الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة طه
تفسيرُ سورةِ طه كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 260 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ طه ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طه﴾، فقال بعضُهم: معناه: يا رَجُلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلَةَ، عن الحسينِ (١) بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿طه﴾.
قال: بالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: فَإِنَّ قومَه قالوا: لقد شَقِى هذا الرجلُ بربِّه.
فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿طه﴾.
يعني: يا رَجُلُ، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ مسلمٍ، أو يَعلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال: ﴿طه﴾: يا رَجُلُ، بالسريانيةِ (١).
قال ابن جريجٍ: وأخبَرنى زمعةُ بنُ صالحٍ، عن سلَمةَ بن وَهْرامَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بذلك أيضًا (٢).
قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك أيضًا (٣).
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾.
قال: يا رجلُ، كلمةٌ بالنَّبَطيَّةِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (٤)، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾.
قال: هي بالنَّبَطيَّةِ: يا إنسانُ.
حدَّثنا [محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ] (٥)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن قرةَ بن خالدٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿طه﴾.
قال: يا رجلُ، بالنَّبَطِيَّةِ (٦).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾.
قال: يا رجلُ (٧).
وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طه﴾.
قال: يا رجلُ، وهى بالسريانيةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ في قولِه: [طه﴾، قالا: يا رجلُ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ -[يَعنى ابنَ سليمانَ] (٣) - قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿طه﴾.
يقولُ: يا رجلُ.
وقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ، وقَسَمٌ أقسَم اللهُ به.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿طه﴾.
قال: فإنه قسمٌ [أقسمه اللهُ] (٤)، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ (٥).
وقال آخرون: هو حروفُ هجاءٍ.
وقال آخرون: هي (٦) حروفٌ مُقطَّعةٌ، يَدُلُّ كلُّ حرفٍ منها على معنًى.
واختلَفوا في ذلك اختلافَهم في ﴿الم﴾.
وقد ذكَرنا ذلك في مواضعِه، وبيَّناه بشواهدِه (٧) والذي هو أولَى بالصوابِ عندى مِن الأقوالِ فيه قولُ مَن قال: معناه: يا رجلُ.
لأنها كلمةٌ معروفةٌ في عَكٍّ (١) فيما بلَغنى، وأن معناه فيهم: يا رجلُ، وأُنشِد لمتممِ بن نُويرةَ (٢): هتفتُ بِطَهَ في القتالِ فلمْ يُجِبْ … فخِفتُ عليهِ أنْ يكونَ مُوائِلَا (٣) وقال آخرُ (٤): إن السَّفاهةَ طَهَ من خلائقِكم … لا بارَك اللهُ في القومِ الملاعينِ فإذ كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكَرْنا، فالواجبُ أن يُوجَّهَ تأويلُه إلى المعروفِ فيهم مِن معناه، ولا سِيَّما إذا وافَق ذلك تأويلَ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعينِ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: يا رجلُ، ما أنْزَلْنا عليك القرآن لتَشْقَى بإنزالِناه (٥) عليك، فنكلِّفَك ما لا طاقةَ لك به مِن العملِ.
وذُكِر أنه قيل له ذلك بسببِ ما كان يَلْقَى مِن النَّصَبِ والعَناءِ والسَّهِرِ في قيامِ الليلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
قال: [في الصلاةِ.
قال] (١): هي مِثلُ قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
فكانوا يُعلِّقون الحبالَ بصدُورِهم (٢) في الصلاةِ (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
قال: في الصلاةِ؛ كقولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
وكانوا يعلِّقون الحبالَ بصدورِهم في الصلاةِ.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: لا واللهِ ما جعَله اللهُ شقاءً (٤)، ولكن جعَله رحمةً ونورًا، ودليلًا إلى الجنةِ (٥).
وقولُه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
يقولُ جلَّ ذكرُه: ما أنزَلنا عليك هذا القرآنَ إلا تذكرةً لمن يَخشَى عقابَ اللهِ، فيَتَّقِيه بأداءِ فرائضِ ربِّه واجتنابِ محارمِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: وإن الله أَنزَل كتابَه (٦)، وبعث رسلَه رحمةً رحِم اللهُ بها العبادَ؛ ليتذَكَّر ذاكرٌ، ويَنْتِفِعَ رجلٌ بما سمِع مِن كتابِ اللهِ، وهو ذكرٌ له أنزَله (٧) اللهُ، فيه حلَالُه وحرامُه، فقال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (١).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
قال (٢): أنزَلناه عليك تذكرةً لمَن يَخشَى.
فمعنَى الكلامِ إذن: يا رجلُ ما أنزَلنا عليك هذا القرآنُ لتشقَى به، ما أنزَلناه إلا تذكرةً لمَن يَخشَى.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿تَذْكِرَةً﴾؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ (٣): ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾.
بدلًا مِن قولِه: ﴿لِتَشْقَى﴾.
فجعَلَه: ما أنزَلنا عليك القرآنَ إلا تذكرةً.
وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤) يقولُ: نُصِبت على قولِه: ما أنزلناه (٥) إلا تذكرةً.
وكان بعضُهم يُنكرُ قول القائلِ: نُصبِت بدلًا مِن قولِه: ﴿لِتَشْقَى﴾.
ويقولُ: ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن: ﴿لِتَشْقَى﴾.
في الجَحْدِ، و: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾.
في التحقيقِ، ولكنَّه تكريرٌ.
وكان بعضُهم يقولُ: معنى الكلامِ: ما أنزَلنا عليك القرآنَ إلا تذكِرةً لمَن يَخْشَى، لا لِتَشْقَى.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هذا القرآنُ تنزيلٌ مِن الرَّبِّ الذي خلَق الأرضَ والسماواتِ العُلى.
والعُلَى: جمعُ عُلْيَا.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿تَنْزِيلًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِبَ ذلك بمعْنَى: أنزَل اللهُ ذلك تنزيلًا.
وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك مِن قيلِه: هذا مِن كلامَين، ولكن المعنَى: هو تنزيلٌ.
ثم أَسقَط "هو"، واتَّصَل بالكلامِ الذي قبلَه، فخرَج مِنه، ولم يكُنْ مِن لفظِه.
والقولانِ جميعًا عندى غيرُ خطأ.
وقولُه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الرحمنُ على عرشِه ارتفَع وعلَا.
وقد بيَّنا معنى "الاستواء" بشواهده فيما مضَى، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وللرفعِ في ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وجهانِ؛ أحدُهما، بمعنَى قولِه: ﴿تَنْزِيلًا﴾.
فيكونُ معنى الكلامِ: نزَّله من خلَق الأرضَ والسماواتِ، نزَّله الرحمنُ الذي على العرشِ استوى.
والآخرُ، بقولِه: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ لأن في قولِه: ﴿اسْتَوَى﴾.
ذِكرًا مِن "الرحمنِ".
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ مِلْكًا له، وهو مُدبِّرُ ذلك كلِّه، ومُصرِّفُ جميعِه.
ويعنى بالثَّرَى النَّدَى، يُقالُ للترابِ الرَّطبِ المبتلِّ: ثرًى؛ مَنْقوصٌ (١)، يُقالُ مِنه: ثرِيَتِ الأرضُ تَثرَى ثرًى؛ مَنْقوصٌ، والثَّرَى مصدرٌ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: والثَّرَى كلُّ شيءٍ مبتلٌّ (٢).
وحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: ما حُفِر مِن الترابِ مُبتلًّا (٣).
وإنما عنَى بذلك: وما تحتَ الأرَضين السبعِ، كالذي حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ السَّلِيميُّ (٤)، المعروفُ بابنِ صُدْرانَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ رفاعةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.
قال: الثَّرَى سبعُ أرَضِينَ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَجهَرْ يا محمدُ بالقولِ، أو تُخفِ به، فسواءٌ عندَ ربِّك الذي له ما في السماواتِ وما في الأرضِ؛ ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾.
يقولُ: فإنه لا يَخْفَى عليه ما استَسْررتَه في نفسِك، فلم تُبدِه بجوارحِك ولم تتكلَّمْ بلسانِك، ولم تَنطِقْ به، ﴿وَأَخْفَى﴾.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّ بقولِه: ﴿وَأَخْفَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وأخفَى مِن السرِّ.
قال: والذي هو أخفَى مِن السرِّ ما حدَّث به المرءُ نفسَه ولم يَعمَلْه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: السرُّ ما عَلِمتَه (١) أنتَ، ﴿وَأَخْفَى﴾.
ما قذَف اللهُ في قلبِك مما لم تعلَمْه (٢).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
يَعنِي بـ "أخفَى"، ما لم يَعمَلْه (٣) وهو عاملُه، وأما "السرُّ"، فيعنى ما أسرَّ في نفسِه.
وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عبَّاسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: السرُّ ما أسرَّ ابن آدمَ في نفسِه، ﴿وَأَخْفَى﴾.
قال: ما أخفَى ابن آدمَ مما هو فاعلُه قبل أن يَعْمَلَه (٤)، فاللهُ يعلَمُ ذلك، فعلْمُه (٥) فيما مضَى من ذلك وما بَقِى علمٌ واحدٌ، وجميعُ الخلائقِ عندَه في ذلك كنفسٍ واحدةٍ، وهو قولُه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١) [لقمان: ٢٨].
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: السرُّ ما أسرَّ الإنسانُ في نفسِه، ﴿وَأَخْفَى﴾.
ما لم (٢) يَعْلَمِ الإنسانُ مما هو كائنٌ.
وحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: أخفى: الوسوسةُ.
زاد ابن عمرٍو والحارثُ في حديثَيْهما: والسِّرُّ: العملُ الذي يُسِرُّونَ مِن الناسِ (٣).
وحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْفَى﴾.
قال: الوسوسةُ.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: أخفى: حدِيثُ نفسِك (٤).
حدَّثنا ابن [سنانٍ القزازُ] (٥)، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: السرُّ: ما يكونُ في نفسِك اليومَ (١)، وأخفَى: ما يكونُ في غدٍ وبعدَ غدٍ، لا يعلمُه إلا اللهُ.
وقال آخرون: بل معناه: وأخفَى مِن السرِّ ما لم تُحدِّث به نفسَك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباح، قال: ثنا ابن فُضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: السرُّ: ما أسرَرتَ في نفسِك، وأخفَى مِن ذلك: ما لم تُحدِّثْ به نفسَك (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: كنا نُحدَّثُ أن السرَّ ما حدَّثتَ به نفسَك، وأن أخفَى مِن السرِّ ما هو كائنٌ مما لم تُحدِّثْ به نفسَك.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ (٣) في قولِ اللهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: يعلمُ ما أسرَرتَ في نفسِك، وأخفَى: ما لم يكنْ وهو كائنٌ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: أخفَى مِن السرِّ: ما حدَّثتَ به نفسَك، وما لم تُحدِّثْ به نفسَك أيضًا مما هو كائنٌ (٤).
وحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: أمَّا السرُّ: فما أسرَرتَ في نفسِك، وأما أخفَى مِن السرِّ: فما لم تعلَمْه (١) وأنتَ عاملُه، يعلمُ اللهُ ذلك كلَّه (٢).
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: إنه يعلمُ سرَّ العبادِ، وأخفَى سرَّ نفسِه، فلم يُطلِعْ عليه أحدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال: يعلمُ أسرارَ العبادِ، وأخفَى سرَّه فلا يُعلَمُ (٣).
وكأن الذين وجَّهوا تأويلِ ذلك إلى أن السِّرَّ هو ما حدَّث به الإنسانُ غيَره سرًّا، وأن أخفَى، معناه ما حدَّث به نفسَه - وجَّهوا تأويلَ "أخفَى" إلى الخفيِّ.
وقال بعضُهم: قد توضَعُ "أفعَلُ" موضِعَ "الفاعلِ".
واستشهَدوا لقولِهم (٤) ذلك بقولِ الشاعرِ (٥): تَمَنَّى رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أُمُتْ … فتلك سبيلٌ (٦) لستُ فيها بأوحدِ والصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: معناه (٧): يَعلَمُ السِّرَّ وأخفَى مِن السرِّ؛ لأن ذلك هو الظاهرُ مِن الكلامِ، ولو كان معنَى ذلك على (١) ما تأوَّله ابن زِيدٍ لكان الكلامُ: وأخفَى اللهُ سرَّه؛ لأن "أخفَى" فِعلٌ واقِعٌ مُتعدٍّ، إذا كان بمعنَى "فعَل" على ما تأوَّله ابن زيدٍ، وفى انفرادِ "أخفَى" مِن مفعولِه والذي يَعمَلُ فيه لو كان بمعنَى "فعَل" - الدليلُ الواضحُ على أنه بمعنى "أفعَلَ"، وأن تأويلِ الكلامِ: فإنه يَعْلَمُ السرَّ وأخفَى مِنه.
فإذ كان ذلك تأويلَه، فالصوابُ مِن القولِ في معنَى أخفَى مِن السرِّ أن يُقالَ: هو ما علِم اللهُ ما خَفِيَ (٢) عن العبادِ ولم يعلَموه مما هو كائنٌ ولما يكُنْ؛ لأن ما ظهَر وكان، فغيرُ سِرٍّ، وأن ما لم يكنْ وهو غيرُ كائنٍ، فلا شيءَ، وأن ما لم يَكُنْ وهو كائنٌ، فهو أخْفى مِن السِّرِّ، لأن ذلك لا يعلَمُه إلا اللهُ، ثم مَن أَعلَمه ذلك مِن عبادِه.
وأما قولُه تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
فإنه يعنِى بذلك: المعبودُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلَّا ﴿اللَّهُ﴾ (٣).
يقولُ: فإيَّاه فاعبدُوا أَيُّها النَّاسُ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ والأوثانِ، ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: لمعبودِكم أيُّها الناسُ الأسماءُ الحسْنَى.
فقال تعالى ذكرُه: ﴿الْحُسْنَى﴾.
فوحَّد، وهو نعتٌ لـ"الأسماءِ"، ولم يَقُلْ: الأحاسنُ.
لأن الأسماءَ تَقَعُ عليها "هذه"، فيُقالُ: هذه أسماءٌ.
و "هذه" في لفظِ (٤) واحدَةٍ (٥).
ومنه قولُ الأعشَى (٦): وسوف يُعْقِبُنِيهِ إِنْ ظَفِرْتُ بِه … ربٌّ غفورٌ وبيضٌ ذاتُ أطهارِ فوحَّد "ذات" وهى (٧) نعتٌ لـ "البيضِ"؛ لأنه يَقَعُ عليها "هذه"، كما قال: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠].
ومِنه قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨].
فوحَّدَ ﴿أُخْرَى﴾، وهى نعتٌ لـ ﴿مَآرِبُ﴾، و "المآربُ" جمعٌ، واحدتُها مَأْرَبةٌ، ولم يَقُلْ: أُخَرَ.
لما وصَفنا، ولو قِيل: أُخرُ.
لكان صوابًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُسلِّيَه عما يلقَى فيه (١) مِن الشِّدَّةِ مِن مشرِكي قومِه، ومُعَرِّفَه ما إليه صائرٌ أمرُه وأمرُهم، وأنه مُعْلِيه عليهم، وموهنُ كيدِ الكافرين، ويَحُثُّه على الجِدِّ في أمرِه، والصَّبرِ على عبادَتِه، وأن يَتَذَكَّرَ فيما يَنوبُه (٢) فيه مِن أعدائِه من مُشرِكى قومِه وغيرِهم، وفيما يزاولُ مِن الاجتهادِ في طاعتِه - ما نال (٣) أخاه موسى بنَ عمرانَ ﵇ من عدوِّه فرعونَ (٤)، ثم مِن قومِه (٥) مِن بني إسرائيلَ، وما لَقِى فيه (٦) مِن البلاءِ والشدَّةِ طفلًا صغيرًا، ثم يافعًا مُترَعرِعًا، ثم رجلًا كاملًا، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ يا محمدُ ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ بن عِمرانَ ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾.
ذُكِر أن ذلك كان في الشتاءِ ليلًا، وأن موسى كان أضَلَّ الطريقَ، فلمَّا رأى ضوءَ النارِ قال لأهلِه ما قال.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قضَى موسى الأجلَ سار بأهلِه فضَلَّ الطريقَ.
قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: كان في الشتاءِ، ورُفِعَتْ لهم نارٌ، فلمَّا رآها ظنَّ أنها نارٌ، وكانتْ مِن نورِ اللهِ، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقُ، عن وهبِ بن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لما قضَى موسى الأجلَ، خرَج ومعه غنمٌ له، ومعه زندٌ (٢) له، وعَصاه في يدِه يَهُشُّ بها على غنمِه نهارًا، فإذا أمسَى اقتدَح بزَنْدِه نارًا، فبات عليها هو وأهلُه وغنمُه، فإذا أصبَح غدَا بغنمِه وأهلِه، يتوكَّأُ (٣) على عصَاه، فلما كانت الليلةُ التي أراد اللهُ بموسى كرامتَه، وابتداءَه فيها بنبوَّتِه وكلامِه، أخطَأ فيها الطريقَ حتى لا يدرِىَ أينَ يَتَوجَّهُ، فَأَخرَج زَنْدَه ليقتدِحَ نارًا لأهلِه؛ لَيبِيتُوا عليها حتى يُصْبِحَ، ويعلمَ وَجْهَ سبيلِه، فأَصلَد زَنْدُه فلا يُورِى له نارًا، فقدَح حتى إذا (٤) أعيَاه لاحَت النارُ فرآها فقَالَ لأهلِه: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٥).
[حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سعدٍ، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ: كانوا شاتين، فلما النارَ قال: لعلِّى آتِيكم منها بخبرٍ] (١).
وعَنَى بقولِه: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: وجَدتُ.
ومِن أمثال العربِ: بعد اطِّلاعٍ إيناسٌ.
ويقالُ أيضًا: بعدَ طلوعٍ إيناسٌ (٢).
وهو مأخوذٌ مِن "الأُنْسِ".
وقولُه: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾.
يقولُ: لعلِّى أجيئُكم مِن النارِ التي آنستُ بشُعْلةٍ.
والقبَسُ هو النارُ في طرَفِ العودِ أو القصَبةِ، يقولُ القائلُ لصاحبِه: أَقبِسْنِي نارًا.
فيُعْطيه إيَّاها في طرفِ عودٍ أو قصبَةٍ.
وإنَّما أراد موسى ﵇ بقولِه لأهلِه: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾: لعلِّى آتيكُم بذلك لتصْطَلُوا به.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾.
قال: بقبسٍ تَصطَلُون (٣).
وقولُه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
[يقولُ: أو أجِدُ على النارِ] (٤) دلالةً تدُلُّ على الطريقِ الذي أضلَلْناه، إمَّا مِن خبرِ هادٍ يَهدِينا إليه، وإِمَّا مِن بَيانٍ وعَلَمٍ نتبيَّنُه به ونعرِفُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عبَّاسٍ قولَه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
يقولُ: مَن يدلُّ على الطريقِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
قال: هادٍ (٢) يَهدِيه الطريقَ (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
أي: هداةً يهدُونه الطريقَ.
وحدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعت أبي يحدِّثُ، عن قتادةَ، عن صاحبٍ له، عن حديثِ ابن عباسٍ، أنه زعَم أَنها أَيْلَهُ، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
وقال أبي: وزعَم قتادةُ أنه هَدْيُ الطريقِ.
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
قال: من يَهْدِيني إلى الطريقِ (٤).
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
قال: هُدًى عن علَمِ الطريقِ الذي أضلَلنا؛ بنعتٍ من خبرٍ (١).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي سعدٍ (٢)، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
قال: كانوا ضَلُّوا عن الطريقِ، فقال: لعلني (٣) أجد من يدلُّني على الطريقِ، أو آتيكم بقبسٍ لعلكم تَصْطَلُون (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتى النار موسى، ناداه ربُّه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج موسى نحوَها، يعني نحوَ النارِ، فإذا هي في شجرٍ من العُلَّيْقِ (٤) - وبعضُ أهلُ الكتاب يقولُ: في عَوْسَجَةٍ (٥) - فلما دنا استأخَرتْ عنه، فلما رأى استئْخارَها رجَع عنها، وأوجَس في نفسِه منها خِيفةً، فلما أرَاد الرَّجْعَةَ، دنتْ منه ثم كُلَّم من الشجرةِ، فلما سمِع الصوتَ استأْنَس، وقال اللهُ ﵎ له: يا مُوسَى ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
فخلَعها فأَلْقاها (١).
واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي من أجلِه أمرَ اللهُ موسى بخلعٍ نعلَيْه؛ فقال بعضُهم: أمَره بذلك لأنهما كانتا جلدِ حمارٍ ميِّتٍ، فكرِه أن يطأ بهما الوادىَ المقدَّسَ، وأراد أن يَمسَّه من برَكةِ الوادى.
ذكْرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي قلابةَ، عن كعبٍ، أنه رآهم يَخلَعون نِعالَهم [في الصلاةِ، فقال: كان (٢) رسولُ اللهِ ﷺ يفعَلُ ذلك؟
فقُرِئ (٣) عليه] (٤): ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
فقال: كانتْ من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ، فأرَاد اللهُ أَن يَمسَّه القُدْسُ (٥).
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.
قال: كانتا من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: حُدِّثنا أن نعلَيْه كانتا من جلدِ (٧) حمارٍ، فخلَعهما ثم أتاه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.
قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: وأخبَرني عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.
قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما.
قال: وقال قَتادةُ مِثْلَ ذلك (٢).
وقال آخرون: بل كانتا من جلدِ بقَرٍ، ولكنَّ الله أرَاد أن يطأَ موسى ﵇ الأرضَ بقدمَيْه؛ ليصِلَ إليه من برَكتِها.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال الحسنُ: كانتا - يعنى نعلَيْ موسى ﵇ من بقرٍ، ولكنْ إنما أرَاد أن يُباشرَ بقدمَيْه برَكةً الأرضِ وكان قد قُدِّس مرّتين (٣).
قال ابن جُرَيْجٍ: وقيل لمجاهدٍ: زعَموا أن نعلَيْه كانتا من جلدِ حمارٍ أو مَيْتَةٍ.
قال: لا، ولكنَّه أُمِر أن يُباشرَ بقدمَيْه برَكةَ الأرضِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ - يعنى ابن عُليةَ - سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
قال: يقولُ: أَفْضِ بقدمَيْك إلى برَكةِ الوادى (١).
وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: أمَره تعالى ذكْرُه بخلعِ نعلَيْه ليباشرَ بقدمَيْه برَكةَ الوادي، إذ كان واديًا مُقدَّسًا.
وإنما قلْنا: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنه لا دَلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على أَنَّه أُمِر بخَلْعِهما من أجلِ أنهما من جلدِ حمارٍ، ولا لنجاستِهما، ولا خبرَ بذلك عمَّن تَلْزمُ بقولِه الحُجَّةُ، وأن في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ بعَقبِه، دليلًا واضحًا على أنه إنما أَمَره بخلعِهما لما ذكرنا.
ولو كان الخبرُ الذي حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا خَلَفُ بنُ خليفةَ، عن حميدٍ، عن (٢) عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن ابن مسعودٍ، عن نبيِّ اللهِ ﷺ، قال: "يَوْمَ كَلَّمُ اللهُ مُوسى، كانَتْ عَلَيْه جُبَّةٌ صُوفٍ، وكِساءُ صُوفٍ، وسَرَاوِيلُ صُوفٍ، ونَعْلان مِن جِلْدِ حمارٍ غيرِ ذكيٍّ" (٣) - صحيحًا لم نَعْدُهُ إلى غيرِه، ولكنَّ في إسنادِه نَظَرًا يَجِبُ التثبُّتُ فيه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (نُودِيَ يا مُوسَى أَنِّي) بفتحِ الألفِ من "أَنِّى" (٤)، فـ "أنَّ" على قراءتِهم في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿نُودِيَ﴾.
كأنَّ (١) معناه كان عندَهم: نُودِىَ هذا القولُ.
[وقرأته بعدُ] (٢): عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ بالكسرِ: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي﴾.
على الابتداءِ (٣)، وأنَّ معنى ذلك: قيل يا موسى: إنِّي.
والكسرُ أولى القراءتينِ عندَنا بالصوابِ (٤)، وذلك أن النداءَ قد حال بينَه وبينَ العملِ في "أنَّ"، قولُه: ﴿يَامُوسَى﴾.
وحظُّ قولِه: ﴿نُودِيَ﴾ أن يعملَ في "أَنْ" لو كانت قبلَ قولِه: ﴿يَامُوسَى﴾، وذلك أن يقالَ: نُودِى أنْ (٥) يا موسى إني أنا ربُّك.
ولا حظَّ لها (٦) في "إنّ" التي بعدَ ﴿يَامُوسَى﴾.
وأما قولُه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾.
فإنه يقولُ: إنك بالوادِى المطَّهرِ المباركِ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾.
يقولُ: المباركِ (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾.
قال: قُدِّس، بُورِك مرّتين (٨).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾.
قال: بالوادى المبارَكِ.
واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طُوًى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إنك بالوادى المقدَّسِ طَوَيْتَه.
فعلى هذا القولِ من قولِهم، طُوًى مصدرٌ أُخرِج من غيرِ لفظِه، كأنَّه قيل: طويتُ الوادى المقدَّسَ طُوًى.
ذكْرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
يعنى: الأرضَ المقدسةَ، وذلك أَنَّه مرّ بوادِيها ليلًا فطَوَاه - يقالُ: طويتُ وادىَ كذا وكذا طُوًى (١) من الليلِ - وارتفَع إلى أعلى الوادِى، وذلك نبيُّ اللهِ موسى ﵇ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مرّتين.
وقالوا: ناداه ربُّه مرّتين.
فعلى قولِ هؤلاءِ، طُوًى مصدرٌ أيضًا من غيرِ لفظِه، وذلك أن معناه عندَهم: نُودِيَ: يا موسى، مرّتين نداءَينِ.
وكان بعضُهم يُنشِدُ شاهدًا لقولِه: طُوًى أَنَّه بمعنى مرّتين - قولَ عديِّ بن زيدٍ العِبَاديِّ (٣): أعاذِلَ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِه … عليَّ طُوًى مِنْ غَيِّكَ المُتَرَدِّدِ وروَى ذلك آخرون: "عليَّ ثِنًى".
أي: مرّةً بعد مرّةٍ، وقالوا: طُوًى وثِنًى بمعنًى واحدٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: كُنا نُحدَّثُ أنه وادٍ قُدِّس مرّتين، وأن اسمه طُوًى (١).
وقال آخرون: بل معني ذلك: إنه قُدِّس طُوًى مرّتين.
ذكْرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريَجٍ، قال الحسنُ: كان قُدِّس مرَّتين (٢).
وقال آخرون: بل ﴿طُوًى﴾: اسمُ الوادى.
ذكْرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِطُوًى﴾: اسمُ الوادى (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾.
قال: اسمُ الوادي (٤).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
قال: ذاك الوادِى هو طُوًى، حيثُ كان موسى، وحيثُ كان إليه (١) من اللهِ ما كان.
قال: وهو نحوَ الطورِ.
وقال آخرون: بل هو أَمْرٌ من اللهِ لموسى بأنْ يطأَ الواديَ بقدمَيْه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا صالحُ بن إسحاقَ الجِهْبِدُ، عن جعفرِ بن بَرْقانَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
قال: طأِ الواديَ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوًى﴾.
قال: طأِ الواديَ.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿طُوًى﴾.
قال: طأِ الأرضَ حافيًا، كما تدخلُ الكعبةَ حافيًا.
يقولُ: من بَرَكةِ الوادى (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾: طأِ الأرضَ حافيًا.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ: (طُوَى).
بضمِ الطاءِ وتَرْكِ التنوينِ (٤)، كأَنَّهم جعَلوه اسمَ الأرضِ التي بها الوادي، كما قال الشاعرُ (٥): نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَه … بحُنَيْنَ يومَ تَوَاكُلِ الأبْطَالِ فلم يُجرِ "حُنينًا"؛ لأنه جعلَه اسمًا للبلدةِ لا للوادِى، ولو كان جعَلَه اسمًا للوادِى لأجْراه، كما قرَأتِ القرأةُ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥].
وكما قال الآخرُ (١).
ألسْنَا أَكْرَمَ الثَّقَلَيْنِ رَحْلًا … وأَعْظَمَهُ (٢) بِبَطْنِ حِراءَ نارَا فلم يُجرِ "حِراءَ"، وهو جبلٌ؛ لأنه جعَلَه اسمًا للبَلْدَةِ، فكذلك (طُوَى) في قراءةِ مِن لم يُجرِه، يجعَلُه اسمًا للأرضِ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ ﴿طُوًى﴾ بضمِّ الطاءِ والتنوينِ (٣).
وقارِئُو ذلك كذلك مُخْتلِفون في معناه على ما قد ذكَرتُ من اختلافِ أهلِ التأويلِ؛ فأَمَّا من أراد به المصدرَ مِن "طَوَيْتُ"، فلا مَئُونَةَ في تنوينِه؛ وأَمَّا مَن أراد أن يجعَلَه اسمًا للوادِى، فإنه إنما ينوِّنُه لأنَّه اسمُ ذكرٍ لا مؤنثٍ، وأن لامَ الفعلِ منه ياءٌ، فزادَه ذلك خِفَّةً فأَجْراه، كما قال اللهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾؛ إذ كان "حنينٌ" اسمَ وادٍ، والوادِى مُذكَّرٌ.
وأولى القراءتين عندى بالصوابِ (٤) قراءةُ مَن قرَأ بضمِّ الطاءِ والتنوين؛ لأنَّه إن يكُنِ اسمًا للوادِى فحظُّه التنوينُ؛ لما ذكرتُ لك قبلُ مِن العلةِ لمن قال ذلك، وإن كان مصدرًا أو مُفَسِّرًا، فكذلك أيضًا حكمه التنوينُ، وهو عندى اسمُ الوادِى.
وإذا كان كذلك، فهو في موضِعِ خفضٍ ردًّا على "الوادِي".
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾.
اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ القرأةِ الذين قرءوا: (وأنَّا) بتشديدِ النونِ، (وأَنَّا) بفتحِ الألفِ من (أَنَّا) ردًّا على ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾ كأَن معنى الكلامِ عندَهم: نُودِيَ يا موسى إنِّي أنا ربُّك، وأنّا اخترناك (١).
وبهذه القراءةِ قرَأ ذلك عامَّة قرأةِ أهلِ الكوفةِ (٢).
وأما عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ فقَرَءوا: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾.
بتخفيف النونِ (٣) على وجهِ الخبرِ من اللهِ عن نفسِه أَنَّه اخْتارَه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يُقالَ: إنهما قراءتان قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما قرأةُ أهلِ العلمِ بالقرآنِ، مع اتِّفاقِ مَعْنَيْيهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيه.
وتأويلُ الكلامِ: ونُودِيَ أَنَّا اخْتَرناكَ فَاجْتَبَيناك لرِسالَتِنا إلى مَن نُرَسلُك إليه.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
يقولُ: فاسْتَمِعْ لوَحْيِنا الذي نوحِيه إليك وعِه، واعملْ بهِ.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: إننى أنا المعبودُ الذي لا تصلُحُ العِبادةُ إلَّا له، ﴿إِلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ فلا تعبُدْ غيرِى، فإنَّه لا معبودَ تجوزُ أو تصلُحُ له العبادةُ سِوَايَ، ﴿فَاعْبُدْنِي﴾.
يقولُ: فأخْلِصِ العبادةَ لى دونَ كلِّ ما عُبِد مِن دُونِي.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أقمِ الصلاةَ لي؛ فإِنَّكَ إِذا أَقَمْتَها ذَكَرْتَني.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
قال: إذا صلَّى عبدٌ ذكَر ربَّه (١).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
قال: إذا صلَّى عَبْدٌ ذكَر ربَّه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقمِ الصلاةِ حين تذكُرُها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
قال: تُصَلِّيها حينَ تذكُرُها (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمى عبدُ اللهِ بنُ وهَبٍ، قال: ثني يونسُ ومالكٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسول اللهِ ﷺ قال: "مَنْ نَسِيَ صلاةً (٣) فَلْيصلِّيها (٤) إذا ذكَرَها، قال اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
وكان الزهريُّ يقرَؤُها: (أقمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى) (١).
قال أبو جعفر: "ذِكْرَى" بمنزلةِ "فِعْلَى".
وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: أقمِ الصلاةَ لِتَذْكُرَنى فيها؛ لأن ذلك أظهَرُ معْنَيَيْه، ولو كان معناه: حينَ (٢) تَذْكُرُها.
لكان التنزيلُ: أقم الصلاةَ لِذِكْرِكَهَا.
وفى قولِه ﴿لِذِكْرِي﴾ دلالةٌ بينةٌ على صحَّةِ ما قال مجاهدٌ في تأويلِ ذلك، ولو كانت القراءةُ التي ذكَرْناها عن الزهريِّ قراءةً مُسْتفيضَةً في قرَأةِ الأمصارِ، كان صحيحًا تأويلُ من تأوَّلَه بمعنى: أقمِ الصلاةَ حينَ تذكُرُها.
وذلك أن الزهريَّ وجَّه بقراءتِه: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى) بالألفِ لا بالإضافةِ، إلى: أقمِ الصلاةَ لذِكْرَاها.
إلا أنّ الهاءَ والألفَ حُذِفَتا وهما مُرَادتان في الكلام؛ ليُوفَّقَ بينَها وبينَ سائرِ رءوسِ الآياتِ؛ إذ كانت بالألفِ والفتحِ.
ولو قال قائلٌ في قراءةِ الزهريِّ هذه التي ذكَرْناها عنه: إنما قصَد الزهريُّ بفَتْحِها وتَصْييرِ باءِ الإضافة ألفًا، التوفيقَ بينَه وبينَ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه، لا أنه خالَف بقراءتِه ذلك كذلك مَن قرَأ بالإضافةِ.
وقال: إنما ذلك كقولِ الشاعرِ (٣): أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِى … إلى أُمَّا ويُرْوينِي النَّقِيعُ (٤) وهو يريدُ: إلى أُمِّى.
وكقولِ العربِ: بأبا وأمَّا.
وهى تريدُ: بأبي وأمِّي - كان له بذلك مَقالٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الساعةَ التي فيها يبعَثُ اللهُ الخلائقَ من قبورِهم لموقفِ القيامةِ جائيةٌ أكادُ أُخْفيها.
فعلَى ضمِّ الألفِ مِن ﴿أُخْفِيهَا﴾ قراءةُ جميعِ قرأةِ أمصارِ الإسلامِ، بمعنى: أكادُ أُخْفيها مِن نَفْسِى؛ لئلا يطلع عليها أحدٌ.
وبذلك جاء تأويلُ أكثرِ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
يقولُ: لا أُظْهِرُ عليها أحدًا غيرِى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: لا تأتيكُم إلا بَغْتَةً.
وحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: مِن نَفْسِى.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ ذكرُه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: من نَفْسِى (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: مِن نَفْسِى (١).
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدِ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: أَكاد أُخفيها من نفسى] (٢).
وحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ الطَّنافسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: يُخْفِيها مِن نَفْسِه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: وهى في بعضِ القراءةِ: (أُخْفِيهَا مِن نَفْسِى).
ولَعَمْرِى لَقد أخْفَاها اللهُ من الملائكةِ المقرَّبين، ومن الأنبياءِ المُرْسَلين.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِى) (٤).
وقال آخرون: إنَّما هو: (أكادُ أَخفيها) بفتحِ الألفِ من (أخْفِيها) بمعنى: أُظْهِرُها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سهلٍ، قال: سأَلني رجلٌ في المسجدِ عن هذا البيتِ (١): دَأْبَ شَهْرَين ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكَا … بِأَرِيكَيْن يَحْفِيان غَمِيرَا (٢) فقلتُ: يَظْهَران.
فقال وقاءُ (٣) بنُ إياسٍ وهو خَلْفَى: أَقْرَأَنِيها سعيدُ بنُ جبيرٍ: (أكادُ أَخْفِيها) بنَصْبِ الألفِ (٤).
وقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ وفَاقٌ لقولِ الآخرين الذين قالوا: معناه: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِى.
ذكرُ مَن قال الروايةَ عنه بذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ، قالا: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قالا: مِن نَفْسِى.
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
قال: مِن نَفْسِى (٥).
والذي هو أولى بتأويلِ ذلك من القول قولُ مَن قال: معناه: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي.
لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ بذلك جاء.
والذي ذُكِر عن سعيدِ بن جبيرٍ من قراءةِ ذلك بفَتْحِ الألفِ قراءةٌ لا أسْتَجيزُ القراءةَ بها؛ لخِلافِها قراءةَ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خِلافُها فيما جاءتْ به نقلًا مُسْتفيضًا.
فإن قال قائلٌ: ولِمَ وجَّهتَ تأويلَ قولِه: ﴿أُخْفِيهَا﴾ له بضمِّ الألفِ إلى معنى: أكادُ أُخْفيها من نَفْسِى.
دونَ تَوْجِيهه إلى معنَى: أكادُ أُظْهِرُها.
وقد عَلِمتَ أن للإخفاءِ في كلامِ العربِ وجْهَين؛ أحدُهما الإظهارُ، والآخرُ الكِتْمانُ، وأن الإظهارَ في هذا الموضِعِ أشْبَهُ بمعنى الكلامِ؛ إذ كان الإخفاءُ مِن نَفْسِه يكادُ عندَ السامعين أن يسْتَحيلَ معناه، إذ كان مُحالًا أن يُخفِيَ أحدٌ عن نَفْسِه شيئًا هو به عالمٌ، واللهُ تعالى ذكْرُه لا تَخْفَى عليه خافيةٌ؟
قيل: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَنتَ، وإنَّما وجَّهْنا معنى: ﴿أُخْفِيهَا﴾ بضمِّ الألفِ إلى معنى: أَسْتُرُها مِن نَفْسِي.
لأنَّ المعروفَ مِن معنَى الإخفاءِ في كلامِ العربِ، السَّترُ، يقالُ: قد أَخْفَيتُ الشيءَ.
إذا سَتَرْتَه.
وأنَّ الذين وجَّهوا معناه إلى الإظهارِ إنما اعْتَمَدوا على بيتٍ لامرئِ القيسِ بن عابسٍ الكِنْدِيِّ.
حُدِّثتُ عن معمرِ بن المثنى أنَّه قال: أنْشَدَنيه أبو الخَطَّابِ، عن أهْلِه في بلَدِه: فإن تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نُخْفِهِ … وإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ (١) بضمِّ النونِ من: لا نُخْفِه.
ومعناه: لا نُظْهِرْه.
فكان اعتمادُهم في تَوْجِيه الإخْفاءِ في هذا الموضِعِ إلى الإِظْهَارِ على ما ذكَروا من سَماعِهم هذا البيتَ، على ما وصَفْتُ مِن ضمِّ النونِ من: نُخْفِه.
وقد أَنْشَدَنِي الثِّقَةُ عن الفرَّاءِ (١): * فإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِه * بفتحِ النونِ من: نَخْفِه، من: خَفيتُه أَخْفيه.
وهو أولى بالصوابِ؛ لأنَّه المعروفُ مِن كلامِ العربِ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفتحُ في الألفِ مِن "أَخْفيها" غيرَ جائزٍ عندَنا؛ لِما ذَكَرْنا، ثَبَتَ وصَحَّ الوَجْهُ الآخرُ، وهو أن معنى ذلك: أكادُ أَسْتُرُها مِن نَفْسِى.
وأما وَجْهُ صحةِ القولِ في ذلك، فهو أنَّ الله تعالى ذكْرُه خاطَب بالقرآنِ العربَ على ما يَعْرِفُونَه من كلامِهم، وجرَى به خطابُهم بينهم، فلمَّا كان معروفًا في كلامِهم أن يقولَ أحدُهم إذا أراد المبالغةَ في الخبرِ عن إخْفَائِه شيئًا هو له مُسِرٌّ: قد كِدْتُ (٢) أُخْفِى هذا الأمرَ عن نَفْسِي من شدَّةِ اسْتِسْرارِى به، ولو قدَرتُ أن أُخْفِيَه من نَفْسِى أَخْفَيتُه.
خاطَبهم ﷿ على حسَبِ ما قد جرَى به استِعْمالُهم في ذلك من الكلامِ بينَهم، وما قد عرَفوه في مَنطِقِهم.
وقد قيل في ذلك أقوالٌ غيرُ ما قُلنا.
وإنما اخْتَرْنا هذا القولَ على غيرِه من الأقوالِ لموافقتِه أقوالَ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابِعين؛ إذ كُنَّا لا نستَجِيزُ (٣) الخلافَ علَيهم فيما اسْتَفاضَ القولُ به مِنهم، وجاء عنهم مجيئًا (٤) يقطَعُ العذرَ.
فأما الذين قالوا في ذلك غيرَ ما قلنا ممّن قال فيه على وجْهِ الانْتِزاعِ من كلامِ العربِ، من غيرِ أن يَعْزوَه إلى إمامٍ من الصحابةِ أو التابعين، وعلى وجْهِ تحميلِ (١) الكلامِ غيرَ وجْهِه المعروفِ، فإنهم اخْتَلَفوا في معناه بينَهم؛ فقال بعضُهم: معناه: أريدُ أُخْفِيها.
قال: وذلك معروفٌ في اللغةِ، وذكَر أنه حُكِى عن العربِ أنَّهم يقولون: أولئك أصحابي الذين أكادُ أُنزِلُ عليهم.
وقال: معناه: لا أنزلُ إلَّا علَيهم.
قال: وحُكِي: أكادُ أَبْرحُ مَنزِلي، أي: ما أبرحُ مَنْزِلى.
واحتجَّ ببيتٍ أنشَدَه لبعضِ الشعراءِ (٢): كادَت وكِدْتُ وتلكَ خَيرُ إرادَةٍ … لو عادَ مِن لهوِ (٣) الصَّبابَةِ مَا مَضَى وقال: يريدُ بـ "كادَتْ": أرادَت.
قال: فيكونُ المعنى: أُريدُ أُخْفِيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعَى.
قال: ومما يُشْبِهُ ذلك قولُ زيدِ الخَيْلِ (٤): سَريعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ … فَمَا إِنْ يَكادُ قِرْنُه يتنَفَّسُ وقال: كأنَّه قال: فما يَتَنفَّسُ قِرْنُه.
وإِلَّا ضَعُف المعنى.
قال: وقال ذو الرُّمَّةِ (٥): إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّين لم يَكَدْ … رَسِيسُ الهَوَى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ وقال: ليس المعنى: لم يَكَدْ يبرحٌ.
أي: بعدَ بَيْنٍ (٦) يبرحُ وبعدَ عُسْرٍ.
وإنَّما المعْنى: لم يَبْرَحْ.
أو: لم يُرِدْ يَبْرَحُ.
وإلا ضَعُف المعنى.
قال: وكذلك قولُ أبي النَّجْمِ (٧): وإن أتاكَ نَعِيِّى فَانْدُبَنَّ أَبًا … قَد كادَ يَضْطَلِعُ الأعْداءَ والخُطَبَا وقال: يكونُ المعنى: قد اضْطَلَعَ الأعداءَ.
وإلا لم يَكُنْ مدْحًا إذا أراد: كاد ولم (١) يفعَلْ.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ﴾.
قال: وانتهَى الخبرُ عندَ قولِه ﴿أَكَادُ﴾.
لأنَّ معناه: أكادُ أن آتِىَ (٢) بها.
قال: ثم ابتَدَأ فقال: ولكِنِّي أُخْفِيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعَى.
قال: وذلك نظيرُ قولِ ابن ضابئٍ (٣): هَمَمْتُ ولمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيَتَنِي … ترَكْتُ على عثمانَ تَبْكِي حلائلُهْ (٤) فقال: كِدْتُ.
ومعناه: كِدْتُ أَفْعَلُ.
وقال آخرون: معنى: ﴿أُخْفِيهَا﴾: أُظْهِرُها.
وقالوا: الإخفاءُ والإسرارُ قد تُوجِّهُهما العربُ إلى معنى الإظْهارِ.
واسْتَشْهَد بعضُهم لِقيلِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ (٥): فلَمَّا رأى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيفَهُ … أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا وقال: عَنَى بقولِه: أسرَّ: أَظْهَرَ.
قال: وقد يجوزُ أن يكونَ معنَى قولِه: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [سبأ: ٣٣]: وأَظْهَرُوها.
قال: وذلك لأنَّهم قالوا: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧].
وقال جميعُ هؤلاءِ الذين حَكَيْنا قولَهم: جائزٌ أن يكونَ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِى.
أن يكونَ أراد: أُخْفِيها من قِبَلى ومِن عندِى.
وكلُّ هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْنا توجِيهٌ مِنهم للكلامِ إلى غيرِ وَجْهِه المعروفِ، وغيرُ جائزٍ توجِيهُ معاني كلامِ اللهِ جل وعز إلى غيرِ الأغْلَبِ عليه مِن وجوهِهِ عندَ المخاطَبين بهِ، ففى ذلك - مع خِلافِهم تأويلَ أهلِ العلمِ فيه - شاهِدا (١) عَدْلٍ على خطأِ ما ذهَبوا إليه فيه.
وقولُه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾.
يقولُ جل ثناؤُه: إن الساعةَ آتيةٌ؛ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾.
يقولُ: لتثابَ كلُّ نفسٍ امْتَحَنها ربُّها بالعبادةِ في الدنيا ﴿بِمَا تَسْعَى﴾.
يقولُ: بما تعملُ مِن خيرٍ وشَرٍّ، وطاعةِ ومعصيةٍ.
وقولُه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَرُدَّنك يا موسى عن التأهُّبِ للساعةِ ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾.
يعنى: من لا يُقرُّ بقيامِ الساعة، ولا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ المماتِ، ولا يَرجُو ثوابًا، ولا يخافُ عقابًا.
وقولُه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.
يقولُ: اتَّبَع هوَى نفسه، وخالَفَ أَمرَ اللهِ ونَهْيَه، ﴿فَتَرْدَى﴾.
يقولُ: فتَهْلِكَ إن أنتَ انْصَدَدتَ عن التأهُّبِ للساعةِ، وعن الإيمانِ بها، وبأن الله باعثٌ الخلقَ لقيامِها من قبورِهم بعدَ فَنائِهِم بِصَدِّ مَن كفَر بها.
وكان بعضُهم يزعُم أن الهاءَ والألفَ من قولِه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ كنايةٌ عن ذكْرِ "الإيمانِ".
قال: وإنما قيل: ﴿عَنْهَا﴾ وهى كنايةٌ عن "الإيمانِ"، كما قيل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
يذهَبُ إلى "الفِعْلة".
ولم يَجْرِ للإيمانِ ذكْرٌ في هذا الموضعِ فيُجْعَلَ ذلك من ذِكْرِه، وإِنما جَرَى ذَكْرُ الساعةِ، فهو بأن يكونَ مِن ذِكْرِها أولى.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما هذه التي هي في يمينِكَ يا موسى؟
فالباءُ في قولِه: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ من صِلَة ﴿تِلْكَ﴾.
والعربُ تَصِلُ "تلك" و "هذه"، كما تَصِلُ "الذي".
ومنه قولُ يزيدَ بن مُفَرِّغٍ (١): عدَسْ ما لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمارَةٌ … أَمِنْت وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ كأنه قال: والذي تَحْملِين طَلِيقٌ.
ولعلَّ قائلًا أن يقولَ: وما كان (٢) وجهُ استخبارِ اللهِ ﷿ موسى عمَّا في يدِه، ألم يكنْ عالمًا بأن الذي في يدِه عصًا؟
قيل له: إن ذلك على غير الذي ذهبتَ إليه، وإنما قال ذلك تعالى ذكرُه له إذ أراد أن يحوِّلَها حيَّةً تَسْعَى [وهى خشبةٌ، فنبَّهه عليها] (٣)، وقرَّره بأنها خشبةٌ يتوكَّأُ عليها ويَهُشُّ بها على غنمِه، ليعرِّفَه قُدْرتَه على ما شاء، وعظيمَ سلطانِه، ونفاذ أمرِه فيما أحبَّ، بتحويلِه إيَّاها حيَّةً تَسْعَى إذا أراد ذلك (٤)؛ ليجعَلَ ذلك لموسى آيةً مع سائر آياتِه إلى فرعونَ وقومِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن موسى: قال موسى مجيبًا لربِّه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ اليابسَ فيسقُطُ ورقُها فترعاه غنمي.
يقالُ منه: هشَّ فلانٌ الشجرَ يهُشُّ هَشًّا.
إذا اخْتَبط ورقَ أغصانِها فسقَط ورقُها، كما قال الراجزُ (١): أهُشُّ بالعَصا على أَغْنَامي من ناعمِ الأَرَاكِ والْبَشامِ (٢) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادَة في قولِه: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
قال: [أَخْبِطُ بها الشجرَ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
قال: كان نبيُّ اللهِ الله موسى ﷺ يهُشُّ على غنمِه ورقَ الشجرِ.
حدَّثني، موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ للغنمِ، فيقَعُ الورقُ (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
قال] (٥): يتوكَّأُ عليها حينَ يَمشى مع الغنمِ، ويهُشُّ بها؛ يحرِّكُ الشجرَ حتى يسقُطَ الورقُ؛ الحَبلةُ (١) وغيرُها (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عكرمةَ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
قال: أضرِبُ بها الشجرَ، فيسقُطُ ورقُها عليَّ.
حدَّثني عبدُ اللهِ بن أحمدَ بن شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ (٣)، قال: ثنا حسينٌ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
قال: أضرِبُ الشجرَ فيتساقطُ الورقُ على غنمى (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
[يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ حتى يسقُطَ منه ما تأكُلُ غنمى] (٥).
وقولُه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
يقولُ: ولى في عصايَ هذه حوائجُ أُخرى.
وهي جمعُ مأْرُبةٍ، وفيها للعربِ لغاتٌ ثلاثٌ؛ مأْرُبةٌ بضمِّ الراءِ، ومأْرَبةٌ بفتحِها، ومأْرِبةٌ بكسرِها، وهى مَفْعُلةٌ، من قولهم: لا أَرَبَ لى في هذا الأمرِ.
أي: لا حاجةَ لي فيه.
وقيل: ﴿أُخْرَى﴾ - وهى (٦) مآربُ جمعٌ - ولم يقل: أُخَرُ.
كما قيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
وقد بيَّنتُ العلةَ في توحيدِ (٧) ذلك هنالك (١).
وبنحوِ الذي قلنا في معنى المآربِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حَرْبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال: حوائجُ أُخرى قد علِمتَها (٢).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
يقولُ: حاجةٌ أُخرى (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٤)، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال: حاجاتٌ؛ منافعُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال: حاجاتٌ] (٦).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
يقولُ: حوائجُ أُخرى؛ أحمِلُ عليها المِزْودَ والسِّقاءَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال: حوائجُ أُخرى.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال حاجاتٌ أُخرى (٢)؛ منافعُ أُخرى (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
أي: منافعُ أُخرى (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال: حوائجُ أُخرى سوى ذلك.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
قال: حاجاتٌ أُخرى.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: ألقِ عصاك التي بيمينِك يا موسى.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فألقاها موسى، فجعَلها اللهُ حيَّةٌ تَسْعَى، وكانت قبلَ ذلك خشبةً يابسةً، وعصا يتوكَّأُ عليها موسى، ويهُشُّ بها على غنمِه، فصارت حيةً بأمرِ اللهِ.
كما حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضبِّيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قيل لموسى: أَلْقِها يا موسى.
ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ولم تكنْ قبلَ ذلك حيةً.
قال: فمرَّت بشجرةٍ فأكَلتها، ومرَّت بصخرةٍ فابتلَعتها.
قال: فجعَل موسى يسمَعُ وقعَ الصخرةِ في جوفِها.
قال: فولَّى مُدْبِرًا، فنُودِىَ أن يا موسى خُذْها.
فلم يأخُذْها، ثم نُودِيَ الثانيةَ: أن ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾.
فلم يأخُذْها، فقيل له في الثالثةِ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١].
فأخَذها (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: قال له، يعني لموسى، ربُّه: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ يعنى: عصاه.
﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
فنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي (٢) لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣) [النمل: ١٠].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: تهتزُّ، لها أنيابٌ وهيئةٌ كما شاء اللهُ أن تكونَ، فرأى أمرًا فظيعًا، فولَّى مدبرًا ولم يعقِّبْ، فناداه ربُّه: يا موسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (١).
وقولُه: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: خُذِ الحيةَ.
والهاءُ والألفُ من ذكرِ "الحيةِ"، ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تخفْ من هذه الحيةِ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
يقولُ: فإنا سنعيدُها لهيئتِها الأولى التي كانت عليها قبلَ أن نصيِّرَها حيةً، ونردَّها عصًا كما كانت.
يقال لكلِّ من كان على أمرٍ فترَكه، وتحوَّل عنه ثم راجَعه: عاد فلانٌ سيرتَه الأولى، وعاد لسيرتِه الأولى، وعاد إلى سيرتِه الأولى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
يقولُ: حالَتَها الأُولى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا] (٣) الْأُولَى﴾.
قال: هيئتَها (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
أي: سنردُّها عصًا كما كانت (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
قال: إلى هيئتِها الأُولى.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واضمُمْ يا موسى يدَك فَضَعْها تحتَ عَضُدِك.
والجناحانِ هما اليدانِ.
كذلك رُوِىَ الخبرُ عن أبي هريرةَ وكعبِ الأحبارِ.
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم يقولون: هما الجَنْبان.
وكان بعضُهم يستشهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الراجزِ (٢): أضُمُّهُ للصدرِ والجَنَاحِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾.
قال: كفُّه تحتَ عضُدِه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
ذُكِر أن موسى ﵇ كان رجلًا آدمَ، فَأَدْخَل يدَه في جيبِه، ثم أَخْرَجها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ؛ من غيرِ بَرَصٍ، مثلَ الثلجِ، ثم ردَّها، فخرَجت كما كانت على لونِه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةَ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ (١) بذلك.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: من غيرِ بَرَصٍ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
قال: من غيرِ برصٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
قال: من غيرِ برَصٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
قال: من غيرِ بَرَصٍ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: [السوءُ البياضُ] (٢)؛ من غيرِ برَصٍ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكِ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: من غيرِ برَصٍ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
قال: أخْرَجها اللهُ مِن غيرِ سوءٍ؛ من غيرِ برَصٍ، فعلِم موسى أنه لقِى ربَّه (٥).
وقولُه: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾.
يقولُ: وهذه علامةٌ ودلالةٌ أُخرى غيرُ الآيةِ التي أَرَيْناك قبلَها من تحويلِ العصا حيةً تسعى - على حقيقةِ ما بعَثناك به من الرسالةِ لمن بعَثناك إليه.
ونصبَ ﴿آيَةً﴾ على اتصالِها بالفعلِ، إذ لم يظهَرْ لها ما يُرافِعُها (٦) من "هذه" أو "هي".
وقولُه: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.
يقولُ: واضمُمْ يدَك يا موسى إلى جَناحِك تخرُجْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ، كى نُريَك من أدلَّتِنا (١) الكبرى على عظيمِ سلطانِنا وقدرتِنا.
وقال: ﴿الْكُبْرَى﴾ فوحَّد، وقد قال: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾.
كما قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
وقد بيَّنا ذلك هنالك (٢).
وكان بعضُ أهلِ البصرةِ يقولُ (٣): إنما قيل: ﴿الْكُبْرَى﴾؛ لأنه أُرِيد بها التقديمُ، كأن معناها عندَه: لنريَك الكُبرى من آياتِنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: اذْهَبْ يا موسى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.
يقولُ: تجاوَز قدْرَه، وتمرَّد على ربِّه.
وقد بيَّنا معنى "الطغيانِ" فيما مضى بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغنى بفهمِ السامعِ بما ذُكِر منه، وهو قولُه: اذْهَبْ إلى فرعونَ إِنه طَغَى، فادْعُه إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، وإرسالِ بنى إسرائيلَ معك.
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: قال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾.
[يقولُ: اشْرَحْ لى صَدْرى] (٥) لأعِيَ عنك ما تُودِعُه مِن وحيِك، وأجْترئَ به على خطابِ فرعونَ، ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾.
يقولُ: وسَهِّلْ لى (٦) القيامَ بما تُكلِّفُنى من الرسالةِ، وتحمِّلُنى من الطاعةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾.
قال: جرِّئْه (١) لى.
وقولُه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾.
يقولُ: وأَطْلِقْ لساني بالمنطقِ.
وكانت فيه - فيما ذُكِر - عُجْمةٌ عن الكلامِ للذى (٢) كان من إلقائِه الجمرةَ إلى فيه يومَ همَّ فرعونُ بقتلِه.
ذكرُ الروايةِ بذلك عمن قاله حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيحٍ، عن [سعيدِ بن جبيرٍ] (٣) في قولِه: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾.
قال: عجمةً، الجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حين أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا عدوٌّ لى.
فقالت [له: إنه لا يعقِلُ] (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾: لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تدرَأُ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حينَ أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا عدوٌّ لي.
فقالت له: إنه لا يعقِلُ.
هذا قولُ سعيدِ بن جبيرٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾.
قال: عجمةً، لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه، عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ حينَ أَخَذ بلحيتِه (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما تحرَّك الغلامُ - يعنى موسى - أرَته (٢) أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي ترقِّصُه وتلعبُ به، إذ ناولَته فرعونَ وقالت: خذْه.
فلما أخَذه إليه أخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، فقال فرعونُ: عليَّ بالذَّبَّاحين.
قالت آسيةُ: لا تَقْتُلُوه، عسى أن يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَه ولدًا، إنما هو صبيٌّ لا يعقِلُ، إنما صنَع هذا من صِباه، وقد علِمتَ أنه ليس في أهلِ مصرَ أَحْلَى منى، أنا أضعُ له حَلْيًا من الياقوتِ، وأضعُ له جمرًا، فإن أخَذ الياقوتَ فهو يعقِلُ فاذبَحْه، وإن أخَذ الجمرَ فإنما هو صبيٍّ.
فأَخْرَجت له ياقوتَها ووضعت له طسْتًا من جمرٍ، فجاء جبريلُ فطرَح في يدِه جمرةً، فطرَحها موسى في فيه، فأَحْرَقت لسانَه، فهو الذي يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.
فزالَت (٣) عن موسى من أجلِ ذلك (٤).
وقولُه: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يقولُ: يَفْهَموا (٥) عنى ما أُخاطبُهم وأُراجعُهم به من الكلامِ، ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ يقولُ (١): واجعَلْ لى عونًا [﴿مِنْ أَهْلِي﴾.
يقولُ] (٢): من أهلِ بيتى ﴿هَارُونَ أَخِي﴾.
وفى نصبِ ﴿هَارُونَ﴾ وجهان؛ أحدُهما، [أن يكونَ منصوبًا بقوله: ﴿وَاجْعَلْ﴾.
فيكونَ "الوزيرُ" على هذا الوجهِ إذا نُصِب فعلًا لـ ﴿هَارُونَ﴾.
والآخرُ] (٣)، أن يكونَ "هارونُ" منصوبًا على الترجمةِ عن "الوزيرِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان هارونُ أكبرَ من موسى (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن موسى أنه سأل ربَّه أن يشدُدَ أَزْرَه بأخيه هارونَ.
وإنما يعنى بقولِه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به (٥) ظَهْرى، وأَعِنِّي به.
يقالُ منه: قد آزَر فلانٌ فلانًا.
إذا أعانه وشدَّ ظهرَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
يقولُ: اشدُدْ به ظهرى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
يقولُ: اشْدُدْ به أمرى، وقوِّنى به، فإن لي به قوّةً (١).
وقولُه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
يقولُ: واجعَلْه نبيًّا مثلَ مَا جَعَلتَنى نبيًّا، وأَرْسِلْه معى إلى فرعونَ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾.
يقولُ: كي نعظِّمَك بالتسبيحِ لك كثيرًا، ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فنُمجِّدَك ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾.
يقولُ: إنك كنت ذا بصَرٍ بنا، لا يخْفى عليك من أفعالِنا شيءٌ.
وذُكِر عن عبدِ اللهِ بن أبي إسحاقَ أنه كان يقرأُ: (أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِى).
بفتحِ الألفِ من (أَشْدُدْ)، (وأُشْرِكْهُ في أَمْرِى) بضمِّ الأُلفِ من (أُشْرِكْهُ) (٢).
بمعنى الخبرِ من موسى عن نفسِه أنه يفعَلُ ذلك، لا على وجهِ الدعاءِ، وإذا قُرِئ ذلك كذلك جُزِم "أَشَدُدْ" و "أُشْرِكْ" على الجزاءِ، أو (٣) جوابِ الدعاءِ.
وذلك قراءةٌ لا أرى القراءةَ بها، وإن كان لها وجهٌ، مفهومٌ، لخلافِها قراءةَ الحجةِ التي لا يجوزُ خلافُها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: قد أُعْطِيتَ ما سألتَ يا موسى ربَّك من شرحه صدرَك، وتيسيرِه لك أمرَك، وحَلِّ عقدةِ لسانِك، وتصييرِ أخيك هارونَ وزيرًا لك، وشَدِّ أَزْرِك به، وإشراكِه في الرسالةِ معك.
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد تطوَّلنا عليك يا موسى قبلَ هذه المرّةِ مرّةً أخرى، وذلك حينَ أَوْحَينا إلى أمِّك إذ ولَدَتك في العامِ الذي كان فرعونُ يقتُلُ كلَّ مولودٍ ذكَرٍ من قومِك - ما أَوْحَينا إليها، ثم فسَّر تعالى ذكرُه ما أَوْحَى إلى أمِّه، فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾.
فـ ﴿أَنِ﴾ في موضعِ نصبٍ ردًّا على ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا يُوحَى﴾.
وترجمةً عنها.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد مننَّا عليك يا موسى مرّةً أخرى حينَ أَوْحَينا إلى أمِّك أن اقْذِفى ابنَك موسى - حينَ ولَدَتكَ - في التابوتِ، ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
يعنى باليَمِّ النيلَ، ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾.
يقولُ: فاقْذِفيه في اليَمِّ، يُلْقِه اليمُّ بالساحلِ.
وهو جزاءٌ أُخْرِج مُخْرَجَ الأمرِ، كأنَّ اليمَّ هو المأمورُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.
[العنكبوت: ١٢].
بمعنى: اتبعوا سبيلَنا نحمِلْ عنكم خطاياكم.
ففعَلت ذلك أمُّه به فألقاه اليمُّ بمَشْرَعَةِ آلِ فرعونَ.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما ولَدَت موسى أمُّه أَرْضَعته، حتى إذا أمَر فرعونُ بقتلِ الولدانِ من سنتِه تلك، عمَدت إليه، فصنَعت به ما أمَرها اللهُ ﵎، جعَلته في تابوتٍ صغيرٍ، ومهَّدت له فيه، ثم عمَدت إلى النيلِ فقذَفته فيه، فأصبَح فرعونُ في مجلسٍ له كان يجلِسُه على شفيرِ النيلِ كلَّ غداةٍ، فبينا هو جالسٌ، إذ مرَّ النيلُ بالتابوتِ فقذَف به وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ امرأتُه جالسةٌ إلى جنبِه، فقال: إن هذا لشيءٌ في البحرِ، فأتونى به.
فخرَج إليه أعوانُه حتى جاءوا به، ففتَح التابوتَ فإذا فيه صبيٌّ في مهدِه، فألقى اللهُ عليه محبتَه، وعطَف عليه نفسَه (١).
وعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾.
فرعونَ، وهو العدوُّ كان للهِ ولموسى.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾: وهو البحرُ، وهو النيلُ (١).
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى "المحبةِ" التي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك أنه حبَّبه إلى عبادِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصدائيُّ والعباسُ بنُ محمدٍ الدُّوريُّ، قالا: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن سلَمةَ بن كُهيلٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
قال عباسٌ: حبَّبتك إلى عبادى.
وقال الصُّدائيُّ: حبَّبتك إلى خلقى (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي: حسَّنتُ خَلَقَك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ مَهْدِيٍّ، عن رجلٍ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
قال: حُسْنًا وملاحةً (٣).
قال أبو جعفرٍ: والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله عزّ وجلّ أَلْقَى محبتَه على موسى ﵇، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فحبَّبه إلى آسيةَ امرأةِ فرعونَ حتى تبنَّته وغدَّته وربَّته، وإلى فرعونَ حتى كفَّ عنه عادِيتَه وشرَّه.
وقد قيل: إنما قيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾؛ لأنه حبَّبه إلى كلِّ مَن رآه.
ومعنى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: حبَّبْتك إليهم.
يقولُ الرجلُ لآخرَ إذا أحبَّه: ألقيتُ عليك رحمتى.
أي: محبتى.
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولتُغَذَّى وتُرَبَّى على محبتى وإرادتي.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
قال: هو غذاؤُه، ولتُغَذَّى على عينى (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
قال: جَعَله في بيتِ الملكِ ينعَمُ ويترَفُ، غذاؤُه عندَهم غذاءُ الملكِ، فتلك الصَّنْعةُ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعينى في أحوالك كلِّها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
قال: أنت بعيني إذ جعَلَتك أمُّك في التابوتِ، ثم في البحرِ، ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ (١).
وقرأ ابن نَهيك: (وَلِتَصْنَعَ [على عينى)] (٢) بفتح التاءِ.
وتأوَّله كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقرأُ: (وَلِتَصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فسألتُه عن ذلك، فقال: ولتَعْمَلَ على عينى (٣).
قال أبو جعفرٍ: والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرها: ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها.
فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به التأويلُ الذي تأوَّله قتادةُ، وهو: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: ولتغَذَّى على عينى ألقيتُ عليك المحبةَ منى.
وعنى بقولِه: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منى ومحبةٍ وإرادةٍ.
وقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ تمشِى أختُك تبتغيك (٤) حتى وجَدَتك، ثم تأتى من يطلُبُ المراضعَ لك، فتقولُ: هل أدُلُّكم على مَن يَكْفُلُه؟
وحُذِف من الكلامِ ما ذكرتُ بعد قولِه: ﴿إِذْ تَمْشِي﴾.
استغناءً بدلالة الكلامِ عليه.
وإنما قالت أختُ موسى ذلك لهم لِما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما ألقَته أمُّه في اليمِّ وقالت لأختِه: قصِّيه.
فلما التقَطه آلُ فرعونَ، وأرادوا له المرضِعاتِ، فلم يأخُذْ من أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يطلُبْنَ ذلك لينزِلْنَ عند فرعونَ في الرَّضاعِ، فأبَى أن يأخُذَ، فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢].
فأخَذوها وقالوا: بل قد عرفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهلِه.
فقالت: ما أعرِفُه، ولكنى إنما قلتُ: هم للملكِ ناصحون (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت - يعنى أمَّ موسى لأختِه -: قُصِّيه فانظُرى ماذا يفعَلون به.
فخرَجت في ذلك، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
وقد احتاج إلى الرَّضاعِ والتَمس الثديَ، وجمَعوا له المراضعَ حينَ أَلْقَى اللهُ [محبتَهم عليه] (٢)، فلا يُؤْتَى بامرأةٍ فيقبَلُ ثَدْيَها، فيُرْمِضُهم (٣) ذلك، فيُؤْتَى بمُرْضِعٍ بعد مُرْضِعٍ، فلا يقبَلُ شيئًا منهن (٤)، فقالت لهم أختُه حينَ رأت من وَجْدِهم به وحرصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
أي: لمنزلتِه عندَكم وحرصِكم على مسرَّةِ الملكِ (٥).
وعنَى بقولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: هل أدلُّكم على من يضمُّه إليه فيحضُنَهُ (١) ويُرْضِعَه ويربِّيَه.
وقيل: معنى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: ضمَّها.
وقولُه: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فرَدَدناك إلى أُمِّك بعدَ ما صرتَ في أيدى آلِ فرعونَ، كيما تقرَّ عينُها بسلامتِك ونجاتِك من القتلِ والغرقِ في اليمِّ، وكيلا تحزنَ عليك من الخوفِ من فرعونَ عليك أن يقتُلَك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قالت أختُ موسى لهم ما قالت، قالوا: هاتى.
فأتت أمَّه فأخبرتْها، فانطلقت معها حتى أتَتهم، فناولوها إيَّاه، فلما وَضعته في حِجْرِها أَخَذ ثديَها، وسُرُّوا بذلك منه، وردَّه اللهُ إلى أمِّه كي تقرَّ عينُها ولا تحزنَ، فبلَغ لطفُ اللهِ لها وله أن ردَّ عليها ولدَها، وعطَف عليها نَفْعَ فرعونَ وأهلِ بيتِه، مع الأمَنةِ من القتلِ الذي يُتَخَوَّفُ على غيرِه، فكأنَّهم كانوا من أهلِ بيتِ فرعونَ في الأمانِ والسَّعَةِ، فكان على فُرُشِ فرعونَ وسُرُرِه (٢).
وقولُه: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك قتله القِبْطيَّ الذي قتَله حينَ استغاثه عليه الإسرائيليُّ، فوكَزه موسى.
وقولُه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فنجَّيناك من غمِّك بقتلِك النفسَ التي قتلتَ، إذ أرادوا أن يقتُلوك بها فخلَّصناك منهم، حتى هرَبتَ إلى أهلِ مَدْينَ، فلم يَصِلوا إلى قتلِك وقَوَدِك به.
وكان قتلُه إيَّاه، فيما ذُكِر، خطأً.
كما حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن أبيه، عن سالمٍ، عن عبدِ الله بن عمرَ، قال: سمِعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنما قتَل موسى الذي قتَل من آلِ فرعونَ خطأً، فقال اللهُ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (١).
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ (٢).
قال: من قتلِ النفسِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: النفسِ التي قتَل.
واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ابتليناك ابتلاءً، واختَبرناك اختبارًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
يقولُ: اختَبرناك اختبارًا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
قال: ابْتُلِيتَ بلاءً (١).
حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ الآمُليُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخبَرنا أَصْبَغُ بن زيدٍ الجُهَنيُّ، قال: أخبَرنا القاسمُ بنُ أبي (٢) أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن عباسٍ عن قولِ اللهِ لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
فسأَلْتُه عن (٣) الفُتُونِ ما هي؟
فقال لي: استأنفِ النهارَ يا بنَ جُبيرٍ؛ فإن لها حديثًا طويلًا.
قال: فلما (٤) أصبحتُ غدوتُ على ابن عباسٍ لأنتجزَ منه ما وعَدنى.
قال: فقال ابن عباسٍ: تذاكَر فرعونُ وجلساؤُه ما وعَد اللهُ إبراهيمَ أن يجعَلَ في ذَرِّيتِه أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضُهم: إن بنى إسرائيلَ ينتظرون ذلك وما يشكُّون، ولقد كانوا يظنُّون أنه يوسفُ بن يعقوبَ.
فلما هلَك قالوا: ليس هكذا كان اللهُ وعد إبراهيمَ.
فقال فرعونُ: فكيف ترَوْن؟
قال: فأْتَمَروا بينَهم، وأَجْمَعوا أمرَهم على أن يبعَثَ رجالًا معهم الشِّفارُ يطوفون في بنى إسرائيلَ، فلا يجِدون مولودًا ذكرًا إلا ذبَحوه، فلما رأَوا أن الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذْبَحون، قالوا: تُوشِكُون (٥) أن تُفْنُوا بنى إسرائيلَ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونكم، فاقتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلَّ أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تقتُلوا منهم أحدًا، فتشُبَّ الصغارُ مكانَ من يموتُ من الكبارِ، فإنهم لن يكثُروا بمن تَسْتَحيون منهم، فتخافون مُكاثَرتَهم إيَّاكم، ولن يَقِلُّوا بمن تقتُلون.
فأَجْمَعوا أمرَهم على ذلك، فحمَلت أمُّ موسى بهارونَ في العامِ المقبلِ الذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولَدته علانيةً آمنةً، حتى إذا كان العامُ المقبلُ حملت بموسى (١)، فوقَع في قلبِها الهمُّ والحزْنُ، وذلك من الفتونِ يا بنَ جبيرٍ؛ مما دخَل عليه في بطنِ أمِّه مما يرادُ به، فأَوْحَى اللهُ إليها ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧].
وأمَرها إذا ولَدته أن تجعَلَه في تابوتٍ، ثم تُلْقِيه في اليمِّ، فلما ولَدته فعلت ما أُمِرت به، حتى إذا تَوارَى عنها ابنُها أَتاها إبليسُ، فقالت في نفسِها: ما صنَعْتُ بابني، لو ذُبِح عندى فوارَيْتُه وكفَّنْتُه كان أحبَّ إليَّ من أن أُلْقِيَه بيدى إلى حيتانِ البحرِ ودوابِّه.
فانطلَق به الماءُ حتى أَوْفَى (٢) به عندَ فُرْضَةِ (٣) مُسْتَقَى جوارى آلِ فرعونَ، فرأيْنَه فأَخَذْنَه، فهَمَمْنَ أَن يَفْتَحْنَ البابَ، فقال بعضُهن (٤) لبعضِ: إن في هذا مالًا، وإنا إن فتَحْناه لم تُصَدِّقْنا امرأةُ فرعونَ بما وجَدنا فيه.
فحمَلنه كهيئتِه لم يحرِّكْن منه شيئًا، حتى دفَعنه، إليها، فلما فتَحته رأت فيه الغلام، فأُلْقِى عليه منها محبَّةٌ لم يُلْقَ مثلُها (٥) منها على أحدٍ من الناسِ، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠].
من ذكرِ (٦) كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى.
فلما سمِع الذبَّاحون بأمرِه أقْبَلوا إلى امرأةِ فرعونَ بشِفارِهم يريدون أن يذبَحوه - وذلك من الفتون يا بن جُبَيرٍ - فقالت للذبَّاحين: انصرِفوا عنى.
فإن هذا الواحدَ لا يزيدُ في بنى إسرائيلَ، فآتِى فرعونَ فأستوهبُه إياه، فإن وهبَه لى كنتم قد أَحْسَنتُم وأَجمَلتُم، وإن أمَر بذبحِه لم أَلُمْكم.
فلما أتَتْ به فرعونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩].
قال فرعونُ: يكونُ لكِ، [فأما أنا فلا حاجةَ لي فيه.
فقال [رسولُ اللهِ ﷺ] (١): "والذي يُحْلَفُ] (٢) به، لو أقرَّ فرعونُ أن يكونَ له قرَّةَ عينٍ كما أقرَّت به، لهداه اللهُ به كما هدَى به امرأتَه، ولكنَّ الله حرَمه ذلك".
فأَرْسَلت إلى من حولَها من كلِّ أنثى لها لبنٌ لتختارَ له ظئْرًا، فجعَل كلَّما أَخَذَته امرأةٌ منهن (٣) لتُرضِعَه لم يَقبَلْ ثديَها، حتى أَشْفَقت امرأةُ فرعونَ أن يَمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فحَزَنَها ذلك، فأمَرت به فأُخْرِج إلى السوقِ مجمَعِ الناسِ ترجو أن تُصيبَ له ظئرًا يأخذُ منها، فلم يقبَلْ من أحدٍ، وأصبحت أمُّ موسى، فقالت لأختِه: قُصِّيه واطلُبيه، هل تسمَعين له ذكرًا، أحيٌّ ابنى، أو قد أكَلتْه دوابُّ البحرِ وحيتانُه؟
ونَسِيتُ الذي كان اللهُ وعَدها، فبَصُرت به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يشعُرون، فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظُّئوراتُ: أنا أدلُّكم على أهلِ بيتٍ يكفُلونه لكم وهم له ناصحون.
فأخَذوها وقالوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم له، هل يعرفونه، حتى شكُّوا في ذلك - وذلك من الفتونِ يا بنَ جُبيرٍ - فقالت: نُصْحُهم له وشفقَتُهم عليه، رغْبتُهم في ظُئُورةِ الملكِ، ورجاءُ منفعتِه.
فترَكوها، فانطلقت إلى أمِّها فأَخْبَرتها الخبرَ، فجاءت، فلما وضَعَتْه في حَجْرِها نزا إلى ثديها حتى امْتَلأ جنباه، فانطلق البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يبشِّرونها أن قد وجَدنا لابنِك ظِئْرًا.
فَأَرْسَلت إليها، فأُتِيَت بها وبه.
فلما رأت ما يصنَعُ بها قالت: امْكُثى عندى (٤) تُرْضِعين (٥) ابنى هذا، فإنى لم أُحِبُّ حبَّه شيئًا قطُّ.
قال: فقالت: لا أستطيعُ أن أدَعَ بيتى وولدى فيضيعَ، فإن طابت نفسُكِ أن تُعْطِينِيه، فأذهبَ به إلى بيتى، فيكونَ معى لا آلوه خيرًا، فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتى وولدى.
وذكرت أمُّ موسى ما كان اللهُ وعَدها، فتعاسَرت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَت أن الله ﷿ منجِزٌ وعدَه، فرجَعت بابنِها إلى بيتِها من يومِها، فأنبَته اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظه لِما قضَى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم مُجْتمِعون في ناحيةِ المدينةِ يمتنِعون به من الظلمِ والسُّخْرةِ التي كانت فيهم، فلما تَرَعْرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى (١): أَزِيريني (٢) ابنى.
فوعَدَتها يومًا تُزِيرُها (٣) إيَّاه فيه، فقالت لحواضِنِها (٤) وظُئورتِها وفهارِمَتِها: لا يبقينَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابنى بهديةٍ وكرامةٍ ليرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينةً تُحْصِى كلَّ ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم.
فلم تَزَلِ الهديةُ والكرامةُ والتُّحَفُ تَسْتَقْبِلُه مِن حينَ خرَج مِن بيتِ أمِّه إلى أن دخَل على امرأةِ فرعونَ، فلما دخَل عليها نحَلَتْه (٥) وأَكْرَمَته، وفرِحَت به، وأَعْجَبها ما رأت مِن حُسْنِ أثرِها عليه، وقالت: انطلِقن (٦) به إلى فرعونَ، فليَنْحَلْه (٧) وليُكْرِمه.
فلمَّا دخَلن (٨) به عليه جعَلْنَه (٩) في حجره، فتَناوَل موسى لحية فرعونَ حتى مدَّها، فقال عدوٌّ مِن أعداءِ اللهِ: ألا تَرَى ما وعَد اللهُ إبراهيمَ أنه سيَصْرَعُك ويَعْلُوك.
فأرْسَل إلى الذَّباحين ليَذْبَحوه، وذلك من الفُتونِ يا بنَ جُبيرٍ، بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِى به وأُرِيد به.
فجاءت امرأةُ فرعونَ تَسْعَى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبيِّ الذي قد وهَبْتَه لى؟
قال: ألا تَرَيْنه يَزْعُمُ أَنه سَيَصْرَعُنى ويَعْلُونى!
فقالت: أجْعَلُ بينى وبينَك أمرًا تَعْرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرَتين ولُؤلؤتَيْن، فقرِّبْهن إليه، فإن بطَش باللؤلؤتين واجْتَنَب الجمْرتَيْن علِمْتَ أنه يَعْقِلُ، وإن تَناوَل الجمرتين ولم يُرِدِ اللؤلؤتين، فاعْلَمْ أَن أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يَعْقِلُ.
فقرَّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنزَعوهما منه مَخافةَ أن تُحْرِقا يدَه، فقالت المرأةُ: أَلا تَرَى!
فصرَفه اللهُ عنه بعدَ ما كان (١) قد همَّ به، وكان اللهُ بالغًا فيه أمرَه.
فلما بلغ أَشُدَّه وكان مِن الرجالِ، لم يَكُنْ أَحدٌ مِن آلِ فرعونَ يَخْلُصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امْتَنعوا كلَّ امتناعٍ، فبينما هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجلين يَقْتَتِلان؛ أحدُهما مِن بنى إسرائيلَ، والآخرُ مِن آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغضِب موسى واشْتَدَّ غضبُه؛ لأنه تَناوَله وهو يَعْلَمُ منزلةَ موسى من بني إسرائيلَ، وحفِظَه لهم، ولا يَعْلَمُ الناسُ إلا أنما ذلك مِن قِبَل الرَّضاعة غيرَ (٢) أمِّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَعَ موسى موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفرعونيَّ فقتَله، وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتل الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦].
فأصبَح في المدينةِ.
خائفًا يَتَرَقَّبُ الأخبارَ، فأُتِى فرعونُ، فقيل له: إن بني إسرائيلَ قد قتَلوا رجلًا من آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحقِّنا ولا تُرَخِّصْ لهم في ذلك.
فقال: ابْغُونى قاتلَه ومَن يَشْهَدُ عليه؛ لأنه لا يَسْتَقِيمُ أَن نَقْضِى بغيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ.
فطلبوا له ذلك، فبينما هم يطوفون لا يَجِدون ثَبَتًا، إذ مرَّ موسى من الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ فرعونيًّا، فاسْتَغاثه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَف موسى وقد ندِم على ما كان منه بالأمسِ، وكرِه الذي رأى، فغضب موسى فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يَبْطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لِما فعَل بالأمسِ واليومَ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨].
فنظَر الإسرائيليُّ إلى (١) موسى بعدَ ما قال [ما قال] (٢)، فإذا هو غضبانُ كغضبِه بالأمسِ الذي قتَل فيه الفرعونيَّ، فخاف أن يكونَ بعدَ ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
أن يكونَ إيَّاه أراد، ولم يَكُنْ أراده (٣)، إنما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَز الفرعونيَّ فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩].
وإنما قال ذلك مَخافةَ أن يكونَ إياه أراد موسى ليَقْتُلَه، فتَتاركَا، فانْطَلَق الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخْبرهم بما سمِع من الإسرائيليِّ من الخيرِ حينَ يقولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
فأرْسَل فرعونُ إلى الذَّبَّاحين، فسلَك موسى الطريقَ الأعظمَ، فطلَبوه وهم لا يَخافون أن يَفوتَهم، وكان (٤) رجلٌ مِن شِيعةِ موسى مِن أقصى المدينةِ، فاخْتَصَر طريقًا قريبًا حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخْبَره الخبرَ، وذلك من الفتون يابنَ جبيرٍ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (١)، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فُتُونًا﴾.
قال: بلاءً؛ إلقاؤُه في التابوتِ، ثم في البحرِ، ثم التقاطُ آلِ فرعونَ إياه، ثم خروجُه خائفًا (٢).
قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصمٍ: خائفًا أو جائعًا.
شكَّ أبو عاصمٍ.
وقال الحارثُ [في حديثِه] (٣): خائفًا يترقَّبُ.
ولم يَشُكَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وقال: خائفًا يترقَّبُ.
ولم يَشُكَّ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
يقولُ: ابْتَلَيْناك بلاءً (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: هو (٥) البلاءُ على إِثْرِ البلاءِ (٦).
وقال آخرون: معنى ذلك: أخْلَصْناك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٧)، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: أَخْلَصْناك إخلاصًا (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُفَسِّرُ هذا الحرفَ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
قال: أخْلَصْناك إخلاصًا.
وقد بيَّنا فيما مضَى من كتابِنا هذا معنى "الفتنةِ"، وأنها الابتلاءُ والاختبارُ، بالأدلةِ المُغْنيةِ عن الإعادةِ في هذا الموضعِ (٢).
وقولُه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾.
وهذا كلامٌ (٣) قد حُذِف منه بعضُ ما به تمامُه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر عما حُذِف.
ومعنى الكلامِ: وفتَنَّاك فُتونًا، فخرَجْتَ خائفًا إلى أهلُ مَدْينَ، فلبثْتَ سنينَ فيهم.
وقولُه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم جئتَ للوقتِ الذي أرَدْنا إرسالَك إلى فرعونَ رسولًا ولمقدارِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.
يقولُ: لقد جئتَ لميقاتٍ يا موسى (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا [عن ابن أبي نجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.
قال: موعدٍ (٢).
[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: على ذى موعدٍ] (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.
قال: قدَرِ الرسالةِ والنبوةِ (٤).
والعربُ تقولُ: جاء فلانٌ على قدرٍ.
إذا جاء لميقاتِ الحاجةِ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ (٥): [نال الخلافةَ أو] (٦) كانتْ له قَدَرًا … كما أتَى ربَّه موسى على قدَرِ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: أَنْعَمْتُ عليك يا موسى هذه النعمَ، ومنَنْتُ عليك هذه المننَ؛ اجتباءً منى لك، واختيارًا لرسالتي والبلاغِ عنى، والقيامِ بأمرى ونهيى، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ هارونُ، ﴿بِآيَاتِي﴾.
يقولُ: بأدِلَّتى وحُجَجِي، اذْهَبا إلى فرعونَ بها، إنه تَمرَّد في ضلالِه وغيِّه، فأبْلِغاه رسالتي، ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
يقولُ: ولا تَضْعُفا في أن تَذْكُراني فيما أمَرْتُكما ونَهَيْتُكما، فإن ذكْرَكما إياى يُقَوِّى عَزائمَكما، ويُثَبِّتُ أفدتَكما (١)؛ لأنكما إذا ذكَرْتُماني، ذكَرْتُما منى عليكما نعمًا جَمَّةً، ومِننًا لا تُحْصَى كثرةً.
يقالُ منه: ونَى فلانٌ في هذا الأمرِ، وعن هذا الأمرِ.
إذا ضعُف، وهو يَنِى وَنًى، كما قال العَجَّاجُ (٢): فما ونَى محمدٌ مُذْ أَن غَفَرْ … له الإلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾.
يقولُ: لا تُبْطِئا (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
يقولُ: ولا تَضْعُفا في ذكرى (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
قال: لا تَضْعُفا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنِيَا﴾: تَضْعُفا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
يقولُ: لا تَضْعُفا في ذكرى.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا] (٢) معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
قال: لا تَضْعُفا (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ [يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ] (٤) يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
يقولُ: لا تَضْعُفا.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
قال: الوانى هو الغافلُ المُفَرِّطُ، ذلك الوانى.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لموسى وهارونَ: فقولا لفرعونَ قولًا ليِّنًا.
ذُكِر أن القولَ اللينَ الذي أمَرَهما اللهُ أن يقولاه له، هو أن يُكَنِّياه.
حدَّثني جعفرُ ابن بنتِ إسحاقَ بن يوسُفَ الأزرقِ (١)، قال: ثنا سعيدُ بنُ محمدٍ الثقفيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحٍ، عن السديِّ [في قولِه] (٢): ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾.
قال: كَنِّياه (٣).
وقولُه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
اخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿لَعَلَّهُ (٤)﴾.
في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناها ههنا الاستفهامُ.
كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى (٥): فقولا له قولًا لينًا، فانْظُرَا هل يَتَذَكَّرُ فيُراجِعَ (٦)، أَو يَخْشَى الله فَيَرْتَدِعَ عن طغيانِه؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
يقولُ: هل يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى (٧)؟
وقال آخرون: معنى "لعلَّ" ههنا: كى.
ووجَّهوا معنى الكلامِ إلى: اذهبا إلى فرعونَ إنه طغَى فَادْعُواه وعِظاهِ ليَتَذَكَّرَ أو يَخْشَى.
كما (٨) يقولُ القائلُ: اعْمَلْ عملَك لعلك تَأْخُذُ أجرَك.
بمعنى: لِتَأْخُذَ أجرَك.
وافْرُغْ من عملِك لعلنا نَتَغَدَّى.
بمعنى: لنَتَغَدَّى، أو حتى نَتَغَدَّى.
ولكلا هذين القولين وجهٌ حسنٌ، ومذهبٌ صحيحٌ.
وقولُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهارونُ: ربَّنا إننا نخافُ فرعونَ إن نحن دعَوْناه إلى ما أمَرْتَنا أَن نَدْعُوه إليه، أن يَعْجَلَ علينا بالعقوبةِ.
وهو من قولِهم: فرَط منى إلى فلانٍ أمرٌ.
إذا سبَق منه ذلك إليه، ومنه فارِطُ القومِ، وهو المتعجِّلُ المتقدمُ أمامَهم إلى الماءِ أو المنزلِ، كما قال الراجزُ (١): قد فرط العِلْجُ علينا وعجَلْ فأما الإفراطُ فهو الإسرافُ والاشتطاطُ والتعَدِّى، يقالُ منه: أَفْرَطَتَ في قولِك.
إذا أسْرَف فيه وتعدَّى.
وأما التفريطُ فإنه التَّوانى، يقالُ منه: فرَّطْتَ في هذا الأمرِ حتى فات.
إذا تَوانَى فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾.
قال: عقوبةً منه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾.
قال: نَخَافُ أن يَعْجَلَ علينا إذ (١) نُبَلِّغُه كلامَك أو أمرَك، يَفْرُطُ (٢)؛ يعْجَلُ.
وقرَأ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى وهارونَ: ﴿لَا تَخَافَا﴾ فرعونَ، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينُكما عليه وأنصُرُكما (٤)، ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يَجْرِى بينَكما وبينَه، فأُنْهِمُكما ما تُحاوِرانِه به، ﴿وَأَرَى﴾ ما تَفْعَلان ويَفْعَلُ، لا يَخْفَى عليَّ مِن ذلك شيءٌ، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا﴾ له: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
[قال ابن جريجٍ: أسمعُ وأرى] (٥) ما يُحاوِرُكما (٦)، فأُوحِى إليكما فتُجاوِبانِه (٧).
وقولُه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
[يقولُ تعالى ذكرُه: فأْتيا فرعونَ فقولا: إنا رسولا ربِّك] (١) [إليك (٢)، أرْسَلَنا] (٣) إِليك يَأْمُرُكَ أَن تُرْسِلَ معنا بني إسرائيلَ، فأرْسِلْهم معنا ولا تُعَذِّبُهم بما تُكَلِّفُهم من الأعمالِ الرديئةِ، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ مُعْجِزةٍ، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على أنه أرْسَلَنا إليك بذلك، إن أنت لم تُصَدِّقْنا فيما نقولُ لك أَرَيْناكها، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾.
يقولُ: والسلامةُ لمن اتَّبَع هدى اللهِ.
وهو بيانُه.
يقالُ: السلامُ على مَن اتَّبع (٤)، ولمن اتَّبَع.
بمعنًى واحدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لرسوليه (٥) موسى وهارونَ: قولا لفرعونَ: إنا قد أَوْحَى إلينا ربُّك أن عذابَه الذي لا نفادَ له ولا انقطاعَ، على مَن كَذَّب بما نَدْعوه إليه مِن توحيدِ اللهِ وطاعتِه وإجابةِ رسلِه، ﴿وَتَوَلَّى﴾.
يقولُ: وأَدْبَر مُعْرِضًا عما جئْناه به [مِن عندِه] (٦) مِن الحقِّ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بكتابِ اللهِ، وتوَلَّى عن طاعةِ اللهِ (٧).
وقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾.
وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر عليه عنه، وهو قوله: فأَتَياه فقالا له ما أمرهما به ربُّهما، وأبْلَغاه رسالته، فقال فرعون لهما: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾.
فخاطَب موسى وحدَه بقوله: ﴿يَامُوسَى﴾.
وقد وجَّه الكلام قبل ذلك إلى موسى وأخيه.
وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن المجاوبة إنما تكونُ مِن الواحد - وإن كان الخطاب لجماعةٍ (١) - لا من الجميع، وذلك نظير قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١].
وكان الذي يَحْمِلُ الحوت واحدًا، وهو فتى موسى.
يَدلُّ على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].
وقوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
يقول تعالى ذكره: قال موسى له مجيبًا: ربُّنا الذي أعْطَى كلَّ شيءٍ خلقه.
يعني: نظير خلقه في الصورة والهيئة؛ كالذكور من بنى آدمَ أعْطاهم نظير خلقهم مِن الإناث أزواجًا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها وفي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجًا، فلم يُعْطِ الإنسانَ خلاف خلقه فيُزَوِّجَه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هداهم للمأتَى الذي منه النسل والنَّماء كيف يَأْتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك.
وقد اخْتَلَف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
يقولُ: خلق لكلِّ شيءٍ زوجه (٢)، ثم هداه لمنكَحِه ومَطْعَمِه ومشرَبه ومسكنِه ومولدِه (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ثُمَّ هَدَى﴾.
يقولُ] (٢): أعطى كلَّ دابةٍ خلَقَها زوجًا، ثم هدَى للنكاحِ (٣).
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾.
أنه هداهم إلى الأُلفةِ والاجتماعِ والمُناكحة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
يعنى: هَدى بعضهم إلى بعضٍ، ألَّف بين قلوبهم وهداهم للتزويج؛ أن يُزَوِّجَ بعضُهم بعضًا.
وقال آخرون: بل (٤) معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، وهي خلقه الذي خلقه به، ثم هداه لما يُصْلِحُه مِن الاحتيال للغذاء والمعاش.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، ثم هدَى كلَّ شيءٍ إلى معيشتِه.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
قال: سوَّى خلق كلِّ دابةٍ، ثم هداها لما يُصْلِحُها، فعلَّمها إياه (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
قال: سوَّى خلقَ كُلِّ دابةٍ، ثم هداها لما يُصْلِحُها وعلَّمَها إياه، ولم يَجْعَلِ الناس في خلقِ البهائم، ولا خلقَ البهائم في خلقِ الناسِ، ولكن خَلَقَ كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا.
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حميد، عن مجاهدٍ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
قال: هداه إلى حيلته ومعيشته.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ ما يُصْلِحُه، ثم هداه له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾.
قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ ما يُصْلِحُه، ثم هداه له (٢).
قال أبو جعفر: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه أَخْبَر أَنَّه أَعْطَى كُلَّ شيءٍ خلقه، ولا يُعْطِى المُعْطَى نفسه، بل إنما يُعْطَى ما هو غيرُه؛ لأن العطية تَقْتَضِى المُعْطى والمُعْطَى والعطية، ولا تكون العطية هي المُعْطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كلِّ خلقٍ بعض أجزائه، كان معلومًا أنه إذا قيل: أعْطَى الإنسان صورته (١).
أنما يعنى أنه أعطى بعض المعانى التي (٢) به مع غيرِه دُعِى إنسانًا، فكأنَّ قائله قال: أعْطَى كلَّ خلقٍ نفسه.
وليس ذلك إذا وجِّه إليه الكلام بالمعروفِ مِن معاني العطية، وإن كان قد يَحْتَمِلُه الكلام.
فإذا كان ذلك كذلك، فالأصوبُ من معانيه أن يكونَ مُوَجَّهًا إلى أن كلُّ شيءٍ أعْطاه ربُّه مثلَ خلقِه، فزوَّجه به، ثم هداه (٣) لما يشاءُ (٤).
ثم ترك ذكر "مثل"، وقيل: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾.
كما يقالُ: عبدُ اللهِ مثلُ الأسد.
ثم يَحْذِفُ "مثل"، فيقولُ: عبدُ اللهِ الأَسدُ.
القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى، إذ وصف موسى ربَّه ﷻ بما وصفه به من عظيم السلطان، وكثرة الإنعام على خلقه والإفضال: فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم تُقِرَّ بما تقولُ، ولم تُصَدِّقْ بما تَدْعُو إليه، ولم تُخلص له العبادة، ولكنها عبدَت الآلهة والأوثانَ مِن دونِه، إن كان الأمر على ما تَصِفُ مِن أن الأشياءَ كلَّها خلقُه، وأنها في نعمِه تَتَقَلَّبُ، وفى مِننِه تَتَصَرَّفُ؟
فأجابه موسى فقال: علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت ذلك، عند ربي، ﴿فِي كِتَابٍ﴾.
يعني: في أمِّ الكتاب، لا علم لى بأمرها، وما كان سبب ضلالِ مَن ضَلَّ منهم، فذهب عن دينِ اللهِ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾.
يقولُ: لا يُخْطِئُ ربي في تدبيره وأفعاله، فإن كان عذَّب تلك القرون في عاجلٍ، وعجَّل هلاكها، فالصواب ما فعل، وإن كان أخَّر عقابها إلى القيامة، فالحقُّ ما فعَل، هو أعلم بما يَفْعَلُ، لا يُخْطِئُ ربِّى، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ فيترُك فعل ما فعلُه حكمةٌ وصوابٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
يقولُ: لا يُخْطِئُ ربى ولا ينسى (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾.
يقولُ: فما أعْمَى القرون الأولى؟
فوكَّلها نبيُّ اللهِ مُوَكَّلًا، فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ الآية.
يقول: أي (٢): أعمارُها وآجالها.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ واحدٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
قال: هما شيءٌ واحدٌ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: [ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ] (١)، عن مجاهدٍ مثله.
والعرب تقولُ: ضلَّ فلانٌ منزله.
إذا أخْطَاء، يَضِلُّه، بغير ألفٍ، وكذلك ذلك في كلِّ ما كان من شيءٍ ثابت لا يَبْرَحُ، فَأَخْطَأه [مُرِيدُه، فإنها تقولُ: [ضلَّه.
ولا تقول] (٢): أضله.
فأما إذا ضاع منه ما يَزولُ بنفسه مِن دابةٍ وناقةٍ و] (٣) ما أشبَه ذلك من الحيوان الذي يَنْفَلِتُ منه فيَذْهَبُ، فإنها تقولُ: أَضَلَّ فلانٌ بعيره.
أو: شاته.
أو: ناقته.
يُضِلُّه، بالألف.
وقد بيَّنا معنى "النسيان" فيما مضى قبل بما أغْنَى عن إعادتِه (٤).
القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (٥) وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾.
اخْتَلَف أهل التأويل في قراءة قوله: ﴿مَهْدًا﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة: (الذي جعل لكم الأرضَ مهادًا) بكسر الميم من "المهادِ"، والحاقِ ألفٍ فيه بعد الهاءِ (٦)، وكذلك [فعلُهم (٧) ذلك في كلِّ القرآن.
وزعم بعضُ مَن اختار قراءة ذلك كذلك] (٨) أنه إنما اخْتاره مِن أجلِ أن المهاد اسم الموضع، وأن المهد الفعل.
قال: وهو مثلُ الفَرْشِ والفراش.
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿مَهْدًا﴾ (١).
بمعنى: الذي مهَّدَكم (٢) الأرضَ مَهْدًا (٣).
والصوابُ من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان [متقاربتا المعنى؛ لأن الأرضَ إذا كان اللهُ قد جعلها مهادًا لخلقه فقد مَهَّدَهُموها، وإن كان قد مَهّدَهُموها فقد جعلها لهم مهادًا، وهما مع ذلك قراءتان] (٤) مُسْتَفِيضتان في قرأة الأمصار، مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمُصِيبٌ الصواب فيها.
وقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾.
يقول: وأَنْهَج لكم في الأرضِ طرقًا.
والهاء في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكرِ الأَرضِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾.
أي: طرقًا (٥).
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾.
يقولُ: وأَنْزَلَ مِن السماءِ مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾.
وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكره عن إنعامه على خلقه بما يُحْدِثُ لهم من الغيث الذي يُنْزِلُه من سمائه إلى أرضه، بعد تناهي خبره عن جواب موسى فرعون عما سأله عنه، وثنائه على ربِّه بما هو أهله، يقولُ جلَّ ثناؤه: فأَخْرَجْنا نحن، أيُّها الناسُ، بما نُنْزِلُ مِن السماءِ مِن ماء - ﴿أَزْوَاجًا﴾.
يعنى: ألوانًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾.
يعني: مختلفةِ الطُّعومِ والأَراييح والمنظرِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾.
يقولُ: مختلفٍ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: كُلُوا أيُّها الناسُ من طيِّب ما أُخْرَجْنا لكم بالغيث الذي أنْزَلَناه من السماء إلى الأرض من ثمار ذلك وطعامه، وما هو من أقواتكم وغذائكم، وارْعَوْا فيما هو أزراقُ بهائمكم منه وأقواتُها - أنعامكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾.
يقول: إن فيما وصفتُ في هذه الآية من قدرة ربَّكم، وعظيم سلطانه ﴿لَآيَاتٍ﴾.
يعنى: لدلالاتٍ وعلاماتٍ تَدُلُّ على وحدانية ربِّكم، وأن لا إله لكم غيرُه - ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾.
يعنى: أهل الحِجَا والعقولِ.
والنُّهَى جمعُ نُهْيَةٍ، كما الكُشَى جمع كُشْبَةٍ.
والكُشَى شحمةٌ تكون في جوفِ الضَّبِّ، شبيهةٌ بالسُّرَّة.
وخصَّ تعالى ذكرُه بأن ذلك آياتٌ لأُولى النُّهَى؛ لأنهم أهل التفكُّرِ والاعتبارِ، وأهل التدبر والاتِّعاظ.
القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: من الأرضِ خلقناكم أيُّها الناسُ، فأَنْشَأْناكم أجسامًا ناطقةً، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
يقولُ: وفى الأرضِ نُعِيدُكم بعد مَماتِكم، فنُصَيِّرُكم ترابًا، كما كنتم قبل إنشائِناكم (١) بشرًا سويًّا، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾.
يقولُ: ومن الأرضِ نُخْرِجُكم كما كنتم قبل مماتكم أحياءً، فنُنْشِئُكم منها، كما أَنْشَأْناكم أَوْلَ مرة.
وقولُه: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾.
يقولُ: مرةً أُخرى.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.
يقولُ: مرةً أُخرى (٢).
حدَّثني يونُس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾.
قال: مرةً أخرى، الخَلْقِ الآخر.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: من الأرضِ أخْرَجْناكم، ولم تكونوا شيئًا، خلقًا سويًّا، وسنُخْرِجُكم منها بعد مماتكم مرةً أُخرى، كما أخرجناكم منها أول مرةٍ.
القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد أرينا (٣) فرعونَ ﴿آيَاتِنَا﴾.
يعنى: أدلتَنا وحججَنا على حقيقة ما أَرْسَلْنا به رسولَيْنا؛ موسى وهارونَ ﴿كُلَّهَا﴾، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها (١) ﴿وَأَبَى﴾ أن يَقْبَلَ مِن موسى وهارونَ ما جاءاه (٢) به من عند ربِّهما من الحقِّ استكبارًا وعُتُوًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال فرعونُ لمَّا أرَيناه آياتنا كلَّها لرسولنا موسى: أجئتنا يا موسى لتخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به؟
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ نتَّعِدُه (٣)؛ لنجئَ بسحرٍ مثل الذي جئت به، فننظر أيُّنا يغلب صاحبه، لا نُخلِفُ ذلك الموعد، ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾.
يقولُ: بمكانٍ عَدْلٍ بينَنا وبينك، ونَصَفٍ.
وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الحجاز والبصرة، وبعضُ الكوفيين: (مكانا [سِوًى) بكسر السين (٤).
وقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿مَكَانًا] (٥) سُوًى﴾ بضمِّها (٦).
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما (٧) لغتان، أعنى الكسر والضمِّ في السين [مِن "سوى" مشهورتان في العرب، وقد قرأت بكلِّ واحدةٍ منهما علماء من القرأة، مع اتفاق معنييهما] (١)، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وللعرب في ذلك، إذا كان بمعنى العَدْلِ والنَّصَفِ، لغةٌ هي أشهرُ من الكسرِ والضمِّ، وهو الفتحُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وإذا فُتِحت السينُ منه مُدَّ، وإذا كُسِرت أو ضُمَّت قُصِر، كما قال الشاعر: (٢): فإنَّ (٣) أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ … سِوًى بينَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلَانَ وَالفِزْرا (٤) ونظيرُ ذلك من الأسماء: طُوًى وطوًى، وثُنًى وثِنًى، وعُدًى وعِدًى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾.
قال: [مَنْصَفًا بينَهم] (٥).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾.
أي: عادلًا بيننا وبينك.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾.
قال: نَصَفًا بيننا وبينك (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾.
قال: يقولُ: عَدْلًا (٢).
وكان ابن زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾.
قال: مكانًا مستويًا يتبيَّنُ الناسُ ما فيه، لا يكونُ صُوَبٌ (٣) ولا شيءٌ فيغيبَ بعضُ ذلك عن بعضٍ، مستوٍ حتى يُرَى (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال موسى لفرعونَ حين سأله أن يجعل بينه وبينه موعدًا للاجتماع: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ للاجتماع ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.
يعنى يوم عيدٍ كان لهم، أو سوقٍ كانوا يتزيَّنون فيه، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾.
يقولُ: وأن يُساقَ النَّاسُ مِن كُلِّ فجٍّ وناحيةٍ ﴿ضُحًى﴾، فذلك موعد ما بيني وبينك للاجتماع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: فإنه يوم زينة [يجتمعون إليه، ويُحشر الناس له] (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.
قال: يوم زينةٍ لهم، ويوم عيدٍ لهم، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ إلى عيدهم (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿يَوْمُ الزَّينَةِ﴾.
قال: يومُ السوقِ (٣).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمُ الزَّينَةِ﴾: مَوْعِدُهم (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال موسى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: وذلك يومُ عيدٍ لهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد كان لهم.
وقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: يجتمعون لذلك الميعاد الذي وُعِدوه (٢).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.
قال: يوم العيدِ؛ يومَ يتفرَّغُ الناسُ مِن الأعمال، ويشهدون ويحضرون ويرون (٣).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيدٍ كان فرعون يخرج له، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾؛ حتى يحضروا أمرى وأمرَك (٤).
و "أنْ" مِن قولِه: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾.
رفعٌ بالعطف على قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.
وذُكر عن أبي نَهِيكِ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهيك يقرأ (١): (وأنْ يَحشُرَ النَّاسَ ضُحًى): يعنى فرعون يحشُرُ قومه (٢).
وقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾.
يقول تعالى ذكره: فأدبر فرعون معرضًا عما أتاه به من الحقِّ، ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.
يقولُ: فجمَع مَكرَه، وذلك جمعُه سَحَرتَه (٣) بعد أخذه إياهم بتعلُّمه، ﴿ثُمَّ أَتَى﴾.
يقول: ثم جاء للموعدِ الذي وعده موسى، وجاء بسَحَرَته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
[يقولُ: لا تختلقُوا على الله كذبًا] (٤)، ولا تتقوَّلوه، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
يقولُ: فيستأصِلَكم بهلاكٍ فيُبيدكم.
وللعرب فيه لغتان: سَحَت، وأسحَت، وسخت أكثرُ مِن أسحَت، يقالُ منه: سحت الدهرُ والحدَثُ (٥) مالَ فلانٍ، إذا أهلَكه، فهو يَسحَتُه سَحْتًا، وأَسحَته يُسحِتُه إسحانًا.
ومن الإسحاتِ قول الفرزدق (٦): وعَضٌ زَمانِ يا بْنَ مَرْوَانَ لم يَدَعْ … مِنَ المالِ إِلَّا مُسْحَتًا (١) أَوْ مُجلَّفُ ويروى: إلا مسحتٌ (٢) أو مجلَّفُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
يقولُ: فيُهِلِكَكُم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
يقولُ: يستأصِلكم بعذابٍ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
قال: فيستأصِلَكم بعذابٍ، فيُهلككم (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
قال: يُهلِكَكم هلاكًا ليس فيه بقيَّةٌ.
قال: والذي يُسحَتُ ليس فيه بقيةٌ (٥).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾.
قال: يهلِكَكم بعذاب (١).
واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ أهل المدينة و [بعضُ أهل] (٢) البصرة وبعضُ أهل الكوفة: (فَيَسْحَتَكُمْ).
[بفتح الياءِ] (٣) مِن: سحَت يَسحَتُ (٤).
وقرَأته عامة قرأة الكوفة: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾، بضمِّ الياء من: أسحَت يُسحِتُ (٥).
قال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أن الفتح فيها أعجبُ إليَّ؛ لأنها لغةُ أهل العالية وهى أفصحُ، والأُخرى وهى الضمِّ في نجدٍ.
وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾.
يقولُ: ولم يظفّرْ مَن يخلُقُ كذبًا ويقولُه، بكذبه ذلك، بحاجتِه التي طلبها به، ورجا إدراكَها به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ (٦) لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فتنازَع السحرةُ أمرَهم بينهم.
وكان تنازُعُهم أمرهم بينهم، فيما ذُكر، أن قال بعضُهم لبعض، ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: قال السحرةُ بينهم: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبُه، وإن كان من السماءِ فله أمرٌ (١).
وقال آخرون: بل هو أنَّ بعضهم قال لبعضٍ: ما هذا القولُ بقول ساحرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثت عن وهب بن منبهٍ، قال: جمع كلُّ ساحرٍ حباله وعصيَّه، وخرج موسى معه أخوه، يَتَّكِئُ على عصاه، حتى أتى الجمْعَ (٢)، وفرعون في مجلسِه معه أشرافُ أهل مملكته، قد استكفَّ (٣) له الناسُ، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾.
فترادَّ السحرةُ بينهم، وقال بعضُهم لبعض: ما هذا [بقول ساحرٍ] (٤).
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾.
يقول تعالى ذكره: وأسرُّوا السحرةُ المناجاة بينهم.
ثم اختلف أهل العلم في "السِّرار" الذي أسرُّوه؛ فقال بعضُهم: هو قولُ بعضِهم لبعضٍ: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبُه (٥)، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبُنا (٦).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثت عن وهب بن منبهٍ، قال: أشار بعضهم إلى بعضٍ بتناجٍ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: من دونِ موسى وهارون، فقالوا في نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ (٢) لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا [وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (٣).
﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.
يعنُون بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾: موسى وهارونَ ﴿لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾] (٤).
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾: يعنون (٥) موسى وهارونَ صلى الله عليهما.
وقد اختلفت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: (إِنَّ هَذَانِ).
بتشديدِ "إِنَّ" وبالألفِ في "هذان" (٦).
وقالوا: قرأنا ذلك كذلك [[اتِّباعًا لخطِّ المصحف] (٧).
واختلف أهل العربية في وجه ذلك إذا قُرِئَ كذلك] (٨)؛ فكان بعضُ أهل العربية من أهل البصرة يقولُ: "إن" خفيفةٌ في معنَى ثقيلةٍ، وهي لغةٌ لقومٍ يرفَعون بها، ويُدخِلون اللامَ ليفرِّقُوا بينَها وبينَ التي تكونُ في معنى "ما".
وقال بعضُ نحويِّى الكوفة (١): ذلك على وجهين: أحدُهما، على لغة بني الحارثِ بن كعبٍ ومَن جاورهم؛ يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبِهما وخفضِهما بالألف (٢).
وقال (٣): أنشَدنى رجلٌ من الأَسْدِ (٤) عن بعضِ بني الحارث بن كعبٍ (٥): فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى (٦) … مساغًا لناباه (٧) الشُّجاع لصمَّما (٨) قال: وحكَى عنه أيضًا: هذا خطُّ يدا أخى أعرفُه.
قال: وذلك - وإن كان قليلًا - أقيَسُ؛ لأن العربَ قالوا: مسلمون.
فجعَلوا الواوَ تابعةً للضمة؛ لأنها لا تُعرَبُ (٩)، ثم قالوا: رأيتُ المسلمين.
فجعَلوا الياءَ تابعةً لكسرةِ الميم.
قال: فلما رأوا الياءَ من الاثنينِ لا يمكنُهم كسرُ ما قبلَها وثَبَتَ مفتوحًا، تركوا الألفَ تتبعُه، فقالوا: رجلان.
في كلِّ حالٍ.
قال: وقد اجتمَعت العربُ على إثباتِ الألف في: كلا الرجلين.
في الرفع والنصبِ والخفضِ، وهما اثنان، إلا بني كنانةَ، فإنهم يقولون: رأيتُ كِلَي الرجلين، ومررتُ بكلي الرجلين.
وهي قبيحةٌ قليلةٌ مُضُوًّا على القياسِ.
قال: والوجهُ الآخرُ أن تقول: وُجِدَت الألفُ [من "هذا" دعامةً، وليست بلام "فعل"، فلما بُنيَت زدتَ عليها نونًا، ثم تُركت الألفُ] (١) ثابتةً على حالها لا تزولُ [في كلِّ] (٢) حالٍ، كما قالت العربُ: الذي.
ثم زادوا نونًا تدلُّ على الجماع (٣)، فقالوا: الذين.
في رفعِهم ونصبِهم وخفضهم، كما تركوا "هذان" في رفعِه ونصبِه وخفضِه.
قال: [وكنانةُ يقولون] (٤): الَّذون.
وقال آخرُ منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نُصب لخرَج إلى الانبساطِ (٥).
وحُدثت عن أبي عُبيدةَ معمر بن المثنى (٦)، قال: قال أبو عمروٍ (٧) وعيسى بنُ عمرَ (٨) و (٩) يونسُ: (إِنَّ هذين لساحران) في اللفظ، وكُتب "هذان" كما [يزيدون [ويَنْقُصون في] (١٠) الكتاب، واللفظُ صوابٌ.
قال: وزعم أبو الخطاب] (١١) أنه سمع قومًا من بني كنانةَ وغيرهم يرفَعون الاثنين في موضع الجرِّ والنصب.
قال: وقال بشرُ بن هلالٍ: "إنَّ" بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترَى أنها تعمَلُ فيما يليها، ولا تعملُ فيما (١) بعد (٢) الذي بعدَها، فترفعُ الخبرَ، ولا (٢) تنصِبُه كما تنصِبُ (٣) الاسم؟
فكان مجازُ (إنَّ هذان لساحران) مجازَ كلامين، مَخْرجُه: إنه، أي: نعم.
ثم قلت: هذان ساحران.
ألا ترَى أنهم يرفعون المُشرَكَ (٤) كقول ضابيء (٥): فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ (٢) رَحْلُهُ … فإِنِّي وَقَيَّارٌ (٦) بِهَا لَغَرِيبُ وقوله (٧): إنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها وَرَوَاحُها … تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الْأَعْضَبِ قال: ويقولُ بعضُهم: (إن الله وملائكتُه يصلُّون على النبيِّ) (٨).
فيرفَعون (٩) على شركة الابتداء، ولا يُعملون فيهم "إنَّ".
قال: وقد سمعتُ الفصحاءَ من المُحرمين يقولون: إن الحمدَ والنعمةُ لك والملكُ، لا شريكَ لك.
قال: وقرأها قومٌ على تخفيفِ نون "إن" وإسكانها (١٠).
قال: وهو يجوزُ؛ لأنهم قد أدخلوا اللام في الابتداء وهى فضلٌ.
قال (١): أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهُ (٢) قال: وزعم قومٌ أنه لا يجوزُ؛ لأنه إذا خفَّف نونَ "إن" فلا بدَّ له من أن يُدخِلَ "إلا" فيقولَ: إنْ هذان إلا ساحران.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا: (إنَّ) بتشديد نونها، (هذان) بالألف؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأنه كذلك هو في خطِّ المصحف.
ووجهُه إذا قُرِئ كذلك مشابهتُه "الذين"، إذ زادوا على "الذي" النونَ، وأقرَّ (٣) في جميع أحوال (٤) الإعراب على حالةٍ واحدةٍ، فكذلك (إنَّ هَذَانِ).
زِيدَت على "هذا" نونٌ وأُقِرَّ في جميع أحوال الإعراب على حالةٍ واحدةٍ، وهى لغةُ بَلحرث بن كعبٍ، وخثعمَ، وزُبَيدٍ، ومَن وَليَهم من قبائل اليمن.
وقولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
يقولُ: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم.
يقالُ: هو طريقةُ قومِه، ونَظُورَةُ قومه، ونَظيرتُهم.
إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقالُ ذلك للواحد والجميع (٥)، وربما جمَعوا، فقالوا: هؤلاء طرائقُ قومِهم.
ومنه قولُ الله ﵎: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].
وهؤلاء نظائرُ قومِهم.
وأما قولُه: ﴿الْمُثْلَى﴾.
فإنها تأنيثُ "الأمثل"، يقالُ للمؤنث: خذ المُثلَى منهما.
[وفى المذكرِ: خذِ الأمثلَ منهما] (١).
ووُحِّدَت ﴿الْمُثْلَى﴾ وهى صفةٌ ونعتٌ للجماعة، كما قيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
وقد يَحتملُ أن يكونَ "المُثلى" أنِّثت (٢) لتأنيث الطريقة.
وبنحو ما قلنا في معنى قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
يقولُ: أمثلُكم، وهم بنو إسرائيل (٣).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
قال: أولى العقل والشرف والأسنان (٤).
[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
قال: أولى العقول والأشراف والأسنان (٤)] (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعت إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
قال: بسَراةِ الناسِ (١).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: نا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: نا] (٢) يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: [وطريقتُهم المُثلى] (٣) يومئذٍ كانت بني إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا وأولادًا.
قال عدُّو الله: إنما يريدان (٤) أن يذهبا بهم لأنفسِهما.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
قال: ببنى إسرائيل (٥).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
يقولُ: يذهَبا بأشراف قومكم (٦).
وقال آخرون: معنى ذلك: ويغيِّرا سنتَكم ودينكم الذي أنتم عليه.
من قولهم: فلانٌ حسنُ الطريقة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
قال: يذهَبا بالذي أنتم عليه بغير (١) ما أنتم عليه.
وقرأ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦].
قال: هذا قولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
وقال: يقولُ: طريقتُكم اليوم طريقةٌ حسنةٌ، فإذا غيَّرَ (٢) ذهبت هذه الطريقةُ (٣).
ورُوى عن عليٍّ في معنى قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ إسحاق، عن القاسمِ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما (٤).
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.
وإن كان قولًا له وجهٌ يَحتمِلُه الكلامُ، فإن تأويل أهل التأويل بخلافِه، فلا أستجيزُ لذلك القول به.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾.
اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ بهمز الألف من: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ (٥).
ووجَّهوا معنى ذلك إلى: فأَحْكموا كيدَكم واعْزموا عليه.
من قولهم: أجْمَع فلانٌ الخروجَ، وأجْمَع على الخروج.
كما يقالُ: أزْمَع عليه.
ومنه قولُ الشاعر (١): يا ليت شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ … هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ يعنى بقوله: مُجْمَعُ: قد أُحْكم وعُزم عليه.
ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "من لم يُجْمِعْ على الصومِ مِن الليل فلا صومَ له" (١).
وقرأ ذلك بعضُ قرَأة أهل البصرة: (فاجْمَعوا كَيْدَكم).
بوصل الألف وترك همزِها (٢)، من: جمَعْتُ الشيءَ.
كأنه وجَّهه إلى معنى: فلا تَدَعوا من كيدكم شيئًا إلا جئْتُم به.
وكان بعضُ قارئى هذه القراءةِ يَعْتَلُّ فيما ذُكِر لى لقراءته ذلك كذلك بقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.
والصوابُ في قراءة ذلك عندنا همزُ الألفِ مِن "أَجْمَع"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأة عليه، وأن السَّحَرةَ هم الذين [قيل لهم ذلك، ولم يحضُروا ذلك المشهد إلا لما كان عندَهم من السحر الذي] (٣) كانوا به معروفين، فلا وجه لأن يُقال لهم: اجمعُوا ما دُعيتُم له مما أنتم به عالمون (٤)؛ لأن المرْءَ إنما يَجْمَعُ ما لم يَكُنْ عنده إلى ما عندَه، ولم يَكُنْ ذلك يومَ (٥) يَزِيدُ في علمِهم بما كانوا يَعْلمونه (٦) من السحر، بل كان يومَ إظهاره، أو ما (١) كان متفرِّقًا مما هو عندَه، بعضَه إِلى بعضٍ، ولم يكن السحرُ (٢) متفرِّقًا عندَهم فَجَمَعوه (٣).
وأما قولُه: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.
فغيرُ شبيه المعنى بقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾.
وذلك أن فرعون كان هو الذي يَجْمَعُ ويَحْتَفِلُ بما (٤) يَغْلِبُ به موسى مما لم يَكُنْ عندَه مُجْتَمِعًا حاضرًا، فقيل: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.
وقولُه: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾.
يقولُ: ثم احْضُروا وجيئوا صفًّا.
والصفُّ ههنا مصدرٌ، ولذلك وُحِّد، ومعناه: ثم ائْتُوا صُفوفًا.
وللصفِّ في كلام العرب موضعٌ (٥) آخرُ، وهو قولُ العرب: أَتَيْتُ الصفَّ اليومَ.
يعني به المُصَلَّى الذي يُصَلَّى فيه.
وقولُه: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.
يقولُ: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهَره.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: جمَع فرعونُ الناسَ لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.
أي: قد أفْلَح مَن فلَج (٦) اليوم على صاحبه (٧).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأَجْمَعَت السَّحَرَةُ كيدَهم، ثم أتَوْا صفًّا، فقالوا لموسى: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾.
وتُرك ذكرُ ذلك من الكلام اكتفاءً بدَلالة الكلامِ عليه.
واخْتُلِف في مبلغ عددِ السَّحَرةِ الذين أَتَوْا يومَئِذٍ صفًّا؛ فقال بعضُهم: كانوا سبعين ألف ساحرٍ، مع كلِّ ساحرٍ منهم حبلٌ وعصًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامِ الدَّسْتُوَائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أَبي بَزَّةَ، قال: جمع فرعونُ سبعين ألفَ ساحرٍ، فالْقَوْا سبعين ألف حبلٍ، وسبعين ألفَ عصًا، فأَلْقَى موسى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ [فاغِرٌ به فاه] (١)، فابْتَلَع حبالهم وعِصِيَّهم، فأُلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوُا الجنة والنارَ وثوابَ أهلهما، فعندَ ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ (٢) [طه: ٧٢].
وقال آخرون: بل كانوا نَيِّفًا وثلاثين ألفَ رجلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قالوا: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥].
قال لهم موسى: ألْقُوا.
فألْقَوْا حبالهم وعصيَّهم، وكانوا بضعةً وثلاثين ألف رجلٍ، ليس منهم رجلٌ إلا ومعه حبلٌ وعصًا (١).
وقال آخرون: بل كانوا خمسة عشرَ ألفًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّه، قال: صَفٌّ خمسة عشر ألف ساحرٍ، مع كلٍّ ساحرٍ حِباله وعصيُّه (١).
وقال آخرون: كانوا تسعمائة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كان السَّحَرَةُ ثلاثمائة من العريش، وثلاثمائة من الفيُّوم، و [يشكُّون في] (٢) ثلاثمائةٍ من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تُلْقِيَ ما معك قبلنا، وإما أن نُلْقِيَ ما معنا قبلك.
وذلك قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٣).
و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ﴾، [﴿إِمَّا أَنْ﴾] (٤).
في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين؛ إما أن تُلْقِيَ قبلَنا، وإما أن نكونَ أولَ من ألْقَى.
ولو قال قائلٌ: هو رفعٌ.
كان مذهبًا، كأنه وجَّهه إلى أنه خبرٌ، كقول القائل (١): فسِيرا (٢) فإما حاجةٌ تَقْضِيانِها … وإما مَقِيلٌ صالحٌ وصَدِيقُ وقولُه: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسَّحَرةِ: بل ألْقُوا أنتم ما معكم قبلى.
وقولُه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.
وفى هذا الكلام متروكٌ، وهو: فألْقَوْا ما معهم من الحبالِ والعِضِيِّ فإذا حبالُهم.
تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالة الكلام الذي ذُكر عليه عنه.
وذُكر أن السحرةَ سحَروا عينَ موسى وأعينَ الناسِ قبلَ أن يُلْقُوا حبالَهم وعصيَّهم، [ثم ألقَوْا حبالهم وعِصيَّهم] (٣) فخُيِّل حينئذٍ إلى موسى أنها تَسْعَى.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾: فكان أول ما اخْتَطَفوا بسحرهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ، ثم أبصارُ الناس بعدُ، ثم ألْقَى كلُّ رجلٍ منهم ما في يده من العصيِّ والحبال، فإذا هي حيَّاتٌ كأمثال الجبال (٤)، قد مَلأت الواديَ، يَرْكَبُ بعضُها بعضًا (٥).
واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الأمصار: ﴿يُخَيَّلُ﴾ بالياء، بمعنى: يُخَيَّلُ إليهم سعيُها (١).
وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضعِ رفعٍ.
ورُوى عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَؤُه: (تُخَيَّلُ) بالتاءِ، بمعنى: تُخَيَّلُ حبالُهم وعصيُّهم بأنها تَسْعَى (٢).
ومَن قرَأ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضع نصبٍ لتعَلَّقِ (تُخَيَّلُ) بها.
وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يَقْرَؤُه: (تَخَيَّلُ إليه).
بمعنى: تَتَخَيَّلُ إليه (٣).
وإذا قُرِئ ذلك كذلك أيضًا فـ "أن" في موضع نصبٍ بمعنى: تتَخَيَّلُ بالسعي لهم.
والقراءة التي لا يجوز عندى في ذلك غيرُها: يُخَيَّلُ بالياء؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القرأة عليه (٤).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: [﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾] (٥): فأَوْجَس في نفسه خوفًا موسى ووجَدَه.
وقولُه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قلنا لموسى إذ أحَسَّ (١) في نفسه خِيفةً: لا تَخَفْ إِنَّك أنت الأعْلَى على هؤلاء السحرة، وعلى فرعونَ وجنده، والقاهرُ لهم، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾.
يقولُ: والْقِ عصاك [التي في يمينك] (٢) تَبْتَلِعْ حبالَهم وعصيَّهم التي سحَروها حتى خُيِّل إليك (٣) أنها تَسْعَى.
وقولُه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾.
[اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك (٤)؛ فقرَأَته عامةُ قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾] (٥) برفعِ ﴿كَيْدُ﴾ وبالألف في ﴿سَاحِرٍ﴾.
بمعنى: إن الذي صنَعَه هؤلاء السحرةُ كيدُ مَنْ يَسحَرُ (٦).
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: (إنما صنعوا كيدُ سِحْرٍ) برفع "الكيد" وبغير الألف في "السحرِ".
بمعنى: إن الذي صنعوه كيدُ سحرٍ (٧).
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقاربتا المعنى، وذلك أن الكيدَ هو المكرُ والخُدْعةُ، فالساحرُ مَكْرُه وخُدْعتُه مِن سحرٍ يَسْحَرُه (٨)، ومكرُ السحرِ وخُدْعتُه تخييلُه (٩) إلى المسحور على خلاف ما هو به في حقيقتِه، فالساحرُ كائدٌ بالسحر، والسحرُ كائدٌ بالتَّخْييل، فإلى أيِّهما أضَفْتَ الكيد فهو صوابٌ.
وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ: (كَيْدَ سِحْرٍ) بنصب "كَيْد" (١).
ومَن قرأ ذلك كذلك، جعَل ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا، وأعْمَل ﴿صَنَعُوا﴾ في ﴿كَيْدُ﴾.
وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءة بها؛ لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.
وقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
يقولُ: ولا يَظْفَرُ الساحرُ بسحرِه بما طلب أين كان.
وقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: معنى ذلك: ذلك: أن الساحرَ يُقْتَلُ حيثُ وُجد.
وذكر بعضُ نحويى البصرة (٢) أن ذلك في حرف ابن مسعود: (ولا يُفْلِحُ الساحرُ أين أتى).
وقال: العربُ تقولُ: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومِن أينَ لا تَعْلَمُ.
وقال غيرُه مِن أهل العربية الأُولِ (٣): جزاءٌ، يُقْتَلُ الساحرُ حيث أتَى وأين أتَى.
وقال: وأما قولُ العرب: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومن أين لا تَعْلَمُ.
فإنما هو جوابُ مَنْ (٤) لم يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَم، كما قالوا: أين الماءُ والعُشْبُ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.
وفي هذا الكلام متروكٌ قد اسْتُغْنِى بدَلالة ما ذُكر (١) عليه، وهو: فأَلْقَى موسى عصاه فتلقَّفَت ما صنَعوا، فأُلْقى السحرةُ سُجَّدًا قالوا: آمنا بربِّ هارونَ وموسى.
وذُكر أن موسى لما ألْقَى ما في يدِه تحَوَّل ثعبانًا، فالتهم كلَّ ما كانت السحرةُ ألقَته من الحبال والعصيِّ.
ذكرُ الرواية [عمن قال ذلك] (٢) حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لما اجْتَمَعوا وألْقَوْا ما في أيديهم من السحرِ خُيِّل إليه (٣) من سحرهم أَنها تَسْعَى، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ فأَلْقَى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، قال: فتَحَت فما لها مثل الدَّحْل (٤)، ثم وضَعَت مِشْفَرَها على الأرض، ورفَعَت الآخر، ثم استَوْعَبَت كُلَّ شيءٍ الْقَوْه مِن السحرِ، ثم جاء إليها فقبَض عليها، فإذا هي عصًا، فخرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾.
قال: فكان أول مَن قطع الأيدىَ والأرجلَ من خلافٍ فرعونُ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
قال: فكان أول مَن صلَب في جُذوع النخل فرعونُ (٥).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فأَوْحَى الله إليه: لا تَخَفْ، وأَلْقِ ما في يمينك تَلْقَفْ ما يَأْفِكون.
فألْقَى عصاه، فأكَلَت كلَّ حيةٍ لهم، فلمَّا رأَوْا ذلك سجَدوا، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: لما رأى ما أَلْقَوْا مِن الحبال والعصيِّ، وخُيِّل إليه أنها تَسْعَى، وقال: والله إن كانت لَعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حيَّاتٍ، وما تَعْدو عَصاىَ هذه - أو كما حدَّث نفسَه - فأَوْحَى اللهُ إليه أن: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].
[وفُرِّج عن] (٢) موسى، فألْقَى عصاه من يدِهِ، فَاسْتَعْرَضَت ما أَلْقَوْا مِن حبالهم وعصيِّهم، وهي حياتٌ في عين فرعون وأعين الناسِ تَسْعَى، فجَعَلَت تَلْقَفُها؛ تَبْتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما أَلْقَوْا، ثم أَخَذَها موسى فإذا هي عصًا في يده كما كانت، ووقع السَّحَرَةُ سُجَّدًا، قالوا: آمنَّا بربِّ هارونَ وموسى، لو كان هذا سحرًا (٣) ما غلَبَنا (١).
وقولُه: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال فرعونُ للسحرةِ: أصدَّقْتُم وأَقْرَرْتُم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أُطْلِقَ ذلك لكم، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾.
يقولُ: إن موسى لعظيمُكم الذي علَّمكم السحر.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قالت السحرةُ: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.
قال لهم فرعونُ، وأسف ورأى الغَلَبةَ البينةَ: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾.
أي: لَعظيمُ السُّحَّارِ الذي علَّمَكم (١).
وقولُه: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾.
يقولُ: فَلأُقَطِّعَنَّ أَيديكم وأرجلَكم مُخالفًا بين قطع ذلك؛ وذلك أن يَقْطَعَ يمني اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين، فيكونُ ذلك قطعًا من خلافٍ.
وكان فيما ذُكِر أول مَن فعَل ذلك فرعونُ، وقد ذكَرْنا الرواية بذلك (٢).
وقولُه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
يقولُ: ولأُصَلِّبَنَّكم على جُذوع النخل، كما قال الشاعرُ (٣): هُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ في جِذْع نخلةٍ … فلا عطَسَت شَيْبانُ إلا بأجْدَعا يعني: على جذع نخلةٍ.
وإنما قيل: ﴿فِي جُذُوعِ﴾.
لأن المصلوبَ على الخشبة يُرْفَعُ في طولها، ثم يَصِيرُ عليها، فيقالُ: صُلب عليها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: لما رأى السحرةُ ما جاء به عرَفوا أنه من الله، فخرُّوا سجَّدًا وآمَنوا، عند ذلك قال عدوُّ الله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٤].
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال فرعونُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: [فقتَّلَهم وقطَّعهم] (١)، كما قال عبد الله بنُ عباسٍ حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦].
وقال: كانوا في أول النهار سحرةً، وفى آخر النهارِ شُهداء (٢).
وقولُه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾.
يقولُ: ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّها السحرةُ أَيُّنا أشدُّ عذابًا لكم وأدْوَمُ، أنا أو موسى.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قالتِ السحرةُ لفرعونَ لما توعَّدهم بما توعَّدهم به: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ فنَتَّبِعَك ونُكَذِّبَ مِن أجلك موسى، ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾.
يعنى: من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾.
يقولُ: قالوا: لن نُؤْثِرَك على الذي جاءنا من البينات وعلى الذي فطَرَنا.
ويعنى بقوله: ﴿فَطَرَنَا﴾: خَلَقَنا.
فـ ﴿الَّذِى﴾ من قولِه: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾.
خفضٌ (٣) عطفًا (٤) على قوله: ﴿مَا جَاءَنَا﴾.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنَا﴾.
خفضًا على القسم، فيكونُ معنى الكلام: لن نُؤْثِرَك على ما جاءنا من البيناتِ واللَّهِ.
وقولُه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾.
[يقولُ: قالوا: فاصْنَعْ ما أنت صانعٌ، واعْمَلْ بنا ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾] (٥).
يقولُ: إنما تَقْدرُ أن تُعَذِّبَنا في هذه الحياة الدنيا التي تَفْنَى.
ونصبُ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الوقت، وجُعِلَت ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن منبهٍ: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾.
أي: على اللهِ على ما جاءنا من الحجج مع نبيِّه (١)، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾.
أي: اصْنَع ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ التي (٢) ليس لك سلطانٌ إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعدَه (٣).
وقولُه: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أَقْرَرْنا بتوحيد ربِّنا، وصدَّقْنا بوعده ووَعيدِه، وأنَّ ما جاء به موسى حقٌّ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾.
يقولُ: ليَعْفُو لنا عن ذنوبنا فيَسْتُرَها علينا، ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾.
يقولُ: ليَغْفِرَ لنا ذنوبَنا وتعلُّمنا ما تعلَّمْناه من السحر، وعمَلَنا (٤) به الذي أكرهْتنا على تعلُّمه والعمل به.
وذُكر أن فرعون كان أخَذَهم بتعلُّمِ السحرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا نعيمُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن أبي سعيدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾.
قال: غِلْمانُ دفَعَهم فرعونُ إلى السحرةِ تُعَلِّمُهم السحر بالفَرَمَا (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾.
قال: أمَرهم بتعلُّم السحر.
قال: تركوا كتاب الله، وأمَروا قومَهم بتعلُّم (٣) السحرِ.
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾.
قال: أَمَرْتَنا أن نَتَعَلَّمَه (٤).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
يقولُ: والله خيرٌ منك يا فرعونُ جزاءً لمن أطاعه، وأبقى عذابًا لمن عصاه وخالف أمره.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
أي: خيرٌ منك ثوابًا، وأبقى عقابًا (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن [أبي مَعْشَرٍ] (٦)، عن محمد بن كعبٍ ومحمدِ بن قيسٍ في قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
قالا: خيرٌ (١) منك إن أُطيع، وأبقى منك عذابًا إِنْ عُصِى (٢).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة لفرعونَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ مِن خلقه ﴿مُجْرِمًا﴾.
يقولُ: مُكتسبًا الكفر به، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾.
يقولُ: فإِنَّ له جهنَّمَ مأوًى ومسكنًا، جزاءً له على كفره، ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فَتَخْرُجَ نفسُه، ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ فتَسْتَقِرَّ نفسُه في مَقَرَّها فَتَطْمَئِنَّ، ولكنها تتعلَّق بالحَناجر منهم، ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾.
[يقولُ: ومن يقدَم على ربِّه] (٢) موحِّدًا له لا يُشْرِكُ به، ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾.
يقولُ: قد عمل بما أمره به ربُّه، وانْتَهى عما نهاه عنه، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾.
يقولُ: فأولئك الذين [تلك صفتُهم] (٣)، لهم درجاتُ الجنةِ العُلَى.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾.
ثم بيَّن تلك الدرجاتِ العُلى ما هي، فقال: هن ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
يعني: جناتُ إقامةٍ لا ظَعْنَ عنها، ولا نفادَ لها ولا فناء، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
يقولُ: تجرى من تحت أشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، يقولُ: ماكثين فيها إلى غيرِ غاية محدودةٍ.
فـ "الجناتُ" مِن قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مرفوعةٌ بالردِّ على "الدرجات".
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾.
قال: عَدْنٌ.
وقولُه: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾.
[يقولُ: وهذه الدرجاتُ العُلى التي هي جناتُ عَدْنٍ على ما وصف ﷻ ثَوابُ ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾] (١).
يعنى: مَن تَطَهَّر مِن الذُّنوب، فأطاع الله فيما أَمَرَه، ولم يُدَنِّسْ نفسَه بمعصيته فيما نهاه عنه.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقدْ أَوْحَيْنا إلى نبيِّنا موسى إذ تابَعْنا له الحججَ على فرعونَ، فأبَى أن يَسْتَجِيب لأمر ربِّه، وطغَى وتَمادَى في طُغْيانِه، أن أسْر ليلًا ﴿بِعِبَادِي﴾.
يعني: بعبادي من بني إسرائيل، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾.
يقولُ: فاتَّخِذْ لهم في البحر طريقًا يابسًا.
واليَبْسُ واليَبْسُ يُجْمَعُ أَيْباسٌ، يقالُ: وقَعُوا في أيْباسِ مِن الأرضِ.
واليَبْسُ المُخَفَّفُ يُجْمَعُ يُبُوسٌ.
وبنحر الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَبَسًا﴾.
قال: يابسًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وأما قولُه: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.
فإنه يعنى: لا تَخافُ مِن فرعونَ وجنوده أن يُدركوك من ورائِك، ولا تَخْشَى غرقًا مِن بين يديك ووَحَلًا.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا [عبد الله] (٢)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.
يقولُ: لا تخافُ مِن آل فرعونَ دَرَكًا، ولا تَخْشَى من البحر غرفًا (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [ثنا سعيد] (٤)، عن قتادة: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.
يقولُ: لا تَخافُ أَن يُدْرِكَك فرعونُ مِن بعدك، ولا تَخْشَى الغرقَ أمامَك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال أصحابُ موسى: هذا فرعونُ قد أدْرَكَنا، وهذا البحرُ [قد غَشِيَنَا.
فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أصحاب فرعونَ، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾] (١) مِن البحرِ وَحَلًا (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن بعض أصحابه في قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.
قال: الوَحَلَ.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصار غير الأعمش وحمزة: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ على الاستئناف (٣) بـ ﴿لَا﴾ كما قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢].
فرفَع، وأكثر ما جاء في (٤) الأمر الجوابُ مع "لا" بالرفع (٥).
وقرَأ ذلك الأعمشُ وحمزةُ: (لَا تَخَفْ دَرَكًا) فجزَما "لا تخف" (٦) على الجزاءِ، ورفَعا: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ على الاستئناف (٧)، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١].
فاسْتَأْنف بـ ﴿ثُمَّ﴾، ولو نوى بقوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾.
الجزمَ وفيه الياءُ، كان جائزًا، كما قال الراجزُ (٨): هُزِّى إليك الجُذْعَ يجنِيك الجَنَى وأعجبُ القراءتين إليَّ أن أَقْرَأَ بها: ﴿لَا تَخَافُ﴾ على وجه الرفع؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين، وإن كانت الأُخرى جائزةً.
وكان بعضُ نحويى البصرة يقولُ (١): معنى قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾.
اضْرِبْ لهم طريقًا لا تَخافُ فيه دَرَكًا.
قال: وحذف "فيه" كما تقولُ: زيدٌ أكْرَمْتُ.
وأنت تُرِيدُ: أَكْرَمْتُه.
وكما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].
أي: لا تجزى فيه.
وأما نحويو الكوفة (٢) فإنهم يُنْكرون حذف "فيه" إلا في المواقيت؛ لأنه يَصْلُحُ أن يقال فيها: قمتُ اليومَ، وفى اليوم.
ولا يُجيزون ذلك في الأسماء.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأسرى (٣) موسى ببنى إسرائيلَ إِذ أَوْحَيْنا إليه أَن أَسْرِ بهم، فأتْبَعَهم فرعونُ بجنوده حين قطَعوا البحرَ، فغشي فرعونَ وجنودَه من البحر (٤) ما غشِيَهم، فغرقوا جميعًا، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجارَ (٥) فرعونُ بقومه عن سواء السبيل، وأخَذ بهم على غيرِ استقامةٍ؛ وذلك أنه سلَك بهم طريقَ أهل النار، بأمرهم (٦) بالكفر بالله، وتكذيبِ رسولِه (١).
﴿وَمَا هَدَى﴾.
يقولُ: وما سلَك بهم الطريقَ المستقيمَ، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يَهْدِهم بأمره إياهم بذلك، ولم يَهْتَدوا باتِّباعِهم إياه.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما نجا موسى بقومِه من البحر، وغشِى فرعونَ وقومه من اليم ما عَشِيهم، قلنا لقومِ موسى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون (٢)، ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.
وقد ذكَرْنا كيف كانت مواعدةُ الله موسى وقومه جانب الطور الأيمنَ (٢)، وبيَّنا المنَّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرْنا الشَّواهدَ على الصواب من القول في ذلك فيما مضَى قبلُ، بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضع (٣).
واختَلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾؛ فكانت عامةُ قرأة المدينة والبصرة يَقْرءونه: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ بالنون والألف، وسائرُ الحروفِ الأُخرِ من كذلك (٤).
وقرَأ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: (قد أنْجيْتُكم) بالتاء (٥)، وكذلك سائرُ الحروف الأُخر، إلا قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فإنهم وانه الآخرين في ذلك، فقرءوه بالنون والألف (١).
والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئُ ذلك فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهم: كُلُوا يا بني إسرائيل مِن شَهِيَّاتِ رزقنا الذي رزَقْناكم، وحلاله الذي طيَّبْناه لكم، ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾.
يقولُ: ولا تَعْتَدوا فيه، ولا يَظْلِمُ فيه بعضُكم بعضًا.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا [عبد الله] (٢)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾.
يقولُ: ولا تَظْلِموا (٣).
وقولُه: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
يقولُ: فتنزل عليكم عقوبتي.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
يقولُ: فيَنْزِلَ عليكم غضبى (٤).
واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بكسر الحاء، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بكسر اللام (٥).
ووجَّهوا معناه إلى: فيَجبَ عليكم غضبي.
وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفة: (فيَحُلَّ عليكم) بضمِّ الحاءِ (١).
ووجَّهوا تأويلَه إلى ما ذكَرْنا عن قتادةَ من أنه: فيَقَعَ ويَنْزِلَ عليكم غضبي.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، وقد حذَّر الله الذين قيل لهم هذا القولُ مِن بني إسرائيل وقوعَ بأسِه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصَوْه، وخوَّفهم وجوبه لهم، فسواءٌ قُرى ذلك بالوقوع أو بالوجوب؛ لأنهم كانوا قد خُوِّفوا المعنيين كليهما.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَجِبْ عليه غضَبى فينزِلْ به، ﴿فَقَدْ هَوَى﴾.
يقولُ: فقد تردَّى فشَقى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾.
يقولُ: فقد شَقِى (٢).
وقولُه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾.
يقولُ: وإني لذو عفوٍ (٣) لمن تاب من شركه فرجَعَ منه إلى الإيمان بي (٤)، ﴿وَآمَنَ﴾.
يقولُ: وأَخْلَصَ لى الألُوهةَ ولم يشرِكْ في عبادتِه إِيَّايَ غَيْرِي، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
يقولُ: وأَدَّى فَرائضِى التي افْتَرضتُها عليه، واجْتَنَب معاصيَّ، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
يقولُ: ثم لَزِمَ ذلك فاسْتقام ولم يُضَيِّعْ شيئًا منه.
وبنحو الذي قُلنا في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِنَ الشِّركِ، ﴿وَآمَنَ﴾.
يقولُ: وَحَّدَ الله، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
يقولُ: وأدَّى فرائضى (١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِن [ذَنبِه، ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينَه وبينَ اللهِ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الشِّركِ] (٢)، ﴿وَآمَنَ﴾.
يقولُ: وأَخْلَصَ لله وعمل في إخْلاصِه.
واختلَفوا في معنى قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لم يَشْكُك في إيمانه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
يقولُ: لم يَشْكُكْ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لَزم الإيمانَ والعملَ الصالح.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
يقولُ: ثم لَزم الإسلام حتى يموت علَيْه (٢).
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم اسْتَقام.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
قال: أَخَذ بسُنَّة نبيِّه ﵇ (٣).
وقال آخرون: بل معناه: أصاب العملَ.
[ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
قال: أصاب العمل] (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: عرف أمرَ مُثيبه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن الكلبيِّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الذَّنبِ، ﴿وَآمَنَ﴾ من الشِّركِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَدَّى ما افتَرَضتُ عليه، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرَف مُثيبَه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا (١).
وقال آخرون بما حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزارِيُّ، قال: ثنا عمرُ بن شاكرٍ، قال: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
قال: إلى ولاية أهل بيت النبيِّ ﵇ (٢).
قال الطبريُّ: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخْتَرنا في ذلك من أجل أن الاهتداء هو الاستقامةُ على هُدًى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمَعه الإيمانُ والعملُ الصالحُ والتوبةُ (٣)، فمَن فعَل ذلك وثبت عليه فلا شَكَّ في اهْتِدَائِه.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾: وأَيُّ شيءٍ أَعْجَلَك ﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ فَتَقَدَّمتهم وخَلَّفْتَهم وراءَكَ ولم تكن معهم؟
﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾.
يقولُ: قومى على أَثَرِى يَلْحَقون بي، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
يقولُ: وعَجِلتُ أنا فسَبَقتُهم ربِّ كَيما ترضَى عَنِّي.
وإنَّما قال الله جلَّ وعزَّ لموسى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾؛ لأنه جلَّ ثناؤُه، فيما بلَغَنا، حين نَجَّاه وبنى إسرائيل من فرعون وقومه وقَطَع بهم البحر، وعَدَهم جانبَ الطور الأيمنَ، فتَعَجَّلَ موسى إلى ربِّه، وأقام هارونُ في بني إسرائيلَ يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى.
[كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: وعبد الله موسى حينَ أَهْلَك فرعون وقومَه، ونجَّاه وقومَه، ثلاثين ليلةً، ثم أتَمَّها بعَشْرٍ، فَتَمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، تَلَقَّاه فيها بما شاء، فاسْتَخْلَفَ موسى هارون في بني إسرائيل، ومعه السَّامِريُّ، يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم بهِ، فلمَّا كلَّم اللهُ موسى، قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؟
قال: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾] (١).
وحدَّثني يونُس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
قال: لأرضِيَك.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لموسى: فإنَّا يا موسى قد ابتَلَينا قومَك من بعدِك بعبادة العجل.
وذلك كان فتنَتَهم من بعدِ موسى.
ويعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: من بعدِ فِراقِك إيَّاهم.
يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
وكان إضلالُ السامريِّ إياهم دعاءه إيَّاهم إلى عبادة العجل.
وقولُه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾.
يقولُ: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الأربعين الليلة (١)، ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.
[يعنى بقولِه: ﴿أَسِفًا﴾] (٢): مُتَغَيِّظًا على قومه، حزينًا لما أحْدَثوا بعده من الكفر بالله.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.
يقولُ: حزينًا.
وقال في "الزخرف": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥].
يقولُ: أغْضَبونا.
والأسفُ على وجهين: الغضبُ، والحُزْنُ (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.
يقولُ: حزينًا (٣).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] أي: حزينًا على ما صَنَع قومُه مِن بعده (٤).
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَسِفًا﴾.
قال: جزعًا (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
وقولُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾.
يقولُ: ألم يَعِدْكم ربُّكُم أَنَّه غفَّارٌ لمن تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدى؟
ويَعِدْكم جانبَ الطورِ الأيمنَ، ويُنَزِّلْ علَيكم المنَّ والسَّلوى؟
فكان ذلك وعبد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى ﵇: ألم يَعِدُكُموه ربُّكم؟
وقولُه: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يقولُ: أفطال عليكم العهدُ بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لدَيْكُم؟
﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يقولُ: أم أردتُم أن يجب عليكُم غضبٌ من ربِّكم فتَسْتَحِقُّوه بعبادتكم العجل وكفركم باللهِ؟
﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾.
وكان إخلافُهم موعدَه، عُكوفَهم على العجل، وتَرْكَهم السيرَ على أَثَرِ موسى للمَوعِدِ الذي كان الله ﷿ وعدَهم، وقولَهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجلِ، ودعاهم إلى السير معه على أثر موسى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١].
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ موسى لموسى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾.
يعنون بموعِدِه عهدَه الذي كان عَهِدَه إِلَيْهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَوْعِدَكَ﴾.
قال: عَهْدِى (١).
وذلك العهدُ والموعدُ هو ما بيَّناه قبلُ (١).
وقولُه: ﴿بِمَلْكِنَا﴾.
يخبرُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنَّهم أقرُّوا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إِنَّا لم نُطِقْ حَمْلَ أنفُسِنا على الصواب، ولم تَملِكْ أمرنا حتى وَقَعْنا في الذي وقعنا فيه من الفِتْنَةِ.
وقد اخْتَلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأته عامَّةُ قرأة المدينة: ﴿بِمَلْكِنَا﴾.
بفتح الميم (٢).
وقرَأته عامَّةُ قرأة الكوفة: (بِمُلكِنا) بضمِّ الميم (٣).
وقرأه بعضُ أهل البصرة: (بِمِلْكنا) بالكسرِ (٤).
فأما الفتحُ والضمُّ فهما بمعنًى واحدٍ، وهو قُدْرَتُنا وطاقَتُنا، غير أن أحدهما مصدرٌ، والآخر اسمٌ، وأمَّا الكسرُ فهو بمعنَى مِلكِ الشَّيءِ وكَوْنِه للمالكِ.
واختلف أهلُ التأويل أيضًا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: ما أخْلَفْنا موعِدَك بأمرنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾.
يقولُ: بأَمْرِنا (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بِمَلْكِنَا﴾.
قال: [بأمْرٍ ملْكِنا] (١) (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وقال آخرون: معناه: بطَاقَتِنا.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: بطاقتِنا (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾.
يقولُ: بطاقتِنا (٤).
وقال آخرون: معناه: ما أخْلَفْنا موعدَك بهَوَانَا، ولكِنَّا لم نملِكْ أَنفُسَنا.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾.
قال: يقولُ: بهَوَانَا، قال (٥): ولكنَّه جاءت ثلاثةٌ.
قال: ومعهم حُليٌّ اسْتَعاروه من آل فرعونَ وثيابٌ (١).
وكلُّ هذه الأقوال الثلاثة في ذلك مُتقارِباتُ المعنى؛ لأن من لم يملك نَفْسَه لغَلَبة (٢) هواه على (٣) أمرٍ، فإنَّه لا تمتنعُ اللغةُ أن تقولَ: فعَل فلانٌ هذا الأمرَ وهو لا يملكُ نفسه، وفعَلَه وهو لا يَضْبطُها، وفعَلَه وهو لا يُطيقُ تَرْكَه.
فإذا كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ القراءات الثلاثِ قرأ ذلك القارئُ، وذلك أن من كسَر الميمَ مِنَ "المِلْكِ"، فإنما يوجِّهُ معنى الكلام إلى ما أخْلَفْنا موعدَك ونحنُ نملِكُ الوفاءَ بهِ لغَلَبة أنفسنا إيانا على خِلافِه.
وجعَله من قولِ القائل: هذا ملكٌ فلانٍ.
لما يَمِلكُه مِنَ المملُوكَاتِ، وأنَّ مَن فتَحها، فإنَّما يوجِّهُ معنى الكلام إلى نحو ذلك، غير أنه يجعَلُه مصدرًا من قول القائل: مَلَكتُ الشيءَ أَمْلِكُه مَلْكًا وَمَلَكةً، كما يُقالُ: غلبتُ فلانًا أَغْلِبُه غَلْبًا وغَلَبَةً، وأَنَّ مَن ضمَّها فإنَّه يوجِّه معناه إلى: ما أَخْلَفْنا موعدَك بسُلْطَانِنا وقُدرتنا.
أي ونحنُ نقدر أن نمتنع منه؛ لأن كلَّ مَن قَهَر شيئًا فقد صار له السلطانُ عليه، وقد أنكَر بعضُ الناس قراءةَ مَن قرأَه بالضمِّ، فقال: أيُّ مُلكٍ كان يومئذٍ لبنى إسرائيل، وإنما كانوا بمصرَ مُسْتضعَفين؟!
فأغْفَلَ معنَى القوم، وذهَب عن (٤) مرادِهم ذهابًا بعيدًا، وقارِئو ذلك بالضمِّ لم يَقْصِدوا المعنى الذي ظَنَّه هذا المُنكِرُ عليهم ذلك، وإنَّما قَصَدوا إلى أن معناه: ما أخْلَفنا موعِدَك بسلطانٍ كانت لنا على أنفْسِنا نَقْدِرُ أن نردَّها عما أتت؛ لأنَّ هوانا غلبنا على إخلافِك الموعدَ.
وقولُه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
يقولُ: ولكِنَّا حُمِّلْنا أثقالًا وأحمالًا من زينة القومِ (٥).
يعنُون مِن حُليِّ آل فرعونَ، وذلك أنَّ بني إسرائيل لما أرادَ موسى أن يسيرَ بهم ليلًا من مصرَ بأمر الله إياه بذلك، أمرَهم أن يَسْتَعيروا من أمتعَة آل فرعونَ وحُلِّيهم، وقال: إن الله مُغْنِمُكم ذلك.
ففعَلوا، واسْتَعاروا منهم (١) من حُليِّ نسائِهم وأمتعاتِهم (٢)، فذلك قولُهم لموسى حينَ قال لهم: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: فهو ما كان مع بني إسرائيل من حُليِّ آل فرِعونَ، يقولُ: [حَظِينا بها] (٣)، أصَبْنا من حُليِّ عدوِّنا (٤).
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوْزَارًا﴾.
قال: أثقالًا.
قوله: ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
قال: وهى الحُليُّ التي اسْتَعارُوا من آل فرعونَ، وهى الأثقالُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا﴾.
قال: [أثقالًا.
﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
قال] (١): حُليتهم (٢).
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
يقولُ: مِن حُليِّ [القبْط (٣).
وحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
قال: الحُليُّ] (٤) الذي اسْتَعاروه والثيابُ، لَيْسَت من الذُّنوب في شيءٍ، لو كانت الذُّنوب كانت: حُمَّلْناها نتحمَّلُها (٥)، فليست من الذُّنوب في شيءٍ (٦).
واختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة وبعضُ المكِّيِّين: ﴿حُمِّلْنَا﴾ بضمِّ الحاءِ وتشديد الميم (٧)، بمعنى أنَّ موسى حمَّلهم ذلك.
وقرَأته عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة وبعضُ المكِّيين: (حَمَلْنَا) بتخفيف الحاءِ والميم وفتحهما (٨)، بمعنى أنهم حمَلوا ذلك من غيرِ أن يكَلِّفَهم حَمْلَه أحدٌ.
والقولُ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان مَشْهُورتان متقاربتا المعنى؛ فإن القومَ حَمَلُوا، وأنَّ موسى قد أمرهم بحَمْلِه، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.
وقولُه: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾: يقولُ: فأَلْقَيْنا تلك الأوزارَ مِن زينة القومِ في الحُفْرَةِ، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.
يقولُ: فكما قَذَفْنا نحنُ تلك الأثقالَ، فكذلك ألْقَى السامريُّ ما كان معه من تُرْبَةِ حافرِ فرس جبريلَ ﵇.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾.
قال: فأَلْقَيْناها، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فكذلك صَنَع (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾.
قال: فأَلْقَيناها.
﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فكذلك صَنَع.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾.
أي: فنَبَذْناها.
وقولُه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.
يقولُ: فأَخْرَج لهم السامريُّ مما قذَفوه وممَّا أَلْقَاه ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، ويعنى بالخُوارِ الصوتَ، وهو صوت البقر.
ثم اختلف أهل العلم في كيفيَّة إخراجِ السامريِّ العجلَ؛ فقال بعضُهم: صاغه صِياغَةٌ، ثم ألْقَى من تُرابِ حافر فرس جبريل في فيهِ، فَخَارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.
قال: كان الله وقَّت لموسى ﵇ ثلاثين ليلةً، ثم أتمَّها بِعَشْرٍ، فلمَّا مضَت الثلاثون قال عدوُّ الله السامريُّ: إنَّما أصابكم ما أصابكم عقوبةً بالحليِّ الذي كان معكم، فهَلُمُّوا.
وكانت حُليًّا تَعَوَّروها من آل فرعون، فساروا وهى معهم، فقَذَفوها إليه، فصوَّرها صورةً بقرة، وكان قد صَرَّ في عِمامَتِه أو في ثوبه قَبْضَةً مِن أُثرِ الفرس، فرس جبريل ﵇، فقَذَفها مع الحليِّ والصُّورة، ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.
فَجَعَل يخُورُ خُوارَ البَقَرَةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.
حدَّثنا الحسن (١)، قال: حدثنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لما اسْتَبْطَأ موسى قومه قال لهم السامريُّ: إنما احْتَبَس عنكم من أجل ما عندكم من الحليِّ.
وكانوا اسْتَعارُوا حُليًّا من آل فرعونَ، فَجَمَعوه فأعطَوْه السامريَّ، فصاغ منه عِجْلًا، ثم أخذ القَبْضَةَ التي قبض من أَثَرِ الفرس فرس الملك، فنبذها في جوفِه، فإذا هو عجلٌ جَسَدٌ له حُوارٌ، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، ولكنَّ موسى نَسِي ربَّه عِندَكم (٢).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: أخذ السامريُّ مِن تُربةِ الحافر، حافرِ فرس جبريل، فانطلق موسى واسْتَخْلَفَ هارون على بنى إسرائيلَ، وَوَاعَدَهم ثلاثين ليلة، وأتمَّها اللهُ بِعَشْرٍ، فقال لهم هارون: يابني إسرائيل إن الغنيمة لا تحلُّ لكم، وإن حُليَّ القبط إنما هو غنيمةٌ، فاجمعوها جميعًا، فاحْفروا لها حُفْرةً فادفنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أَخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لم تأكلوه.
فجمعوا ذلك الحليَّ في تلك الحفرة، وجاء السامريُّ بتلك القبضة فقَذَفها، فأَخْرَج الله مِن الحُليِّ عِجْلًا جَسَدًا له خوارٌ، وعَدَّت بنو إسرائيل موعِدَ موسى، فعَدُّوا الليلة يومًا، واليومَ يومًا، فلمَّا كان لعشرين (١) خرَج لهم العجلُ، فلمَّا رَأَوْه قال لهم السامريُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
فعكفوا عليه يعبُدونه، وكان يخورُ ويمشى.
﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: ذلك حين قال لهم هارونُ: احْفِروا لهذا الحليِّ حُفْرةً واطْرَحوه فيها.
فطَرَحوه، فقَذَف السامريُّ تُربَتَه (٢).
وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.
يقولُ: فقال قوم موسى الذين عَبدوا العجلَ: هذا مَعْبُودُكم ومعبود موسى.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يقولُ: فَضَلَّ وتَرَك.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾.
من قائلُه، ومَن الذي وُصِف به، وما معناه؟
فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من الله عن السامريِّ، والسامريُّ هو الموصوف بهِ.
قالوا: ومَعْناه أنَّه ترك الدِّينَ الذي بعث الله به موسى، وهو الإسلام.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنى محمد بن إسحاق، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقولُ الله: ﴿فَنَسِيَ﴾.
أي: ترك ما كان عليه من الإسلام.
يعنى السامريَّ (١).
وقال آخرون: بل هذا من خبر الله تعالى ذكرُه عن السامريِّ أنَّه قاله (٢) لبنى إسرائيل، وأنَّه وصف موسى بأنَّه ذهَب يطلب ربَّه، فأضلَّ موضعه، وهو هذا العجل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ - يعنى زينة القوم - حين أمرنا السامريُّ لمَّا قبض قبضةً مِن أَثَرِ جبريل، فأَلْقَى القبضة على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خوارٌ ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ الذي انطلق يطلبُه ﴿فَنَسِيَ﴾.
يعني: نَسِيَ موسى.
يعني (٣): ضَلَّ عنه فلم يَهْتَدِ له (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَنَسِيَ﴾.
يقولُ: طلب هذا موسى فخالَفَه الطريق (٥).
وحدَّثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَنَسِيَ﴾.
يقولُ: قال السامريُّ: موسى نَسِيَ ربَّه عِندَكم (١).
وحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ موسى.
قال: هم يقُولُونَه (٢)؛، أخطأ الربَّ؛ العِجْلَ (٣).
[حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَسِيَ﴾.
قال: نَسى موسى، أخطأ الربَّ.
للعجل] (٤) (٥)، قوم موسى يَقُولُونَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَنَسِيَ﴾ يقولُ: ترك موسى إلَهَه ههنا وذهَب يطلبه (٦).
وحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
قال: يقولُ: فنَسِيَ حيثُ وعَدَه رَبُّه، هاهنا وعَدَه (٧)، ولكنَّه نَسِيَ (٨).
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
يقولُ: نَسِيَ موسى ربَّه فأخْطَأه، وهذا العجلُ إِلَهُ موسى.
والذي هو أولى بتأويل ذلك القولُ الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خيرٌ من الله جلَّ وعزَّ عن السامريِّ أنَّه وصف موسى بأنَّه نَسِيَ ربَّه، وأَنَّ رَبَّه الذي ذهب (١) يريده هو العجلُ الذي أخرجه السامريُّ؛ لإجماع الحجَّةِ مِن أهل التأويل عليه، وأنَّه عَقِيبَ ذكر موسى، فهو بأن يكون خبرًا من السامريِّ عنه بذلك أَشْبَهُ مِن غيرِه.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾.
يقول تعالى ذكره مُوَبِّخًا عبدة العجل والقائلين له: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
وعائبَهم بذلك، ومُسَفِّه أحلامهم بما فعلوا وقالوا (٢) منه: أفلا يَرَوْنَ أن العجل الذي زعموا أنَّه إلههم وإله موسى لا يُكَلِّمُهم، وإن كلَّموه لم يردَّ عليهم جوابًا، ولا يقدر لهم على ضَرٍّ ولا نَفْعٍ، فكيف يكون ما كانت هذه صِفَتُه إلهًا؟.
كما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾: العجلُ (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، قال: العجلُ.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: قال الله ﷿: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾، ذلك العجلُ الذي اتَّخَذوه، ﴿قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
وقولُه: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾.
[يقولُ: ولقد قال لعَبَدَةِ العجل من بني إسرائيل هارونُ من قبل] (١) رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال ممَّا أخبر الله جلَّ ثناؤُه عنه: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾.
يقولُ: إنما اخْتبَر الله إيمانكم ومحافظَتَكم على دينكم بهذا العجل الذي أحْدَث فيه الخُوارَ؛ ليعلمَ به الصحيحَ الإيمانِ مِنكُم من المريض القلب، الشاكِّ في دينِه.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال لهم هارُونُ: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾.
يقولُ: إِنَّما ابْتُليتُم به.
يقولُ: بالعجل (٢).
وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
يقولُ: وإن ربَّكم الرحمنُ الذي تَعُمُّ جميعَ الخلقِ نعمتُه، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ما آمُرُكم بهِ مِن عبادة اللهِ وتَركِ عبادة العجل، ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فيما آمُرُكم به من طاعةِ اللهِ وإخلاص العبادةِ له.
وقولُه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
يقولُ: قال عَبَدَةُ العجل من قومِ موسى: لن نزالَ على العجلِ مُقِيمِينَ نَعْبُدُه حتى يَرْجع إلينا موسى.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ (١) أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لأخيه هارون لمَّا فرغ من خطاب قومه ومراجَعته إيَّاهم على ما كان من خطأ فِعْلِهم: يا هارونُ أَيُّ شيءٍ منعك إذ رأيتَهم ضَلُّوا عن دينهم، فكَفَروا بالله وعَبَدوا العجل - ألا تَتَّبعَنى.
واخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذي عَذَل (٢) موسى عليه أخاه من تَرْكِه اتَّباعَه؛ فقال بعضُهم: عَذَلَه على تَرْكه السير بمَن أطاعَه في أثره على ما كان عهد إليه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قال القومُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أقام هارونُ في من معه (٣) من المسلمين ممَّن لم يَفتَتنْ، وأقام مَن يعبُدُ العجل على عبادة العجل، وتخوَّف هارونُ إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرَّقْتَ بين بنى إسرائيلَ ولم تَرْقُبْ قولى.
وكان له هائبًا مُطِيعًا (٤).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾.
قال: تَدَعَهم (١).
وقال آخرون: بل عَذَلَه على تَرْكِه أن يُصْلِحَ ما كان من فسادِ القومِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾.
قال: أمر موسى هارون أن يُصلِحَ ولا يَتَّبِعَ سبيلَ المُفسدين، فذلك قولُه: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بذلك (٢).
وقولُه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾.
وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالة الكلام عليه، وهو: ثم أخذ موسى بلحْية أخيه هارونَ ورأسه يجرُّه إليه، فقال هارونُ: يابنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيتى ولا برأسي.
وقولُه: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
فاختَلَف أهلُ العلم في صفة التفريق بينهم الذي خَشِيَه هارونُ؛ فقال بعضُهم: كان هارونُ خاف أن يسيرَ بمن أطاعَه وأقامَ على دينه في أَثَرِ موسى، ويخلُفَ عَبَدَةَ العجلِ، وقد قالوا له: لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى.
فيقولَ له موسى: فرَّقْتَ بين بني إسرائيلَ بسَيْرِك بطائفةٍ، وتَرْكِكَ منهم طائفةً وراءَك.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.
قال: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
قال: خَشِيتُ أن يتَّبعَنى بعضُهم ويتخلَّفَ بعضُهم (١).
وقال آخرون: بل معني ذلك: خَشِيتُ أن نَقْتَتِلُ فيَقْتُلَ بعضُنا بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
قال: كُنَّا نكونُ فِرقَتَين فيقتُلُ بعضُنا بعضًا حتى نَتَفَانى.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن موسى عَذَل أخاه هارون على تَرْكه اتباعَ أمْرِه بَمَن اتَّبَعه من أهل الإيمان، فقال له هارونُ: إني خَشِيتُ أن تقولَ: فرَّقت بين جماعتِهم، فتَرَكْتَ بعضَهم وراءَك، وجئتَ ببعضِهم.
وذلك بَيِّنٌ في قول هارون للقوم: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
وفى جواب القومِ له، وقيلهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
وقولُه: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
يقولُ: ولم تَنْظُرْ قَوْلى وتحْفَظْه.
مِن مراقبة الرجل الشيءَ، وهى مُناظَرتُه لحفظه (٢).
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
قال: لم تَحفَظْ قَوْلى (٣).
القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾: قال موسى للسامريِّ: فما شأنُك يا سامريُّ؟
وما الذي دعاكَ إلى ما فعَلتَ؟
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ قال: ما أَمْرُك؟
ما شأنُك؟
ما هذا الذي أدْخَلك فيما دخَلتَ فيه؟
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾.
قال: ما لَكَ يا سامريُّ (١).
وقولُه: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾.
يقولُ: قال السامريُّ: علمتُ ما لم يَعْلَموه (٢).
وهو "فعلتُ" من البَصيرة، أي: صِرْتُ بما عملتُ بصيرًا عالمًا.
[وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل] (٣).
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: لما قتل فرعونُ الولدان قالت أمُّ السامريِّ: لو نَحَّيتَه عنِّى حتى لا أراه، ولا أرى (٤) قَتْلَه.
فَجَعَلَتْه في غارِ، فأتى جبريلُ، فجعَل كفَّ نَفْسِهِ فِي فِيهِ، فَجَعَل يَرْضَعُ العسل واللبنَ، فلم يزلْ يختَلِفُ إليه حتى عرَفه، فمن ثَمَّ معرفتُه إيَّاه حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.
وقال آخرون: هو (١) بمعنى: أبْصَرتُ ما لم يُبْصروه.
وقالوا: يقالُ: بَصُرتُ بالشيء وأَبْصَرتُه.
كما يقالُ: أسرَعتُ وسَرُعْتُ؛ ماشيتُ (٢).
ذكرُ مَن قال: هو بمعنى: أبْصَرتُ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾.
يعني: فرسَ جبريل ﵇.
وقولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.
يَعْنى (٣): فقبضتُ قبضةً من أثر حافرِ فرس جبريلَ.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قذف بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آلِ فرعونَ في النارِ، وتكسَّرت، ورأى السامريُّ أثَرَ فرس جبريل ﵇، فأخذ تُرابًا من أثر حافرِه، ثم أقبل إلى النار فقذَفه فيها، وقال: كُنْ عِجْلًا جسَدًا له خُوَارٌ.
فكان للبلاء (١) والفتنة (٢).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قبض قبضةً (٣) من أثر جبريل، فألْقى القبضةَ على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خُوارٌ، فقال: هذا إِلَهُكم وإلَهُ موسى (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.
قال: من تحت حافرِ فرس جبريل، فنبَذه السامريُّ على حلية بني إسرائيل، فانْسَبك عِجْلًا جَسَدًا له خُوارٌ، حفيفُ الريح فيه فهو خُوارُه (٥).
قال أبو جعفر: والعجلُ ولدُ البقرة.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ هذين الحرفين؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة والبصرة: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياء (٦) بمعنى: قال السامريُّ: بَصُرتُ بما لم يَبصُرْ به بنو إسرائيلَ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاءِ (٧)، على وَجْهِ المخاطَبَة لموسى وأصحابه، بمعنَى: قال السامريُّ لموسى: بَصُرتُ بما لم تَبْصُرْ بِهِ أَنتَ وأصحابُك.
والقولُ في ذلك عِندِى أنَّهما قراءتان مَعْروفتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، مع صحَّة معنى كلِّ واحدةٍ منهما، وذلك أَنَّه جائزٌ أن يكونَ السامريُّ رأى جبريلَ، فكان عندَه - إما (١) بأن حَدَّثَته نفسُه بذلك، أو بغير ذلك من الأسباب - أن ترابَ حافرِ فرسه الذي كان عليه يَصْلُحُ لما حُدِّثَ عنه حينَ نَبَذَه في جَوْفِ العجل، ولم يكنْ عِلْمُ ذلك عند موسى، ولا عندَ أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى: (بَصُرْتُ بما لم تَبصُروا به).
أي: عَلِمْتُ بما لم تَعْلَموا به.
وأما إذا قُرِئَ: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياءِ، فلا مؤنةَ فيه؛ لأنه معلومٌ أن بنى إسرائيل لم يَعْلَموا ما الذي يَصْلُحُ له ذلك الترابُ.
وأما قولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.
فإن قرَأَةَ الأمصار على قراءته بالضادِ، بمعنى: فأخذتُ بكَفِّي كلِّها (٢) ترابًا من تراب أَثَرِ فرس الرسول.
ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ وقتادةَ ما حدَّثنى أحمدُ بن يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ و (٣) عوفٍ، عن الحسن أنه قرأها: (فَقَبَصْتُ قَبْصَةً).
بالصادِ.
وحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ، عن قتادةَ مثلَ ذلك بالصادِ (٤).
يعنى: أخذتُ بأصابعى مِن ترابٍ أَثَرِ فرس الرسول ﵇، والقَبْضَةُ عند العرب الأخذُ بالكفِّ كلِّها، والقَبْصَةُ الأخْذُ بأطْراف الأصابع.
وقولُه: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾.
يقولُ: فأَلْقَيتُها، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
يقولُ: وكما فعلتُ من إلقائى القَبْضةَ التي قبضتُ مِن أَثَرِ الرسول (١) على الحلية التي أُوقدَ عليها حتى انْسَبَك فصار عجلًا جسدًا له حُوَارٌ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
يقولُ: زَيَّنَتْ لى نفسى أنَّه يكونُ ذلك كذلك.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
قال: كذلك حدَّثتْني نفسي.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى ﵇ للسَّامِرِيِّ: فاذهب فإن لك في أيام حياتِك أن تقولَ: لا مِسَاسَ.
أي: لا أمسُّ ولا أُمَسُّ.
وذُكر أن موسى ﵇ أَمَر بني إسرائيلَ ألَّا يُؤاكلوه، ولا يُخالطوه، ولا يُبايعوه، فلذلك قال له: إن لك في الحياةِ أن تقول لا مِسَاسَ.
فبَقِى ذلك فيما ذُكِرَ في قبيلته.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كان والله السَّامِرِيُّ عظيمًا من عُظماء بنى إسرائيلَ، مِن قبيلةٍ يقالُ لها: سَامِرَةُ.
ولكنَّ عدوَّ الله نافَقَ بعدَ ما قَطَعَ البحرَ مع بني إسرائيلَ، قولَه: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾: فبقاياهم اليومَ يقولون: لا مساسَ (١).
وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾.
اختلَفت القرَأَةُ في قراءته؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ (٢) المدينة والكوفة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بضَمِّ التاءِ وفَتْحِ اللام (٣)، بمعنى: وإن لك موعدًا لعذابك وعُقُوبتِك على ما فعلتَ مِن إضْلالك قومى، حتى عبدُوا العجل من دونِ اللهِ، لن يُخْلِفَكه الله، ولكنه يُذِيقَكَه.
وقرأ ذلك الحسنُ وقتادةُ وأبو نَهيك [وأبو عمرٍو] (٤): (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ).
بضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللام (٥)، بمعنى: وإن لك موعدًا لن تُخْلِفَه أنت يا سامريُّ.
وتأوَّلوه بمعنى: لن تَغِيبَ عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكِ يقرأُ: (لَن تُخْلِفَهُ): أنت، يقولُ: لن تَغيبَ عنه (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ).
يقولُ: لن تَغِيبَ عنه (٧).
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتقاربتا المعنى؛ لأنه لا شكَّ أن الله مُوفٍ وعدَه لخَلْقِه بحَشْرِهم لموقفِ الحسابِ، وأن الخلقَ مُوافوه (١) ذلك اليومَ، فلا الله جلَّ وعزَّ مُخْلِفُهم ذلك، ولا هم مُخْلِفُوه بالتَّخَلُّفِ عنه، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ في ذلك.
وقولُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾.
يقولُ: وانظرُ إلى معبودِك الذي ظَلْتَ عليه مُقِيمًا تعبُدُه.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾.
يقولُ: الذي أقمتَ عليه (٢).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن: أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فقال له موسى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾.
يقولُ: الذي أقمتَ عليه.
وللعرب في "ظلْتَ" لغتان؛ الفتحُ في الظاء، وبها قرأ قرأة الأمصار، والكسرُ فيها، وكأن الذين كَسَروا نَقَلوا حركةَ اللام التي هي عينُ الفعل مِن "ظَلِلْتُ" إليها، ومن فَتَحها، أقَرَّ حركتَها التي كانت لها قبلَ أن يُحْذَفَ منها شيءٌ، والعربُ تفعلُ في الحروفِ التي فيها التضعيفُ ذلك، فيقولون في "مَسِسْتُ": مِسْتُ ومَسْتُ.
وفى "هَمَمْتُ" بذلك: هَمْتُ به.
وهل أحَسْتَ فلانًا وأحْسَسْتَه؟
كما قال الشاعرُ (٣): خَلَا أَنَّ العِتاقَ (١) من المطايا … أحَسْنَ به فَهُنَّ إِليه شُوسُ (٢) وقولُه: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾.
اختلَفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأَةِ الحجاز والعراق: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾.
بضَمِّ النون وتشديد الراء، بمعنى: لنُحَرِّقَنَّه بالنارِ قطعةً قطعةً.
ورُوي عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (لَنُحْرِقَنَّهُ).
بضَمِّ النون وتخفيف الراءِ (٣)، بمعنى: لنُحْرِقَنه بالنار إحْراقةً واحدةً.
وقرَأه أبو جعفر القارئُ: (لَنَحْرُقَنَّهُ).
بفتح النون وضمِّ الراء (٤)، بمعنى: لنَبْرُدَنَّه بالمبارد.
مِن: حَرَقْتُه أَحْرُقُه وأَحْرِقُه.
كما قال الشاعرُ (٥).
بِذِي فَرْقَينِ (٦) يومَ بنو حَبِيبٍ … نيوبَهُمُ علينا يَحْرُقُونا (٧) والصوابُ في ذلك عندَنا من القراءةِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بضمِّ النونِ وتشديدِ الراء، من الإحراق بالنار.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ يقُولُ: بالنار (٨).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: فَحَرَّقَه ثم ذَرَّاه في اليَمِّ.
وإنما اخترتُ هذه القراءة لإجماع الحُجَّة من القرَأَة عليها، وأما أبو جعفرٍ، فإنى أحسَبُه ذَهَب إلى ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾: ثم أخَذَه فذَبَحه، ثم حَرَقَه بالمِبْردِ، ثم ذَرَّاه في اليمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يجرى (١) يَوْمَئِذٍ إِلا وَقَع فيه شيءٌ منه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
قال: وفى بعض القراءةِ: (لَنَذْبَحَنَّهُ ثم لنَحْرُقَنَّه ثم لَنَنْسِفَنَّه في اليَمِّ نَسْفًا) (٣).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: في حرف ابن مسعودٍ (وانْظُرْ إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا لنَذْبَحَنَّه ثم لَنَحْرُقَنَّه ثم لنَنْسِفَنَّه في اليمِّ نسْفًا) (٤).
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
يقولُ: ثم لنُذَرِّيَّنَّه في البحرِ تذريةٌ.
يقال منه: نَسَفَ فلانٌ الطعامَ بالمِنْسَف.
إذا ذَراه (٥) فَطَيَّرَ عنه قُشُورَه وترابَه باليَد أو بالريح.
[يقالُ: ذرا يَذْرُو، وذرَى يَذْرى، وذَرَّى يُذَرِّى، تَذْرِيةً ونسفًا بمعنًى واحدٍ] (١).
وبنحو الذي قلنا في تأويل (٢) ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
يقولُ: لَنُذَرِّيَنَّه في البحرِ (٣).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ، قال: ذَرَّاه في اليَمِّ، واليَمُّ البحرُ (٤).
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذَرَّاه في اليَمِّ (٥).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فِي الْيَمِّ﴾.
قال: في البحر.
وقولُه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
يقولُ: ما لكم أيُّها القومُ معبودٌ إلا الله (٦) الذي له عبادةُ جميع الخلق، لا تَصْلُحُ العبادةُ لغيره، ولا تَنْبَغى أن تكون إلا له، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
يقولُ: أحاطَ بِكُلِّ شيءٍ علمًا فعَلِمَه، فلا يَخْفَى عليه [منه شيءٌ ولا يَضِيقُ عليه] (١) علمُ جميع ذلك.
يقالُ منه: فلانٌ يَسَعُ لهذا الأمر.
إذا أطاقه وقَوىَ عليه، ولا يَسَعُ له.
إذا عَجَزَ عنه فلم يُطِقْه ولم يَقْوَ عليه.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
يقولُ: مَلأَ كلَّ شيءٍ علمًا، ﵎ (٢).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كما قَصَصْنا عليك يا محمدُ نَبأ موسى وفرعونَ وقومه وأخبار بني إسرائيل مع موسى، ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾.
يقولُ: كذلك نخبرُك بأنباء الأشياء التي قد سَبَقَت مِن قَبْلِك ولم تُشاهدها ولم تُعاينْها.
وقولُه: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لمحمد ﷺ: وقد آتيناك يا محمدُ من عندنا ذِكْرًا يَتَذَكَّرُ به ويَتَّعِظُ (٣) أهلُ العقل والفَهْم، وهو هذا القرآنُ الذي أنزلَه الله عليه، فجَعَلَه ذِكْرَى للعالمين.
وقولُه: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وَلَّى عنه فأَدْبَرَ ولم يُصَدَّقْ به ولم يُقرَّ، ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾.
يقولُ: فإنه يأتى ربَّه يومَ القيامةِ يحمِلُ حملًا ثقيلًا، وذلك الإثمُ العظيمُ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾.
قال: إثمًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ (٢) فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: خالدين في وِزْرِهم.
فأخرج الخبرَ جَلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المُعْرِضِين عن ذكره في الدنيا أنهم خالدون في أوْزارِهم، والمعنى أنهم خالدون في النارِ بأوْزارهم، ولكن لمَّا كان معلومًا المرادُ من الكلام، اكْتُفي بما ذُكر عما لم يُذْكَرُ.
وقولُه: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وساءَ ذلك الحمْلُ والثِّقَلُ من الإثم يومَ القيامةِ حِمْلًا.
وحُقَّ لهم أن يَسُوءُهم ذلك، وقد أوردَهم مَهْلَكةً لا مَنْجَا منها.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾.
يقولُ: بئسمَا حَمَلوا (١).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾: يعنى بذلك ذنوبهم.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وساء لهم يوم القيامةِ، يوم ينفخُ في الصور.
فقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ رَدٌّ على ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وقد بيَّنَّا معنى النَّفْخِ في الصور، وذكرنا اختلاف المختلفين في معنى الصور، والصحيح في ذلك من القول عندنا بشواهده المُغنية عن إعادته في هذا الموضع قبلُ (٢).
واختلفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأَةِ الأمصارِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
بالياءِ وضَمَّها (٣)، على وجهِ (٤) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، بمعنى: يومَ يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ في الصور.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأُ ذلك: (يَوْمَ نَنْفُخُ فِي الصُّورِ).
بالنون، بمعنى: يومَ ننفخُ نحن في الصور.
وكأنَّ الذي دعاه إلى قراءة ذلك كذلك طَلَبُه التوفيق بينه وبين قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
إذ كان لا خلاف بين القرأَةِ في ﴿وَنَحْشُرُ﴾ أنها بالنون.
والذي أختارُ في ذلك من القراءة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾.
بالياء، على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ لأن ذلك هو القراءة التي عليها قرأةُ الأمصار، وإن كان للذى قرأ به (٤) أبو عمرٍو وَجْهٌ غيرُ فاسدٍ.
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ونسوقُ أهلَ الكفر باللهِ يومئذٍ إلى موقف القيامةِ زُرْقًا.
فقيل: عَنى بالزُّرْقِ في هذا الموضع ما يظهرُ في أعينهم من شدة العَطَشِ الذي يكونُ بهم عند الحشرِ، لِرَأْي العين، مِن الزَّرَقِ.
وقيل: أُريدَ بذلك أنهم يُحْشَرون عُمْيًا، كالذى قال الله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.
يقول تعالى ذكره: يتهامسون بينهم، ويُسرُّ بعضُهم إلى بعضٍ: إن لبثتُم في الدنيا.
يعنى أنهم يقولُ بعضهم لبعضٍ: ما لبثتُم في الدنيا إلا عَشْرًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ: يَتَسَارُّونَ (١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: يَتَسارُّون (٢) بينهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منهم عندَ إسْرارِهم وتَخافُتِهم بينهم بقيلهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ - ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾: لا يخفى علينا مما يتسارُّونه بينَهم شيءٌ، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: حين يقولُ أوفاهم عقلًا، وأعلمهم فيهم: إن لبِثتُم في الدنيا إلا يومًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد (١) في قوله: قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾.
[يقولُ أعلمُهم في أنفسهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾] (٣).
قال: أَوْفاهم عقلًا (٤).
وإنما عنى جلَّ ثناؤُه بالخبر عن قيلهم هذا القول يومئذٍ، إعلامَ عباده أن أهل الكفرِ به يَنْسَون - مِن عظيم ما يُعاينون مِن هَوْلِ يوم القيامة، وشدة جَزَعِهم من عظيم ما يردون عليه - ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم واللذَّاتِ، ومبلغ ما عاشوا فيها من الأزمانِ، حتى يُخَيَّلَ إلى أَعْقَلِهم فيهم وأَذْكَرِهم وأَفْهَمِهم، أنهم لم يَعِيشوا فيها إلا يومًا.
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: ويسألك يا محمد قومُك عن الجبال، فقُل لهم: يُذَرِّيها ربِّي تَذْرِيةً، ويُطَيِّرُها بقَلْعِها واستئصالها من أُصُولِها، ودَكِّ بعضها على بعض، وتصْييره إياها هَباءً مُنْبثًّا، ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فيَدَعُ أماكنها من الأرضِ إذا نَسَفَها نَسْفًا - ﴿قَاعًا﴾.
يعنى: أرضًا ملساء، ﴿صَفْصَفًا﴾: مُسْتَوِيًا لا نبات فيه ولا نَشَزَ ولا ارتفاع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾.
يقولُ: مُسْتَوِيًا لا نباتَ فيه (١).
وحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾.
قال: مُسْتَوِيًا، الصَّفْصَفُ المُسْتَوِى.
وحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿صَفْصَفًا﴾.
قال: مُسْتَوِيًا (٢).
وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وحدَّثني يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسفَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن لهيعةَ، قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة، قال: كُنَّا قُعُودًا عند عبد الملك بن مروان حين قال: قال (١) كعبٌ: إن الصخرة موضعُ قدم الرحمن يوم القيامة.
فقال: كَذَبَ كعبٌ، إنما الصخرةُ جبلٌ من الجبال، إن الله يقولُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾.
فَسَكَتَ عبد الملكِ.
وكان بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل الكوفة يقولُ (٢): القاعُ، مستنقَعُ الماءِ، والصَّفْصَفُ، الذي لا نبات فيه.
وقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
يقولُ: لا تَرَى في الأَرضِ عِوَجًا ولا أمتًا.
واختلف أهل التأويل في معنى "العِوَج" و "الأَمْتِ"؛ فقال بعضُهم: عَنَى بالعوج في هذا الموضع الأودية، وبالأَمْتِ الرَّوابي والنُّشُوزَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾.
يقولُ: واديًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾.
يقولُ: رابيةً (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمِيُّ، قال: ثنا أبو عامر العَقدِيُّ (٤)، عن عبدِ الواحد بن صفوان مولى عثمان، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: سُئل ابن عباسٍ عن قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
قال: هي الأرضُ البيضاء - أو قال: المَلْساءُ - التي ليس فيها لَبِنةٌ مرتفعةٌ (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: [﴿عِوَجًا﴾.
قال: الانخفاض، ﴿أَمْتًا﴾.
قال: ارتفاعًا] (٢).
[حدَّثنا القاسم، قال: نا الحسين، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
قال: ارتفاعًا ولا انخفاضًا] (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
قال: ولا تَعادِي، الأَمْتُ التَّعَادِي.
وقال آخرون (٤): عَنَى بالعِوَج في هذا الموضع الصُّدُوعَ، وبالأَمْتِ الارتفاع من الآكام وأشباهها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
قال: صَدْعًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾.
يقولُ: ولا أَكمةً (٥).
وقال آخرون: عَنَى بالعوج الميلَ، وبالأَمْتِ الأَثَرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.
يقولُ: لا تَرَى فيها ميلًا، والأمْتُ الأَثَرُ مثلُ الشِّرَاكِ (١).
وقال آخرون: الأَمْتُ المَحانِي والحدابُ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: الأمْتُ الحَدَبُ.
وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عَنى بالعوج الميل؛ وذلك أن ذلك هو المعروف في كلام العرب.
فإن قال قائلٌ: وهل في الأرضِ اليومَ مِن عِوَجٍ فيقال: لا تَرَى فيها يومئذٍ عِوَجًا؟
قيل: إن معنى ذلك: ليس فيها أوديةٌ وموانع تمنع الناظر أو السائر فيها عن الأخذ على استقامةٍ، كما يحتاج اليومَ مَن أخذ في بعض سُبُلِها إلى الأخذ أحيانًا يمينًا وأحيانًا شمالًا، لما فيها من الجبال والأودية والبحار.
وأما "الأمْتُ" فإنه عند العرب الانْثِناءُ والضَّعْفُ.
مسموعٌ منهم: مَدَّ حَبْلَه حتى ما تَرَك فيه أمْتًا.
أي: انْثِناءً، ومَلأَ سِقاءَه حتى ما تَرَك فيه أمْتًا.
ومنه قولُ الراجزِ (٣): * ما في انجذاب سَيْرِه مِن أمْتِ * يعنى: مِن وَهْنٍ وضَعْفٍ.
فالواجبُ - إذ كان ذلك معنى الأمْتِ عِندَهم - أن يكون أصوبُ الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ لأن الانخفاض [لن يكون] (١) إلا عن ارتفاع.
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: لا تَرَى فيها ميلًا عن الاستواء، ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا، ولكنها مستويةٌ ملساء، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: يومَئِذٍ يَتَّبِعُ الناسُ صوت داعى الله الذي يَدْعُوهم إلى موقف القيامة، فيَحْشُرُهم إليه، ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾.
يقول: لا عِوَجَ لهم عنه ولا انحراف، ولكنَّهم سراعًا إليه يَنْحَشِرون.
وقيل: لا عِوَجَ له.
والمعنى: لا عِوَجَ لهم عنه؛ لأن معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه، ولكنَّهم يَؤُمُّونه ويَأْتونه، كما يقال في الكلام: دعانى فلان دعوة لا عِوَجَ لي عنها.
أي: لا أعْوج عنها.
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾.
يقول تعالى ذكره: وسَكَنت (٢) أصواتُ الخلائق للرحمنِ.
فوصَفَ الأصوات بالخشوع، والمعنى لأهْلِها أنهم خُضَّعٌ جميعهم لربِّهم، فلا تَسْمَعُ لناطقٍ منهم مَنْطقًا إِلا مَن أَذِنَ له الرحمنُ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾.
يقولُ: سَكَنَت (١).
وقوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
قيل (٢): إنه وطءُ الأَقْدامِ إلى المَحْشَرِ.
وأصله الصوت الخفيُّ، يقال: هَمَسَ فلانٌ إلى فلانٍ بحديثه.
إذا أسرَّه إليه وأخفاه، ومنه قول الراجز (٣): وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا يعنى بالهَمْس صوتَ أخْفافِ الإبل في سيْرِها.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عليٌّ بن عابسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
قال: وَطْءَ الأقدام (٤).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: يعنى هَمْسَ الأَقْدامِ، وهو الوَطْءُ.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
يقول: الصوت الخفيَّ (١).
حدَّثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّيُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن عبد الرحمن بن الأصْبهانيِّ، عن عكرمة: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
قال: وطعَ الأَقْدامِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
قال: هَمْس الأقدام (٣).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادة: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
قال قتادةُ: كان الحسنُ يقولُ: وَقْعَ أَقْدامِ القومِ.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، قال: تَهافُتًا.
أو (٤) قال: تخافُت الكلام.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿هَمْسًا﴾.
قال: خَفْضَ الصوتِ (٥).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: خَفْضَ الصوتِ.
قال: وأخبرنى عبد الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلام الإنسان، لا تسمعُ تَحَرُّكَ شَفَتَيه ولسانه (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
يقولُ: لا تسمعُ إلا مَشْيًا.
قال: المَشْىُ الهمسُ؛ وطءُ الأقدام (١).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: يومَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشفاعة إلا شفاعَةَ مَن أذن له الرحمن أن يشْفَعَ ورضى له قوله (٢) (٣).
وأدخل في الكلام ﴿له﴾ دليلًا على إضافة القول إلى كناية ﴿مَنْ﴾.
وذلك كقول القائل لآخرَ: رَضِيتُ لك عملك، ورَضِيتُه منك.
وموضع ﴿مَنْ﴾ مِن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ نصبٌ؛ لأنه خلاف (٤) الشفاعة.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: يعلمُ ربُّك يا محمد ما بين أيدى هؤلاء الذين يَتَّبِعون الداعى مِن أمرِ القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
يقولُ: ويعلمُ أَمرَ مَا خَلَّفوه وراءهم مِن أمر الدنيا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
[يقولُ: يعلمُ ما بين أيديهم] (١) مِن أمر الساعةِ، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٢): من أمر الدنيا وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ولا يُحِيطُ خلقُه به علمًا.
ومعنى الكلام أنه محيطٌ بعباده علمًا، ولا يُحِيطُ عباده به علمًا.
وقد زَعَم بعضُهم (٣) أن معنى ذلك، أن الله يعلم ما بين أيدى ملائكته وما خَلْفَهم، وأن ملائكته لا يُحيطون علمًا (٤) بما بين أيدى [أنفسها وما خلفها] (٥).
وقال: إنما أعلم بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، أن الملائكة كذلك لا تعلمُ ما بين أيديها وما خلفَها، مُوَبِّخَهم بذلك، ومعرِّفهم (٦) بأن مَن كان كذلك فكيف يُعْبَدُ (٧)!
وأن العبادةَ إنما تصلُحُ لَمَن لا تَخْفَى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماء.
القول في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾.
يقول تعالى ذكره: استأْسرت (٨) وجوه الخلق واسْتَسْلَمَت للحيِّ الذي لا يموتُ، القيوم على خَلْقِه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءُوا.
وأَصلُ العُنُوِّ الذُّلُّ، يقالُ منه: عَنا وجهه لربِّه يَعْنُو عُنُوًّا.
يعنى به (١): خَضَع له وذَلَّ؛ ولذلك (٢) قيل للأسير: عانٍ.
لذلَّةِ الأسْرِ.
وأما قولُهم: أخذتُ الشيءَ عَنْوَةً.
فإنه يكونُ وإن كان معناه يَئُولُ إلى هذا أن يكونَ أخذه غَلَبَةً، ويكون أخذه عن تسليمٍ وطاعةٍ، كما قال الشاعر: (٣).
هل أنتَ مُطِيعى أَيُّها القلبُ عَنْوة … ولم تُلْحَ نفسٌ (٤) لم تُلَمْ في احتيالها (٥) وقال آخرُ (٦): فما أَخَذُوها عَنْوةً عن مَودَّةٍ … ولكن بضرب (٧) المَشْرَفيِّ (٨) اسْتَقالَها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
يقولُ: ذَلَّتْ (٩).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
يعنى: [اسْتَسلَمت إليَّ] (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾.
قال: خَشَعَت (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادة قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
أي: ذَلَّتِ الوجوه للحيِّ القيوم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾.
قال: ذَلَّتِ الوجوه (٣).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قال طلقٌ: إذا سَجَد الرجلُ فقد عَنا وجهه.
أو قال: عُنى (٤).
حدثني أبو حَصِين عبد الله بن أحمد، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا حصينٌ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيب في هذه الآية: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
قال: هو وَضْعُ الرجل رأسه ويديه وأطرافَ قَدَمَيه.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن لَيْثٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
قال: هو وَضْعُك جبهتك وكَفَّيك ورُكْبَتَيك وأطراف قدميك في السجودِ.
حدَّثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن حُصينٍ، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيب في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
قال: وَضْعُ الجبهة والأنف على الأرض.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
قال: هو السجودٌ على الجبهة والراحتين (١) والركبتين والقدمين (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
قال: اسْتأْسَرتِ الوجوه للحيِّ القيوم، صاروا أُسارى كلُّهم له.
قال: والعانى الأسير (٣).
وقد بَيَّنا معنى "الحيِّ القيوم" فيما مَضَى بما أغنى عن إعادتِه هاهنا (٤).
وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.
يقول تعالى ذكره: ولم يَظْفَرْ بحاجتِه وطَلِبَتِه مَن حَمَل إلى موقف القيامة شركًا بالله، وكفرًا به، وعملًا بمعصيته.
وبنحو الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.
قال: مَن حَمَل شِركًا (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.
قال: مَن حَمَل شِرْكًا، الظلمُ هاهنا الشِّرْكُ.
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.
[يعنى تعالى ذكره بقوله] (٢): ومَن يَعْمَلْ من صالحات الأعمال، وذلك - فيما قيل - أداء فرائض الله التي فَرَضَها على عباده، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
يقولُ: وهو مُصَدَّقٌ باللَّهِ، وأنه مُجَازٍ أهل طاعته [على طاعته] (٣)، وأهلَ مَعاصِيه على معاصيهم، ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾.
يقولُ: فلا يخافُ مِن الله أن يَظْلِمَه، فيحمل عليه سيئاتِ غيره، فيعاقبه عليها، ﴿وَلَا هَضْمًا﴾.
يقولُ: ولا يخافُ أَن يَهْضِمَه حسناتِه، فيَنْقُصه ثوابها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وإنما يَقْبَلُ اللهُ مِن العمل ما كان في إيمانٍ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
قال: زَعموا أنها الفرائضُ.
ذكرُ مَن قال ما قُلنا في معنى قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ حدَّثنا أبو كريبٍ وسليمانُ بن عبد الجبار، قالا: ثنا ابن عطية، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
قال: ﴿هَضْمًا﴾ غَصْبًا (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
قال: لا يخافُ ابْنُ آدمَ يومَ القيامة أن يُظْلَم فيزادَ عليه في سيئاتِه، ولا يُظْلَمُ فَيُهْضَمَ من (٢) حسناتِه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
يقولُ: أنا قاهِرٌ لكم اليوم، آخُذُكم بقُوَّتى وشِدَّتى، وأنا قادرٌ على قهركم وهَضْمِكم، فإنما بينى وبينكم العدلُ، وذلك يومَ القيامةِ.
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾: أما ﴿هَضْمًا﴾ فهو أن يَقْهَرَ الرجلُ الرجلَ بِقُوَّتِه، يقولُ اللَّهُ يومَ القيامة: لا آخُذُكم بقوَّتى وشِدَّتى، ولكن العدل بيني وبينكم، ولا ظلم عليكم.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿هَضْمًا﴾.
قال: انتقاص شيءٍ مِن حقٍّ (١) عَمله (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعرٍ، قال: سمعتُ حبيب بن أبى ثابتٍ يقولُ في قوله: ﴿وَلَا هَضْمًا﴾.
قال: الهَضْمُ الانتقاص.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
قال: ظُلْمًا أن يُزادَ في سيئاتِه، ولا يُهْضَمَ من حسناته (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
[أي: لا يخافُ أن يُحمل عليه ذنب غيره، ولا يهضم من حسناته.
حدَّثني يونسُ: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾] (٤).
قال: لا يخافُ أن يُظْلَمَ فلا يُجْزَى بعمله، ولا يخافُ أن يُنْتَقَصَ مِن حَقِّه فلا يوَفَّى عمله (١).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا سَلَّامُ بنُ مسكينٍ، عن ميمون بن سِيَاهٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
قال: لا يَنْتَقِصُ الله حسناته شيئًا، ولا يحمِلُ عليه ذنب مُسِيءٍ.
وأصلُ الهَضْمِ النَّقْصُ، يقالُ: هَضَمَنى فلانٌ حَقِّى (٢).
ومنه امرأةٌ هَضِيمُ الكشح (٣).
أي: ضامرةُ البطن.
ومنه قولُهم: قد هُضِمَ الطعامُ.
إِذا ذَهَبَ، وهَضَمْتُ لك من حقِّك.
أي: حَطَطتُك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: كما رغَّبنا أهلَ الإيمان في صالحات الأعمال [بوعدناهم ما وعدنا] (٤)، كذلك حذَّرْنا بالوعيد أهل الكفر المُقام (٥) على معاصينا وكفرهم بآياتنا، فأنزلنا هذا القرآن عربيًّا، إذ كانوا عَرَبًا، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ فبيَّنَّاه.
يقولُ: وخوَّفناهم فيه بضروب من الوعيدِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
يقولُ: كى يتقُونا بتصريفنا ما صرَّفنا فيه من الوعيد، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾.
يقولُ: أو يحدثُ لهم هذا القرآنُ تذكرةً، [فيعتبروا ويتعظوا] (٦) بفعلنا بالأمم التي كذَّبت الرسل قبلها، وينزجروا (١) عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ما حُذِّروا به مِن أمرِ اللَّهِ وعذابه (٢)، ووقائعه بالأمم قبلهم، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾: أي جِدًّا وورعًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ (٣) ذِكْرًا﴾.
قال: جِدًّا ووَرَعًا (٤).
وقد قال بعضهم (٥) في ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ أن معناه: أو يُحْدِثُ لهم شرفًا بإيمانهم به.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: فارتفع الذي له العبادةُ مِن جميع خلقه، الملكُ الذي قَهَرَ سلطانه كلَّ مَلِكٍ وجَبَّارٍ، الحقُّ، عما يَصِفُه به المشركون به مِن خلقِه، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تَعْجَلْ يا محمد بالقرآن فتُقْرِتَه أصحابك، أو تَقْرَأَه عليهم، من قبل أن يُوحَى إليك بيانُ معانيه.
فعُوتِبَ (١) على إكتابه وإملائه ما كان اللَّهُ يُنَزِّلُه عليه من كتابه مَنْ كان يُكتبه ذلك من قبل أن يُبيِّن له معانيه، وقيل له: لا تتلُه على أحدٍ، ولا تُمله عليه حتى نبيِّنه لك.
[وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل] (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
قال: لا تَتْلُه على أحدٍ حتى نبيِّنَه (٣) لك (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (٥)، قال: يقولُ: لا تُملِه (٦) على أحد حتى نُتِمَّه لك.
هكذا قال القاسمُ: حتى نُتمَّه (٧).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
يعنى: لا تعجل حتى نبيِّنه لك (١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
أي: بيانُه.
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة [في قوله] (٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
قال: تبيانُه (٣).
حدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
قال: من قبل أن يُبيَّنَ لك بيانُه (٤).
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
يقول تعالى ذكره: وقل يا محمدُ: ربِّ زدني علمًا إلى ما علَّمتنى.
أمره بمسألته (٥) من فوائد العلم ما لا يعلمُ.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وإن يُضَيِّع يا محمد هؤلاء الذين نُصَرِّفُ لهم في هذا القرآن (٦) الوعيد، عهدى، ويخالفوا أمرى، ويترُكوا طاعتى، ويتَّبعوا أمر عدوِّهم إبليس، ويطيعوه في خلاف أمرى، فقديمًا ما فعل ذلك أبوهم آدم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ إليه.
يقولُ: ولقد وصَّينا آدمَ وقلنا له: ﴿إِنّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧].
فوسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمرى، فحلَّ به من عقوبتى ما حلَّ.
وعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرَّف لهم الوعيد في هذا القرآن.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾.
يقولُ: فترَك عهدى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾.
يقولُ: فترك (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾.
قال: ترَك أمرَ ربِّه (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال: قال له: ﴿يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.
فقرأ حتى بلغ: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.
وقرأ حتى بلغ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
قال: فنسى ما عهِد الله إليه في ذلك.
قال: وهذا عهد الله إليه.
قال: ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوَّه الذي حسَدَه، وأبى أن يَسْجُدَ له مع من سجد له - إبليسَ، وعصى الله الذي كرَّمه وشرَّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له (٣).
وحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبد الرحمن ومؤملٌ، قالوا: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما سُمِّى الإنسان لأنه عُهد إليه فنسى (١).
وقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
اخْتَلَف أهل التأويل في معنى "العزمِ" هاهنا؛ فقال بعضُهم: معناه الصبر.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، أي: صبرًا.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال: صبرًا (٢).
وحدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة مثله.
وقال آخرون: بل معناه الحفظُ.
قالوا: ومعناه: ولم نجد له حفظًا لما عهدنا إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال: حفظًا لما [أمر به] (١).
وحدَّثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال: حفظًا.
وحدَّثنا عباس (٢) بن محمد، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيان، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال: حفظًا لما أُمِر به (٣).
وحدَّثنى محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
يقول: لم نجد له حفظًا (٤).
وحدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال: العزم المحافظةُ على [أمر الله] (٥) ﷿ (٦) والتمسك به (٧).
وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
يقولُ: لم نَجْعَلْ (٨) له عزمًا (٩).
وحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الفرج (١) بن فضالة، عن لقمان بن عامرٍ، عن أبي أمامة، قال: لو أن أحلام بنى آدمَ جُمِعَت منذُ خلق الله تعالى ذكره آدم إلى يوم تقومُ الساعةُ، ووُضعت في كفَّةِ ميزانٍ، ووُضِع حِلْمُ آدمَ في الكِفَّةِ الأُخرى، لرجح حِلْمُه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ العزم اعتقادُ القلب على الشيءِ، يقال منه: عزم فلانٌ على كذا.
إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقادِ القلب حفظُ الشئ، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يَجْزَعُ جازعٌ إِلا مِن خَوَرِ قلبه وضعفه.
فإذ كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تعالى ذكرُه، وهو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ [على الصبر] (٣) على الوفاءِ لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه.
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه مُعْلِمًا نبيه محمدًا ﷺ ما كان مِن تَضييع آدم عهده، ومُعَرِّفَه بذلك أن ولده لن يَعْدُوا أن يكونوا في ذلك على مِنهاجه، إلا مَن عصمه الله منهم -: واذْكُرْ يا محمد حينَ قُلْنا لملائكتنا: اسجدوا لآدم.
فسجدوا له إلا إبليس أبى أن يَسْجُدَ له، ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾.
ولذلك مِن شأنِه (١) لم يَسْجُدْ لك، وخالف أمرى في ذلك وعصانى، فلا تُطيعاه فيما يَأْمُرُكما به، فيُخْرِجَكما - بمعصيتكما ربَّكما، وطاعتكما له - من الجنة، ﴿فَتَشْقَى﴾.
يقولُ: فيكون عيشُك مِن كَدِّ يدك.
فذلك شقاؤُه الذي حذَّره ربُّه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: أُهْبِط إلى آدمَ ثَوْرٌ أَحمرُ، فكان يَحْرُثُ عليه، ويَمْسَحُ العرقَ من جبينه (٢)، فهو الذي قال الله ﷿: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فكان ذلك شقاؤه (٣).
وقال تعالى ذكره: ﴿فَتَشْقَى﴾.
ولم يقل: فتَشْقيا.
وقد قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾.
لأن ابتداء الخطابِ مِن اللَّهِ ﷿ كان لآدم ﵇، فكان في إعلامه العقوبة - على معصيته إياه فيما نهاه عنه من أكل الشجرة - الكفايةُ من ذكر المرأة، إذ كان معلومًا أن حكمها في ذلك حكمه، كما قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧].
اجتزاءً (٤) بمعرفة السامعين معناه من ذكر (٥) فعل صاحبه.
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره مُخْبِرًا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنةَ: إن لك يا آدم، ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾.
و"أن" في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾.
في موضع نصبٍ بـ ﴿إِنّ﴾ التي في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾.
اخْتَلَفت القرأة في قراءتها؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة والكوفة بالكسر: (وإنك) (١) على العطف على قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾.
وقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة وعامة قرأة الكوفة والبصرة: ﴿وَأَنَّكَ﴾ (٢) بفتح ألفها عطفًا بها على "أنْ" التي في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾.
ووجَّهوا تأويل ذلك إلى: أن لك هذا وهذا، وهذه القراءة أعجبُ القراءتين إليَّ؛ لأن الله تعالى ذكرُه وعد ذلك آدم ﵇ حينَ أسْكَنه الجنةَ، فكَوْنُ ذلك بأن يكون عطفًا على: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ أَوْلى من أن يكون خبرًا مبتدأً، وإن كان الآخرُ غير بعيدٍ من الصواب.
وعُنِي بقوله: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾: لا تَعْطَشُ في الجنة ما دُمْتَ فيها، ﴿وَلَا تَضْحَى﴾.
يقولُ: ولا تَظْهَرُ للشمس فيُؤذيك حرُّها.
كما قال عمر بن أبى ربيعة (٣): رأَتْ رَجُلًا أَمَّا إذا الشمس عارَضَتْ … فيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ (٤) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.
يقولُ: لا يُصيبُك فيها عطشٌ ولا حرٌّ (١).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.
يقولُ: لا يُصِيبُك فيها حرٌّ ولا أذى (٢).
وحدَّثنى أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريكٍ، قال: ثنى أبى، عن خُصَيْفٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ قوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾.
قال: لا تُصيبُك الشمسُ.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾.
قال: لا تُصيبك الشمسُ.
وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾.
يقولُ: فألقى إلى آدمَ الشيطان وحدَّثه، فـ ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾.
يقولُ: قال له: هل أَدُلُّك على شجرةٍ [مَنْ أكل منها خَلَد فلم يمت، ومَلَك] (٣) ملكًا لا يَنْقَضى فيَبْلَى.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
[يقولُ: هل أدلُّك على شجرة] (١) إن أكَلْتَ منها كنتَ ملكًا مثل الله، ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠].
فلا تموتان أبدًا (٢).
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: فأكل آدمُ وحواءُ من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمرَ ربِّهما، ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾.
يقولُ: فانْكَشَفَت لهما عوراتهما، وكانت مستورةً عن أعينهما.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: إنما أراد - يعنى إبليس - بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
ليُبْدِيَ لهما ما تَوارَى عنهما مِن سوآتِهما بهَتْكِ لباسهما، وكان قد علم أن لهما سوأةً؛ لما كان يَقْرَأُ مِن كتب الملائكة، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك وكان لباسهما الظُّفُر، فأبى آدم أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حواءُ فأكلت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإنى قد أكَلْتُ فلم يَضُرَّنى.
فلمَّا أكل آدمُ بدَت لهما سواتهما (٢).
وقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا [مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾] (٣).
يقولُ: أَقْبَلَا يَشُدَّان عليهما من ورق الجنة.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
يقولُ: أَقْبَلا يُغَطِّيان عليهما بورق التِّين (١).
وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: قتادة قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
يقولُ: يُوصِلان عليهما من ورق الجنة (٢).
وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾.
يقولُ: وخالف أمرَ ربِّه، فتَعَدَّى إلى ما لم يَكُنْ له أن يَتَعَدَّى إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها.
وقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.
يقول: ثم اصطفاه ربُّه من بعد معصيته إياه، فرزقه الرجوع إلى ما يَرْضَى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه.
وقوله: ﴿وَهَدَى﴾.
يقولُ: وهداه للتوبة، فوفَّقه لها.
القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال الله لآدم وحواء: اهْبِطا من الجنة جميعًا إلى الأرضِ، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
يقول: أنتما عدوَّا (٣) إبليس وذريته، وإبليس عدوُّكما وعدوُّ ذريتكما.
وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
يقولُ: فإن يَأْتِكم يا آدم وحواء وإبليس، ﴿مِنِّي هُدًى﴾.
يقولُ: بيانٌ لسبيلى، وما أختاره لخلقى من دينٍ، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾.
يقولُ: فمَن اتَّبع بيانى ذلك وعمل به، ولم يزغ عنه، ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾.
يقولُ: فلا يَزولُ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، ولكنه يَرْشُدُ في الدنيا ويَهْتَدِى، ﴿وَلَا يَشْقَى﴾.
[يقولُ: ولا يَشقَى] (١) في الآخرة بعقاب الله؛ لأن الله يُدْخِلُه الجنةَ ويُنَجِّيه من عذابه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحُسَينُ بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن عمرو بن قيس الملائيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: تضَمَّن الله لمن قرأ القرآنَ واتَّبع ما فيه ألا يَضِلَّ في الدنيا، ولا يَشْقَى في الآخرةِ.
ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٢).
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا حَكَّامُ الرازيُّ، عن أيوب بن موسى، عن عمرو بن قيسٍ الملائيِّ، عن ابن عباسٍ أنه قال: إن الله قد ضمن.
فذكر نحوه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أيوب بن يسارٍ أبى عبد الرحمن، عن عمرو بن قيسٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ بنحوه.
حدَّثنا عليُّ بن سهل الرَّمْليُّ، قال: ثنا أحمدُ بن محمدٍ النَّسائيُّ، عن أبي سلمة (١)، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: مَن قرأ القرآنَ واتَّبَع ما فيه عصمه الله من الضَّلالة، ووقاه - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه أنا قال (٢) -: هَوْلَ يوم القيامة، وذلك أنَّه قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة (٣).
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: ومن [أدبر معرضًا] (٤) عن ذِكْرِى الذي أُذَكِّرُه به، فتَوَلَّى عنه ولم يقبله، ولم يَسْتَجِبْ له، ولم يَتَّعِظُ به، فينزجر عما هو عليه مُقِيمٌ من خلافه أمر ربِّه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
يقولُ: فإن له معيشةً ضيقةً.
والضَّنك من المنازل والأماكن والمعايش، الشديد، يقال: هذا منزلٌ ضَنْكٌ.
إذا كان ضيقًا، وعيشٌ ضنكٌ.
الذكر والأنثى، والواحدُ والاثنان والجمعُ، بلفظٍ واحدٍ، ومنه قول عنترة (٥): * وإن نزلوا بضَنكٍ أنزل* وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
يقولُ: الشقاء (١).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ضَنْكًا﴾.
قال: ضيقةً (٢).
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: الضَّنْكُ الضِّيقُ (٣).
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
يقولُ: ضيقةً.
وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
واختلف أهل التأويل في الموضع الذي جعل الله لهؤلاء المُغرضين عن ذكرِه المعيشةَ الضَّنْكَ، والحال التي جعَلَهم فيها؛ فقال بعضُهم: جعَل ذلك لهم في الآخرة في جهنم، وذلك أنهم جعل طعامهم فيها الضَّرِيعَ والزَّقُومَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمر بن عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: في جهنم (١).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾.
قال: هؤلاء أهلُ الكفر.
قال: و ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ في النارِ؛ شَوْكٌ مِن نارٍ وزَقُّومٌ وغِسْلينٌ، والضَّريعُ شوكٌ مِن نارٍ، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشةٌ، ما المعيشةُ والحياة إلا في الآخرةِ.
وقرأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤].
قال: لمعيشتى.
قال: والغسلين والزقُّومُ شيءٌ لا يَعْرِفُه أهلُ الدنيا (٢).
وحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
يقول: ضنكًا في النار (٣).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك: فإن له معيشةً في الدنيا حرامًا.
قال: ووصف الله جلَّ ثناؤُه معيشتهم بالضَّنكِ لأن الحرام وإن اتَّسع فهو ضنكٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسين (٤) بنُ واقدٍ، عن يزيد، عن عكرمة في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: هي المعيشةُ التي أوسع الله عليه من الحرام (١).
حدَّثني داود بن سليمان بن يزيدَ المُكْتِبُ مِن أهل البصرة، قال: ثنا عمرُو بنُ جريرٍ البجليُّ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيسٍ بن أبى حازمٍ في قول الله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: رزقًا في معصية (٢).
حدَّثني عبد الأعلى بن واصلٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا أبو بسطام، عن الضحاك: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: الكسب الخبيث (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضّرَاريُّ (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا أبو اليقظان عمارُ بنُ محمدٍ، عن هارون بن محمدٍ التَّيميِّ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: العمل الخبيثَ، والرزق السيئ (٥).
وقال آخرون ممن قال: عُنى أن لهؤلاء القوم المعيشة الضنك في الدنيا: إنما قيل لها: ضَنكٌ وإن كانت واسعةً؛ لأنهم يُنفقون ما يُنْفِقون من أموالهم على تكذيبٍ بالخَلَفِ مِن اللَّهِ، وإياس من فضلِ اللَّهِ، وسوء ظنٍّ منهم بربِّهم، فتَشْتَدُّ لذلك عليهم معيشتهم وتَضِيقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
يقولُ: كلُّ مالٍ أعْطَيْتُه عبدًا من عبادى قلَّ أو كثُر، لا يَتَّقِينى فيه، فلا خير فيه، وهو الضَّنْكُ في المعيشة.
ويقالُ أيضًا: إن قومًا ضُلَّالًا أَعْرَضوا عن الحقِّ، وكانوا أُولى سَعَةٍ من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يَرَوْن أن اللَّهَ ليس بمُخْلِفٍ لهم معايشهم من سوء ظنِّهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبدُ يُكَذِّبُ باللَّهِ ويُسئُ الظَّنَّ به، اشْتَدَّت عليه معيشتُه، فذلك الضنكُ (١).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك: أن ذلك لهم في البَرْزَخ.
قالوا: وهو عذابُ القبر.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يزيدُ بنُ مَخْلَدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالد بن عبدِ اللهِ، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم، عن النعمان بن أبى عَيَّاشٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ، قال في قولِ اللَّهِ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: عذابَ القبرِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشر بنُ المفضَّل، قال: ثنا عبدُ الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازمٍ، عن النعمان بن أبي عيَّاشٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إن المعيشة الضنك التي قال الله؛ عذابُ القبر.
حدَّثني حَوْثَرَةُ بنُ محمدِ المِنْقَريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حازمٍ، عن أبي سلمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: يَضِيقُ عليه قبره حتى تَخْتَلِفَ أضلاعُه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا أبى وشعيب بنُ الليث، عن الليث، قال: ثنا خالدُ بن زيدٍ، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي سعيدٍ أنه كان يقولُ: المعيشةُ الضنكُ عذابُ القبر، إنه يُسَلَّطُ على الكافر في قبره تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا تَنْهَشُه وتَخْدِشُ لحمه حتى يُبْعَثَ.
وكان يقالُ: لو أن تنِّينًا منها يَنفُخُ (٢) الأرضَ لم تُثبت زرعًا (٣).
حدَّثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: يُضَيَّقُ (٤) على الكافِرِ قبرُه حتى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعُه، وهى المعيشة الضنك التي قال الله ﷿: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ والسديِّ في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قالا (٦): عذابَ القبرِ (٧).
وحدَّثنا محمد بن إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدٍ، قال: ثنا سفيان الثورى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: عذاب القبر (١).
وحدَّثنى عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمدُ بن ربيعة، قال: ثنا أبو عُمَيْسٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُخَارِقٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: عذاب القبر (٢).
وحدَّثنا ابن (٣) عبد الرَّحيم البرقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابن أبي حازم، قالا: ثنا أبو حازمٍ، عن النعمان بن أبي عَيَّاشٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال: عذاب القبر (٤).
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هو عذاب القبر.
الذي حدَّثنا به أحمد بن عبد الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنا عمى عبد الله بن وهبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاجٍ، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرةَ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أتدْرُون فيمَ أَنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أتدرون ما المعيشةُ الضنكُ؟
".
قالوا: الله ورسولُه أعلمُ.
قال: "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسى بيده، إنه يُسلَّط (٥) عليه تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا، أتَدْرُون ما التِّنِّيُن؟
تسعةٌ وتسعون حيَّةً، لكلِّ حيةٍ سبعةُ أرؤسٍ (١)، يَنْفُخون في جسمِه ويَلْسَعونه ويَخْدِشونه إلى يومِ القيامةِ" (٢) وأن الله ﵎ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
فكان معلومًا بذلك أن المعيشةَ الضنكَ التي جعَلَها اللهُ لهم قبلَ عذابِ الآخرةِ (٣)؛ لأن ذلك لو كان في الآخرةِ لم يكنْ لقولِه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
معنًى مفهومٌ؛ لأن ذلك إن لم يكنْ تقَدَّمه عذابٌ لهم قبلَ الآخرةِ، حتى يكونَ الذي في الآخرةِ أشدَّ منه، بطَل معنى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
فإذ كان ذلك كذلك، فلا تَخْلو تلك المعيشةُ الضنكُ التي جَعَلَها اللَّهُ لهم مِن أن تكونَ لهم في حياتهم الدنيا، أو في قبورِهم قبلَ البعثِ - إذ كان لا وجهَ لأن تكونَ في الآخرةِ؛ لما قد بيَّنا - فإن كانت لهم في حياتهم الدنيا، فقد يَجِبُ أن يكونَ كلُّ مَن أَعْرَض عن ذكرِ اللَّهِ مِن الكفار، فإن معيشتَه فيها ضنكٌ، وفي وجودِنا كثيرًا منهم أوْسَعَ معيشةً من كثيرٍ من المُقْبِلِين على ذكرِ اللهِ ﵎ القابلين (٤) له المؤمنين - ما يَدُلُّ على أن ذلك ليس كذلك، فإذ خلا القولُ في ذلك مِن هذين الوجهين، صحَّ الوجهُ الثالثُ، وهو أن ذلك في البَرْزَخ.
وقولُه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
[يقولُ تعالى ذكرُه: ونحشُرُه مِن قبرِه إلى موقفِ القيامةِ يومَ القيامةِ أعمَى (١).
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ العَمَى الذي ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ أنه يَبْعَثُ يومَ القيامةِ هؤلاء الكفارَ به؛ فقال بعضُهم: ذلك عَمًى عن الحجِة، لا عمَى (٢) البصرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٌ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
قال: ليس له حجةٌ (٣).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
قال: عن الحجةِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقيل: يُحْشَرُ أعمى البصرِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قال اللهُ تعالى ذكرُه، وهو أَنه يَحْشُرُه أعمى عن الحجةِ ورؤيةِ الأشياءِ كما أخْبَر جلَّ ثناؤُه، فعمَّ ولم يَخْصُص.
وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.
[فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾.
قال: لا حجةَ لى (١).
وقولُه: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾] (٢).
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وقد كنتُ بصيرًا بحُجَجى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.
قال: عالمًا بحُجَجى.
وقال آخرون: بل معناه: وقد كنتُ ذا بصرٍ أُبْصِرُ به الأشياءَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: في الدنيا (٣).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.
قال: كان بعيدَ البصرِ، قصيرَ النظرِ، أعمى عن الحقِّ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بالخبرِ عنه بوصفِه نفسَه بالبصرِ، ولم يَخْصُص منه معنًى دون معنًى، فذلك على ما عمَّه، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ (١): قال: ربَّ لمَ حشَرْتَنى أَعْمَى عن حُجَجى ورؤيةِ الأشياءِ، وقد كنتُ في الدنيا ذا بصرٍ بذلك كلِّه.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال هذا لربِّه: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾.
مع مُعاينتِه عظيمَ سلطانِه؟
أجَهِلَ في ذلك الموقفِ أن يكونَ اللهِ ﷿ أن يفعلَ به ما شاء؟
أم ما وجهُ ذلك؟
قيل له: إن ذلك منه مسألةٌ لربِّه تعريفَه (٢) الجُرَّمَ الذي اسْتَحَقَّ به ذلك، إذ كان قد جهِله، وظنَّ أن لا جُرْمَ له اسْتَحَقَّ ذلك به منه، فقال: ربِّ لأيِّ ذنبٍ، ولأيِّ جُرْمٍ حَشَرْتَنى أعمى، وقد كنتُ بصيرًا مِن قبلُ في الدنيا وأنت لا تُعاقِبُ أحدًا إلا بدونِ ما يَسْتَحِقُّ منك مِن العقابِ.
وقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ حينَئذٍ للقائل له: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: فعَلْتُ ذلك بك، فحشَرْتُك أعمى كما أتَتْك آياتي - وهى حُجَجُه وأدلتُه وبيانُه الذي بيَّنه في كتابه - ﴿فَنَسِيتَهَا﴾.
يقولُ: فترَكْتُها وأعْرَضْتَ عنها، ولم تُؤْمِنْ بها، ولم تَعْمَلْ.
وعنَى بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ﴾: هكذا أَتتْك.
وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
يقولُ: فكما نسيت آياتِنا في الدنيا فترَكْتَها وأَعْرَضْتَ عنها، فكذلك اليوم نَنْساك فنَتْرُكُك في النارِ.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾؛ فقال بعضُهم بمثلِ الذي قلنا في ذلك ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
قال: في النارِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾، قال: فتَرَكْتَها.
وَ ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: وكذلك اليومَ تُتْرَكُ في النارِ (١).
ورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدثَّني به بِشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
قال: نُسِي (٢) مِن الخيرِ، ولم يُنْسَ (٣) مِن الشرِّ (٤).
وهذا القولُ الذي قاله قتادةُ قريبُ المعنى مما قاله أبو صالحٍ ومجاهدٌ؛ لأن تركَه إياهم في النارِ من أعظمِ الشرِّ لهم.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا ﴿نَجْزِي﴾.
أي: نُثِيبُ مَن أَسرَف، فعصَى رَبَّه ولم يُؤْمِنُ برسله وكتبه، فنَجْعَلُ له معيشةً ضنكًا في البرزخِ، كما قد بيَّنا قبلُ.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولعذابُ اللهِ في الآخرةِ لهم أشدُّ مما [عَذَّبَهم به] (١) في القبرِ مِن المعيشة الضنكِ، ﴿وَأَبْقَى﴾.
يقولُ: وأدومُ منها؛ لأنه إلى غيرِ أَمَدٍ ولا نهايةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفلم يَهْدِ لقومِك المشركين باللهِ.
ومعني ﴿يَهْدِ﴾: يُبَيِّنْ.
يقولُ: أفلم يُبَيِّنْ (٢) لهم كثرةُ ما أَهْلَكْنا قبلَهم مِن الأممِ التي [سلفَت قبلَهم] (٣)، التي يَمْشون هم (٤) في مساكنِهم ودُورِهم، ويَرَوْن آثارَ عُقوباتنا التي أحْلَلْناها بهم - سوءَ مَغَبَّة (٥) ما هم عليه مُقِيمون مِن الكفرِ بآياتِنا، فيَتَّعظوا بهم، ويَعْتَبِروا ويُنيبوا إلى الإذْعانِ، ويُؤْمنوا باللهِ ورسولِه؛ خوفًا أن يُصِيتهم بكفرِهم باللهِ مثلُ ما أصابَهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: [نحوِ عادٍ وثمودَ ومَن هلَك من الأُممِ (١).
وقال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾] (٢).
لأن قريشًا كانت تَتَّجِرُ إلى (٣) الشامِ، فتَمُرُّ بمساكنِ عادٍ وثمودَ ومَن أَشْبَههم، فتَرَى آثارَ وقائعِ اللهِ تعالى بهم، فلذلك قال لهم: أفلم يُحَذِّرُهم ما يَرَوْن من فعلِنا بهم بكفرِهم بنا نزولَ مثلِه بهم، وهم على مثلِ فعلهم مقيمون.
وكان الفَرَّاءُ يقولُ (٤): لا يَجوزُ في ﴿كَمْ﴾ في هذا الموضعِ أن يكونَ إلا نصبًا بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾.
وكان يقولُ: وهو وإن لم يكنْ إلا نصبًا، فإن جملة الكلامِ رفعٌ بقولِه: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾.
ويقولُ: ذلك مثلُ قولِ القائلِ: قد تبَيَّن لي أقام عمرٌو أم (٥) زيدٌ؟
في الاستفهامِ، وكقولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].
ويَزْعُمُ أن فيه شيئًا يَرْفَعُ ﴿سَوَاءٌ﴾ لا يَظْهَرُ مع الاستفهامِ، قال: ولو قلتَ: سواءٌ عليكمَ صمتُكم ودعاؤُكم.
تبَيَّن ذلك الرفعُ الذي في الجملةِ.
وليس الذي قال الفرَّاءُ من ذلك كما قال؛ لأن ﴿كَمْ﴾ وإن كانت مِن حروفِ الاستفهامِ، فإنها لم تُجْعَلْ في هذا الموضعِ للاستفهامِ، بل هي واقعةٌ موقعَ (٦) الأسماءِ الموصوفةِ.
ومعنى الكلامِ ما قد ذكَرْنا قبلُ، وهو: أفلم يُبَيِّنْ (٧) لهم كثرةُ إهلاكِنا قبلَهم القرونَ التي يمشون في مساكِنهم.
أو أفلم تَهْدِهم القرونُ الهالكةُ.
وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أفلم يَهْدِ (١) لهم مَن أَهْلَكْنا).
فـ ﴿كَمْ﴾ واقعةٌ موقع "مَن" في قراءةِ عبدِ اللَّهِ، و (٢) هي في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾.
وهو أظهرُ وُجوهه، وأصحُّ معانيه، وإن كان للذى (٣) قاله وجهٌ ومذهبٌ على بُعْدٍ.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما يُعايِنُ هؤلاء، ويَرَوْن مِن آثارِ وقائعِنا بالأم المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم، وحُلولٍ مَثُلاتِنا بهم لكفرِهم باللهِ، ﴿لَآيَاتٍ﴾.
يقول: لدَلالاتٍ وعِبَرًا وعِظَاتٍ ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾.
يعنى: لأهلِ الحِجَا والعقولِ، ومَن ينهاه عقلُه وفهمُه ودينُه عن مُواقعةِ ما يَضُرُّه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾.
يقولُ: التُّقَى (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أهلِ الوَرَعِ (٥).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ولولا كلمةٌ سَبَقَت من ربِّك يا محمدُ أن كلَّ مَن قضَى له أجلًا فإنه لا يَخْتَرِمُه قبل بلوغِه أجلَه، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
يقولُ: ووقتٌ مُسَمًّى عندَ ربِّك سمَّاه لهم في أمِّ الكتابِ، وخطَّه فيه، هم بالغوه ومُسْتَوْفوه - ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾.
يقولُ: للازمهم الهلاكُ عاجلًا.
وهو مصدرٌ من قول القائل: لازم فلانٌ فلانًا يُلازِمُه مُلازمةً ولِزامًا.
إذا لم يُفارقه.
وقدَّم قولَه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾.
قبل قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
[ومعنى الكلامِ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى] (١) لكان لزامًا، فاصبِرْ على ما يقولون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
قال: الأجلُ المسمَّى: الدنيا (٢).
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
وهذه من مَقاديمِ الكلامِ.
يقولُ: ولولا كلمةٌ سبَقت من ربِّك] (١) إلى أجلٍ مسمًّى لكان لزامًا.
والأجلُ المسمَّى: الساعةُ؛ لأن اللهُ يقولُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٢) [القمر: ٤٦].
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
قال: هذا مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى لكان لزامًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لكان موتًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: لَكَانَ لِزَامًا ?.
يقولُ: موتًا (٣).
وقال آخرون: بل معناه: لكان قتلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: واللِّزامُ القتلُ.
وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﵇: فاصْبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللهِ مِن قومِك، لك: إنك، ساحرٌ، وإنك [مجنونٌ،] (١) وشاعرٌ.
ونحوَ ذلك مِن القولِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.
يقولُ: وصلِّ بثنائِك على ربِّك.
وقال: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.
والمعنى: [بحمدِكَ ربَّك] (٢)، كما تقولُ: أَعْجَبَنِى ضربُ زيدٍ.
والمعنى: ضربى زيدًا.
وقولُه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وذلك صلاةُ الصبحِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾، وهي صلاةُ (٣) العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾، وهى ساعاتُ الليلِ، واحدُها إنْيٌ، على تقديرِ حِمْلٍ، ومنه قولُ المُتَنَخِّلِ (٤) السعديِّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مِرَّته … في (٥) كلٍّ إِنِّي حَذَاه (٦) الليلُ يَنْتَعِلُ ويعنى بقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾.
صلاةَ العشاءِ الآخرةِ؛ لأنها تُصَلَّى بعدَ مُضِى آناءٍ مِن الليلِ.
وقولُه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
يعنى صلاةَ الظهرِ والمغربِ.
وقيل (٧): ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
والمرادُ بذلك الصلاتان اللتان ذكَرْنا؛ لأن صلاةَ الظهرِ في آخِرِ طَرَفِ النهارِ الأولِ، وفى أولِ طَرَفِ النهارِ الآخِرِ، فهي في طرفين منه، والطَّرَفُ الثالثُ غروبُ الشمسِ، وعند ذلك تُصَلَّى المغربُ، فلذلك قيل: أطرافٌ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يقالَ: أُرِيد به طرفا النهارِ، فقيل: أطرافٌ.
كما قيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
فجمَع، والمرادُ قلبان، فيكونُ ذلك أولَ طرفِ النهارِ الآخِرِ، وآخِرَ طرفِه الآخِرِ (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن [أبى رَزينٍ] (٢)، عن ابن عباسٍ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
قال: الصلاةُ المكتوبةُ (٣).
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قَيسٍ بن أبي حازمٍ، عن جريرِ بن عبدِ اللهِ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فرأى القمرَ ليلةَ البدرِ، فقال: "إنكم راءُون ربَّكم كما تَرَوْن هذا، لا تُضامُّون في رُؤيتِه، فإن اسْتَطَعْتُم ألا تُغلبوا على (٤) صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها فافْعَلوا".
ثم تلا: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
قال ابن جُرَيج: العصر.
﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
قال: المكتوبةُ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾.
قال: هي صلاةُ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: صلاةُ العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ المغربِ والعشاءِ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: صلاةُ الظهرِ (١).
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
قال: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: العَتَمةِ.
﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: المغربَ والصبحَ.
ونصَب قولَه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
عطفًا على قولِه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾.
لأن معنى ذلك: فسبِّح بحمدِ ربِّك آخِرَ الليلِ وأطرافَ النهارِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾.
قال: المصلَّى مِن الليلِ كلِّه.
حدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سَمِعْتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾.
قال: مِن أولِه وأوسطِه وآخرِه (١).
حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾.
قال: آناءُ الليل جوفُ الليلِ (٢).
وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
يقولُ: كَى تَرْضَى.
وقد اختلفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأَته (٣) عامةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بفتحِ التاءِ (٤).
وكان عاصمٌ والكِسائيُّ يَقرآن ذلك: (لعلك تُرْضَى) بضمِّ التاءِ (٥).
ورُوِى ذلك عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ.
وكأن الذين قرَءوا ذلك بالفتحِ ذهَبوا إلى معنَى: إِن اللَّهَ يُعْطِيك حتى تَرْضَى عطيتَه وثوابَه إياك، وكذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
قال: الثواب؛ تَرْضَى مما (٦) يُثِيبُك اللهُ على ذلك (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
قال: بما (١) تُعْطَى.
و كأن الذين قرَءوا ذلك بالضمِّ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: لعل الله يُرْضِيك مِن عبادتك إياه وطاعتِك له.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرَأةِ الأمصارِ، مُتَّفِقَتَا المعنى، غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إذا (٢) أرْضاه، فلا شكَّ أنه يَرْضَى، [وأنه] (٣) إذا رضِى فقد أرْضاه اللهُ، فكلُّ واحدةٍ منهما تَدلُّ على معنى الأُخرى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تَنظُرْ إلى ما جَعَلْنَا لَضُرَباءِ هؤلاء المُعرِضين عن آياتِ ربِّهم وأشكالِهم، متعةً في حياتِهم الدنيا، يَتَمَتَّعون بها مِن زهرةِ عاجلِ الدنيا ونَضرتِها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
يقولُ: لنَخْتَبرَهم فيما متَّعْناهم به مِن ذلك ونَبْتليهم، فإن ذلك فانٍ زائلٌ، وغُرورٌ وخُدَعٌ تَضْمَحِلُّ، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ الذي وعَدك أن يَرْزُقَكه في الآخرةِ حتى تَرْضَى - وهو ثوابُه إياه - ﴿خَيْرٌ﴾ لك مما متَّعْناهم به من زهرة الحياةِ الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾.
يقولُ: وأدومُ.
لأنه لا انقطاعَ له ولا نفادَ.
وذكر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ من الله مِن أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ بعَث إلى يهوديٍّ يَسْتَسْلِفُ منه طعامًا، فأبَى أن يُسْلِفَه إلا برَهنٍ.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بن عُبيدةَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللَّهِ بن قُسَيْطٍ، عن أبي رافعٍ، قال: أَرْسَلَنى رسولُ اللهِ ﷺ إلى يهودِيٍّ يَسْتَسْلِفُهُ، فَأَبَى أَن يُعْطِيَه إلا برهنٍ، فحزِن رسولُ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن واقدٍ، عن يعقوبَ بن يزيدَ، عن أبي رافعٍ، قال: نزَل برسولِ اللهِ ﷺ ضَيفٌ، فأَرْسَلَنى إلى يهوديٍّ بالمدينةِ أَستسلِفُه (٢)، فأتَيْتُه فقال: لا أُسْلِفُه إلا برهنٍ.
فَأَخْبَرْتُه بذلك، فقال: "إني لأمينٌ في أهلِ السماءِ، وفى أهلِ الأرضِ، فاحْمِلْ دِرْعى إليه".
فنزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
إلى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
ويعنى بقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: [رجالًا منهم] (١) أشكالًا، وبـ: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: زينةَ الحياةِ الدنيا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
أي: زينةَ الحياةِ الدنيا (٢).
ونصَب ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على الخروجِ من الهاءِ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾.
مِن: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ﴾.
كما يقالُ: مرَرْتُ به الشريفَ الكريمَ.
فنصَب الشريفَ الكريمَ على فعلِ: مرَرْتُ.
فكذلك قولُه: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تُنْصَبُ على الفعلِ بمعنى: متَّعْناهم به زهرةً في الحياةِ الدنيا وزينةً لهم فيها.
وذكَر الفرَّاءُ أَن بعضَ بني فَقْعَسٍ أَنْشَدَه (٣): أبعْدَ الذي بالسَّفْحِ سَفْحِ كَواكِبٍ … رهينةَ رَمْسٍ من ترابٍ وجَنْدَلِ فنصَب "رهينة" على الفعلِ مِن قولِه: أبعْدَ الذي بالسَّفْح.
وهذا لا شكّ أنه أضعفُ في العملِ نصبًا مِن قوله: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾.
لأن العاملَ في الاسمِ الذي (٤) هو "رهينة"، حرفٌ خافضٌ لا ناصبٌ وبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولِه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ (٥) وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾] (٦) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
قال: لنَبْتَلِيَهم فيه، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مما (١) مُتِّع (٢) به هؤلاء من هذه الدنيا (٣).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأْمُرْ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾.
يقولُ: واصْطَبِرْ على القيامِ بها وأدائِها بحدودِها أنت ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾.
يقولُ: لا نَسْأَلُك مالًا، بل نُكَلِّفُك عملًا ببدنِك، نُؤْتِيك عليه أجرًا عظيمًا وثوابًا جَزيلًا، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾.
يقولُ: نحن تُعْطِيك المال ونُكْسِبُكَه، ولا نَسْأَلُكَه.
وقولُه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
يقولُ: والعاقبةُ الصالحةُ مِن عِمل كلِّ عاملٍ لأهلِ التقوى والخشيةِ مِن اللهِ، دونَ مَن لا يَخافُ له عقابًا، ولا يَرْجو له ثوابًا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن عروةَ، قال: كان عروةُ إذا رأَى ما عندَ السلاطينِ دخَل دارَه، فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾.
ثم يُنادِى: الصلاة الصلاةَ، يَرْحَمُكم الله (١).
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئًا مِن الدنيا جاء إلى أهلِه، فقال: الصلاةَ؛ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ (٢).
حدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أسلَم، عن أبيه، قال: كان يَبِيتُ عند عمرَ بن الخطابِ مِن غِلمانِه أنا ويَرْفَأُ (٣)، وكانت له مِن الليلِ ساعةٌ يُصَلِّيها، فإذا قلنا: لا يقومُ مِن الليلِ [كما كان يقومُ.
يكونُ أبكرَ ما] (٤) كان قيامًا، وكان إذا صلَّى مِن الليلِ ثم فرَغ، قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآيةَ (٥).
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: أخبرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ ابن أَسْلَمَ، [عن أبيه، عن عمرَ] (١) مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبل: هلَّا يَأْتِينا محمدٌ بآيةٍ من ربِّه، كما أَتَى قومَه صالحٌ بالناقةِ، وعيسى بإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكْمهِ والأبرصِ؟
يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: أو لم يَأْتِهم بيانُ ما في الكتبِ التي قبلَ هذا الكتابِ مِن أنباءِ الأممِ من قبلِهم التي أَهْلَكْناهم لمَّا سأَلوا الآياتِ، فكفَروا بها لما أتَتْهم - كيف عجَّلْنا لهم العذابَ، وأنْزَلنا بهم (٢) بأسَنا بكفرِهم بها.
يقولُ: فماذا يُؤْمِنُهم إن أتَتْهم الآيةُ أن يكونَ حالُهم حالَ أولئك.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
قال: التوراةِ والإنجيلِ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: الكتبِ التي خلَت من الأممِ التي يَمْشُون في مساكنِهم.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أنا أهْلكنا هؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبون بهذا القرآنِ مِن قبلِ أن ننزِّلَه عليهم، ومِن قبلِ أن نَبْعَثَ داعيًا يَدْعوهم إلى ما فرَضْنا عليهم فيه، بعذابٍ تُنْزِلُه بهم بكفرِهم باللهِ، لَقالوا يومَ القيامةِ إذا (١) ورَدُوا علينا، فأَرَدْنا عقابهم: ربَّنا هلَّا أَرْسَلْتَ إلينا رسولًا يَدعونا إلى طاعتِك ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾؟
يقولُ: فتَتَّبِعَ حُجَجَك وأدلَّتَك وما تُنَزِّلُه عليه مِن أمرِك ونهِيك، مِن قبلِ أن نَذِلَّ بتعذيبِك إيانا ونَخْزَى به.
كما حدَّثني الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن فُضَيْلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يَحْتَجُّ على اللهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ؛ الهالكُ في الفَتْرةِ، والمغلوبُ على عقلِه، والصبيُّ الصغيرُ، فيقولُ المغلوبُ على عقلِه: لم تَجْعَل لى عقلًا أَنْتَفِعُ به.
ويقولُ الهالكُ في الفترةِ: لم يَأْتِنى رسولٌ ولا نبيٌّ، ولو أتانى لك رسولٌ أو نبيٌّ لَكنتُ أطوعَ خلقِك لك - وقرأ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ - ويقولُ الصبيُّ الصغيرُ: كنتُ صغيرًا لا أَعقِلُ.
قال: فتُرْفَعُ لهم نارٌ، ويقالُ لهم: رِدُوها.
قال: فيَرِدُها مَن كان في علمِ الله أنه سعيدٌ، ويَتَلَكَّأُ عنها مَن كان في علمِ اللَّهِ أَنه شَقِيٌّ.
فيقولُ: إياى عصَيْتُم، فكيف برسلى لو أتَتْكم؟
" (٢) القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: كلُّكم أيُّها المشركون باللهِ ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾.
يقولُ: منتظِرٌ لمن يكونُ الفلاحُ، وإلى ما يَئُولُ أمرى وأمرُكم، مُتَوَقِّفٌ يَنْتَظِرُ دوائرَ الزمانِ، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾.
يقولُ: فتَرَقَّبوا وانْتَظِروا، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾.
يقولُ: فسيعلَمون مَن] (١) أهلُ الطريقِ المستقيمِ المعتدلِ الذي لا اعْوِجاجَ فيه إذا جاء أمرُ اللهِ، وقامت القيامةُ، أنحن أم أنتم؟
﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾.
يقولُ: وستَعْلَمون حينَئذٍ من المهتدِى الذي هو على سننِ الطريقِ القاصدِ غيرِ الجائرِ عن قصدِه منا ومنكم.
وفى ﴿وَمَنِ﴾ مِن قولِه: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾.
والثانيةِ مِن قوله: ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ وجهان؛ الرفعُ، وتركُ إعْمالِ "تعلمون" فيهما، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢].
والنصبُ على إعمال "تعلمون" فيهما، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].