تفسير الطبري سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة المؤمنون

تفسيرُ سورةِ المؤمنون كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 161 دقيقة قراءة

تفسير سورة المؤمنون كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ "قد أفلح المؤمنون" ﷽ القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾.

قال أبو جعفرٍ: يَعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قد أدرك الذين صدَّقوا الله ورسوله محمدا ﷺ، وأَقَرُّوا بما جاءهم به من عند الله، وعَمِلوا بما دعاهم إليه مما سَمَّى في هذه الآياتِ - الخلودَ في جناتِ ربهم، وفازوا بطَلِبتهم لديه.

كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

قال: قال كعبٌ: لم يَخْلُقِ الله بيده إلا ثلاثةً؛ خلَق آدم بيده، وكتب (١) التوراة بيده، وغرس جنةَ عَدْنٍ بيدِه، ثم قال (٢): تَكَلَّمِي.

فقالت: قد أفلح المؤمنون.

لما علمت فيها من الكرامةِ (٣).

حدَّثنا سَهْلُ بن موسى الرازيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، عن عمرو بن أبى قيسٍ، عن عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ، قال: لما غرَس الله ﵎ الجنةَ، نظَر إليها فقال (١): قد أفلح المؤمنون (٢).

قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خَلْدَةَ، عن أبى العاليةِ، قال: لمّا خلق الله الجنة قال: قد أفلح المؤمنون.

فأنزل الله به قرآنًا (٣).

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ (٤)، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: لم يَخْلُقِ الله شيئًا بيدِه غيرَ أربعة أشياء؛ خلَق آدمَ بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرَس عَدْنًا بيدِه، ثم قال: قد أفلح المؤمنون (٥).

وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

يقول تعالى ذكره: الذين هم في صلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعُهم فيها تذلُّلُهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها.

وقيل: إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يَرْفَعون أبصارهم فيها إلى السماء قبلَ نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.

ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمانَ، قال: سَمِعتُ خالدًا، عن محمدِ بن سيرين، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صَلَّى نظر إلى السماء، فأُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: فجعل بعدَ ذلك وجهه حيثُ يَسجُدُ (١).

حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارون بن المغيرةِ، عن أبي جعفر، عن الحجاج الصوَّاف، عن ابن سيرينَ، قال: كان أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يَرْفَعُون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

فقالوا بعد ذلك برُءُوسهم هكذا (٢).

حدَّثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئتُ أن رسول الله ﷺ كان إذا صَلَّى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آيةٌ، إن لم تَكُن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أَدْرِى أية آيةٍ هي.

قال: فطَأْطَأ.

قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يُجاوِزُ بصره مُصَلّاه، فإن كان قد استعاد النظرَ فلْيُغْمِض (٣).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ نحوه (٤).

واختلف أهل التأويلِ في الذى عُنى به في هذا الموضع من الخشوعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به سكونُ الأطرافِ في الصلاةِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: السكون فيها (١).

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: سكون المرء في صلاته.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرى مثله.

(٢).

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن أبى سِنان (٣) الشيبانيِّ، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: سُئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: لا تَلْتَفِتْ في صلاتك (٤).

حدَّثنا عبد الجبار بن يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ (٥) شَوْذَبٍ، عن الحسن في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: كان خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك البصرَ، وخفضوا به الجَناحَ (١).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾.

قال: الخشوعُ في القلب.

وقال: ساكِنون (٢).

قال: ثنا الحسين (٣)، قال: ثنى خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن المسعوديِّ، عن أبى سنانٍ، عن رجل من قومِه، عن عليٍّ ﵁، قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تَلْتَفِتَ (٤).

قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاء بن أبي رَبَاحٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: التَّخَشُّعُ في الصلاةِ.

وقال لي غير عطاءٍ: كان النبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويسارِه ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

فما رُئى بعد ذلك يَنْظُرُ إِلا إلى الأرض (٥).

وقال آخرون: عُنى به الخوفُ في هذا الموضعِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

قال: خائفون.

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قال الحسن: خائفون.

وقال قتادة: الخشوع في القلب (١).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

يقولُ: خائفون ساكنون (٢).

وقد بيَّنَّا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلُّلُ والخضوعُ، بما أَغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣).

وإذ كان ذلك كذلك، ولم يَكُن الله تعالى ذكرُه دَلَّ على أن مراده من ذلك معنًى دون معنًى في عقلٍ ولا خبرٍ - كان معلومًا أن معنى مرادِه من ذلك العموم.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفتُ من قبلُ، من أنه: والذين هم في صلاتهم مُتَذَلِّلون للَّهِ بأداء (٤) ما ألزمهم من فرضه وعبادته.

وإذا تَذَلّل للهِ فيها العبدُ رُئيَتْ ذلةُ خضوعِه في سكون أطرافه، وشغله بفرضه، وتركه ما أُمر بتركه فيها.

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.

يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يَكْرَهُه الله من خلقه مُعْرِضون.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.

يقولُ: الباطلِ (١).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿عَنِ اللَّغْوِ معْرِضُونَ﴾.

قال: عن المعاصى.

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ مثله (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.

قال: النبيُّ ﷺ ومن معه من صحابته ممن آمن به واتَّبعه وصَدَّقه، كانوا عن اللغوِ مُعْرِضين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.

يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مُؤَدُّون.

وفِعْلُهم الذي وُصِفوا به هو أداؤُهموها.

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾.

يقولُ: والذين هم لفروج أنفسهم.

وعنى بالفروج في هذا الموضع فروج الرجال، وذلك أَقْبالُهم، ﴿حَافِظُونَ﴾ يَحْفَظُونها من إعمالها في شيءٍ من الفروج، ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ﴾.

يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحَلَّهن الله للرجال بالنكاح، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْهُمْ﴾.

يَعْنى بذلك إماءَهم.

و ﴿مَا﴾ التى في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ في محلّ خَفْضٍ، عَطْفًا على "الأزواج".

﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.

يقولُ: فإن من لم يَحْفَظْ فرجَه عن زوجه ومِلْكِ يمينه، وحفظه عن غيره من الخلقِ، فإنه غيرُ مُوبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكبٌ ذنبًا يُلامُ عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك حدَّثنا محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾.

يقولُ: رَضِى الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم.

وقولُه: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾.

يقولُ: فمن الْتَمَس لفرجِه مَنْكَحًا سِوَى زوجته ومِلْكِ يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.

يقولُ: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرَّم عليهم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.

فَسَمَّى الزانيَ من العادِين.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.

قال: الذين يَتَعَدَّون الحلال إلى الحرام.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.

قال: من زنَى فهو عادٍ (١).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (٢) يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾.

يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتُمِنوا عليها، ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التى عاقَدوا الناسَ، ﴿رَاعُونَ﴾.

يقولُ: حافظون لا يُضَيِّعون، ولكنهم يَفُون بذلك كلِّه.

واختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الأمصارِ إلا ابن كثيرٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾.

على الجمع، وقرأ ذلك ابن كثير: (لأمانَتِهم).

على الواحدة (٣).

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾؛ لإجماع الحجة من القَرَأةِ عليها (٤).

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

يقولُ: والذين هم على أوقاتِ صلاتِهم (١) يحافظون فلا يُضَيَّعونها، ولا يَشْتَغِلُون عنها حتى تَفُوتَهم، ولكنهم يُراعُونها حتى يُؤَدُّوها فيها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

قال: على وقتها (٢).

حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروقٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

قال: على ميقاتها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحمنِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: أخبرنا ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلمِ بنِ صُبَيْحٍ، قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

قال: إقام الصلاة لوقتها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلاتهم (٣) دائمون.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

قال: دائمون.

قال: يَعْنِى بها المكتوبةَ.

وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾.

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتُهم في الدنيا، هم الوارثون يومَ القيامةِ منازل أهل النارِ من الجنة.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبر عن رسول الله ﷺ، وتَأَوَّله أهل التأويل.

ذكرُ الرواية بذلك حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحدٍ إلا وله منزلان؛ مَنزِلٌ في الجنة، ومنزلٌ في النارِ، وإن مات فدخَل النارَ، وَرِثَ أهلُ الجنةِ مَنزِلَه، فذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " (١).

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾.

قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم التى أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله (٢).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الأعمش، عن أبي هريرةَ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾.

قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم الذين أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الْوَارِثُونَ﴾ ﴿الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [مريم: ٦٣] هن سواءٌ.

قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: يَرِثُ الذى من أهل الجنة أهله وأهلَ غيره، ومنزلَ الذين من أهل النار، فهم (١) يَرِثُون أهل النار، فلهم مَنزِلان في الجنةِ وأَهْلان؛ وذلك أنه منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمنُ فيُبنَى منزله الذى في الجنة، ويُهْدَمُ منزله الذى في النارِ، وأما الكافرُ فيُهْدَمُ منزله الذى في الجنةِ، ويُبْنَى منزلُه الذي في النار.

قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن ليث بن أبى سُلَيْمٍ، عن مجاهدٍ أنه قال مثل ذلك (٢).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.

يقول تعالى ذكره: الذين يرثون البستانَ ذا الكَرْمِ.

وهو الفردوس عند العرب.

وكان مجاهدٌ يقولُ: هو بالرُّومية.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ قال: الفردوس بستانٌ بالرُّومية (٣).

قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: عَدْنٌ حديقةٌ في الجنة، قَصْرُها فيها عَدْنُها، خلَقها بيده، تُفْتَحُ كلَّ فجرٍ فيَنْظُرُ فيها، ثم يقولُ: قد أفلَح المؤمنون.

قال: هى الفردوس أيضًا تلك الحديقةُ.

قال مجاهدٌ: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: قد أفلح المؤمنونَ.

ثم أمر بها تُغْلَقُ، فلم (٤) يَنظُرْ فيها خَلْقٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ثم تُفْتَحُ كلَّ سَحَرٍ، فيَنْظُرُ فيها فيقولُ: قد أفلح المؤمنون.

ثم تُغْلَقُ إلى مثلها (٥).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: قُتِل حارثةُ بنُ سُراقة يومَ بدرٍ، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابنى من أهل الجنةِ لم أبْكِ عليه، وإن كان من أهل النارِ بالغْتُ في البكاءِ.

قال: "يا أمَّ حارثةَ، إنها [جَنَّتان في جنةٍ] (١)، وإن ابنَكِ قد أصابَ الفِرْدَوْسَ الأعلى من الجنة".

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثله (٢).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن كعبٍ، قال: خلق الله بيدِه جنة الفردوس، غرسها بيده، ثم قال: تَكَلَّمِي.

قالت: قد أفلح المؤمنون (٣).

قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن حُسامِ بنِ مِصَكٍّ، عن قتادة أيضًا مثلَه، غير أنه قال: تَكَلَّمِي.

قالت: طُوبَى للمُتَّقين (٤).

قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي داود نُفَيْع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تَزَيَّني.

فتَزَيَّنت، ثم قال لها: تَكَلَّمِي.

فقالت: طُوبَى لمن رَضِيتَ عنه (٥).

وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾.

يعنى: ماكثون فيها.

يقولُ: هؤلاء الذين يَرِثون الفردوسَ ﴿خَلِدُونَ﴾.

يَعْنِي: ماكثون فيها أبدًا، لا يَتَحَوَّلون عنها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طينٍ (١٢)﴾.

يقول تعالى ذكره: ولقد خَلَقْنا الإنسان من سُلالةٍ من طينٍ، أَسْلَلْناه منه.

فالسلالةُ هى المُستَلَّةُ من كلِّ تربةٍ؛ ولذلك كان آدم خُلق من تربةٍ أُخِذَت من أدِيمِ الأرض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل؛ على اختلافٍ منهم في المعنيِّ بالإنسان في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عُنِى به آدم.

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِن طِينٍ﴾.

قال: استُلَّ آدم من الطين (١).

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾.

قال: استُل آدم من طينٍ، وخُلِقت ذريتُه من ماءٍ مَهِينٍ (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدمَ -وهو الإنسانُ الذي ذُكر في هذا الموضعِ- ﴿مِن سُلَالَةٍ﴾ وهى النُّطْفَةُ التي استُلَّت من ظهرِ الفَحْلِ، ﴿مِن طِينٍ﴾ وهو آدم الذى خُلِق من طينٍ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهال بن عمرٍو، عن أبي يحيى، عن ابن عباسٍ: ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾.

قال: صِفْوةِ الماءِ (١).

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿مِن سُلَالَةٍ﴾: من مَنيِّ آدمَ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وأَوْلَى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالةِ آدمَ.

وهى صفوة (٣) مائه، وآدم هو الطينُ؛ لأنَّه خُلق منه.

وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ على أن ذلك كذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنه لم يَصِرْ في قرارٍ مكينٍ إلا بعد خلقه في صُلبِ الفَحْلِ، ومن بعدِ تَحَوُّلِه من صُلبِه صار في قرارٍ مكينٍ.

والعربُ تُسَمِّى ولدَ الرجل ونطفته سَلِيلَه وسُلَالَته؛ لأنهما مَسْلُولان منه.

ومن السلالة قولُ بعضهم (٤): فحَلَّتْ (١) به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرا … سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ وقول الآخَرِ (٢): وهل كنت إِلَّا مُهْرَةً عَرَبِيَّةً … سُلالَةَ أَفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ فمن قال: سُلالةٌ.

جَمَعها سُلالاتٍ، وربما جمَعوها سلائلَ، وليس بالكثيرِ؛ لأن السلائل جمعٌ للسليلِ، ومنه قولُ بعضهم: إذا أُنْتِجَتْ منها المَهَارَى تَشابَهَتْ … على القَوْدِ (٣) إلا بالأُنوفِ سَلائلُهْ وقول الراجزِ (٤): *يَقْذِفْنَ في أَسْلَائِها (٥) بالسَّلائِلِ* القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.

يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾: ثم جعَلنا الإنسان الذى جعلناه من سلالة من طينٍ ﴿نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾، وهو حيثُ استَقَرَّت فيه نطفةُ الرجلِ من رحمِ المرأةِ.

ووصفه بأنه مكينٌ؛ لأنَّه مُكِّن لذلك وهُيِّئ له، ليَسْتَقِرَّ فيه إلى بلوغ أمره الذى جعله له قرارًا.

وقولُه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾.

يقولُ: ثم صيَّرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقةً، وهى القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾.

يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهى القطعة من اللحم.

وقولُه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾.

يقولُ: فجعلنا تلك المضغة اللحمَ عظامًا.

وقد اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قَرَأةِ الحجاز والعراق سوى عاصمٍ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجماع، وكان عاصم وعبد اللهِ بنُ عامرٍ يَقْرآن ذلك: (عَظْمًا) في الحرفين على التوحيد جميعا (١).

والقراءة التي نختارُ في ذلك الجماع؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليه (٢).

وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾.

يقولُ: فأَلْبَسنا العظام لحمًا.

وقد ذُكِر أن ذلك في قراءة عبدِ اللهِ: (ثُمَّ خَلَقْنَا (٣) النُّطْفَةَ عَظْمًا وعَصَبًا فَكَسَوْناه لحمًا) (٤).

وقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

يقولُ: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر.

وهذه الهاء التى في ﴿أَنشَأْنَاهُ﴾ عائدة على "الإنسانِ" في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾.

وقد يَجوز أن تكونَ مِن ذكر "العظمِ" و "النطفةِ" و "المضغة" جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أَنشَأنا ذلك خلقا آخر.

واختلَف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ فقال بعضُهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر نفخُه الروح فيه، فيَصِيرُ حينئذٍ إنسانًا، وكان قبلَ ذلك صورةً.

ذكر من قال ذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: نفخ الروح فيه (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هُشَيْم، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس بمثله.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: الروحُ.

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمة في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: نفَخ فيه الروحَ (٢).

حدَّثنا ابن بشار وابن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داودَ ابن أبي هند، عن الشَّعْبى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: نفَخ فيه الروحَ (٣).

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد بمثله (٤).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: نفَخ فيه الروحَ، فهو الخلقُ الآخرُ الذى ذكَر (١).

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾.

يعنى: الروحَ نفخ (٢) فيه بعد الخلق (٣).

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: الروح الذي جعله فيه (٤).

وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولةِ، والكُهولةِ، والاغتذاء، ونباتِ الشَّعَرِ والسِّنِّ، ونحوِ ذلك من أحوالِ الأحياء في الدنيا.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالقِينَ﴾.

يقولُ: خرَج من بطنِ أمِّه بعدما خُلق، فكان من بَدْءِ خلقِهِ الآخَرِ أن استَهَلَّ، ثم كان من خلقِه أن دُلّ على ثدي أمِّه، ثم كان من خلقه أن عَلم كيف يَبْسُطُ رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشَى، إلى أن فُطِم، فعلم كيف يَشْرَبُ ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحُلُمَ، إلى أن بلغ أن يَتَقَلَّبَ في البلاد (١).

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: يقولُ بعضُهم: هو نباتُ الشَّعَرِ.

وبعضُهم يقولُ: هو نفخ الروحِ.

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ (٢).

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: يقالُ: الخلقُ الآخرُ بعدَ خروجه من بطن أمِّه بسِنِّه وشَعَرِه (٣).

وقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خلقًا آخرَ: سَوَّى شبابه.

ذكرُ من قال ذلك.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.

قال: حين استوَى شبابُه (٤).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهد: حين استوَى به الشبابُ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: عنى بذلك نفخَ الروحِ فيه.

وذلك أنه بنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ خلقًا آخرَ إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوالِ التي وصَفه الله أنه كان بها؛ من نطفةٍ، وعلقة، ومضغة، وعظم، وبنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ عن تلك المعانى كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحوَّل أبوه (١) آدم بنفخ الروح في الطينة التي خُلق منها؛ إنسانًا وخلقا آخرَ غير الطين الذى خُلق منه.

وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فتبارك الله أحسنُ الصانعين.

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

قال: يَصْنَعون ويَصْنَعُ الله، والله خيرُ الصانعين (٢).

وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؛ لأن عيسى ابن مريمَ كان يَخْلُقُ، فأخبَر جلَّ ثناؤُه عن نفسه أنه يَخْلُقُ أَحسَنَ مما كان يَخْلُقُ.

ذكر من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جُرَيج في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

قال: عيسى ابن مريمَ يَخْلُقُ (٢).

وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تُسمِّى كلَّ صانعٍ خالقًا.

ومنه قولُ زُهَيْرٍ (٣): ولَأَنت تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبعـ … ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى (١) ويُرْوَى: ولَأَنتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وبعـ … ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ثم إنكم أيُّها الناسُ من بعد إنشائناكم خلقا آخر، وتَصْيِيرِناكم إنسانًا سويًّا، ميِّتون وعائدون ترابًا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعَوْدِكم رُفاتًا باليا مبعوثون من التراب خلقًا جديدًا، كما بدأناكم أوَّل مرة.

وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾؛ لأنَّه خبرٌ عن حالٍ لهم يَحْدُثُ لم يَكُنْ.

يكن.

وكذلك تقولُ العرب لمن لم يمُتْ: هو مائِتٌ وميِّتٌ عن قليلٍ.

ولا يقولون لمن قد مات: مائتٌ.

وكذلك: هو طَمِعٌ فيما عندك.

إذا وُصف بالطمع، فإذا أُخبر عنه أنه سيفعَلُ ولم يفعل، قيل: هو طامعٌ فيما عندك غدًا.

وكذلك ذلك في كلِّ ما كان نظيرًا لما ذكرنا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.

يقول تعالى ذكره: ولقد خلَقْنا فوقكم أيها الناسُ سبع سماوات، بعضُهن فوقَ بعضٍ.

والعرب تُسَمِّى كُلَّ شيءٍ فوقَ شيءٍ طَريقةً، وإنما قيل للسماواتِ السبعِ: سبع طرائق.

لأن بعضهن فوق بعض، فكلُّ سماءٍ منهن طَرِيقةٌ.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾.

قال: الطَّرائق السماوات (١).

وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾.

يقول: وما كنا في خَلْقِنا السماواتِ السبعَ فوقكم عن خَلْقِنا الذى تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم فتهلكهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾.

يقول تعالى ذكره: وأَنزَلْنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها.

كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: ماءً هو من السماء.

وقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾.

يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكنَّاه في الأرضِ لقادِرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكُوا أَيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ أرَضُوكم، فلا تُنبت زرعًا ولا غَرْسًا، وتَهْلِكَ مَواشِيكم.

يقولُ: فمن نعمتى عليكم تَركي ذلك لكم في الأرض جاريًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾.

يقول تعالى ذكره: فأَحْدَثْنا لكم بالماء الذى أنزلناه من السماء بساتين من نخيلٍ وأعناب، ﴿لَّكُم فِيهَا﴾.

يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.

يقول: ومن الفواكه تأكلون.

وقد يجوز أن تكون الهاء والألفُ مِن ذكرِ "الجناتِ"، ويَحتَمِلُ أن تكون من ذكر "النخيل" و "الأعنابِ".

وخَصَّ جل ثناؤه الجناتِ التي ذكرها في هذا الموضعِ، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دونَ وصفها بسائرِ ثمار الأرضِ؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما عُظْمَ (١) ثمار الحجاز وما قَرُبَ منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذَكَّرَ القومَ بما يَعْرِفون مِن نِعمه عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾.

يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضًا شجرةً تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ.

و ﴿شَجَرَةً﴾ منصوبةٌ عطفا على "الجناتِ"، ويعنى بها شجرة الزيتون.

وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُنْبِتُ الأشجارَ.

وقد بيَّنتُ معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهده، واختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٢).

وأما قولُه: ﴿سَيْنَاءَ﴾.

فإن القَرَأةَ اختَلَفت في قراءته؛ فقَرَأتْه عامة قرَأةِ المدينة والبصرة: (سِيناءَ).

بكسر السين.

وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفة: ﴿سَيْنَاءَ﴾.

بفتح السين، وهما جميعًا مُجمعون على مدِّها (٣).

والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرأ القارى فمصيبٌ.

واختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَك.

كأن معنى الكلامِ عنده: وشجرةً تَخْرُجُ من جبلٍ مباركٍ.

ذكر من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

قال: المبارَكُ (١).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

قال: هو جبلٌ بالشامِ مباركٌ (٢).

وقال آخرون: معناه: حسنٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

قال: جبلٌ حسنٌ (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أَخبرنا عُبَيْدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

الطور: الجبل بالنبطية، وسيناءُ: حسنةٌ بالنَّبَطيةِ (٢).

وقال آخرون: هو اسم جبل معروف.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

قال: الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ (٣).

حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾.

قال: هو جبل الطور الذى بالشامِ، جبل بيت (٤) المقدس.

قال: ممدودٌ هو بينَ مصرَ وبين أَيْلَةَ (٥).

وقال آخرون: معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ.

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عمن قاله (١).

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن سيناءَ اسمٌ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ به، كما قيل: جَبَلا طَيِّئ.

فأُضِيفا إلى طَيِّئٍ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبلٌ مبارَكٌ.

أو كما قال من قال: معناه: حسنٌ.

لكان الطور منوَّنًا، وكان قوله: ﴿سَيْنَاءَ﴾ من نَعْتِه.

على أن سيناء بمعنى مباركٍ وحسنٍ غير معروف في كلام العرب، فيُجْعَل ذلك من نعتِ الجبلِ.

ولكنَّ القول في ذلك -إن شاء الله- كما قال ابن عباسٍ، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنَّه الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ، وهو مع ذلك مباركٌ، لا (٢) أن معنى سيناء معنى مباركٍ.

وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿تَنْبُتُ﴾؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء (٣)، بمعنى: تَنْبُتُ هذه الشجرة بثمرِ الدُّهْنِ.

وقرأه بعضُ قَرَأةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمِّ التاء (٤)، بمعنى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه.

وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ) (٥).

وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذْتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه.

وكما قال الراجز (٦): نحن بنو جَعْدَةَ أربابُ الفَلَجْ (١) نَضْرِبُ بالبِيضِ (٢) ونَرْجُو بالفَرَجْ بمعنى: ونَرْجُو الفرجَ.

والقولُ عندى في ذلك أنهما لغتان: نبَت وأَنْبَت.

ومِن "أَنْبَت" قولُ زُهَيرٍ (٣): رأيتَ ذَوِى الحاجاتِ حولَ بُيُوتِهِمْ … قَطِينًا (٤) لهم حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ ويُرْوَى: نَبَتَ.

وهو كقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾.

و: (فاسْرِ) [هود: ٨١].

غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التى لا أختارُ غيرَها في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها.

ومعنى ذلك: تَنْبُتُ هذه الشجرةُ بثمر الدُّهْنِ.

كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾.

قال: تُثْمِرُ (٥).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهد مثله.

والدُّهنُ الذى هو من ثمره الزيتُ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾.

يقولُ: هو الزيتُ يُؤكلُ ويُدَّهَنُ به (١).

وقولُه: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾.

يقولُ: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ وبصِبْغٍ للآكِلين، يُصْطَبَعُ بالزيت الذى يأكلونه.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾.

قال: هذه (٢) الزيتونُ صِبْغٌ للآكلين، يَأْتَدمون به، ويَصْطبِغون به (٣).

قال أبو جعفر: فـ "الصِّبْغُ" عطفٌ على "الدُّهْنِ".

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.

يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تَعْتَبِرُون بها، فتَعْرِفون بها أَيادِىَ الله عندكم، وقدرته على ما يشاءُ، وأنَّه الذى لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أَراده، ولا يُعْجِرُه شيءٌ شاءه، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبنِ الخارجِ من بينِ الفَرْثِ والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك ﴿فِيهَا﴾.

يَعنى: في الأنعام، ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾.

وذلك كالإبل التي يُحْمَلُ عليها، ويُرْكَبُ ظهرُها، ويُشْرَبُ دَرُّها، ﴿وَمِنهَا تَأْكُلُونَ﴾.

يعنى من لحومها تأكلون.

وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.

يقولُ: وعلى الأنعامِ وعلى السفنِ تُحْمَلون؛ على هذه في البر، وعلى هذه في البحرِ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾.

يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾؛ داعيَهم إلى طاعتِنا وتوحيدِنا، والبراءة من كلِّ معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوحٌ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.

يقولُ: قال لهم: ذِلُّوا يا قوم لله بالطاعةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.

يقولُ: ما لكم من معبود يجوزُ لكم أن تعبدوه غيرُه، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.

يقولُ: أفلا تخشَوْن بعبادتكم غيره عقابَه أن يَحِلَّ بكم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: فقالت جماعةُ أشرافِ قوم نوح الذين جحدوا توحيد الله وكذَّبوه، لقومهم: ما نوحٌ أيها القومُ إلا بشرٌ مثلكم، إنما هو إنسانٌ مثلكم، وكبعضِكم، ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾.

يقولُ: يريد أن يَصير له الفضلُ عليكم، فيكون متبوعًا وأنتم له تبعٌ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾.

[يقولُ: ولو شاء الله ألا نعبد شيئًا سواه، ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.

يقولُ: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوحٌ ملائكةً] (١) تؤدِّى إليكم رسالته.

وقولُه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا [فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.

يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الملأِ من قومِ نوحٍ: ما سَمِعْنا بهذا] (٢) الذى يدعونا إليه نوحٌ مِن أنه لا إلهَ لنا غيرُ اللهِ في القرونِ الماضيةِ، وهى آباؤهم الأوّلون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه (١) مخبرًا عن قِيلِ الملإِ الذين كفَروا من قومِ نوحٍ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾: ما نوحٌ إلَّا رجلٌ به جنونٌ.

وقد يقالُ أيضًا للجنِّ: جِنَّةٌ.

فيتفقُ الاسمُ والمصدرُ.

و ﴿هُوَ﴾ من قولِه: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كنايةُ اسمِ نوحٍ.

وقولُه: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ يقولُ: فتَلَبَّثُوا به وتَنظَّرُوا به، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾.

يقولُ: إلى وقتٍ ما.

ولم يَعْنُوا بذلك وقتًا معلومًا، إنما هو كقولِ القائلِ: دعْه إلى يومٍ ما، أو: إلى وقتٍ ما.

وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.

يقولُ: قال نوحٌ داعيًا ربَّه، مستنصِرًا به على قومِه، لما طال أمرُه وأمرُهم، وتمادَوا في غيِّهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومى ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾.

يعنى: بتكذيبِهم إيايَ فيما أبلَغتُهم من رسالتِك، ودعوتُهم إليه من توحيدِك.

وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾.

يقولُ: فقلنا له حين استنصَرَنَا على كَفَرِة قومِه: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾، وهي السفينةُ، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾.

يقولُ: بمرْأًى منا ومنظرٍ، ﴿وَوَحْيِنَا﴾.

يقولُ: وبتعليمِنا إياك صَنَعْتَها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾.

يقولُ: فإذا جاء قضاؤنا في قومِك، بعذابِهم وهلاكِهم، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ -وقد ذكَرنا فيما مضَى اختلافَ المختلفِين فى صفةِ فور التنورِ، والصوابَ عندنا من القول فيه بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١) - ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

يقولُ: فأدخِلْ في الفلكِ واحمِلْ.

والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾.

من ذكرِ الفلكِ، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

يقالُ: سَلكْتُه فى كذا وأسلكتُه فيه.

ومن "سلكتُه" قولُ الشاعرِ (٢): وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ … وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ وبعضُهم يقولُ: أسلكتُ.

بالألفِ، ومنه قولُ الهُذَليِّ (٣): حتى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ … شَلًّا كمَا تَطْرُدُ (٤) الجَمَّالَةُ (٥) الشُّرُدَا (٦) وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ (٧) ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

يقولُ لنوحٍ: اجعلْ في السفينةِ مِن كلٍّ زوجين اثنين (٨).

﴿وَأَهْلَكَ﴾.

وهم ولدُه ونساؤه (١)، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من اللهِ بأنه هالكٌ فى من يَهْلِكُ من قومِك فلا تَحمِلْه معك، وهو يامٌ الذى غرِق.

ويعنى بقولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾: من أهلِك.

والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ من ذكرِ الأهلِ.

وقولُه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ الآية.

يقولُ: ولا تسأَلْني في الذين كفروا باللهِ أن أُنجيَهم، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.

يقولُ: فإني قد حَتَمتُ عليهم أن أُغرِقَ جميعَهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾.

يعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا اعتدَلتَ في السفينةِ أنت ومن معك، ممن حملتَه معك من أهلِك؛ راكبًا فيها، عاليًا (٢) فوقَها، ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

يعنى: من المشركين.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه نوحٍ ﵇: وقل إذا سلَّمك اللهُ وأخرجَك من الفلكِ، فنزلتَ عنها: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ [من الأرضِ] (٣)، ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.

[وأنت خيرُ] (٤) من أنزَل عبادَه المنازلَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾.

قال: لنوحٍ حينَ نزَلَ من السفينةِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ (٢) قرأةِ الأمصارِ: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ بضمِّ الميمِ وفتحِ الزايِ، بمعنى: أنزلْنى إنزالًا مباركًا.

وقرَأهُ عاصمٌ: (مَنْزِلًا) بفتحِ الميمِ وكسرِ الزايِ (٣)، بمعنى: أنزلْنى مكانًا مباركًا وموضعًا.

وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ فيما فعلنا بقومِ نوحٍ يا محمدُ؛ من إهلاكِناهم إذ كذَّبوا رسولَنا (٤)، وجحَدوا وحدانيتَنا، وعبَدوا الآلهةَ والأصنامَ - لعبرًا لقومك من مشركي قريشٍ، وعظاتٍ وحُجَجًا لنا عليهم (٥)؛ يَستدِلُّون بها على سنتِنا في أمثالِهم، فينزَجروا عن كفرِهم، ويرتدِعوا عن تكذيبِك؛ حذرًا (٦) أَنْ يصيبَهم مثلُ الذى أصابَهم من العذابِ.

وقولُه: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: وكنا مختبِريهم بتذكيرِنا إياهم بآياتِنا؛ لينظُروا (١) ما هم عاملون قبلَ نزولِ عقوبتِنا بهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثْنا من بعدِ مَهْلِكِ (٢) قومِ نوحٍ، قرنًا آخرين، فأوجدناهم.

﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ داعيًا لهم، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يا قومِ، وأطيعوه دونَ الآلهةِ والأصنامِ؛ فإنَّ العبادةَ لا تنبغى إِلَّا له، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.

يقولُ: ما لكم من معبودٍ يصلُحُ أنْ تعبُدوه (٣) سِواه، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافون عقابَ اللهِ، بعبادتِكم شيئًا دونَه، وهو الإلهُ الذى لا إلهَ لكم سِواه؟

القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: وقالتِ الأشرافُ من قومِ الرسولِ الذى أرسَلْناه (٤) بعدَ نوحٍ.

وعَنَى بالرسولِ فى هذا الموضعِ صالحًا، وبقومِه ثمودَ، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾.

يقولُ: الذين جحَدوا توحيدَ اللهِ، ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾.

يعني: كذَّبوا بلقاءِ اللهِ في الآخرةِ.

وقولُه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

يقولُ: ونعَّمناهم في حياتِهم الدنيا، بما وسَّعنا عليهم من المعاشِ، وبسطنا لهم من الرزقِ، حتى بَطِروا وعَتَوْا على (١) ربِّهم وكفَروا، ومنه قولُ الراجزِ (٢).

وقَدْ (٣) أُرَانى (٤) بالدّيارِ مُتْرَفا (٥) وقولُه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.

يقولُ: قالوا: بعَثَ اللهُ [صالحًا إلينا] (٦) رسولًا من بينِنا، وخصَّه بالرسالةِ دونَنا، وهو إنسانٌ مثلُنا؛ يأكلُ مما نأكلُ منه من الطعامِ، ويشربُ مما نشربُ، وكيف لم يرسِلْ ملكًا من عندِه يبلِّغُنا رسالتَه؟

قال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٧)﴾.

معناه: مما تشربون (٧) منه.

فحُذف من الكلامِ ﴿مِنْهُ﴾؛ لأنَّ معنى الكلامِ: ويشربُ من شرابِكم، وذلك أنَّ العربَ تقولُ: شرِبتُ من شرابِك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه مخبِرًا عن قيلِ الملإِ من قومِ صالحٍ لقومِهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ (٨)﴾ فَاتَّبعتموه، وقبِلتم ما يقولُ وصدَّقتموه، ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها القومُ، ﴿إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.

يقولُ: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظَكم من الشرفِ والرفعةِ في الدنيا؛ باتباعِكم إياه.

قولُه: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية.

يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا لهم: أيعدُكم صالحٌ ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا﴾ في قبورِكم، ﴿وَعِظَامًا﴾ قد ذهَبت لحومُ أجسادِكم، وتفتَّتت (١) عظامُها، ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من قبورِكم أحياءً، كما كنتم قبلَ مماتِكم؟

وأُعيدَت ﴿أَنَّكُمْ﴾ مرّتين -والمعنى: أيعدُكم (٢) أنكم إذا مِتُّم وكنتم ترابًا وعظامًا، مخرجون.

مرّةً واحدةً- لمّا فرّق بين ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى، وبينَ خبرِها (٣) بـ ﴿إِذَا﴾، وكذلك تفعلُ العربُ بكلِّ اسمٍ أوقَعت عليه الظنَّ وأخواتِه، ثم اعترَضَت بالجزاءِ دونَ خبرِه، فتُكرِّرُ اسمَه مرّةً، وتحذِفُه أُخرى، فتقولُ: أَظنُّ أَنكَ إِنْ جالسْتَنا أنك محسنٌ.

فإنْ حذَفْت "أنك" الأولى أو الثانيةَ صَلَحَ، وإِنْ ثبَتا (٤) صَلَحَ، وإن لم يُعترَضْ بينَهما بشيءٍ لم يَجُزْ.

خطأٌ أن يقالَ: أظنُّ أنك (٥) جالسٌ.

وذُكِرَ أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (أَيَعِدُكم إِذَا مِتُّم وكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُخْرَجُونَ) (٦).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾.

وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن قولِ الملإِ من ثمودَ، أَنَّهم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ (١)﴾.

أى: بعيدٌ ما توعَدون أيها القومُ، من أنكم بعدَ موتِكم ومصيرِكم ترابًا وعظامًا، مخرجون أحياءً من قبورِكم.

يقولون: ذلك غيرُ كائنٍ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾.

يقولُ: بعيدٌ بعيدٌ (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾.

قال: يعنى البعثَ (٣).

والعربُ تُدخِلُ اللامَ معَ "هيهاتَ" فى الاسمِ الذى يصحبُها، وتنزِعُها منه، تقولُ: هيهاتَ لك هيهات (١)، وهيهاتَ ما ينبغى (٤) هيهاتَ (٥).

وإذا أسقَطتَ اللامَ رفَعت الاسم بمعنى هيهاتَ، كأنه قال: بعيدٌ ما ينبغي لك.

كما قال جريرٌ (٦): [فأيْهاتَ أَيْهَاتَ] (١) العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ … وأيْهاتَ (٢) وصلٌ (٣) بالعَقِيقِ تُوَاصِلُه (٤) كأنه قال: العقيقُ وأهلُه.

وإنما أُدخلت اللامُ مع "هيهاتَ" فى الاسمِ؛ لأنهم قالوا: هيهاتَ (٥) أداةٌ غيرُ مأخوذَةٍ (٦) من فعلٍ.

[فأدخلوا معها] (٧) في الاسمِ اللامَ، كما أدخَلوها معَ "هلُمَّ لك"، إذ لم تكنْ مأخوذةً من فعلٍ، فإذا قالوا: أَقْبلْ.

لم يقولوا: لك.

لاحتمالِ الفعلِ ضميرَ الاسمِ.

واختَلفَ أهلُ العربيةِ فى كيفية الوقفِ على هيهاتَ؛ فكان الكسائيُّ يختارُ الوقوفَ فيها بالهاءِ؛ لأنها منصوبةٌ، وكان الفرّاءُ (٨) يختارُ الوقوفَ عليها بالتاءِ، ويقولُ: من العربِ من يخفضُ التاءَ، فدلَّ على أنها ليست بهاءِ التأنيثِ، فصارت بمنزلةِ: دَرَاكِ ونَظَارِ.

وأما نصبُ التاءِ فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلةِ خمسةَ عشَرَ.

وكان الفراءُ (٨) يقولُ: إنْ قيلَ: إنَّ كلَّ واحدةٍ مستغنيةٌ بنفسِها يجوزُ الوقوفُ عليها، وإنَّ نصبها كنصبِ قولِه: ثُمَّتَ جلستُ، وبمنزلةِ قولِ الشاعرِ (٩): ماوِيَّ (١٠) يَا رُبَّتَما (١١) غارةٍ … شَعْوَاءَ (١٢) كاللَّذْعَةِ بالمِيسَمِ قال: فنصْبُ "هيهاتَ" بمنزلةِ هذه الهاءِ التى في "رُبت"؛ لأنها دخَلت على حرفٍ؛ على "رُبَّ"، وعلى "ثم"، وكانا أداتين، فلم تغيِّرْهما عن أداتِهما فنُصِبا.

واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الأمصارِ غير أبي جعفرٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بفتحِ التاءِ فيهما.

وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (هيهاتِ هيهاتِ) بكسر التاءِ فيهما (١).

والفتحُ فيهما هو القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.

وقولُه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾.

يقولُ: ما حياةٌ إلا حياتُنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾.

يقولُ: تموتُ الأحياءُ منا فلا تحيا، ويَحدُثُ آخرون منا فيولدون أحياءً، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.

يقولُ: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعدَ المماتِ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢).

قال: يقولُ: ليس آخرةٌ ولا بعثٌ؛ يكفرون بالبعثِ، [يقولون: إنما هى حياتُنا هذه، ثم نموتُ ولا نحيا؛ يموتُ هؤلاء ويحيا هؤلاء] (٣).

يقولون: إنما الناسُ كالزرعِ، يُحصدُ هذا ويَنبُتُ هذا.

يقولون: يموتُ هؤلاء ويأتى آخرون.

وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] وقرأ: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٤) [سبأ: ٣].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا: ما صالحٌ إلَّا رجلٌ اختَلقَ على اللهِ كذبًا في قولِه: ما لكم من إلهٍ [غيرُ اللهِ] (١).

وفى وعدِه إياكم ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.

وقولُه: ﴿هُوَ﴾ من ذِكرِ الرسولِ، وهو صالحٌ، ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: وما نحن له بمصدِّقين فيما يقولُ أنه لا إلهَ لنا غيرُ اللهِ، وفيما يعدُنا من البعثِ بعد المماتِ.

وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.

يقولُ: قال صالحٌ لما أيِسَ من إيمانِ قومِه باللهِ، ومن تصديقِهم إياه بقولِهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: رَبِّ انصُرْني على هؤلاء ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾.

يقولُ: بتكذيبِهم إياى فيما دعوتُهم إليه من الحقِّ.

فاستغاثَ صلواتُ اللهِ عليه بربِّه من أذاهم إياه، وتكذيبِهم له، فقال اللهُ له مجيبًا في مسألتِه إياه ما سأل: عن قليلٍ يا صالحُ ليُصبِحَنّ مكذِّبوك من قومِك على تكذيبِهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزِلُ بهم نقمتُنا فلا ينفَعُهم الندمُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: فانتقَمنا منهم، فأرسَلْنا عليهم الصيحةَ، فأخَذَتهم بالحقِّ.

وذلك أنَّ الله عاقَبهم باستحقاقِهم العقابَ منه؛ بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾.

يقولُ: فصيَّرناهم بمنزلةِ الغُثاءِ، وهو ما ارتفَعَ على السيلِ ونحوِه، كما لا يُنتفعُ به في شيءٍ، فإنما هذا مثَلٌ.

والمعنى: فأهلَكناهم فجعَلناهم (١) كالشيءِ الذى لا منفعةَ فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

يقولُ: جُعِلوا كالشيءِ الميتِ البالى من الشجرِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غُثَاءً﴾: كالرميمِ الهامدِ الذى يَحتملُ السيلَ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ (٤): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾.

قال: كالرميمِ الهامدِ الذي يَحتملُ السيلَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، قال: هو الشيءُ البالي.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾.

قال: هذا مثَلٌ ضَرَبه اللهُ (٢).

وقولُه: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

يقولُ: فأبعَد اللهُ القومَ الكافرين بهلاكِهم؛ إذ كفروا بربِّهم، وعَصَوا رسلَه، وظلَموا أنفسَهم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولئك ثمودُ.

يعنى قولَه: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثنا من بعدِ هلاكِ ثمودَ قومًا آخرين.

وقولُه: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾.

يقولُ: ما يتقدَّمُ هلاكُ أمةٍ من تلك الأممِ التي أنشأناها بعدَ ثمودَ، قبلَ الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، ولا يستأخِرُ هلاكُها عن الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، والوقتِ الذى وقَّتْنا لفنائِها، ولكنها تهلِكُ لمجيئه.

وهذا وعيدٌ من اللهِ لمشركي قومِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، وإعلامٌ منه لهم أنَّ تأخيرَه (٤) في آجالِهم مع كفرِهم به وتكذيبِهم رسولَه، ليبلُغوا الأجلَ الذى أُجِّل لهم، فتَحِلَّ بهم نقمتُه، كسنتِه فى من قبلَهم من الأممِ السالفةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾ إلى الأممِ التي أَنشَأْنا بعدَ ثمودَ، ﴿رُسُلَنَا تَتْرَى﴾.

يعنى: يتْبَعُ بعضُها بعضًا، وبعضُها فى أثرِ بعضٍ.

وهى من المواترةِ، وهى اسمٌ لجمعٍ، مثلُ "شيءٍ"، لا يقالُ: [جاءني فلانٌ تتْرى.

كما لا يقالُ] (١): جاءنى فلانٌ مواترةً.

وهى تنوَّنُ، ولا تنوَّنُ وفيها الياءُ (٢)، فمن لم ينوِّنْها فهى (٣) "فَعْلَى" من: وتَرتُ، ومن قال: تَتْرًا.

توَهَّم أنَّ الياءَ (٢) أصليةٌ، كما قيل: مِعْزَى بالياء،.

ومَعْزًا، وبُهْمَى وبُهْمًا.

ونحوُ ذلك، فأُجرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانًا، فمن جعَلها "فَعْلَى" وقَف عليها، أشارَ إلى الكسرِ (٤)، ومَن جعَلها ألفَ إعرابٍ لم يُشِرْ؛ لأنَّ ألفَ الإعرابِ لا تكسرُ، لا يقالُ: رأيتُ يدى (٥).

فيشارَ فيه إلى الكسرِ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾.

يقولُ: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى (٢)﴾.

يقولُ: بعضُها على أثرِ بعضٍ.

[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال] (٣): ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَتْرَى﴾.

قال: إتباعُ بعضِها (٤) بعضًا (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾.

قال: يتْبَعُ بعضُها بعضًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾.

قال: بعضُهم على أثرِ بعضٍ، يتْبَعُ بعضُهم بعضًا (٦).

واختلَفت قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك؛ [فقرَأ ذلك بعضُ] (٧) قرأةِ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل البصرةِ: (تَتْرًا) بالتنوينِ (٨).

وكان بعضُ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهل المدينةِ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ يقرَءونه: ﴿تَتْرَى﴾ بإرسالِ الياءِ على مثالِ "فَعْلَى" (١).

والقولُ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى مع ذلك أختارُ القراءةَ بغيرِ تنوينٍ؛ لأنها أفصح اللغتين وأشهرُهما.

وقولُه: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾.

يقولُ: كلما جاء أمةً من تلك الأممِ التى أنشَأْناها بعدَ ثمودَ، رسولُها الذى نرسِلُه إليهم، كذَّبوه فيما جاءهم به من الحقِّ من عندِنا.

وقولُه: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾.

يقولُ: فأتبعْنا بعضَ تلك الأممِ بعضًا بالهلاكِ، فأهلَكْنا بعضَهم في أثرِ بعضٍ.

وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾.

[يقولُ: وجَعَلْنا تلك الأُمَمَ أحاديثَ] (٢) للناسِ ومثلًا يُتَحدّثُ بهم في الناسِ.

و "الأحاديثُ" فى هذا الموضعِ جمعُ أُحدوثةٍ؛ لأنَّ المعنى ما وصفتُ من أنهم جُعلوا للناسِ مثلًا يُتحدَّثُ بهم.

وقد يجوزُ أن يكونَ جمعَ حديثٍ.

وإنما قيل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾؛ لأنهم جُعلوا حديثًا ومثلًا يُتمثَّلُ بهم في الشرِّ، ولا يقالُ فى الخيرِ: جعَلتُه حديثًا، ولا أُحدوثةً.

وقولُه: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

يقولُ: فأبعَد اللهُ قومًا لا يؤمنون باللهِ ولا يصدِّقون رسولَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم أرسَلْنا بعدَ الرسلِ الذين وصَف صفتَهم قبلَ هذه الأُمةِ (١)، موسى وأخاه هارونَ، إلى فرعونَ وأشرافِ قومه من القبطِ، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقولُ: بحججِنا، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتِّباعِها، والإيمانِ بما جاءاهم به من عندِ اللهِ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾.

يقولُ: وكانوا قومًا عالين على أهلِ ناحيتِهم، ومَن في بلادهِم من بني إسرائيلَ وغيرِهم بالظلمِ، قاهرين لهم.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾.

قال: عَلَوا على رسلِهم، وعصَوا ربَّهم، ذلك علُوُّهم.

وقرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] الآية (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: فقال فرعونُ وملؤُه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتَّبعَهما، ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بنى إسرائيلَ، ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾.

يعنون أنهم لهم مطيعون متذلِّلون، يأتمرون لأمرِهم، ويَدينون لهم.

والعربُ تسمِّى كلَّ مَن دان لملِكٍ عابدًا له.

ومن ذلك قيل لأهل الحيرةِ: العُبَّادُ.

لأنهم كانوا أهلَ طاعةٍ لملوك العجمِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال فرعونُ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ الآية.

نذهَبُ نرفعُهم فوقَنا، ونكونُ تحتَهم، ونحن اليومَ فوقَهم وهم تحتَنا، كيف نصنعُ ذلك؟

وذلك حينَ أتَوهم بالرسالةِ.

وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨].

قال: العلوُّ في الأرضِ.

وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾.

يقولُ: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى وهارونَ، فكانوا ممَّن أهلَكَهم اللهُ، كما أهلَك مَن قبلَهم من الأممِ بتكذيبِها رسلَها.

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ ليهتدِىَ بها قومُه من بني إسرائيلَ ويعمَلوا (١) بما فيها.

﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً (٢)﴾.

يقولُ: وجَعَلْنَا ابنَ مريمَ وأمَّه حجةً لنا على من كان بينَهم، وعلى قدرتِنا على إنشاءِ الأجسامِ من غيرِ أصلٍ، كما أَنشَأْنَا خَلْقَ عيسى من غيرِ أبٍ.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادَة في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾.

قال: ولدَته من غيرِ أبٍ هو له (٣).

ولذلك وُحِّدتِ (٤) "الآيةُ" وقد ذكَرَ مريمَ وابنَها.

وقولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾.

يقولُ: وضمَمناهما وصيَّرناهما إلى ربوةٍ.

يقالُ: أوى فلانٌ إلى موضعِ كذا، فهو يأوى إليه.

إذا صار إليه.

وعلى مثال "أفعَله" (١) فهو يُؤْويه.

وقولُه: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾.

يعنى: إلى مكانٍ مرتفعٍ من الأرضِ على ما حولَه، ولذلك قيل للرجلِ يكونُ فى رفعةٍ من قومِه، [وعزٍّ وشرفٍ وعَددٍ: هو في ربوةٍ من قومِه] (٢).

وفيها لغتان: ضمُّ الراءِ وكسرُها إذا أُريدَ بها الاسمُ، وإذا أُريدَ بها الفعلةُ من المصدرِ، قيل: رَبَا رَبُوةً.

واختلف أهلُ التأويلِ فى المكانِ الذى وصفه اللهُ بهذه الصفةِ، وآوَى إليه مريمَ وابنَها؛ فقال بعضُهم: هو الرَّمْلةُ من فلسطينَ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثنى ابنُ عمٍّ لأبي هريرةَ يقالُ له: أبو عبدِ اللهِ.

قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملةَ من فلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٣).

حدَّثني عصامُ بن رَوّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبَّادٌ أبو عتبةَ الخوَّاصُ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي عمرٍو السَّيبانيُّ (٤)، عن أبي (٥) وعْلةَ، عن كريبٍ، قال: ما أدرى ما حدَّثنا مُرّةُ البَهْزيُّ، أنه سمع رسولَ اللهِ ﷺ ذكَر أن الربوةَ هي الرَّملةُ (١).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن بشرِ بنِ رافعٍ، عن أبي عبدِ اللهِ ابنِ عمِّ أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

قال: هي الرَّملةُ من فلسطينَ (٢).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثني أبو عبدِ اللهِ ابنُ عمِّ أبى هريرةَ، قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملة التي بفلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

وقال آخرون: هى دمشقُ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

قال: زعَموا أنها دمشقُ (٣).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: بلَغنى عن ابنِ المسيبِ، أنه قال: دمشقُ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه (١).

حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السهميُّ، قال: ثنا ابنُ بكيرٍ، قال: ثنا اللَّيثُ ابنُ سعدٍ (٢)، قال: ثنى عبدُ الله بنُ لهيعةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه] (٣): ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

قال: إلى ربوةٍ من رُبا مصرَ.

قال: وليس الرُّبَا إلا فى مصرَ، والماءُ حين يُرسَلُ تكونُ الربَا عليها القرى، لولا الرُّبَا لغرِقت تلك القرى (٤).

وقال آخرون: هى بيتُ المقدسِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هو بيتُ المقدسِ (٥).

قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان كعبٌ يقولُ: بيتُ المقدسِ أقربُ الأرضِ (٦) إلى السماءِ بثمانيةَ عَشَرَ مِيلًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن كعبٍ مثلَه (٧).

وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك أنها مكانٌ مرتفعٌ ذو استواءٍ وماءٍ ظاهرٍ (١)، وليس كذلك صفةُ الرَّملةِ؛ لأنَّ الرَّملةَ لا ماءَ بها مَعِينٌ، واللهُ تعالى ذِكرُه وصَف هذه الربوةَ بأنها ذاتُ قرارٍ ومَعِينٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾.

قال: الربوةُ المستويةُ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾.

قال: مستويةٌ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: من صفةِ الربوةِ التي آوينا إليها مريمَ وابنَها عيسى أنها أرضٌ منبسطةٌ، وساحةٌ، وذاتُ ماءٍ ظاهرٍ (٤) لغيرِ الباطنِ، جارٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾.

قال: المَعِينُ الماءُ الجارى، وهو النهرُ الذى قال اللهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (١) [مريم: ٢٤].

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: [أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

قال: المَعِينُ الماءُ حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال] (٢): ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال: ماءٌ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

قال: المكانُ المستوِى، والمَعِينُ الماءُ الظاهرُ (٤).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَعِينٍ﴾: هو الماءُ الظاهرُ (١).

وقال آخرون: عنى بالقرارِ الثمارَ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾: هي ذاتُ ثمارٍ، وهى بيتُ المقدسِ.

حدَّثنا الحسنُ (٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣).

قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذى قاله قتادةُ في معنى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ وإن لم يكنْ أرَاد بقولِه: إنها إنما وُصِفت بأنها ذاتُ قرارٍ؛ لما فيها من (٤) الثمارِ، ومن أجلِ ذلك يستقرُّ فيها ساكنوها.

فلا وجهَ له نعرفُه.

وأما: ﴿وَمَعِينٍ﴾ فإنه مفعولٌ من: عِنْته فأنا أعينُه، وهو مَعِينٌ، وقد يجوزُ أن يكونَ فعيلًا من: مَعَن يمعَنُ، فهو مَعِينٌ من الماعون.

ومنه قولُ عَبيد بنِ الأبرصِ (٥): وَاهِيَةٌ (٦) أو مَعِينٌ مُمْعِنٌ (٧) … أوْ هَضْبَةٌ (٨) دُونَها لُهُوبُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ، كلوا من الحلالِ الذى طيَّبه اللهُ لكم دونَ الحرامِ، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾.

[يقولُ: اعمَلوا بما أمرَكم اللهُ به، وأطِيعوه في أمرِكم إياه ونهيِه لكم.

وجمَع "الرسلَ" والخطابُ لواحدٍ، كما يقالُ] (١) في الكلام للرجلِ الواحدِ: أيها القومُ كُفُّوا عنَّا أذاكم.

وكما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].

وهو رجلٌ واحدٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني (٢) عبد الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بن إسحاقَ الضبيُّ العطارُ، عن حفصِ بنِ عمرَ الفزاريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن عمرِو بن شرحبيلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾.

قال: كان عيسى ابنُ مريمَ يأكلُ من غزلِ أُمِّه (٣).

وقولُه: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.

يقولُ: إني بأعمالِكم ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليّ منها شيءٌ، وأنا مجازيكم بجميعِها، وموفِّيكم أجورَكم وثوابَكم عليها، فخُذوا من صالحاتِ الأعمالِ واجتهِدوا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾.

اختلفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (وأنَّ).

بالفتحِ (١)، بمعنى: إنى بما تَعملون عليمٌ، وأنَّ هذه أمَّتُكم أمةً واحدةً.

فعلى هذا التأويلِ "أنَّ" في موضعِ خفضٍ، عُطف بها على "ما" من قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

وقد يحتِملُ أن تكونَ في موضعِ نصبٍ إذا قرِئَ ذلك كذلك.

ويكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: واعلموا أنَّ هذه.

ويكونُ نصبُها بفعلٍ مضمرٍ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين بالكسرِ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ (٢).

على الاستئنافِ.

والكسرُ في ذلك عندى على الابتداءِ هو الصوابُ؛ لأنّ الخبرَ من اللهِ عن قيلِه لعيسى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾.

مبتدأٌ، فقولُه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾.

مردودٌ عليه عَطفًا به عليه، فكان معنى الكلامِ: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ كُلُوا من الطيباتِ.

وقلنا له: إنَّ هذه أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً.

وقيل: إن الأمةَ في هذا الموضعِ معناها الدِّينُ والملةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ فى قولِه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

[قال: الملةُ والدينُ] (٣).

وقولُه: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.

يقولُ: وأنا مولاكم فاتقونِ بطاعتى تأمَنوا عقابي.

ونُصِبت ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

على الحالِ.

وذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك رفعًا (١).

وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (٢): رَفْعُ ذلك إذا رفِع على الخبرِ.

ويَجعلُ (أمَّتَكم) نصْبًا على البدلِ من (هذه).

وأما نحويُّو (٣) الكوفةِ فيأبَونَ ذلك إلا فى ضرورةِ شعرٍ.

وقالوا: لا يُقالُ: مررتُ بهذا غلامِكم؛ لأن "هذا" لا يَتْبعُه إلا الألفُ واللامُ والأجناسُ؛ لأنَّ "هذه" (٤) إشارةٌ إلى عددٍ، فالحاجةُ فى ذلك إلى تبيينِ المرادِ مِن المشارِ إليه أيُّ الأجناسِ هو؟

وقالوا: وإذا قيل: (هذه أمتُكم أمةٌ واحدةٌ).

و "الأمةُ" غائبةٌ، و "هذه" حاضرةٌ.

قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُبيَّنَ عن الحاضرِ بالغائبِ.

قالوا: فلذلك لم يَجُزْ: إن هذا زيدًا (٥) قائمٌ.

من أجلِ أن "هذا" محتاجٌ إلى الجنسِ لا إلى المعرفةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾.

اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿زُبُرًا﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ والعراقِ: ﴿زُبُرًا﴾ بمعنى جمعِ "الزَّبورِ".

فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ هؤلاءِ: فتفرّقَ القومُ الذين أمرَهم اللهُ من أمةِ الرسولِ عيسى بالاجتماعِ على الدينِ الواحدِ، والملةِ الواحدةِ -دينَهم الذى أمَرهم اللهُ بلزومِه ﴿زُبُرًا﴾: كُتُبا، فدانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ الكتابِ الذى دانَ به الفريقُ الآخرُ؛ كاليهودِ الذين زعَموا أنهم دانُوا بحكمِ التوراةِ، وكذّبوا (١) بحكمِ الإنجيلِ والقرآنِ، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيلِ بزعمِهم، وكذَّبُوا بحكمِ الفرقانِ.

ذكرُ مَن تأوّل ذلك كذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿زُبُرًا﴾.

قال: كُتُبًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾.

قال: كُتُبَ اللهِ فرَّقوها قِطَعًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾.

قال مجاهدٌ: كُتُبَهم فرّقوها قِطَعًا.

وقال آخرون من أهلِ هذه القراءةِ: إنما معنى الكلامِ: فَتَفرَّقوا دينَهم بينَهم كُتبًا أحدَثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبِهم.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.

قال: هذا ما اختَلَفُوا فيه من الأديانِ والكتبِ، كلٌّ مُعْجَبُون برأيِهم، ليس أهلُ هوًى إلَّا وهم مُعْجَبون برأْيِهم وهواهم وصاحبِهم الذى اخترَق ذلك لهم (١).

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الشامِ: (فتقطَّعوا أمرَهم بينَهم زُبَرًا).

بضمِّ الزاي وفتحِ الباءِ، بمعنى: فتفرَّقوا (٢) بينهم قِطَعًا كزُبَرِ الحديدِ.

وذلك القِطَعُ منها، واحدتُها زُبْرةٌ، من قولِ اللهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦].

فصار بعضُهم يهودًا، وبعضُهم نصارى.

والقراءةُ التي نختارُ فى ذلك قراءةُ من قرأه بضمِّ الزايِ والباءِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك على أنه مرادٌ به الكتبُ، فذلك يُبينُ عن صحةِ ما اخترنا (٣) في ذلك؛ لأنَّ الزُّبُرَ هى الكتبُ، يُقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، إذا كتبتَه.

فتأويلُ الكلامِ: فتَفَرَّقَ الذين أمرَهم اللهُ بلزومِ دينِه من الأممِ دينَهم بينَهم كُتبًا.

كما بيَّنا قبلُ.

وقولُه: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.

يقولُ: كلُّ فريقٍ من تلك الأممِ بما اختاروه لأنفُسِهم من الدين والكتبِ - فَرِحون، مُعْجَبون به، لا يَروْنَ أَن الحقَّ سواه.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: قِطعَةٍ، وهؤلاءِ أهلُ الكتابِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: قطعةٍ، أهلُ الكتابِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.

قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فدعْ يا محمدُ هؤلاءِ الذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُرًا ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾.

يعني: في ضَلالتِهم وغَيِّهِم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾.

يعنى: إلى أجلٍ سيأتِيهم عندَ مجيئه عذابي.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾.

قال: في ضلالِهم (٢).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.

قال: الغَمْرةُ الغَمْرُ.

وقولُه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أيحسَبُ هؤلاء الأحزابُ الذين تفرَّقوا دينَهم زُبُرًا، أن الذي نُعطيهم في عاجلِ الدنيا من مالٍ وبنينَ، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.

يقولُ: نُسابقُ لهم في خيراتِ الآخرةِ، ونُبادرُ لهم فيها.

و "ما" من قولِه: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نَصبٌ؛ لأنها بمعنى "الذي".

﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه تكذيبًا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يَعلمون أنَّ إمدادى إيَّاهم بما أُمِدُّهم به من ذلك، إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ لهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾.

قال: نُعطيهم، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾.

قال: نَزِيدُهم في الخيرِ، ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨].

قال: هذا لقريشٍ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ، قال: ثني أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن خالدٍ الحذاءِ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ: قولُ اللهِ: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؟

قال: (يُسارِعُ (١) لهم في الخيراتِ) (٢).

وكأن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرةَ وجَّه قراءتَه ذلك كذا (٣)، إلى أن تأويلَه: يسارِعُ لهم إمدادُنا إياهم بالمالِ والبنينَ في الخيراتِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: إِنّ الذين هم من خشيتِهم وخَوفِهم من عذابِ اللهِ مشفقون، فهم من خشيتِهم من ذلك دائبونَ فى طاعتِه، جادُّونَ في طلبِ مرضاتِه.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.

يقولُ: والذين هم بآياتِ كتابِه وحُجَجِه مُصدِّقون، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.

يقولُ: والذين يُخلِصون لربِّهم عبادتَهم، فلا يجعلون له فيها لغيرِه شركًا، لا لوثَنٍ ولا لصنمٍ، ولا يُراءون بها أحدًا من خلْقِه، ولكنهم يَجعلون أعمالَهم لوجهِه خالصًا، وإياه يَقصِدون بالطاعةِ والعبادةِ دونَ كلِّ شيءٍ سواه.

القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: والذين يُعطُون أهلَ سُهْمانِ الصدقةِ ما فَرَضَ اللهُ لهم فى أموالِهم، ﴿مَا آتَوْا﴾.

يعنى: ما أَعْطَوهم إياه من صدقةٍ (١)، ويؤدُّون حقوقَ اللهِ عليهم فى أموالِهم إلى أهلِها، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

يقولُ: خائفةٌ من أنهم إلى ربِّهم راجِعون، فلا يُنجيهم ما فعلُوا من ذلك من عذابِ اللهِ، فهم خائفون من المرجعِ إلى اللهِ لذلك.

كما قال الحسنُ: إن المؤمنَ جمَع إحسانًا وشفقةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبجرَ، عن رجلٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: الزكاة (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (٣) الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي يَحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال: المؤمِنُ يُنْفِقُ مالَه، وقلبُه وجِلٌ (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال: يَعْملون ما عمِلُوا من أعمالِ البرِّ، وهم يخافونَ ألا ينُجيَهم ذلك من عذابِ ربِّهم (٥).

حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (٦)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال: المؤمنُ يُنفقُ مالَه ويتصدقُ، وقلبُه وَجِلٌ أنه إلى ربِّه راجعٌ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ أنه كان يَقولُ: إن المؤمِنَ جمَع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافقَ جمع إساءةً وأمنًا.

ثم تلا الحسنُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾.

إلى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.

وقال المنافقُ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١) [القصص: ٧٨].

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾.

قال: يُعْطون ما أَعْطَوا، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

يقولُ: خائفةٌ.

حدَّثنا خلّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، قال: أخبرنا سالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال: يَفعلونَ ما يَفعلونَ وهم يَعلمونَ أنهم صائرون إلى الموتِ، وهى من المبشِّراتِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال: يُعْطُون ما أَعطَوا، ويعمَلون ما عمِلوا من خيرٍ، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: خائفةٌ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (٢).

حدَّثنا علىٌّ، [قال: ثنا] (١) [عبدُ اللهِ] (٢)، قال: ثني معاويةُ، [عن علىٍّ] (٢)، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

يقولُ: يعمَلون خائفين (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

[يقولُ: خائفةٌ، ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.

قال: هو المؤمنُ يتصدَّقُ ويُنفِقُ ويَعْلَمُ أنه راجعٌ إلى ربِّه.

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾] (٤).

قال: يُعطون ما أَعْطَوا فرَقًا من اللهِ، ووجلًا من اللهِ.

حُدثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: يُنفقون ما أنفقُوا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال: يُعطون ما أَعْطَوا، ويُنفِقُون ما أَنفقوا، ويَتصدَّقون بما تَصدَّقوا وقلوبُهم وَجِلَةٌ؛ اتقاءً لسَخَطِ اللَّهِ والنارِ.

وعلى هذه القراءةِ -أعنى على: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ - قرأةُ الأمصارِ، وبه رسومُ مصاحفِهم، وبه نقرأُ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، ووفاقِه خطَّ مصاحفِ المسلمين.

ورُوِى عن عائشةَ ﵂ في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا علىُّ بنُ ثابتٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو (١)، عن أبي خَلَفٍ، قال: دخَلتُ مع عبيدِ بنِ عميرٍ على عائشةَ، فسألها عبيدٌ: كيف نقرأُ هذا الحرفَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾؟

فقالتْ: (يَأْتُون ما أَتَوْا) (٢).

وكأنها تأوَّلَتْ فى ذلك: والذين يفعَلون ما يفعَلون من الخيراتِ وهم وجِلونَ من اللهِ.

كالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو (٣) بنُ قيسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ الهمْدَانيِّ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالتْ عائشةُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ [يُؤْتُونَ مَا آتَوْا] (٤) وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

هو الذي يُذنِبُ الذنبَ وهو وجِلٌ منه؟

فقال: "لا، ولكن من يصومُ ويصلِّى ويتصدقُ وهو وجلٌ" (٥).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مالكِ بنِ مغْولٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ، أن عائشةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

أهُم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقون؟

[فقال: "لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون] (١)، وَيَصُومون وهم مشفقون".

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مغيثٍ (٢)، عن رجلٍ من أهلِ مكةَ، عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

قال.

فذكَر مثلَ هذا.

حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سعيدٍ، عن عائشةَ أنها قالتْ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

أهو الرجلُ يَزنى ويَسرِقُ ويَشربُ الخمرَ؟

قال: "لا يا بنْتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنْتَ الصديقِ- ولكنَّه الرجلُ يَصومُ ويُصلِّى ويَتصدَّقُ، ويخافُ ألا يُقبلَ منه" (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جريرٌ، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، وهشيمٍ، عن العوامِ بنِ حَوْشبٍ، جميعًا، عن عائشةَ أنها قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: "يا بنتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنتَ الصِّدِّيقِ- هم الذين يُصَلُّونَ ويَفْرَقُونَ أَلا يُتَقَبَّلَ منهم".

و"أنَّ" من قولِه: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.

في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّ معنى الكلامِ: وقُلُوبُهم وَجِلَةٌ من أنهم.

فلما حُذفت "مِنْ" اتَّصلَت بالكلامِ (٤) قبلَها فنُصِبتْ.

وكان بعضُهم يقولُ (١): هى فى موضعِ خفضٍ وإنْ لم يكنِ الخافضُ ظاهرًا.

وقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين هذه الصفاتُ صفاتُهم، يُبادِرونَ فى الأعمالِ الصالحةِ، ويَطلُبون الزُّلفةَ عندَ اللَّهِ بطاعتِه.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.

قال: والخيراتُ: المخافةُ والوَجَلُ والإيمانُ والكفُّ عن الشركِ باللهِ، فذلك المسابقةُ إلى هذه الخيراتِ.

وقولُه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.

كان بعضُهم يقولُ: معناه: سَبقتْ لهم من اللهِ السعادةُ، فذلك سُبوقُهم الخيراتِ التي يَعملونها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.

يقولُ: سَبقتْ لهم السعادةُ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: فتلك الخيراتُ.

وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون.

وتأوَّلَه آخرون: وهم من أجلِها سابقون.

وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قالَه ابنُ عباسٍ، من أنه: سَبقتْ لهم مِن اللهِ السعادةُ قبلَ مسارَعتِهم فى الخيراتِ، ولما سبَق لهم من ذلك سارَعوا فيها.

وإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلينِ بالكلامِ؛ لأن ذلك أظهرُ مَعْنَيَيْهِ، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى اللامِ (١) التي في قولِه: ﴿وَهُمْ لَهَا﴾.

إلى غيرِ معناها الأغلبِ عليها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ [مِمَّن خَلقنا، ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

يقولُ] (٢): إلا ما يَسَعُها ويَصلُحُ لها من العبادةِ، ولذلك كلَّفناها ما كلَّفْناها من معرفةِ وحدانيةِ اللهِ، وشَرَعْنا لها ما شَرَعْنا من الشرائعِ، ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾.

يقولُ: وعندَنا كتابُ أعمالِ الخلقِ، بما عمِلُوا من خيرٍ وشَرٍّ، ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

يقولُ: يُبينُ بالصدقِ عمَّا عمِلوا من عملٍ في الدنيا، لا زيادةَ عليه ولا نقصانَ، ونحن موفُّو جميعِهم أجورَهم؛ المحسنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

يقولُ: وهم لا يُظلمون، بأن يُزادَ على سيئاتِ المسيءِ منهم ما لم يَعملْه، فيعاقَب على غير جُرْمِه، أو يُنقَصَ المحسنُ عما عمِل من إحسانِه، فيُنقصَ عما له من الثوابِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَحْسَبُ هؤلاءِ المشركون، من أن إمدادناهم بما نُمدُّهم به من مالٍ وبنين، بخيرٍ نَسوقُه بذلك إليهم، ورضًا منا عنهم، لكنَّ قلوبَهم في عمًى (١) عن هذا القرآنِ.

وعنى بالغمرةِ ما غمَر قُلوبَهم فغطَّاها عن فَهُمِ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ كتابَه من المواعظِ والعبرِ والحججِ.

وعنَى بقولِه: ﴿مِنْ هَذَا﴾: من القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾.

قال: في عَمًى من هذا القرآنِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾.

قال: من القرآنِ.

وقولُه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ أعمالٌ لا يَرضاها اللهُ من المعاصى، ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾.

يقولُ: من دونِ أعمالِ أهلِ الإيمانِ باللهِ، وأهلِ التقوى والخشيةِ له.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

قال: الخطايا (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾.

قال: الحقِّ (٢).

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾.

قال: خطايا من دونِ ذلك الحقِّ.

قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ الآية.

قال: أعمالٌ دُونَ الحقِّ (٣).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: ذكَر اللَّهُ الذين هم من خشيةِ ربِّهم مُشْفِقون، والذين يُؤتون ما آتَوا وقلوبُهم وجِلَةٌ.

ثم قال للكفارِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

قال: من دونِ الأعمالِ التي منها قولُه: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾ (١).

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها.

حدَّثنا على بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن حميدٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

قال: أعمالٌ لم يَعملوها سيعْمَلونها (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

قال: لم يكنْ له بُدٌّ من أن يَستوفيَ بقيةَ عملِه، ويَصلَى به (٢).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها (٣).

حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾.

قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ من قريشٍ أعمالٌ من دونِ ذلك هم لها عامِلون، إلى أن نأخُذَ (١) أهلَ النَّعمةِ والبَطَرِ منهم بالعذابِ.

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾.

قال: المُتْرَفُون العظماءُ.

﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.

يقولُ: فإذا أخذْناهم به جأَروا.

يقولُ: ضجُّوا واستغاثُوا مما حلَّ بهم من عذابِنا.

ولعلّ الجُوَارَ رفعُ الصوتِ، كما يَجأرُ الثورُ.

ومنه قولُ الأعشى (٢): يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المليـ … ـكِ (٣) طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.

يقولُ: يَستغيثون (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يَحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا (٥): ثنا سفيانُ، عن علقمةَ ابن مَرْثدٍ (١)، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾.

قال: بالسيوفِ يومَ بدرٍ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنس في قولِه: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.

قال: يَجزعون (٣).

قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾.

قال: عذاب يوم بدرٍ ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.

قال: الذين بمكةَ (٤).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾: يعنى أهلَ بدرٍ، أخذهم اللهُ بالعذابِ يومَ بدرٍ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.

قال: يَجزعون.

وقوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾.

يقولُ: لا تَضِجُّوا وتَستغيثُوا اليومَ وقد نزَل بكم العذابُ الذي لا يُدفعُ عن الذين ظلَموا أنفسَهم، فإن ضجيجَكم غيرُ نافِعِكم، ولا دافعٍ عنكم شيئًا مما قد نزَل بكم من سَخَطِ اللَّهِ، ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾.

يقولُ: إنكم من عذابِنا الذي قد حلَّ بكم لا تُستنقذون، ولا يُخَلِّصُكم منه شيءٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾: لا تَجْزَعُوا اليومَ.

حدَّثني [يونسُ، قال: أخبرنا الربيعُ بنُ أنسٍ] (١): ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾: لا تَجزعوا الآنَ حينَ نزلَ بكم العذابُ، إنه لا يَنفعُكم، فلو كان هذا الجزعُ [والتضرُّعُ] (٢) قبلُ نفَعكم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ: لا تَضِجُّوا اليومَ وقد نزَلَ بكم سَخَطُ اللَّهِ وعذابُه، بما كسبَتْ أيديكم، واستوجبتموه بكفرِكم بآياتِ ربِّكم، ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.

يعني: آياتُ كتابِ اللهِ.

يقولُ: قد كانتْ آيَاتُ كتابي تُقرأُ عليكم، فتكذبون بها، وتَرْجِعون مُولِّين عنها إذا سمِعتُموها، كراهيةً منكم لسماعِها.

وكذلك يُقالُ لكلِّ من رَجَع من حيثُ جاء: نكَص فلانٌ على عَقِبِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.

قال: تَستأخرون.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.

يقولُ: تُدْبِرون (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَنْكِصُونَ﴾.

قال: تَستأْخِرون (٢).

وقولُه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.

يقولُ: مستكبرين بحَرَمِ اللَّهِ، يقولون: لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ؛ لأنا (٣) أهلُ الحَرَمِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.

يقولُ: مستكبِرين بحَرَمِ البيتِ: إنه لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.

قال: بمكةَ بالبلدِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.

قال: مستكبرين بحَرَمى (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن: جبيرٍ في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾: بالحرمِ (٣).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.

قال: مستكبِرين بالحرمِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَهُ (٤).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.

قال: بالحرمِ (٥).

وقولُه: ﴿سَامِرًا﴾.

يقولُ: تَسْمُرون بالليل.

ووحَّدَ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾.

وهو بمعنى السُّمَّارِ؛ لأنَّه وُضِع موضعَ الوقتِ.

ومعنى الكلامِ: تَهجُرون ليلًا.

فوُضِع السامرُ موضعَ الليلِ، فوُحِّد لذلك.

وقد كان بعضُ البصريين يقولُ (١): وُحِّد ومعناه الجمعُ، كما قيل: طفلٌ.

في موضعِ أطفالٍ.

ومما يُبينُ عن صحةِ ما قلْنا في أنه وُضِع موضعَ الوقتِ فوُحِّد لذلك - قولُ الشاعرِ (٢).

مِنْ دُونِهم إن جَنْتَهُمْ سَمَرًا … عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلسٌ غَمْرُ فقال: سَمَرًا؛ لأن معناه: إن جئتَهم ليلًا وهم يسمرون.

وكذلك قولُه: وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾.

يقولُ: تَسْمُرون حولَ البيتِ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَامِرًا﴾.

قال: مجلسًا بالليلِ (١).

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَامِرًا﴾.

قال: مجالسَ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿سَامِرًا﴾.

قال: تَشمُرون بالليلِ.

حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾.

قال: كانوا يَسمُرون ليلتَهم ويَلعبون، يَتكلَّمون بالشعرِ والكهانةِ وبما لا يَدْرون.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾.

قال: يَعنى سَمَرَ الليلِ.

وقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾.

يقولُ: سامرًا من أهلِ الحرمِ، آمنًا (٢) لا يخافُ، كانوا يقولون: نحنُ أهلُ الحرمِ.

لا يَخافون.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾.

يقولُ: سامِرًا (٣) أهلَ الحرمِ (٤) أمنًا لا يخافون.

قال: كانوا يقولون: نحن أهلُ الحرمِ لا نخافُ (٥).

وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.

اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: تَهْجُرُونَ﴾.

بفتحِ التاءِ وضمِّ الجيمِ (١).

ولقراءةِ من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى؛ أحدُهما، أن يكونَ عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت أو رسول الله ورفضه.

والآخرُ، أن يكونَ عنى أنهم يقولون شيئًا من القول، كما يَهجُرُ الرجلُ في منامِه، وذلك إذا هَذَى.

فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يَقولوا فيه باطلًا من القولِ الذي لا يَضرُّه.

وقد جاء بكلا القولينِ التأويلُ مِن أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال: كانوا يُعْرِضون عن ذكرِ اللَّهِ والحَقِّ وَيَهجُرُونَه حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.

قال: تَهْجُرُون ذكرَ اللَّهِ والحقَّ (٢).

[حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولهِ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.

قال: السبُّ] (٣).

ذكرُ مَن قال: كانوا يقولون الباطلَ والسيئَ من القولِ في القرآنِ حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.

قال: تَهجُرُون في الباطلِ (٤).

قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.

قال: تَسْمُرون بالليلِ، تَخوضون في الباطلِ.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.

قال: بالقولِ السيءِ في القرآنِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٌ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.

قال: الهَذْيانُ الذي يَتكلَّمُ بما لا يُريدُ ولا يَعْقِلُ، كالمريضِ الذي يتكلَّمُ بما لا يَدْرى (٢).

قال: وكان أبي يقرؤُها: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٣).

وقرَأ ذلك آخرون: (سَامِرًا تُهْجِرُونَ).

بضمِّ التاءِ وكسرِ الجيمِ.

وممن قرأ ذلك كذلك من قرأةِ الأمصارِ: نافعُ (٤) بنُ أبي نعيمِ، بمعنى: تُفْحِشون في المنطقِ، وتَقولون الخَنَا.

من قولِهم: أهْجَرَ الرجلُ، إذا أَفْحَشَ في القولِ.

وذُكِر أنهم كانوا يَسُبُّون رسولَ اللهِ ﷺ.

ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٌّ، عن ابن عباسٍ: (تُهْجِرُون).

قال: تقولون هُجْرًا (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن أبي نَهِيكِ، عن عِكْرِمَةَ أنه قرَأ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.

أي: تَسُبُّون (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ (٢)، عن الحسنِ في قولِه: (سامرًا تُهْجِرُون): رسولى.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): رسولَ اللهِ ﷺ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (تُهْجِرُون).

قال: تقولون سوءًا" (٣).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): كتابَ اللهِ ورسولَه (٤).

حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (تُهْجِرُون).

يقولُ: تقولون المنكرَ والخنا من القولِ، كذلك هُجْرُ القولِ.

وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندنا القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى فتحُ التاءِ وضمُّ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَتدبَّر هؤلاء المشركون تنزيلَ اللهِ وكلامَه، فيَعلموا ما فيه من العبرِ، [ويَعْتَرِفوا بحُجَجِ] (١) اللَّهِ التي احتجَّ بها عليهم فيه؟

﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يَقولُ: أم جاءهم أمرُ ما لم يأتِ مَن قبلَهم من أسلافِهم، فاستنكَروا (٢) ذلك وأعْرَضوا؟

فقد جاءتِ الرسلُ مَن قبلَهم، وأُنزلَتْ معهم الكتبُ.

وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿أَمْ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى "بل"، فيكونُ تأويلُ الكلامِ: أفلم يدَّبَّروا القولَ؟

بل جاءهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولين، فتَركوا لذلك التدبرَ، وأعرَضوا عنه، إذ لم يكنْ في مَن سلَفَ من آبائِهم ذلك.

وقد ذُكر عن ابن عباسٍ في ذلك نحوُ هذا القولِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: لعَمْرى، لقد جاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ، ولكن: أو لم يأتِهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ؟.

وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: [أم لم] (٣) يعرِفْ هؤلاءِ المكذِّبون محمدًا، وأنه من أهلِ الصدقِ والأمانةِ؟

﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.

يقولُ: فيُنْكروا قولَه، إذ (٤) لم يعرفوه بالصدقِ، ويَحتجُّوا بأنهم لا يَعرفونه.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فكيف يُكذِّبونَه وهم يَعرِفونه فيهم بالصدقِ والأمانةِ؟

﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾.

يقولُ: أيقولون: بمحمدٍ جنونٌ، فهو يتكلَّمُ بما لا معنَى له ولا يُفهم، ولا يَدْرِى ما يقولُ؟

﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يقولوا ذلك، فإنَّ كَذِبَهم في قيلهم ذلك واضحٌ بيِّنٌ، وذلك أن المجنونَ يَهذِى فيأتى من الكلامِ بما لا معنى له، ولا يُعقلُ ولا يُفهمُ، والذي جاءهم به محمدٌ هو الحكمةُ التي لا أحْكَمَ منها، والحقُّ الذي لا تَخفى صحتُه على ذى فِطْرةٍ صحيحةٍ، فكيف يجوزُ أن يُقالَ: هو كلامُ مجنونٍ؟

وقولُه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاءِ الكفرةِ أنهم لم يَعرِفوا محمدًا بالصدقِ، ولا أن محمدًا عندهم مجنونٌ، بل قد علِموه صادقًا مُحِقًا فيما يقولُ وفيما يَدعوهم إليه، ولكنَّ أكثرَهم للإذعانِ للحقِّ كارهون، ولاتِّباع محمدٍ ساخطون؛ حَسدًا منهم له، وبَغْيًا عليه، واستكبارًا في الأرضِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ يقول تعالى ذكره: ولو عمِل (١) الربُّ تعالى ذكرُه بما يَهوى هؤلاءِ المشركون، وأجرَى التدبيرَ على مشيئتِهم وإرادتِهم، فترَك الحقَّ الذي هم له كارهون، لفسدتِ السماواتُ والأرضُ ومن فيهنَّ، وذلك أنهم لا يعرفون عواقبَ الأمورِ، والصحيحَ من التدبيرِ والفاسدَ، فلو كانتِ الأمورُ جاريةً على مشيئتِهم وأهوائِهم - مع إيثارِ أكثرِهم الباطلَ على الحقِّ - لم تَقِرَّ السماواتُ والأرضُ ومن فيهن مِن خلقِ اللهِ؛ لأن ذلك قامَ بالحقِّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا السديُّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾.

قال: اللَّهُ (١).

قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾.

قال: الحقُّ هو اللَّهُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾.

قال: الحقُّ اللَّهُ (٢) وقولُه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ "الذكرِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو بيانُ الحقِّ لهم بما أُنزِل على رجلٍ منهم من هذا القرآنِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾.

يقولُ: بيَّنا لهم (٣).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشَرَفِهم؛ وذلك أن هذا القرآنَ كان شَرَفًا لهم؛ لأنه نزَل على رجلٍ منهم فأعرَضُوا عنه وكفَروا به.

وقالوا: ذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].

وهذان القولانِ متقارِبا المعنى؛ وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه أنزلَ هذا القرآنَ بيانًا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجةُ من أمر دينِهم، وهو مع ذلك ذِكْرٌ لرسولِ اللهِ وقومِه وشَرَفٌ لهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾.

يقول تعالى ذكرُه: أم تسألُ هؤلاء المشركين يا محمدُ من قومِكَ (خراجًا) (١).

يعنى: أجْرًا على ما جئتهم به من عندِ اللهِ من النصيحةِ والحقِّ، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.

يقولُ: فأجرُ ربِّكَ على نفاذِكَ لأمرِه، وابتغاءِ مرضاتِه خيرٌ لك من ذلك.

ولم يسألْهم ﷺ على ما أتاهم به من عندِ اللهِ أجرًا، قال لهم كما قال اللهُ له، وأمَره بقيلِه لهم: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].

وإنما معنى الكلامِ: أم تسألُهم على ما جئتَهم به أجرًا، فيَنكُصُوا على أعقابِهم إذا تَلَوْتَه عليهم مُستكبرين بالحَرَمِ، فخراجُ ربِّكَ خيرٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.

قال: أجرًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ مثلَه (١).

وأصلُ الخراجِ والخَرْجِ مصدرانِ لا يُجْمعان.

وقولُه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.

يقولُ: واللَّهُ خيرُ مَن أعطَى عِوَضًا على عَمَلٍ، ورزقَ رِزْقًا.

وقولُه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإنك يا محمدُ لتدْعو هؤلاءِ المشركين من قومِك إلى دينِ الإسلامِ، وهو الطريقُ القاصدُ، والصراطُ المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يُصدِّقونَ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وقيامِ الساعةِ، ومجازاةِ اللَّهِ عبادَه في الدارِ الآخِرةِ، ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.

يقولُ: عن مَحَجَّةِ الحقَّ، وقصدِ السبيلِ، وذلك دينُ اللَّهِ الذي ارْتضاه لعبادِه، لعادِلون.

يُقالُ منه: قد نكَب فلانٌ عن كذا، إذا عدَل عنه، ونَكَّب عنه، أي: عَدَل عنه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.

قال: لعادِلون.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.

يقولُ: عن الحقِّ عادِلون (١).

وقولُه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾.

يقولُ تعالى: ولو رحِمْنا هؤلاءِ الذين لا يؤمنون بالآخرةِ، ورفعنا عنهم ما بهم من القَحْطِ والجَدَبِ، وضُرِّ الجوعِ والهزالِ، ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾.

يعنى: في عُتُوِّهم، وجرأتِهم على ربِّهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾.

يعنى: يتردَّدون.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾.

قال: الجوعُ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾.

يقولُ تعالَى ذِكرُه: ولقد أخَذْنا هؤلاء المشركين بعذابِنا، وأنزَلْنا بهم بأسَنا وسَخَطَنا، وضيَّقْنا عليهم معايشَهم، وأجدَبْنا بلادَهم، وقتلْنا سراتَهم بالسيفِ، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾.

يقولُ: فما خَضَعوا لربِّهم، فينقادوا لأمرِه ونهيهِ، ويُنيبُوا إلى طاعتِه، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾.

يقولُ: وما يَتذلَّلون له.

وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ حينَ أخذ اللهُ قريشًا بِسِنى الجدبِ، إذ دعَا عليهم رسولُ اللهِ ﷺ ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن الحسينِ (١)، عن يزيد، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ والرحِمَ، فقد أكلْنا العِلْهِزَ (٢)، يعنى الوبرَ والدمَ.

فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن عِلباءَ بن أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن ابنَ أُثالٍ الحنفيِّ لما أتَى النبيَّ ﷺ وهو أسيرٌ، فخَلَّى سبيلَه، فلَحِقَ بمكةَ، فحالَ بينَ أهلِ مكةَ وبينَ الميرةِ (٤) من اليمامةِ، حتى أكلَتْ قريشٌ العِلْهِزَ، فجاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أليسَ تزعُمُ أَنكَ بُعِثتَ رحمةً للعالمين؟

فقال: "بَلى".

فقال: قد قتلْتَ الآباءَ بالسيفِ، والأبناءَ بالجوعِ.

فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ الآية (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبرنا عمرٌو، قال: قال الحسنُ: إذا أصابَ الناسَ من قبلِ السلطانِ (٦) بلاءٌ، فإنما هي نِقْمةٌ، فلا تستقبِلُوا نقمة الله بالحَمِيَّةِ، ولكن استقبِلوها بالاستغفارِ، وتضرَّعوا إلى اللهِ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾.

قال: الجوعُ والجدبُ، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾.

فصبَروا وما استكانُوا لربِّهم، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾.

اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ القتالِ، فقُتِلوا يومَ بدرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: قد مضَى، كان يومَ بدرٍ (٣).

حدَّثنا ابن (٤) المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.

قال: يومَ بدرٍ (١).

وقال آخرون: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ المجاعةِ والضرِّ، وهو البابُ ذو العذابِ الشديدِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.

قال: لكفارِ قريشٍ الجوعُ، وما قبلَها من القصةِ لهم أيضًا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضًا.

وهذا القولُ الذي قالَه مجاهدٌ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن ابن عباسٍ، أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ في قصةِ المجاعةِ التي أصابَتْ قريشًا بدعاءِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأمر ثمامةَ بن أُثالٍ، وذلك لا شكَّ أنه كان بعدَ وقعةِ بدرٍ.

وقولُه: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.

يقولُ: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحْنا عليهم من العذابِ حَزْنَى، نادِمون على ما سلَف منهم في تكذيبِهم بآياتِ اللهِ، في حين لا ينفعُهم الندمُ والحزنُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أحدَث لكم أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، السمعَ الذي تسمَعون بهِ، والأبصارَ التي تُبصِرون بها، والأفئدةَ التي تفقهُون بها، فكيف يتعذَّرُ على من أنشَأ ذلك ابتداءً إعادتُه بعدَ عدَمِه وفقْدِه، وهو الذي يوجِدُ ذلك كلَّه إذا شاء، ويُفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.

يقولُ: تشكُرون أَيُّهَا المكذِّبون خبرَ اللهِ من إعطائكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ، قليلًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾.

يقولُ تعالَى ذكرُه: واللهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، وإليه تُحشَرُون من بعدِ مماتِكم، يومَ (١) تُبعثون من قبورِكم إلى موقفِ الحسابِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي يُحيى خلقَه.

يقولُ: يجعَلُهم أحياءً بعدَ أن كانوا نُطَفًا أمواتًا، بنفخِ الروحِ فيها بعدَ التاراتِ التي تأتي عليها.

﴿وَيُمِيتُ﴾.

يقولُ: ويُميتُهم بعد أن أحياهم، ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.

يقولُ: وهو الذي جعَل الليلَ والنهارَ مختلفين.

كما يُقالُ في الكلامِ: لك المنُّ والفضلُ.

بمعنى: إنك تَمُنُّ وتُفْضِلُ.

وقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

يقول: أفلا تعقِلون أيُّها الناسُ أن الذي فعَل هذه الأفعالَ ابتداءً من غيرِ أصلٍ، لا يمتنِعُ عليه إحياءُ الأمواتِ بعدَ فنائهم، وإنشاءُ ما شاءَ وإعدامُه بعدَ إنشائِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما اعتَبرَ هؤلاء المشركون بآياتِ اللهِ، ولا تَدَبَّروا ما احتجَّ عليهم من الحججِ والدلالةِ على قدرتِه، على فعلِ كلِّ ما شاء، ولكنْ قالوا مثلَ ما قال أسلافُهم، من الأممِ المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم.

﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾.

يقولُ: أئذا مِتنا، وعُدْنا ترابًا، قد بَليت أجسامُنا، وبرِأت عظامُنا من لحومِنا، ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.

يقولُ: إِنَّا لمبعوثونَ من قبورِنا أحياءً، كهيئتِنا قبلَ المماتِ!

إِنَّ هذا لشيءٌ غيرُ كائنٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: لقد وُعِدنا هذا الوعدَ الذي تعِدُنا يا محمدُ، ووعَد آباءَنا من قبلِنا قومٌ ذكَروا أنهم للهِ رسلٌ من قبلِك (١)، فلم نرَه حقيقةً، ﴿إِنْ هَذَا﴾.

يقولُ: ما هذا الذي تعِدُنا من البعثِ بعدَ المماتِ، ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: ما سطَّره الأوّلون في كتبِهم؛ من الأحاديثِ والأخبارِ التي لا صحةَ لها ولا حقيقةَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المكذّبين بالآخرةِ من قومِك: لمن مُلكُ الأرضِ ومَن فيها من الخلْقِ، إن كنتم تَعْلَمون مَنْ مالكُها؟.

ثم أعلَمَه أنهم سيُقرّون بأنها لله ملكًا، دون سائرِ الأشياءِ غيرِه.

﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

يقولُ: فقلْ لهم إذا أجابوكَ بذلك كذلك: أفلا تذكَّرون فتعلَموا (١) أنَّ مَن قدَر على خلْقٍ ذلك ابتداءً، فهو قادرٌ على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وإعادتِهم خلْقًا سويًّا بعدَ فنائِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكره لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: من ربُّ السماواتِ السبعِ، وربُّ العرشِ المحيطِ بذلك؟

سيقولون: ذلك كلُّه للهِ، وهو ربُّه (٢).

فقلْ لهم: أفلا تتقونَ عقابه على كفرِكم به، وتكذيبِكم خبرَه وخبرَ رسولِه؟

وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾.

سوى أبي عمرٍو، فإنه خالَفهم؛ فقرأه: (سَيَقُولُونَ اللهُ) (٣).

في هذا الموضعِ، وفي الآخرِ الذي بعدَه؛ اتَّباعًا لخطِّ المصحفِ، فإنّ ذلك كذلك في مصاحفِ الأمصارِ، إلَّا في مصحفِ أهلِ البصرةِ، فإنه في الموضعينِ بالألفِ (٤)، فقرءوا بالألفِ كلَّها؛ اتباعًا لخطِّ مصحفِهم.

فأما الذين قَرءوه بالألفِ فلا مُؤْنةَ في قراءتِهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجرَوا (٥) الجوابَ على الابتداءِ، وردّوا مرفوعًا على مرفوعٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ على قراءتِهم: قلْ من ربُّ السماواتِ السبعِ وربُّ العرشِ العظيمِ؟

سيقولون: ربُّ ذلك اللهُ.

فلا مؤنةَ في قراءةِ ذلك كذلك.

وأمَّا الذين قَرءوا ذلك في هذا وفى الذي يليهِ بغيرِ ألفٍ، فإنَّهم قالوا: معنى قولِه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾: لمن السماواتُ (١)، لمن مُلكُ ذلك؟

فجعَلَ الجوابَ على المعنى، فقيل: (اللهُ).

لأن المسألةَ عن مُلكِ ذلك لمن هو.

قالوا: وذلك نظيرُ قولِ قائلٍ لرجلٍ: من مولاك؟

فيجيبُ المجيبُ عن معنى ما سُئل (٢)، فيقولُ: أنا لفلانٍ.

لأنَّه مفهومٌ بذلك من الجوابِ ما هو مفهومٌ بقولِه: مولاى فلانٌ.

وكان بعضُهم يَذكُرُ أَنَّ بعضَ بني عامرٍ أنشَده (٣): وأَعْلَمُ أَنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا … إذَا سارَ النَّوَاعِجُ (٤) لا يَسِيرُ فقال السَّائِلُونَ (٥) لِمَنْ حَفَرْتُمْ … فقال المُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ فأجابَ المخفوضَ بمرفوعٍ؛ لأنَّ معْنى الكلامِ: فقال السائلونَ: من الميتُ؟

فقال المخبرون: الميتُ وزيرٌ.

فأجابوا عن المعنى دون اللفظِ.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك أنهما قراءتانِ، قد قرَأَ بهما علماءُ من القرأةِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أني مع ذلك أختارُ قراءةَ جميعِ ذلك بغيرِ ألفٍ؛ لاجتماعِ خطوطِ مصاحفِ الأمصارِ على ذلك، سوى خطِّ مصحفِ أهل البصرةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: من بيدِه خزائن كلِّ شيءٍ؟

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

قال: خزائنُ كلِّ شيءٍ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن ابن جريجٍ] (٢)، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

قال: خزائن كلِّ شيءٍ.

وقولُه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾.

[يقولُ: وهو يجيرُ] (٣) من أرادَ ممن قصَده بسوءٍ، ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾.

يقولُ: ولا أحدَ يمنعُ (٤) مَن (٥) أرادَه هو بسوءٍ، فيدفعَ عنه عذابَه وعقابَه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مَن ذلك صفتُه.

فإنَّهم سيقولون: إن ملكوتَ كلِّ شيءٍ، والقدرةَ على الأشياءِ كلِّها للهِ.

فقلْ لهم يا محمدُ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾.

يقولُ (٦): فمن أيِّ وجهٍ تُصْرَفونَ عن التصديقِ بآياتِ اللهِ، والإقرارِ بأخبارِه وأخبارِ رسولِه، والإيمانِ بأنَّ الله القادرُ على كلِّ ما يشاءُ، وعلى بعثِكم أحياءً بعد مماتِكم، مع علمِكم بما تقولونَ من عظيمِ سلطانِه وقدرتِه.

وكان ابن عباسٍ فيما ذُكِر عنه يقولُ في معنى قولِه: ﴿تُسْحَرُونَ﴾ ما حدَّثني به عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾.

يقولُ: تكذِّبون (١).

وقد بيَّنتُ فيما مضَى "السِّحْرَ"، وأنَّه تخييلُ الشيءِ إلى الناظرِ أنَّه على خلافِ ما هو به من هيئتِه (٢)، فذلك معنى قولِه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾.

إنما معناه: فمن أيِّ وجهٍ يُخَيَّلُ إليكم الكذبُ حقًّا، والفاسدُ صحيحًا، فتُصرَفونَ عن الإقرارِ بالحقِّ الذي يدعوكم إليه رسولُنا محمدٌ ﷺ؟

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾.

يقولُ: ما الأمرُ كما يزعُمُ هؤلاء المشركون باللهِ؛ من أَنَّ الملائكةَ بناتُ اللهِ، وأنَّ الآلهة والأصنامَ لهم إلهٌ (٣) دونَ اللهِ، ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: اليقينِ، وهو الدينُ الذي ابتعثَ اللهُ به نبيَّه ﷺ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَدُ شَيءٌ سوى اللهِ؛ لأنَّه لا إِلَهَ غيرُه، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.

يقولُ: وإنَّ المشركين لكاذبون فيما يُضيفون إلى اللهِ، ويَنْحُلُونه من الولدِ والشريكِ.

وقولُه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما للهِ من ولدٍ، ولا كانَ معه في القديمِ، ولا حينَ ابتدَعَ الأشياءَ، [مَنْ تصلُحُ] (٤) عبادتُه، ولو كانَ معه في القديمِ، أو عندَ خلقِه الأشياءَ، مَنْ تصلُحُ عبادتُه، ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾.

يقولُ: إذن لاعتزل كلُّ إلهٍ منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيءٍ، فانفرَد به، ولَتغالَبوا، فلعلَا بعضُهم على بعضٍ، وغلَب القويُّ منهم الضعيفَ؛ لأنَّ القويَّ لا يرضَى أن يعلُوَه ضعيفٌ، والضعيفُ لا يصلُحُ أنْ يكونَ إلهًا.

فسبحانَ اللهِ ما أبلغَها من حجةٍ، وأوجزَها لمن عَقَل وتدبَّرَ!

وقولُه: ﴿إِذًا لَذَهَبَ﴾.

جوابٌ لمحذوفٍ، وهو: لو كان معه إلهٌ إذنْ لذهَبَ كلُّ إلهٍ بما خلَقَ.

اجتُزِئ بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه.

وقولُه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا للهِ عما يصفُه به هؤلاء المشركون من أنَّ له ولدًا، وعما قالوه من أنَّ له شريكًا، أو أنَّ معه في القِدَم إلها يُعبدُ، ﵎.

وقولُه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: هو عالمُ ما غابَ عن خلقِه من الأشياءِ، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، [وما رأَوه] (١) وشاهَدوه.

وإنما هذا من اللهِ خبرٌ عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا.

وعبَدوا من دونه آلهةً، أنَّهم فيما يقولون ويفعلون مُبْطِلون مخطئون، فإنَّهم يقولون ما يقولون من قولٍ في ذلك عن غير علمٍ، بل عن جهلٍ منهم به، وإنَّ العالِمَ بقديمِ الأمورِ وبحديثِها، وشاهدِها وغائبِها عنهم، اللهُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحقُّ دونَ خبرِهم.

وقال: (عالمُ الغَيْب).

فرفع (عالمُ) على الابتداءِ، بمعنى: هو عالمُ الغيبِ.

ولذلك دخَلتِ الفاءُ في قولِه: ﴿فَتَعَالَى﴾.

كما يقالُ: مررتُ بأخيك المحسنُ، فأحسَنتُ إليه.

فترفعُ "المحسنَ" إذا جعَلتَ "فأحسنتُ إليه" بالفاءِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسنُ، فأحسنتُ إليه.

ولو جُعِل الكلامُ بالواوِ فقيل: وأحسنتُ إليه.

لم يكنْ وجهُ الكلامِ في "الحسنِ" إلا الخفضَ على النعتِ لـ "لأخٍ"، ولذلك لو جاء: ﴿فَتَعَالَى﴾ بالواو، كان وجهُ الكلامِ في ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الخفضَ على الإتباعِ لإعرابِ اسمِ "اللهِ"، وكان يكونُ معنى الكلامِ: سبحانَ اللهِ عالِمِ الغيبِ والشهادةِ [وتعالى] (١)!

فيكونُ قولُه: "وتعالى".

حينئذٍ معطوفًا على: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾.

وقد يجوزُ الخفضُ مع الفاءِ؛ لأنَّ العربَ قد تبتدِئُ الكلامَ بالفاءِ، كابتدائِها بالواوِ.

وبالخفضِ كان يقرأُ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ في هذا الموضعِ أبو عمرٍو، وعلى خلافِه في ذلك قَرَأَةُ الأمصارِ (٢).

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ؛ لمعنيين: أحدُهما: إجماعُ الحجةِ من القرأةِ عليه.

والثاني: صحتُه في العربيةِ.

وقولُه: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فارتفَع اللهُ وعلا عن شركِ هؤلاء المشركين، ووصفِهم إياه بما يصفون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: ربِّ إِنْ تُرني (٣) في هؤلاء المشركين ما تعِدُهم من عذابِك، فلا تُهلِكْنى بما تهلكُهم به، ونجِّنى من عذابِك وسَخَطِك، فلا تجعَلْنى في القومِ المشركين، ولكن اجعلْنى ممن رَضِيتَ عنه من أوليائِك.

وقولُه: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾.

جوابٌ لقولِه: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾.

اعتُرِض بينهما بالنداءِ، ولو لم يكنْ قبلَه جزاءٌ لم يَجُزْ ذلك في الكلامِ، لا يقالُ: يا زيدُ فقمْ.

ولا: يا ربِّ فاغفرْ لى.

لأنَّ النداءَ مستأنَفٌ، وكذلك الأمرُ بعدَه مستأنفٌ، لا تدخلُه الفاءُ والواوُ، إلا أنْ يكون جوابًا لكلامٍ قبلَه.

وقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا يا محمدُ على أنْ نريَك في هؤلاء المشركين ما نعِدُهم من تعجيلِ العذابِ لهم - لقادرون، فلا يَحْزُنَنَّك تكذيبُهم إياك بما نعِدُهم به، وإنما نؤخِّرُ ذلك ليبلُغَ الكتابُ أجلَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه: ادفعْ يا محمدُ بالخَلَّةِ التي هي أحسنُ؛ وذلك الإغضاءُ والصفحُ عن جَهَلةِ المشركين، والصبرُ على أذاهم.

وذلك أمرَه إياه قبلَ أمرِه بحربِهم.

وعنَى بـ "السيئة": أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند عندِ اللهِ.

يقولُ له تعالى ذِكْرُه: اصْبرْ على ما تَلقَى منهم في ذاتِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾.

قال: أعرِضْ عن أذاهم إياك (١).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾.

قال: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إِذا لَقِيتَه (٢).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾.

قال: واللهِ لا يصيبُها صاحبُها حتى يكظِمَ غيظًا، ويصفَحَ عما يكرهُ.

وقولُه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذِكْرُه: نحن أعلمُ بما يصِفون الله به وينحُلُونه من الأكاذيبِ والفريةِ عليه، وبما يقولون فيك من السوءِ، ونحن مجازوهم على جميعِ ذلك، فلا يحزُنْك ما تسمَعُ منهم من قبيحِ القول.

وقولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقل يا محمدُ ربِّ أستجيرُ بك من خَنْقِ الشياطينِ وهمزاتِها.

والهَمْزُ هو الغَمْرُ، ومن ذلك قيل للهمزِ في الكلامِ: هَمْزٌ (١).

والهَمَزَاتُ جمعُ هَمْزةٍ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.

قال: همزاتُ الشياطينِ: خَنْقُهم الناسَ، فذلك هَمَزَاتُهم.

وقولُه: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.

يقولُ: وقلْ: أستجيرُ بك ربِّ أنْ يَحضُرون في أمورى كلِّها (٢).

كالذى حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبِ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.

في شيءٍ من أمرى (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعايَن نُزولَ أمرِ اللهِ به.

قال لعظيمِ ما يعايِنُ مما يَقْدَمُ عليه من عذابِ اللهِ، تندُّمًا على ما فات، وتلهُّفًا على ما فرَّط فيه قبلَ ذلك من طاعةِ اللهِ، ومسألتِه للإقالةِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا، فرُدّوني إليها.

﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾.

يقولُ: كي أعملَ صالحًا فيما ترَكتُ قبلَ اليومِ من العملِ فضَيَّعتُه وفرَّطتُ فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعشرٍ، قال: كان محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ يقرأُ علينا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.

قال محمدٌ: إلى أيِّ شيءٍ يريدُ؟

إلى أيِّ شيءٍ يرغبُ؟

أجمْعَ المالِ، أو غَرْسَ الغِراسِ، أو بَنْيَ بُنيانٍ، أو شقَّ أنهارٍ؟

ثم يقولُ: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.

يقولُ الجبارُ: ﴿كَلَّا﴾ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.

قال: هذه في الحياة، ألا ترَاه يقولُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾.

قال: حينَ تنقطعُ الدنيا ويعايِنُ الآخرةَ، قبلَ أنْ يذوقَ الموتَ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ: "إِذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قَالُوا: نَرْجِعُكَ إلى الدُّنْيا؟

فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُوم والأَحْزَانِ؟

فَيَقُولُ: بَل قُدمًا (٢) إلى اللهِ.

وأمَّا الكافِرُ فيُقَالُ له: ترْجِعُكَ؟

فَيَقُولُ: ﴿ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ " (١) الآية.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.

يعنى أهلَ الشركِ (٢).

وقيل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.

فابتدَأ الكلامَ بخطابِ اللهِ تعالى ذِكرُه، ثم قيل: ﴿ارْجِعُونِ﴾.

فصار إلى خطابِ الجماعةِ، واللهُ تعالى ذِكرُه واحدٌ.

وإنما فعَل ذلك كذلك لأنَّ مسألةَ القومِ الردَّ إلى الدنيا، إنما كانت منهم للملائكةِ الذين يَقبضون رُوحَهم (٣)، كما ذكَر ابن جُرَيجٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قاله.

وإنما ابتُدِئ الكلامُ بخطابِ اللهِ جلَّ ثناؤه لأنهم استغاثوا به، ثم رجَعوا إلى مسألةِ الملائكةِ الرجوعَ، والردَّ إلى الدنيا.

وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤) يقولُ: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرَى على وصْفِ اللهِ به نفسَه من قولِه: ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] في غيرِ مكانٍ من القرآنِ، فجرَى هذا على ذاك.

وقولُه: ﴿كَلَّا﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ليس الأمرُ على ما قال هذا المشركُ، لن يَرْجِعَ إلى الدنيا، ولن يُعادَ إليها، ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.

يقولُ: هذه الكلمةُ، وهو قولُه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.

﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.

يقولُ: هذا المشركُ هو قائلُها.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.

لا بُدَّ له أنْ يقولَها (١).

﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾.

يقولُ: ومن أمامِهم حاجرٌ يحجُرُ بينَهم وبينَ الرجوعِ.

يعنى: إلى يوم يُبْعَثون من قبورِهم، وذلك يوم القيامةِ.

والبرزخُ والحاجزُ والمُهْلةُ متقارباتُ المعنى.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

يقولُ: أجلٌ إلى حينٍ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾.

قال: ما بعد الموت (٢) حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريحُ بن يزيدَ، قال: ثنا أرطاةُ، عن أبي الحجاجِ (٣) يوسفَ، قال: خرجتُ مع أبي أمامةَ في جِنازةٍ، فلما وُضِعت في لَحْدِها، قال أبو أمامةَ: هذا برزخٌ إلى يوم يُبعثون (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فطرٌ (١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

قال: ما بينَ الموتِ إلى البعثِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

قال: حجازٌ (٣) بينَ الميتِ والرجوعِ إلى الدنيا (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

قال: برزخٌ بقيةَ الدنيا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٥).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

قال: البرزخُ ما بين الموتِ إلى البعثِ (٦).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: البرزخُ ما بينَ الدنيا والآخرةِ (١).

القولُ في تأويلِ في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ من النفختين، أيَّتُهما عُنِىَ بها؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ بها النفخةُ الأولى.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن (٢) مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أن رجلًا أتى ابنَ عباسٍ، فقال: سمِعتُ الله يقولُ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية.

وقال في آيةٍ أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧].

فقال: أما قولُه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.

فذلك في النفخةِ الأُولى، فلا يَبْقى على الأرض شيءٌ، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.

وأما قولُه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.

فإنهم لما دخلُوا الجنةَ أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ يتساءلون (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.

قال: في النفخةِ الأولى (١).

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.

فذلك حينَ يُنفخُ في الصورِ، فلا حيَّ يبقى إلا اللهُ، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.

فذلك إذا بُعثوا في النفخةِ الثانيةِ (٢).

قال أبو جعفرٍ: فمعنى ذلك على هذا التأويلِ: فإِذا نُفِخ في الصورِ فَصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، فلا أنسابَ بينَهم يومئذٍ يتواصلُون بها، ولا يتساءلُون، ولا يتزاورُون، فيتساءلُون عن أحوالِهم وأنسابِهم.

وقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك النفخةُ الثانيةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن هارونَ بن أبي وكيعٍ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: أَتيتُ ابنَ مسعودٍ، وقد اجتمَع الناسُ إليه في دارِه، فلم أقدِرْ على مَجلسٍ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، من أجلِ أنى رجلٌ من العجمِ تَحْقِرُني؟

قال: ادْنُ.

قال: فدنوتُ، فلم يكنْ بينى وبينه جليسٌ، فقال: يؤخذُ بيدِ العبدِ أو الأَمةِ يومَ القيامةِ على رءوسِ الأوّلين والآخرين.

قال: وينادِى منادٍ: ألا إنَّ هذا فلانُ بنُ فلانٍ، فمن كان له حقٌّ قِبله فليأتِ إلى حقِّه.

قال: فتفرحُ المرأةُ يومئذٍ أن يذوبَ (١) لها حقٌّ على ابنِها، أو على أبيها، أو على أخِيها، أو على زوجِها، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن زاذانَ، قال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: يؤخذُ العبدُ أو الأمةُ يومَ القيامةِ فيُنَصبُ على رءوسِ الأوّلين والآخرين، ثم ينادِى منادٍ.

ثم ذكر نحوَه، وزاد فيه: فيقولُ الربُّ ﵎ للعبدِ: أَعطِ هؤلاء حقوقَهم.

فيقولُ: أي ربِّ، فَنِيتِ الدنيا، فمن أينَ أُعطيهم؟

فيقولُ للملائكةِ: خذُوا من أعمالِه الصالحةِ، فأعطُوا كلَّ (٢) إنسانٍ بقدرِ طَلِبَتِه.

فإنْ كان له فضلُ مثقالِ حبةٍ من خردلٍ، ضاعَفَها اللهُ له حتى يُدخلَه بها الجنةَ.

ثم تلا ابن مسعودٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].

وإن كان عبدًا شقيًّا قالت الملائكةُ: ربَّنا، فنِيتْ حسناتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ.

فيقولُ: خُذوا من أعمالِهم السيئةِ، فأَضيفوها إلى سيئاتِه، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النارِ (٣).

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.

قال: لا يُسألُ أَحدٌ يومَئِذٍ بنسبٍ شيئًا، ولا يتساءلون، ولا يَمُتُّ إليه برحمٍ (٤).

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن جعفرِ (١) بن المغيرةِ، عن قتادةَ، قال: ليس شيءٌ أبغضَ إلى الإنسانِ يومَ القيامةِ من أن يَرَى مَن يَعرِفُه (٢)؛ مخافةَ أن يذوبَ له عليه شيءٌ.

ثم قرَأ: هو ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣) [عبس: ٣٤ - ٣٧].

قال: ثنا الحسينُ (٤)، قال: ثنا الحكمُ بنُ سنانٍ، عن سَدُوسٍ صاحبِ السابريِّ (٥)، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِذا دَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النارَ، نادَى مُنادٍ مِنْ تحتِ (٦) العَرْشِ: يا أَهْلَ التَّظالِمِ تَتَارَكُوا (٧) مظالِمَكم، وادْخُلُوا الجَنَّةَ" (٨).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: موازينُ حسناتِه، وخفَّتْ موازينُ سيئاتِه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، يعني: الخالدون في جناتِ النعيمِ.

[﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾.

يقولُ] (١): ومن خفَّتْ موازينُ حسناتِه، فرجَحَتْ بها موازينُ سيئاتِه، ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.

يقولُ: غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها من رحمةِ اللهِ، ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.

يقولُ: هم في نارِ جهنمَ.

وقولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾.

يقولُ: تَسْفَعُ وجوهَهم النارُ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾.

قال: تَنفَحُ (٢).

﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ والكُلوحُ: أن تتقلَّصَ الشفتانِ عن الأسنانِ حتى تبدوَ الأسنانُ، كما قال الأعشى (٣): وله المُقْدَمُ لا مِثْلَ له … ساعَةَ الشَّدْقِ عَنِ النَّابِ كَلَحْ فتأويلُ الكلامِ: يَسْفَعُ (٤) وجوهَهم لهبُ النارِ، فيُحْرِقُها، وهم فيها متقلِّصو الشفاهِ عن الأسنانِ، من إحراقِ النارِ وجوهَهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.

يقولُ: عابسون (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.

قال: ألم ترَ إلى الرأسِ المَشِيطِ قد بدتْ أسنانُه، وقَلَصت شفتاه (٢)؟

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قرَأ هذه الآيةَ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ الآية.

قال: ألم تَروْا إلى الرأسِ المَشِيطِ بالنارِ وقد قَلَصتْ شفتاه، وبدَتْ أسنانُه (٣)؟

حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.

قال: ألم ترَوْا إلى الغنمِ إذا مستِ النارُ وجوهَها كيف هي؟

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.

يعني: آياتُ القرآنِ تُتْلى عليكم في الدنيا، ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.

وتَرَك ذكرَ "يقالُ" لدلالةِ الكلامِ عليه.

﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ أهلُ الكوفةِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ بكسرِ الشينِ، وبغيرِ ألفٍ (١).

وقرأته عامة قرأة أهلُ الكوفةِ: (شَقاوَتُنا) بفتحِ الشينِ والألفِ (٢).

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.

وتأويلُ الكلامِ: قالوا: ربَّنا غلَب (٣) علينا ما سبَق لنا في سابقِ علمِك وخُطَّ لنا في أمِّ الكتابِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ عن القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.

قال: التي كُتبتْ علينا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (٤)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.

التي كُتبتْ علينا (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

[وقال: قال ابن جريجٍ] (١): بلغنا أنَّ أهلُ النارِ نادوا خَزَنَةَ جهنم: أن ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩].

فلم يجيبوهم ما شاء اللهُ، فلما أجابوهم بعد حينٍ، قالوا: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠].

قال: ثم نادَوْا مالكًا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.

فسكَت عنهم مالكٌ خازنُ جهنمَ أربعين سنةً، ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].

ثم نادى الأشقياءُ ربَّهم، فقالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.

فسكَت عنهم مثلَ (٢) مقدارِ الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﵎: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٣).

قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: ينادِى أهلُ النارِ: يا أهلَ الجنةِ.

فلا يجيبونهم ما شاء اللهُ، ثم يقالُ: أجيبوهم.

وقد قُطِع الرَّحِمُ والرحمةُ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ، عليكم غضبُ اللهِ، يا أهلَ النارِ، عليكم لعنةُ اللهِ، يا أهلَ النارِ، لا لَبَّيْكم ولا سَعْدَيْكم، ماذا تقولون؟

فيقولون: ألم نكُ في الدنيا آباءَكم وأبناءَكم وإخوانَكم وعشيرتَكم؟

فيقولون: بلى.

فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾.

قالوا: هو ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤) [الأعراف: ٥٠].

قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدُ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: وحدَّثنى عَبْدةُ المَرْوَزِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن عمرَ (١) بن أبي ليلى، قال: سمِعتُ محمدُ بنُ كعبٍ، زاد أحدُهما على صاحبِه: قال محمدُ بنُ كعبٍ: بلَغني، أو ذُكر لى، أنَّ أهلَ النارِ استغاثُوا بالخَزَنَةِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.

فردُّوا عليهم ما قال اللهُ: فلما أيِسُوا نادَوْا: يا مالكُ.

وهو عليهم، وله مجلسٌ في وَسَطِها، وجسورٌ تمرُّ عليه (٢) ملائكةُ العذابِ، فهو يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، فقالوا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.

سألوا الموتَ، فمكَث لا يجيبُهم ثمانين ألفَ سنةٍ (٣) من سِنِى الآخرةِ، أو كما قال، ثم لحَظ (٤) إليهم (٥)، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.

فلما سمِعوا ذلك قالوا: فاصبِرُوا، فلعلَّ الصبرَ ينفعُنا كما صبر أهلُ الدنيا على طاعةِ اللهِ.

قال: فصَبَروا، فطالَ صبرُهم، فنادَوْا: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]: أي: مَنْجًى.

فقام إبليسُ عندَ ذلك فخطَبهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢].

فلما سمِعوا مقالَتَه (٦)، مَقَتُوا أنفسَهم، قال: فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا﴾ الآية.

[غافر: ١٠، ١١].

قال: فيجيبُهم اللهُ فيها: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].

قال: فيقولون: ما أَيِسْنا بعدُ.

قال: ثم دعوا مرَّةً أُخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].

قال: فيقولُ الربُّ ﵎: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.

يقولُ الربُّ: لو شئتُ لهديتُ الناسَ جميعًا، فلم يخَتلِفْ منهم أحدٌ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.

يقولُ: بما ترَكتم أنْ تعملُوا ليومِكم هذا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٣، ١٤].

قال: فيقولون: ما أَيِسنا بعدُ.

قال: فيَدْعُون مرةً أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.

فيقولُ (١): ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٤، ٤٥].

قال: فيقولون: ما أيِسنا بعدُ.

[قال: فيدْعُون] (٢) مرَّةً أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.

قال: فيقولُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ إلى ﴿نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].

ثم مكَث عنهم ما شاء اللهُ، ثم ناداهم: هو ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.

فلما سمِعوا ذلك قالوا: الآن يرحمُنا.

فقالوا عندَ ذلك: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: الكتابُ الذي كُتِبَ علينا، ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية.

فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

قال: [ولا تتكلمونَ] (٣) فيها أبدًا.

فانْقَطَع عند ذلك الدعاءُ والرجاءُ منهم، وأقبَلَ بعضُهم ينبَحُ في وجهِ بعضٍ، فأُطْبِقَت عليهم (١).

قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ في حديثهِ: فحدَّثنى الأزهرُ بنُ أبى الأزهرِ أنه قال: فذلك قولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].

حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: فوالذى أنزَل القرآنَ على محمدٍ، والتوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، ما تكلَّم أهلُ النارِ كلمةً بعدها إلا الشهيقَ والزَّفيرَ (٣) في الخلدِ أبدًا، ليس له نفادٌ.

قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ قال: كنا في جِنازةٍ ومعنا أبو جعفرٍ [القارئُ، فجلَسنا، فتنَحَّى أبو جعفرٍ] (٤)، فبكى، فقيل له: ما يُبكيك يا أبا جعفرٍ؟

قال: أخبَرنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ أهلُ النارِ لا يتنفَّسُون (٥).

وقولُه: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.

يقولُ: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيلِ الرشادِ، وقصدِ الحقِّ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل الذين خفَّت موازينُ صالحِ أعمالِهم يومَ القيامةِ في جهنَّمَ: ربَّنا أخرجْنا من النَّارِ، فإِنْ عُدْنا لما تكرهُ منَّا مِن عملٍ، فإنَّا ظالمونَ.

وقولُه: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال الربُّ لهم جلَّ ثناؤه مجيبًا: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾.

أي: اقعُدُوا في النارِ.

يقالُ منه: خَسَأْتُ فلانًا أَخْسَؤُه خَسْئًا وخُسوءًا، وخَسَأَ (١) هو يخسَأُ، وما كان خاسئًا، ولقد خسِئَ.

﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

فعندَ ذلك أيس المساكينُ مِن الفرجِ، وقد كانوا طامعين فيه.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كَهَيلٍ، قال: ثنى أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ، في قصةٍ ذكَرها في الشفاعةِ، قال: فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخْرِجَ منها - يعنى من النارِ - أحدًا، غيَّر وجوهَهم وألوانَهم (٢)، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين، فيشفعُ فيه (٣)، فيقولُ: ياربِّ.

فيقولُ: من عَرَفَ أحدًا فلْيُخرجْه.

قال: فيجيءُ الرجلُ فينظرُ، فلا يعرفُ أحدًا، فيقولُ: يا فلانُ، يا فلانُ، فيقولُ: ما أعرِفُك.

فعندَ ذلك يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.

فيقولُ: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

فإذا قالوا ذلك، انطبَقتْ عليهم جهنمُ، فلا يخرجُ منها بشرٌ (٤).

حدَّثنا تميم بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن شَهرِ بن حَوْشبٍ، عن معدِيكربَ، عن أبي الدَّرْداءِ، قال: يُرْسَلُ، أو يُصَبُّ، على أهلُ النارِ الجوعُ، فيعدِلُ ما هم فيه مِن العذابِ، فيستغيثون، فيغاثُون بالضَّريع الذي لا يُسْمِنُ ولا يُغنِي من جوعٍ، فلا يُغنِي (١) ذلك عنهم شيئًا، فيستغيثون، فيُغاثُون بطعامٍ ذى غُصَّةٍ، فإذا أكلوه نَشِب في حلوقِهم، فيذكرون أنَّهم كانوا في الدنيا يحدِرون (٢) الغُصةَ بالماءِ، فيستغيثون، فيُرفعُ إليهم الحميمُ في كلاليبِ الحديدِ، فإذا انتهى إلى وجوهِهم شَوَى وجوهَهم، فإذا شرِبوه قطَّع أمعاءَهم.

قال: فينادُون مالكًا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.

قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ، ثم يجيبُهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].

قال: فينادُون خَزَنَةَ جهنمَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠].

قال: فيقولون: ما نجدُ أحدًا خيرًا لنا من ربِّنا.

فينادُون ربَّهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.

قال: فيقولُ اللهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

قال: فعندَ ذلك يئسوا من كلِّ خيرٍ، فيدْعُون بالويلِ والشَّهِيقِ والثُّبورِ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عاصمُ بنُ يوسفَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا قُطْبةُ (١) بنُ عبدِ العزيز الأسديُّ (٢)، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شَهْرِ بنُ حوشبٍ، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يُلْقَى عَلى أَهْلِ النَّارِ الجُوعُ".

ثم ذكَر نحوًا منه (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بنُ عنترةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: يرى أهلُ النارِ في كلِّ سبعين عامًا ساق مالكٍ خازنِ النارِ، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].

فيجيبُهم بكلمةٍ، ثم لا يرَوْنه سبعين عامًا، فيستغيثون بالخَزَنَةِ، فيقولون لهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩].

فيُجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية [غافر: ٥٠].

فيقولون: ادعوا ربَّكم، فليس أحدٌ أرحمَ من ربِّكم.

فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.

قال: فيجيبُهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

فعندَ ذلك يَأْيسون (٤) من كلِّ خيرٍ، ويأخذون في الشهيقِ والوَيْلِ والثُّبورِ.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

قال: بلغنى أنهم ينادون مالكًا، فيقولون: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.

فيسكُتُ عنهم قدرَ أربعين سنةً، ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.

قال: ثم ينادُون ربَّهم، فيسكُتُ عنهم قدرَ الدنيا مرَّتين، ثم يقولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

قال: فيبأسُ القومُ، فلا يتكلَّمون بعدَها كلمةً، وكان إنما هو الزفيرُ والشهيقُ.

قال قتادةُ: صوتُ الكافرِ في النارِ مِثْلُ صوتِ الحمارِ، أوَّلُه زفيرٌ، وآخرُه شهيقٌ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخَبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).

حدَّثنا الحسنُ، [قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ] (٢)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عيسى، قال: أخبَرني زيادٌ الخُراسانيُّ، قال: أسندَه إليَّ بعضُ أهلِ العلمِ فنسيتُه (٣)، في قولِه: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

قال: فيسكُتون.

قال: فلا يُسمَعُ فيها حِسٌّ إلا كطنينِ الطَّسْتِ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

قال: هذا قولُ الرحمنِ ﷿، حينَ انقطع كلامُهم منه (٥).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّهُ﴾ - وهذه الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾.

هي الهاءُ التي يُسمِّيها أهل العربيةِ المجهولةَ.

وقد بيَّنتُ معناها فيما مضى قبلُ، ومعنى دخولِها في الكلامِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦) - ﴿كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾.

يقولُ: كانت جماعةٌ من عبادى، وهم أهلُ الإيمانِ باللهِ، يقولون في الدنيا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ بك وبرسلِك (١)، وما جاءوا به من عندِك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذُنُوبَنَا ﴿وَارْحَمْنَا [وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.

يقولُ] (٢): وأنت خيرُ من رحِم أهلَ البلاءِ، فلا تعذِّبْنا بعذابِك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرَه: فاتخذتُم أيُّها القائلون لربِّهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.

في الدنيا، القائلين فيها: الله ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ - سِخْريًّا.

والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾.

من ذكرِ "الفريق".

واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سِخْرِيًّا﴾؛ فقرأه بعضُ قرأةِ الحجازِ، وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾، بكسرِ السينِ (٣)، ويتأوَّلون في كسرِها أن معنى ذلك الهُزْءُ، ويقولون: إنها إذا ضُمَّت، فمعنى الكلمةِ: السُّخْرةُ والاستعبادُ.

فمعنى الكلامِ على مذهبِ هؤلاء: فاتخذتم أهلَ الإيمانِ بي في الدنيا هُزُوًا ولعبًّا، تهزءون بهم، حتى أنسَوْكم ذكرى.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾.

بضمِّ السينِ (٤)، وقالوا: معنى الكلمةِ في الضمِّ والكسرِ واحدٌ.

وحكى بعضُهم (٥) عن العربِ سماعًا لجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، ودُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ، منسوبٌ إلى الدُّرِّ، وكذلك كُرسيٌّ وكِرسيٌّ.

وقالوا: ذلك من قيلِهم كذلك نظيرُ قولِهم في جمعِ العصا: العِصِيُّ.

بكسرِ العينِ، والعُصيُّ بضمِّها.

قالوا: وإنما اخترنا الضمَّ في السُّخريِّ لأنه أفصحُ اللغتين.

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مشهورتانِ، ولغتانِ معروفتانِ، بمعنًى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأَيَّتِهما قرأ القارىُ ذلك فمصيبٌ، وليس [يُعرفُ من فَرْقٍ] (١) بينَ معنى ذلك إذا كُسِرت السينُ وإذا ضُمَّت؛ لِما ذكرتُ من الروايةِ عمن سمِع من العربِ ما حَكَيتُ عنه.

ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَنْ فَرَّق في ذلك بينَ معناه مكسورةً سينُه ومضمومةً حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: هما مختلفان: سِخريًّا، وسُخريًّا، يقولُ اللهُ: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].

قال: هذا سُخريٌّ (٢)، يُسَخِّرونهم، والآخرون الذين يستهزئون بهم، هم "سِخريًّا"، فتلك سُخريًّا، تُسَخِّرونهم - عبيدُك (٣) - تَسْخِرَةً (٤)، رفعَك فوقَه، والآخرون استهزءوا بأهلِ الإسلامِ، هي "سِخريًّا"، يَسْخَرون منهم (٥)، فهما مختلفان.

وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨].

وقال: يسخرون منهم كما سخِر قومُ نوحٍ بنوحٍ، اتخذوهم سخريًّا: اتخذوهم هُزُؤًا، لم يزالوا يَستهزئون بهم (١).

وقولُه: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾.

يقولُ: لم يزلِ استهزاؤُكم بهم حتى (٢) أنساكم ذلك من فعلِكم بهم ذكرى، فأَلْهاكم عنه، ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾.

قال: أنسَى هؤلاءِ الله استهزاؤُهم بهم، وضحكُهم بهم.

وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ حتى بلَغ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].

وقولُه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إني، أيُّها المشركون باللهِ، المخلَّدون في النارِ، جَزَيْتُ الذين اتخذتموهم في الدنيا سِخْريَّا من أهلِ الإيمانِ بي، وكنتم منهم تضحَكون، اليومَ بما صبَروا على ما كانوا يلقَون بينكم من أذَى سُخريتكم وضحكِكم منهم في الدنيا، أنهم هم الفائزون.

اختلفت القرأةُ في قراءةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّهُمْ﴾ (٣).

بمعنى: جزيتُهم هذا.

فـ "أنَّ" في قراءةِ هؤلاء في موضعِ نصبٍ بوقوعِ قولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ عليها؛ لأن معنى الكلامِ عندَهم: إنى جزيتُهم اليومَ الفوزَ بالجنةِ.

وقد يحتملُ النصبَ من وجهٍ آخرَ، وهو أَن يكونَ موجَّها معناه إلى: إنى جزيتُهم اليومَ بما صبروا؛ لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا، على ما لَقُوا في ذاتِ اللهِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ (إنهم) (٤) بكسرِ الألفِ منها (٥)، بمعنى الابتداءِ، وقالوا: ذلك ابتداءٌ من اللهِ مدْحُهم.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابَ: قراءةُ من قرأ بكسرِ الألفِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ قد عمِل في الهاءِ والميمِ، والجزاءُ إنما يعملُ في منصوبين، وإذا عمِل (١) في الهاءِ والميمِ، لم يكنْ له العملُ في "أن"، فيصيرِ عاملًا في ثلاثةٍ، إلا أن يُنْوَى به التكريرُ، فيكونَ [نصبُ "أنَّ"] (٢) حينَئذٍ بفعلٍ مضمرٍ، لا بقولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾.

وإن هي نُصبت بإضمارِ، لامٍ، لم يكن له أيضًا كبيرُ معنًى؛ لأن جزاءَ اللهِ عبادَه المؤمنين الجنةَ (٣)، إنما هو على ما سَلَفَ من صالحِ أعمالِهم في الدنيا، وجزاؤُه إياهم، وذلك في الآخرةِ هو الفوزُ، فلا معنَى لأَنْ يَشْرُطَ لهم الفوزَ بالأعمالِ، ثم يُخبرَ أنهم إنما فازوا لأنَّهم هم الفائزون.

فتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان الصوابُ من القراءةِ ما ذكرنا -: إنى جزيتُهم اليومَ الجنةَ بما صبَروا في الدنيا على أذاكم بها، في أنَّهم اليومَ هم الفائزون بالنعيمِ الدائمِ، والكرامةِ الباقيةِ أبدًا، بما عمِلوا من صالحاتِ الأعمالِ في الدنيا، ولقُوا في طلبِ رضاىَ من المكارِه فيها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾.

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ (٤) كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.

وفي قولِه: ﴿[قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا] (٥)﴾ [المؤمنون: ١١٤]؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ على وجهِ الخبرِ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾.

وكذلك قولُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ (١).

ووجَّه هؤلاء تأويلَ الكلامِ إلى أنَّ الله قال لهؤلاء الأشقياءِ من أهلِ النارِ، وهم في النارِ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.

وأنهم أجابُوا الله فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

فنسِىَ الأشقياءُ لعظيمِ ما هم فيه من البلاءِ والعذابِ، مدةَ مُكثِهم (٢) كانت في الدنيا، وقَصُر عندهم أمدُ مُكثِهم (٣) كان فيها؛ لما حلَّ بهم من نقمةِ اللهِ، حتى حسِبوا أنهم لم يكونوا مكثُوا (٤) فيها إلا يومًا أو بعضَ يومٍ.

ولعلَّ بعضَهم كان قد مَكَث فيها الزمانَ الطويلَ والسنين الكثيرةَ.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةٍ أهلِ الكوفةِ، على وجهِ الأمرِ لهم بالقولِ (٥)، كأنه قال لهم: قولوا (٦): كم لبثتُم في الأرضِ؟

وأَخرَج الكلامَ مُخْرج الأمرِ للواحدِ، والمعنيُّ به الجماعةُ؛ إذ كان مفهومًا معناه.

وإنما اختار هذه القراءةَ من اختارها من أهلِ الكوفةِ؛ لأن ذلك في مصاحفِهم: "قُل" بغيرِ ألفٍ (٧) [وفى غيرِ] (٨) مصاحفِهم بالألفِ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرأه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾.

على وجه الخبرِ؛ لأن وجةَ الكلامِ، لو كان ذلك أمرًا، أن يكونَ "قُولوا" على وجهِ الخطابِ للجمعِ؛ لأن الخطابَ فيما قبلَ ذلك وبعدَه جرى لجماعةِ أهلِ النارِ، فالذى هو أولى أن يكونَ كذلك قولُه: (قل) (١).

لو كان الكلامُ جاء على وجهِ الأمرِ، وإن كان الآخرُ جائزًا، أعنى التوحيدَ؛ لما بيَّنتُ من العلةِ لقارئِ ذلك كذلك.

[فإذ كان ذلك كذلك] (٢)، وجاء الكلامُ بالتوحيدِ في قراءةِ جميعِ القرأةِ، كان معلومًا أن قراءةَ ذلك على وجهِ الخبرِ عن (٣) الواحدِ أشبهُ، إذ كان ذلك هو الفصيحَ المعروفَ من كلامِ العربِ.

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال اللهُ: كم لبِثُتم في الدنيا من عددِ سنينَ؟

قالوا مُجيبين له: لبثْنا فيها يومًا أو بعضَ يومٍ، فاسألِ العادِّين؛ لأنا لا ندْرِى، قد نسينا ذلك.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالعادِّين؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ الذين يحفَظون أعمالَ بني آدمَ، ويُحْصُون عليهم ساعاتِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.

قال: الملائكةَ (٤).

حدثَّنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: بل هم الحُسَّابُ.

ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.

قال: فاسألِ الحُسَّابَ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.

قال: فاسألْ أهلَ الحسابِ (٢).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.

وهم الذين يَعُدُّون عددَ الشهورِ والسنين وغيرِ ذلك، وجائزٌ أنْ يكونوا (٣) الملائكةَ، وجائزٌ أن يكونوا بنى آدمَ وغيرَهم، ولا حجةَ بأيِّ ذلك من أيِّ ثبتتْ صحتُها، فغيرُ جائزٍ توجيهُ معنى ذلك إلى بعضِ العادِّين دونَ بعضٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾.

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

اختلافَهم في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾.

والقولُ عندَنا في ذلك في هذا الموضِعِ نحوُ القولِ الذي بيَّناه قبلُ في قولِه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ (٤).

وتأويلُ الكلامِ على قراءتِنا؛ قال اللَّهُ لهم: ما لبثتُم في الأرضِ إِلَّا قليلًا يسيرًا، لو أنَّكم كنتم تعلمون قدرَ لُبثِكم فيها.

وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفحسِبتم أيُّها الأشقياءُ أنّا إنما خلَقْناكم إذ خلَقْناكم لَعِبًا وباطلًا، وأنكم إلى ربِّكم بعدَ مماتِكم لا تصيرون أحياءً، فتُجْزَون بما كنتم في الدنيا تعملون؟

وقد اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾ بضمِّ التاءِ (١)، بمعنى: لا تُردُّون وقالوا: إنما هو من مَرْجِعِ الآخرةِ، لا من رجوعِ إلى الدنيا.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لا تُرْجعون) (٢).

وقالوا: سواءٌ في ذلك مرجعُ الآخرةِ والرجوعُ إلى الدنيا.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ لأنَّ من ردَّه اللهُ إلى الآخرةِ من الدنيا بعدَ فنائِه، فقد رَجَعَ إليها، وأنَّ من رجَع إليها، فيردِّ اللهِ إياه إليها رجَع.

وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.

وبنحو الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾.

قال: باطلًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ عمَّا يصِفُه به هؤلاء المشركون، مِن أنَّ له شريكًا، وعمَّا يُضيفون إليه من اتخاذِ البناتِ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.

يقولُ: لا معبودَ تنبغى له العبودةُ إلَّا اللهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ.

"والربُّ" مرفوعٌ بالردِّ على "الحقِّ"، ومعنى الكلامِ: فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ، لا إلهَ إلا هو.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يدعُ مع (١) المعبودِ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له معبودًا آخرَ، لا حجةَ له بما يقولُ ويعملُ من ذلك، ولا بينةَ.

كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾.

قال: بينةَ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾.

قال: حُجةَ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدِ في قولِه: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، قال: لا حجةَ (٣).

وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.

يقولُ: فإِنَّما حسابُ عملِه السَّيِّئِ عندَ ربِّه، وهو مُوَفِّيه جزاءَه إذا قدِم عليه.

﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.

يقولُ: إنه لا يُنجحُ أهلُ الكفرِ باللهِ عندَه، ولا يُدركون الخلودَ والبقاءَ في النعيمِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقلْ يا محمدُ: ربِّ (١) استُرْ عليَّ ذنوبي بعفوِك عنها، وارحمْنى بقبولِ توبتِك، وتركِك عقابي على ما اجترمتُ.

﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.

يقولُ: وقلْ: وأنت يا ربِّ خيرُ مَنْ رحِم ذا ذنبٍ فقبِل توبتَه، ولم يعاقبْه على ذنبِه.

آخرُ تفسيرِ سورةِ المؤمنين

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله