الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة مريم
تفسيرُ سورةِ مريم كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 237 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ مريمَ ﵍ ﷽ القولُ في تأويل قوله تعالى ذكرُه: [﴿كهيعص (١)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قولِ اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه: كاف من ﴿كهيعص﴾؛ فقال بعضُهم: تأويل ذلك أنَّها حرفٌ من اسمه الذي هو كبيرٌ، دلَّ به عليه، واسْتَغنى بذكره عن ذكرِ باقى الاسم.
[ذكر من قال ذلك] حدثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآيةِ: ﴿كهيعص﴾.
قال: كبير (١).
يعنى بالكبير: الكاف من ﴿كهيعص﴾.
حدثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن حصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله (٢).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقولُ: ﴿كهيعص﴾.
قال: كافٌ: كَبيرٌ.
حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريَس، عن حُصَينِ، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير ﴿كهيعص﴾.
قال: كاف: كبيرٌ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (١).
[حدثنا عمرو بن عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيِّبِ بن رافعٍ، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾، قال: اسمٌ من أسماء الله، كاف: كبير] (٢).
وقال آخرون: بل الكافُ من ذلك حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كافٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يحيى بن طلحةَ اليربوعيُّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: كاف: كاف (٣).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: كاف: كافٍ.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن الكلبيِّ مثله (٤).
وقال آخرون: بل هو حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كريمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرٍو، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿كهيعص﴾.
قال: كافٌ من كريمٍ (١).
وقال الذين فسَّروا ذلك هذا التفسير: الهاء من: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو هادٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ (٢)، [عن إسماعيل بن راشدٍ] (٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: كان يقولُ في الهاءِ من: ﴿كهيعص﴾: هادٍ (٤).
حدثنا أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيدٍ مثله.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه.
حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثله (١).
حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: ها: هادٍ (٢).
[حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافعٍ، عن أبيه، في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: ها: هادٍ] (٣).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: ها: هادٍ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبيِّ مثلَه (٤).
واختلفوا في تأويل الياء من ذلك؛ فقال بعضُهم: هو حرفٌ من حروف اسمِه الذي هو يمينٌ (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْر، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: "يا" من: ﴿كهيعص﴾.
ياءُ: يمين (١).
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصَين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير: ياءُ: يمينٌ.
حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبيه في قوله ﴿كهيعص﴾.
قال: ياء: يمين.
وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ﴿كهيعص﴾.
قال: يا: من حَكيمٍ (٢).
وقال آخرون: بل هي حرفٌ من قول القائل: يا مَن يُجيرُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن أبي (١) الضُّرَيْسِ، قال: سمعتُ الربيع بن أنس في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: يا مَنْ يُجيرُ ولا يُجارُ عَليه (٢).
واختَلَف مُتأوِّلو ذلك كذلك في معنى العَينِ؛ فقال بعضُهم: هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عالم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن (٣) عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿كهيعص﴾ قال: عينٌ من عالم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن الكلبى مثله (٤).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا عمرو، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيَّبِ بن رافع، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: عين من عالم.
وقال آخرون: بل هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عزيز.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿كهيعص﴾.
عينٌ: عزيزٌ (١).
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله (٢).
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
حدثني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعى، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: عينٌ: عزيزٌ (٣).
وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عَدْلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤقي، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: عينٌ: عَدْلٌ.
وقال الذين تأوّلوا ذلك هذا التأويلَ: الصادُ من قوله: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو صادقٌ.
ذكرُ الرّواية بذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرنا الحصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: كان يقولُ في: ﴿كهيعص﴾.
صاد: صادقٌ (١).
حدثني أبو حَصِين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، [عن حُصَين] (٢)، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثله.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤق، عن الضحاكِ بن مزاحم، قال: صادٌ: صادقٌ.
حدثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ، قال: صادقٌ، يعنى الصادَ مِن: ﴿كهيعص﴾ (١).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَامٌ (٢)، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيدٍ: ﴿كهيعص﴾.
قال: صادٌ: صادقٌ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن الكلبي، قال: صادقٌ (٣).
[حدثنا عمرو قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن أبى رافع، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: صادٌ: صادق] (٤).
وقال آخرون: بل هذه الكلمةُ كلُّها اسم مِن أَسماءِ اللَّهِ تعالى.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثنى سَلْمُ (٥) بن قُتَيْبَةَ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عاتِكَةَ، عن فاطمة ابنة عليٍّ قالت: كان عليٌّ يقول: يا ﴿كهيعص﴾ اغْفِرْ لي (٦).
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: فإنَّه قَسَمٌ أقْسَم الله به، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (١).
وقال آخرون: كلُّ حرف من ذلك اسمٌ مِن أَسماءِ اللَّهِ ﷿.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدثني مطرُ بنُ محمدِ الصَّبيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهدِيٍّ، عن عبدِ العزيز بن مسلم القَسْمَليِّ، عن الربيع بن أنس، أنس، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿كهيعص﴾ ليس منها حرفٌ إِلَّا وهو اسمٌ.
وقال آخرون: هذه الكلمةُ اسم من أسماء القرآن.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كهيعص﴾.
قال: اسم من أسماءِ القرآن (٢).
قال أبو جعفرٍ: والقول في ذلك عندَنا نظيرُ القول في ﴿الم﴾، وسائرِ فواتحِ سُورِ القرآن التي افتُتِحَت أوائلها بحروف المعجَم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبلُ، فأغنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣).
القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾.
اختلَف أهل العربية في الرافعِ للذِّكْرِ، والناصب للعَبْدِ؛ فقال بعض نحويِّي البصرةِ في معنى ذلك: كأَنَّه قال: ممَّا نَقُصُّ عليك ذكرُ رحمة ربَّكَ عَبْدَه.
وانتصَب العبدُ بالرحمة كما تقولُ: ذِكْرُ ضَرْبِ زيدٍ عَمْرًا.
وقال بعضُ نحويي الكوفة: رُفِعَتِ الذِّكرُ بـ ﴿كَهيعص﴾، وإن شِئْتَ أَضْمَرْتَ: هذا ذكرُ رَحْمَةِ رَبِّك.
قال: والمعنى: ذِكرُ ربِّك عبده برحمته، تقديم وتأخيرٌ (١).
قال أبو جعفرٍ: والقولُ الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يُقالَ: الذِّكرُ مرفوعٌ بمضمَرٍ محذوفٍ، وهو "هذا" كما فعل ذلك في غيرها من السُّورِ، وذلك كقول الله عزّ ذكرُه: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١].
وقوله: وقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَهَا﴾ [النور: ١].
ونحوِ ذلك.
والعبد مَنْصوب بالرَّحْمةِ، وزكريا في موضعِ نصبٍ؛ لأنه بيان عن العَبْدِ.
فتأويل الكلام: هذا ذكرُ رحمة ربِّكَ عَبْدَه زكريا.
وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
يقولُ: حين دعا ربه وسأله بنداءٍ خفيٍّ.
يعنى: وهو مُسْتَسِرٌّ بدعائه ومسألَته إيَّاه ما سأل؛ كراهة منه للرِّياءِ.
كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
أي: سِرًّا، وإن الله يعلمُ القلبَ النَّقيَّ، ويسمعُ الصوت الخفي (٢).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
قال: لا يريدُ رياءً (٣).
حدثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ، قال: رغِبَ زكريا في الولدِ، فقام فصلى، ثم دعا ربَّه سرًّا، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (١).
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾.
يقول تعالى ذكره: فكان نداؤُه الخفيُّ - الذي نادى به ربَّه - أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَهَنَ﴾: ضعُف ورقَّ من الكِبَرِ.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾.
أي: ضعف العظمُ منى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾.
قال: نحل العظمُ (٢).
[حدثنا الحسنُ، قال: ثنا] (٣) عبد الرزاق، قال الثوري: وبلغنى أن زكريا كان ابن سبعين سنةً (٤).
[وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾.
يقولُ: وانتشر الشيْبُ في الرأْسِ] (٥).
وقد اختلف أهلُ العربية في وجهِ النصب في الشَّيْبِ؛ فقال بعضُ نحويي البصرة: نُصب على المصدر من معنى الكلام، كأَنَّه حين قال: ﴿اشْتَعَلَ﴾، قال: شَابَ.
فقال: ﴿شَيْبًا﴾ على المصدرِ.
قال: وليس هو في معنى: تَفَقَّأْتُ شحْمًا، وامتلأتُ ماءً؛ لأن ذلك ليس بمصدرٍ.
وقال غيره: نصب الشيب على التفسير.
لأنَّه يُقالُ: اشتعَلَ شيب رأسى.
واشتعل رأسى شَيْبًا.
كما يُقالُ: تَفَقَّأْتُ شحْمًا.
وتَفَقَّأَ شحْمِي.
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
يقولُ: ولم أَشْقَ يا ربِّ بدعائك؛ لأنك لم تُخيِّبْ دعائى قبل إذ كنتُ أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضى حاجتي قِبَلك.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
يقول: قد كنتَ تُعرِّفُني الإجابة فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.
يقولُ: وإني خِفْتُ بنى عمى وعَصَبَتي ﴿مِنْ وَرَائِي﴾.
يقولُ: مِن بعدى أن يَرثونى.
وقيل: عنى بقوله: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ مِن قُدَّامي و (١) بينَ يَدَيَّ وقد بيَّنتُ وجه جوازِ ذلك فيما مضى قبل (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾.
يعنى بالموالى: الكلالة الأولياء؛ أن يَرِثوه، فوهَب الله له يحيى (١).
حدثنا يحيى بن داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾.
قال: العَصَبَةَ (٢).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾.
قال: خاف موالىَ الكلالة (٣).
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، بنحوه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾.
قال: يعنى الكلالة.
حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾.
قال: [العَصَبَة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٤).
حدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾.
قال: العَصْبَةُ (١).
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾: والموالى: هنَّ العَصَبَةُ (٢).
والموالى: جمعُ مَوْلًى، والمولى والوَلِيُّ في كلام العرب واحدٌ.
وقرأت قرأة الأمصار ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾.
بمعنى الخوف الذي هو خلافُ الأمنِ.
وروى عن عثمان بن عفان أنه قرأه: (وإنَّي خَفَّتِ المَوَاليَ): بتشديدِ الفاءِ وفتح الخاء من الخفَّةِ (٣)، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهَبَتْ عَصَبَتى ومَن يَرِثُنى، من بنى أعمامي.
وإذا قُرِئ ذلك كذلك؛ كانت الياءُ من "الموالى" مُسَكَّنةً غير متحركةٍ؛ لأنها تكونُ في موضع رفع بـ "خَفَّت".
وقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾.
يقولُ: وكانت زوجتى لا تَلِدُ.
يُقالُ منه: رجلٌ، عاقرٌ، وامرأةٌ عاقرٌ.
بلفظِ واحدٍ، كما قال الشاعر (٤): لَبِئْسَ الفتى إن كُنْتُ أَعُورَ عَاقِرًا … جبانًا فما عُذْرِى لَدَى كلِّ مَحضَرِ وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾.
يقولُ: فارْزُقْنى مِن عندك ولدًا وارثًا ومُعينًا.
وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
يقولُ: يَرِثُنى مِن بعدِ وفاتي ماليَ، ويَرِثُ من آل يعقوب النبوَّةَ، وذلك أن زكريا كان من ولدِ يعقوبَ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالح قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
يقولُ: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ مِن آلِ يعقوبَ النبوَّةَ (١).
حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّةَ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: يَرِثُنى مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّة (٢).
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: وكان [وراثته علما] (١)، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ (٢).
[حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان وراثته (٣) علمًا، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ] (٤).
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: [نبوَّتَه وعلمَه] (٥) (٦).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسول الله ﷺ: "رحِم الله أخى زكريَّا، ما كان عليه مِنْ وَرَثَةِ ماله حين يقولُ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ " (٧).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: كان الحسنُ يقولُ: يَرثُ نبوّتَه وعلمَه، قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآيةَ، وأتى على: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال: "رحِم الله زكريا ما كان عليه من وَرَثَتِه".
حدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي ﷺ، قال: "يَرْحَمُ اللهُ زَكريا، وما كان عليه مِن وَرَثَتِهِ، ويَرْحَمُ الله لوطًا؛ إن كان لَيَأْوِى إِلى رُكْنٍ شديدٍ" (١).
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
قال يَرِثُ نبوَّتى ونبوَّةَ آلِ يعقوبَ (٢).
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ويَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾؛ فقرَأت ذلك عامة قرأة المدينة ومكةَ، وجماعةٌ من أهل الكوفة: ﴿يرثني وَيَرِثُ﴾، برفع الحرفين كليهما (٣)، بمعنى: فهب ليَ الذي يَرِثُنَى وَيَرِثُ من آلِ يعقوبَ، وعلى أَنَّ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ من صلة (٤) الوليِّ.
وقرَأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة والبصرة: (يَرِثْنى ويَرِثُ).
بجزمِ الحرفين على الجزاء والشرط (٥)، بمعنى: فَهبْ لي من لدنك وليًّا؛ فإنه يَرِثُنى إذا وهبْتَه لي.
وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع؛ لأن ﴿يَرِثُنِي﴾ مِن آية غير التي قبلَها.
قالوا: وإنما يحسُن أن يكون مثل هذا صلةً؛ إذا كان غير منقطعٍ عما هو له صلةٌ، كقوله ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤].
قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (٦) قراءة من قرَأه برفعِ الحرفين على الصلة للوليِّ؛ لأنّ الوليَّ نِكرةٌ، وأن زكريَّا إنما سأل ربه أن يَهَبُ له وليًّا يكون بهذه الصفة، كما روى عن رسول الله ﷺ، لا أنه سأله وليًّا، ثم أخبر أنه إذا وهِب له ذلك كانت هذه صفته؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريَّا دخولًا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه.
وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.
يقولُ: واجعَلْ يا ربِّ الوليَّ الذي تهَبه لي مرضِيًّا ترضاه أنت، ويرضاه عبادُك دينًا وخُلُقًا وخَلْقًا.
والرَّضِيُّ "فَعِيلٌ" صُرِف مِن "مفعولٍ" إليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربُّه، فقال له: يا زكريا إنا نُبَشِّرُك بهبتِنا لك غلامًا اسمه كان قتادةُ يقولُ: إنما سمَّاه الله يحيى لإحيائه إيَّاه بالإيمان.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾.
عبدًا (١) أحياه الله بالإيمانِ (٢).
وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لم تلد مثله عاقرٌ قطُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله ليحيى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
يقولُ: لم تلدِ العواقرُ مثله ولدًا (١).
وقال آخرون: بل معناه: لم نجعَلْ له من قبله مِثْلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى أبو الربيع، قال: ثنا سلمُ (٢) بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكمِ، عن مجاهد في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
[قال: شِبْهًا] (٣).
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
قال: مِثْلًا (٤).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يُسَمَّ باسمه أحدٌ قبلَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
لم يُسَمَّ به أحدٌ قبله.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
قال: لم يُسَمَّ يحيى أحدٌ قبله (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيج مثلَه (٢).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
قال: لم يُسَمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: إِن اللَّهَ يُبشِّرُك بغُلام اسمه يحيى ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
لم يُسمَّ أحدٌ قبله يحيى (٤).
قال أبو جعفر: وهذا القولُ -أعنى قول من قال: لم يكن ليحيى، قبل يحيى، أحدٌ سُمّى باسمه- أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذى نَهَبُ لك، الذى اسمه يحيى، من قبله أحدًا مُسمّى باسمه.
والسَّمِيُّ.
"فعيلٌ" صُرِف مِن "مفعول" إليه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال زكريا لمَّا بشَّره الله بيحيى: ربِّ أَنَّى يكونُ لي غُلامٌ، ومن أيِّ وجهٍ يكون لي ذلك، وامرأتى عاقرٌ لا تَحبَلُ، وقد ضعُفْتُ من الكِبَرِ عن مباضعةِ النساءِ؟!
أبأن تُقَوِّيَنى على ما ضعُفْتُ عنه مِن ذلك، وتجعلَ زوجتى ولودًا -فإنك القادرُ على ذلك، وعلى ما تشاءُ- أم بأن أنكِحَ زوجةً غيرَ زوجتى العاقرِ؟
يَسْتَثْبِتُ ربَّهُ الخبرَ عن الوجه الذى يكونُ من قِبَلِه له الولد الذى بشَّره الله به، لا إنكارًا منه ﷺ حقيقةَ كون ما وعده الله من الولدِ، وكيف يكون ذلك منه إنكارًا لأنْ يَرْزقَه الولد الذى بشَّره به، وهو المُبتدِئُ مسئلةَ ربِّه ذلك بقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.
بعد قوله: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؟!
وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنى موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نادى جبريل زكريا: إِنَّ اللهَ يُبشِّرُك بغلام اسمه يحيى لم يَجعَلْ (١) له مِن قبل سميًّا.
فلما سمِع النداءَ جاءَه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذى سمِعتَ ليس من الله؛ إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان مِن اللهِ أوحاه إليك كما يُوحى إليك غيره من الأمر.
فشك مكانه (٢) وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾.
يقولُ: من أين يكون ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ (٣) [آل عمران: ٤٠]؟!
وقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
يقولُ: وقد عَتَوتُ مِن الكِبَرِ فصرتُ نَحِلَ العظامِ يابسَها.
يقالُ.
منه للعودِ اليابس: عودٌ عاتٍ وعاسٍ.
وقد عتَا يَعْتُو عِتِيًّا وعُتُوًّا، وعَسَى يَعْسُو عُِسِيًّا وعُسُوًّا، وكلُّ متناهٍ إلى غايته في كِبْرٍ أو فسادٍ أو كفرٍ، فهو عاتٍ وعاسٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، قال: قد علمتُ السُّنَّةَ كلَّها، غيرَ أنى لا أدرى أكان رسولُ اللهِ ﷺ يَقرأُ في الظهر والعصر أم لا؟
ولا أدرى كيف كان يقرأُ هذا الحرفَ: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا) (١)، أو (عُسِيًّا) (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
قال: يعنى بالعِتيِّ الكِبَرَ (٣).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عِتِيًّا﴾.
قال: نُحولُ العَظْمِ (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
قال: سنًّا، وكان ابن بضعٍ وسبعينَ سنةً (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
قال: العِتيُّ: الذي قد عتا عن الولد فيما يَرَى في نفسِه لا يُولَدُ له (٢).
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
قال: هو الكِبَرُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبًا له: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾.
يقولُ: هكذا الأمر كما تقولُ من أنّ امرأتك عاقرٌ، وأنك قد بلغت من الكِبَرِ العتيَّ، ولكنَّ ربَّك يقولُ: خلق ما بشَّرتُك به من الغلام الذى ذكرتُ لك أن اسمَه يحيى عليَّ هينٌ.
فهو إذن من قوله: ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَى هَيِّنٌ﴾.
كناية عن الخلقِ.
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وليس خلْقُ ما وعَدتُك أن أَهَبَه لك من الغلام الذى ذكرتُ لك أمره منك مع كِبَرِ سنِّك، وعُقم زوجتك بأعجبَ مِن خَلْقِيك (١)، فإني قد خلَقتُك، فأَنشَأْتُك بشرًا سويًّا مِن قبل خَلْقى ما بشَّرتُك بأنى واهبُه لك من الولدِ، ولم تك شيئًا، فكذلك أَخْلُقُ لك الولد الذى بشَّرتُك به من زوجتك العاقر، مع عِتِيِّك ووهَنِ عظامِك، واشتعال شيب رأسك.
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي ءَايَةً﴾.
يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا ربِّ اجعل لي عَلَمًا ودليلا على ما بشَّرتْنى به ملائكتك من هذا الغلامِ، عن أمرِك ورسالتك، وليطمئنَّ إلى ذلك قلبي.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً﴾.
قال: قال: ربِّ اجعل لي آيةً أنَّ هذا منك.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال: ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعَل لي آية، قال الله: ﴿آيَتُكَ﴾ لذلك: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٢).
[وقوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾] (٣).
يقول جل ثناؤُه: علامتك لذلك، ودليلُك عليه أن لا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ ليال وأنت سوىٌّ صحيحٌ، لا علة بك من خَرَسٍ ولا مَرَضٍ يمنعك من الكلام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابنِ عباس: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
قال: اعتُقِل لسانه من غير مرض (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
يقولُ: مِن غَيرِ خَرَسٍ (٢).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا﴾.
قال: لا يمنعك من الكلام مرضٌ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
قال: صحيحًا لا يمنعك من الكلام مرضٌ (٤).
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: من غير بأس ولا خَرَسٍ، إنما عُوقب بذلك؛ لأنَّه (٥) سأَل آيةً بعدما شافَهته الملائكة بذلك (١) مشافهةً، أُخِذ بلسانه حتى ما (٢) يُطيقَ (٣) الكلامَ، إلَّا ما (٤) أومأ إيماءً (٥).
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
قال: سويًّا من غير خرس (٦).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: وأنت صحيح.
قال: فحُبِس لسانه، فكان لا يستطيع أن يُكلِّم أحدًا، وهو في ذلك يُسَبِّحُ، ويَقرَأُ التوراة ويقرَأُ الإنجيلَ، فإذا أراد كلام الناس لم يَستَطِعْ أن يُكَلِّمهم (٧).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: أخذ الله بلسانه من غيرِ سوءٍ، فجعل لا يُطِيقُ الكلام، وإنما كلامُه قومَه بالإشارة، حتى مضت الثلاثةُ الأيامُ، التي جعلها اللهُ آيَةً لمِصْداقِ ما وعده من هبته له.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
يقولُ: مِن غيرِ خَرَسٍ، إلا رمزًا، فاعتُقِل لسانُه ثلاثة أيام وثلاث ليال (١).
وقال آخرون: السوىُّ من صفة الأيام.
قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعاتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا﴾.
قال: ثلاث ليالٍ متتابعاتٍ (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فخرج زكريا على قومِه مِن مُصلَّاه حينَ حُبِس لسانه عن كلام الناسِ؛ آيةً من الله له على حقيقة وعدِه إياه ما وعَد.
فكان ابن جريج يقولُ في معنى خروجه من محرابه، ما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾.
قال: أشرف على قومه من المحرابِ.
قال أبو جعفر: وقد بيّنا معنى المحراب فيما مضَى قبل بما أَغنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾.
قال: المحرابُ مُصلَّاه.
وقرَأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (١) [آل عمران: ٣٩].
وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِم﴾.
يقولُ: أشار إليهم.
وقد تكون تلك الإشارة باليدِ وبالكتاب وبغير ذلك مما يُفهَمُ به عنه ما يريدُ، وللعرب في ذلك لغتان: وحَى، وأَوحَى؛ فمَن قال: وحَى.
قال في "يفعَلُ": يَحِى.
ومَن قال: أَوْحَى.
قال: يُوحِى.
وكذلك أَوْمَى ووَمَى؛ فمَن قال: ومَى.
قال في "يفعَلُ": يَمِى.
ومَن قال: أَوْمَى.
قال: يُومِى.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذى به (٢) أَوحَى إلى قومه؛ فقال بعضُهم: أَوحَى إليهم إشارةً باليدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَأَوْحَى﴾: فأشار زكريا (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهد مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب ابنِ منبهٍ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾.
قال: الوحى: الإشارةُ (١).
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهمْ﴾.
قال: أَومَى إليهم (٢).
وقال آخرون: معنى أَوحَى: كتَب.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قال: كتب لهم في الأرضِ (٣).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾.
قال: كتَب لهم (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾، فكتَب لهم في كتاب: ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
وذلك قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قال: ما ندرِى (١)، كتابا كتبه لهم، أو إشارةً أشارها!
والله أعلم.
قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرةً وعشيًّا، وهو لا يكلمهم.
وقوله: ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قد بيَّنتُ فيما مضى الوجوهَ التي ينصرفُ فيها التسبيحُ (٢)، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكرُ اللهِ، فيكونَ أمَرهم بالفراغ لذكر الله في طرَفَي النهارِ بالتسبيحِ، ويجوز أن يكونَ عَنَى به الصلاةَ، فيكون أمَرهم بالصلاة في هذين الوقتين.
وكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادة في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قال: أومَى إليهم أن صلُّوا بُكرة وعشيًّا (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: فوُلِد لزكريا يحيى.
فلما وُلِد قال الله له: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾.
يعنى كتابَ اللهِ الذى أنزله على موسى وهو التوراة، ﴿بِقُوَّةٍ﴾.
يقولُ: بجِدٍّ.
كما حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾.
قال: بجدٍّ (٤).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾.
قال: بجدٍّ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
وقال ابن زيد في ذلك ما حدَّثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٢): أن يعمل بما أمره الله، ويُجانِبَ فيه ما نهاه الله.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وقد بيَّنتُ معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابِنا هذا في سورةِ "آل عمران"، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٣).
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهمَ بكتابِ الله في حال صباه، قبل بلوغِه أسنانَ الرجالِ.
وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المباركِ، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحدٍ في هذه الآية: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهَبْ بنا نلعب.
فقال: ما للَّعب خُلِقتُ.
فأنزل الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٤).
وقولُه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾.
يقول تعالى ذكره: ورحمة منا به ومحبةً له؛ آتيناه الحكمَ صبيًّا.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنانِ؛ فقال بعضُهم: معناه: الرحمة.
ووَجَّهوا الكلامَ إلى نحو المعنى الذى وجَّهناه إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا﴾ يقولُ: ورحمةً مِن عندنا (١).
حدَّثنا محمد بن المثنّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماكٍ، عن عكرمة، في هذه الآية: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا﴾.
قال: رحمةً (٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا﴾.
قال: رحمةً مِن عندِنا (٣): حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَا﴾.
قال: رحمةً مِن عندنا، لا يملكُ عطاءَها أحدٌ غيرُنا (٤).
حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
يقولُ: رحمةً من عندنا، لا يقدِرُ على أن يعطيَها أحدٌ غيرُنا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمةً من عندنا لزكريا؛ آتيناه الحكم صبيًّا، وفعلنا به الذي فعلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
يقولُ: ورحمةً من عندنا [رحِم الله بها زكريا] (١) (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفًا من عندنا عليه؛ فعلنا ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
قال: تعطُّفًا من ربِّه عليه (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وقال آخرون: بل معنى الحنان المحبة.
ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبةً من عندنا عليه (٤) فعلنا ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنبسةَ، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
قال: محبةً عليه (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَحَنَانًا﴾.
قال: أما الحنان فالمحبة (٢).
وقال آخرون: معناه: تعظيمًا منَّا له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
.
قال: تعظيمًا مِن لدُنَّا (٣).
وقد ذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا أدرى ما الحنانُ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لا (٤) والله ما أدرى ما حنانًا (٥).
[حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
قال: سألتُ عنها ابن عباسٍ فلم يُحِرْ فيه شيئًا] (١).
وللعرب في "حَنَانَك" لغتانِ؛ تقولُ: حَنَانَك يا ربَّنا، وحنانيك.
كما قال طَرَفَةُ بنُ العبد في "حنانيكِ" (٢): أبا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنا … حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِن بعضِ وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى (٣): ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بْنِ جَرْمِ … مَعِيزَهُمُ!
حنانَكَ ذَا الحَنانِ وقد اختلف أهلُ العربية في "حنانيك"؛ فقال بعضُهم: هو تثنية "حنانٍ".
وقال آخرون: بل هي لغةٌ، وليست بتثنيةٍ؛ قالوا: [وذلك كقولهم] (٤): حَوَالَيك.
وكما قال الشاعرُ (٥): ضَرْبًا هَذَاذَيْكَ (٦) وطَعْنًا وَخْضًا (٧) وقد سوَّى بين جميعِ ذلك الذين قالوا: حنانيك تثنيةٌ.
في أن كل ذلك تثنية.
وأصل ذلك، أعنى الحنانَ، مِن قول القائل: حنَّ فلانٌ إلى كذا.
وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقالُ: تحنَّنَ فلانٌ على فلانٍ.
إذا وُصِف بالتعطُّفِ عليه والرقة به والرحمة له، كما قال الشاعر (١): تحَنَّنْ علَيَّ هَدَاكَ المَلِيكُ … فإِنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا بمعنى: تعطَّف عليَّ.
فالحنانُ مصدرٌ من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ.
يقال منه: حنَنْتُ عليه، فأنا أحِنُّ عليه حنينا وحنانًا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجلِ: حَنَّتُه.
لتَحَنُّنِه عليها وتعطُّفِه، كما قال الراجز (٢): ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ ولَمْ تَضِرْنِي حَنَّةٌ وَبَيْتُ وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وآتَيْنا يحيى الحكم صبيًّا، ﴿وَزَكَاةً﴾.
وهو الطهارة من الذنوبِ، واستعمالُ بدنه في طاعة ربِّه، فالزكاةُ عطفٌ على الحكم من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾.
قال: الزكاةُ: العمل الصالح (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَزَكَاةً﴾.
قال: العمل الصالح الزكيُّ (١).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾.
يعنى: العمل الصالح الزاكي (٢).
وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾.
يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفًا، مؤديًا فرائضَه، مجتنبًا محارمه، مسارعًا في طاعتِه.
كما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾.
قال: طهُرَ فلم يعمَلْ بذنبٍ (٣).
حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَزَكَاةً وكان تَقِيًّا﴾.
قال: أمَّا الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناسُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وكان برًّا بوالديه، مسارعًا في طاعتهما ومحبتهما، غيرَ عاقٍّ بهما، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
يقول جل ثناؤُه: ولم يكُنْ مستكبرًا عن طاعةِ ربِّه وطاعة والديه، [ولكنه كان لله ولوالديه] (٤) متواضعًا متذلِّلًا، يأتمر لما أُمِر به، وينتهى عما نُهِيَ عنه، لا يَعْصِى ربَّه ولا والديه.
وقوله: ﴿عَصِيًّا﴾.
فعيلٌ بمعنى أنه ذو عصيانٍ، من قول القائلِ: عصَى فلانٌ ربَّه فهو يعصِيه (١).
وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
يقولُ: وأمانٌ من الله له يومَ وُلِد من أن يناله الشيطانُ من السوء بما ينالُ به بنى آدمَ.
وذلك أنه رُوِى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إِلَّا ما كانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا".
حدَّثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيبِ، قال: ثنى ابن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك (٢).
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
قال: كان ابن المسيّبِ يذكُرُ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "ما مِنْ أَحَدٍ يَلْقَى اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَّا ذَا ذَنْبٍ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا" (٣).
قال: وقال قتادةُ: ما أذنَب، ولا همَّ بامرأةٍ.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾.
يقولُ: وأمانٌ مِن اللهِ تعالى ذكره له مِن فَتَّانَيِ القبرِ، ومن هول المطلع، ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
يقولُ: وأمانٌ له من عذاب الله يومَ القيامةِ، يوم الفزع الأكبرِ من أن يروعه شيءٌ، أو أن يُفزِعَه ما يُفزِعُ الخَلقَ.
وقد ذُكر عن ابن عيينةَ في ذلك ما حدثنى أحمد بن منصورٍ المروزيُّ (١)، قال: أخبَرني صدقة بن الفضلِ قال: سمعتُ ابن عيينة (٢) يقولُ: أوحش ما يكونُ الخلق في ثلاثة مواطنَ: يومَ يُولَدُ فيرى نفسَه خارجًا مما كان فيه، ويومَ يَموتُ فيرَى قومًا لم يكن عايَنَهم، ويومَ يُبعَثُ فيرى نفسه في محشرٍ عظيمٍ، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصّه بالسَّلامِ عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقَيا.
فقال له عيسى: استَغفِرْ لي، أنتَ خيرٌ مِنِّي.
فقال له الآخرُ: استَغفِرْ لي، أنتَ خيرٌ مِنِّى.
فقال له عيسى: أنتَ خيرٌ مِنِّى؛ سلَّمتُ على نفسى، وسلَّم الله عليك.
فعرَف والله فضلَها (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: واذكرْ يا محمد في كتاب الله الذى أنزله عليك بالحقِّ، مريم ابنة عمران حين اعتزلتْ من أهلها، وانفردتْ عنهم.
وهو افتعل مِن النَّبذِ.
والنَّبذُ: الطَّرحُ.
وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ (١).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
أي انفرَدتْ مِن أهلها (٢).
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنة، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: [﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
قال: خرَجتْ مكانًا شرقيًّا.
حدَّثنا موسى، قال] (٤): ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: خرَجتْ مريم إلى جانبِ المحرابِ؛ لحيضٍ أصابها، وهو قوله: فـ ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: في شرقيِّ المحرابِ (٥).
وقوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ يقولُ: تنجَّتْ (٦) واعتزلتْ مِن أهلها في موضعٍ قِبَلَ مشرقِ الشَّمس دون مغربِها.
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ فى قوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
قال: مِن قِبَلِ المشرقِ (١).
حدَّثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن ابن عباس، قال: إني لأعلمُ خلْقِ اللهِ لأيِّ شيءٍ اتخذتِ النَّصارى المشرق قبلةً؛ لقولِ الله: فـ ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقيًّا﴾.
فاتَّخذوا ميلادَ عيسى قبلةً (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس مثله.
حدَّثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كُتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحجُّ إليه (٣)، وما صرفهم عنهما (٤) إلا قِيلُ رَبِّكَ: فـ ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
فصلوا قِبلَ مطلعِ الشَّمسِ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
قال: شاسعًا متنحيًا (٦).
وقيل: إنها إنما صارت بمكانٍ يلى مشرقَ الشمس؛ لأن ما يلى المشرقَ عندهم كان خيرًا مما يلى المغربَ، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.
وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾.
يقولُ: فاتخذتْ من دون أهلها سِتْرًا يَسْتُرُها عنهم وعن الناسِ.
وذُكر عن ابن عباس أنها صارتْ بمكان يلى المشرق؛ لأن الله أظلَّها بالشمس، وجعَل لها منها حجابًا.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقيًّا﴾.
قال: مكانًا أظلَّتْها (١) الشمس؛ أن يراها أحدٌ منهم (٢).
وقال غيرُه في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: من الجدرانِ (٣).
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾.
يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حينَ انتبَذتْ من أهلها مكانًا شرقيًّا، واتخذتْ من دونهم حجابًا - جبريل.
وبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾.
قال: أُرسل إليها، فيما ذُكِر لنا، جبريلُ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابنِ مُنَبِّهٍ، قال: وجَدتْ عندها جبريل قد مثَّله الله بشرًا سويًّا.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾.
قال: جبريل (١).
حدَّثني محمد بن سهلٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بن مَعقلٍ، ابن أخى وهبٍ، قال: سمعتُ وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: أرسل اللهُ جبريل إلى مريمَ، فمَثَل (٢) لها بشرًا سويًّا (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فلما طهُرتْ يعني مريمَ - من حيضها، إذا هي برجلٍ معها، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾.
[وهو جبريل] (٤).
وقولُه] (٥): ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.
يقول تعالى ذكره: فتَشَبَّه لها في صورة آدميٍّ سويِّ الخَلْقِ منهم.
يعني: في صورة رجلٍ من بنى آدم معتدلِ الخَلْقِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فخافتْ مريمُ رسولَنا، إذ تمثَّل لها بشرًا سويًّا، وظنَّته رجلا يُرِيدُها على نفسها.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾.
قال: خَشِيَتْ (١) أن يكونَ (*) إنما يُرِيدُها على نفسها.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾: فلمَّا رأته فزِعتْ منه، وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (٢).
[قال أبو جعفرٍ] (٣): فقالت: إني أعوذُ، أيها الرجلُ، بالرحمن منك.
تقولُ: أستجيرُ بالرحمن منك، أن تنال منى ما حرَّمه عليك، إن كنتَ ذا تقوى له تَتَّقى محارمَه، وتَجتَنِبُ معاصيه.
لأن مَن كان لله تقيًّا، فإنه يَجْتَنِبُ ذلك، ولو وُجِّه ذلك إلى أنها عَنَتْ: إنى أعوذُ بالرحمنِ منك؛ إن كنتَ تَتَّقى الله في استجارتي واستعاذتي به منك.
كان وجهًا.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: ولا تَرَى إلا أنه رجلٌ من بنى آدم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، قال: قال [أبو وائلٍ] (٤)، وذكر قَصَصَ مريمَ، فقال: قد علِمتْ أن التقيَّ ذو نُهيةٍ حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٥).
[وقوله] (١): ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾.
يقول تعالى ذكره: فقال لها رُوحُنا [الذى أرسلناه إليها] (٢): إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يا مريم، أرسلني إليك: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجازِ والعراقِ غيرَ أبى عمرٍو: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾.
بمعنى: إنما أنا رسولُ رَبِّكِ.
يقولُ: أرسلني إليكِ ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
على الحكاية، وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء: (لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا).
بمعنى: إنما أنا رسولُ رَبِّكِ، أَرسَلني إليكِ، ليَهَبَ اللهُ لك غلامًا زكيًّا (٣).
والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾.
بالألف دونَ الياء؛ لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمينَ، وعليه قرأةُ قديمِهم وحديثهم، غير أبي عمرٍو، وغير جائزٍ خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغٌ لأحدٍ خلافُ مصاحفهم.
والغلامُ الزكيُّ: هو الطاهر من الذنوبِ، وكذلك تقولُ العرب: غلامٌ زاكٍ وزكيٌّ، وعالٍ وعليٌّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكره: قالتْ مريمُ لجبريلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: من أيِّ وجهٍ يكون لي غلامٌ؟
أَمِنْ قِبَلِ زوجٍ أتزوَّجُ، فَأُرزَقَه منه؟
أم يَبتَدِئُ اللهُ فِيَّ خلقَه ابتداءً؟
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ من ولدِ آدم بنكاحٍ حلالٍ، ﴿وَلَمْ أَكُ﴾ -إذ لم يَمْسَسْنى منهم أحدٌ على وجه الحلالِ- ﴿بَغِيًّا﴾ بِغَيتُ ففعلتُ ذلك من الوجهِ الحرام، فحملتُ من زنًى.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.
يقولُ: زانيةً (١).
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
يقول تعالى ذكره: قال لها جبريلُ: هكذا الأمرُ كما تصفين؛ مِن أنكِ لم يَمْسَسْك بشرٌ، ولم تَكُونى بغيًّا.
ولكنَّ ربَّك قال: ﴿هُوَ عَلَى هَيِّنٌ﴾.
أي: خَلْقُ الغلام الذي قلتُ إِنِّي (٢) أَهَبُه لك ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: لا يَتَعَذَّرُ على خَلقه وهِبتُه لكِ مِن غيرِ فحلٍ يَفْتَحِلُكِ.
وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
يقولُ: وكى نجعل الغلامَ الذي نَهَبُه لك علامةً وحُجَّةً لي على خلقى، أَهَبُه لكِ.
﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾.
يقولُ: ورحمةً مِنَّا لكِ، ولمن آمن به (٣) وصدَّقه، أخلُقُه مِنك.
﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.
يقولُ: وكان خلْقُه منكِ أمرًا قد قضاه الله، ومضَى في حكمه وسابق علمِه أنه كائنٌ منكِ.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنى مَن لا أَتَّهِمُ عن وهب بنِ مُنبِّهٍ: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: إن الله قد عزَم على هذا (٤)، فليس منه بدٌّ (٥).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾.
وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه، وهو: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾؛ بغلامٍ ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾.
وبذلك جاء تأويل أهل التأويلِ.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريمِ، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعقِلٍ، ابنُ أخى وهب بن منبِّهٍ، قال: سمعتُ وهبًا قال: لما أرسَل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾.
ثمَّ نفَخ في جيبِ درعِها حتى وصلتِ النفخةُ إلى الرحم فاشتمَلتْ (١).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عَمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لما قال ذلك -يَعْنِي لما قال جبريلُ: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ الآية - استسْلَمتْ لأمر الله، فنفخ في جيبِها ثُمَّ انصرف عنها.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: فخرَجتْ (٢) عليها جلبابُها لما قال جبريلُ ذلك لها، فأخَذ جبريلُ بكُمَّيْها (١)، فنفخ في جيبِ دِرعِها، وكان مَشقوقًا من قُدَّامِها، فدخَلتِ النفخة صدرها، فحمَلتْ، فأتتها أختها امرأةُ زكريا ليلةً تزورُها، فلما فتحتْ لها الباب التزَمتْها، فقالت امرأة زكريا: يا مريمُ أُشْعِرتُ أنِّى حُبْلَى.
قالتْ مريمُ: أُشْعِرتُ أنِّى أيضًا حُبْلَى.
قالت امرأةُ زكريا: فإنِّي وجدتُ ما في بطنى يَسْجُدُ لما في بطنِك.
فذلك قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٢) [آل عمران: ٣٩].
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريجٍ: يقولون: إنه إنما نفَخ في جيب درعِها [وكمِّها] (٣).
وقوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
يقولُ: فاعتزلت بالذي حمَلتْه، وهو عيسى، وتنحَّتْ به عن النَّاسِ، ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
يقولُ: مكانا نائيًا قاصِيًا عن الناس.
يقالُ: هو بمكانٍ قاصٍ، وقَصِيٍّ.
بمعنًى واحدٍ، كما قال الراجزُ (٤): لتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القصِيِّ مِنِّىَ ذى القاذُورة المقليِّ يُقال منه: قصَا المكان يقْصُو قُصُوًّا.
إذا تباعد، و: أقصيتُ الشيءَ.
إذا أبعدته وأخَّرتَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
قال: مكانًا نائِيًا (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
قال: قاصِيًا (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (٣) مثله.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما بلَغ أن تَضَعَ مريم، خرَجتْ إلى جانب المحراب الشرقيِّ منه فأتتْ أقصَاه (٤).
وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذعٍ (٥).
ثم قيل: لما أُسقطت الباء منه: أَجَاءَهَا.
كما يُقَالُ: أَتيتُك بزيدٍ.
فإذا حُذِفتِ الباء قيل: آتيتُك زيدًا.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦].
والمعنَى: ائتونى بزُبَرِ الحديدِ.
ولكنَّ الألفَ مُدَّتْ لمَّا حُذِفتِ الباءُ، وكما قالوا: خرجتُ به وأخرَجتُه، وذهَبتُ به وأذهَبتُه.
وإنما هو أفعلُ من المجيءِ، كما يُقالُ: جَاء هو، وأجأتُه أنا.
أي: جئتُ به.
ومَثَلٌ مِن أمثالِ العربِ: شرٌّ ما أَجَاءَنى إلى مُخَّةِ عُرقُوبٍ وأشاءني (١).
ويُقالُ: شرٌّ ما يُجيئُكَ ويُشيئُكَ إلى ذلك.
ومنه قولُ زُهيرٍ (٢): وجارٍ سَار مُعتَمِدًا إليكم … أجَاءَتْه المخافةُ والرَّجاءُ يعنى: جاء به وألجأه (٣) إلينا.
وأشاءَك من لغة تميمٍ، وأجاءَك من لغة أهلِ العاليةِ، وإنما تأوَّل مَن تأوَّل ذلك بمعنى: ألجأها (٤)؛ لأن المخاض لمَّا [جاءَ بها] (٥) إلى جذع النخلة كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾.
قال: المخاضُ ألجأَها (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ألجأها المخاضُ.
قال ابن جريج: وقال ابن عباسٍ: ألجأها المخاضُ إلى جذع النخلةِ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
[يقولُ: ألجأَها المخاضُ إلى جذع النخلةِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (٢).
قال: اضْطَرَّها إلى جذع النخلة (٣).
واختلفوا في أي المكان الذى انتبذت مريمُ بعيسى لوضعه وأجاءَها (٤) إليه المخاضُ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك في أدانى (٥) أرض مصر، وآخر أرض الشام، وذلك أنها هربت من قومها لما حمَلتْ، فتوجهت نحو مصر هاربةً مِنهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن سهلٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمع وهبَ بنَ مُنبِّه يقولُ: لما اشتملت مريم على الحملِ كان معها ذو (٦) قَرَابةٍ لها يُقالُ له: يوسفُ النَّجارُ.
وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبلِ صِهْيَوْنَ (٧)، وكان ذلك المسجد يومئذٍ من أعظم مساجدهم، فكانت مريمُ ويوسفُ يَخدُمانِ في ذلك المسجدِ في ذلك الزَّمانِ، وكان لخدمته فضلٌ عظيمٌ، فرَغبَا في ذلك، فكانا يليان معالجتَه بأنفسهما [وتجميرَه] (١) وكُناسته وطُهُورَه، وكلَّ عملٍ يُعمَلُ فيه، وكان لا يُعلَمُ (٢) مِن أهل زمانهما أحدٌ أشدُّ اجتهادًا وعبادةً منهما، فكان أوَّلَ مَن أنكَر حَمْلَ مريمَ صاحبها يوسفُ، فلما رأى الذى بها استعظمه (٣) وعظم عليه، وفَظع به، ولم يدر على ماذا يَضَعُ أَمرَها، فإذا أراد يوسفُ أن يتَّهمَها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعةً قط، وإذا أراد أن يُبرئَها رأَى الذى ظهر عليها، فلما اشتدَّ عليه ذلك كلّمها، فكان أوَّلَ كلامه إيَّاها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمرٌ قد خشِيتُه، وقد حرصت على أن أُمِيتَه وأَكْتُمه في نفسى، فغلبني ذلك، فرأيتُ الكلام فيه أَشْفَى لصدرى، قالت: فقل قولا جميلًا، قال: ما كنتُ لأقول لكِ إلا ذلك، فحدثيني، هل يَنْبُتُ زرع بغير بذرٍ؟
قالت: نعم.
قال: فهل تَنبُتُ شجرةٌ مِن غيرِ غيثٍ يُصِيبُها (٤)؟
قالت: نعم.
قال: فهل يكون ولدٌ من غير ذَكَرٍ؟
قالت: نعم.
قالت (٥): ألم تَعلَمُ أن الله ﵎ أَنْبَتَ الزَّرع يومَ خلقه من غير بذرٍ؟
والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أَنْبَتَه اللهُ مِن غيرِ بذرٍ، أَوَلم تعلمْ أن الله بقدرته أنبتَ الشجر بغير غيثٍ، وأنَّه جعل بتلك القدرة الغيثَ حياةً للشجر بعد ما خلق كل واحدٍ منهما وحده؟
أوْ (٦) تقول: لن يَقدِرَ الله على أن يُنبت الشجرَ حتى استعان عليه بالماءِ، ولولا ذلك لم يَقدر على إنباته؟!
قال يوسف لها: لا أقولُ هذا، ولكنّى أَعلَمُ أن الله ﵎ بقدرته على (١) ما يشاء، يقولُ لذلك: كنْ.
فيكونُ.
قالت مريمُ: أوَ لَم تَعْلَمْ أَنَّ الله ﵎ خلق آدمَ وامرأته من غيرِ أُنثى ولا ذَكَرٍ؟!
قال: بلى.
فلمَّا قالت له ذلك، وقع في نفسِه أن الذى بها شيءٌ مِن الله ﵎، وأنَّه لا يَسعُه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تَولَّى يوسُفُ خدمة المسجدِ، وكَفَاهَا كُلَّ عَمَلٍ كانتْ تَعْمَلُ فيه؛ وذلك لما رأى من رقَّةِ جسمِها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء (٢) بطنها، وضعف قوَّتِها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلمَّا دَنا نِفاسُها أَوحَى الله إليها أن اخرُجى من أرض قومك، فإنهم إن ظَفِرُوا بكِ عيَّروكِ وقتَلوا ولدَكِ، فأفضَتْ ذلك إلى أُختِها، وأختها حينئذٍ حُبْلَى، وقد بُشِّرَتْ بيحيى، فلما التقتا وجدتْ أمُّ يحيى ما في بطنها خرَّ لوجهه ساجدًا مُعترِفًا بعيسى (٣)، فاحتملها يوسف إلى أرضِ مصرَ على حمار له، ليس بينَها حين ركبت الحمار (٤) وبين الإكافِ شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخِمًا لأرضِ مصر في مُنقَطَعِ بلادِ قومها، أدرك مريمَ النِّفَاسُ، فألجأها إلى آرِىِّ حمارٍ -يَعنى مذود الحمارِ- وأصل نخلةٍ، وذلك في زمان [بردٍ أو حرٍّ -الشكُّ مِن أبي جعفرٍ] (٥) - فاشتدَّ على مريم المخاضُ، فلما وجدتْ منه شدَّة التجأت إلى النخلةِ فاحتضَنتْها، واحتوَشتْها الملائكةُ؛ قاموا (١) صفوفًا مُحدِقينَ بها (٢).
وقد رُوى عن وهب بن منبِّهٍ قولٌ آخر غير هذا، وذلك ما حدَّثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبه، قال: لما حضَر ولادها، يعنى مريمَ، ووجدتْ ما تَجِدُ المرأةُ مِن الطَّلْقِ، خَرَجَتْ مِن المدينةِ مُغَرِّبَةٌ مِن إيلياءَ، حتى تُدرِكَها الولادة إلى قرية من إيلياءَ على ستة أميال يُقال لها: بيت لحمٍ.
فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مِذودُ بقرةٍ تحتَها رَبيع من الماء، فوضَعته عندها (٣).
وقال آخرون: بل خرجتْ لما حضَر وضعُها ما في بطنها إلى جانب المحرابِ الشَّرقيِّ منه، فأَتَتْ أقصاه فألجأها المخاض إلى جذع النخلةِ.
وذلك قول السُّديِّ، وقد ذكرتُ الرواية به قبل (٤).
حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ ابن عباس يقولُ: ما هي إلا أن حَمَلتْ فوضعت (٥).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ: ليس إلا أن حمَلت فولدت.
وقوله: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
ذُكِر أنها قالتْ ذلك في حالِ الطَّلْقِ استحياءً مِن النَّاسِ.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قالت وهي تُطلَقُ مِن الحَبَلِ استحياءً من الناس: [﴿يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (١).
[وقوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾] (٢): تقول] (٣): يا ليتني متُّ قبلَ هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتى المولود من غير بعلٍ، ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾: شيئًا (٤) نُسِى فَتُرِك طلبه كخِرَقِ الحيضِ التى إذا أُلقيتْ وطُرِحَتْ لم تُطلَبْ ولم تُذْكَرْ، وكذلك كلُّ شيءٍ نُسِى وتُرِك ولم يُطْلَب فهو نَسْيٌ ونِسْيٌ بفتح النونِ وكسرِها، وهما لغتان معروفتانِ مِن لغاتِ العرب بمعنًى واحدٍ، مثلُ الوَتِرِ والوِترِ، والجَسرِ والجِسرِ، وبأيَّتهما قرأ القارئُ [فَمُصِيبٌ عندَنا] (٥)، وبالكسرِ قرأت عامَّة قرأةِ الحجاز والمدينة والبصرة وبعضُ أهل الكوفة (٦)، وبالفتح قرأ أكثر قرأة الكوفة (٧)، ومنه قول الشاعرِ (٨): كأن لها في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّهُ … إذا ما غدَتْ وإِن تُحدِّثْك (٩) تَبْلَتِ يَعنى بقولِه: تقُصُّه: تَطلبه؛ لأنها كانت نَسِيتْه حتى ضَاع، ثم ذكرته فطلَبتْه، ويَعْنى بقوله: تَبَلَتِ: تُحسِنُ وتَصْدُقُ، ولو وُجِّه النَّسْيُ إلى المصدرِ مِن النِّسيان كان صوابًا، وذلك أن العربَ، فيما ذُكر عنها، تقولُ: نَسِيتُه نِسيانًا ونَسْيًا.
كما قال بعضُهم: مِن طاعةِ الرَّبِّ وعَصْيِ الشَّيطانِ.
يَعْنِي: وعصيانِ.
وكما تَقُولُ: أَتيتُه إتيانًا وأَتْيًا.
كما قال الشاعرُ: أَتْىُ الفواحش فيهمُ مَعْروفةٌ … ويَرَوْنَ فِعل المكْرُماتِ حراما وقولُه: ﴿مَنْسِيًّا﴾: مفعولٌ مِن نَسِيتُ الشيءَ، كأنها قالتْ: ليتنى كُنتُ الشيء الذي أُلْقِى، فَتُرِك ونُسِيَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني عطاء الخراسانيُّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أُخلَق، ولم أكُ شيئًا (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ ﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، يقولُ: نَسْيًا (٢)؛ نُسِى ذِكرِى.
و ﴿مَنْسِيًّا﴾.
يقولُ: نُسى أَثرِى، فلا يُرى لي أثرٌ ولا عينٌ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: أي شيئًا لا يُعرَفُ ولا يُذكَرُ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، قال: [لا أُعرَفُ، ولا يُدرَى] (٢) مَن أنا (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج (٤)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
قال: هو السَّقْطُ (٥).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أكنْ في الأشياء (٦) قطُّ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾.
اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بمَعنَى: فناداها جبريلُ مِن بين يَدَيْها.
على اختلاف منهم في تأويله؛ فمن متأوِّلٍ منهم إذا قرأه ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ كذلك؛ ومن متأوّلٍ منهم أنه عيسى، وأنَّه ناداها من تحتها بعد ما ولدَتْه (٧).
وقرأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهل الكوفة والبصرة (فناداها مَن تحْتَها) بفتح التاءين من (تَحتَ)، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنَّه الذى نادى أمَّه (١).
ذكرُ مَن قال: الذى نادَاها من تحتِها المَلَكُ حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، [قال: سمِعتُ أَنَّ] (٢) ابن عباسٍ قرَأَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا﴾.
يعنى: جبريلُ.
وحدَّثني (٣) عبد الله بن (٤) أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمونٍ الأودىِّ، قال: الذي ناداها المَلَكُ (٥).
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمة، أنه قرأ: (فخاطَبها مَنْ تَحتَها).
[قال أبو جعفرٍ: والصواب: ﴿مِنْ﴾، ولكن كذا قال ابنُ بَشَّارٍ: "مَنْ" هنا] (٦).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: (فخاطبها من تحتِها) (٧).
وحدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمةَ أنه قرأها كذلك.
[حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
قال: جبريلُ (١) (٢).
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا [أبو عاصمٍ، عن] (٣) سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾.
أي: من تحتِ النخلة، المَلكُ (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبريلُ (٥) ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ (٦).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: الملَكُ (٧).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعنى: جبريلُ كان أسفل منها.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
قال: ناداها جبريلُ، ولم يتكلَّم عيسى حتى أنت به (١) قومَها (٢).
ذكرُ من قال: الذي (٣) ناداها عيسى حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾، قال: عيسى ابن مريمَ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾: ابنُها.
حدَّثنا الحسنُ قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: هو ابنُها (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ: ﴿فَنَادَاهَا﴾.
عيسى ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ (٢).
حدَّثني أبو حميدٍ (٣) أحمدُ بنُ المغيرة الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابتِ بنِ عجلانَ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
قال: عيسى، أما تسمَعُ اللهَ يقولُ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (٤)؟
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ناداها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٥).
حُدِّثتُ عن عبدِ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العاليةِ الرِّياحي، عن أُبيِّ بن كعبٍ قال: الذى خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخَل من فيها (٦).
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول (٧) من قال: الذى ناداها ابنُها عيسى؛ وذلك أنه مِن كِنايةِ ذكْرِه أقربُ منه من ذكرِ جبريلَ، فردُّه على الذي هو أقربُ إليه أولى من ردِّه على الذى هو أبعدُ منه ألا ترى أنَّها في سياق قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾.
يعني به: فحمَلتْ عيسى فانتبذت به، ثم قيل: ﴿فَنَادَاهَا﴾ نسقًا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه.
ولعلةٍ أُخرى، وهى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩].
ولم تُشِرْ إليه، إن شاء الله إلا وقد علِمتْ أنه ناطقٌ في حاله تلك، وللذى كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبتِه إياها بقوله لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
وما أخبر اللهُ [تعالى ذكرُه] (١) عنه أنه [قاله لها أشارتْ] (٢) للقومِ إليه، ولو كان ذلك قولًا من جبريلَ لكان خليقًا أن يكونَ في ظاهرِ الخبرِ مُبيِّنًا أن عيسى سينطقُ، ويحتجُّ عنها للقوم، وأمْرٌ منه لها بأن تُشيرَ إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك الصواب من التأويل للذى بيَّنا، فبيِّنٌ أن كلتا القراءتين، أعنى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، و: (مَن تحتَها) بالفتح صوابٌ.
وذلك أنه إذا قرئ بالكسر، كان في قوله: ﴿فَنَادَاهَا﴾ ذكرٌ من عيسى، وإذا قرئ: (مَن تَحتَها) بالفتح، كان الفعلُ لـ (من).
وهو عيسى.
فتأويل الكلامِ إذن: فناداها المولود من تحتِها ألَّا تحزنى يا أُمَّهْ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾.
قالت: وكيف لا أحزنُ وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ فأقولَ: من زوجٍ.
ولا مملوكةٌ فأقولَ: من سيدٍ (٣).
أيُّ شيءٍ عذرِى عند الناس؟
﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾.
فقال لها عيسى: أنا أكفِيكِ الكلامَ (١).
واختلف أهل التأويل في المعنىِّ بالسَّرِيِّ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عنى به النهرَ الصغيرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
قال: الجدْوَلُ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعتُ البراء يقولُ في هذه الآية: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
قال: الجدْولُ (٣).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
[وهو نهرُ عيسى] (٤).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾] (٥).
قال: السَّريُّ: النَّهَرُ الذي كان تحتَ مريم حينَ ولَدته، كان يجرى يسمَّى سَرِيًّا.
حدَّثني أبو حصينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيِّ، قال في هذه الآيةِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
قال: السَّريُّ: نهرٌ يُشرب منه (١).
حدَّثنا يعقوب وأبو كريبٍ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
قال: هو الجدول (٢).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَرِيًّا﴾ قال: نهرًا بالسُّريانيةِ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
قال ابن جريجٍ: نهرًا إلى جنبِها.
حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
قال: كان سريًّا.
فقال حميد بنُ عبد الرحمن: إن السَّرىَّ الجدولُ.
فقال: غلبتنا عليك الأمراءُ (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبى حُصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، قال: هو الجدول، النهرُ الصغيرُ، وهو بالنَّبطية: سريًّا (١).
حدَّثني أبو حميد الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابت (٢) بن عجلانَ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبيرٍ عن السريِّ، فقال: نهرٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: النهرُ الصغير (٣).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير.
يعنى الجدول، يعنى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ، قال: جدولٌ صغيرٌ بالسُّريانيةِ (٥).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، [قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ] (٦) يقولُ في قولِه: ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
الجدولُ الصغيرُ من الأنهار (٧).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
السَّريُّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجازِ (١).
حدَّثنا الحسن (٢)، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن قتادة] (٣) في قوله: ﴿سَرِيًّا﴾.
قال: هو الجدولُ (٤).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
يعنى ربيعَ الماءِ (٥).
حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
والسريُّ: هو النهرُ (٦).
وقال آخرون: بل (٧) عني به عيسى ﷺ.
ذكر من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
والسريُّ: يعني (٨) عيسى نفسَه (٩).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
يعني نفسه.
قال: وأَيُّ شيءٍ أسْرى منه؟
قال: والذين يقولون: السريُّ هو النهرُ.
ليس كذلك النهرُ، لو كان النهرَ لكان إنما يكون إلى جَنبِها، ولا يكون النهر تحتها (١).
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قيلُ مَن قال: عنى به الجدول.
وذلك أنه أعلَمها ما قد أعطَاها الله من الماءِ الذى جعله عندها، وقال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي﴾ من هذا الرُّطَبِ، ﴿وَاشْرَبِي﴾ من هذا الماءِ، ﴿وَقَرِّى عَيْنًا﴾ بولدِك، والسريُّ معروفٌ من (٢) كلام العرب أنه النهرُ الصغيرُ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ (٣).
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِىِّ وصَدَّعا … مَسْجُورةً مُتَجاوِرًا (٤) قُلَّامُها ويُروى فبيَّتا (٥) مسجُورةً، ويُروى أيضًا: فغادَرا (٦).
وقوله: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
ذُكِر أن الجِذْعَ كان جِذْعًا يابسًا، فأمَرها أن تهزَّه، وذلك في أيام الشتاءِ، وهزُّها (٧) إياه كان تحريكَه.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
قال: حرِّكيها (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
قال: كان جِذْعًا يابسًا، فقال لها: هُزِّيه، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقولُ: كانت نخلةً يابسةً.
حدَّثني محمد بن سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بن معقلٍ قال: سمعتُ وهب بن منبِّهٍ يقولُ في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء (٣).
حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: وكان جِذْعًا منها مقطوعا فهزَّته، فإذا هو نخلةٌ، وأُجْرِى لها في المحرابِ نهرٌ، فتساقطتِ النخلةُ رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزِّى إليك بالنخلةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [قال: قال] (١) مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
قال: النخلةُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: العجوة (٢).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن ميمونٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾.
قال: فقال عمرٌو: ما من شيءٍ خيرٌ للنفساءِ من التمرِ والرطبِ (٣).
وأُدخلت الباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
كما يقالُ: زوَّجتُك فلانةَ، وزوَّجتُك بفلانةَ.
وكما قال: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
بمعنى: تَنْبُتُ الدهنَ.
وإنما تفعلُ العربُ ذلك؛ لأن الأفعال يُكنَى عنها بالباءِ، فيقالُ إذا كنَيتَ عن: ضربتُ عمرًا: فعلتُ به.
وكذلك كلُّ فعلٍ؛ فلذلك تَدخُلُ الباء في الأفعالِ وتَخرجُ، فيكونُ دخولها وخروجُها بمعنًى، فمعنى الكلام: وهُزِّى إليك جذعَ النخلةِ وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسَّروه كذلك: وهزِّى إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذعِ النخلةِ - وجهًا صحيحًا، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنه فسَّره كذلك.
ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعٍ، دخولُها فيه (٤) وخروجُها منه سواءٌ - قولُ الشاعرِ (١): بوادٍ يمانٍ يُنبِتُ السِّدرَ صدرُه … وأسفلُه بالمَرْخِ والشَّبَهانِ واختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿تُسَاقِطْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة والكوفة: (تَسَّاقَطْ)، بالتاءِ من (تَسَّاقطْ) وتشديد السينِ، بمعنى: تتساقطُ عليك النخلةُ رطبًا جنيًّا، ثم تُدغَمُ إحدى التاءين في الأُخرى فتُشدَّدُ، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجَّهوا معنى الكلام إلى: وهزِّى إليك بجذع النخلةِ تَسَّاقط النخلة عليك رطبًا جنيًّا (٢).
وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفة: (تَساقَطْ) بالتاء وتخفيف السينِ، ووجَّهوا (٣) معنى الكلامِ، إلى مثْلِ ما وجَّهه (٤) إليه مشدِّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة (٥).
ورُوى عن البراء بن عازبٍ أنه قرَأ ذلك: (يَسَّاقطْ) بالياءِ (٦).
حدَّثني بذلك أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازمٍ، عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراء بن عازبٍ يقرؤه كذلك (٧).
وكأنه وجَّه معنى الكلامِ إلى: وهزِّى إليك بجذعِ النخلة (٨) يتساقَطِ الجذعُ عليك رطبًا جنيًّا.
ورُوى عن أبي نَهيكٍ أنه كان يقرؤه: (تُسْقِطُ) بضمِّ التاء وإسقاط الألفِ (١).
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكٍ يقرَؤه كذلك (٢).
وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: تُسقِطُ النخلةُ عليكِ رطبًا جنيًّا.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن هذه القراءات الثلاثَ، أعنى: (تَسَّاقَطْ) بالتاءِ وتشديدِ السين، وبالتاءِ وتخفيف السين، وبالياء وتشديدِ السين، قراءاتٌ متقارباتُ المعانى، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ قرأةٌ (٣) أهلُ معرفة (٤) بالقرآنِ، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابتٌ غير مقطوعٍ، فقد تساقطتِ النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطتِ النخلةُ بأجمَعِها، جذعُها وغيرُ جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمةً على أصلها، فإنما هي جذعٌ وجريدٌ وسعَفٌ، فإذا قُطِعت صارت جذعًا، فالجذعُ الذى أُمرت مريم بهزِّه لم يَذْكُرْ أحدٌ نعلمُه أنه كان جذعًا مقطوعًا، غيرُ السدىِّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلةً، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا نخلةً.
واحدًا، فبيِّنةٌ (٥) بذلك صحة ما قلنا فيه (٦).
وقولُه: ﴿جَنِيًّا﴾.
يعنى به (٦): مجنيًّا، وإنما كان أصله مفعولًا (٧) فصُرِف إلى فعيلٍ، والمَجْنىُّ المأخوذ طريًّا، وكلُّ ما أُخِذ من ثمرةٍ أو بَقْلَةٍ (٨) مِن موضعه بطراتِه (١) فقد اجْتُنِى؛ ولذلك قيل: فلانٌ يجتني الكَمْأَةَ؛ ومنه قولُ ابنِ أختِ جذيمة (٢): هذا جَنايَ وخيارُه فيه … إذْ كُلُّ جانٍ يَدُه إلى فِيهْ القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فكُلى من الرُّطَب الذى تساقط (٣) عليكِ، واشْرَبي من ماء السَّرِيِّ الذى جعَله ربُّك تحتَكِ، و (٤) لا تَخْشَىْ جُوعًا ولا عطَشًا، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يقولُ: وطِيبي نفسًا وافرَحى بولادتِك إِيَّايَ ولا تحزني، ونُصِبتِ العينُ لأنها هي الموصوفةُ بالقَرارِ.
وإنَّما معنى الكلام: ولتَقرَرْ عينُكِ بولدِكِ، ثم حُوِّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنُصِبتِ العينُ إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير (٥)، نظير ما فُعِل بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤].
وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم.
وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧].
ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا).
إنما هو يَسَّاقط عليك رطبُ الجذع، فحُوّل الفعل إلى الجذع في قراءة من قرأَه بالياء.
وفي قراءةِ مَن قرأه (تسَّاقطْ) بالتاء، معناه: تساقطْ (٦) عليكِ رُطَبُ النخلة، ثمَّ حُوِّل الفعلُ إلى النخلة (٧).
وقد اختلفت القرأة فى قراءةِ قوله: ﴿وَقَرِّي﴾؛ فأَمَّا أهل المدينة فقرءوه ﴿وَقَرِّى﴾ بفتح القافِ على لغةِ مَن قال: قَرِرْتُ بالمكان أقرُّ به، وقرِرتُ به (١) عينًا، أقرُّ به قُرُورًا (٢).
وهي لغة قريش، فيما ذُكر لى، وعليها القرأة (٣)، وأما أهل نجدٍ، فإنها تقولُ: قَرَرتُ به عينًا أقِرُّ به قرارًا، وقَرَرْتُ بالمكان أقرُّ به.
فالقراءةُ على لغتهم: (وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ (٤)، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف.
وقولُه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾.
يقولُ: فإن رأيتِ من بني آدم أحدًا يُكلّمُكِ أو يسائِلُكِ عن شيءٍ مِن أمرك وأمر ولدِكِ وسبب ولادتِكِه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
يقولُ: فقولي له (٥): إنى أوجبتُ على نفسى للهِ صمتًا (٦) ألَّا أُكلِّم أحدًا من بنى آدمَ اليومَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
وبنحو الذى قُلنا في معنى الصومِ قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ فى هذه الآية: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
قال: صمتًا (٧).
حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
قال: صمتًا.
حدَّثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
قال: يعنى بالصومِ الصمت (١).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أنسًا قرأ: (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا وَصَمْتًا) (٢).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: أما قوله: ﴿صَوْمًا﴾.
فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام (٣).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحاك يقولُ فى قوله: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: [يعنى: صمتًا (٤).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾] (٥).
قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يَصُومُ مِن الطعام، إلا من ذكرِ اللهِ، فقال ذلك لها كذلك (٦)، فقالت: إنى أَصُومُ من الكلام كما أصومُ من الطعام، إلا من ذكر الله.
فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم.
فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ (١).
واختلفُوا فى السبب الذى من أجله أمرها بالصومِ عن كلام البشر؛ فقال بعضُهم: أمرها بذلك؛ لأنه لم يكن لها حُجةٌ عند الناس ظاهرة؛ وذلك أنَّها جاءت، وهى أيِّمٌ بولدٍ، فأُمرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها الكلامَ ولدُها (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هارون بن إسحاق (٣)، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنتُ عند ابن مسعودٍ، فجاء رجلان فسلَّم أحدهما ولم يسلِّم الآخرُ، فقال: ما شأنك؟
فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم.
فقال عبدُ اللهِ: كلِّمِ الناسَ وسلِّمْ عليهم، فإنَّ تلك امرأةٌ علمت أنَّ أحدًا لا يصدِّقُها أنَّها حملت من غير زوجٍ.
يعنى بذلك مريم (٤).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ.
أيُّ شيءٍ عُذرى عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلامَ، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
قال: هذا كلُّه كلام عيسى لأمه (١).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منبه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
فإني سأكفيك الكلام (٢).
وقال آخرون: إنما كان ذلك آيةً لمريم وابنها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا).
و (٣) إنَّكَ لا [تشأُ أن] (٤) تلقَى امرأة جاهلة (٥) تقولُ: نذرتُ كما نذرَت مريم؛ ألَّا تكلَّمَ يومًا إلى الليل.
وإنما جعل الله تلك آيةً لمريم ولابنها، ولا يحِلُّ لأحدٍ أن يَنذُرَ صمتَ يومٍ إلى الليل (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقُولِي (٧) إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
وكانت تُقرأُ فى الحرف الأوَّلِ: (صمتًا)، وإنما كانت آيةً بعثها الله لمريم وابنها.
وقال آخرون: بل (١) كانت صائمةً فى ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأُذِن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يُكَلِّمُكِ، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
فكان مَن صام فى ذلك الزمان لم يتكلَّمْ حتى يُمسى، فقال (٢) لها: لا تزيدى على هذا (٣).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فلما قال عيسى ذلك لأمِّه اطمأنت نفسها، وسلمت لأمرِ الله، وحملته حتى أتت به قومها.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبِّهٍ ﵀، قال: أنساها، يعني مريم، كرْبُ البلاء وخوفُ الناس ما كانت تسمعُ، [يعني: ما كانت تسمع] (١) من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلَّمها، يعنى عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتمَلَتْه، ثم أقبلت به إلى قومها.
وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ، قال: لما ولدته ذهَب الشيطانُ، فأخبر بنى إسرائيل أنَّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدُّون، فدعَوْها، ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (٢).
وقوله: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فلما رأَوْا مريمَ، ورَأَوْا معها الولد الذى ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثْتِ حدَثًا عظيمًا.
وكلُّ عاملٍ عملًا أجادَه وأحسنه فقد فَرَاه، كما قال الراجزُ (٣): قَدْ أَطْعَمْتِنِي دَقَلًا حَجْرِيًّا قدْ كنتِ تَفْرِينَ به الفَرِيَّا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَرِيًّا﴾.
قال: عظيمًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
قال: عظيمًا (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
يقولُ (٣): عظيمًا (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتَّهم، عن وهبٍ ابن منبِّهٍ، قال: لما رأَوْها ورأَوْه معها، قالوا: يا مريم ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: أى الفاحشة غير المقاربة.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾.
اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله قيل لها: يا أُخت هارونَ، ومَن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنَّهم نسبوا مريم إلى أنَّها أختُه؛ فقال بعضُهم: قيل لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾.
نسبةً منهم لها إلى الصلاح؛ لأنَّ أهل الصلاح فيهم كانوا يُسمَّوْن هارونَ، وليس بهارون أخى موسى.
ذكر من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾.
قال: كان رجلًا صالحًا في بني إسرائيل يُسمَّى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون فى الصلاحِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يُعرفُ (٢) بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مُصْلِحًا محبَّبًا في عشيرته، وليس بهارون أخى موسى، ولكنَّه هارون آخر.
قال: وذُكر لنا أنه شيَّع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلُّهم يُسمَّى (٣) هارونَ من بنى إسرائيل (٤).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: نُبئتُ أنَّ كعبًا قال: إِنَّ قولَه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾.
ليس بهارون أخى موسى.
قال: فقالت له عائشةُ: كذبتَ.
قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبىُّ ﷺ قاله فهو أعلمُ وخيرٌ (٥)، وإلا فإنّى أجدُ بينهما ستمائة سنة.
قال: فسكتتْ (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾.
قال: اسمٌ واطأَ اسمًا، كم بين هارون وبينها (٢) من الأمم؛ أممٌ كثيرةٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابن المثنى وسفيان بن (٣) وكيعٍ وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودىُّ، قال: سمعتُ أبى يَذْكرُ عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبةَ، قال: بعثَنى رسولُ الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا لى: ألستُم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾؟
قلتُ: بلى.
وقد علمتُم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأخبرته، فقال: "ألا أخْبرتَهم أنهم كانوا يُسمَّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: ثنا عمرو، عن سماكِ بن حرب، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبيُّ ﷺ في بعضِ حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيُّك يزعُمُ أن هارون أخو مريم هو أخو موسى؟
فلم أدرِ ما أردُّ عليهم حتى رجعتُ إلى النبىِّ ﷺ فذكرتُ ذلك له، فقال: "إنهم كانوا يُسمَّون بأسماءِ مَن كان قبلهم".
وقال بعضُهم: عُنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته؛ لأنَّها من ولده، كما (١) يقال للتميمي: يا أخا تميم.
وللمُضَرِيِّ: يا أخا مُضَرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾.
قال: كانت من بنى هارون أخى موسى، وهو كما يقال (٢): يا أخا بنى فلان (٣).
وقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقًا مُعْلِنَ الفسق، فنسبوها إليه.
والصوابُ من القولِ فى ذلك ما جاء به الخبر عن رسولِ الله ﷺ الذي ذكرناه، وأنَّها نُسبتْ إلى رجل من قومها [يقال له: هارون] (٤).
وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾.
يقولُ: ما كان أبوك رجل سوءٍ يأتى الفواحش، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
يقول: وما كانت أمُّك زانيةً.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
قال: زانيةً.
قال: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
ولم يقُلْ: بغيَّةً؛ لأنَّ ذلك مما يوصَفُ به النساءُ دونَ الرجال، فجرَى مَجْرَى: امرأَةٌ حائضٌ وطالقٌ.
وقد كان بعضُهم يُشبِّه ذلك بقولهم: مِلْحَفةٌ جديدٌ (٥)، وامرأةٌ قتيلٌ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: فلما قال قومُها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
قالت لهم ما أمرها اللهُ به، فلما أرادوها بعد ذلك على (١) الكلام ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾؛ إلى عيسى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾.
[قال: أمرَتْهم بكلامه (٢).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾] (٣).
يقولُ: أشارتْ إليه أن كلِّموه.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أَن كَلِّموه (٤).
وقولُه: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
يقول تعالى ذكرُه، قال قومها لها: كيف نُكلّمُ من وُجِد فى المهدِ صبيًّا (٥)؟
و ﴿كَانَ﴾ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾.
معناها التمامُ، لا التي تقتضى الخبرَ، وذلك شبيهُ المعنى بـ "كان" التي في قولِه: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
وإنما معنى ذلك: هل أنا إلَّا بشرٌ رسولٌ؟
وهل وُجِدتُ أو (١) بُعِثتُ؛ وكما قال زهير بن أبى سُلْمَى (٢): زَجَرْتُ عَلَيْهِ حُرَّةً أَرْحَبِيَّةً … وَقَدْ كانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأَرَنْدَجِ (٣) بمعنى: وقد صار أو وُجد.
وقيل: إنه عنى بالمهدِ فى هذا الموضع حِجر أمه (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
والمهدُ: الحِجْر (٥).
وقد بيَّنا معنَى المهدِ فيما مضى بشواهده، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٦).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾.
يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
وظَنُّوا أنَّ ذلك منها استهزاءٌ بهم، قال عيسى لهم متكلِّمًا عن أمه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.
وكانوا حين أشارتْ لهم إلى عيسى فيما ذُكرِ عنهم غضِبوا.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما أشارَتْ لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حينَ تَأمُرُنا أن نُكَلِّمَ هذا الصبيَّ أشدُّ علينا من زناها.
.
.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
فأجابهم عيسى عنها فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: فقال لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
فقرأ حتَّى بلَغ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
فقالوا: إن هذا لأمرٌ (٢) عظيمٌ.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
لم يتكلمْ عيسى إلَّا عند ذلك حينَ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
وقولُه: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.
يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحى قبل أن يُخلق أو (١) في بطن أمه؟
فإنَّ معنى ذلك بخلاف ما يظُنُّ، وإِنما معناه: وقضَى يومَ قضى أمور خلقه لى (٢) أن يؤتينى الكتابَ.
كما حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاك، [يعنى ابنَ مَخْلدٍ] (٣)، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.
قال: قضَى أن يؤتينى الكتاب فيما قَضَى (٤).
حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة فى قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.
قال: القضاء.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.
قال: قضى أن يؤتينى الكتاب (٥).
وقولُه: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
وقد بيَّنت معنى النبيِّ واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته (٦).
وكان مجاهدٌ يقولُ في معنى النبيِّ وحده ما حدَّثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: النبيُّ وحده (١) الذي يُكلَّمُ ويُنزَّلُ عليه الوحى (٢) ولا يُرسل (٣).
وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعلني نفَّاعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن حماد الطَّلْحيُّ، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليثٍ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾.
قال: نفَّاعًا (٤).
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بنِ خُنيسٍ المخزوميُّ، قال: سمعتُ وُهيب بن الورد مولى بني مخزومٍ، قال: لَقِيَ عالمٌ عالمًا (٥) هو فوقه فى العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أُعلنُ من عملي (٦)؟
قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه دينُ اللهِ الذي بَعَثَ بهِ أنبياءه إلى عباده.
وقد اجتمع الفقهاء على قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.
وقيل: ما بركته؟
قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنى معلِّمَ الخيرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.
قال: معلِّم الخيرِ (٢).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.
قال: معلِّمًا للخير حيثما كنتُ (٣).
وقولُه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
يقول: وقضى أن يوصينى بالصلاة والزكاة.
يعنى: بالمحافظة على حدودِ الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليَّ.
وفى الزكاةِ معنيان: أحدهما؛ زكاة الأموال أن يؤدِّيَها.
والآخرُ: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصانى بترك الذنوب واجتناب المعاصى.
وقوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
يقولُ: ما كنتُ حيًّا في الدنيا موجودًا، وهذا يُبِينُ عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع تطهير البدن من الذنوب؛ لأنَّ الذى يوصف به عيسي صلواتُ الله وسلامه عليه أنه كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ، فتجبَ عليه زكاةُ المالِ، إلَّا أن تكون الزكاة التى كانت فُرضَت عليه الصدقة بكلِّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: مُخْبِرًا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركًا وبَرًّا.
[أى جعلني برًّا] (١) بوالدتى.
والبرُّ هو البارُّ، يقال: هو برٌّ بوالده، وبارٌّ به.
وبفتح الباء قرأتْ هذا الحرف قرأةُ الأمصار.
ورُوى عن أبي نَهيكٍ [ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبى نَهيكٍ] (١) أنه قرأ: (وبرًّا بِوَالِدَتي) من قول عيسى، ﵇، قال أبو نَهيكٍ: أوصانى بالصلاة والزكاة، والبرِّ بوالدتي (٢)، كما أوصاني بذلك (٣).
فكأنَّ أبا نَهيكٍ وجَّه تأويل الكلام إلى أنَّ قوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾.
من خبر عيسى عن وصيَّةِ اللهِ إيَّاه [به، كما (٤) قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ مِن خبره عن وصيةِ اللهِ إيَّاه] (١) بذلك.
فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه؛ لأنَّ الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ (٥)، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنهما (٦) مفعولٌ بهما.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
يقول: ولم يجعلْنى مستكبرًا على الله فيما أمرنى به ونهانى عنه، شقيًّا، ولكن ذلَّلنى لطاعته، وجعلنى متواضعًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه -يعنى عيسى- كان يقولُ: سلُوني، فإنَّ قلبي ليِّنٌ، وإني صغيرٌ في نفسي.
مما أعطاه الله من التواضع (١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: ذُكر لنا أنَّ امرأة رأتِ ابن مريم يُحيي الموتى، ويُبرئُ الأكْمَهَ والأبرصَ، في آياتٍ سلَّطه الله عليهنَّ، وأذن له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذى حملك، والثدي الذى أُرضِعتَ به.
فقال نبيُّ الله ابنُ مريم يجيبُها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتَّبع ما فيه، ولم يَكُنْ جَبَّارًا شقيًّا (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد (٣) عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا.
ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
قال: ولا تجد (٤) سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٥) [النساء: ٣٦].
وقولُه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
يقولُ: والأَمَنَةُ منَ اللهِ عليَّ من الشيطان وجنده يومَ ولدتُ؛ أن ينالوا منى ما ينالون ممن يُولد عندَ الولادة من الطعن فيه، ويومَ أموتُ من هول المطَّلَعِ، ويومَ أُبعثُ حيًّا يومَ القيامةِ؛ أن ينالني الفرع الذي ينالُ الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبهٍ ﵀: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
قال: يُخبرهم فى قصِّهِ خبره عن نفسه، أنَّه لا أب له وأنَّه سيموتُ ثم يُبعث حيًّا، يقولُ ﵎: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: هذا الذى [وصفتُ لكم أيُّها الناسُ] (١) صفته، وأخبرتكم خبره من أمر الغلام الذى حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾.
يعنى أن هذا الخبر الذى قصصْتُه عليكم (٢)، والكلام الذى تلوتُه عليكم قولُ اللهِ [وكلامُه] (٣) وخبره، لا خبر غيره الذي قد يقع فيه الوهم والشك والزيادة والنقصان على ما كان يقول تعالى ذكره، فقولوا في عيسى أيها الناسُ هذا القول الذى أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغيرِ رِشْدَةٍ (٤)، وأنه كان ساحرًا كذَّابًا، ولا ما قالته النصارى من أنه كان لله ولدًا، فإنَّ (١) اللهَ لم يتخذ ولدًا، ولا ينبغى ذلك له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾.
قال: الله الحقُّ (٢).
حدَّثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبدِ اللهِ: (قالُ اللهِ (٣) الذى فيه يمتَرُون).
قال: كلمةُ اللهِ.
ولو وُجِّه تأويل ذلك إلى: ذلك عيسى ابنُ مريمَ القولُ الحقُّ، بمعنى: ذلك القولُ الحقُّ، ثم حُذفت الألف واللام من القول، وأُضيف إلى الحقِّ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥].
وكما قيل: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
كان تأويلًا صحيحًا.
وقد اختلفتِ القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجاز والعراق: (قَوْلُ الحَقِّ) برفعِ القول (٤) على ما وصفتُ لك (٥) من المعنى، وجعلوه في إعرابه تابعًا لعيسى كالنعت له، وليس الأمرُ في إعرابه عندى على ما قاله الذين زعموا أنه رُفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة؛ على ما ذكرنا عن إبراهيم من تأويله ذلك كذلك، فيصحَّ حينئذٍ أن يكونَ نعتًا لعيسى، وإلا فرفعُه عندى بمضمرٍ، وهو: هذا قولُ الحقِّ.
على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمِّه عند قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ثم ابتُدئ (١) الخبرُ بأنّ الحقَّ فيما فيه تمترى الأممُ من أمر عيسى هو هذا القولُ الذى أخبر الله به عنه عباده دون غيره.
وقرأ ذلك عاصم بن أبى النجودِ وعبد الله بن عامر بالنصب (٢)، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولًا حقًّا.
ثم أُدخلت فيه الألفُ واللام.
وأما ما ذُكر عن ابن مسعودٍ في قراءته: (ذلك عيسى ابن مريم قالُ الحقِّ (٣)).
فإنه بمعنى قول الحقِّ، مثل العابِ والعيب، والذامِ والذَّيْمِ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفع (٤)؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه.
وأما قوله تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
فإنه يعنى: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: مارَيتُ فلانًا.
إذا جادلته وخاصمته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: امترت فيه اليهود والنصارى؛ فأما اليهودُ فزعموا أنه ساحرٌ كذَّابٌ، وأما النصارى فزعموا أنه ابنُ اللهِ، وثالث ثلاثةٍ، وإلهٌ، وكذبوا كلُّهم، ولكنه عبدُ اللهِ ورسوله وكلمته وروحُه (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
قال: اختلفوا؛ فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيُّه، فآمِنوا به.
وقالت فرقةٌ: بل هو الله.
وقالت فرقةٌ: هو ابن الله: ﵎ عما يقولون علوًّا كبيرًا.
قال: فذلك قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧].
والتي في "الزخرف" (٢)، قال: دَقْيوسٌ ونُسْطُورُ ومارِ يعقوبَ.
قال أحدُهم حينَ رُفع (٣) عيسى: هو الله.
وقال الآخرُ: ابنُ اللهِ.
وقال الآخرُ: كلمة الله وعبده.
قال المفتريان: إنَّ قولى هو أشبه بقولك، وقولُك بقولى من قول هذا، فهلمَّ فلنقاتلهم.
فقاتلوهم وأوطَئوهم [وغلبوهم حتى خرج النبي ﷺ، وهم مسلمة أهل الكتابِ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
قال: اجتمع بنو (٤) إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلُّ قومٍ عالمهم، فامترَوْا في عيسى حين رُفِع؛ فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء.
وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت.
ثم قال اثنان منهم للثالثِ: قُل أنت فيه.
قال: هو ابنُ اللهِ.
وهم النُّسْطُوريَّةُ، فقال الاثنان: كذبت.
ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إلهٌ، وهو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ.
وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابعُ: كَذَبْت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته.
وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباعٌ على ما قال، فاقتتلوا، فظُهِر على المسلمين، وذلك قول الله جلّ وعزّ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١].
قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [مريم: ٣٧].
اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (١).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: لقد كذب (٢) الذين قالوا: إن عيسى ابنُ اللهِ، وأعظموا الفِرْية عليه، فما ينبغى لله أن يتخذ ولدًا، ولا يصلُحُ ذلك له ولا يكونُ، بل كلُّ شيءٍ دونَه فخلقُه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر (٣): فى رأسِ خَلْقاءَ (٤) مِن عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ … [ما يَنْبَغِي] (٥) دُونهَا سَهْلٌ وَلا جَبَلُ و ﴿أَنْ﴾ من قوله: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في موضعِ رفعٍ بـ ﴿كَانَ﴾.
وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
يقولُ: تنزيها لله وتبرئةً له أن يكون له ما أَضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابنُ اللهِ.
وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
يقول جلَّ ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداءً، وأنشأه إنشاءً، من غيرِ فحلٍ افتحل أمَّه، ولكنه قال له: كُنْ.
فكان (١)؛ لأنَّه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعُها، إنما يقولُ إذا قضى خلق شيءٍ أو إنشاءه: كُن.
فيكونُ، موجودًا حادثًا، لا يعظُمُ عليه خلقه؛ لأنه لا يخلقه بمعاناة وكُلفةٍ، ولا ينشئُه بمعالجة وشدَّةٍ.
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾.
اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة (٢): (وَأَنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ).
واختلف أهل العربية فى وجه فتح "أنَّ" إذا فُتحت؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفة (١): فُتِحت ردًّا على عيسى وعطفًا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أنَّ الله ربِّى وربُّكم، وإذا كان كذلك كانت "أن" رفعًا.
قال (٣): وتكون بتأويل خفض، كما قال: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ١٣١].
قال: ولو فُتحت على قوله: ﴿وَأَوْصَانِي﴾ بأنَّ الله، كان وجهًا.
وكان بعضُ البصريين (٤) يقول - وذكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح -: إنما فُتحت "أنَّ" بتأويل: قَضَى أَنَّ اللهَ رَبِّي وربُّكم.
وكانت عامة قرأةِ الكوفيين (١) يقرءونه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر "إن" بمعنى النسَقِ على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾.
ورُوى عن أُبيِّ بن كعبٍ أنه كان يقرؤُه: (فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربى وربكم) بغير واوٍ (٢).
والقراءة التي نختارُ فى ذلك: الكسر على الابتداء.
وإذا قُرِئ كذلك لم يكن لها موضعٌ، وقد يجوز أن تكون عطفًا على "إن" التى مع قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾.
ولو قال قائلٌ، ممن قرأ ذلك نصبًا: نُصِبَ على العطفِ على "الكتاب" بمعنى: أتاني الكتاب، وأتانيَ أنَّ الله ربِّي وربُّكم، كان وجهًا حسنًا.
ومعنى الكلام: وإنى وأنتم أيُّها القومُ جميعًا لله عبيدٌ، فإيَّاه فاعبدوا دونَ غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ من قال ذلك: حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب ابن منبِّهٍ، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه: (أنَّ الله ربى ورَبُّكُم فاعبدُوهُ هذا صراطٌ مستقيم)، أي: إنِّى وإيَّاكم عبيد الله، فاعبُدوه ولا تعبُدُوا غيرَه.
وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
يقولُ: هذا الذي أوصيتُكم به، وأخبرتكم أنَّ اللهَ أمرنى به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى؛ لأنه دينُ اللهِ الذى أمرَ به أنبياءه.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابًا متفرِّقين (١) من بين قومه.
كما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾.
قال: أهل الكتابِ (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله (٢).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: ذُكر لنا أنه لما رُفع ابنُ مريمَ انتخبت بنو إسرائيل أربعةً من فقهائهم، فقالوا للأوَّلِ: ما تقولُ في عيسى؟
قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلى السماء.
فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت اليعقوبية من النصارى، وقال الثلاثة الآخرون: نشهَدُ أنك كاذبٌ.
فقالوا للثاني: ما تقولُ في عيسى؟
قال: هو ابنُ اللهِ.
قال: فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت النُّسْطورية من النصارى، وقال الاثنان الآخران: نشهدُ أنَّك كاذبٌ.
وقالوا للثالث: ما تقولُ في عيسى؟
قال: هو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ، والله إلهٌ.
فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهدُ أنَّك كاذبٌ، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه.
فاختصم القومُ، فقال المرء المسلم: أنشُدُكم الله هل تعلمون أنَّ عيسى كان يَطْعَمُ الطعام، وأن الله ﵎ لا يَطعَمُ الطعام.
قالوا: اللهمَّ نعم.
قال: هل تعلمون أنَّ عيسى كان ينام؟
قالوا: اللهمَّ نعم.
قال: فخصمهم المسلم.
قال: فاقتتل القومُ.
قال: فذُكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذٍ وأُصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآنَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
وحدَّثنا الحسن (١)، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (٢).
وقولُه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
يقولُ: فوادى جَهَنَّمَ الذى يُدعى ويلًا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أنَّ عيسى لله ولدٌ، وغيرهم من أهل الكفر به، من شهودِهم يومًا عظيمًا شأنُه، وذلك يوم القيامة.
وكان قتادةُ يقولُ في تأويل ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: شهدوا هَوْلًا (٣) إِذًا عظيمًا.
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾.
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادًا، والزاعمين أنَّ له ولدًا، يومَ ورودِهم عليه في الآخرة، لئن كانوا في الدنيا عُميًا عن إبصار الحقِّ، والنظر إلى حجج الله التي تدلُّ على وحدانيته صُمًّا عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربِّهم فى الآخرةِ، وأبصَرَهم يومئذٍ حين لا ينفعهم الإبصارُ والسماعُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾: ذاك والله يوم القيامة، سمِعوا حين لم (١) ينفعهم السمعُ، وأبصروا حين لم (٢) ينفعهم البصر (٣).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾.
قال: أَسمَعُ قومٍ وأبصرُه (٤).
وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: [أسمعُ قومٍ وأبصرُه] (١)، ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾؛ يوم القيامةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿أَسْمِعْ﴾ بحديثهم اليومَ، ﴿وَأَبْصِرْ﴾ كيفَ نَصنعُ بِهِم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾.
قال: هذا يومُ القيامةِ، فأمَّا الدنيا فلا، كانت على أبصارِهم غشاوةٌ وفي آذانِهم وقرٌ في الدنيا، فلما كان يومُ القيامةِ أبصَروا وسمِعوا فلم ينتفِعوا، وقرَأ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (٢) [السجدة: ١٢].
وقولُه: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: لكنِ الكافرون الذين أضافُوا إليه ما ليس من صفتِه، وافترَوْا عليه الكذبَ ﴿الْيَوْمَ﴾ في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: في ذَهابٍ عن سبيلِ الحقِّ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ، ﴿مُبِينٍ﴾: أَنَّه جائرٌ عن طريقِ الرشدِ والهُدَى لمن تأمَّله وفكَّر فيه فهُدِيَ لرشدِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأنذِر يا محمدُ هؤلاءِ المشركين باللهِ يومَ حسرتِهم وندمِهم، على ما فرَّطوا في جنبِ اللهِ، وأَورثتُ مساكنَهم من الجنةِ أهلَ الإيمانِ باللهِ والطاعةِ له، وأُدْخِلُوا هم مساكنَ أهلِ الإيمانِ باللهِ من النارِ، وأيقَنَ الفريقانِ بالخلودِ الدائمِ، والحياةِ التي لا موتَ بعدَها، فيالها حسرةً وندامةً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيل، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها، قال: فليس (١) نفسٌ إلا وهى تنظرُ إلى بيتٍ فى الجنةِ، وبيتٍ فى النارِ، وهو يومُ الحسرةِ، فيرَى أهلُ النارِ البيتَ الذى [فى الجنةِ] (٢) فيقالُ لهم: لو عمِلتُم (٣).
فتأخُذُهم الحسرةُ.
قال: ويرى أهلُ الجنةِ البيتَ الذى فى النارِ، فيقالُ لهم: لولا أنْ منَّ اللهُ عليكم (٤).
وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يُجاءُ بالموتِ يومَ القيامة فيُوقَفُ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ كأَنَّه كبشٌ أملَحُ.
قال: "فيُقالُ: يا أهلَ الجنَّة هل تعرفون هذا؟
فَيَشْرَئبُّون وينظرون، فيقولُون: نعم، هذا الموتُ".
قال: "فيقولُ: يا أهلَ النَّارِ هل تعرفون هذا؟
فيشرئبُّون وينظُرون، فيقولون: نعم، هذا الموتُ.
ثُمَّ يُؤمرُ به فيُذبحُ".
قال: "فيقُولُ: يا أهلَ الجنَّةِ خُلُودٌ فلا موتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا موتَ".
قال: ثم قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وأشارَ بيده فى الدنيا (٥).
حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾.
قال: "يُنادَى: يا أهلَ الجنَّةِ، فيشرئبُّون، فينظُرون، ثمَّ يُنادَى: يا أهلَ النَّارِ فيشرئبُّون فينظُرُون".
قال: "فيُقالُ: هل تعرفون الموتَ؟
" قال: "فيقُولُون: لا (١) ".
قال: فيُجاءُ بالموتِ في صورةِ كَبْشٍ أملحَ، فيُقالُ: هذا الموتُ.
ثُمَّ يُؤخَذُ فيُذبحُ"، قال: "ثمَّ يُنادَى يا أهلَ الجنة، خُلُودٌ ولا موتَ، ويا أهلَ النارِ، خُلُودٌ ولا موتَ".
قال: ثم قرَأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾.
قال: يصوِّرُ اللهُ الموتَ [في صورةِ] (٣) كبشٍ أملحَ، فيُذبحُ.
قال: فييأسُ أهلُ النارِ من الموتِ فلا يرجُونه، فتأخذُهم الحسرةُ من أجلِ الخلودِ في النار، وفيها أيضًا الفزعُ الأكبرُ، ويأمنُ أهلُ الجنةِ الموتَ فلا يخشَوْنه، وأمِنُوا الموتَ وهو الفزعُ الأكبرُ؛ لأنَّهم يُخلدون في الجنةِ.
قال ابنُ جريجٍ: يُحشرُ أَهلُ النارِ حينَ يُذبح الموتُ والفريقان ينظرون، فذلك قولُه: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾.
قال: ذَبْحُ الموتِ.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن أبيه، أنَّه أخبره أنَّه سمِع عبيدَ بنَ عميرٍ في قَصصِه يقولُ: يُؤْتَى بالموتِ كأَنَّه دابةٌ، فيُذبحُ والناسُ ينظرون (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾.
قال: يومَ القيامةِ.
وقرَأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (٣) [الزمر: ٥٦].
وحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ؛ عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (٤).
وقولُه: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾.
يقولُ: إذ فُرغ من الحكمِ لأهلُ النارِ بالخلودِ فيها، ولأهلِ الجنةِ بمقامِ الأبدِ فيها بذبحِ الموتِ.
وقولُه: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾.
يقولُ: وهؤلاء المشركون في غفلةٍ عما الله فاعلٌ بهم يومَ يأتونَه خارجين إليه من قبورِهم، من تخليده إيَّاهم في جهنمَ، وتوريثِه مساكنَهم من الجنةِ غيرَهم: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهم لا يُصدِّقون بالقيامةِ والبعثِ، ومجازاةِ اللهِ إيَّاهم على سيِّئ أعمالِهم بما (١) أخبَر أنَّه مجازيهم به.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يحزنْك تكذيبُ هؤلاء المشركين يا محمدُ لك، فيما أتيتَهم به من الحقِّ، فإنَّ إلينا مرجِعَهم ومصيرَهم ومرجعَ (٢) جميعِ الخلقِ غيرِهم، ونحنُ وارثو الأرضِ ومَن عليها من الناسِ بفَنائهم منها، وبَقائها لا مالكَ لها غيرُنا، ثم علينا جزاءُ كلِّ عاملٍ منهم بعملِه، عند مرجعِه إلينا، المحسنُ منهم بإحسانِه، والمسيءُ منهم بإساءِته.
القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمدُ في كتابِ اللهِ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ خليلَ الرحمنِ، فاقصُص على هؤلاء المشركين قصَصَه وقَصصَ أبيهِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾.
يقولُ: [إنَّ إبراهيمَ كان ﴿صِدِّيقًا﴾.
يقولُ] (٣): كان من أهلِ الصدقِ في حديثهِ وأخبارِه ومواعيدِه لا يكذبُ.
والصدِّيقُ هو الفِعِّيلُ من الصدقِ.
وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضع (٤).
﴿نَبِيًّا﴾ يقولُ: كان اللهُ قد نبَّأه وأوحَى إليه.
وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾.
يقولُ: اذكرْه حينَ قال لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾.
يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ الوَثَنِ الذى ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ صوتًا (١)، ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ شيئًا، ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾.
يقولُ: ولا يدفعُ عنك ضُرَّ شيءٍ، إنما هو صورةٌ مصوَّرةٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ.
يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ ما هذه صفتُه، اعبدِ الذي إذا دعوتَه سمِع دعاءَك، وإذا أُحيط بك أبصَرك فنصَرك، وإذا نزَل بك ضرٌّ دفَع عنك.
واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ الهاءِ فى قوله: ﴿يَاأَبَتِ﴾.
فكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: إذا وقفتَ عليها قلتَ: يا أَبَه، وهى هاءٌ زيدت نحوَ قولِك: يا أمَّهْ.
ثم يقالُ: يا أمَّ.
إذا وصَل، ولكنه لما كان الأبُ على حرفين، كان كأنَّه قد أُخِلَّ به، فصارت الهاءُ لازمةً، وصارت الياءُ كأنَّها بعدَها، فلذلك قالوا: يا أبتِ أقبِلْ، وجَعل التاءَ للتأنيثِ.
ويجوزُ الترخيمُ من يا أبُ أقبِلْ؛ لأنَّه يجوزُ أن تدعوَ ما تُضيفه إلى نفسِك فى المعنى مضمومًا، نحوُ قولِ العربِ: يا ربُّ، اغفِر لى، وتقِفُ فى القرآنِ: يا أبتْ، [في الكتابِ] (٢).
وقد يقفُ بعضُ العربِ على الهاءِ بالتاءِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: الهاءُ مع "أبةِ" و "أُمَّةِ" هاءُ وقفٍ، كثُرت في كلامِهم حتى صارت كهاءِ التأنيثِ، وأدخلُوا عليها الإضافةَ، فمَن طلَب الإضافةَ، فهى بالتاءِ لا غيرُ؛ لأنَّك تطلُب بعدها الياءَ، ولا تكونُ الهاءُ حينئذٍ إلا تاءً، كقولك: يا أبتِ.
لا غيرُ، ومن قال: يا أبَةُ.
فهو الذي يقِفُ بالهاءِ؛ لأنَّه لا يطلبُ بعدها ياءً؛ ومن قال: يا أَبةَ (١).
فإنه يقِفُ عليها بالتاءِ، ويجوزُ بالهاءِ؛ فأمَّا بالتاءِ فلطلبِ ألفِ النُّدبة، فصارتِ الهاءُ تاءً لذلك، والوقفُ بالهاءِ بعيدٌ إلا فيمَن قال: *يا أميمةَ ناصِبِ (٢) * فجعَل هذه الفتحةَ من فتحةِ الترخيمِ، وكأنَّ هذا طرَفُ الاسمِ، قال: وهذا بعيدٌ.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيم لأبيه: يا أبتِ، إِنِّي قد أتانيَ اللهُ من العلم به ما لم يُؤتِك ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾.
يقولُ: فاقبلْ منِّى نصيحتى ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
يقولُ: أُبصِّرْك هدى الطريقِ المستوِى الذى لا تضلُّ فيه إن لزِمتَه، وهو دينُ اللهُ الذى لا اعوجاجَ فيه.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أبتِ، لا تعبدِ الشيطانَ إنَّ الشيطانَ كان للهِ عصيًّا (٣)، والعَصِىُّ هو ذو العصيانِ، كما العليمُ ذو العلمِ.
وقد قال قومٌ من أهلُ العربيةِ: العصىُّ: هو العاصِي، والعليمُ هو العالمُ، والعريفُ هو العارفُ، واستشهدُوا لقولِهم ذلك بقولِ طَريفِ بن تميمٍ العَنبرىِّ (١): أوَ كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ … بَعَثتْ (٢) إلىَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ وقالوا: قال: عريفَهم.
وهو يريدُ: عارفَهم، واللهُ أعلمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾.
يقولُ: يا أبت، إنِّى أعلمُ أنَّك إن متَّ على عبادةِ الشيطانِ أنه يمسُّك عذابٌ من عذابِ اللهِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.
يقولُ: تكونُ له وليًّا دونَ اللهِ، ويتبرَّأُ اللهُ منك، فتهلِكَ.
والخوفُ فى هذا الموضع بمعنى العِلم، كما الخشيةُ بمعنى العلمِ، في قولِه: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو إبراهيمَ لإبراهيمَ حين دعاه إبراهيمُ إلى عبادِة اللهِ وترْكِ عبادةِ الشيطانِ، والبراءةِ من الأوثانِ والأصنامِ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ يا إبراهيمُ ﴿عَنْ﴾ عبادةِ ﴿آلِهَتِي﴾ ﴿لَئِنْ﴾ أنتَ ﴿لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن ذكرهِا بسوءٍ ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
يقولُ: لأرجُمنَّك بالكلامِ.
وذلك السبُّ والقولُ القبيحُ.
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمةِ والقولِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
قال: بالقولِ؛ لأشتُمنَّك (١).
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
يعني: رجْمَ القولِ (٢).
وأمَّا قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلفُوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: واهجُرنى حينًا طويلًا ودهرًا.
ووجَّهوا معنى الملىِّ إلى المِلاوةِ من الزمانِ، وهو الطويلُ منه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: دهرًا (٣).
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ] (٤)، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: دهرًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَلِيًّا﴾.
قال: حينًا (٢).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: طويلًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: زمانًا طويلًا (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
يقولُ: دهرًا، والدهرُ المليُّ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: دهرًا (٥).
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: أبدًا (١).
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: واهجُرنى سويًّا سالمًا من عقوبتى إِيَّاك.
ووجَّهُوا معنى الملىِّ إلى قول الناسِ: فلانٌ ملىٌّ بهذا الأمرِ: إذا كان مضطَلِعًا به غنيًّا منه (٢).
وكأنَّ معنى الكلامِ كان عندَهم: واهجُرني وعِرضُكَ وافرٌ من عقوبتي، وجسمُك معافًى من أذايَ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
يقولُ: اجتنِبنى سَوِيًّا (٣).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: اجتَنبني سالمًا قبلَ أن يُصيبَك منِّى عقوبةٌ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: سالمًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرِ بنِ درهمٍ أبو غسَّانَ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن عطية الجَدَلىِّ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: سالمًا (١).
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾: اجتنِبني سالمًا لا يصيبُك منِّى معرَّةٌ (٢).
وأولَى القولينِ (٣) بتأويلِ الآيةِ عندِى قولُ من قال: معنى ذلك: واهجُرني سويًّا، سليمًا من عقوبتِي؛ لأنَّه عَقيبُ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
وذلك وعيدٌ منه له إن لم ينتهِ عن ذكرِ آلهتِه بالسوءِ، أن يرجُمَه بالقولِ السيِّئ، والذى هو أولَى أن يَتبَعَ ذلك التقدُّمُ إليه بالانتهاءِ عنه قبلَ أن تنَالَه العقوبةُ، فأمَّا الأمرُ بطولِ هجرِه فلا وجهَ له.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال إبراهيمُ لأبيه حينَ توعَّده على نصيحتِه إيَّاه ودعائِه إلى اللهِ، بالقول السَّيِّئ والعقوبة: سلامٌ عليك يا أبتِ، يقولُ: أَمَنَةٌ منِّى لك أن أُعاودَك فيما كرِهتَ، ولِدُعائك إلى ما توعَّدتني عليه بالعقوبةِ، ولكنِّى ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾.
يقولُ: ولكنِّي سأسألُ ربى أن يستُرَ عليك ذنوبَك بعفوِه إيَّاك عن عقوبتِك عليها، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
يقولُ: إِنَّ رَبِّى عهِدته بي (١) لطيفًا يُجيبُ دعائى إذا دَعَوتُه.
يُقال منه: تحفَّى بى فلانٌ.
وقد بيَّنتُ ذلك بشواهدِه فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه ههنا (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
يقولُ: لطيفًا (٣).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
قال: إنَّه كان بي لطيفًا، الحفىُّ اللطيفُ.
وقولُه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: وأجتنِبُكم وعبادةَ ما تدعُون من دونِ اللهِ منَ الأوثانِ والأصنامِ، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [يقولُ: وأدعُو ربِّي] (٤) بإخلاصِ العبادِة له، وإفرادِه بالربوبيةِ؛ ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.
يقولُ: عسَى أن لا أشقَى بدعاءِ ربِّى، ولكن يُجيب دعائى ويُعطيني ما أسألُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا اعتزَل إبراهيمُ قومَه وعبادةَ ما كانوا يعبُدون من دونِ الله من الأوثانِ آنَسْنا وحشتَه من فراقِهم، وأبدَلناه منهم مَن (١) هو خيرٌ منهم وأكرمُ على اللهِ منهم، فوهَبنا له ابنَه إسحاقَ، وابنَ ابنِه يعقوبَ بنَ إسحاقَ، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
يقولُ: وجعلناهم كلَّهم -يعنى بالكلِّ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ- أنبياءَ.
وقال تعالَى ذكرُه: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
فوحَّد ولم يقلْ: أنبياءَ.
لتوحيدِ لفظ كلٍّ، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: ورزَقنا جميعَهم -يعنى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ- من رحمتِنا.
وكان الذى وهَب لهم من رحمتِه ما بسَط لهم فى عاجلِ الدنيا من سَعةِ رزقه، وأغناهم بفضلِه.
وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ورزَقناهم الثناءَ الحسنَ، والذكرَ الجميلَ من الناسِ.
كما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
يقولُ: الثناءُ الحسنُ (٢).
وإنَّما وصَف جلَّ ثناؤه اللسانَ الذى جعَل لهم بالعلوِّ؛ لأنَّ جميعَ أهلِ المللِ تُحسِنُ الثناءَ عليهم، والعربُ تقولُ: قد جاءنى لسانُ فلانٍ.
تعنى ثناءَه أو ذمَّه، ومنه قولُ عامرِ بنِ الحارثُ (٣): إنِّي أَتَتْنِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِهَا … مِنْ عَلْوَ لا عَجَبٌ مِنْها وَلا سَخَرُ ويُروَى: لا كَذِبٌ فيها ولا سَخَرُ.
جاءَتْ مُرجَّمةٌ قد كُنْتُ أَحْذَرُها … لَوْ كَانَ يَنْفَعُنِي الإشْفاقُ والحَذَرُ مرجمةً: يُظَنُّ بها.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكرْ يا محمدُ في كتابِنا الذي أنزلْنا إليك، موسى بنَ عمرانَ، واقصُص على قومِك نبأه؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾.
واختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (إِنَّهُ كانَ مُخْلِصًا).
بكسرِ اللامِ من المُخْلِص، بمعنى: إنَّه كان يُخلِص للهِ العبادةَ ويُفرده بالألوهةِ من غيرِ أن يَجعَل له فيها شريكًا، وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ خلا عاصمٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾.
بفتحِ اللامِ من مُخْلَصٍ، بمعنى أنَّ موسى كان اللهُ قد أخلَصه واصطفاهُ لرسالتِه، وجعله نبيًّا مرسلًا (١).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندِى أنَّه كان ﷺ مخلصًا عبادةَ اللهِ، مُخلَصًا للرسالة والنبوّة، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.
﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾.
يقولُ: وكان للهِ رسولًا إلى قومِه من بني إسرائيلَ، ومَن أرسَله إليه نبيًّا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ونادينا موسى من ناحيةِ الجبلِ، ويعنى بالأيمنِ يمينَ موسى؛ لأنَّ الجبلَ لا يمينَ له ولا شِمالَ، وإنَّما ذلك كما يقالُ: قام عن يمينِ القبلةِ وعن شمالِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾.
[قال: من جانبِ الجبلِ الأيمنِ] (١) (٢).
وقد بيَّنا معنى الطورِ واختلافَ المختلِفين فيه، ودلَّلنا على الصوابِ من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).
وقولُه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأدنيناه مُناجيًا.
كما يقالُ: فلانٌ نديمُ فلانٍ ومنادمُه، وجليسُ فلانٍ ومجالسُه، وذُكر أن اللهَ ﵎ أدناه حتَّى سمِع صريفَ القلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
قال: أُدْنِىَ حتى سمِع صريفَ القلمِ (١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكيرٍ (٢)، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، قال: أُراه عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
قال: بينَ السماءِ الرابعةِ -أو قال: السابعةِ- وبينَ العرشِ سبعون ألفَ حجابٍ؛ حجابُ نورٍ وحجابُ ظلمةٍ وحجابُ نورٍ وحجابُ ظلمةٍ.
وقال: فما زال يُقرِّبُ موسى حتى كان بينَه وبينَه حجابٌ، وسمِع صريفَ القلمِ؛ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٣) [الأعراف: ١٤٣].
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قرَّبه منه حتى سمِع صريفَ القلمِ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
قال: أُدْنِىَ حتى سمِع صريفَ القلمِ في الألواحِ (٥).
وقال سعيدٌ (٦): أردَفه جبريلُ ﵇ (٧).
وقال قتادةُ فى ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.
قال: نجا بصدقه (١).
وقولُه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
يقولُ: ووهبنا لموسى رحمةً منا أخاه هارونَ نبيًّا.
يقولُ: أيَّدناه بنبوَّتِه، وأعنَّاه بها.
كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
قال: كان هارونُ أكبرَ من موسى، ولكنْ أراد، وهَبَ له نبوَّتَه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ في هذا الكتابِ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ، فاقصُصْ خبرَه، إنَّه كان لا يكذِبُ وعدَه ولا يُخلِفُ، ولكنَّه كان إذا وعَد ربَّه أو عبدًا من عبادِه وعدًا، وفَّى به.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾.
قال: لم يعِدْ ربَّه عِدَةً إلا أنجَزها له (٣).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أَنَّ سهلَ بنَ عقيلٍ، حدَّثه أنَّ إسماعيلَ النبىَّ ﷺ وعَد رجلًا مكانًا أن يأتيَه، فجاء ونسِىَ الرجلُ، فظلَّ بهِ إسماعيلُ، وبات حتى جاء الرجلُ من الغدِ فقال: ما برحتَ من هاهنا؟
قال: لا.
قال: إنِّى نسيتُ.
فقال: لم أكنْ لأبرَحَ حتى تأتىَ.
فبذلك كان [صادقَ الوعدِ] (١).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكان يأمُرُ أهلَه بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وكان عندَ ربِّه مرضيًّا عملُه، محمودًا فيما كلَّفه ربُّه غيرَ مقصِّرٍ في طاعتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ فى كتابِنا هذا إدريسَ، [فاقصُصْ خبَرَه] (٢)، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقولُ الكذبَ، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحِى إليه من أمْرِنا ما نشاءُ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
ذُكِر أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه رفعَه وهو حىٌّ إلى السماءِ الرابعةِ، فذلك معنى قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
يعنى به: إلى مكانٍ ذى علوٍّ وارتفاعٍ.
وقال بعضُهم: رُفِع إلى السماءِ السادسةِ (٣).
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأل ابن عباسٍ كعبًا وأنا حاضرُه (١)، فقال له: ما قولُ اللَّهِ لإدريسَ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
فقال كعبٌ: أمَّا إدريسُ، فإنَّ الله أوحَى إليه: إنِّي أرفعُ (٢) لك في كلِّ يومٍ مثلَ جميعِ عمل بنى آدمَ فأحَبَّ أنْ يزدادَ عملًا، فأتاه خليلٌ له من الملائكةِ، فقال: إنَّ الله أوحَى إليَّ كذا وكذا، فكلِّمْ لى ملَكَ الموتِ فليؤخِّرْنى حتى أزدادَ عملًا.
فحمَله بين جناحَيهِ، ثم صعِد به إلى السماءِ؛ فلما كان في السماءِ الرابعةِ، تلقَّاهم ملَكُ الموتِ منحدِرًا، [فكلَّمه، وكلَّمه] (٣) ملَكُ الموتِ في الذي كلَّمه فيه إدريسُ؟
فقال: وأينَ إدريسُ.
قال: هو ذا هو (٤) على ظهرِى.
قال ملَكُ الموتِ: فالعجبُ، بعِثتُ [وقِيلَ لى] (٥): اقبضْ رُوحَ إدريسَ في السماءِ الرابعةِ.
فجعلتُ أقولُ: كيف أقبضُ رُوحَه في السماءِ الرابعة وهو في الأرضِ؟
فقبَض رُوحَه هناك، فذلك قولُ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٦).
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
قال: إدريسُ رُفع فلم يَمُتْ، كما رُفع عيسى (٧).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنَّه قال: ولم يَمُتْ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
قال: رفعِ إلى السماءِ السادسةِ، فمات فيها (١).
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: إدريسُ أدركَه الموتُ في السماءِ السادسةِ (٢).
وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
قال: السماءَ الرابعةَ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ الخدري ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
قال: في السماءِ الرابعةِ (٤).
وحدَّثنا على بنُ سهلٍ (٥)، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيره - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لمَّا أُسْرِى بالنبيِّ ﷺ صعِد به جبريلُ إلى السماءِ الرابعةِ، فاستفتحَ فقيل: مَن هذا؟
قال: جبريلُ.
قالوا: ومَن معكَ (١)؟
قال: محمدٌ.
قالوا: وَقَد أُرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِنْ خليفةٍ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المجيءُ جاء.
قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: هذا إدريسُ، رفَعَه اللهُ مكانًا عليًّا (٢).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ حدثَّ، أنَّه لما عُرج به إلى السماءِ قال: أتيتُ على إدريس في السماءِ الرابعةِ (٣).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءَهم في هذه السورةِ يا محمدُ، ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بتوفيقِه، فهداهم لطريقِ الرشدِ من الأنبياء ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾، ومن ذرِّيةِ من حمَلنا مع نوحٍ في الفُلكِ، ومن ذرِّيةِ له إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، ومن ذرِّيةِ إسرائيلَ، ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمانِ باللهِ والعملِ بطاعتهِ ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾.
يقولُ: وممن اصطفَينا واخترنا لرسالتِنا ووحيِنا، فالذي عنَى به من ذريَّةِ آدمَ إدريسُ، والذي عنَى به من ذريَّة من حملَنا مع نوحٍ إبراهيمَ، والذي عنَى به من ذريَّةِ إبراهيمَ إسحاقُ ويعقوبُ وإسماعيلُ، والذي عنَى بهِ من ذريَّةِ إسرائيلَ موسى وهارونُ وزكريَّا وعيسى وأمُّه مريمُ، ولذلك فرَّق تعالى ذكرُه أنسابَهم وإن كان يجمَعُ جميعَهم آدمُ ﷺ؛ لأنَّ فيهم مَن ليس من ولدِ من كان مع نوحٍ في السفينةِ، وهو إدريسُ، وإدريسُ جدُّ نوحٍ.
وقولُه تعالى ذكرُه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾.
يقولُ: إذا تُتلى على هؤلاء الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين أدلةُ اللهِ تعالى ذكرُه، وحججُه التي أنزَلها اللهُ (١) عليهم في كتبِه، خرُّوا اللهُ سجدًا، استكانةً له وتذلُّلًا وخضوعًا لأمرِه وانقيادًا له (١): ﴿وَبُكِيًّا﴾.
يقولُ: خرُّوا سجدًا وهم باكون، والبُكِيُّ: جمعُ باكٍ، كما العُتِيُّ جمعُ عاتٍ، والجِثِيُّ: جمعُ جاثٍ، فجُمِع وهو فاعلٌ على فُعولٍ، كما يُجمعُ القاعدُ "قُعُودٌ"، والجالسُ جُلُوسٌ، وكان القياسُ أن يكونَ: بُكويًا (٢) وعُتوًّا، ولكن كُرهتِ الواوُ بعدَ الضمةِ فقُلبت الواوُ (٣) ياءً، كما قيل في جمعِ دلوٍ: أدلٍ.
وفى جمعِ البهوِ: أبه.
وأصلُ ذلك أفْعُلٌ؛ أَدْلُو وأَبْهُو، فقلبت الواوُ ياءً لمجيئِها بعد الضمة استثقَالًا، وفى ذلك لغتانِ مستفيضتانِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةِ علماءُ من القرأةِ بالقرآنِ (بُكيًّا) و (عُتوًّا) بالضمِّ، (وبِكيًّا) و (عتِيًّا) بالكسرِ (٤).
وقد يجوزُ أن يكونَ البُكِيُّ هو البكاءُ بعينه.
وقد حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، [عن أبي معمرٍ] (١)، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ ﵀ سورةَ "مريمَ" فسجدَ فيها فقال: هذا السجودُ، فأين البُكِيُّ؟
يريد: فأين البكاءُ (٢).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فحدَث من بعدِ هؤلاء الذين ذكرْتُ من الأنبياءِ الذين أنعمتُ عليهم، ووصفتُ صفتَهم في هذه السورةِ، خلْفُ سَوءٍ خلَفوهم في الأرضِ أضاعُوا الصلاةَ.
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في صفةِ إضاعتِهم الصلاةَ؛ فقال بعضُهم: كانت إضاعتُهموها تأخيرَهم إيَّاها عن مواقيتِها، وتَطْبِيَعهم أوقاتَها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بن سعيدٍ (٣) الكنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن موسى بن سليمان، عن القاسمِ بن مخيمرةَ في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾.
قال: إنما أضاعوا المواقيتَ، ولو كان تركًا كان كفرًا (٤).
حدَّثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن القاسمِ ابن مخيمرةَ بنحوِه (١).
حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن أبي عمرٍو، عن القاسمِ بن مُخَيمرةَ، قال: أضاعوا المواقيتَ، ولو تركوها لصاروا بتركِها كفارًا.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن القاسمِ [بن مخيمرةَ في قولِه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾.
قال: لم يتركوا الصلواتِ، ولو تركوها لصاروا (٢) كفارًا، ولكنَّهم أضاعوا المواقيتَ وصلَّوا الصلواتِ لغيرِ وقتها (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، أَنَّ عمر بنَ عبدِ العزيزِ بعث رجلًا إلى مصرَ [في أمرِ عجلةٍ] (٤) للمسلمين، فخرَج إلى حرسِه، وقد كان تقدَّم إليهم أن لا يقوموا إذا رأَوْه، قال: فأوسعُوا له، فَجَلَس بينَهم فقال: أيكم يعرِفُ الرجل الذي بعثناه إلى مصر؟
قالوا: كلُّنا نعرفُه.
قال: فليقُمْ أحدَثُكم سنًّا، فليدعُه، فأتاه الرسولُ فقال: لا تعجِّلْني، أشدُّ عليَّ ثيابي.
فأتاه فقال له: إنَّ اليومَ الجمُعة، فلا تبرحنَّ حتى تصلىَ، وإنَّا قد بعَثْناك في أمرِ عجِلةٍ للمسلمين، فلا يُعْجِلَنَّك ما بعَثْناك له أن تؤخَّرَ الصلاةَ عن ميقاتِها، فإنَّك مصليها لا محالةَ، ثم قرَأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
ثم قال: لم يكنْ إضاعتُهم تركَها، ولكن أضاعوا الوقتَ (٥) حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ بن عبدِ الرحمنِ والحسنِ بن سعدٍ (١)، عن ابن مسعودٍ، أنه قيل له: إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعزَّ يُكثِرُ ذكرُ الصلاةِ في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥].
و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣].
و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤].
فقال ابن مسعودٍ: على مواقيتها.
قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على التركِ.
قال: ذاك الكفرُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عمر أبو حفصٍ الأبَّارُ، عن منصورِ بن المعتمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحدٌ على الصلاةِ الخمس فيُكتب من الغافلين، وفى إفراطهنَّ الهلكة، وإفراطهنَّ إضاعتهنَّ عن وقتِهنَّ (٣).
وقال آخرون: بل كانت إضاعتُهموها تركَها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾.
يقولُ: تركوا الصلاةَ (٤).
وأولى التأويلين في ذلك عندِى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: كانت (٥) إضاعتُهموها تركَهم إيَّاها لدلالةِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه بعدُ على أن ذلك كذلك، وذلك قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
فلو كان الذين وصَفهم بأنَّهم ضيَّعوها مؤمنين لم يستثنِ منهم من آمنَ، وهم مؤمنون، ولكنَّهم كانوا كفارًا لا يُصلُّون اللهِ، ولا يؤدُّون إليه (١) فريضةً، فسقةً قد آثروا شهواتِ أنفسِهم على طاعةِ اللهِ.
وقد قيل: إنَّ الذين وصفهم اللهُ بهذه الصفةِ قومٌ من هذه الأمِة يكونون في آخرِ الزمانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: عندَ قيامِ الساعةِ، وذَهابِ صالحى أمةِ محمدٍ ﷺ ينزُو بعضُهم على بعضٍ في الأزقَّةِ.
قال محمدُ بنُ عمرو: زِنًى.
وقال الحارثُ: زُناةً (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وقال: زنّى كما قال ابن عمرٍو (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ وعطاءِ بن أبي رباحٍ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
الآية قال: هم أمةُ محمدٍ (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيمَ (١) بن مهاجرٍ، [عن مجاهدٍ] (٢) في قولِ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هم في هذه الأمةِ يتراكَبُون تراكُبَ الأنعامِ (٣) في الطرقِ، لا يخافون الله في السماءِ، ولا يستحيُون من (٤) الناسِ في الأرضِ (٥).
وأمَّا قولُه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾؛ فإنَّه يعنى: أنَّ هؤلاء الخلْفَ الذين خلفُوا بعدَ أولئك الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين سيدخُلون غيًّا، وهو اسمُ وادٍ من أوديةِ جهنمَ، أو اسمُ بئرٍ من آبارِها.
كما حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادِ بن زبَّارٍ (٦)، قال: ثنا شرْقيُّ بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أمامةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثنا حديثًا سمِعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ، قال: فدعا بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لو أنَّ صخرةً زِنةَ عشْرِ عشراواتٍ (٧) قُذِفَ بها مِن شَفيرِ جهنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها خمسينَ خَرِيفًا، ثمَّ تنتَهى إلى غَيٍّ وأثامٍ".
قال: قلتُ: وما غَيٌّ وما أثامٌ؟
قال: بئران في أسفل جهنَّمَ يسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهُما اللَّتانِ ذكَرَ اللهُ في كتابه ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقولُه في "الفرقان": ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، ثنى عمرُو بنُ عاصم قال: ثنا المعتمر بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: واديًا في جهنَّمَ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدَة، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: واديًا في النارِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: نهرٌ في جهنَّمَ حَبيثُ الطعمِ بعيدُ القعرِ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةً، عن أبيه في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: الغيُّ: نهرُ جهنمَ في النارِ، يعذَّبُ فيه الذين اتَّبعوا الشهواتِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الأحوصِ (٢)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ (٣)، عن عبدِ اللَّهِ ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: نهرٌ في النارِ يُقذفُ (٤) فيه الذين اتبعوا الشهواتِ (٥).
وقال آخرون: بل عنَى بالغيِّ في هذا الموضعِ الخسرانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
يقولُ: خسرانًا (٦).
وقال آخرون: بل عنَى به الشرَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال: الغيُّ الشرُّ (١).
ومنه قولُ الشاعرِ (٢): فمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَه … ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائمَا وكلُّ هذه الأقوالِ مُتَقارباتُ المعنى (٣)، وذلك أن مَن وَرَد البِئرَيْنِ اللَّتَين ذكَرَهما النبيُّ ﷺ، والوادِىَ الذي ذكَرَه ابن مسعودٍ في جَهَنَّمَ، فدخَل ذلك، فقَد لَاقَى خُسْرانًا وشرًّا؛ حَسْبُه به شرًّا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فسوف يَلْقَى هؤلاءِ الخَلَفُ السوءُ الذين وصَف صفتَهم غَيًّا، إلا الذين تابوا منهم (٤) فراجَعوا أمرَ اللهِ، والإيمانَ بهِ وبرسولِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
يقولُ: وأطاع الله فيما أمرَه ونهاه عنه، وأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب محارِمَه ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.
يقولُ: فإن أولئك منهم خاصةً يَدْخُلون الجنةَ دونَ مَن هلَك منهم على كُفْرِه، وإضاعتِه الصلاةَ واتباعِه الشَّهواتِ.
وقولُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾.
يقولُ: ولا يُبْخَسُون من جزاءِ أعمالِهم شيئًا، ولا يُجْمَعُ بينَهم وبينَ الذين هَلَكوا من الخلَفِ السوءِ مِنهم قبلَ توبتِهم مِن ضلالتِهم (٥)، وقبلَ إنابتِهم إلى طاعةِ ربِّهم في جَهَنَّمَ، ولكِنَّهم يدخُلُون مُدخَلَ أهلِ الإيمانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: فأولئك يَدْخُلون الجنةَ (١) ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
وقولُه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ نُصِبَ ترجمةً عن الجنةِ.
ويعنى بقولِه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
بساتينَ إقامَةٍ.
وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه (٢).
وقولُه: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾.
يقولُ: هذه الجناتُ هي الجناتُ التي وعَد الرحمنُ عبادَه المؤمنين أن يدخُلُوها بالغَيْبِ؛ لأَنَّهم لم يَرَوْها ولم يُعاينوها، فهى غيبٌ لهم.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: إن الله كان وَعَدَه، ووَعْدُه في هذا الموضِعِ مَوْعودُه، وهو الجنةُ، ﴿مَأْتِيًّا﴾ يَأْتِيهِ أولياؤُه وأهلُ طاعتِه الذين يُدْخِلُهمُوها اللهُ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٣): خرَج الخبرُ على أن الوعدَ هو المأتيُّ، ومعناه: أنه هو الذي يأتى، ولم يَقُلْ: وكان وَعْدُه آتِيًا.
لأنَّ كلَّ ما أتاك فأنتَ تأتيه، وقال: ألا تَرَى أنَّك تقولُ: أتَيْتُ على خمسين سنةً، وأتَتْ عليَّ خمسون سنةً.
وكلُّ ذلك صوابٌ.
وقد بيَّنتُ القولَ فيه.
والهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾.
مِن ذِكْرِ الرَّحمنِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: لا يسمعُ هؤلاءِ الذين يدْخُلُون الجَنَّةَ فيها لَغْوًا؛ وهو الهَذْرُ (١) والباطلُ مِن القولِ والكلامِ، ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾.
وهذا من الاسْتِثْنَاءِ المُنْقَطِعِ، ومعناه: ولكِنْ يسْمَعون سلامًا.
وهو تحيةُ الملائكةِ إيَّاهم.
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً﴾.
يقولُ: ولهم طَعامُهم وما يَشْتَهون من المَطاعِمِ والمشارِبِ في قَدْرِ وقْتِ البُكرةِ مِن (٢) وَقْتِ العَشِيِّ من نَهَارِ أيامِ الدُّنيا، [وفى قدرِ وقتِ العشيِّ مِن وقتِ البُكْرةِ مِن نهارِ أيامِ الدنيا] (٣).
وإنَّما يعنى أن الذي بينَ غَدائِهم وعَشَائِهم في الجَنَّةِ قَدْرُ ما بينَ غداءِ أحَدِنا في الدُّنيا وعشائِه، وكذلك ما بينَ العَشاءِ والغَداءِ؛ وذلك لأنَّه لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نهارَ، وذلك كقولِه: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٨].
و ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤].
يعنى به: من أيامِ الدُّنيا (٤).
حدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سألتُ زُهَيرَ بنَ محمدٍ عن قولِ اللَّهِ جلَّ وعرَّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قال: ليس في الجَنَّةِ لَيْلٌ، هم في نورٍ أبدًا، ولهم مقدارُ اللَّيلِ والنهارِ، يَعْرِفون مِقْدَارَ الليلِ بإرخاءِ الحُجُبِ وإغلاقِ الأبوابِ، ويَعْرِفون مِقْدارَ النَّهارِ برَفْعِ الحُجُبِ، وفَتْحِ الأبوابِ (١).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن (٢) خُلَيدٍ، عن الحسنِ، وذكَرَ أبوابَ الجَنَّةِ، فقال: أبوابٌ (٣) يُرَى ظاهرُها من باطنِها، فَتَكَلَّمُ وتُكَلَّمُ، فتَفْهَمُهم (٤): انْفَتِحِى انْغَلِقى.
فتفعلُ (٥).
حدَّثني ابن حربٍ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عامرُ بنُ يِسَافٍ، عن يحيى، قال: كانت العربُ في زمانِهم مَن وجَد مِنهم عَشاءً وغَداءً، فذاك النَّاعِمُ في أنفسِهم، فأنزَلَ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: قدرَ ما بينَ غَدائِكم في الدُّنيا إلى عشائِكم (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قال: كانتِ العربُ إذا أصاب أحدُهم الغداءَ والعشاءَ عُجِبَ له، فأخبَرَهم اللهُ أن لهم (٧) في الجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا قدرَ ذلك الغَداءِ والعَشاءِ (٨).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس بكرةٌ ولا عَشِيٌّ، ولكن يُؤْتَون به على ما كانوا يَشْتَهون في الدُّنيا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: فيها ساعتان؛ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ (٢)، فإن (٣) ذلك لهم، ليس ثَمَّ ليلٌ، إنما هو ضَوْءٌ ونورٌ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: هذه الجنةُ التي وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ صِفَتَها، هي الجنةُ التي نُورِثُها.
يقولُ: نُورِثُ مساكِنَ أهلِ النارِ فيها من عِبادِنا ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.
يقولُ: من كان ذا اتِّقاءٍ عقابَ (٥) اللَّهِ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾.
ذُكِر أن هذه الآية نزَلت مِن أجلِ اسْتِبْطاءِ رسولِ اللهِ ﷺ جبريلَ ﵇ بالوَحْي، وقد ذكَرنا بعضَ الرِّوايةِ بذلك (٦)، ونَذْكُرُ إن شاء اللهُ باقىَ ما حضَرنا ذِكْرُه ممَّا لم نَذْكُرْه قبلُ.
ذِكْرُ [بعضِ الروايةِ بذلك] (١) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ (٢) بنُ أبانٍ العِجليُّ وقبيصةُ ووكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، جميعًا، عن عمرَ بن ذرٍّ، قال: سمِعتُ أبى يَذْكُرُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن محمدًا قال لجبريلَ: "ما يمنَعُك أن تَزُورَنا أكثَرَ ممَّا تَزُورُنا؟
".
قال (٣): فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
قال: هذا الجوابُ لمحمدٍ ﷺ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عمرُ بنُ ذرٍّ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أن النبيَّ ﷺ قال لجبريلَ: "ما يمنَعُكَ أن تَزُورَنا أكثَرَ ممَّا تَزُورُنا؟
".
قال (٣): فنزَلت [هذه الآيةُ] (٥): ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
قال: احتبس جبريلُ عن النبيِّ ﷺ، فوَجَد رسولُ اللهِ ﷺ من ذلك وحَزِن، فأتاه جبريلُ فقال: يا محمدُ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَبِث جبريلُ عن النبيِّ ﷺ، فكأنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَبْطَأه، فلمَّا أتاه قال له جبريلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾] (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾.
قال: هذا قولُ جبريلَ، احتَبس جبريلُ في بعضِ الوحى، فقال نبيُّ اللهِ ﷺ: "ما جِئْتَ حتى اشْتَقتُ إليك".
فقال له جبريلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
قال: قولُ الملائكةِ حينَ اسْتَراثَهم (٤) محمدٌ ﷺ، كالتى في "الضُّحَى" (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَبِث جبريلُ عن محمدٍ اثْنَتَى عشْرةَ ليلةً، ويقولون: قُلِىَ (١).
فلمَّا جاءه قال: "أي جبريلُ، لقد رِثْتَ عَليَّ؛ حتى (٢) ظنَّ المشرِكُون كُلَّ ظَنٍّ".
فنزَلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: جبريلُ (٤) احتَبَسَ عن نبيِّ اللهِ ﷺ حتى تكلَّم في ذلك المشركون، واشْتَدَّ ذلك على نبى اللهِ ﷺ فأتاه جبريلُ، فقال: اشْتَدَّ عليك احْتِبَاسُنا عنك، وتَكلَّم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، إذا أمرَنى بأمرٍ أطعْتُه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
يقولُ: بقولِ ربِّك (٥).
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: استَبطأ النبيُّ جبريلَ، فقال: "ما حَبَسَك"؟.
فقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبَّكَ﴾] (٦) (٧).
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: من الدُّنيا، وبقولِه: ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾، الآخِرَةِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: النَّفْخَتَين.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾.
يعنى: الدُّنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرةَ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ (١) النَّفخَتَين (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: من الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من أمْرِ (٣) الآخرةِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ النَّفْخَتَين (٤).
وقال آخرون: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الدُّنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ الدنيا والآخِرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدُّنيا (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن أَمْرِ الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: مِن أمْرِ الدُّنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ الدُّنيا والآخرةِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾.
[يقولُ: ما بينَ أيدينا] (١) من الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ النَّفْخَتَين (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن الآخِرَةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدُّنيا (٣).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾.
قال: ما مضَى أمامَنا من الدُّنيا.
﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: ما يكونُ بعدَنا من الدنيا والآخِرةِ.
﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
قال: ما بينَ ما مضَى أمامَهم، وبينَ ما يكونُ بعدَهم.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: قبلَ أن نُخْلَقَ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: بعدَ الفناءِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: حينَ كُنَّا.
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: معناه: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن أمرِ الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك لم يَجِئْ وهو جاءٍ، فهو بينَ أيْدِيهم، [وأنَّ] (٤) الأغلبَ في استعمالِ الناسِ إذا قالوا: هذا الأمْرُ بينَ يَدَيْكَ.
أنَّهم يعنون به ما لم يجِئْ وأنَّه جاءٍ، فلذلك قلنا: ذلك أولى بالصَّوابِ.
﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: مِن أمرِ الدُّنيا، وذلك ما قد خَلَّفوه فمضَى، فصار خَلْفَهم بتَخْلِيفِهم إيَّاه.
وكذلك تقولُ العربُ لِما قد جاوَزَه المرءُ وخَلَّفَه خلْفَه (١): هو خَلْفَه ووَراءَه.
﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ ما لم يمضِ مِن أمرِ الدُّنيا إلى الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك هو الذي بينَ ذَيْنِك الوَقتَين.
وإنما قُلنا: ذلك أولى التأويلاتِ به؛ لأنَّ ذلك هو الظاهرُ الأغلبُ، وإنما يُحمَلُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ من معانِيه، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له.
فتأويلُ الكلامِ إذنْ: فلا تَسْتَبطِئْنا يا محمدُ في تَخَلُّفِنا عنك، فإِنَّا (٢) لا نَتَنَزَّلُ من السماءِ إلى الأرضِ إلا بأمْرِ ربِّك لنا بالنُّزولِ إليها، للهِ ما هو حادثٌ مِنْ أمورِ الآخرةِ التي لم تأتِ وهى آتيةٌ، وما قد مضَى فخَلَّفْناه مِن أمرِ الدُّنيا، وما بينَ وقْتِنا هذا إلى قيامِ الساعةِ، بيدِه ذلك كلُّه، وهو مالكُه ومصرِّفُه، لا يملكُ ذلك غيرُه، فليس لنا أن نُحْدِثَ في سُلْطانِه أمرًا إلا بأمْرِه إيَّانا بهِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
يقولُ: ولم يكنْ ربُّك ذا نِسْيانٍ، فيتأخَّرَ نُزولى إليكَ بنِسيانِه إيَّاك، بل هو الذي لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ في السماءِ ولا في الأرضِ، ولكنّه أعلمُ بما يُدبِّرُ ويقْضِى في خلْقِه جلَّ ثناؤُه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
قال: ما نَسِيَكَ ربُّكَ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ ربُّك يا محمدُ ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما نَسِيًّا؛ لأنَّه لو كان نَسِيًّا لم يَسْتَقِمْ ذلك، ولَهلَك لولا حِفْظُه إيَّاه.
فالربُّ مرفوعٌ ردًّا على قولِه (١): ﴿رَبُّكَ﴾.
وقولُه: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾.
يقولُ: فالزمْ طاعتَه، وذِلَّ لأمْرِه ونَهْيِه، ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾.
يقولُ: واصبِرْ نَفْسَك على النفوذِ لأمْرِه ونَهْيِه، والعملِ بطاعتِه، تَفُزْ برضاه عنك، فإنَّه الإلهُ الذي لا مِثْلَ له ولا عِدْلَ ولا شبيهَ في جودِه وكَرَمِه وفَضْلِه.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
يقولُ: هل تعلمُ يا محمدُ لربِّك هذا الذي أمَرْناك بعبادَتِه، والصَّبرِ على طاعتِه مِثْلًا في كَرَمِه وجُودِه، فتعبدَه رجاءً فَضْلِه وطَوْلِه دونَه؟
كَلَّا، ما ذلك بموجودٍ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
يقولُ: هل تعلمُ للربِّ مِثْلًا أو (٢) شَبَهًا (٣).
حدَّثني سعيدُ بنُ عثمانَ التَّنوخِيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ مَهدِيٍّ، عن عبَّادِ بن عوَّامٍ، عن شُعبةَ، عن الحسنِ بن (١) عُمارةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
قال: شَبَهًا.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
قال: هل تعلمُ له شبهًا، هل تعلمُ له مِثْلًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: لا سَمِيَّ للهِ ولا عَدْلَ له، كلُّ خَلْقِه [يُقِرُّ له] (٣)، ويعرِفُ (٤) أنَّه خالِقُه، ويعرفُ ذلك.
ثم يقرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
يقولُ: لا شريكَ له ولا مِثْلَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ الإنسانُ الكافرُ الذي لا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ الموتِ: أُخْرَجُ حَيًّا فأُبْعثُ بعدَ المماتِ وبعدَ البِلَى والفناءِ!
إنكارًا منه ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى ذِكرُه: أوَ لا يَذْكُرُ الإنسانُ المتعجِّبُ من ذلك، المنكِرُ قدرةَ اللَّهِ على إحْيائِه بعدَ فَنائِه وإيجادِه بعدَ عَدَمِه في خلقِ نفْسِه، أن الله خلَقه من قبلِ مماتِه، فأنْشَأَه بَشَرًا سَوِيًّا من غيرِ شيءٍ، ولم يكنْ من قبلِ إنْشَائِه إيَّاه ﴿شَيْئًا﴾ فيَعْتَبِرَ بذلك ويَعْلَمَ أن مَن أنْشَأَه مِن غيرِ شيءٍ لا يَعْجِرُ عن إحيائِه بعدَ مماتِه وإيجادِه بعدَ فنائِه.
وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾.
بتخفيفِ الذالِ (١).
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ والحجازِ: (أوَلا يَذَّكَّرُ الإِنسانُ).
بتشديدِ الذالِ والكافِ (٢)، بمعنى: أو لا يتذكَّرُ.
والتَّشديدُ أعجبُ إليَّ وإن كانت الأخرى جائزةً؛ لأن معنى ذلك: أوَ لا يتفكَّرُ فيعْتَبِرَ؟
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: فوربِّك يا محمدُ لنَحشُرَنَّ هؤلاءِ القائلين: أئذا مِتْنا لَسوف نُخرَجُ أحياءً يومَ القيامةِ من قبورِهم، مُقَرَّنين بأوليائِهم من الشياطينِ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ والجثِيُّ جمعُ الجاثى.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.
يعني: القعودَ، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (٣) [الجاثية: ٢٨].
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنأخُذنَّ من كلِّ جماعةٍ منهم أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، وتمرُّدًا، فَلَنَبْدأَنَّ بهم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
قال: نبدأُ بالأكابرِ فالأكابرِ جُرْمًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
يقولُ: أيُّهم (٢) أشدُّ للرحمنِ (٣) معصيةً، وهى معصيتُه (٤) في الشِّركِ (٥).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
يقولُ: عِصِيًّا (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾.
قال أمةٍ.
وقولَه: ﴿عِتِيًّا﴾.
قال: كُفرًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزادَ فيه: قال ابن جريجٍ: فلَتَبْدَأَنَّ بهم (٢).
والشِّيعَةُ هم الجماعةُ المُتعاونون على الأمرِ مِن الأمورِ، يقالُ مِن ذلك: تَشايعَ القومُ.
إذا تَعاونوا، ومنه قولُهم للرجلِ الشجاعِ: إنه لمُشَيَّعٌ.
أي: هو (٣) مُعانٌ.
فمعنى الكلامِ: ثم لَنَنْزِعَنَّ مِن كلِّ جماعةٍ تَشايعت على الكفرِ باللهِ، أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، فَلَنَبْدَأنَّ بإصْلائِه جهنمَ.
والتَّشايُعُ في غيرِ هذا الموضعِ التفرُّقُ، ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾.
[الأنعام: ١٥٩، والروم: ٣٢] يعنى بها (٤) فِرَقًا.
ومنه قولُ ابن مسعودٍ أو سعدٍ (٥): إنى أكرَهُ أن آتىَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فيقولَ: شَيَّعْتَ بينَ أمتى.
بمعنى: فَرَّقْتَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنحن أعلمُ من هؤلاء الذين نَنْزِعُهم مِن كلِّ شيعةٍ أَوْلَاهم بشِدَّةِ العذابِ، وأَحَقَّهم بعظيمِ العقوبةِ.
وذُكِر عن ابن جريجٍ أنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾.
قال: أَوْلَى بالخلودِ في جهنمَ (١).
وهذا الذي قاله ابن جريجٍ قولٌ لا معنَى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر أن الذين ينزعُهم مِن كلِّ شيعةٍ مِن الكَفَرَةِ أشدُّهم كفرًا، ولا شكَّ أنه لا كافرَ باللهِ إلا مُخَلَّدٌ في النارِ، فلا وَجْهَ، وجميعُهم مُخَلَّدون في جهنمَ، لأن يقالَ: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم (٢) أحقُّ بالخلودِ مِن هؤلاء المُخَلَّدين.
ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أَوْلَى ببعضِ طبقاتِ جهنمَ صِلِيًّا.
"والصِّلِيُّ" مصدرُ: صَلَيْتَ تَصْلِى صِلِيًّا.
و"الصَّلِيُّ" فعولٌ، ولكنَّ واوَها انقلبَت ياءً فاندَغمت (٣) في الياءِ التي بعدَها التي هي لامُ الفعلِ، فصارت ياءً مشدَّدَةً.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن منكم أيُّها الناسُ إلا واردٌ جهنمَ، كان على ربِّك يا محمدُ، إيرادُهموها قضاءً مَقْضِيًّا، قد قَضَى ذلك وأوْجَبَه في أمِّ الكتابِ.
واختلَفَ أهل العلمِ في معنى "الورودِ" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الدخولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: أخبرَنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يُخاصِمُ نافعَ بنَ الأزرقِ، قال: فقال ابن عباسٍ: الوُرُودُ الدُّخُولُ.
وقال نافعٌ: لا.
قال: فقرَأ ابن عباسٍ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
أَوُرُودٌ هو أم لا؟
وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨].
أوُرُودٌ هو أم لا؟
أمَّا أنا وأنت فسندخُلُها، فانظُرْ هل نخرُجُ منها أم لا؟
وما أرى اللَّهَ مُخْرِجَك منها بتَكْذيبِك.
قال: فضَحِكَ نافعٌ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ بن أبى رباحٍ، قال: قال أبو راشدٍ الحَرُوريُّ: ذكَروا هذا، فقال الحَرُوريُّ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
[الأنبياء: ١٠٢].
قال ابن عباسٍ: وَيْلَك أمجنونٌ (٢) أنت؟
أين قولُه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؟
[وقولُه] (٣): ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾؟
قال (٤): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ واللهِ؛ إن كان دعاءُ مَن مَضَى: اللهمَّ أخرِجْنى مِن النارِ سالمًا، وأدخِلْنى الجنةَ غانمًا (٥).
قال ابن جريجٍ: يقولُ (٦): الورودُ الذي ذكَره اللَّهُ في القرآنِ الدُّخولُ، لَيَرِدَنَّها كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ، في القرآنِ أربعةُ أورادٍ: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: يعنى البَرَّ والفاجرَ، ألم تسمَعْ إلى قولِ اللَّهِ لفرعونَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؟
قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، فسَمَّى الوِرْدَ (١) في النارِ دُخُولًا، وليس بصادرٍ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن بَكَّارِ بن أبى مروانَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: قال أهلُ الجنةِ بعدَ ما دَخَلوا الجنةَ: ألم يَعِدْنا ربُّنا الورودَ على النارِ؟
قال: قد مَرَرْتُم عليها وهى خامدةٌ (٣).
قال ابن عرفةَ، قال: مروانُ، قال بَكَّارُ بنُ أبى مروانَ، أو قال: جَامدةٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا مرحومُ بنُ عبد العزيزِ، قال: ثنى أبو عمرانَ الجَوْنيُّ، عن أبي الجَلْدِ (١) قال: تكونُ الأرضُ يومًا نارًا، فماذا (٢) أعددتُم لها؟
قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُريريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن غنيمِ (٤) بن قيسٍ، قال: ذَكَروا ورودَ النارِ، فقال كعبٌ: تُمْسَكُ النارُ للناسِ كأنها متنُ إهالةٍ (٥)، حتى يستوىَ عليها أقدامُ الخلائقِ، بَرِّهم وفاجرِهم، ثم يُناديها مُنادٍ: أن أمْسِكى أصحابَك، ودَعِى أصحابى.
قال: فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، ولَهِىَ أعلمُ بهم مِن الرجلِ بولدِه، ويخرُجُ المؤمنون نَدِيَّةً ثيابُهم (٦).
قال: وقال كعبٌ: ما بينَ مَنْكِبَى الخازنِ مِن خَزَنتِها مسيرةُ سنةٍ، مع كلِّ واحدٍ منهم عمودٌ [له شُعْبَتان] (٧)، يَدْفَعُ به الدَّفْعةَ، فيَصرعُ به في النارِ سبعَمائةِ ألفٍ (٨).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن (٩) يَمانٍ، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن أبى إسحاقَ، قال: كان أبو مَيْسرةً إذا أَوَى إلى فراشِه، قال: يا ليتَ أمى لم تَلِدْنى.
ثم يَبْكى، فقيل: وما يُبْكِيك يا أبا مَيْسرةَ؟
قال: أُخْبِرنا أنَّا واردُوها، ولم نُخْبَرْ (١) أَنَّا صادرون عنها (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: بَكَى عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ في مرضِه، فبَكَتِ امرأتُه، فقال لها (٣): ما يُبْكِيكِ؟
قالت: رأيتُك [تَبْكى فبكيتُ] (٤).
قال ابن رواحةَ: إنى قد علمتُ أنى واردٌ النارَ، فما أدرى أناجٍ منها أنا أم لا (٥)؟
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السُّدِّيَّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
قال: داخِلُها (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَ﴾ قال: يَدْخُلُها (٧).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيينةَ، عن إسماعيلَ ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةً واضعًا رأسَه في حجرِ امرأتِه، فبَكَى، فبَكَتِ امرأتُه، فقال: ما يُبْكِيكِ؟
قالت: رأيتُك تَبْكى فبَكَيتُ.
قال: إنى ذكرتُ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فلا أَدْرِى أَننجو (١) منها أم لا (٢)؟.
وقال آخرون: بل هو المَمَرُّ (٣) عليها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: يعنى جهنمَ، مَرُّ الناسِ عليها.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المَمرُّ عليها (٤).
حدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
قال: الصراطُ على جهنمَ مثلُ حَدِّ السيفِ، فتَمُرُّ الطبقةُ الأولى كالبرقِ، والثانيةُ كالريحِ، والثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجْودِ البهائمِ، ثم يَمُرُّون والملائكةُ يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ (٥).
وقال آخرون: [بل الورودُ هو] (١) الدُّخُولُ، [ولكنه عنى] (٢) الكفارَ دونَ المؤمنين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ السائبِ، عن رجلٍ سَمِع ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (وَإِن منهم (٣) إِلَّا وَارِدُهَا): يعنى الكفارَ.
قال: لا يَرِدُها مؤمنٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال ثنا عمرُ (٥) بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقرأُ (٦): (وَإِن منهم (٧) إلا وَارِدُها): يعنى الكفارَ (٨).
وقال آخرون: بل الوُرُودُ عامٌّ لكلِّ (٩) مؤمنٍ وكافرٍ، غيرَ أن ورودَ المؤمنِ المرورُ، وورودَ الكافرِ الدخولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
قال: ورودُ المسلمين المرورُ على الجسرِ بينَ ظَهْرَيْها، وورودُ المشركين أن يَدْخلوها.
قال: وقال النبيُّ ﷺ: "الزَّالُّونَ والزَّالَّاتُ يومَئذٍ كثيرٌ، وقد أحاطَ بالجِسْرِ سِماطانِ مِن الملائكةِ، دَعْواهم (١) يومَئذٍ: يا أللهُ سَلِّمْ سَلِّمْ" (٢).
وقال آخرون: ورودُ المؤمنِ (٣) ما يُصِيبُه في الدنيا مِن حُمَّى ومرضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن عثمانَ بن الأسْودِ، عن مجاهدٍ، قال: الحُمَّى حَظُّ كلِّ مؤمنٍ مِن النارِ.
ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤).
حدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعِيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بن تميمٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبيدِ اللَّهِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعودُ رجلًا مِن أصحابِه [وَعِكًا] (٥) وأنا معه، ثم قال: "إن الله يقولُ: هي نَارِى أُسَلِّطُها على عبدى المؤمنِ، لتكونَ حَظَّه مِن النارِ في الآخرةِ" (٦).
وقال آخرون: يَرِدُها الجميعُ ثم يَصْدُرُ عنها المؤمنون بأعمالِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثنى السديُّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
قال: يَرِدُونها ثم يَصْدُرون عنها بأعمالِهم (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن عبدِ الملكِ، عن (٣) عبيدٍ اللهِ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ عندَ ابن عباسٍ، فأتاه رجلٌ يقالُ له: أبو راشدٍ، وهو نافعُ بنُ الأزرقِ، فقال له: يا بنَ عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾؟
فقال: أما أنا وأنت يا أبا راشدٍ فسَنَرِدُها، فانظُرْ هل نَصْدُرُ عنها أم لا (١)؟!
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ (٢)، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن الورودِ، فقال: نحن يومَ القيامةِ على [كوى أو كُدًى] (٣)، فوقَ الناسِ، فتُدْعَى الأممُ بأوْثانِها وما كانت تعبُدُ، الأولُ فالأولُ، فينطلِقُ بهم ويَتَّبِعونه.
قال: ويُعْطَى كلُّ إنسانٍ منافقٍ ومؤمنٍ نورًا، وتَغْشَى ظلمةٌ، ثم يَتَّبِعونه، وعلى جِسْرِ جهنمَ [حَسَكٌ و] (٤) كَلالِيبُ تأخُذُ مَن شاء اللهُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، ويَنْجو المؤمنون، فتَنْجو أولُ زمرةٍ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وسبعون ألفًا لا حسابَ عليهم، ثم الذين يَلُونهم كأضْوَأَ نَجْمٍ في السماءٍ، ثم كذلك، ثم تَحِلُّ الشَّفاعةُ، فيَشْفَعون، ويخرجُ مِن النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ.
ممن في قلبِه وزنُ شَعيرةٍ مِن خيرٍ، ثم يُلْقَون تلقاءَ الجنةِ، ويُهَرِيقُ عليهم أهلُ الجنةِ الماءَ، فيَنْبُتون نباتَ الشئِ في السَّيْلِ، ثم يسألون، فيُجْعَلُ لهم الدنيا وعَشَرَةُ أمثالِها (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المباركِ (١)، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ لأخيه: هل أتاك بأنك واردٌ النارَ؟
قال: نعم.
قال: فهل أتاك أنك صادرٌ عنها؟
قال: لا.
قال: فقِيمَ الضَّحِكُ؟
قال: فما رُئى ضاحكًا حتى لَحِقَ باللهِ (٢).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنى ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن بُكَيرًا حَدَّثه أنه قال لبُسْرِ (٣) بن سعيدٍ: إن فلانًا يقولُ: إن [ورودَ النارِ] (٤) القيامُ عليها.
قال بُسْرٌ: أمَّا أبو هريرةَ فسمعتُه يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ فيجتمعُ الناسُ، نادَى مُنادٍ: ليلحَقْ كلُّ أناسٍ (٥) بما كانوا يعبدون.
فيقومُ هذا إلى الحَجَرِ، وهذا إلى القوسِ (٦)، وهذا إلى الخشبةِ، حتى يبقى الذين يعبدون الله، فيأتيهم اللهُ ﵎، فإذا رَأَوه قاموا إليه، فيُذهبُ بهم فيُسْلَكُ بهم على الصَّراطِ، وفيه عُلَّيْقٌ (٧)، فعندَ ذلك يؤذنُ بالشفاعةِ، فيَمُرُّ الناسُ والنبيون يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
قال بكيرٌ: فكان ابن عَميرةَ (٨) يقولُ: فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، ومُكدَّسٌ (١) في جهنمَ، ومَخْدوشٌ ثم ناجٍ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: يَرِدُها الجميعُ ثم يصدُرُ عنها المؤمنون فيُنَجِّيهم اللهُ، ويَهْوِى فيها الكفارُ.
وورودُهموها هو ما تَظاهرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن مرورِهم بها (٢) على الصِّراطِ المنصوبِ على مَتْنِ جهنمَ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومُكَدَّسٌ فيها.
ذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ امرأةِ زيدِ بن حارثةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ وهو في بيتِ حفصةَ: "لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحديبية".
قالت (٢): فقالت حفصةُ: يا رسولَ اللهِ، أليس اللهُ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فمَهْ (٣) [﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾] (٤) (٥) ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ مدركٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بمثلِه (٦).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن حفصةً، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنى لأَرْجو ألا يَدْخُلَ النارَ [إن شاء اللهُ] (١) أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيْبِيةَ".
قالت: فقلتُ (٢): أليس اللهُ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟
قال: "فلم تَسْمَعِيه يقولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ المغيرةِ بن مُعَيْقيبٍ (٤)، عن سليمانَ بن عمرٍو بن عبدٍ العُتْوارِيِّ، [أحدُ بنى] (٥) ليثٍ، وكان في حَجْرِ أبى سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يُوضَعُ الصِّرَاطُ بينَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدانِ (٦)، ثم يَسْتَجِيزُ النَّاسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَجْروحٌ به، ثم ناجٍ ومُحْتَبَسٌ ومُكَدَّسٌ فيها، حتى إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن القضاءٍ بينَ العبادِ (٧) تَفَقَّدَ المؤمنون رجالًا كانوا معهم في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَهم، ويُزَكُّون زكاتَهم، ويَصومون صِيامَهم، ويَحُجُّون حَجَّهم، ويَغْزُون غَزْوَهم، فيقولون: أي ربَّنا، عبادٌ مِن عبادِك كانوا معنا في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَنا، ويُزَكُّون زكاتَنا، ويَصُومون صِيامَنا، ويَحُجُّون حَجَّنا، ويَغْزُون غَزْوَنا لا نَرَاهم؟!
فيقولُ: اذْهَبوا إلى النارِ، فمَن وَجَدْتُم (١) فيها منهم فأخْرِجوه (٢).
فيَجِدُونهم قد أخَذَتْهم النارُ على قَدْرِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن أخَذَتْه النارُ إِلى قَدَمَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى نصفِ ساقَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى رُكْبَتَيْهِ، [ومنهم من أزَرَتْه] (٣)، ومِنهم مَن أَخَذَتْه إِلَى ثَدْيَيْهِ (٤)، ومنهم مَن أخَذَتْه إلى عُنُقِه، ولم تَغْشَ الوُجُوهَ، فيَسْتَخْرِجُونهم منها، فيَطْرَحُونَهم في ماءِ الحياةِ".
قيل: وما ماءُ الحياةِ يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: "غُسْلُ أهلِ الجنةِ".
قال (٥): "فيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الزَّرْعَةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، ثم تَشْفَعُ الأنبياءُ في كلِّ مَن كان يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ مُخْلِصًا، فيَسْتَخْرِجونهم منها (٦)، ثم يَتَحَنَّنُ اللَّهُ برحمتهِ على مَن فيها، فما يَتْرُكُ فيها عبدًا في قلبِه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن الإيمانِ إلا أخْرَجَه منها" (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، [عن خالدِ بن يزيدَ، عن] (٨) ابن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يُؤْتَى بالجِسْرِ - يعنى يومَ القيامةِ - فَيُجْعَلُ بينَ ظَهْرَىْ جهنمَ".
قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، وما الجِسْرُ؟
قال: "مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عَقِيفاءُ (١) تكونُ بِنَجْدٍ، يقالُ لها: السَّعْدانُ.
يَمُرُّ المؤمنون عليها كالطَّرْفِ وكالبَرْقِ وكالرِّيحِ، وكأجَاويدِ الخيلِ والرِّكَابِ (٢)، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَحْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ (٣) في جهنمَ، ثم يَمُرُّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشَدَّ مُناشَدَةً لي في الحقِّ، قد تَبَيَّن لكم مِن المؤمنين يومَئذٍ للجبَّارِ ﵎، إذا رَأَوهم قد نَجَوْا وبَقِيَ إخوانُهم" (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ كثيرِ بن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن أبي الزبيرِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الوُرُودِ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "هو الدُّخولُ، يَرِدُون النارَ حتى يَخْرُجوا منها، فَآخِرُ مَن يَبْقَى رجلٌ على الصِّراطِ يَرْحَفُ، فيَرْفَعُ اللَّهُ ﵎ له شَجَرَةً، قال: فيقولُ: أي ربِّ، أدْنِني منها.
قال: فيُدْنيه الله، ﵎ منها، قال: ثم يقولُ: أي ربِّ، أَدْخِلْني الجنةَ.
قال: [فيُدْخِلُه الجنةَ.
قال:] (٥) فيقولُ: سَلْ.
قال: فيسألُ.
فيقولُ: ذلك لك وعَشَرَةُ أضْعافِه، أو نحوها.
قال: فيقولُ: يا ربِّ، تَسْتَهْزِئُ بي؟
قال: فيَضْحَكُ حتى تَبْدوَ لَهَواتُه وأَضْراسُه" (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيدٍ، عن رِشْدينَ، جميعًا عن زَبّانَ (٧) بن فائدٍ، عن سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَنْ حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل اللهِ مُتَطَوِّعًا، لا يأخُذُه سُلطانٌ بحرسٍ، لم يَرَ النار بعَيْنِه إلا تَجلَّةَ القَسَم، فإن الله جلّ وعزّ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، أخبَرني الزهريُّ، عن ابن المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ ماتَ له ثلاثةٌ لم تَمَسَّه النارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَم".
يعنى الوُرُودَ (٢).
وأما قولُه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: كان على ربِّك قضاءً مَقْضِيًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتْمًا﴾.
قال: قضاةً (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
قال: قضاءً.
وقال آخرون: بل معناه: كان على ربِّكَ قَسَمًا واجبًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السديِّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
قال: قَسَمًا واجبًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
يقولُ: قَسَمًا واجبًا.
وقد بَيَّنْتُ القولَ في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم تنحى مِن النارِ بعدَ ورودِ جميعِهم إياها، ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخافوه بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ مَعاصِيه، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: ونَدَعُ الذين ظَلَموا أنفسَهم، فعَبَدوا غيرَ اللهِ وعَصَوا ربَّهم، وخالَفوا أمْرَه ونَهْيَه في النارِ ﴿جِثِيًّا﴾.
يقولُ: بُرُوكًا على رُكَبِهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ على رُكبهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
قال: على رُكَبِهم (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
قال: الجِثِيُّ شَرُّ الجلوسِ، لا يجلسُ الرجلُ جاثيًا إلا عندَ كَرْبٍ ينزِلُ به (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾: إن الناسَ ورَدوا جهنمَ وهى سوداءُ مُظلِمَةٌ؛ فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتُهم، فأُنْجوا منها، وأما الكفارُ فَأَوْبَقَتْهم أعمالُهم، واحْتُبِسوا بذنوبهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى﴾ على الناسِ ﴿آيَاتُنَا﴾ التي أنزلْناها على رسولِنا محمدٍ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾، يعني واضحاتٍ لمَن تأمَّلها وفَكَّر فيها أنها أدلةٌ على ما جَعَلها الله أدلةٌ عليه لعباده، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ وبكتابِه وآياته وهم قريشٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
بذلك (٣) فصَدَّقوا به وهم أصحابُ محمدٍ، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾.
يعني بالمقَامِ: موضعَ إقامتِهم، وهى مساكنُهم ومنازلُهم، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وهو المَجْلِسُ.
يقالُ منه: نَدَوتُ القومَ أَنْدُوهم نَدْوً إِذا جَمَعتَهم في مجلسٍ.
يقالُ: هو في نَدِيِّ قومه وفي نادِيهم، بمعنًى واحدٍ، ومِن النَّدِيِّ قولُ حاتمٍ (١): ودُعِيتُ في أُولى النَّدِيِّ ولم … يُنْظَرْ إِليَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ وتأويلُ الكلامِ: وإذا تُتْلَى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ، قال الذين كَفَروا للذين آمنوا: أيُّ الفريقَين مِنَّا ومنكم أوسَعُ عَيْشًا، وأنعمُ بالًا، وأفضلُ مَسْكَنًا، وأحسنُ مَجْلِسًا، وأجمعُ عددًا وغاشِيةً في المجلسِ، نحن أم أنتم؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
قال: المَقَامُ المَنْزِلُ، والنَّدِى المجلسُ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ بمثله.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
قال: المقامُ المَسْكَنُ، والنَّديُّ المجلسُ والنعمةُ والبَهْجةُ التي كانوا فيها، وهو كما قال اللهُ لقومِ فرعونَ حينَ أَهْلَكَهم وقَصَّ شأنَهم في القرآنِ قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ (١) وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥، ٢٦].
فالمقامُ المسكنُ والنعيمُ، والنَّدِيُّ المجلسُ والمَجْمَعُ الذي كانوا يَجْتَمِعون فيه، وقال اللهُ فيما قَصَّ على رسولِه في أمرِ لوطٍ إذ قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.
والعرب تُسمِّي المجلس النادِيَ (٢).
حدَّثني عليٌّ؛ قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، يقولُ: مجلسًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾.
قال: قريشٌ تقولُها لأصحابِ محمدٍ ﷺ.
﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
قال: مجالسُهم يقولونه أيضًا (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: رَأَوا أصحابَ محمدٍ ﷺ في عَيْشِهِم خُشُونةً، وفيهم قَشَافةً، فَعَرَّضَ أَهلُ الشركِ بما تَسْمَعون، قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
يقولُ: مجلسًا (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
[قال: خيرٌ مكانًا وأحسنُ مجلسًا (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾] (٢).
قال: النَّدِيُّ المجلسُ.
وقرأ قولَ اللهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧].
قال: مجلسَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهلَكنا يا محمدُ قبلَ هؤلاء القائلين مِن أهلِ الكفرِ للمؤمنين، إذا تُتلَى عليهم آياتُ الرحمنِ: أيُّ الفريقين خيرٌ منازلَ (٣) وأحسنُ (٤) مجالسَ مِن قرنٍ هم كانوا أكثرَ متاعَ منازلَ مِن هؤلاءِ، وأحسنَ منهم منظرًا وأجملَ صورًا، فأهلكنا أموالَهم، وغيَّرنا صورهم.
ومن ذلك قولُ علقمةَ بنَ عَبَدَةَ (٥): كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوَانِ نَشَرْتَهُ … لبَيعِ الرِّدَاءِ (٦) فِي الصُّوَانِ المُكَعَّبِ يعنى بالصوانِ: التختَ الذي تصانُ فيه الثيابُ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
قال: الرِّئْىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعْ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الرئىُ المنظرُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: قولَه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾، مالًا، وقولُه: ﴿وَرِئْيًا﴾.
يقولُ: منظرًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
قال: الأثاثُ: أحسنُ المتاعِ، والرِّئىُ.
قال: المالُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
أي: أكثر متاعًا وأحسنُ [مَرآة ومنظرًا] (٣)، فأهلكَ اللهُ أموالَهم، وأفسَد صورَهم عليهم، تبارَك وتعالى.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
قال: أحسنُ صورًا، وأكثر أموالًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى.
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَثَاثًا﴾.
قال: المتاعُ، ﴿وَرِئْيًا﴾.
قال: فيما يَرَى الناسُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
حدَّثنا ابن حميدٍ وبشرُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ الحسنُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرِئْيًا﴾: منظرًا في اللونِ والحُسنِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
قال: الرئىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعُ؛ أحسنُ متاعًا، وأحسنُ منظرًا.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ] (٣) في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾.
يعنى المالَ، ﴿وَرِئْيًا﴾.
يعني المنظرَ الحسنَ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (وَرِيًّا) (١).
غيرَ مهموزٍ، وذلك إذا قُرِئ كذلك يتوجِّه لوجهين؛ أحدُهما أن يكونَ قارتُه أراد الهمزةَ، فأبدَل منها ياءً، فاجتمَعَتِ الياءُ المُبدلةُ من الهمزِ والياءُ التي هي لامُ الفعلِ فأُدغِمتا فجُعِلتا ياءً واحدةً مشددةً؛ ليُلْحِقُوا ذلك - إذ كان رأسَ آيةٍ - بنظائِره من سائرِ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه.
والآخرُ أن يكونَ مِن: رَوَّيْتُ أُرَوِّي رَوِيَّةً ورِيًّا.
وإذا أُريدَ به ذلك كان معنى الكلامِ: وكم أهلَكنا قبلَهم مِن قرنٍ، هم أحسنُ متاعًا، وأحسنُ نظرًا لمالِه، ومعرفةً بتدبيره (٢).
وذلك أن العربَ تقولُ: ما أحسنَ رَوِيَّةَ فلانٍ في هذا الأمرِ.
إذا كان حسنَ النظرِ فيه والمعرفةِ به.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَرِئْيًا﴾ (٣).
بهمزِها، بمعنى رؤيةِ العينِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا ومَرآةً.
وحُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه: (أحسنُ أثاثًا وزِيًّا) (٤).
بالزايِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا وهيئةً ومنظرًا.
وذلك أن الزِّيَّ هو الهيئةُ والمنظرُ، من قولِهم: زيَّيتُ الجاريةَ.
بمعنى: زيَّنتُها وهيَّأتُها.
وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ (٥).
بالراءِ والهمزِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلَ التأويلِ على أن معناه المنظرُ، وذلك هو من رؤيةِ العينِ، لا من الرَّوِيَّةِ؛ فلذلك كان الهمزُ به أولى، فإن قرَأ قارىُ ذلك بتركِ الهمزِ وهو يريدُ هذا المعنى، فغير مخطئٍ في قراءتِه.
وأما قراءةُ مَن قرَأ بالزايِ فقراءةٌ خارجةٌ عن قراءةِ القرآةِ، فلا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءَتَهم، وإن كان لها (١) في التأويلِ وجهٌ صحيحٌ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في الأثاثِ، أجمعٌ هو أم واحدٌ؟
فكان الأحمر (٢) فيما ذُكِر لى عنه يقولُ: هو جمعٌ واحدتُها أَثاثةٌ، كما الحمامُ جمعٌ واحدتُها حمامةٌ، والسحابُ جمعٌ واحدتُها سحابةٌ.
وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: لا واحدَ له، كما أن المتاعَ لا واحدَ له.
قال: والعربُ تجمعُ المتاعَ: أمتِعَةٌ، وأماتيعُ، ومُتُعٌ.
قال: ولو جمعتَ الأثاثَ لقلتَ: ثلاثةُ آثِّةٍ وأُثُتٍ (٣).
وأما الرِّئيُ فإن جمعَه: أَرآءُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشرِكين بربِّهم، القائِلين إذا تُتْلَى عليهم آياتُنا: أيُّ الفريقين منا ومنكم خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديًّا، مَن كان مِنا ومِنكم في الضلالة جائرًا عن الطريقِ الحقِّ، سالِكًا غير سبيلِ الهدى، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.
يقولُ: فَلْيُطوِّلْ له اللهُ في ضلالتِه، وليُمْلِه فيها إملاءً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.
فليَدَعْهُ اللهُ في طغيانِه (١).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: مَن كان منا ومنكم في الضلالةِ، فليُمْل (٢) له الرحمنُ في ضلالتِه إلى أن يأتيَهم أمرُ اللهِ؛ إما عذابٌ عاجلٌ، أو يَلقَوا ربَّهم عند قيامِ الساعةِ التي وعَد اللهُ خلْقَه أن يجمعَهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعدُ اللهِ بأحدِ هذين الأمْرين ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، ومسكنًا منكم ومنهم ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ أهم أم أنتم، ويتبَيَّنون (٣) حينئذٍ أي الفريقين خيرٌ مقامًا، وأحسنُ نديًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلِ الرشدِ، فآمَن بربِّه، وصدَّق بآياتِه، فعمِلَ بما أمرَه اللهُ به، وانتهى عما نهاه عنه ﴿هُدًى﴾ بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التي يَفْرِضُها عليه، [والأعمالِ التي يُوجبها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه] (١)، ويُقرُّ بلزومِ فرضِها إياه، ويعملُ بها، فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكرُه في اهتدائِه بآياتِه هدًى على هداه.
وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا.
وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ (٣) بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس النبيُّ ﷺ ذات يومٍ، فأخذ عودًا يابسًا، فحَطّ ورقَه ثم قال: "إِنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يَحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ".
قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إذا ذكَر هذا الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ الله، ولأُكبرنَّ الله، ولأُسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهلُ حَسب أني مجنونٌ (١).
لقولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفرأيْتَ يا محمدُ الذِي كَفَرَ بأَدِلَّتِنا (٢) وحججِنا فلم يصدِّقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا.
وذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن خَبّابٍ، قال: كنت رجلًا قَيْنًا (٣)، وكان لي على العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فأَتيتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ.
قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ (١)، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ.
قال: فأنزَل الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٢).
حدَّثني به أبو السائبِ، وقرَأ في الحديثِ: وولدًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَطْلُبون العاصَ بنَ وائلٍ السَّهْميَّ بدَيْنٍ، فأتَوه يتقاضَوْنَه، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أن في الجنةِ فِضَّةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟
قالوا: بلى.
قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به.
فضرَب الله مثَلَه في القرآنِ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى.
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
قال العاصُ بنُ وائلٍ يقولُه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، مثله.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فذُكِر لنا أن رجلًا (١) من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟
قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ، فواللهِ لا أُومنُ بكتابِكم الذي جئتم به - استهزاءً بكتابِ اللهِ - ولأُوتَينَّ مالًا وولدًا.
يقولُ الله ﷿: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ: كنت قَينًا بمكةَ، فكنت أعملُ للعاصِ بن وائلٍ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ.
قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ.
قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ.
قال: فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل الله تبارَك و تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٢).
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَوَلَدًا﴾.
فقرَأته عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفة: ﴿وَوَلَدًا﴾.
بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ (٣).
غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ "نوحٍ" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ وَوُلْدُهُ) [نوح: ١٢] (١).
وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصمٍ، فإنهم قَرءوا من هذه السورةِ من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى آخرِ السورةِ، والتي (٢) في "الزخرفِ"، والتي في "نوحٍ" بالضمِّ وسكونِ اللامِ (٣).
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه، فقال بعضُهم: ضمُّها وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولهم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ.
واستشهدوا لقيلهم ذلك بقولِ الشاعر (٤): فليت فُلانًا كان في بطنِ أُمِّهِ … وليت فُلانًا كان وُلدَ حِمارِ ويقول الحارثُ بنُ حِلِّزةَ (٥): وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا … قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدًا وقولُ رُؤْبةَ (٦): الحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا … لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا وتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ (٧).
قال: وهذا كلُّه واحدٌ، بمعنى الوَلَد.
وقد ذُكِر لى (٨) أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا.
ولعلَّ الذين قرَءوا ذلك بالضمِّ فيما اختاروا فيه الضمَّ، إنما قرَءوه كذلك ليفرُقوا به بين الجمعِ والواحدِ.
والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك عندى أن الفتحَ في الواوِ من الوَلدِ والضمَّ فيها بمعنًى واحدٍ، وهما لغتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الفتحَ أشهرُ اللغتَين فيهما؛ فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ لذلك.
وقولُه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أَعَلِمَ هذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ الغيبِ، فعَلِم أنَّ له في الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علمِ ما غاب عنه؟
﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
يقولُ: أَمْ آمَن باللهِ وعمِل بما أمَرهُ به، وانتهَى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدًا أن يؤتيه ما يقولُ من المال والولد؟.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
بعملٍ صالحٍ قدَّمه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمرُ كذلك، ما اطَّلَع الغيبَ، فعَلِم صدقَ ما يقولُ، وحقيقةَ ما يَذْكُرُ، ولا اتخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا بالإيمان به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه، بلْ كذَّب وكفَر.
ثم قال تعالى ذكْرُه: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾.
يقولُ: سنكتُبُ ما يقولُ هذا الكافرُ بربِّه، القائلُ: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مالًا وَوَلَدًا.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.
يقولُ: ونَزِيدُه من العذابِ في جهنمَ بقيلِه الكذبَ والباطلَ في الدنيا، زيادةً على عذابِه؛ بكفْرِه بالله.
وقولُه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾.
يقولُ جل ثناؤه: ونُهلِكُ (١) هذا القائلَ: - لأوتينَّ في الآخرةِ مالًا وولدًا - ومالَه وولدَه، ويصيرُ لنا مالُه وولدُه دونَه، ﴿وَيَأْتِينَا﴾ هو يومَ القيامةِ ﴿فَرْدًا﴾ وحدَه لا مالَ معه ولا ولدَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: مالَه وولدَه، وذلك الذي قال العاصُ بنُ وائلٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مالَ له ولا ولدَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾.
قال: ما عنده، وهو قولُه: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (وَنَرِثُه مَا عِنْدَه) (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾.
قال: ما جمَع من الدنيا وما عمِل فيها.
قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
قال: فردًا من ذلك، لا يَتْبَعُه قليلٌ ولا كثيرٌ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾.
يقولُ: نرثُه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واتخذ يا محمدُ هؤلاءِ المشركِون من قومِك آلهةً يَعْبُدونها من دونِ اللهِ؛ لتكون هؤلاءِ الآلهةُ لهم عزًّا، يَمْنَعُونهم من عذابِ اللهِ، ويتخِذون عبادَتَهموها عندَ اللهِ زُلْفَى.
وقولُه: ﴿كَلَّا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه: ليس الأمرُ كما ظنُّوا وأمَّلوا من هذه الآلهةِ التي يَعْبُدُونها من دونِ اللهِ في أنها تُنْقِذُهم (٢) من عذابِ اللهِ، وتُنْجيهم منه، ومن سوءٍ إنْ أراده بهم ربُّهم.
وقوله: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن ستكفُرُ الآلهةُ في الآخرةِ بعبادةِ هؤلاءِ المشرِكين يومَ القيامةِ إياها.
وكفرُهم بها قيلُهم لربِّهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، فجحَدوا أن يكونُوا عبَدوهم أو أمَروهم بذلك، وتبرَّءُوا منهم، وذلك كفرُهم بعبادتِهم.
وأما قولُه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتكونُ آلهتُهم عليهم عونًا.
قال: الضدُّ: العونُ.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
يقولُ: أعوانًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى.
وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
قال: عونًا عليهم تُخاصِمُهم وتُكذِّبُهم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
قال: أوثانُهم يومَ القيامةِ في النارِ.
وقال آخرون: بل عُنِى بالضدِّ في هذا الموضعِ القُرْناءُ.
ذكْرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
يقولُ: ويكونُون عليهم قرناءَ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: قرناءَ في النارِ؛ يلعَنُ بعضُهم بعضًا، ويتبرأُ بعضُهم من بعضٍ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿ضِدًّا﴾.
قال: قرناءَ في النارِ (٢).
وقال آخرون: معنى الضدِّ ههنا: العدوُّ.
ذكْرُ من قال ذلك حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
قال: أعداءً (٣).
وقال آخرون: معنى الضدِّ في هذا الموضعِ: البلاءُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
قال: يكونُون عليهم بلاءً (٤).
الضدُّ: البلاء، والضدُّ في كلامِ العربِ: هو الخلافُ، يقالُ: فلانٌ يضادُّ فلانًا في كذا، إذا كان يخالِفُه في صنيعِه، فيُفسِدُ ما أصلَحه، ويُصلِحُ ما أفسَده.
وإذا كان ذلك معناه، وكانت آلهةُ هؤلاء المشرِكين الذين ذكَرَهم الله في هذا الموضعِ يتبرَّءون منهم، ويَنْتَفُون (٥) يومئذٍ، صاروا لهم أضدادًا، فوُصِفُوا بذلك.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ توحيدِ الضدِّ، وهو صفةٌ لجماعةٍ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: وُحِّد لأنه يكونُ جماعةً وواحدًا، مثلَ الرَّصَدِ والأرصادِ.
قال: ويكونُ الرَّصَدُ أيضًا للجماعةِ.
وقال بعضُ نحويى الكوفة: وُحِّد لأن معناه: عونًا.
وذُكِر أن أبا نَهِيكٍ كان يقرأُ ذلك، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نهيكٍ الأزديَّ يقرأُ: (كُلًّا (١) سَيَكْفُرون).
يعنى: الآلهة كلَّها (٢) أنهم سيكفُرون بعبادتِهم (٣).
القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم ترَ يا محمدُ أنا أرسَلنا الشياطينَ على أهلِ الكفرِ باللهِ ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾.
يقولُ: تحرِّكُهم بالإغواءِ والإضلالِ، فتُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ، وتغريهم بها حتى يُواقِعوها، ﴿أَزًّا﴾: إزعاجًا وإغراءً (٤).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
يقولُ: تُغرِيهم إغراءً (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: تؤزُّ الكافرين إغراءً في الشركِ: امضِ امضِ في هذا الأمرِ، حتى تُوقِعَهم في النارِ، امضُوا في الغيِّ، امضُوا (٢).
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
قال: تُغْرِيهم إغراءً (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
قال: تُزْعِجُهم إزعاجًا في معصيةِ اللهِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ جل وعز: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
قال: تُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ إزعاجًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
قال: تُزعِجُهم إزعاجًا في معاصى اللهِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
فقرَأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
قال: تؤزهم أنا، قال: تُشليهم إشلاءً (٥) على معاصى اللهِ ﵎، وتُغريهم عليها، كما يُغرى الإنسانُ الآخرَ على الشيءِ (١).
يقال منه: أَزَزْتُ فلانًا بكذا.
إذا أغريتَه به، أؤزُّه أَزًّا وأزيزًا، وسمعتُ أزيزَ القِدْرِ، وهو صوتُ غليانِها على النارِ؛ ومنه حديثُ مطرِّفٍ عن أبيه، أنه انتهى إلى النبيِّ ﷺ وهو يصلِّى، ولجوفِه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَل (٢).
وقولُه: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.
يقولُ عزَّ ذكرُه: فلا تَعْجَلْ على هؤلاءِ الكافِرين بطلبِ العذابِ لهم والهلاكِ يا محمدُ، ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.
يقولُ: فإنا إنما نُؤَخِّرُ إهلاكَهم ليزدادُوا إثمًا، ونحن نعدُّ أعمالَهم كلَّها ونُحْصِيها، حتى أنفاسهم؛ لنُجازِيَهم على جميعِها، ولم نَتْرُكْ تعجيلَ هلاكِهم الخيرٍ أردناه بهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ من قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.
يقولُ: أنفاسَهم التي يتنفَّسون في الدنيا، فهى معدودةٌ كسِنِّهم وأجالِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه: يومَ نجمعُ الذين اتَّقَوْا الله (٣) في الدنيا، فخافُوا عقابَه، فاجتنبوا لذلك معاصِيَه، وأدَّوْا فرائضَه - إلى ربِّهم ﴿وَفْدًا﴾، يَعْنى بالوفدِ (١) الرَّكْبانَ.
يقالُ: وَفَدْتُ على فلانٍ.
إذا قدمت عليه.
وأوْفَدَ القومُ وفدًا على أميرِهم.
إذا بعَثُوا مِن قِبلهم بَعْثًا.
والوفدُ في هذا الموضعِ بمعنى الجمعِ، ولكنَّه وُحِّد؛ لأنه مصدرٌ، واحدُهم وافدٌ، وقد يُجمَعُ الوفدُ: الوفودَ كما قال بعضُ بني حَنِيفةَ: إني لَمُمْتَدِحٌ بما بما (٢) هو صانِعٌ … رأس الوفودِ مُزاحِمَ بنَ جِسَاسِ وقد يكونُ الوفودُ في هذا الموضعِ جمعَ وافدٍ، كما الجلوسُ جمعُ جالسٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا [بنُ يحيى] (٣) بن أبى زائِدَةَ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن النُّعْمانِ بن سعدٍ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
قال: أمَا واللهِ ما يُحْشَرُ الوفدُ على أَرْجُلِهم، ولا يُساقُون سَوْقًا؛ ولكنَّهم يُؤتَوْن بنُوقٍ لم يَرَ الخلائقُ مثلَها، عليها رِحالُ الذهبِ، وأزِمَّتُها الزَّيَرْجَدُ، فيَرْكَبون عليها حتى يَضْرِبُوا أبوابَ الجنةِ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإبلِ (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
يقولُ: ركبانًا (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ (٣)، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا خرَج من قبرِه استقبَله أحسنَ صورةً، وأطْيَبَه (٤) ريحًا، فيقولُ: هل تعرفُنى؟
فيقولُ: لا، إلا أن الله قد (٥) طيَّب ريحَك، وحسَّن صورتَك.
فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك الصالحُ، طالما رَكبْتُّك في الدنيا، فارْكَبْني أنت اليومَ.
وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٦).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
قال: وفدًا إلى الجنةِ (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
قال: على النَّجائِبِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سَمِعتُ سفيانَ التَّوْرِيَّ يقولُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
قال: على الإبلِ النُّوقِ (١).
وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ونَسوقُ الكافرين بالله، الذين أجَرمُوا، إلى جهنمَ عِطَاشًا.
والوِرْدُ مصدرٌ، مِن قولِ القائل: وَرَدتُ كذا أرِدُه وِرْدًا.
ولذلك لم يُجمَعْ، وقد وُصِف به الجمعُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قال: عِطَاشًا (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قال: عِطاشًا (٣).
حدَّثني يعقوبُ والفضلُ بنُ الصَّبَّاح، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةً، عن أبي رجاء، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قال: عِطَاشًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (٢)، عن يونسَ (٣)، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قال: ظِمَاءً إلى النارِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: سِيقوا (٥) إليها وهم ظِمَاءٌ (٦) عِطاشٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قال: عِطاشًا.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه: لا يملكُ هؤلاءِ الكافرون بربِّهم، يا محمدُ - يومَ يَحشرُ اللهُ المتقينَ إليه وفدًا - الشفاعةَ؛ حينَ يَشْفَعُ أهلُ الإيمان بعضُهم لبعضٍ عندَ اللهِ، فيشفعُ (١) بعضُهم لبعضٍ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ منهم ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ في الدنيا ﴿عَهْدًا﴾ بالإيمانِ به، وتصديقِ رسولِه، والإقرارِ بما جاء به، والعملِ بما أمَر به.
كما حدَّثني [عليٌّ، قال: ثنا] (٢) عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
قال: العهدُ؛ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ويَتَبَرَّأُ إلى اللهِ مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ، ولا يرجُو إلا الله (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
قال: المؤمنون يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ شفعاء: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
قال: عَمَلًا صالحًا (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي بطاعته، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، تَعَلَّمُوا (٥) أَن الله [مُشَفِّعٌ يومَ القيامةِ] (٦) المؤمنينَ بعضَهم في بعضٍ؛ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ في أُمَّتى رجلًا، لَيُدخِلَنَّ الله الجنة بشفاعتِه أكثر من بني تَمِيمٍ".
وكنا نُحَدَّثُ أن الشهيدَ يُشَفَّعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي المِلَيح، عن عَوْفِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِن شَفاعَتِى لِمَنْ مات مِن أُمَّتي لا يُشركُ باللهِ شيئًا" (٢).
و "من" في قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ﴾ في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ، ولا يكونُ خفضًا بضميرِ اللامِ، ولكن قد يكون نصبًا في الكلامِ في غيرِ هذا الموضعِ، وذلك كقولِ القائلِ: أردتُ المرورَ اليومَ إلا العَدُوَّ، فإني لا أمُرُّ به.
فيَسْتَثْنِى العدوَّ مِن المعنى.
وليس ذلك كذلك في قولِه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ لأن معنى الكلامِ: لا يَمْلِكُ هؤلاءِ الكفارُ إِلا مَن آمَن باللهِ.
فالمؤمنون ليسوا مِن عِدادِ (٣) الكافِرين.
ومَن نصَبه على أن معناه: إِلا لَمَنِ اتَّخَذ عندَ الرحمن عهدًا، فإنه يَنْبَغى أن يجعلَ قولَه: لا يملِكون الشفاعةَ للمتقين.
فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: يومَ نَحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفدًا، لا يَمْلكون الشفاعةَ، إلا مَن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا.
فيكونُ معناه عندَ ذلك: إلا لمن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا.
فأما إذا جعَل: "لا يملكون الشفاعةَ" خبرًا عن المجرمين، فإن "مَنْ" تكونُ حينئذٍ نصبًا على أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيكونُ معنى الكلامِ: لا يملكون الشفاعةَ، لكنْ مَنْ اتخذ عندَ الرحمنِ عهدًا، يَمْلِكُه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه: وقال هؤلاء الكافِرون باللهِ: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾.
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه للقائِلين ذلك من خَلْقِه: لقد جئتم أيها الناسُ شيئًا عظيمًا، ومن القولُ مُنَكرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾.
يقولُ: قولًا عظيمًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.
يقولُ: لقد جئتم شيئًا عظيمًا، وهو المنكَرُ مِن القولُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن (١) ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾.
قال: عظيمًا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾.
قال: عظيمًا (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.
قال: قد جئتم شيئًا كبيرًا من الأمْرِ، حينَ دعَوْا للرحمنِ ولدًا (٤).
وفى "الإدِّ" لغاتٌ ثلاثٌ، يقالُ: لقد جئتَ شيئًا إِدًّا.
بكسرِ الألفِ.
وأدًّا.
بفتحِ الألفِ.
وآدًّا.
بفتحِ الألفِ ومدِّها، على مثالِ مادٍّ؛ فاعِلٍ.
وقرَأه قرأةُ الأمصارِ [بكسرِ الألفِ] (٥)، وبها نقرأُ، وقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك بفتحِ الألفِ (٦)، ولا أَرَى قراءتَه كذلك؛ لخلافِها قراءةَ قرأة الأمصارِ.
والعربُ تقولُ لكلِّ أمرٍ عظيمٍ: إدٌّ، وإمْرٌ، ونُكْرٌ.
ومنه قولُ الراجزِ (١): قد لَقِيَ الأعداءُ منى نُكْرَا داهِيَةً دَهْياءَ إذا إمْرَا ومنه قولُ الآخرِ (٢): * في لَهَثٍ (٣) منه وخَتْلٍ (٤) إِدِّ * وقولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَقَّقْن قِطَعًا مِن قبلِهم: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ومنه قيل: فَطَر نابُه.
إذا انْشَقَّ (٥).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾.
قال: إن الشِّرْكَ فزِعَت منه السماواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائقِ إِلَّا الثَّقَلَيْن، وكادت أن تَزُولَ منه لعَظَمةِ اللهِ، وكما لا ينفَعُ مع الشركِ إحسانُ المشركِ، كذلك نَرْجُو أن يغفرَ اللهُ ذنوبَ الموَحِّدين.
وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لَقِنوا مَوْتاكم شَهادَةَ أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ، فمَن قالها عندَ موتِه وجَبَتْ له الجنَّةُ".
قالوا: يا رسولَ اللهِ، فمَن قالَها في صِحَّتِهِ (١)؟
قال: "تلك أَوْجَبُ وأوجبُ".
ثم قال: "والَّذي نَفْسي بيَدِه لو جِيءَ بالسَّمَاوَاتِ والأرْضِينَ (٢) وما فيهنَّ، وما بينَهنَّ، وما تحتَهنَّ، فَوُضِعنَ في كِفَّةِ الميزانِ، ووُضِعَت شَهادَةُ أن لا إلهَ إِلَّا الله في الكِفَّةِ الأُخرى؛ لَرَجَحتْ بهِنَّ" (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾.
[قال: الانْفِطارُ هو الانْشِقاقُ (٤).
وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾] (٥).
ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: غَضِبتِ الملائكةُ، واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ حينَ قالوا ما قالوا (٦).
وقولُه: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾.
يقولُ: وتكادُ الأرضُ تنشقُّ، فتَنْصَدِعُ (٧) مِن ذلك، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
يقولُ: وتكادُ الجبالُ يسقُطُ بعضُها على بعضٍ سُقوطًا.
والهَدُّ السُّقوطُ.
وهو مصدرُ هَدَدتُ، فأنا أهُدُّ هَدًّا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
يقولُ: هَدْمًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
قال: الهَدُّ: الانْقِضَاضُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
قال: غضَبًا للهِ.
قال: ولقد دَعا هؤلاءِ الذين جعَلوا للهِ هذا الذي غضبت السماوات والأرضُ والجبالُ من قولهم، لقد اسْتَنابَهم ودعاهم إلى التَّوبةِ، فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.
قالوا: هو وصاحبَتُه وابْنُه.
جَعَلُوهما (٢) إلهَيْن [مع اللهِ] (٣) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) [المائدة: ٧٣، ٧٤].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾.
الله يقولُ تعالى ذِكرُه: وتكادُ الجبالُ أن تَخِرَّ انْقِضَاضًا؛ لأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا؛ فـ"أن" في موضع نصب في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ لاتِّصالِها بالفعلِ، وفي قولِ غيرِه في موضِعِ خَفْضٍ بضمِيرِ الخافضِ (١)، وقد بيَّنَّا الصوابَ من القولَ في ذلك في غيرِ موضِعٍ من كتابِنا هذا، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموْضِعِ (٢).
وقال: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.
يعنى بقولِه: ﴿أَنْ دَعَوْا﴾: أن جعَلوا له ولدًا.
كما قال الشاعرُ (٣): ألا رُبَّ مَن تَدعُو نَصِيحًا وإِن تَغِبْ (٤) … تَحِدُه بِغَيْبِ غَيْرَ مُنتَصِحَ الصَّدرِ وقال ابن أحمرَ (٥): هوَى (٦) لها مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَها (٧) … وكنتُ أدْعُو قَذَاها الإثْمِدَ القَرِدَا (٨) وقولُه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
يقولُ: وما يَصْلُحُ للهِ أَن يَتَّخِذَ ولدًا؛ لأنه ليس كالخلقِ الذين تغْلِبُهم الشَّهواتُ، وتضطرُّهم اللَّذَّاتُ إلى جماعِ الإناثِ، ولا ولدَ يَحدُثُ إِلَّا مِن أُنْثَى، واللهُ يتَعالى عن أن يكونَ كخَلْقِه.
وذلك كقولِ ابن أحمرَ (١): في رأسِ خَلْقاءَ مِن عَنْفَاءَ مُشْرِفَةٍ … ما ينبغى دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلٌ يعنى: لا يصْلُحُ ولا يكُونُ.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ يقولُ جَلَّ وعزَّ: ما جميعُ مَن في السماواتِ من الملائكةِ، وفى الأرضِ من البشرِ والإنسِ والجِنِّ ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
يقولُ: إلا يأتى ربَّه يومَ القيامةِ عبدًا له، ذليلًا خاضِعًا مُقِرًّا له بالعُبُودَة، لا نَسبَ بينه وبينَه.
وقولُه: ﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إِنما هو فاعلٌ مِن أتيتُه، فأنا آتِيه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أحصَى الرحمنُ خلقَه كلَّهم، وعدَّهم عدًّا فلا يَخفَى عليه مبلَغُ جميعِهم، وعَرف عددَهم فلا يَعْزُبُ عنه مِنهم أحدٌ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
يقولُ: وجميعُ خَلْقِه سوفَ يَردُ عليه يوم تقومُ الساعةُ، وحيدًا لا ناصرَ له من اللهِ، ولا دافِعَ عنه؛ فيَقْضِى اللهُ فيه ما هو قاضٍ، ويصنَعُ به ما هو صانعٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين آمنوا باللهِ ورُسُلِه، وصدَّقُوا بما جاءهم من عندِ ربِّهم، فعَمِلوا به؛ فأَحَلُّوا حَلالَه، وحرَّموا حرامَه ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ في الدُّنيا، في صدورِ عبادِه المؤمنين.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: محبةً في الناسِ في الدُّنيا (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: حُبًّا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: الودُّ مِن المسلمينِ في الدنيا، والرِّزقُ الحسنُ، واللسانُ الصَّادقُ (٣).
حدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: محبةً في المسلمين في الدُّنيا (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن القاسمِ بن أَبِي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى خَلْقِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى المؤمنين (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ هاشمٍ، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
قال: ما أَقْبَلَ عبدٌ إلى اللهِ إلا أقْبَل اللهُ بقلوبِ العِبادِ إليه، وزادَه (٣) من عندِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: إي واللهِ في قلوبِ أهلِ الإيمانِ؛ ذُكِر لنا أن هَرِمَ بنَ حَيَّانَ (٤) كان يقولُ: ما أقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ، إلا أقبَل اللهُ بقلوبِ المؤمنين إليه، حتى يرزُقَه مودَّتَهم ورحمتَهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ كان يقولُ: ما من الناس عبد يعمل خيرا ولا شرًّا إلا كَسَاه الله رداءً عملِه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا [عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن [عبدِ اللهِ ابن] (٣) مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ] (٤) وُدًّا﴾ قال: محبةً (٥).
وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في عبدِ الرحمن بن عوفٍ؛ حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن سعيدٍ الواسطيُّ، قال: أخبَرنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد العزيزِ بنُ عِمْرانَ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن أبي سليمانَ بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن أُمَّه أمِّ إبراهيمَ بنتِ أبى عُبيدةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيها، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أنَّه لما هاجَر إلى المدينةِ، وجَد في نفسِه على فِراقِ أصحابِه بمكةَ، مِنهم شَيْبَةُ بنُ رَبيعةَ، وعُتْبَةُ بنُ ربيعةَ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٦).
وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإِنَّما يَسَّرْنا يا محمدُ هذا القرآنَ بلسانِك، تَقْرَؤُه، لتُبَشِّرَ به المتقينَ، الذين اتَّقَوْا عقابَ اللهِ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - بالجنةِ، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ يقولُ: ولِتُنذِرَ بهذا القرآن عذابَ اللهِ، قومك مِن قريشٍ؛ فإِنَّهم أهلُ لَدَدٍ وجَدَلٍ بالباطلِ، لا يَقْبَلون الحقَّ.
واللَّدَدُ: شدَّةُ الخصومةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لُدًّا﴾.
قال: لا يَسْتَقيمون (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
يقولُ: لِتُنذِرَ به قومًا ظَلَمةً (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾: أي جَدَلًا (١) بالباطلِ، ذوى لدَدٍ وخصومةٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
قال: فُجَّارًا (٣).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾.
قال: [جدلًا (٤) بالباطلِ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
قال] (٦): [الألَدُّ الظَّلومُ] (٧).
وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (٨).
حدَّثنا أبو صالحِ الضِّرارِيُّ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
قال: صُمًّا عن الحقِّ (٩).
حدَّثني ابن [سنانٍ القَزَّازُ] (١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن هارونَ، عن الحسنِ مثلَه.
وقد بيَّنَّا معنَى الألَدِّ فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا أهْلَكْنا، يا محمدُ، قبلَ قومِك مِن مُشْرِكى قريشٍ: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ يعنى: مِن جماعةٍ مِن الناسِ، إذ سَلَكُوا في خِلافي وركوبِ معاصِيَّ مَسْلَكَهم ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾.
يقولُ: فهل تُحِسُّ أنت منهم أحدًا، يا محمدُ، فتَراه وتُعايِنَه، ﴿وَكَمْأَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
يقولُ: أو تسمعُ لهم صوتًا، بل بادُوا وهلَكُوا، وخَلَت مِنهم دُورُهم، وأوْحَشَت منهم منازلُهم، وصاروا إلى دارٍ لا ينفَعُهم فيها إلّا صالحٌ من عملٍ قدَّموه.
فكذلك قومُك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يُعالجِوا (٣) التوبةَ قبلَ الهَلاكِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
قال: صوتًا (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
قال: هل تَرَى عَيْنًا، أو تسمعُ صوتًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
يقولُ: هل تسمعُ مِن صَوْتٍ، أَو تَرَى مِن عينٍ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
يعنى: صوتًا (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: رِكْزُ الناسِ: أصواتُهم.
قال أبو كريبٍ: قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
قال: أو تسمعُ لهم حِسًّا.
قال: والرِّكْرُ: الحِسُّ (٥).
قال أبو جعفرٍ: والرِّكْزُ في كلامِ العربِ: الصوتُ الخَفيُّ، كما قال الشاعرُ (١): فتَوجَّسَتْ رِكْزَ (٢) الأنِيسِ فَراعَها … عن ظَهْرِ غَيبٍ والأنِيسُ سَقَامُها آخر تفسيرِ سورةِ مريمَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.