم وجَدوا مكنىَّ المُخبِرِ عن نفسِه فى حالِ الخفضِ ياءً وحدَها لا نونَ معها، فأجْرَوا ذلك مع (٨) "لَدُنْ" على حسَبِ ما جرَى به كلامُهم فى ذلك مع سائرِ الأشياءِ غيرِها.

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنَّهما لُغَتان فَصِيحتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأةُ للقرآنِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أَعْجَبَ القراءتين إلىَّ فى ذلك قراءةُ مَن فتَحَ اللامَ وضمِّ الدالَ وشدَّد النونَ؛ لعِلَّتين؛ إحداهما أنَّها أشهرُ اللُّغتَينِ، والأُخْرَى أن محمدَ بنَ نافعٍ البصرىِّ حدَّثنا، قال: ثنا أميةُ بن خالدٍ، قال: ثنا أبو الجاريةِ العبديُّ، [عن شعبةَ] (١)، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أبيٍّ، أن النبيَّ ﷺ قرَأ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلةً (٢).

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ مثله.

وذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ تلا هذه الآيةَ، فقال: [اسْتَحْيا نبيُّ] (٣) اللهِ موسى".

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بدَلُ بنُ المَحَبَّرِ، قال: ثنا عبّادُ بنُ رَاشدٍ، قال: ثنا داودُ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: [اسْتَحْيا نبيُّ] (١) الله موسى عندَها".

حدَّثني عبد الله بن أبى زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا ذكَر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذاتَ يومٍ: "رَحمَةُ اللهِ علينا وعلى موسى، لو لَبِث مع صاحبِه لأبْصَرَ العَجَبَ، ولكنَّه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.

مُثَقَّلَةً (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ حتى إذا أتَيَا أهل قريةٍ اسْتَطْعما أهلَها من الطَّعام فلم يُطعموهما، واسْتَضافاهم فأبَوْا أن يُضَيِّفُوهما، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾.

يقولُ: وجَدا في القرية حائطًا يُريدُ أن يسْقُطَ ويقَعَ.

يُقال منه: انقَضَّتِ الدارُ.

إذا انْهدَمَت وسقَطَت.

ومنه انقضاضُ [الكواكبِ، وذلك سُقوطُها وزوالُها عن أماكنِها] (٣)، ومنه قولُ ذي الرُّمةِ (٤): *فانْقَضَّ كالكَوْكبِ الدُّرّىِّ مُنصَلِتًا* وقد روُى عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه قرَأ ذلك: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَاصَ (١)).

وقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ إذا قُرِئ ذلك كذلك، في معناه؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ (٢): مجازُ (ينْقاصَ (٣)): ينقلِعَ (٤) من أصلِه، ويَتَصدَّعَ (٥).

بمنزلِة قولِهم: قد انْقاصَتِ (٦) السِّنُّ.

أى: انْصَدَعت (٧) وتصَدَّعَت (٨) مِن أصْلِها، يقالُ (٩): فِراقٌ كقَيْصِ (١٠) السِّنِّ.

أى (١١): لا يجتمِعُ أهلُه.

وقال بعضُ الكوفيين (١٢): الانْقِياصُ (١٣): الشَّقُّ في طولِ الحائط وفى طيِّ البئرِ وفى سنِّ الرجلِ، يُقالُ: قد انقاصَت (١٤) سنُّه.

إذا انشَقَّتْ طولًا.

وقيل: إن القريةَ التى اسْتَطْعم أهلَها موسى وصاحبُه فأبَوْا أن يضَيِّفوهما؛ الأُبُلَّةُ (١).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارِعُ، قال: ثنا عمرانُ بنُ المعتمرِ صاحبُ الكَرابيسِ (٢)، قال: ثنا حمادٌ أبو صالحٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: انتابُوا الأُبلَّةَ (١) فإنه قَلَّ مَن يأتيها فيَرْجِعُ منها خائبًا، وهى الأرضُ التي أبَوْا أَن يُضَيِّفوهما، وهى أبعدُ أرضِ اللهِ من السماءِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾.

وتَلا إلى قولِه: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

شرُّ القُرَى التي لا تُضَيِّفُ الضَّيفَ، ولا تعرِفُ لابنِ السبيل حقَّه (٤).

واختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ فى معنَى قولِ اللهِ ﷿: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾.

فقال بعضُ أهلِ البصرةِ (٥): ليس للحائطِ إرادةٌ ولا للمواتِ، ولكنَّه إذا كان في هذه الحالِ من رَبِّه (٦) فهو إرادتُه، وهذا كقولِ العربِ في غيرِه (٧): يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبي (٨) بَرَاءٍ … ويَرْغَبُ عن دماءِ بنى عَقيلِ وقال آخرُ منهم: إنما كلَّم القومَ بما (١) يعْقِلون.

قال: وذلك لمَّا دنا من الانْقِضاضِ جاز أن يقولَ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾.

قال: ومثلُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [مريم: ٩٠، والشورى: ٥].

وقولُهم: إني لأكادُ أطيرُ من الفرحِ.

وأنت لم تقرَبْ من ذلك ولم تهُمَّ به، ولكن لعظمِ الأمرِ عندَك.

وقال بعضُ الكوفيِّين منهم (٢): مِن كلامِ العربِ أن يقولوا: الجدارُ يريدُ أن يسقُطَ.

قال: ومثلُه من قولِ العربِ قولُ (٣) الشاعرِ (٤): إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِى بِجُمْلٍ (٥) … لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وقولُ الآخرِ (٦): يَشْكو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى [صَبرًا جميلًا] (٧) فكِلانا مُبتَلَى قال: والجملُ لم يَشْكُ، إنَّما تُكُلِّم به على أنَّه لو تكلَّمَ لقال ذلك.

قال: وكذلك قولُ عنترةَ (٨): وازْوَرَّ مِن وَقْعِ القَنا بلَبانِه … وشَكا إلىَّ بعَبرَةٍ وتَحْمْحُمِ قال: ومثلُه (١) قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤].

والغضبُ لا يَسْكُتُ، إنما يَسْكُتُ صاحبُه، وإنَّما معناه: سكَن.

وقولُه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١].

إِنَّما يعزِمُ أهله.

وقال آخرُ منهم: هذا مِن فَصِيح كلامِ العربِ.

وقال: إِنَّما إرادةُ الجدارِ مَيلُه، كما قال النبيُّ ﷺ: "لا تَرَاءى نَارَاهما" (٢).

وإنَّما هو أن تكونَ ناران؛ كلُّ واحدةٍ (٣) منهما (٤) من صاحبتِها [بالموضع الذي] (٥) لو قام فيه إنسانٌ رأى الأُخْرَى في القُرْبِ.

قال: وهو كقولِ اللهِ ﷿ في الأصنام: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨].

قال: والعرب تقولُ: دارى تَنْظُرُ إلى دارِ فلانٍ.

تعنى قُربَ ما بينَهما.

واستشهد بقول ذى الرُّمة فى وصِفْه حوضًا أو منزلاً دارِسًا (٦): *قَد بادَ (٧) أَوْ قَدْ هَمَّ بالبُيودِ* قال: فجعله يَهُمُّ، وإِنَّما معناه أنه قد تغَيَّر للبِلَى.

والذى نقولُ به فى ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه بلطفه جعَل الكلامَ بين خلقِه رحمةً منه بهم، ليُبِينَ بعضُهم لبعضٍ عمَّا في ضمائرِهم مما لا تُحِسُّه أبصارُهم، وقد عَقَلتِ العربُ معنَى القائلِ (١): في مَهْمَهٍ قَلِقَتْ به هاماتُهَا … قَلَقَ الفُئُوس إذا أَرَدْنَ نُصُولا (٢) وفهِمَت أن الفُئوس لا تُوصَفُ بما تَوصَفُ به بنو آدمَ من ضمائرِ الصدورِ، مع وصْفِها إيَّاها بأنَّها تُريدُ، وعَلِمَت ما يريدُ القائلُ بقولِه: كمثْلِ هَيْلِ النَّقا (٣) طافَ المُشاةُ به … يَنْهالُ حِينًا ويَنْهاه الثَّرَى حِينًا وأنَّه (٤) لم يُرِدْ بأنَّ الثَّرى نطَق، ولكنَّه أراد به أنه تلبَّدَ بالنَّدَى فمنَعه من الانْهيالِ، فكان مَنْعُه إيَّاه من ذلك كالنَّهْي من ذَوى المَنطِقِ فلا ينهالُ.

وكذلك قولُه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾.

قد عَقَلَت (٥) أن معناه: قد قارَب من أن يقَعَ أو يسقُطَ.

وإنما خاطَب جلَّ ثناؤُه بالقرآنِ من أُنزِل الوحْيُ بلسانِه، وقد عَقَلوا ما عنَى به، وإِن اسْتَعَجَمَ عن فَهْمِه ذوو البلادةِ والعَمَى، وضلَّ فيه ذوو الجهالةِ والغَبَا.

وقولُه: ﴿فَأَقَامَهُ﴾.

ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: هدَمه ثم قعَد يبْنيه.

حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ ابن عُمارة، عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ (٦).

وقال آخرون فى ذلك ما (١) حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾.

قال: رفَع (٢) الجدارَ بيدِه فاسْتَقامَ (٣).

[قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخبَرني أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: مسَحه بيدِه فاستقام] (٤).

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ أخبَرَ أن صاحبَ موسى وموسى وجَدا جِدارًا يُريدُ أن ينقضَّ فأقامَه صاحبُ موسى.

بمعنَى: عَدَّل ميلَه حتى عاد مُسْتَوِيًا.

وجائزٌ أن يكون كان ذلك بإصلاحٍ بعدَ هَدْمٍ.

وجائزٌ أن يكونَ كان برَفْعٍ (٢) منه له بيدِه، فاسْتَوى بقُدْرَةِ اللهِ، وزال عنه ميلُه بلُطفِه، ولا دلالةَ من كتابٍ ولا خبرٍ للعذرِ قاطعٍ بأىِّ ذلك كان من أىٍّ.

وقولُه: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

يقولُ: قال موسى لصاحبِه: لو شِئتَ لم تُقِمْ لهؤلاء القوم جدارَهم حتى يُعْطوكَ على إقامتِكه أجرًا.

فقال بعضُهم (٥): إنما عَنَى موسى بالأجرِ الذى قال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: القِرَى، أي: حتى يَقْرُونا، فإِنَّهم قد أبَوْا أَن يُضيِّفونا.

وقال آخرون: بل عنَى بذلك العِوضَ والجزاءَ على إقامتِه الحائطَ المائلَ.

واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

على التوجيهِ منهم له إلى أنَّه "لافْتَعَلْتَ" من الأخْذِ (١).

وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (لو شِئْتَ لَتَخِذْتَ).

بتخفيفِ التاءِ وكسرِ الخاءِ (٢)، وأصلُه "لافْتَعلتَ"، غير أنَّهم جعَلوا التاءَ كأنَّها من أصلِ الكلمةِ، وكأنَّ (٣) الكلام عندهم في "فَعِل" و "يَفْعَلُ" من ذلك: تخِذ فلانٌ كذا يَتْخَذُ من تَخَذًا.

وهى لغةٌ فيما ذُكِر لهُذَيلٍ، وقال بعضُ الشعراءِ (٤): وقد تَخِذَتْ رِجْلى لَدَى جَنْبِ غَرْزِها … نَسِيفًا (٥) كأُفْحُوصِ القَطاةِ (٦) المُطَرْقِ (٧) والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما لُغَتان مَعْروفَتان من لغاتِ العربِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى أختارُ قرَاءتَه بتشديدِ التاءِ على "لافْتَعَلتَ"؛ لأنَّها أفصحُ اللُّغَتَين وأشهرُهما، وأكثرُهما على ألْسُنِ العربِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال صاحبُ موسى لموسى: هذا القولُ (١) الذي قلتَه -وهو قولُه: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ - ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.

يقولُ: فُرْقةُ ما بينى وبينَكَ.

أى: مُفَرِّقٌ بينى وبينَك.

﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾.

يقولُ: سأُخْبِرُك ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.

يقولُ: بما تَئُولُ إليه عاقبةُ أفْعَالى التى فعَلْتُها فلم تَسْتَطِعْ على تَرْكِ المسألة عنها، وعن النَّكير علىَّ فيها صبرًا.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾.

يقولُ: أما فِعْلِى ما فعَلتُ بالسفينة، فلأنها كانت لقومٍ مساكينَ ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ بالخَرْقِ الذي خرَقتُها.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾.

قال: أُخْرِقَها (٢).

حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾.

يقولُ: وكان أمامَهم وقُدّامَهم ملِكٌ.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾.

قال قتادةُ: أمامَهم، ألا تَرى أنه يقولُ: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠].

وهى بينَ أيدِيهم (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان في بعضِ (٢) القراءةِ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا).

وقد ذُكِر عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ ذلك: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ) (٣).

قال أبو جعفرٍ: وقد جعل بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ (٤) "وراءَ" من حروفِ الأضدادِ، وزعَم أنه يَكُونُ لِمَا هو أمامَه ولِمَا خلفَه، واستَشهَد لصحةِ ذلك بقولِ الشاعرِ (٥): أتَرْجُو (٦) بَنُو مَرْوَانَ سَمْعى وطاعَتِي … وَقَوْمى تَمِيمٌ والفَلَاةُ وَرَائِيا بمعنى أمامى.

وقد أَغفل وجهَ الصوابِ في ذلك، وإنما قيل لِمَا بينَ يديك (١): هو ورائى.

لأنك مِن ورائِه، فأنتَ مُلاقيه كما هو مُلاقيك، فصار إذ كان مُلاقِيَك كأنه مِن وَرائِك وأنت أمامَه.

وكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ الكُوفةِ (٢) لا يُجِيزُ أن يُقالَ لرجلٍ بينَ يديْك: هو ورائى.

ولا إذا كان وراءَك أن يقالَ: هو أمامى.

ويقولُ: إِنما يَجُوزُ ذلك في المواقيتِ من الأيامِ والأزمنةِ؛ كقولِ القائلِ: وراءَك بَرْدٌ شديدٌ.

وبينَ يديْك حرٌّ شديدٌ؛ لأنك أنت وراءَه، فجاز؛ لأنه شيءٌ يأتى، فكأنه إذا لَحِقَك صار مِن ورائِك، وكأنك إذا بَلَغْتَه صار بين يديك.

قال: فلذلك جاز الوجهان.

وقولُه: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فيقولُ (٣) القائلُ: فما أغنى خَرْقُ هذا العالِمَ السفينةَ التي رَكِبها عن أهلِها، إذ الذى (٤) كان من أجلِه (٥) خَرَقَها يَأْخُذُ السفنَ كلَّها؛ مَعِيبَها وغيرَ مَعِيبِها؟

وما كان وجهُ اعتلالِه فى خرقِها بأنه خرَقها؛ لأنَّ وراءَهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا؟

قيل: إن معنى ذلك أنه يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا، ويَدَعُ منها كلَّ مَعِيبةٍ، لا أنه كان يأخُذُ صِحاحَها وغيرَ صِحاحِها.

فإن قال: وما الدليلُ على أن ذلك كذلك؟

قيل: قولُه: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، فأَبانَ بذلك أنه إنما عابَها لأن المَعِيبةَ منها لا يَعْرضُ لها، فاكتُفِى بذلك من أن يقالَ: وكان وراءهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا.

على أن ذلك فى بعض القراءةِ كذلك (٦).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هي في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحةٍ غصبًا) (١).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثني الحسنُ بنُ دينارٍ (٢)، عن الحكم بنِ عُتَيْبةَ (٣)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: في قراءةِ أُبَىٍّ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وإنما عِبْتُها لأَرُدَّه عنها (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾: فإذا خَلَفوه أَصْلَحوها بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعوا بها.

قال ابنُ جريجٍ: أخبرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبَائيِّ (٥)، أن اسمَ الرجلِ الذى كان يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا هُدَدُ بنُ بُدَدَ (٦).

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأما الغلامُ فإنه كان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فعَلِمنا أنه يُرْهِقُهما.

يقولُ: يُغَشِّيهما ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو الاستكبارُ على اللهِ، [﴿وَكُفْرًا﴾ به] (١).

وقد ذُكر أن ذلك في بعضِ الحروفِ: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا).

ذكرُ مَن قال ذلك وقال نحوَ الذي قُلنا فيه من التأويلِ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: (وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا).

في حرفِ أُبَىٍّ، وكان أبواه مؤمنَين، (فَأَرَدْنَا أن يُبْدِلَهما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْه زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وأمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَوَاه مُؤْمِنَيْنِ وَكَانَ كَافِرًا) فى بعضِ القراءةِ، قولُه: ﴿فَخَشِينَا﴾ وهي في مصحفِ عبدِ اللهِ: (فَخافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا) (٣).

حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو قُتَيْبةً، قال: ثنا عبدُ الجبّارِ بنُ عباسٍ الهَمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "الغلامُ الذى قَتَله الخَضِرُ طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافرًا" (٤).

والخشيةُ والخوفُ تُوَجِّهُهما العربُ إلى معنى الظنِّ، وتُوَجِّهُ هذه الحروفَ إلى معنى العلمِ بالشيءِ الذي يُدْرَكُ من غيرِ جهةِ الحِسِّ والعِيانِ.

وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنى عن إعادتِه (١).

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البَصْرةِ يقولُ: معنى قولِه: ﴿فَخَشِينَا﴾ في هذا الموضعِ: كَرِهنا؛ لأن اللهَ لا يَخْشَى.

قال: وهو في بعضِ القراءاتِ: (فَخَافَ رَبُّكَ).

قال: وهو مثلُ: خِفْتُ الرجلين أن يَعُولا (٢).

وهو لا يخافُ من ذلك أكثرَ من أنه يَكْرَهُه لهما.

وقولُه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾.

اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ من قَرَأَةِ المَكِّيين والمَدَنيين والبَصْريين: (فأرَدَنا أَنْ يُبَدِّلَهُمَا رَبُّهُما) (٣).

وكان بعضُهم يَعْتَلُّ لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشدَّدًا فى عامَّةِ القرآنِ؛ كقولِ اللهِ ﷿: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، وقولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فأَلْحَق قوله: (فأردنا أنْ يُبَدِّلَهُما بِهِ).

وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ بتخفيف الدالِ (٤).

وكان بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك مِن أهلِ العربيةِ يقولُ: أَبْدَل يُبْدِلُ بالتخفيفِ، وبَدَّل يُبَدِّلُ بالتشديدِ بمعنًى واحدٍ.

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القَرَأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقيل: إِن اللهَ ﷿ أَبْدَل أَبَوَيِ الغلامِ الذي قتَله صاحبُ موسى منه بجاريةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا المباركُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ في قولِه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.

قال: بلَغنى أنَّها جاريةٌ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرنى سليمانُ بنُ أُمَيَّةَ، أَنه سَمِع يعقوبَ بنَ عاصمٍ يقولُ: أُبْدِلَا مكانَ الغلامِ جاريةً (٢).

قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبَرَنى عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، أَنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ يقولُ: أُبْدِلا مكانَ الغلامِ جاريةً (٢).

وقال آخرون: بل (٣) أبدَلهما ربُّهما بغلامٍ مسلمٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾.

قال: كانت أمُّه حُبْلَى يومَئذٍ بغلامٍ مسلمٍ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه ذكَر الغلامَ الذى قتَله الخَضِرُ فقال: قد فَرِح به أبواه حينَ وُلِد، وحَزِنا عليه حينَ قُتِل، ولو بَقِى كان فيه هلاكُهما، فرَضِيَ (٥) امْرُؤٌ بقضاءِ اللهِ، فإن قضاءَ اللهِ للمؤمنِ فيما يَكْرَهُ خيرٌ له من قضائِه فيما يُحِبُّ (١).

وقولُه: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾.

يقولُ: خيرًا من الغلامِ الذي قتَله صلاحًا ودينًا.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قولَه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾.

قال: الإسلامُ (٢).

وقولُه: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.

اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأقربَ رحمةً بوالدَيْه، وأبرَّ بهما من المقتولِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أبرَّ بوالِدَيه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: أقربَ خيرًا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقربَ أن يَرْحَمَه أبواه منهما للمقتولِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أرحمَ به منهما بالذى قتَل الخَضِرُ (١).

وكان بعضُ أهل العربية يَتَأَوَّلُ ذلك (٢): وأقربَ أَن [يُرْحَما به] (٣).

والرُّحْمُ مصدرُ رَحِمْتُ، يقال: رَحِمتُه رَحْمةً ورُحْمًا.

وكان بعضُ البَصْرِيين يقولُ (٤): من الرَّحِم والقرابة.

وقال (٥): يقالُ: رُحْمٌ ورَحْمٌ، مثل: [عُمْرٌ وعَمْرٌ] (٦)، وهُلْكٌ وهَلْكٌ.

واستشَهد لقولِه ذلك ببيتِ العَجّاجِ (٧): ولَمْ تَعَوَّجْ رُحْمَ مَن تَعَوَّجا (٨) ولا وجهَ للرَّحِمِ فى هذا الموضعِ؛ لأن المقتولَ كان و (٩) الذي أبدَل اللهُ منه والِدَيه ولدًا لأَبَوَى (١٠) المقتول، فقرابتُهما من والدَيه وقربُهما منه في الرَّحِم سواءٌ.

وإنما معنى ذلك: وأقربَ من المقتولِ أن يَرْحَمَ والديه فيَبَرَّهما، كما قال قتادةُ.

وقد يَتَوَجَّهُ الكلامُ إلى أن يكونَ معناه: وأقربَ أن [يُرْحَما به] (٣).

غيرَ أنه قائلَ من أهل التأويلِ تأوَّله كذلك، فإذ لم يَكُنْ [قال به] (١) قائلٌ، فالصوابُ فيه ما قلنا؛ لِمَا بَيَّنَّا.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قولِ صاحبِ موسى: وأمّا الحائطُ الذي أَقَمْتُه، فإنه كان لغُلامَين يَتِيمَين فى المدينةِ، وكان تحتَه كَنْزٌ لهما.

اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: كان صُحُفًا فيها عِلْمٌ مدفونةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عَمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: كان تحتَه كَنْرُ علمٍ (٢).

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: علمٌ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: علمٌ.

[حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: علمٌ (١)] (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: صحفٌ لغلامين فيها علمٌ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صحفُ علمٍ.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفَارِيُّ، قال: ثنا هَنّادَةُ ابنةُ مالكٍ الشَّيْبانِيةُ، قالت: سَمِعتُ صاحبى حمادَ بنَ الوليدِ الثَّقَفيَّ، يقولُ: سَمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ، يقولُ في قول الله ﷿: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: سطران ونصفٌ، لم يَتِمَّ الثالثُ!

عَجِبتُ (٤) للمُوقِنِ بالرزقِ كيف يَتْعَبُ!

وعَجِبتُ (٤) للمُوقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ!

وعَجِبتُ (٤) للمُوقِن بالموتِ كيف يَفْرَحُ!

وقد قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].

قالت: وذُكر أنهما حُفظا بصلاحِ أبيهما، ولم يُذْكَر منهما صلاحٌ، وكان بينَهما وبينَ الأبِ الذى حُفِظا به سبعةُ آباءٍ، وكان نَسّاجًا (٥).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبِ بنِ نَدَبَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ (٦) بنُ محمدٍ، عن نُعَيْمٍ العَنْبَريِّ، وكان من جُلساءِ الحسنِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: لوحٌ من ذهبٍ مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ (١) لمن يُؤْمِنُ بالقَدَرِ (٢) كيف يَحْزَنُ!

وعَجَبٌ (١) لمن يُوقِنُ بالموتِ كيف يَفْرَحُ!

وعَجَبٌ (١) لمن يَعْرِفُ الدنيا وتَقَلُّبَها بأهلِها كيف يَطْمَئنُّ إليها!

لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ؛ أنه كان يقولُ: ما كان الكَنْرُ إِلا عِلْمًا (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: صُحُفٌ من علمٍ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةَ، قال: إن الكَنْزَ الذي قال اللهُ في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها الكهفُ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: كان لوحًا من ذهبٍ مُصْمَتٍ، مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ ممن عرَف الموتَ ثم ضَحِك!

عَجَبٌ من أَيْقَنَ بالقدرِ ثم نَصِبَ، عَجَبٌ ممن أَيْقَن بالموتِ ثم أَمِن، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه (١).

وقال آخرون: بل كان مالًا مكنوزًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: كَنْزُ مالٍ (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه (٢).

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه.

قال شعبةُ: ولم يَسْمَعْه (٣) منه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾.

قال: مالٌ لهما.

قال قتادةُ: أُحِلَّ الكَنْزُ لمن كان قَبْلَنا، وحُرَّم علينا [وحُرِّمَت الغنيمةُ على من كان قبلَنا وأُحِلَّت لنا (٤).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ الآية.

فلا يُعْجِبُنى الرجلُ يقولُ: ما شأنُ الكَنْزِ؟

أُحِلَّ لمن كان قبلنا وحُرِّم علينا] (٥) فإن الله يُحِلُّ من أمرِه ما يشاءُ ويُحَرِّمُ، وهى السننُ والفرائضُ، ويُحِلُّ لأمَّةٍ ويُحَرِّمُ على أخرَى، ولكنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ من أحدٍ مضَى إلا الإخلاصَ والتوحيدَ له.

وأَوْلَى التأويلين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله عكرمةُ؛ لأن المعروفَ من كلامِ العربِ أن الكَنْزَ اسمٌ لِمَا يُكْنَزُ من مالٍ، وأن (١) كلَّ ما كُنز فقد وقَع (٢) عليه اسمُ كَنزٍ، فإن التأويلَ مصروفٌ إلى الأغلبِ من استعمالِ المخاطَبِين بالتنزيلِ، ما لم يَأْتِ دليلٌ يَجِبُ من أجله صرفُه إلى غيرِ ذلك؛ لعللٍ قد بَيَّناها في غيرِ موضعٍ، وقولُه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾.

يقولُ: فأراد ربُّك أن يُدْرِكا ويَبْلُغا قوَّتَهما وشِدَّتهما، ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ حينَئذٍ ﴿كَنْزَهُمَا﴾ المكنوزَ تحتَ الجدارِ الذي أَقَمْتُه ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بهما.

يقولُ: فعلتُ فعلى (٣) هذا بالجدارِ رحمةً من ربِّكَ لليَتِيمَيْن.

وكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مشعَرِ، عن عبد الملكِ بن مَيْسَرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.

قال: حُفِظا بصلاحِ أبيهما، وما ذُكِر منهما صلاحٌ (٤).

حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا سفيانُ، عن مِسْعَرٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرَةً، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (٥).

وقولُه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمرِي﴾.

يقولُ: وما فعلتُ يا موسى جميعَ الذي رأيتَني فعَلتُه عن رأيِي ومن تِلْقاءِ نفسى، وإنما فعَلتُه عن أمرِ اللهِ إياىَ به.

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، كان عبدًا مأمورًا، فمضَى لأمرِ اللَّهِ (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، ما رأيتَ أَجْمَعَ ما فعلتُه عن نفسى.

وقولُه: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.

يقولُ: هذا الذي ذكَرْتُ لك من الأسبابِ التي من أجلِها فعلتُ الأفعالَ التي استَنكَرْتَها منِّى ﴿تَأْوِيلُ﴾.

يقولُ: ما تَقُولُ إليه وتَرْجِعُ الأفعالُ التي لم تَسْتَطِعْ (٢) على تركِ مسئلتِك إيايَ عنها وإنكارِكها (٣) صبرًا.

وهذه القِصصُ التي أخبر اللهُ ﷿ نبيِّه محمدًا ﷺ بها عن موسى وصاحبِه، تأديبٌ منه له، وتَقَدُّمٌ إليه بترك الاستعجالِ بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستَهْزَءوا (٤) بكتابِه، وإعلامٌ منه له أن أفعالَه وإن جرَتْ فيما ترَى الأعينُ بما قد يَجْرِى مثله أحيانًا لأوليائِه، فإن تأويلَه صائرٌ بهم إلى أحوالِ أعدائِه فيها، كما كانت أفعالُ صاحبِ موسى واقعةً بخلافِ الصحةِ في الظاهرِ عند موسى، إذ لم يكنْ عالمًا بعواقبِها، وهى ماضيةٌ على الصحةِ في الحقيقةِ، وآيِلةٌ إلى الصوابِ في العاقبةِ، يُنْبِيءُ عن صحةِ ذلك قولُه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].

ثم عَقَّب ذلك بقصةِ موسى وصاحبه؛ يُعْلِمُ نبيَّه أن تَرْكَه ﷻ تَعْجِيلَ العذابِ لهؤلاء المشركين لغيرِ (١) نظَرٍ منه لهم، وإن كان ذلك فيما يَحْسِبُ من لا علمَ له بما اللَّهُ مُدَبِّرٌ فيهم نَظَرًا منه لهم؛ لأن تأويلَ ذلك صائرٌ إلى هلاكِهم وَبَوارِهم بالسيفِ في الدنيا، واستحقاقِهم من اللهِ في الآخرةِ الخِزْى الدائمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: ويسأَلُك يا محمدُ هؤلاء المشركون عن ذى القرنَيْن ما كان شأنُه، وما كانت قصتُه، فقُلْ لهم: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ من خَبرِه ﴿ذِكْرًا﴾.

يقولُ: سأَقُصُّ عليكم منه خبرًا.

وقد قيل: إن الذين سأَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ عن أمرِ ذى القرنين كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ.

فأما الخبرُ بأنَّ الذين سأَلُوه عن ذلك كانوا مشركي قومِه فقد ذكَرْناه قبلُ (٢).

وأما الخبرُ بأن الذين سأَلُوه كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ، فحدَّثنَا به أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن ابن لهيعةَ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيادِ بن أَنْعُمٍ (٣).

عن شيخَيْن من تُجِيبَ (٤)، قال أحدُهما لصاحبِه: انطلِقْ بنا إلى عقبةَ بن عامرٍ نتحدَّثْ.

قالا: فأتَيناه (٥).

فقالا: جِئْنا لتُحَدَّثَنا.

فقال: كنتُ يومًا أخدِمُ رَسولَ اللَّهِ، ﷺ فخرَجتُ من عندِه، فلقِينَى قومٌ من أهلِ الكتابِ، فقالوا: نُرِيدُ أن نسأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ، فاسْتَأْذِنَ لنا عليه.

فدخَلت عليه فأخبَرْتُه، فقال: "ما لي و (١) لهم، ما لى علمٌ إلا ما عَلَّمَنى اللَّهُ".

ثم قال: "اسْكُبْ لي ماءً".

فتوضَّأ ثم صلَّى.

قال: فما فرَغ حتى عرَفتُ السرورَ في وجهِه، ثم قال: "أدخِلْهم عليَّ ومَن رأَيتَ من أصحابي".

فدخَلُوا فقاموا بينَ يديْه، فقال: "إن شِئْتُم سأَلْتُم فأخبَرتُكم عما تجِدُونه في كتابِكم مكتوبًا، وإن شِئْتُم أَخبَرتُكم".

قالوا: بل (٢) أخْبِرْنا.

قال: "جِئْتُم تسأَلُوني عن ذى القرنين، وما تجِدُونه في كتابِكم؛ كان شابًّا من الرومِ، فجاء فبنَى مدينةَ مصرَ، الإسكندريةَ، فلما فرَغ جاءه مَلَكٌ فعلا به في السماءِ، فقال له: ما ترَى؟

فقال: أرَى مدينَتي (٣) ومدائنَ.

ثم علا به، فقال: ما ترَى؟

فقال: أرَى مدينَتى (٤).

ثم علا به فقال: ما ترَى؟

قال: أرَى الأرضَ.

قال: فهذا اليمُّ محيطٌ بالدنيا، إن الله بعثَني إليك تُعلِّمُ الجاهلَ، وتُثَبِّتُ العالِمَ.

فأتَى به السدَّ (٥) وهما (٦) جبلان ليِّنان يَزْلُقُ عنهما (٧) كلُّ شيءٍ.

ثم مضَى به حتى جاوَزَ يأجوجَ ومأجوجَ، ثم مضَى به إلى أُمَّةٍ أُخرى، وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، يُقاتِلُون يأجوجَ ومأجوجَ، ثم مضَى به حتى قطَع به أمةً أُخرى يقاتِلُون هؤلاء الذين وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، ثم مضَى حتى قطَع به هؤلاء إلى أمةٍ أخرى قد سمَّاهم (٨) واختلَف أهلُ العلمِ في المعنى الذي من أجلِه قيل لذي القرنين: ذو القرنين؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك من أجل أنه ضُرِب على قَرْنِه فهلك، ثم أُحْيى فضُرِب على القرن الآخرِ فهلَك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأل ابن الكوَّاءِ عليَّا عن ذى القرنين، فقال: هو عبدٌ أحبَّ اللَّهَ فأحبَّه، وناصَح اللَّهَ فنصَحه، فأمَرهم بتقوى اللهِ، فضربوه على قرْنِه فقتَلُوه، ثم بعَثه اللَّهُ، فضرَبُوه على قرنِه فمات.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سُئِل عليٌّ عن ذي القرنين، فقال: كان عبدًا ناصَح الله فناصَحه، فدعَا قومَه إلى اللَّهِ، فضُرب على قرنِه فمات، فأحيَاه اللهُ فدعَا قومه إلى اللهِ، فضربَوه على قرنِه فمات، فسُمِّى ذا القرنين (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، قال: سمعتُ عليًّا وسأَلُوه عن ذى القرنين: أنبيًّا كان؟

قال: كان عبًدا صالحًا، أحبَّ اللَّهَ فأحبَّه، وناصح اللَّهَ فنصَحه، فبعَثه اللَّهُ إِلى قومِه، فضرَبوه ضربتين في رأسِه، فسُمَّى ذا القرنين، وفيكم اليومَ مثلُه (٢).

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سهلٍ البخاريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: قال وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: كان ذو القرنين مَلِكًا.

فقيل له: فلِمَ سُمِّى ذا القرنين؟

قال: اختلَف فيه أهلُ الكتابِ؛ فقال بعضُهم: ملَك الرومَ وفارسَ.

وقال بعضُهم: كان في رأسِه شبهُ القرْنيْن (١).

وقال آخرون: إنما سُمِّي بذلك لأن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: ثنى مَن لا أَتَّهِمُ، عن وهب بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: إنما سُمِّى ذا القرنين أن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ (٢).

وقولُه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾.

يقولُ: إنا وطَّأْنَا له في الأرضِ، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

يقولُ: وآتيناه من كلِّ شيءٍ، يعني: ما يَتَسَبَّب له (٣) إليه، وهو العلمُ به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

يقولُ: علمًا (٤).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

أي: علمًا (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

قال: من كلِّ شيءٍ علمًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

قال: عِلْمَ كلِّ شيءٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾: علمًا (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

يقولُ: علمًا (٣).

وقولُه: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (فاتَّبعَ) بوصلِ الألفِ وتشديدِ التاءِ (٤)، بمعنى: سلَك وسار، من قولِ القائلِ: اتَّبعتُ أثرَ فلانٍ.

إذا قفوتَه وسِرْتَ وراءه.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ بهمزِ الألفِ وتخفيفِ التاءِ (٥)، بمعنى: لَحِقَ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (٦) قراءةُ من قرَأه: (فاتَّبَعَ) بوصلِ الأُلفِ وتشديدِ التاءِ؛ لأنَّ ذلك خبرٌ من اللهِ عن مسيرِ ذى القرنين في الأرضِ التي مكَّن اللهُ (١) له فيها، لا عن لِحَاقِه السببَ، وبذلك جاء تأويلُ أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (فاتَّبَعَ سَبَبا).

يعنى بالسببِ: المَنْزِلَ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَبَبًا﴾.

قال: مَنْزِلًا وطريقًا ما بينَ المشرقِ والمغربِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَديُّ، قال: ثنا عبيدٌ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: (فاتَّبَعَ سَبَبا).

قال: طَرَفى (٤).

الأرضِ (٥).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (فاتَّبَعَ سَبَبا): أي (٦) اتَّبَعَ منازلَ الأرضِ ومعالمها (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا).

قال: هذه [الآن سببُ الطرقِ] (٢)، كما قال فرعونُ: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧].

قال: طرقَ السماواتِ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا).

قال: منازلَ الأَرضِ (٤).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: حدَّثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا).

قال: المنازلَ (٥).

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ ذو القرنين ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (٦)﴾.

فاختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ ذاتِ حَمْأَةٍ (٧).

وقرَأته جماعةٌ من قرأةِ المدينة، وعامة قرأةِ الكوفةِ: (فِي عَينٍ حَامِيَةٍ).

بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ حارَّةٍ (١).

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلهم ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.

ذكرُ مَن قال: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

قال: في طينٍ أسودَ (٢).

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

قال: ذاتِ (٣) حَمْأَةٍ.

حدَّثنا الحسنُ (٤) بنُ الجُنيدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ مَسلمةَ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّة (٥) عن عثمانَ بن حاضرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن عباسٍ يقولُ: قرَأ معاويةُ هذه الآيةَ، فقال: (عَيْنٍ حامِيَةٍ).

فقال ابن عباسٍ: إنها: ﴿عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

قال: فجعَلا بينَهما كعبًا، قال: فأرسلا إلى كعبِ الأحبارِ، فسأَلاه، فقال كعبٌ: أما الشمسُ فإنها تغِيبُ في ثَأْطٍ.

فكانت على ما قال ابن عباسٍ (٦).

والتَأْطُ: الطينُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى نافعُ بن أبي نُعيمٍ، قال: سمِعتُ عبد الرحمنِ الأعرجَ يقولُ: كان ابن عباسٍ يقولُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

ثم فسَّرها: ذاتِ حَمْأَةٍ.

قال: نافعٌ: وسُئِل عنها كعبٌ، فقال: أنتم أعلمُ بالقرآنِ منى، ولكنى أجِدُها في الكتابِ تَغِيبُ في طينةٍ سوداءَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

قال: هي الحَمْأَةُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَمِئَةٍ﴾.

قال: ثَأْطٍ.

[حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: نا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: طينةٍ سوداءَ ثأطٍ] (٢) (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

قال: ثَأطَةٍ.

قال: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قرَأتُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقرَأ عمرُو بنُ العاصِ: (فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ).

فَأَرْسَلْنا إلى كعبٍ، فقال: إنها تغرُبُ في حَمْأَةٍ طينةٍ سوداءَ (٤).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ والحمِئةُ: الحَمْأةُ السوداءَ.

حدَّثنا [محمدُ بنُ عبدِ الأعلى] (١)، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن ورقاءُ، قال: سمِعتُ سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَأُ هذا الحرفَ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

ويقولُ: حَمْأَةٌ سوداءُ تغرُبُ فيها الشمسُ (٢).

وقال آخرون: بل هي تَغِيبُ في عينٍ حارَّةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.

يقولُ: عينٍ حارَّةٍ (٣).

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: (فِي عَينٍ حامِيَةٍ).

قال: حارَّةً (٤).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله: (في عَيْنٍ حامِيَةٍ).

قال: حارَّةٍ.

وكذلك قرَأها الحسنُ (٥).

والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتَان مَعْروفَتان (٦) مُسْتَفيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ صحيحٌ ومعنًى مفهومٌ، وكلا وجهَيْه غيرُ مُفْسِدٍ أحدهما صاحبَه؛ وذلك أنَّه جائزٌ أن تكونَ الشمسُ تغرُبُ في عينٍ حارَّةٍ ذاتِ حَمْأَةٍ وطينٍ، فيكونُ القارى: (في عَيْنٍ حَامِيَةٍ) واصفَها (١) بصفَتِها التي هي لها، وهى الحرارةُ؛ ويكونُ القارئُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وَاصِفَها بصفتها التي هي بها، وهى أنها ذاتُ حَمْأَةٍ وطينٍ.

وقد رُوِى بكلتى صفتَيْها (٢) اللتين قلتُ: إنهما من صفتِها (٣) أخبارٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، قال: ثنى مولًى لعبدِ اللهِ بن عمرو، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: نظَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى الشمسِ حينَ غابت، فقال: "في نارِ اللهِ الحاميةِ، في نارِ اللهِ الحاميةِ، لولا ما يَزَعُها من أمرِ (٤) اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما على الأرضِ" (٥).

حدَّثني الفضلُ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن سعدِ بن أوسٍ، عن مُصْدَعٍ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ أقرأه: ﴿حَمِئَةٍ﴾ (٦).

وقولُه: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾.

ذُكِر أن أولئك القومَ يقالُ لهم: ناسكٌ (٧).

وقولُه: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾.

يقولُ: إما أن تَقْتُلَهم إن هم لم يدخُلُوا في الإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، ويُذْعِنُوا لك بما تدعوُهم إليه من طاعةِ ربِّهم، ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.

يقولُ: وإما أن تأسِرَهم فتُعَلِّمَهم الهُدَى وتُبَصِّرَهم: الرشادَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾.

يقولُ: أما مَن كفَر فسوف نَقْتُلُه.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾.

قال: هو القتلُ (١).

وقولُه: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾.

يقولُ: ثم يرجِعُ إِلى اللَّهِ بعدَ قتلِه، فيعذِّبُه عذابًا عظيمًا؛ وهو النُّكْرُ، وذلك عذابُ جهنَّمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.

يقولُ: وأما مَن صدَّق اللَّهَ منهم ووحَّده، وعمل بطاعتِه، فله عندَ اللهِ الحسنى؛ وهى الجنةُ، ﴿جَزَاءً﴾، يعني: ثوابًا على إيمانِه، وطاعتِه ربَّه.

وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ: (فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى) برفعِ الجزاءِ وإضافتِه إلى الحسنى (١).

وإذا قُرِئَ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يُجْعَلَ الحسنى مرادًا بها إيمانُه وأعمالُه الصالحةُ، فيكونُ معنى الكلامِ إذا أُرِيدَ بها ذلك: وأما مَنْ آمَن وعمل صالحًا فله جزاؤُها.

يعنى: جزاءَ هذه الأفعالِ الحسنةِ.

والوجهُ الثاني: أن يكونَ معنيًّا بالحسنى الجنةُ، وأُضِيف الجزاءُ إليها، كما قيل: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف:١٠٩].

والدار هي الآخرةُ، وكما قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].

والدينُ هو القيمُ.

وقرَأ آخرون: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾.

بمعنى: فله الجنةُ جزاءً.

فيكونُ الجزاءُ منصوبًا على المصدرِ، بمعنى: يُجازيهم جزاءً الجنةَ (٢).

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ بنصبِ الجزاءِ وتنوينهِ على المعنى الذي وصَفتُ، من أن لهم الجنةَ جزاءً، فيكونُ الجزاءُ نصبًا على التفسيرِ.

وقولُه: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.

يقولُ: وسنُعلِّمُه نحن في الدنيا ما تيسَّر لنا تعليمُه مما يقرِّبُه إلى اللَّهِ، ونُلينُ له من القولِ.

وكان مجاهدٌ يقولُ نحوًا مما قلنا في ذلك.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.

قال: معروفًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار وسلَك ذو القرنين طرقًا ومنازلَ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.

يعنى: منزلًا (١).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: منازلَ الأرضِ ومعالِمَها (٢).

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَد ذو القرنين الشمسَ تطلُعُ على قومٍ لم [يجعلِ اللهُ لهم دونَ الشمسِ] (٣) سترًا.

وذلك أن أرضَهم لا جبلَ فيها ولا شجرَ، ولا تحتمِلُ بناءً فيَسكُنُوا البيوتَ، وإنما يَغُورون في المياهِ، (٤) ويُسرِّبون في الأسرابِ.

كما حدَّثني إبراهيمُ بن المُستمِرِّ، قال: ثنا سليمانُ بن داودَ (٥) أبو داودَ، قال: ثنا سهلُ بنُ أبي الصَّلْتِ السَّرَّاج، عن الحسنِ: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.

قال: كانت أرضًا لا تَحمَّلُ البناءَ، فكانوا إذا طلَعت عليهم الشمسُ تغَوَّروا (١) في الماءِ، فإذا غرَبت خرَجُوا يتراعَون كما ترعَى البهائمُ (٢).

قال (٣): ثم قال الحسنُ: هذا حديثُ سمُرةَ (٤).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.

ذُكِر لنا أنهم كانوا في مكانٍ لا يَستَقِرُّ عليه البناءُ، [وأنهم] (٥) يكونون في أسرابٍ لهم، حتى إذا زالت عنهم.

الشمسُ خرَجوا إلى معايشِهم وحروثِهم.

قال: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ (٦).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.

قال: لم يَبْنُوا فيها بناءً قطُّ، ولم يُبْنَ عليهم فيها بناءٌ قطُّ.

وكانوا إذا طلَعت (٧) الشمسُ دخَلوا أسرابًا لهم حتى تزُولَ الشمسُ، أو دخلوا البحرَ، وذلك أن أرضَهم ليس فيها جبلٌ، وجاءهم جيشٌ مرةً، فقال لهم أهلُها: لا تطلُعَنَّ عليكم الشمسُ وأنتم بها.

فقالوا: لا تبرَحُ حتى تطلُعَ الشمسُ، ما هذه العظامُ؟

قالوا: هذه جِيَفُ جيشٍ طلَعت عليهم الشمسُ ههنا فماتوا.

قال: فذهَبوا هاربين في الأرضِ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.

قال: بلغَنا أنهم كانوا في مكانٍ لا يثبُتُ عليه (٢) بنيانٌ (٣)، فكانوا يدخُلُون في أسرابٍ لهم إذا طلَعت الشمسُ، حتى تزُولَ عنهم، ثم يخرُجُون إلى معايشِهم (٤).

وقال آخرون: هم الزَّنْج.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.

قال: يقالُ: هم الزَّنْجُ (٤).

وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ﴾.

فإن معناه: ثم أَتَبعَ سببًا كذلك، حتى إذا بلَغ مَطَلعَ الشمسِ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِن صلةِ ﴿أَتْبَعَ﴾.

وإنما معنى الكلامِ: ثم أتْبَعَ سببًا حتى لا بلَغ مطلِع الشمسِ، كما أتبَع سببًا حتى بلَغ مغربَها.

وقولُه: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾.

يقولُ: وقد أَحَطنا بما عندَ مطلعِ الشمسِ علمًا، لا يخفَى علينا مما هنالك من الخَلقِ وأحوالِهم وأسبابِهم ولا من غيرِهم شيءٌ.

وبالذي قلنا في معنى الخبرِ قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خُبْرًا﴾.

قال: علمًا.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾.

قال: علمًا.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار طُرُقًا ومنازل، وسلك سُبُلًا، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكُوفيين: (حتى إذا بلغَ السَّدينِ) بضمِّ السينِ، وكذلك جميعَ ما في القرآنِ من ذلك بضمِّ السينِ (١).

وكان بعضُ قرأةِ المَكِّيِّين يقرَؤُه بفتحِ ذلك كلِّه (٢).

وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يفتَحُ السينَ في هذه السورةِ، ويضُمُّ السينَ في "يس" (٣)، ويقولُ: السَّدُّ بالفتح هو الحاجزُ بينَك وبينَ الشيءِ، والسُّدُّ بالضمِّ ما كان مِن غِشاوةٍ في العينِ.

وأمَّا الكوفيون فإن قراءةَ عامَّتِهم في جميعِ القرآنِ بفتحِ السينِ، غيرَ قوله: (حتى إذا بلغَ بين السُّدينِ) فإنهم ضَمُّوا السينَ في ذلك خاصَّةً (٤).

ورُوِى عن عكرمةَ في ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان مِن صَنعَةِ بني آدمَ فهو السَّدُّ - يعنى بالفتحِ - وما كان من صُنعِ الله فهو السُّدُّ (٥).

وكان الكسائيُّ يقولُ: هما لغتان بمعنًى واحدٍ.

والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءَتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مُتَّفِقَتا المعنى غيرُ مُختلِفَتِه (٦)، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، ولا معنَى للفَرقِ الذي ذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ وعكرمة بينَ السَّدِّ والسُّدِّ، لأنا لم نجِدْ لذلك شاهدًا يُبينُ عن فُرقانِ ما بينَ ذلك، على ما حُكِى عنهما.

ومما يُبَيِّنُ [عن أن] (١) ذلك كذلك (٢) أن جميعَ أهلُ التأويلِ [الذين رُوِى لنا عنهم] (٣) في ذلك قولٌ، لم يُحْكَ لنا عن أحدٍ منهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضمِّه، ولو كانا مُختَلِفَي المعنَى لنُقِل الفصلُ مع التأويلِ، إن شاء اللهُ، ولكنْ معنَى ذلك كان عندَهم غيرَ مُفتَرِقٍ، ففَسَّروا (٤) الحرفَ بغيرِ تفصيلٍ منهم بينَ ذلك.

وأما ما ذُكِر عن عكرمةَ في ذلك، فإن الذي نقَل ذلك عن أيوبَ هارونُ، وفى نقلِه نظرٌ، ولا نعرِفُ ذلك عن أيوبَ من روايةِ ثقاتِ أصحابِه.

والسَّدُّ والسُّدُّ جميعًا: الحاجزُ بينَ الشيئين.

وهما ههنا - فيما ذُكِر - جَبَلان سُدَّ ما بينَهما، فردَم ذو القَرنَين حاجزًا بينَ يأجوجَ ومأجوجَ ومَنْ وَراءَه (٥)؛ ليَقْطَعَ مادَّةَ (٦) غوائِلهم وعَيْثهم عنهم (٧).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.

قال: الجَبَلين، الرَّدْمِ الذي بينَ يأجوجِ ومأجوجَ، أُمَّتَين مِن وراءِ رَدمِ ذى القرنين.

قال: الجَبَلَين (١)، أَرمِينِيَّةَ وأَذربِيجَانَ (٢).

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، وهما جبلان (٣).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيد، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.

يعني: بينَ جبلين (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.

قال: هما جبلان (٤).

وقولُه: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.

يقولُ عزَّ ذكرُه: وجَد مِن دونِ السَّدَّين قوما لا يكادون يفقَهُون قول قائلٍ سوى كلامِهم.

وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأة أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتحِ القافِ والياءِ (٥)، مِن: فَقِهَ الرجلُ يَفْقَهُ فِقْهًا.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (يُفْقِهُونَ قَوْلًا) بضمِّ الياءِ وكسرِ القافِ (٦)، مِن: أَفقَهتُ فلانًا كذا أُفقِهُهُ إفقاهًا.

إذا أَفهَمتَه (٧) ذلك.

والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك، أنهما قراءتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، غيرُ دافعةٍ إحداهما الأخرى؛ وذلك أن القومَ الذين أخبرَ اللهُ عنهم هذا الخبرَ، جائزٌ أن يكونوا كانوا لا يكادون يفقهون قولًا لغيرِهم عنهم، فيكونَ صوابًا القراءةُ بذلك؛ وجائزٌ أن يكونوا - مع كونِهم كذلك - كانوا لا يكادون [يُفقِهون غيرَهم عنهم] (١) لعِللٍ، إما بألسنتِهم، وإما بمنَطِقِهم، فتكونَ القراءةُ بذلك أيضًا صوابًا.

وقولُه: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.

اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾؛ فقرَأت القرآةُ من أهلِ الحجازِ والعراقِ وغيرِهم: (إنَّ يَاجُوج وماجُوجَ) بغيرِ همزٍ على "فاعُول"، مِن: يجَجْتُ ومَجَجْتُ.

وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غيرَ عاصمٍ بن أبي النَّجودِ (٢) والأعرجِ؛ فإنه ذُكِرَ أنهما قرأا ذلك بالهمزِ فيهما جميعًا، وجعَلا الهمزَ فيهما من أصلِ الكلام، وكأنهما جعَلا يَأْجُوجَ: "يفعُولَ" من: أَجَجْتُ.

ومَأْجُوجَ، مَفْعُول.

والقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا (٣) (إن ياجوُجَ وماجُوجَ) بألفٍ بغيرِ همزٍ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه، وأنه الكلامُ المعروفُ على ألسنِ العربِ؛ ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العجَّاجِ (٤): لو أنَّ ياجوجَ وماجُوجَ مَعَا … وعادَ عادٌ (٥) واستَجاشُوا تُبَّعا وهما (٦) أمَّتان من وراءِ السَّدِّ.

وقولُه: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإفسادِ الذي وصَف الله به هاتين الأمَّتَين؛ فقال بعضُهم: كانوا يَأكُلون الناسَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمليُّ: قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أيوبَ الحَوْرَاني (١)، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ سعيد بن عبد العزيز يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.

قال: كانوا يَأكُلون الناسَ (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن يأجوجَ ومأجوجَ سيُفسِدون في الأرضِ.

لا أنَّهم كانوا يومئذٍ يُفسِدون.

ذكرُ مَن قال ذلك وذكرُ صفةِ اتِّباعِ ذى القَرنَينِ الأسبابَ التي ذكَرها الله في هذه الآياتِ (٣)، وذكرُ سببِ بنائِه الردمَ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ مَن يَسوقُ أحاديثَ الأعاجمِ مِن أهلِ الكتابِ، ممَّن قد أَسْلَم، مما تَوارَثُوا مِن علمِ ذى القرنَين، أن ذا القرنين كان رجلًا من أهلِ مصرَ اسمُه مرزبا بنُ مردبه اليونانيُّ، من ولدِ يوثنَ (١) بن يافثَ بن نوحٍ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: فحدَّثني (٣) محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ثورِ بن يزيدَ، عن خالدٍ بن مَعدانَ الكَلاعِيِّ، وكان خالدٌ رجلًا قد أدرَك الناسَ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئل عن ذى القرنَين، فقال: "مَلَكٌ مسَحَ الأرض مِن تحتِها بالأسبابِ".

قال خالدٌ: وسمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يقولُ: يا ذا القرنَين.

فقال: اللهمَّ غَفْرًا، أمَا رَضِيتم أن تَسَمَّوْا بأسماءِ الأنبياءِ، حتى تَسَمَّوا بأسماءِ الملائكةِ؟

فإن كان رسولُ اللهِ ﷺ قال ذلك، فالحقُّ ما قال، والباطلُ ما خالفَه (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: فحدَّثنى مَن لا أتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ، وكان له علمٌ بالأحاديثِ الأُولِ، أَنَّه كان يقولُ: ذو القرنين رجلٌ مِن الرُّومِ، ابن عجوزٍ من عَجائزِهم، ليس لها ولدٌ غيرُه، وكان اسمُه الإسكَندَريسَ (٥) وإنما سُمِّي ذا القرنين أن صَفحَتَى رأسِه كانتا مِن نُحاسٍ؛ فلمَّا بلَغ وكان عبدًا صالحًا، قال اللهُ ﷿: يا ذا القرنين، إني باعِثُك إلى أُمَمِ الأرض، وهى أممٌ مختلفةٌ ألِسنَتُهم، وهم جميعُ أهلِ الأرضِ؛ ومنهم أُمَّتان بينَهما طولُ الأَرضِ كلُّه، ومَنهم أُمَّتان بينَهما عَرْضُ الأرضِ كلُّه، وأُممٌ في وسَطِ الأرضِ؛ منهم الجنُّ والإنسُ، [ويأجوجُ ومأجوجُ] (٦)؛ فأما (٧) اللتان بينَهما طولُ الأرض، فأُمَّةٌ عندَ مَغرب الشمس يُقال لها: ناسكٌ.

وأما الأُخرَى، فعندَ مَطلِعِها يُقالُ لها: منسكٌ؛ وأما اللتان بينَهما عرضُ الأرضِ، فأمَّةٌ في قُطِرِ الأَرضِ الأيمن، يقالُ لها: هاويلُ، وأما الأخرَى التي في قُطرِ الأرضِ الأيسرِ، فأُمَّةٌ يُقال لها: تاويلُ.

فلمَّا قال اللهُ له ذلك، قال له ذو القرنَين: إلهى، إنَّك قد نَدَبَتَنى لأمرٍ عظيمٍ، لا يَقدِرُ قدرَه إلَّا أَنتَ، فأخْبَرْني عن هذه الأموِ (١) التي بَعَثتَنِي إليها؛ بأيِّ قُوَّةٍ أُكابِرُهم، وبأيِّ جَمعٍ أُكاثِرُهم، وبأيِّ حِيلَةٍ أُكَايدُهم، وبأيِّ صَبرٍ أُقاسِيهم، وبأيِّ لسانٍ أُناطِقُهم، وكيف لى بأن أفقَهَ لُغاتِهم، وبأيِّ سَمعٍ أَعِى قولَهم، وبأيِّ بصَر أَنْفُذُهم، وبأيِّ حُجَّةٍ أُخاصِمُهم، وبأيِّ قَلبٍ أَعقِلُ عنهم، وبأيِّ حِكمَةٍ أُدبِّرُ أمورَهم (٢)، وبِأَيِّ قِسطٍ أعدِلُ بينَهم، وبأيِّ حِلمٍ (٣) أُصابِرُهم، وبأيِّ مَعرِفةٍ أفصِلُ بينَهم، وبأَيِّ علمٍ أُتقِنُ أمورَهم، وبأيِّ يدٍ أسطُو علَيهم، وبأيِّ رجلٍ أطَؤُهم، وبأيِّ طاقةٍ أُحْصيهم (٤)، وبأيِّ جُندٍ أُقاتلُهم، وبأيِّ رِفقٍ أستألِفُهم، فإنَّه ليس عندى يا إلهي شيءٌ مما ذكَرتُ يَقُومُ لهم، ولا يَقوَى عليهم ولا يُطِيقُهم، وأنتَ الربُّ الرحيمُ، الذي لا تُكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعها، ولا تُحمِّلُها إلا طاقَتَها، ولا تُعنِتُها ولا تَفدَحُها، بل أنتَ تَرْأَفُها (٥) وتَرحَمُها.

قال اللهُ ﷿: إني سأُطوقُكَ ما حمَّلتُك، و (٦) أشرحُ لك صدرَك، فيَسَعُ (٧) كلَّ شيءٍ، وأَشْرَحُ لك فَهمَك، فتَفقَهُ كلَّ شيءٍ، وأبسُطُ لك لسانَك، فتَنطِقُ بكلِّ شيءٍ، وأفتَحُ لك سَمعَك، فتَعِى كلَّ شيءٍ، وأمُدُّ لك بصَرَك، فتَنفُذُ كلَّ شيءٍ، وأُدبِّرُ لك أمرك، فتُتقِنُ كلَّ شيءٍ، وأُحصِى لك فلا يَفوتُك شيءٌ، وأحفَظُ عليك، فلا يَعزُبُ عنك شيءٌ، وأشدُّ لك ظَهرَك، فلا يَهُدُّك شيءٌ، وأشُدُّ لك رُكنك، فلا يَغلِبُك شيءٌ، وأشُدُّ لك قَلبَك، فلا يَرُوعُك شيءٌ، وأشدُّ لك عقلك، فلا يَهُولُك شيءٌ، وأبسُطُ لك مِن بين يدَيك، فتَسطو فوقَ كلِّ شيءٍ، وأشدُّ لك وَطأتَك، فتَهُدُّ كُلَّ شيءٍ، وأُلبِسُكَ الهَيبَةِ فلا يَرومُك شيءٌ، وأُسخِّرُ لك النُّورَ والظُّلمةَ، فأجعَلُهما جُندًا مِن جنودِكَ، يَهدِيك النورُ مِن أمامِك، وتَحوطُك الظلمةُ مِن وَرائِكَ.

ولمَّا قيل له ذلك، انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّةَ التي عندَ مَغرِبِ الشمس، فلمَّا بَلَغَهم، وجَد جَمعًا وعددًا لا يُحَصِيهِ إلا اللهُ، وقُوَّةً وبأسًا لا يُطيقه إلا الله، وألسنةً مختلفةً، وأهواء مُتشتِّتةً، وقلوبًا مُتفرِّقةً، فلمَّا رأى ذلك كابَرهم (١) بالظُّلمة، فضرَب حولَهم ثلاثةَ عساكرَ مِنها، فأحاطَتْهم من كلِّ مكانٍ، وحاشَتْهم حتى جَمَعتْهم في مكانٍ واحدٍ، ثم أخَذ عليهم بالنُّورِ، فدَعاهم إلى اللهِ وإلى عبادتِه، فمنهم مَن آمَن له، ومِنهم مَن صَدَّ، فعَمَد إلى الذين تَوَلُّوا عنه فأدخَلَ عليهم الظلمةَ، فَدَخَلتْ في أفواهِهم وأُنُوفِهم وآذانِهم وأجْوافِهم، ودخَلَت في بيوتِهم ودُورِهم، وغَشِيَتهم مِن فوقِهم، ومِن تحتِهم، ومن كلِّ جانبٍ منهم، فماجُوا فيها (٢) وتَحَيَّرُوا، فلمَّا أشفَقوا أن يَهلِكوا فيها، عَجُّوا (٣) إليه بصوتٍ واحدٍ، فكشَفَها عنهم وأخَذَهم عَنوَةً، فدخَلوا في دعوتِه، فجَنَّد مِن أهلِ المَغرِبِ أممًا عظيمةً، فجَعَلهم جندًا واحدًا، ثم انطَلَق بهم يقودُهم، والظُّلمةُ تَسوقهم مِن خَلفِهم، وتَحُوشُهم (١) مِن حولِهم، والنُّورُ أمامَهم [يقودُهم ويدُلُّهم] (٢)، وهو يسيرُ في ناحيةِ الأرضِ اليُمنَى، وهو يريدُ الأُمةَ التي في قُطرِ الأرضِ الأيمنِ التي يُقالُ لها: هاويلُ.

وسخَّر اللهُ له يدَه وقلبَه ورأيَه وعقله ونَظَرَه وائتِمارَه، فلا يُخطئُ إِذا ائتَمرَ (٣)، وإذا عمِل عملًا أتقَنَه، فانطلَق يقودُ تلك الأممَ وهى تَتبعُه، فإذا انتهَى إلى بحرٍ أو مخاضةٍ، بَنىَ سُفُنًا مِن ألواحِ صغارٍ أمثالَ النِّعالِ، فنظَمَها في ساعةٍ، ثم حمَل (٤) فيها جميعَ مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنودِ، فإذا قطَع الأنهارَ والبحارَ فتَقَها، ثم دفَع إلى كلِّ إنسانٍ لوحًا فلا يَكرثُه (٥) حَملُه، فلم يزلْ ذلك دأبُه حتى انتَهى إلى هاويلَ فعَمِل فيها (٦) كعَمَلِه في ناسكٍ، فلمَّا فَرَغَ منها مضَى على وجهِه في ناحية الأرضِ اليُمنى، حتى انتهَى إلى منسكٍ عندَ مطلعِ الشمسِ، فعَمِل فيها وجنَّد فيها (٧) جنودًا، كفِعلِه في الأمَّتين اللتين قبلَها، ثم كرَّ مُقبلًا في ناحيةِ الأرضِ اليُسرَى، وهو يريدُ تاويلَ، وهى الأمَّةُ التي بحِيَالِ هاويلَ، وهما مُتَقابِلَتان بينَهما عرضُ الأرضِ كلُّه؛ فلما بلَغها عمل فيها، [وجنَّد فيها] (٨) كفِعلِه فيما (٩) قبلَها، فلمَّا فَرَغ منها عَطَف مِنها إلى الأممِ التي في (١٠) وسَطِ الأرضِ من الجنِّ وسائرِ الناسِ و (١١) يأجوجَ ومأجوجَ؛ فلمَّا كان في بعضِ الطريقِ مما يَلِى مُنقَطَعَ التُّركِ نحوَ المَشرقِ، قالت له أمَّةٌ من الإنسِ صالحةٌ: يا ذا القرنَين، إن بينَ هذين الجَبلَين خَلقًا مِن خلقِ اللهِ كثيرًا، فيهم مُشَابَهَةٌ مِن الإِنسِ، وهم أشبَاهُ البهائمِ، يَأكُلون العُشبَ، ويَفتَرِسون الدَّوابَّ والوحوشَ كما تَفتَرِسُها السَّباعُ، ويأكُلون خَشاشَ (١) الأرضِ كلِّها مِن الحَيَّاتِ والعقاربِ، وكلَّ ذى رُوحٍ مما خُلِق في الأرضِ، وليس للهِ خَلَقٌ يَنمِي (٢) نَماءَهم في العامِ الواحدِ، ولا يَزدادُ كزيادَتِهم، ولا يَكثُرُ ككَثْرتِهم، فإن كانت لهم مُدَّةٌ على ما نَرَى مِن نمائِهم وزيادَتِهم، فلا شكَّ أنّهم سيَملَئون الأرضَ، ويُجلُون أهلَها منها (٣) ويَظهَرون عليها، فيُفسِدون فيها، وليست تمرُّ بنا سنةٌ منذُ جاوَرناهم إِلَّا ونحنُ نتوقَّعُهم، وننتظِرُ أن يطلُعَ علينا أوائلُهم من بين هذيْن الجبَلَين، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، أعِدُّوا لى الصُّخورَ والحديدَ والنُّحاسَ؛ حتى أرتادَ بلادَهم، وأعلمَ عِلمَهم، وأَقِيسَ ما بينَ جبلَيهم.

ثم انطلَق يَؤمُّهم حتى دفَعَ إليهم وتَوسَّطَ بلادَهم، فوجَدَهم على مِقدارٍ واحدٍ، ذَكَرَهم وأُنثاهم، يَبلُغُ (٤) طولُ الواحدِ مِنهم مثلُ نصفِ الرَّجلِ المَربوعِ منَّا (٥)، لهم مَخَالبُ في موضعِ الأظفارِ من أيدِينا، وأضرَاسٌ وأنيابٌ كأضراسِ السِّباع وأنيابِها، [وأحناكٌ كأحناكِ] (٦) الإبلِ قُوَّةً، تَسمَعُ لها حركةً إذا أكَلوا كحركةِ الجِرَّةِ (١) من الإبلِ، أو كقَضمِ البغلِ (٢) المُسِنِّ، أو الفَرَسِ القَويِّ، وهم هُلْبٌ (٣)، عليهم مِن الشعرِ في أجسادِهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به الحرَّ والبردَ إذا أصابَهم، ولكلِّ واحدٍ مِنهم أُذُنانِ عظيمَتانِ؛ إحدَاهما وَبِرَةٌ ظهرُها وبطنُها، والأُخرَى زَغِبَةٌ (٤) ظهرُها وبطنُها، تَسَعانِه إذا لَبِسَهما، يَلتَحِفُ إحدَاهما، ويَفترِشُ الأُخرَى، ويَصِيفُ في إحداهما، ويَشتُو (٥) في الأُخرَى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرَف أجلَه الذي يموتُ فيه، ومَنقَطَعَ عُمُرِه؛ وذلك أنه لا يموتُ ميِّتٌ من ذكُورِهم حتى يَخرُجَ مِن صُلبِه ألفُ ولدٍ، ولا تموتُ الأنثى حتى يخرُجَ مِن رَحمِها ألفُ ولدٍ، فإذا كان ذلك أيقَنَ بالموتِ، وهم يُرزَقُون التِّنِّينَ (٦) في أيامِ الربيعِ، ويَستَمطِرونَه إذا تَحَيَّنوه كما نَستَمطِرُ الغيثَ لحينِه، فيُقذَفون منه كلَّ سنةٍ بواحدٍ، فيَأكلُونه عامَهم كلَّه إلى مثلِها مِن العامِ القابلِ، فيُغنِيهم على (٧) كَثرَتِهم ونَمَائِهم، فإذا مُطِروه أخصَبُوا وعاشوا وسَمِنوا عليه، ورُئِيَ أثرُه عليهم، فدَرَّتْ عليهم (٨) الإناتُ، وشَبِقَتْ منه الرجالُ الذُّكورُ، الرجالُ الذُّكورُ، وإذا أخطَأهم هَزَلوا وأجدَبوا، وجَفَرتِ الذُّكورُ، وحَالتِ الإِناثُ (١)، وتبَيَّنَ أَثرُ ذلك عليهم، وهم يَتداعَون تَداعِىَ الحَمامِ، ويَعوُون عُوَاءَ الكلابِ (٢)، ويَتَسافَدون حيث التَقَوْا تَسَافُدَ البهائمِ.

ثم لما عايَنَ ذلك منهم ذو القرنين انصَرَف إلى ما بينَ الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في مُنقطَعِ أرضِ التُّركِ ممَّا يَلى مَشرِقَ الشمسِ، فوجَد بُعدَ ما بينَهما مائةَ فَرسَخٍ، فلمَّا أنشَأ في عمَلهِ، حفَر له أُسًّا حتى بلَغَ الماءَ، ثم جعَل عَرضَه خمسين فَرسخًا، وجعَل حَشوَه الصخورَ، وطينَه النُّحاسَ، يُذَابُ ثم يُصبُّ عليه، فصار كأَنَّه عِرقٌ مِن جبلٍ تحتَ الأرضِ، ثم عَلَاهِ وشَرَّفَه بِزُبَرِ الحديدِ والنَّحاسِ المُذابِ، وجعَل خلالَه عِرقًا مِن نُحاسٍ أصفَرَ، فصار كأَنَّه بُردٌ مُحَبَّرٌ؛ مِن صُفرَةِ النُّحاسِ وحُمرَتِه وسَوادِ الحديدِ، فلمَّا فَرَغ منه وأحكَمَه، انطلَق عامِدًا إلى جماعةِ الإنسِ والجنِّ، فبينَا هو يسيرُ، دفَع إلى أُمَّةٍ صالحةٍ يَهدُون بالحقِّ وبه يَعدلون، فوجَد أمَّةً مُقسِطَةً مُقتَصِدَةً، يقسِمُون (٣) بالسَّويَّةِ، ويَحكُمون بالعَدلِ، ويتآسَون ويَتَراحَمُون، حالُهم واحدةٌ، وكلِمَتُهم واحدةٌ، وأخلاقُهم مُشتَبهَةٌ، وطرِيقَتُهم مُستَقِيمةٌ، وقلوبُهم مُتآلِفَةٌ، وسيرتُهم مستويةٌ (٤)، وقبورُهم بأبوابِ بُيوتِهم، وليس على بُيوتِهم أبوابُ، وليس عليهم أمراءُ، وليس بينَهم قُضَاةٌ، ولا بينَهم أغنياءُ ولا ملوكُ ولا أشرافٌ، ولا يَتَفاوتُون ولا يتَفاضَلون، ولا يَختلِفون ولا يَتَنازَعُون، ولا يَستَبُّون ولا يَقتَتِلون، ولا يَقحَطون ولا يُجرَدون (٥)، ولا تُصِيبُهم الآفاتُ التي تُصيبُ الناسَ، وهم أطولُ الناسِ أعمارًا، وليس فيهم مسكينٌ ولا فقيرٌ، ولا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ، فلمَّا رأَى ذلك ذو القرنَين من أمرِهم، عَجِبَ منه وقال: أخبِرُوني أيُّها القومُ خَبرَكم، فإنِّى قد أحصَيتُ الأرضَ كلَّها؛ بَرَّها وبحرَها، وشَرقَها وغَربَها، ونورَها وظُلمَتَها، فلم أجِد مثلَكم، فأخبِرُونى خَبَركم!

قالوا: نعم، فسَلنا عمَّا تُريدُ.

قال: أخبِرُوني، ما بالُ قبورِ مَوتاكم على أبوابِ بيوتِكم؟

قالوا: عَمدًا فَعَلنا ذلك؛ لِئَلَّا نَنسَى الموتَ، ولا يَخرُجَ ذِكرُه مِن قلوبِنا.

قال: فما بال بيوتِكم ليس عليها أبوابٌ؟

قالوا: ليس فِينا مُتَّهمٌ، وليس منا إلَّا أمينٌ مُؤتمَنٌ.

قال: فما بالُكم (١) ليس عليكم أمراءُ؟

قالوا: لا نَتَظالَمُ.

قال: فما بالُكم ليس عليكم (٢) حُكَّامٌ؟

قالوا: لا نَخْتَصِمُ.

قال: فما بالُكم ليس فيكم أغنياءُ؟

قالوا: لا نتَكاثَرُ.

قال: فما بالُكم ليس فيكم ملوكٌ؟

قالوا: لا نتَكابَرُ.

قال فما بالُكم لا تتَنازَعُون ولا تَختَلِفون؟

قالوا: مِن قِبَلِ أُلفَةِ قلوبِنا وصَلاحِ ذاتِ بينِنا.

قال: فما بالُكم لا تَستبُّون ولا تَقتَتِلون؟

قالوا: من قِبَلِ أَنَّا غَلَبْنا طبائِعَنا بالعزمِ، وسُسنا أنفُسَنا بالأحلامِ.

قال: فما بالُكم كلِمَتُكم واحدةٌ، وطريقَتُكم مُستقيمَةٌ مُستَويةٌ؟

قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا لا نَتكاذبُ، ولا نَتَخادَعُ، ولا يَغتابُ بعضُنا بعضًا.

قال: فأَخْبِرُونى مِن أينَ تَشابَهَتْ قلوبُّكم، واعتدَلتْ سِيرَتُكم؟

قالوا: صحَّت صُدُورُنا، فنُزِع بذلك الغِلُّ والحسدُ من قلوبِنا.

قال: فما بالُكم ليس فيكم مِسكينٌ ولا فقيرٌ؟

قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا نَقسِمُ (٣) بالسَّويةِ.

قال: فما بالُكم ليس فيكم فظٌّ ولا غَلِيظٌ؟

قالوا: من قِبَلِ الذُّلِّ والتَّواضُعِ.

قال: فما بالُكم (٤) أطولَ الناسِ أعمارًا؟

قالوا: مِن قِبَل أنا نَتَعاطَى الحقَّ (١) ونحكُمُ بالعدلِ.

قال: فما بالُكم لا تَقحَطون؟

قالوا: لا نَغْفُلُ عن الاستغفارِ.

قال: فما بالُكم لا تُجرَدُون؟

قالوا: مِن قِبَلِ أنَّا وَطَّأنا أنفُسَنا للبلاءِ منذ كنا، وأحبَبناه وحَرَصنا (٢) عليه، فعُرِّينا منه.

قال: فما بالُكم لا تُصِيبُكم الآفاتُ كما تُصيبُ الناسَ؟

قالوا: لا نتَوكَّلُ على غيرِ اللهِ، ولا نعملُ بالأنواءِ والنُّجومِ.

قال: حدَّثوني، أهَكذا وجَدتُم آباءَ كم يفعَلون؟

قالوا: نعم، وجَدْنا آباءَنا يَرحَمون مساكِينَهم، ويُواسُون فُقَراءَهم، ويَعفون عمَّن ظَلَمَهم، ويُحسِنون إلى مَن أساءَ إليهم، ويَحلُمُون عمَّن جَهِل عليهم، ويستَغفِرون لِمَن سَبَّهم، ويَصِلُون أرحامَهم، ويُؤَدُّون أماناتِهم، ويَحفَظُون وَقتَهم لصلاتِهم، ويُوفُون بعُهودِهم، ويَصدُقون في مواعيدِهم، ولا يَرغَبون عن أكْفَائِهم، ولا يَستَنكِفون عن أقارِبِهم، فأصلَحَ اللهُ لهم بذلك أمرَهم، وحَفِظَهم ما كانوا أحياءً، وكان حقًّا عليه أن يَخلُفَهم (٣) في تَرِكَتِهم (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن نبيِّ الله ﷺ قال: "إن يأجوجَ ومأجوجَ يَحفِرونَهُ (٥) كلَّ يومٍ حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجِعُوا فتَحفِرُونَه غدًا.

فيُعِيدُه اللهُ [كأشَدِّ ما كان، حتى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهم حَفَروا، حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعَاعَ الشمسِ قال الذي عليهم: ارجِعُوا فسَتَحفِرُونَه إِن شاء اللهُ غَدًا.

فيَعُودُونَ إِليه] (٦) وهو كهَيئتِه حِينَ (١) ترَكُوه (٢)، فيَحفِرُونَه، فيَخرُجونَ على الناسِ، فينشِفُونَ المياةَ، ويتَحَصَّنُ الناسُ في حُصونِهم، فيَرمونَ بسِهامهم [إلى السماء] (٣) فيَرجِعُ فيها كهَيئَةِ الدِّماءِ، فيقولون: قَهَرْنا أهلَ الأرضِ، وعَلَونا أهلَ السماءِ.

فيبعَثُ اللهُ علَيهم نَغَفًا (٤) في أقفائِهم فتَقتُلُهم (٥) ".

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأرضِ لَتَسمَنُ وتَشكَرُ شَكَرًا (٦) مِن لُحومِهم" (٧).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ الأنصاريِّ ثم الظَّفَرِيِّ، عن محمودِ بن لَبيدٍ أخي بني عبدِ الأَشْهَلِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يُفتَحُ يأجوجُ ومأجوجُ، يَخرُجُون على الناسِ كما قال اللهُ ﷿: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فيَغْشَونَ الأرضَ، وَينحازُ المسلِمون عنهم إلى مَدَائِنِهم وحُصُونِهم، ويضُمُّون إليهم مَواشِيَهم، فيَشرَبونَ مِياهَ الأَرضِ، حتى إن بعضَهم ليَمرُّ بالنَّهرِ فيَشرَبُونَ ما فيه، حتى يترُكُوه يابِسًا، حتى (٨) إِن مَنْ بَعدَهم لَيَمُرُّ بذلك النهرِ، فيقولُ: لقد كان ههنا ماءٌ مرَّةً.

حتى إذا (١) لم يبقَ مِن النَّاسِ أَحدٌ إِلَّا [أَخَذ في] (٢) حِصنٍ أو مدينةٍ، قال قائلُهم: هؤلاء أهلُ الأرضِ قد فَرَغْنا مِنهم، بَقِيَ أهلُ السماءِ".

قال: "ثم يَهُزُّ أَحَدُهم حَربَتَه، ثم يَرمى بها إلى السماءِ، فتَرجِعُ إليه مُخَضَّبَةً دَمًا؛ للبلاءِ والفِتْنَةِ، فبَينا هم على ذلكَ، بَعَث اللهُ عليهم دُودًا في أعناقِهم كالنَّغَفِ، فيَخرُجُ في أعناقِهم، فيُصبحون مَوتَى لا يُسمَعُ لهم حِسٌّ، فيقولُ المسلمون: أَلَا رَجُلٌ يَشرِى لنا نَفسَه، فينَظُرَ ما فعَل هذا (٣) العدوُّ"؟

قال: "فيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ منهم بذلك مُحتَسِبًا لِنَفسِه، قد وَطَّنَها على أنَّه مَقتولٌ، فيَنزِلُ فيجِدُهم مَوْتَى، بعضُهم على بعضٍ، فيُنادِي: يا معشرَ المسلمِين، ألَا أبشِرُوا، فإنَّ الله قد كَفَاكُم عَدُوَّكم.

فيَخرُجونَ مِن مَدَائِنِهم وحُصُونِهم، ويُسَرِّحونَ مَواشِيَهم، فما يكونُ لها رَعَىٌ إِلَّا لُحُومُهم، فتَشكَرُ عنهم أحسَنَ ما شَكِرَتْ عن شيءٍ مِن النَّبَاتِ أَصابَتْ قطُّ" (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: كان أبو سعيدٍ الخُدريُّ يقولُ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "لا يموتُ رجلٌ منهم حتى يُولَدَ لِصُلبِه ألفُ رجلٍ".

قال: وكان عبدُ اللهِ [بن مسعودٍ] (٥) يَعجَبُ مِن كثرَتِهم، ويقولُ: لا يموتُ من يأجوجَ ومأجوجَ أحدٌ، حتى يُولدَ له ألفُ ذكَرٍ (٦) من صُلبِه (٧)!

حدَّثني بحرُ بنُ نَصرٍ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني معاويةُ، عن أبي الزَّاهِرِيَّةِ وشُريحِ بن عُبيدٍ: إن يأجوجَ ومأجوجَ ثلاثةُ أصنافٍ؛ صِنفٌ طولُهم كطولِ الأرزِ (١)، وصِنفٌ طولُه وعَرضُه سواءٌ، وصِنفٌ يفتَرِشُ أحدُهم أُذُنَه، ويَلتَحِفُ الأُخرَى فتُغطِّى سائرَ جَسَدِه (٢).

فالخبرُ الذي ذكَرناه عن وهبِ بن مُنبهٍ في قصةِ يأجوجَ ومأجوجَ، يدلُّ على أن الذين قالوا لذي القَرنين: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، إنما أَعْلَمُوه خوفهم ما يحدُثُ مِنهم من الإفسادِ في الأرضِ، لا أنَّهم شَكَوا مِنهم إفسادًا كان مِنهم، فيهم أو في غيرِهم.

والأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ [تُخْبِرُ عنهم] (٣) أنَّهم سيكونُ مِنهم الإفسَادُ في الأرضِ، ولا دَلالةَ فيها أنَّهم قد كان منهم - قبلَ إحداثِ ذِى القَرنَين السَّدَّ الذي أحدَثه بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِن الناسِ (٤) غيرِهم - إفسادٌ.

فإذْ كان ذلك كذلك بالذي بيَّنا، فالصَّحيحُ مِن تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: إن يأجوجَ ومأجوجَ سَيُفسِدون في الأرضِ.

وقولُه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾.

اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ (٥).

كأَنَّهم نَحَوا به نحوَ المَصدَرِ مِن "خَرْجِ الرأسِ"، وذلك جُعلُه.

وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيِّين: (فهل نَجْعَلُ لك خَرَاجًا) بالألفِ (١)، وكأنَّهم نَحَوا بهِ نَحوَ الاسمِ، وعَنَوا بِهِ: أُجرَةً على بِنائِكَ لنا سدًّا بينَنا وبينَ هؤلاءِ القومِ.

وأَولَى القراءتَين في ذلك عندَنا بالصوابِ (٢) قراءةُ مَن قَرأه: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرَاجًا) بالألفِ؛ لأنَّ القومَ، فيما ذُكِر عنهم، إنَّما عرَضُوا على ذِي القَرنَين أن يُعطُوه مِن أمْوالِهم ما يَستَعِينُ به على بناءِ السَّدِّ، وقد بيَّن ذلك قولُه: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.

ولم يَعرِضُوا عليه جزيَةَ رءوسِهم.

والخَراجُ عندَ العربِ هو الغلَّةُ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: (فهل نَجْعَلُ لكَ خَرَاجًا).

قال: أجرًا، ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿خَرْجًا (٤)﴾.

قال: أجرًا (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: (فهل نَجْعَلُ لك خَرَاجًا).

قال: أجرًا.

وقولُه: ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.

يقولُ: قالوا له: هل نجعلُ لك [أجرًا، على] (١) أن تجعلَ بَيْنَنَا وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ حاجِزًا يحجِزُ بينَنا وبينَهم، ويمنَعهم الخروجَ إلينا.

وهو السَّدُّ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القرْنَين: الذي مَكْنَنِي في عمَلِ ما سألتُموني مِن السدِّ بينَكم وبينَ هؤلاء القومِ ربِّي، ووَطَّأَه لِي وقوَّانى عليه، خيرٌ مِن جُعلِكم والأُجرَةِ التي تَعرِضُونَها عليَّ لبِناءِ ذلك، وأكثرُ وأطيبُ، ولكِن ﴿فَأَعِينُونِي﴾ مِنكم ﴿بِقُوَّةٍ﴾.

يقولُ (٢): أَعِينوني بفَعَلَةٍ وصُنَّاعٍ يُحسِنونَ البناءَ والعملَ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: [نا آدمُ بنُ عُيينَةَ، عن أخيه سفيانَ بن عُيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ] (٣)، عن مجاهدٍ قال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾.

قال: برجالٍ ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.

وقال.

﴿مَا مَكَّنِّي﴾ فأدغَمَ إحدَى النُّونَين في الأُخرى، وإِنَّما هو ما مَكَّنَنِي فيه.

وقولُه: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.

يقولُ: أجعَلْ بينَكم وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ رَدمًا.

والرَّدمُ: حاجزٌ كالحائط (١) والسَّدَّ، إلا أنَّه أمنَعُ منهما (٢) وأشدُّ، يقالُ منه: قد ردَمَ فلانٌ موضِعَ كذا، يَردِمُه رَدْمًا ورُدَامًا.

ويُقال أيضًا: رَدَم ثَوبَه يَردِمُه، وهو ثوبٌ مَردُومٌ (٣).

إذا كان كثيرَ الرِّقاعِ.

ومنه قولُ عنترةَ (٤): هل غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ … أم هل عَرَفتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، قالَ: هو كأشدِّ الحِجَاب (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ذُكِر لنا أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ اللهِ، قد رأيتُ سدَّ يأجوجَ ومأجوجَ.

قال: "انعَته لى".

قال: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ؛ طَرِيقةٌ سوداءُ، وطَرِيقةٌ حمراءُ.

قال: "قد رَأيتَه" (٦).

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القَرنَين للذين سألوه أن يجعلَ بينَهم وبينَ يأجوجَ [ومأجوجَ] (١) سدًّا: ﴿آتُونِي﴾ أي: جيئوني بزُبَرِ الحديدِ، وهي جمعُ زُبْرةٍ، والزُبْرةُ: القطعةُ مِن الحديدِ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آتُونِي زُبَرَ﴾.

يقولُ: قِطَعَ الحديدِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾.

قال: قطع الحديدِ.

حدَّثني إسماعيلُ بنُ سَيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾.

قال: قِطَعَ الحديدِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾.

قال: قِطعَ الحديدِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: فِلَقَ الحديدِ (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾.

قال: قِطعَ الحديدِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾.

قال: قِطعَ الحديدِ.

وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فآتَوه زُبَرَ الحديدِ فجعَلها بينَ الصَّدَفَين، حتى إذا ساوَى بينَ الجَبَلينِ بما جعَل بينَهما من زُبَرِ الحديدِ، ويُقال: سوَّى.

والصَّدَفان: ما بينَ ناحِيتَى الجَبَلين وأرْؤُسِهما، ومنه قولُ الراجزِ (٢): قد أخَذت ما بينَ عَرْضِ الصَّدَفَينِ ناحِيَتَيْها وأعالِى الرُّكْنَينِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾.

يقولُ: بينَ الجبلين (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.

قال: هو سدٌّ كان بينَ صَدَفين، والصَّدَفان: الجبلان.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾: رُءوسِ الجبلين (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: يعنى بين (٢) الجبلين، وهما من قبل إرمِينِيةَ وأذْرَبِيجَانَ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: وهما الجبلان.

حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنَّه قرَأها: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ منصوبةَ الصادِ والدالِ، وقال: بينَ الجبلين (٤).

وللعرب في "الصدفين" لغاتٌ ثلاثٌ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ مِنها جماعةٌ من القرَأةِ؛ الفتحُ في الصادِ والدالِ، وذلك قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (٥).

والضمُّ فيهما، وهى قراءةُ [بعضِ قرَأةِ] (١) أهلِ البصرةِ (٢).

والضمُّ في الصادِ وتسكينِ الدالِ، وذلك قراءةُ بعضِ أهلِ مكةَ والكوفةِ (٣).

والفتحُ في الصادِ والدالِ أشهرُ هذه اللغاتِ، والقراءةُ بها أعجبُ إليَّ، وإن كنتُ مُسْتَجيزا القراءةَ بجميعِها؛ لاتفاقِ معانِيها، وإنما اخترتُ الفتحَ فيهما لما ذكرتُ من العِلَّةِ.

وقولُه: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال للفَعَلَةِ: انفُخوا النارَ على هذه الزُّبَرِ من الحديدِ.

وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾.

وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فنفَخوا حتى إذا جعَلُوا (٤) ما بينَ الصَّدَفين من الحديدِ نارًا.

﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

فاختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿قَالَ آتُونِي﴾ بمدِّ الألفِ من: ﴿آتُونِي﴾.

بمعنى: أعْطُونى قِطْرًا أُفْرِغْ عليه (٥).

وقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ: (قال ائْتُونِي).

بوصلِ الألفِ، بمعنى: جيئونى قِطرًا أُفْرغْ عليه (٦).

كما يُقالُ: أخَذتُ الخِطامَ، وأَخَذتُ بالخِطامِ، وجئتُك زيدًا، وجئتُك بزيدٍ.

وقد يتوجَّهُ معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك إلى معنَى: أعْطُونى.

فيكونُ كأنَّ قارئَه أراد مدَّ الألفِ من: (ائْتُونى)، فترَك الهمزةَ الأولى من: ﴿آتُونِي﴾، وإذا سقَطَتِ الأُولى همَزَ الثانيةَ.

وقولُه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

يقولُ: أصُبَّ عليه قِطْرًا.

والقِطْرُ النُّحاسُ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

قال: القِطْرُ النُّحاسُ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿قِطْرًا﴾.

قال: نُحاسًا] (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

يعنى: النُّحاسَ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

أي: النُّحاسَ؛ لنُلزمَه (١) به حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

قال: نُحاسًا (٢) وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقول (٣): القِطْرُ الحديدُ المُذابُ.

ويستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٤): حسامًا كَلَونِ المِلْحِ صَافٍ حَديدُه … جُرازًا (٥) مِنَ اقْطارِ الحديدِ المُنَعَّتِ وقولُه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فما اسْطَاع (٦) يأجوجُ ومأجوجُ أن يَعْلُوَا (٧) الرَّدمَ الذي جعَله ذو القرنين حاجزًا بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِنَ الناسِ، فيصيروا فوقَه ويَنْزلوا منه إلى الناسِ.

يُقالُ منه: ظهَر فلانٌ فوقَ البيتِ.

إذا عَلاه.

ومنه قولُ الناسِ: ظهَر فلانٌ على فلانٍ.

إذا عَلاه وقهَره.

﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.

يقولُ: ولم يَستَطِيعوا أن يَنْقُبوه مِن أسْفَلِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: من فوقِه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.

أي: من أسفلِه (١).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾.

قال: ما استطاعوا أن يَرْتَقُوه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾.

قال: أن يَرْتَقُوه، ﴿وَمَا أَسَتَطَعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾.

قال: يَعْلُوه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾: أن (٤) يَنْقُبوه من أسفلِه (٥).

واختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ حذفِ التاءِ من قولِه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾؛ فقال بعضُ نحوِيِّى البصرةِ: فُعِل ذلك؛ لأنَّ لغةً للعربِ (٦) أن تقولَ: اسْطَاعَ يَسْطيعُ.

يريدُون بها: اسْتَطاعَ يَسْتَطيعُ.

ولكِنْ حذَفوا التاءَ إذا جُمِعت مع الطاءِ ومخرَجُهما واحدٌ.

قال: وقال بعضُهم: اسْتَاع.

فحذَف الطاءَ لذلك.

وقال بعضُهم: أَسْطَاع يُسْطِيعُ.

فجعَلها من القَطْعِ، كأَنَّها: أطاعَ يُطِيعُ.

فجعلَ السينَ عِوضًا من إسكانِ الواوِ (٧).

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذا حرفٌ اسْتُعمِل فكَثُرَ حتى حُذِف.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رأى ذو القرنين أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ لا يَسْتطيعون أن يَظْهَروا ما بنَى من الرَّدم، ولا يَقْدِرون على نَقْبِه، قال: هذا الذي بنَيْتُه وسَوَّيْتُه حاجزًا بين هذة الأمةِ ومَن دونَ الردمِ - رحمةٌ من ربِّي، رحِمَ بها مَنْ دونَ الردمِ مِنَ الناسِ، فأعانني برحمتِه لهم حتى بنَيتُه وسوَّيْتُه؛ ليكفَّ بذلك غائلةَ هذه الأمةِ عنهم.

وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾.

يقولُ: فإذا جاء وَعْدُ رَبِّي الذي جعَله ميقاتًا لظهورِ هذه الأمةِ وخروجِها من وراءِ هذا الرَّدْمِ لهم، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾.

يقولُ: سوَّاه بالأرضِ فالزَقَه بها.

من قولِهم: ناقةٌ دَكَّاءُ، مُسْتَوِيةُ الظَّهِرِ لا سَنامَ لها.

وإنما معنى الكلامِ: جعَله مَدْكُوكًا، فقيل: ﴿دَكَّاءَ﴾.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾.

قال: لا أدْرِى، الجبلين يعنى به، أو ما بينَهما؟

(١).

وذُكِر أن ذلك كائنٌ (٢) كذلك بعدَ قَتْلِ ابن مريمَ الدجالَ.

ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبَرنا العوامُ، عن جبلةَ بن سُحَيْمٍ، عن مُؤثِرٍ، وهو ابن عَفَازةَ (١) العَبْدِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لَقِيتُ ليلةَ الإسراءِ إبراهيمَ وموسى وعيسى، فتذاكَروا أمرَ الساعةِ، وردُّوا الأمْرَ إلى إبراهيمَ، فقال إبراهيمُ: لا عِلمَ لى بها.

فردُّوا الأمْرَ إلى موسى، فقال موسى: لا عِلْمَ لى بها.

فردُّوا الأمرَ إلى عيسى، قال عيسى: أمَّا قيامُ الساعةِ [فلا يعلمها] (٢) إلا اللهُ، ولكِنّ ربِّي قد عَهِد إليَّ بما هو كائنٌ دونَ وجْبتِها (٣)؛ عَهِد إليَّ أن الدَّجالَ خارِجٌ، وأَنَّه مُهْبِطِى إليه، فذكَر أَنَّ معه قضيبين (٤)، فإذا رآنى أهلَكَه اللهُ.

قال: فيَذُوبُ كما يَذُوبُ الرَّصاصُ، حتى إن الحجرَ والشَّجرَ لَيَقُولُ: يا مسلم هذا كافرٌ فاقْتُلْه.

فيُهلِكُهم اللهُ، ويَرْجِعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم فيَسْتقبِلُهم يأجوجُ ومأجوجُ من كلِّ حَدَبٍ ينسِلُون، لا يأْتُون على شيءٍ إلَّا أهلكوه (٥)، ولا يمرُّون على ماءٍ إِلَّا شَرِبوه، فيرجِعُ الناسُ إليَّ، فيَشْكُونهم، فأدعو الله عليهم فيُميتُهم، حتى تَجْوَى (٦) الأَرضُ من نَتْنِ ريحِهم، فيَنْزِلُ المطرُ، فيَجُرُّ أجسْادَهم فيُلقِيهم فِي البَحرِ، ثم تُنْسَفُ الجبالُ حتى تكونَ الأرضُ كالأديمِ، فعَهِد إليَّ ربِّي أن ذلك إذا كان كذلك، فإِنَّ الساعةَ منهم كالحاملِ المُتِمِّ التي لا يَدرِى أهلُها متى تَفْجَؤُهم بوِلادها، لَيلًا أو نهارًا" (١).

حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أصبغَ بن زيدٍ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن جبلةَ بن سُحَيمٍ، عن مُؤْثِرِ بن عَفَازَةَ (٢)، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لما أُسْرِى برسولِ اللهِ ﷺ التَقى هو وإبراهيمُ وموسى وعيسى ﵈، فتَذَاكَرُوا أمرَ الساعةِ.

فذكَر نحوَ حديثِ [أحمدَ بن] (٣) إبراهيمَ الدَّورقيِّ، عن هُشيمٍ، وزاد فيه: قال العوّامُ بنُ حَوْشَبٍ: فوجَدتُ تصديقَ ذلك في كتابِ اللهِ تعالى، قال اللهُ ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧].

[وقال] (٤): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) [وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (٥).

وقولُه: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾] (٦).

يقولُ: وكان وعْدُ رَبِّي الذي وعَد خَلْقَه في دكِّ هذا الرَّدمِ، وخروجِ هؤلاء القومِ [على الناسِ] (٧)، وعَيْتِهم فيهم (٨)، وغيرِ ذلك من وعْدِه - حقًّا؛ لأنَّه لا يخلفُ الميعادَ، فلا يقَعُ غيرُ ما وعَد أنه كائنٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَكْنا عبادَنا يومَ يأتِيهم وعْدُنا الذي وعَدْناهم، بأَنَّا نَدُكُّ الجبالَ ونَنْسِفُها عن الأرضِ نَسْفًا، فنذرُها قاعًا صَفْصَفًا، ﴿بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.

يقولُ: يختلِطُ جِنُّهم بإنسِهم.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن شيخٍ مِن بنى فزارةَ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.

قال: إذا ماج الجنُّ والإنسُ، قال إبليسُ: فأنا أعلمُ لكم علمَ هذا الأمْرِ.

فيظعَنُ إلى المَشْرقِ، فيجِدُ الملائكة قد نطَقُوا (١) الأرضَ، ثم يظعَنُ إلى المَغْرِبِ، فيجِدُ الملائكةُ قد نطَقُوا الأرضَ، ثم يظعَنُ (٢) يمينًا وشمالًا إلى أقصَى الأرضِ، فيجدُ الملائكةَ نطَقُوا (٣) الأرضَ، فيقولُ: ما من مَحِيصٍ.

فبينا هو كذلك، إذ عرَض له طريقٌ كالشِّرَاكِ، فأَخَذ عليه هو وذرِّيتُه، فبينما هم عليه إذ هجَموا على النارِ فأخرَج اللهُ خازِنًا من خُزَّان النارِ، فقال: يا إبليسُ، ألم تكُنْ لك المنزلةُ عندَ رَبِّكَ؟

ألم تكُنْ فِي الجِنَانِ؟

فيقولُ: ليس هذا يومَ عتابٍ، لو أن الله فرَض عليَّ فريضةً لَعَبَدتُه فيها عبادةً لم يَعْبُدُه مثلَها أحدٌ مِن خلقِه.

فيقولُ: فإنَّ الله قد فرَض عليك فريضةً.

فيقولُ: ما هي؟

فيقولُ: يأمُرُك أن تدخُلَ النار.

فيَتَلكَّأُ عليه، فيَقُولُ بهِ وبذرِّيتِه بجناحيه، فيقذِفُهم في النارِ، فتَزْفِرُ النارُ زَفْرَةً، فلا يَبْقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إِلا جَثَا لرُكُبَتَيهِ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.

قال: هذا أوّلُ يومِ (٢) القيامةِ، ثم نُفِخ في الصُّورِ على أَثَرِ ذلك فجَمَعْناهم جَمْعًا (٣) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.

قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في الصُّورِ، وما هو، وما عُنِى به؟

[وأخبَرْنا بالصوابِ] (٤) من القولِ في ذلك بشواهدِه المغنيةِ عن إعادِتها (٥) في هذا الموضعِ (٦)، غيرَ أنَّا نذكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذكُرْه (٧) في ذلك الموضعِ من الأخبارِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنا أَسْلَمُ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ، أَنَّ أَعْرابِيًّا سأله عن الصُّورِ، قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه" (٨).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ،، عن سليمانَ التَّيْمِيُّ، عن العجليِّ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، بنحوِه عن رسولِ اللهِ ﷺ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ الحارثِ القَنْطَريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، قال: كنتُ في جِنازةِ عمرَ بن ذرٍّ، فلَقِيت مالكَ بنَ مِغْولٍ، فحدَّثنا عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "كيف أَنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القرنَ (٢)، وحنَى الجَبْهةَ، وأصْغَى بالأُذُنِ متى يُؤْمَرُ".

فَشَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: "قُولُوا: حَسبُنا الله، وعلى اللهِ توكَّلنا.

ولو اجتَمَع أهلُ مِنًى ما أقَالُوا ذلك القَرنَ" كذا قال، وإنما هو: "ما أقلُّوا" (٣).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحجاجِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "كيف أنْعَمُ وصاحِبُ الصورِ (٤) قد الْتَقَم القَرْنَ، وحنَى ظَهْرَه، وجحَظ بعَيْنِهِ (٥) ".

قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟

قال: "قُولُوا: حسْبُنا اللهُ، تَوَكَّلْنا عَلَى اللهِ".

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القَرْنَ، وحنَى جبهَتَه، يستَمِعُ متى يُؤمَرُ فَيَنْفُخُ فيه".

فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ: كيف نقولُ؟

قال: "تقولون: حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، توكَّلْنا على اللهِ" (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا شُعَيبُ بنُ حربٍ، قال: ثنا خالدٌ أبو العلاءِ، قال: ثنا عطيةُ العَوْفيُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد التقَم القَرْنَ، وحنَى الجبْهَة، وأصْغَى بالأذنِ، متى يؤمَرُ أَنْ يَنفُخَ، ولو أنَّ أهلَ مِنًى اجْتَمَعوا على القَرْنِ على أنْ يُقِلُّوه مِنَ الأرضِ، ما قدَروا عليه" (٣).

فأُبلِس أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، وشَقَّ عليهم، قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: قولوا: "حَسْبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ (٤) ".

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المَدنيِّ، عن يزيدَ بن فلانٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبِ القُرَظيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لمَّا فرَغ اللهُ من خلْقِ السماواتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ، فأَعْطاهُ إسْرافِيلَ، فهو واضعُه (١) على فِيه، شاخِصٌ بصَرَه إِلى العَرْشِ، ينتَظِرُ متى يؤمَرُ".

قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟

قال: "قرنٌ".

قال: وكيف هو؟

قال: "قَرْنٌ عظِيمٌ، ينفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْحَةُ الصَّعْقِ، والثَّالثةُ نَفَخَةُ القيامِ لربِّ العالمين" (٢).

وقولُه: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.

يقولُ: فجمَعْنا جميعَ الخلقِ حينئذٍ لموقفِ الحسابِ جمعًا (٣).

وقولُه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.

يقولُ: وأبرَزْنا جهنَّم يومَ يُنفَخُ في الصُّورِ، فأظْهَرْناها للكافرين باللهِ، حتى يَرَوْها ويعاينُوها كهَيئةِ السَّراب.

ولو جُعِل الفعلُ لها قيل: أعْرَضت [جهنمُ.

وذلك] (٤) إذا اسْتَبانَت، كما قال عمرُو بنُ كُلثومٍ (٥): وأعرَضتِ اليمامةُ واشْمَخَرَّت … كأسيافٍ بأيدى مُصْلِتِينا (٦) وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ، قال: يقومُ الخَلقُ للهِ إِذا نُفِخ في الصُّورِ قيامَ رجلٍ واحدٍ، ثم يتمثَّلُ اللهُ للخَلْقِ [فيلقاهم، فليس] (١) أحدٌ من الخلقِ (٢) كان يعبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إلا وهو مرفوعٌ له يتْبَعُه.

قال: فيَلْقَى اليهودَ فيقولُ: مَن تعبُدون (٣)؟

فيقولون: نعبُدُ عُزَيْرًا.

قال: فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟

فيقولون: نعم.

فيُرِيهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم قرَأ: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.

ثم يَلْقى النَّصارى فيقولُ: مَن تعبُدون؟

فيقولون: نعبُدُ المسيحَ.

فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟

فيقولون: نعم.

قال: فيُريهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم كذلك لمَن كان يعبُدُ مِن دونِ اللهِ شيئًا.

ثم قرأ عبدُ اللهِ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (٤) [الصافات: ٢٤].

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وعرَضْنا جَهَنَّمَ يومئذٍ للكافرين (٥) الذين كانوا لا ينظُرون في آياتِ اللهِ فيتفكَّروا فيها، ولا يتأمَّلون حُجَجَه فيعْتَبِروا بها، فيتذكَّروا ويُنيبوا إلى توحيدِ اللهِ، ويَنْقادُوا لأمرِه ونهيِه، ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.

يقولُ: وكانوا لا يُطِيقون أن يسمَعوا ذكْرَ اللهِ الذي ذكَّرهم به، وبيانَه الذي بيَّنه لهم في آيِ كتابِه، بخذلانِ اللهِ إيَّاهم، وغلبةِ الشقاءِ عليهم، وشُغْلِهم بالكفرِ باللهِ وطاعةِ الشيطانِ، فيَتَّعِظوا بهِ، ويتدبَّروه، فيعرِفوا الهُدَى من الضَّلالةِ، والكفرَ من الإيمانِ.

وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.

قال: لا يَعْقِلُون (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قال: لا يَعْلَمون.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ الآية.

قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أَفَظَنَّ الذين كفَروا باللهِ من عَبَدَةِ الملائكةِ والمسيحِ، أن يتَّخِذوا عبادِى الذين عبَدُوهم من دونِ اللهِ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ لأنفسِهم (٢)، يقولُ: [أَظُنُّوا أنهم لهم أولياءُ.

يقولُ] (٣): كلا، بل هُم لهم أعداءٌ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾.

قال: يعنى من يعبُدُ عيسى (١) ابنَ مريمَ والملائكةَ، وهم عبادُ اللهِ، ولم يكونوا للكفارِ أولياءَ.

وبهذه القراءةِ، أعنى بكسرِ السِّينِ من ﴿أَفَحَسِبَ﴾ بمعنى الظَّنِّ، قرَأتْ هذا: الحرفَ قرأةُ الأمصارِ.

ورُوى عن عليِّ بن أبى طالبٍ، وعكرِمةَ ومجاهدٍ أنَّهم قَرءوا ذلك: (أفَحسْبُ الذين كفروا) بتسكينِ السِّينِ، ورفعِ الحرفِ بعدَها (٢)، بمعنَى: أَفَحَسْبُهم ذلك.

أي: أَفَكَفَاهم أن يتَّخِذُوا عبادِى من دونى أولياءَ مِن عِبَادتى (٣) وموالاتي.

كما حُدِّثت عن إسحاقَ بن يوسفَ الأزرقِ، عن عِمْرانَ بن حُدَيرِ، عن عِكرمةَ: (أفحسْبُ الذين كَفَرُوا).

قال: أَفَحَسْبُهم ذلك (٤).

والقراءةُ التي نَقْرَؤها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ: ﴿أَفَحَسِبَ﴾.

بكسرِ السينِ، بمعنى: أفَظَنَّ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليها.

وقولُه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.

يقولُ: إِنَّا (٥) أَعْدَدْنا لَمَن كفَر باللهِ جهَنَّمَ مَنزِلًا.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين يَبْغُون عَنَتَك، ويُجادِلونك بالباطِلِ، ويُمَارونك (١) بالمسائلِ من أهلِ الكتابين؛ اليهودِ والنَّصارى: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.

يعنى بالذين أتْعَبوا أنفسَهم في عملٍ يَبْغُون به رِبْحًا وفضْلًا، فنالوا به عَطَبًا (٢)، وهلاكًا، ولم يُدْرِكوا [ما طلَبوا] (٣)، كالمُشتَرِى سلعةً يَرجُو بها فضْلًا وربحًا، فخاب رجاؤه، وخسِر بَيْعُه، ووُكِسَ في الذي رجا فَضْلَه.

واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الرُّهبانُ والقُسُوسُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا المُقْرِئُ (٤)، قال: ثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبَرني السَّكنُ بنُ أبى كَريمةَ، أن أمَّه أخبَرتْه، أنها سمِعت أبا خَمِيصةَ عبدَ اللهِ بنَ قيسٍ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾: هم الرهبانُ الذين حَبَسوا أَنفُسَهم في الصوامِعِ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ حَيْوةَ يقولُ: ثنى السَّكَنُ بنُ أَبي كَرِيمةَ، عن أمه أخبرته، أنها سَمِعت عبدَ اللَّهِ بن قيس يقولُ: سمعتُ على بن أبي طالبٍ يقولُ … فذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: أهم الحروريَّةُ؟

قال: هم أصحابُ الصَّوامع (٢).

حدثنا فَضَالة بن الفضل، قال: قال يَزِيعٌ: سأل رجل الضحاك عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.

قال: هم القسِّيسون والرهبان.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن منصور، عن هلال بن يَسَافٍ، عن مصعب بن سعد، قال: قال سعد: هم أصحابُ الصَّوامع (٣).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن مصعب بن سعدٍ، قال: قلتُ لسعد: يا أَبَتِ: ﴿هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ من أهم الحرورِيَّةُ؟

فقال: لا، ولكنهم أصحابُ الصوامع، ولكنّ الحرورِيَّة قومٌ زاغوا، فَأَزَاغَ اللَّهُ قلوبَهم (٤).

وقال آخرون: بل هم جميع أهلِ الكتابين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّةَ، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعِيهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ أهم الحرُورِيَّةُ؟

قال: لا، هم أهل الكتابين (١)؛ اليهود والنصارى، أما اليهودُ فكَذَّبوا بمحمد، وأما النصارى فكَفَروا بالجنة وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكنَّ الحَرورِيَّةَ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقِه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصلَ، ويفسدون في الأرضِ، أولئك هم الفاسقون (٢).

فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين (٣).

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن إبراهيمَ بن أبى حُرَّةَ، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه في قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾.

قال: هم اليهود والنصارى (٤).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن أبي حربِ بن أبي الأسود، عن زاذان، عن علي بن أبى طالبٍ، أنه سئل عن قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.

قال: هم كفرة أهل الكتاب؛ كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حقٍّ، ويجتهدون في الضَّلالةِ، ويَحْسَبون أنهم على هدى، فضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يَحْسبون أنهم يحسنون صنعًا.

ثم رفع صوته فقال: وما أهلُ النَّهَرِ (١) منهم ببعيدٍ.

وقال آخرون: بل هم الخوارجُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ (٢)، عن سلمة بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأَلَ عبد الله بن الكَوَّاءِ عليًّا عن قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾.

قال: أنتم يا أهل حَروراءَ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يحيى بن أيوبَ، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجليِّ، عن أبي الصَّهباءِ البَكْريِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، أن ابنَ الكَوَّاءِ سأَله عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾.

فقال عليٌّ: أنت وأصحابك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قام ابن الكَوَّاء إلى عليٍّ، فقال: مَن ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ قال: وَيْلَك!

أهلُ حَرُوراءَ منهم (١).

حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن خالد بن عَثْمةَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بن عبدِ اللهِ بن وهبٍ، قال: ثني أبو الحُوَيرثِ، عن نافع بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، قال: قال ابن الكوَّاءِ لعليِّ بن أبى طالب: ما الأخسرون (٢) أعمالًا، الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا؟

قال: أنتَ وأصحابُك.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله ﵎ عنَى بقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾.

كلَّ عاملٍ عملًا يَحسَبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخطٌ، وعن طريق أهل الإيمانِ به جائرٌ؛ كالرَّهابنةِ والشَّمامسةِ وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك مِن فعلهم واجتهادِهم باللَّهِ كَفَرةٌ، من أي أهل دين كانوا.

وقد اختلف أهل العربيةِ في وجهِ نَصْبِ قوله: ﴿أَعْمَالًا﴾؛ فكان بعضُ نحويي البصرة يقولُ: نُصِبَ ذلك لأنه لما أُدخل الألفُ واللام والنون في الأخسرين لم يُوصَل إلى الإضافة، وكانت الأعمالُ مِن الأخسرين؛ فلذلك نُصِب.

وقال غيرُه: هذا الباب (٣) للأفعل (٤) والفُعْلى، مثل الأفضل والفُضْلَى، والأخسر والخسرَى، ولا تَدْخُلُ فيه الواو (٥)، ولا يكون معه (٦) مُفسِّر؛ لأنه قد حَقَّق (١) [الفضلَ لمن هو بقوله] (٢): الأفضلُ والفُضْلَى.

وإذا جاء معه مفسِّر كان للأوَّلِ والآخِرِ، وقال: ألَا تَرَى أنك تقولُ: مررتُ برجل حَسَنٍ وجهًا.

فيكونُ الحُسْنُ للرجل وللوجه (٣)، وكذلك: كثيرٍ (٤) عقلا.

وما أشبَهه.

قال: وإِنما جاز في الأخسَرِينَ؛ لأنه ردَّه إلى الأفعَلِ والأَفْعَلَة.

وقال: سمعتُ العرب تقولُ: الأوَّلاتُ دخولًا، والأخراتُ خروجًا.

فصار للأوَّلِ والثانى كسائر الباب.

قال: وعلى هذا يُقاسُ.

وقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

يقولُ: هم الذين لم يكُن عملهم الذي عَمِلوه في حياتهم الدنيا على هدًى واستقامةٍ، بل كان على جَوْرٍ وضلالةٍ، وذلك أنهم عَمِلوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفر منهم به، ﴿وَهُم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.

يقولُ: وهم يَظُنُّون أنهم بفعلهم ذلك للهِ مطيعون، وفيما ندب عبادَه إليه مُجتَهِدون.

وهذا من أدلُّ الدليل (٥) على خطأ قولِ مَن زعم أنه لا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحدٌ إِلَّا مِن حيثُ يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيَّتِه.

وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا، وقد كانوا يحسبون أنهم يحسبون (٦) في ضنعهم لك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآياتِ ربِّهم؛ ولو كان القولُ كما قال الذين زعَموا أنه لا يكفُرُ باللَّهِ أحدٌ إلا من حيثُ يَعْلَمُ، لوجَب أن يكون هؤلاء القومُ في عملهم الذي أخبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا يَحْسَبون فيه أنهم يحسنون صُنعَه، كانوا مثابين مأجورين عليه (١)، ولكنَّ القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم باللَّهِ كَفَرةٌ، وأن أعمالهم حابِطةٌ.

وعنى بقوله: ﴿أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: عملا.

والصُّنعُ والصَّنعةُ والصَّنيعُ واحدٌ، يُقالُ: فرس صنيع.

بمعنى مصنوع.

القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾.

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصَفنا صفتَهم، الأخسرون أعمالًا، الذين كفروا بحجج ربِّهم وأدلتِه، وأنكروا لقاءه، ﴿فَحِبَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾.

يَقُولُ: فَبَطَلَتْ أعمالهم، فلم يكن لها ثواب يَنْفَعُ أصحابها في الآخرةِ، بل لهم منها عذابٌ وخزىٌ طويلٌ، ﴿فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾.

يقول تعالى ذكره: فلا نجعَلُ لهم ثقلًا.

وإنما عنَى بذلك: أنه (٢) لا تَنْقُلُ بهم موازينهم؛ لأن الموازين إنما تَنْقُلُ بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيءٌ من الأعمال الصالحة فتثقُلَ به موازينهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن شِمْر، عن أبي يحيى، عن كعب، قال: يُؤتَى يوم القيامة برجل عظيمٍ طويلٍ، فلا يَزِنُ عندَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضةٍ؛ اقرَءُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ (١).

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن الصَّلْتِ، قال: ثنا ابن أبي الزِّنادِ، عن صالحٍ مولَى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "يُؤتَى بِالْأَكُولِ الشَّرُوبِ الطَّويل فيُوزَنُ، فلا يَزِنُ جَناحَ بَعوضةٍ".

ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢).

القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾.

يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابُهم جهنَّمُ؛ بكُفرهم بالله، واتخاذهم آياتِ كتابِه، وحُجَجَ رسله سخريًّا، واستهزائهم برسله.

القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾.

يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا بالله ورسله (٣)، وأقروا بتوحيدِ اللهِ وما أنزَل من كتبِه، وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتينُ الفردوسِ.

والفردوسُ: معظم الجنةِ، كما قال أميةُ (١): كانت منازلهم إذ ذاك ظاهِرةً … فيها الفراديسُ والفومانُ والبصل واختلَف أهل التأويل في معنى الفردوس؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أفضلُ الجنةِ وأوسطها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبَّاسُ بن الوليد، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، قال: الفردوسُ: رَبوةُ الجنة وأوسطها وأفضلُها (٢).

حدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيْحٍ (٣) الرازيُّ، قال: ثنا الهيثمُ أبو بشرٍ، قال: أخبرنا الفرج بن فضالةَ، عن لقمان بن (٤) عامر، قال: سُئل أبو أمامة (٥) عن الفردوس، فقال: هي سُرَّةُ الجنة (٦).

حدثنا أحمد بن أبى سُرَيْجٍ (٣)، قال: ثنا حماد بن عمرو النَّصيبيُّ، عن أبي عليٍّ، عن كعب، قال: ليس في الجنانِ جنةٌ أعلى مِن جنة الفردوسِ، وفيها الآمرون بالمعروفِ، والناهون عن المنكر (٧).

وقال آخرون: هو البستانُ بالرُّوميةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليُّ بن سهل الرملى، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبدِ اللَّهِ بن كثير، عن مجاهد، قال: الفردوس: بستانُ بالرُّوميةِ (١).

حدثنا العباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريجٍ: أخبرني عبد الله، عن مجاهد مثله.

وقال آخرون: هو البستانُ الذي فيه الأعناب.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن كعبٍ، قال: جنات الفردوس: التي فيها الأعناب (٢).

والصواب من القول في ذلك عندنا (٣) ما تظاهرت به الأخبار عن رسولِ الله ﷺ، وذلك ما حدثنا به (٤) أحمد بن أبى سُرَيْجٍ (٥)، قال: ثنا يزيدُ بنُ هَارُونَ، قال: أخبرنا همامُ بن يحيى، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "الجَنَّةُ مِائَةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَةٍ (٦) مَسِيرَةُ مائة (١) عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها درجةً، ومنها الأنهارُ الأَرْبَعةُ (٢)، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فإذا سألتم الله فسَلُوه (٣) الفِرْدَوْسَ" (٤).

حدثنا موسى موسى بن سهلٍ، قال: ثنا موسى بن داودَ، قال: ثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "الجنة مائةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين كما بين السماءِ والأرضِ، أَعْلاها الفِرْدَوْسُ، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ الأربعةُ، فإذا سألتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ".

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمانَ (٥)، عن هلال بن أسامة، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ - أو أبي سعيدٍ الخُدْريِّ - عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "إِذَا سَأَلْتُم اللَّهَ فَسَلُوه (٦) الفِرْدَوسَ، فإنها أوْسَطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقها عرش الرحمن، ومِنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة" (٧).

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا فليحٌ، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلا أنَّه قال: "وسَطُ الجَنَّةِ".

وقالَ أيضًا: "ومِنه تَفَجَّرُ أو تُفَجَّرُ (١) (٢) ".

حدثني عمران (٣) بن بكارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بن صالحٍ، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسار، عن معاذِ بن جبلٍ، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين (٤) كما بين السماء والأرض، والفِردَوسُ أعْلَى الجنة وأوسطها، وفوقها عَرْشُ الرَّحمن، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة، فإذا سأَلْتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ" (٥).

حدثنا أحمد بن منصورٍ، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارثِ، قال: ثنا الحارث بن عُبَيْدٍ (٦)، [قال: ثنا أبو عمران الجَوْنيُّ، عن أبي بكر بن أبي موسى] (٧)، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ أَرْبَعَةٌ، ثِنْتَانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ، وثِنْتانِ مِن فِضة حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ" (٨).

حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ (١)، قال: ثنا أبو نعَيم، قال: ثنا أبو قدامةَ، عن أبي عِمْرانَ الجَونيِّ، عن أبي بكر بن عبدِ اللهِ بن قيسٍ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "جَنَّاتُ الفِرْدَوسِ أَرْبَعٌ: ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما، وثنتان من فِضَّةٍ حِلْيَتُهما وآنِيتُهما وما فيهما" (٢).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفص، عن شِمْرٍ، قال: خلق اللَّهُ جنةَ الفردوس بيده، فهو يَفْتَحُها في كلِّ يوم خميس، فيقولُ: ازدادى طِيبًا لأوليائى، ازدادى حُسْنًا لأوليائى.

حدثنا ابن البرقى، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا محمد بن جعفر [وابنُ الدَّراوَرْدِيُّ] (٣)، قالا: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ للجنةِ مِائَةَ درَجَةٍ، كلُّ درجةٍ كما (٤) بين السماء والأرضِ، أعْلَى دَرَجَةٍ منها الفِرْدَوسُ، [وهو أوسطُ الجنةِ، ومنها تَفَجَّرُ أنهار الجنةِ، وعليها يَكُونُ العرشُ، فإذا سألتم الله فسَلُوه الفِردَوسَ" (٥).

حدثني أحمد بن يحيى الصُّوفيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الفرجِ الطائيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "الفِرْدَوْسُ (١) رَبُوةُ الجَنَّةِ، هي أَوْسَطُها وأحْسَنُها" (٢).

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلمٍ، عن الحسن، عن سَمُرَةَ بن جندب، قال: أخبرنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أَن الفِرْدَوسَ هي أَعْلَى الجَنَّةِ وأَحْسَنُها وأَرفَعُها.

حدثني محمدُ بنُ مَرْزُوقٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال للرُّبَيِّعِ ابنةِ النَّضْرِ: "يا أُمَّ حارِثَةَ، إنها جنانٌ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ (٣) الفِرْدَوس الأعْلَى، والفردوس رَبُوةُ الجَنَّةِ وأَوْسَطُها وأفْضَلُها" (٤).

وقوله: ﴿نُزُلًا﴾.

يقول: منازل ومساكِنَ.

والنُّزُلُ (٥): من النزول؛ وهو من نزول بعض الناس على بعضٍ.

وأمَّا النُّزْلُ: فهو الرَّيْعُ (٦)، يقال: ما لِطَعامِكم هذا نُزْلٌ.

يراد به الرَّيْعُ (١).

وما وجدنا عندكم نُزُلًا: أي نُزولًا.

وقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

يقولُ: لابِثِينَ فيها أبدًا، [لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِولًا﴾.

يقول: لا يريدون عنها تحوُّلا.

وهو مصدرُ (تحوَّلتُ) أُخْرِج على (٢) أصْلِه، كما يُقالُ: صَغُرَ يَصْغُرُ صِغَرًا، وعاج يَعُوجُ عِوَجًا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.

قال: مُتَحَوَّلًا (٣).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد بنحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سَمِعتُ مَخْلَدَ بنَ الحسين يقولُ، وسئل عنها، فقال: سَمِعتُ بعض أصحاب أنسٍ يقولُ: قال: يقولُ أوَّلُهم دخولًا: إنما أدخَلَنى اللهُ أوَّلَهم لأنَّه ليس أحد أفضلَ مِنِّي.

ويقولُ آخِرُهم دُخُولا: إِنما أَخَّرَنى الله لأنَّه ليس أحدٌ أعطاه الله مثل الذي أعْطَاني.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُل﴾ له يا محمد: لو كان ماءُ (١) البحر ﴿مدادا﴾ للقلم الذي يَكْتُبُ (٢) ﴿كَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ﴾ ماء البحر، ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.

يقولُ: ولو مَدَدْنا البحرَ بمثل ما فيه من الماءِ مَدَدًا.

من قول القائل: جِئْتُكَ مَدَدًا لك.

وذلك من معنى الزيادة.

وقد ذُكر عن بعضهم: (ولو جئنا بمثله مِدَادًا (٣))، كأنَّ قارِئَ ذلك كذلك أراد: لنَفِدَ البحرُ قبل أن تَنْفَدَ كلماتُ ربِّي، ولو زِدْنا مثل (٤) ما فيه من المدادِ الذي يُكتَبُ به مِدَادًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث قال: الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي﴾: للقلم (٥).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مَدادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾.

يقولُ: إِذًا لنَفِدَ ماءُ البَحْرِ قبلَ أَن [يَنْفَدَ كلامُ] (١) اللَّهِ وحكمه (٢).

القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.

يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أنا إنسان (٣) مثلكم، من بني آدمَ لا عِلمَ لى إلا ما عَلَّمَنى الله، وإن الله يُوحى إليَّ أن معبودكم الذي يجبُ علَيْكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، معبود واحدٌ لا ثاني له ولا شَرِيكَ، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾.

يقولُ: فمَنْ كان (٤) يخافُ ربَّه يوم لقائِه، ويُراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾.

يقولُ: فليُخْلِص له العبادةَ، وليفرد له الرُّبوبية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيع بن أبى راشد، عن سعيد بن جبير: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾.

قال: ثواب ربِّه (٥).

وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

يقولُ: ولا يَجعَلْ اللَّهِ (١) شَريكًا في عبادته إيَّاه، وإنما يكون جاعلا له شريكًا بعبادته إذا راءَى بعمله الذي ظاهِرُه أَنَّه للَّهِ، وهو مريدٌ به غيره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمَرُ (٢) بنُ عُبيدٍ، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ (٣): ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

[قال: لا يُرائي بعبادة ربِّه أحدًا] (٤).

حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

قال: لا يُراثى.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبد الكريم الجَزريِّ، عن طاوس، قال: جاء رجلٌ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الجهاد في سبيل الله، وأُحِبُّ أن يُرَى مَوْطِنى ويُرَى مَكانِي.

فأنزَل الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (٥).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ ومسلمِ بن خالد الزَّنْجيِّ، عن صَدَقَةَ بن يسارٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ.

فذَكَر نحوَه، وزاد فيه: وإنِّي أعملُ العمل وأتصَدَّقُ، وأُحِبُّ أن يرانى (١) الناسُ.

وسائر الحديثِ نحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بن يونسَ، عن الأعمشِ، قال: ثنا حمزةُ أبو عُمارة مولى بنى هاشمٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ.

قال: جاء رجلٌ إلى عُبادةَ بن الصامت، فسأله فقال: أنْبِئْنى عمَّا أسألُك عنه؛ أرأيتَ رَجُلًا يصلِّى يَبْتَغِي وجه الله ويحبُّ أن يُحمَدَ، ويصومُ (٢) يَبتَغِى وجهَ اللَّهِ ويحبُّ أن يُحمَدَ، [ويَتَصَدَّقُ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أَن يُحْمَدَ، ويَحُجُّ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أن يُحْمَدَ] (٣)؟

فقال عُبادةُ: ليس له شيء؛ إن اللَّهَ ﷿ يقولُ: أَنا خَيْرُ شَرِيكٍ، فمَنْ كان له معى شَريكٌ (٤) فهو له كله، لا حاجةً لى فيه (٥).

حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا هشام بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن عيَّاشٍ، قال: ثنا عمرو بن قيس الكِنْدِيُّ، أَنَّه سمع معاوية بن أبي سفيانَ [على المنبرِ] (٣) تلا هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبية أَحَدًا﴾.

وقال: إنَّها آخِرُ آيةٍ أُنزِلت مِنَ القرآن (١).

آخِرُ تفسيرِ سورةِ الكهفِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده