الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة النور
تفسيرُ سورةِ النور كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 261 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ النورِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ وهذه السورةُ أنزَلناها.
وإنَّما قلْنا: معني ذلك كذلك؛ لأنَّ العربَ لا تكادُ تبتدِئُ بالنكراتِ قبلَ أخبارِها إذا لم تكُن جوابًا؛ لأنَّها تُوصَلُ كما يُوصَلُ "الذي"، ثم يُخبرُ عنها بخبرٍ سوى الصلةِ، فيُستقبحُ الابتداءُ بها قبلَ الخبرِ إذا لم تكنْ موصولةً، إذ كان يصيرُ خبرُها إذا ابتُدِئَ بها كالصلةِ لها، ويصيرُ السامعُ خبرَها كالمتوقِّع خبرَها بعدُ، إذ كان الخبرُ عنها بعدَها كالصلةِ لها، وإذا ابتدِئَ بالخبرِ عنها قبلَها، لم يدخُلِ الشكُّ على سامعِ الكلامِ في مرادِ المتكلمِ.
وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أنَّ "السورةَ" وصفٌ لما ارتفَع، بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وأمَّا قولُه: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾.
فإنَّ القرأةَ اختلَفتْ في قراءتِه؛ فقرَأَتْهُ بعضُ قَرَأَةِ (٢) الحجازِ والبصرةِ: (وَفَرَّضْناها) (١).
ويتأوَّلُونَه: وفصَّلناها ونزَّلنا فيها فرائضَ مختلفةً.
وكذلك كان مجاهدٌ يقرؤُه ويتأوَّلُه.
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن عبدِ الوارثِ بن سعيدٍ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه كان يقرؤُها: (وفرَّضْناها).
يعنى بالتشديدِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾.
قال: الأمرُ بالحلالِ، والنهىُ عن الحرامِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ مجاهدٍ مثلَه.
وقد يَحتملُ ذلك إذا قُرئَ بالتشديدِ وجهًا (٤) غيرَ الذي ذكَرنا عن مجاهدٍ، وهو أنْ يوجَّهَ إلى أنَّ معناه: وفرَّضْناها عليكم وعلى مَن بعدَكم من الناسِ إلى قيامِ الساعةِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ والكوفةِ والشامِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ بتخفيفِ الراءِ (٥)، بمعنى: أوجَبنا ما فيها من الأحكامِ عليكم، وألزَمناكُموه، وبيَّنا ذلك لكُم.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنَّهما قراءتانِ مشهورتانِ قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأَةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ وذلك أَنَّ الله قد فصَّلَها، وأنزَل فيها ضُروبًا من الأحكامِ، وأمَر فيها ونهَى، وفرَض على عبادِه فيها فرائضَ، ففيها المعنيانِ كِلاهُما؛ التفريضُ، والفرضُ، فلذلك قلنا: بأيَّةِ القراءتينِ [قرَأ القارئُ] (١) فمصيبٌ الصوابَ.
ذكرُ مَن تأوَّل ذلك بمعنى الفَرْضِ والبيانِ من أهلِ التأويلِ حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾.
يقولُ: بيَّنَّاها (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾.
[قال: فرَضْناها] (٣) لهذا الذي يتلُوها مِمَّا فُرِض فيها.
وقرَأ: ﴿فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَلنا في هذه السورةِ علاماتٍ ودَلالاتٍ على الحقِّ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾.
يعنى: واضحاتٍ لَمَنْ تأمَّلها وفكَّر فيها بعقلٍ، أنَّها مِن عندِ اللهِ، فإنَّها الحقُّ المبينُ، وإنَّها تَهدِى إلى الصراطِ المستقيمِ.
كما حدَّثنا (٤) القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ﴾.
قال [ابن جُرَيجٍ] (١): الحلالُ والحرامُ والحدودُ (٢).
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: لتتذكَّروا بهذه الآياتِ البيناتِ التي أنزَلناها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مَن زنَى مِن الرجالِ، أو زنَتْ مِن النساءِ، وهو حُرٌّ بِكْرٌ (٣) غيرُ مُحْصَنٍ بزوجٍ، فاجلِدوه ضربًا مائةَ جلدةٍ؛ عقوبةً لِما صنَع، وأتَى مِن معصيةِ اللهِ، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لا تأخذْكُم (٤) بالزاني والزانيةِ، أيُّها المؤمنونَ، ﴿رَأْفَةٌ﴾.
وهى رقةُ الرحمةِ، ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾.
يعني: في طاعةِ اللهِ فيما أَمَرَكُم بِهِ مِن إقامةِ الحدِّ عليهما، على ما ألزَمكُم (٥) به.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المنهيِّ (٦) عنه المؤمنونَ مِن أخْذِ الرأفةِ (٧) بهما؛ فقال بعضُهم: هو تركُ (٨) إقامة حدِّ اللهِ عليهما، فأمَّا إذا أُقيم عليهما الحدُّ، فلم تأخذْهم (٩) بهما رأفةٌ في دينِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زَائدةً، عن نافعِ بن عمرَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عبيدِ (١) اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: جَلَدَ ابن عمرَ جاريةً له أحدَثتْ؛ فجلد رِجلَيها.
قال نافعٌ: وحسِبتُ أنَّه قال: وظهْرَها.
فقلتُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
فقال: وأخَذتْنى بها رأفةٌ!
إِنَّ الله لَم يَأْمُرْنِى أَنْ أقتُلَها (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي مُليكةَ يقولُ: ثنى عبيدُ (٣) اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن عمرَ، أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ حدَّ جاريةً له، فقال للجالدِ، وأشار إلى رِجلِها، وإلى أسفلِها.
قلت: فأينَ قولُ اللهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: أفأقتُلُها (٤)؟!
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ).
قال: أن تقيمَ الحدَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن (٥) ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
قال: لا تُضيِّعوا حدودَ اللهِ.
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾: لا تُضيِّعوا الحدودَ في أن تُقيمُوها، وقالها عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ (١).
[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ وحجاجٌ] (٢)، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
قال: يقامُ حدُّ اللهِ ولا يُعطَّلُ، وليس بالقتل (٣).
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن داودَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الجلدُ (٤).
حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا محمدُ بن فضيلٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾.
قال: الضرْبُ (٥).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ عمرانَ، قال: قلتُ لأبي مجلَزٍ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾.
إلى قولِه: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾.
إنا لنرحَمُهم أن يُجلدَ الرجلُ حدًّا، أو تُقطَعَ يَدُه.
قال: إنَّما ذاك أنَّه ليس للسلطانِ إذا رُفِعوا إليه أن يدعَهم رحمةً لهم حتى يُقيمَ الحدَّ (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
قال: لا تُقامُ الحدودُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾: فتَدَعُوهما مِن حدودِ اللهِ التي أمَر بها، وافترَضها عليهما.
قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، أنَّه سأَل سليمانَ بنَ يسارٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
[أفى الحدودِ أو] (٢) في العقوبةِ؟
قال: ذلك فيهما جميعًا.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الأمُلِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريَّا، عن عبدِ الملكِ بن أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
[قال: أنْ يقامَ حدُّ اللهِ، ولا يُعطَّلَ] (٣)، وليس بالقتلِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
قال: الضربُ الشديدُ (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَأخُذكم بهما رأفةٌ فتُخَفِّفُوا الضربَ عنهما، ولكن أوجِعُوهما ضربًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ (١)، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بن المسيبِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
قال: الجلدُ الشديدٌ (٢).
قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حَمَّادٍ، قال: يُحَدُّ القاذفُ والشاربُ وعليهما ثِيابُهما، وأمَّا الزانى فتُخلَعُ ثيابُه.
وتلَا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
فقلتُ لحمادٍ (٣): أهذا في الحكْمِ؟
قال: في الحكمِ والجلدِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: يُجتهدُ في حدِّ الزانى والفِريةِ، ويُخفَّفُ في حدِّ الشرابِ (٥).
وقال قَتادةُ: يخففُ في الشرابِ، ويُجتهَدُ في الزاني (٦).
وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في إقامةِ حدِّ اللهِ عليهما، الذي افترَض عليكم إقامتَه عليهما.
وإنَّما قلْنا: ذلك أولى التأويلينِ بالصوابِ؛ لدلالةِ قولِ اللهِ بعدَه: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
يعني: في طاعةِ اللهِ التي أمَركم بها.
ومعلومٌ أَنَّ دينَ اللهِ الذي أمَر بهِ في الزانيينِ إقامةُ الحدِّ عليهما، على ما أمَر (١) مِن جلدِ كلِّ واحدٍ منهما مائةَ جَلدةٍ، مع أنَّ الشدَّةَ في الضربِ لا (٢) حدَّ لها يُوقَفُ عليه، وكلُّ ضرْبٍ أوجَع فهو شديدٌ، وليس للذي يُوجِعُ في الشدَّةِ حدٌّ لا زيادةَ فيهِ فيُؤمرَ به.
وغيرُ جائزٍ وصْفُه جلَّ ثناؤُه بأَنَّه أمَر بما لا سبيلَ للمأمورِ بهِ إلى معرِفتِه.
وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورينَ (١) إلى معرفتِه السبيلُ هو عددُ الجَلْدِ على ما أمَر بهِ، وذلك هو إقامةُ الحدِّ على ما قلْنا.
وللعربِ في الرأفةِ لغتانِ؛ الرأفةُ بتسكينِ الهمزةِ، والرآفةُ بمدِّها، كالسأمةِ والسآمةِ، والكأبةِ والكآبةِ.
وكأنَّ الرأفةَ المرةُ الواحدةُ، والرآفةَ المصدرُ، كما قِيل: ضَؤُلَ ضآلةً، مِثل فَعُلَ فَعالةً، وقَبُح قَباحةً.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يقولُ: إِنْ كُنتُم تصدِّقون [بأنَّ الله] (٣) ربِّكم، وباليومِ الآخرِ، [وأنكم] (٤) فيه مبعوثُون لحشرِ القيامةِ، وللثوابِ والعقابِ، فإِنَّ مَن كان بذلك مُصدِّقًا، فإنَّه لا يخالفُ الله في أمرِه ونهيهِ، خوفَ عقابهِ على مَعاصيهِ.
وقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وليحضُرْ جَلدَ الزانيينِ البكْرَينِ وحدَّهما إذا أُقيم عليهما (١)، طائفةٌ من المؤمنين.
والعربُ تُسمِّى الواحدَ فما زاد: طائفةً.
وقولُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ ورسولِه.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ عددِ الطائفةِ الذي (٢) أمَر اللهُ بشهودِ عذابِ الزانيينِ البِكْرينِ (٣)، فقال بعضُهم: أقلُّه واحدٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفةُ رجلٌ (٤).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلِ بن موسى بن إسحاقَ الكِنَانِيُّ و (٥) ابن القوَّاسِ، قالا: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: الطائفةُ رجلٌ.
قال عليٌّ: فما فوقَ ذلك.
وقال ابن القوَّاسِ: فأكثرُ من ذلك.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، عن (١) سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفة رجلٌ.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: قال ابن أَبي نجيحٍ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال مجاهدٌ: أقلُّه رجلٌ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: الطائفةُ الواحدُ إلى الألفِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: الطائفةُ واحدٌ إلى الأَلفِ؛ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) [الحجرات: ٩].
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفةُ الرجلُ الواحدُ إلى الألفِ.
قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾: إنَّما كانا رجلينِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ عيسى بنَ يونسَ يقولُ: ثنا النعمانُ بنُ ثابتٍ، عن حمَّادٍ وإبراهيمَ، قالا (٤): الطائفةُ رجلٌ (٥).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: الطائفةُ رجلٌ واحدٌ فما فوقَه (١).
وقال آخرون: أقلُّه في هذا الموضعِ رَجُلان.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ (٢) في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: قال عطاءٌ: أقلُّه رجلان (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عِكرمةَ، قال: ليحضُرْ رَجلانِ فصاعدًا (٤).
وقال آخرون: أقلُّ ذلك ثلاثةٌ فصاعدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، قال: الطائفةُ الثلاثةُ فصاعدًا (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: نفَرٌ من المسلمينَ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، قال: ثنا أشعتُ، عن أبيهِ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ الأسلميَّ في حاجةٍ، وقد أخرَج جاريةً إلى [باب الدار] (٢)، وقد زنَتْ، فدعا رجلًا، فقال: اضرِبْها خمسينَ.
فدعا جماعةً، ثم قرأ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن أشعثَ، عن أبيهِ، أَنَّ أَبا بَرْزَةَ أَمَر ابنَه أن يضرِبَ جاريةً له وَلَدَتْ من الزنى ضربًا غير مبرِّحٍ.
قال: فألقَى عليها ثوبًا وعنده قومٌ، وقرأ (٤): ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ الآية.
وقال آخرون: بل أقلُّ ذلك أربعةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: فقال: الطائفةُ التي (٥) يَجبُ بها (١) الحدُّ أربعةٌ (٢).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: أقلُّ ما ينبغِى حضورُ ذلك من عَددِ المسلمينَ: الواحدُ فصاعدًا.
وذلك أَنَّ الله عمَّ بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾.
والطائفةُ قد تقعُ عندَ العربِ على الواحدِ فصاعدًا.
فإذا (٣) كان ذلك كذلك، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه وضَع دلالةً على أنَّ مرادَه من ذلك خاصٌّ من العددِ - كان معلومًا أنَّ حُضورَ ما وقَع عليه أدنى اسمِ الطائفةِ ذلك المحضرَ مُخرِجٌ مُقيمَ الحدَّ ممَّا أمَره اللهُ بهِ بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
غيرَ أَنِّي وإن كان الأمرُ على ما وصَفتُ، أستحِبُّ ألا يُقصَّرَ بعددِ من يحضُرُ ذلك الموضعَ عن أربعةِ أنفسٍ، عددِ مَن تُقبَلُ شهادتُه على الزنى؛ لأنَّ ذلك إذا كان كذلك، فلا خلافَ بينَ الجميعِ أنَّه قد أدَّى المقيمُ الحدَّ ما عليهِ في ذلك، وهم فيما دونَ ذلك مختلفونَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ في بعضِ مَن استأذنَ رسولَ اللهِ ﷺ في نكاحِ نسوةٍ كُنَّ معروفاتٍ بالزنى من أهلِ الشركِ، وكُنَّ أصحابَ راياتٍ يُكْرِينَ أنفسَهنَّ، فأنزَل اللهُ تحريمَهنَّ على المؤمنينَ، فقال: الزانى من المؤمنينَ لا يتزوَّجُ (٤) إلا زانيةً أو مشركةً؛ لأنَّهنَّ كذلك، والزانيةُ من أولئك البغايا لا يَنكِحُها إلَّا زانٍ من المؤمنينَ أو المشركينَ (١)، أو مشركٌ مثلُها؛ لأنَّهنَّ كنَّ مشركاتٍ، ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحرَّم اللهُ نكاحَهنَّ في قولِ أهلِ هذه المقالة بهذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيهِ، قال: ثنى الحضْرمِيُّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، [عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو] (٢)، أنَّ رجلًا من المسلمينَ استأذَن نبيَّ اللهِ في امرأةٍ يقال لها: أمُّ مَهْزُولٍ.
كانتْ تُسافِحُ الرجلَ (٣)، وتَشترِطُ له أَنْ تُنفِقَ عليهِ، وأنَّه استأذَن فيها نبيَّ اللهِ ﷺ، وذكَر له أمْرَها.
قال: فقرأ نبيُّ اللهِ ﷺ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
أو قال: فأُنزِلتُ: ﴿وَالزَّانِيَةُ﴾ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن التيميِّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (٥) قولَه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: [كنَّ نساءً] (٦) معلوماتٍ.
قال: فكان الرجلُ من فقراءِ المسلمينَ يتزوَّجُ المرأةَ منهنَّ لتنفِقَ عليه، فنهاهم اللهُ (١) عن ذلك (٢).
قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: كنَّ نساءَ مواردَ بالمدينةِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا قَتادةُ، عن سعيدٍ بن المسيبِ في هذه الآيةِ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: نزَلتُ في نساءِ مواردَ كنَّ بالمدينةِ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيهِ، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ بنحوِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا (٣) عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، قال: كان لمرثَدٍ (٤) صديقةٌ في الجاهليةِ يقالُ لها: عَنَاقِ.
وكان رجلًا شديدًا، وكان يقالُ له: دُلْدُلٌ.
وكان يأتِى مكَّةَ فيحمِلُ (٥) ضَعَفَةَ المسلمينَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فلقِى صديقتَه، فدَعتْه إلى نفسِها، فقال: إِنَّ الله قد حرَّم الزني.
فقالتْ: [أَنَّى تَبْرُزُ] (٦)؟
فخشِيَ أَنْ تُشِيعَ عليه (٧)، فرجَع إلى [المدينةِ، فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ] (١) فقال: يا رسولَ اللهِ، كانتْ لي صديقةٌ في الجاهليةِ، فهل ترى لى (٢) نكاحَها؟
قال: فأنزَل اللهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: كنَّ نساءً معلوماتٍ يُدْعَوْن (٣) القليقياتِ (٤).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قال: كنَّ بغايا في الجاهليةِ (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عمَّن أخبَره، عن مجاهدٍ، نحوًا من حديثِ ابن المثنى، إلَّا أنَّه قال: كانتِ امرأةٌ منهنَّ يقالُ لها: أمُّ مهزولٍ.
يعنى في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قال: فكنَّ نساءً معلوماتٍ.
قال: فكان الرجلُ من فقراءِ المسلمينَ يتزوَّجُ المرأةَ منهنَّ لتنفقَ عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك.
هذا في حديثِ التيميِّ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾.
قال: رجالٌ كانوا يريدُون الزنى بنساءٍ زوان (١) بغايا متعالماتٍ كنَّ في الجاهليةِ، فقيل لهم: هذا حرامٌ.
فأرادوا نكاحَهنَّ، فحرَّم اللهُ عليهم نكاحَهنَّ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنَّه قال: بغايا مُعْلِناتٌ كنَّ كذلك في الجاهليةِ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيهِ، وإسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، وابنِ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كنَّ بغايا في الجاهليةِ، على أبوابِهنَّ راياتٌ مثلُ راياتِ البَيطارِ يُعْرَفْنَ بها (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نساءٌ بغايا متعالماتٌ، حرَّم اللهُ نكاحَهنَّ، لا يَنكِحُهنَّ (٥) إِلَّا زانٍ من المؤمنينَ، أو مشركٌ من المشركينَ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: كانتْ بيوتٌ تُسمَّى المواخيرَ في الجاهليةِ، وكانوا يُؤاجرُونَ فيها فتياتهنَّ، وكانتْ بيوتًا معلومةً للزنى، لا يدخُلُ عليهنَّ ولا يأتيهنَّ إِلَّا زانٍ من أهلِ القبلةِ، أو مشركٌ من أهلِ الأوثانِ، فحرَّم الله ذلك على المؤمنين (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: بغايا متعالماتٌ كنَّ في الجاهليةِ؛ بغيُّ آلِ فلانٍ، وبغيُّ آلِ فلانٍ، فأنزَل الله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فحكَم اللهُ بذلك من أمرِ الجاهليةِ على الإسلامِ.
فقال له [سليمانُ بنُ موسى] (٢): أبلَغك ذلك عن ابن عباسٍ؟
فقال: نعمْ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ في ذلك: كنَّ بغايا متعالماتٍ؛ بغيَّ آلِ فلانٍ، وبغيَّ آلِ فلانٍ، وكنَّ زوانيَ مشركاتٍ.
فقال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: أَحْكَمَ اللهُ من أمرِ الجاهليةِ بهذا، قيل له: أبلَغك هذا عن ابن عباسٍ؟
قال: نعمْ (١).
قال ابن جريجٍ: وقال عكرِمةُ: إِنَّه كان يُسمِّى تسعًا، يَعُدُّ (٢) صواحبَ الراياتِ، وكنَّ أكثرَ من ذلك، ولكنَّ هؤلاءِ أصحابُ الراياتِ: أَمُّ مَهْزُولٍ جاريةُ السائبِ بن أبى السائبِ المخزوميِّ، وأمُّ عِلْيطٍ جاريةُ صفوانَ بن أميةَ، وحَنَّةُ (٣) القبطيةُ جاريةُ العاصِ بن وائلٍ، ومَرِيَّةٌ جاريةُ مالكِ بن عُمَيْلةَ (٤) بن السَّبَّاقِ (٥) بن عبدِ الدارِ، وحلالةُ (٦) جاريةُ سُهَيْلِ (٧) بن عمرٍو، وأمُّ سُوَيْدٍ جاريةُ عمرِو بن عثمانَ المخزوميِّ، وسريفةُ (٨) جاريةُ زَمْعَةَ بن الأسودِ، وفرسةُ جاريةُ هشامِ بن ربيعةَ بن حبيبِ بن حذيفةَ بن جبلِ بن مالكِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ، وقريبا (٩) جاريةُ هلالِ بن أنسِ بن جابرِ بن نمرِ (١٠) بن غالبِ بن فهرٍ (١١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، [عن مَعمرٍ] (١٢).
عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
وقاله (١) الزهريُّ وقتادةُ، قالوا: كان في الجاهليةِ بغايا معلومٌ ذلك منهنَّ، فأراد ناسٌ من المسلمينَ نكاحَهنَّ، فأنزَل اللهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ الآية.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
وقاله الزهريُّ وقتادةُ، قالوا (٢): كانوا في الجاهليةِ بغايا.
ثم ذكَر نحوَه (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، القاسمِ بن أبى بَزَّةَ: كان الرجلُ يَنكِحُ الزانيةَ في الجاهليةِ التي قد علِم ذلك منها؛ يتخِذُها مَأكلةً، فأراد ناسٌ من المسلمينَ نكاحَهنَّ على تلك الجهةِ، فنُهوا عن ذلك.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: قال القاسمُ بنُ أبي بزَّةَ.
فذكَر نحوَه (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: كنَّ نساءَ مواردَ بالمدينةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ (١)، أنَّ نساءً في الجاهليةِ كنَّ يُؤاجِرنَ أنفسَهنَّ، وكان الرجلُ أنَّما يَنكِحُ إحداهُنَّ؛ يريدُ أنْ يُصيب منها عَرَضًا (٢)، فنُهوا عن ذلك، ونزَل: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
ومنهنَّ امرأةٌ يقالُ لها: أمُّ مهزولٍ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: كنَّ نساءً يُكْرِين أنفسَهنَّ في الجاهليةِ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: الزانى لا يزنِى إلَّا بزانيةٍ أو مشركةٍ، والزانيةُ لا يَزنِى بها إلَّا زان أو مشركٌ.
قالوا: ومعنى النكاحِ في هذا الموضعِ الجِماعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قال: لا يزنى إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قال: لا يَزِني الزاني إلا بزانيةٍ مثله أو مشركةٍ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن شُبرُمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ وعكرمةَ في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قالا: هو الوطءُ (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال: قال سعيدِ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قالا: هو الوطءُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سَلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ وشعبةَ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قالا: لا يَزنِي الزاني حين يَزني إلا بزانيةٍ مثلِه أو مشركةٍ.
قال: ولا تزنى مشركةٌ إلا بمثلها (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: هؤلاءِ بغايا كنَّ في الجاهليةِ، والنكاحُ في كتابِ اللهِ الإصابةُ، لا يُصيبها إلَّا زانٍ أو مشركٌ، لا يُحرِّمُ الزنى، ولا [يُصيب هو] (٤) إِلَّا مِثلَها (٥).
قال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: بغايا كُنَّ في الجاهليةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (١)، عن قيسِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: إذا زنَى بها فهو زانٍ.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قال: الزاني من أهلِ القبلةِ لا يزنِى إلا بزانيةٍ مثلِه أو مشركةٍ.
قال (٢): والزانيةُ من أهلِ القبلةِ لا تزنِى إلا بزانٍ مثلها من أهلِ القبلةِ، أو مشركٍ من غيرِ أهلِ القبلةِ.
ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وقال آخرونَ: كان هذا حكمَ اللهِ في كلِّ زانٍ وزانيةٍ، حتى نسَخه بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
فأحلَّ نكاح كلِّ مسلمةٍ، وإنكاحَ كلِّ مسلمٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: يَروْن الآيةَ التي بعدَها نسَختْها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
قال: فهنَّ من أيَامَى المسلمينَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
قال: نسَختها التي بعدَها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
وقال: إنَّهنَّ من أيَامي المسلمينَ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وذُكِر عن يحيى، عن ابن المسيَّبِ، قال: نسَختها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: نسَخها (١) قولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أنسُ بنُ عياضٍ، عن يحيى، قال: ذُكِر الزني (٣) عندَ سعيدِ بن المسيَبِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
قال: فسمِعتُه يقولُ: إنَّها قد نسَختها التي بعدَها.
ثم قرَأها سعيدٌ، قال: يقولُ اللهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
ثم يقولُ اللهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾.
فهنَّ من أيَامى المسلمينَ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنَى بالنكاحِ في هذا الموضعِ الوطءَ، وأنَّ الآيةَ نزَلت في البغايا المشركاتِ ذواتِ الراياتِ.
وذلك لقيامِ الحُجةِ على أنَّ الزانيةَ من المسلماتِ حرامٌ على كلِّ مشركٍ، وأنَّ الزانَى من المسلمينَ حرامٌ عليهِ كلُّ مشركةٍ من عبَدةِ الأوثانِ.
فمعلومٌ إذ كان ذلك كذلك، أنَّه لم يُعنَ بالآيةِ أنَّ الزانيَ من المؤمنينَ لا يعقِدُ عقدَ نكاحٍ على عفيفةٍ من المسلماتِ، ولا يَنكِحُ إلَّا زانيةً (١) أو مشركةً.
وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ (٢) أنَّ معنى الآيةِ: الزانى لا يزنِى إلا بزانيةٍ [لا تستحِلُّ] (٣) الزنى، أو بمشركةٍ تستحِلُّه.
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: وحرِّم الزنى على المؤمنينَ باللهِ ورسولهِ، وذلك هو النكاحُ الذي قال جلَّ ثناؤُه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يشتُمونَ (٤) العفائفَ من حرائرِ المسلمينَ، فيرمُونَهنَّ بالزنى، ثم لم يأتُوا على ما رمَوهنَّ بهِ من ذلك بأربعِة شهداءَ عُدولٍ يشهدُونَ عليهنَّ أنَّهنَّ رأوهنَّ يفعَلنَ ذلك، فاجلِدُوا الذين رمَوهنَّ بذلك ثمانينَ جلدةً، ولا تقبلُوا لهم شهادةً أبدًا، وأولئك هم الذين خالفُوا أمرَ اللهِ، وخرجُوا من طاعتِه، ففسقُوا عنها.
وذُكِر أن هذه الآيةِ إنما نزَلتْ في الذين رمَوا عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ بما رمَوها به من الإفكِ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ وإبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قالا: ثنا ابن فُضيلٍ، عن خُصيفٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبيرٍ: الزِّنى أشدُّ أو قذفُ المحصنةِ؟
قال: لا، بل الزنى.
قلتُ: إِنَّ الله يقولُ: ﴿إِنَّ (١) الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣].
قال: إِنَّما هذا في حديث عائشةَ خاصةً (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآيةُ: في نساءِ المسلمين (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ [في قولِه] (٤): ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
قال: الكاذبونَ (٥) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي استُثنى منه قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾؛ فقال بعضُهم: استُثنى من قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقالوا: إذا تاب القاذفُ قُبلت شهادتُه، وزال عنه اسمُ الفسقِ، حدَّ فيه أولم يُحد.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمد بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ - إن شاء اللهُ - أن عمرَ قال لأبي بكرةَ: إن تبتَ قبلتُ شهادتَك، أو تُبْ (١) تُقبلْ (٢) شهادتُك (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدَ بن المسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ضرَب أبا بكرةَ وشِبلَ بنَ معبدٍ ونافعَ بنَ الحارثِ بنِ كَلدَةَ، حدَّهم وقال لهم: من أكذَب نفسَه أجزتُ شهادتَه فيما استُقبل، ومن لم يفعلْ لم أُجِزْ شهادته.
فأكذَب شبلٌ نفسَه ونافعٌ، وأَبَى أبو بكرةَ أن يفعلَ.
قال الزهريُّ: هو واللهِ سنةٌ فاحفَظوه (٤).
حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: إذا تاب - يعنى القاذفُ - ولم يُعلم منه إلا خيرٌ، جازت شهادتُه (٥).
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: على الإمامِ أن يستَتيبَ القاذفَ بعد الجَلدِ، فإن تاب [وأُونس] (١) منه خيرٌ، جازت شهادتُه، وإن (٢) لم يتبْ فهو خليعٌ لا تجوزُ شهادتُه.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال في القاذفِ: إذا تاب وعُلم منه خيرٌ، إن شهادتَه جائزةٌ، وإن لم يتبْ فهو خليعٌ لا تجوزُ شهادتُه، وتوبتُه إكذابُه نفسَه.
قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ نحوَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، قال في القاذفِ: إذا (٣) تاب وأكذَب نفسَه قُبلت شهادتُه، وإلا كان خليعًا لا شهادةَ له؛ لأن الله يقولُ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ في شهادةِ القاذفِ: إذا رجَع عن قوله حينَ يُضَرَبُ، أو (٤) أَكْذَب نفسَه، قُبِلت شهادتُه.
قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ: يقبَلُ اللهُ توبتَه وتردُّون (٥) شهادتَه!
وكان يقبَلُ شهادتَه إذا تاب (٦).
قال: أخبَرنا إسماعيلُ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ في القاذفِ: إذا شهِد قبلَ أن يُضربَ الحدَّ، قُبلت شهادتُه.
قال: ثنا هشيمٌ قال: أخبَرنا عُبيدة، عن إبراهيم، وإسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، أنهما قالا في القاذفِ: إذا شهِد قبلَ أن [يُجلدَ فشهادتُه] (١) جائزةٌ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ، يعنى ابنَ عُليةَ، سمِعتُ ابن أبي نجيحٍ يقولُ: القاذفُ إذا تاب تجوزُ شهادتُه.
وقال: كلُّنا (٣) نقوله.
[فقيل له: من (٤) قال؟
قال] (٥): عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ (٦).
حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدِ (٧) ابن عثمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، عن عمرَ بن [عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ] (٨)، قال: إذا تاب القاذفُ جُلد و (٩) جازت شهادتُه.
قال أبو موسى: هكذا قال ابن (١٠) عثمةَ.
حدَّثنا ابن بشارٍ وابن المثنى، قالا: ثنا ابن (١) عثمةَ، قال: ثنا سعيدٌ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بن يسارٍ والشعبيِّ، قالا: إذا تاب القاذفُ عندَ الجلدِ جازت شهادتهُ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرَ بنَ عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ جلَد رجلًا في قذفٍ، فقال: أَكذِبْ نفسَك حتى تجوزَ شهادتُك (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ والشعبيَّ يتذاكران شهادةَ القاذفِ، فقال الشعبيُّ لإبراهيمَ: لمَ لا تقبلُ شهادتَه؟
فقال: لأنى (٤) لا أدرى تاب أم لا (٥).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، [عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: تُقبُل شهادتُه إذا تاب (٦).
قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن يعقوبَ بن القعقاعِ، عن محمدِ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثله (٧)] (٨).
[قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ] (١)، عن ابن جُريجٍ، عن عمرانَ بن موسى، قال: شهِدتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أجاز شهادةَ القاذفِ ومعه رجلٌ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: قال الشعبيُّ: إذا تاب جازت شهادتُه.
قال ابن المثنى: قال: عندى.
يعني: في القذفِ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا مِسعرٌ (٤)، عن عمران (٥) ابن عميرٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عتبةَ كان يُجيزُ شهادةَ القاذفِ إذا تاب (٦).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكَ، قال: إذا تاب وأصلَح قُبلت شهادتُه.
يعنى القاذفَ (٧).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن ابن المسيبِ، قال: تُقبلُ شهادةُ القاذفِ إذا تاب.
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن ابن المسيبِ مثلَه (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال (٢): قال الزُّهريُّ: إذا حُدَّ القاذفُ، فإنه ينبغى للإمامِ أن يستتيبَه، فإن تاب قُبلت شهادتُه، وإلا لم تُقبلْ.
قال: كذلك فعَل عمرُ بنُ الخطابِ بالذين شَهِدوا على المغيرةِ بن شعبةَ، فتابوا إلَّا أبا بكرةَ، فكان لا تُقبلُ (٣) شهادتُه (٤).
وقال آخرون: الاستثناءُ في ذلك من قولِه (٥): ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وأما (٦) قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
فقد وُصِل بالأبدِ، ولا (٧) يجوزُ قَبولُها أبدًا.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا يزيُد بنُ زريعٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى الشعبيُّ، قال: كان شريحٌ يُجيزُ شهادةَ صاحبِ كلِّ عملٍ إذا تاب إلا القاذفَ.
قال (١): توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه، ولا نُجيزُ شهادتَه.
حدَّثنا حميدُ (٢) بنُ مَسعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا أشعتُ (٣) بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن شُريحٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: صاحبُ كلِّ حدٍّ إذا كان عدلًا يوم شهِد (٤).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شريحٍ، قال: كان لا يُجيزُ شهادةَ القاذفِ، ويقولُ: توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، عن شريحٍ في القاذفِ: يقبلُ اللهُ توبتَه، ولا أقبلَ شهادتُه (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: أتاه خَصمان، فجاء أحدُهما بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى ما به؟
قال: قد أراه.
قال: فسأل القومَ، فأثنَوا عليه خيرًا، فقال شريحٌ: نُجيزُ شهادةَ كلِّ صاحب حدٍّ، إذا كان يومَ شَهِد عدلًا، إلا القاذفَ، فإن توبتَه فيما بينَه وبينَ ربِّه.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: جاء خَصمان إلى شُريحٍ، فجاء أحدُهما ببينةٍ، فجاء بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى إلى ما به؟
فقال شريحٌ: قد رأيناه، وقد سألنا القومَ فأثنَوا خيرًا.
ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَ حديثِ أبي كريبٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن الشعبيِّ، عن أنه كان يقولُ: لا تُقبلُ له شهادة أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه.
يعنى القاذفَ (١).
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الأشعثُ، عن الشعبيِّ أن ربابًا قطَع رجُلًا في قطعِ الطريقِ، قال: فقطعَ يدهَ ورجلَه.
قال: ثم تاب وأصلَح، فشهِد عندَ شريحٌ، فأجاز شهادتُه.
قال: فقال المشهودُ عليه: أتجيز شهادتُه عليَّ وهو أقطعُ؟
قال: فقال شريحٌ: كلُّ صاحبِ حدٍّ إذا أُقيم عليه (٢) ثم تاب وأصلَح، فشهادتُه جائزةٌ إلا القاذفَ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: المغيرةُ أخبَرني، قال: سمِعتُ إبراهيم يحدِّثُ عن شريحٌ، قال: قضاءٌ من اللهِ لا تُقبل شهادتُه أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ (٣).
قال أبو موسى: يعنى القاذفَ (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: قال شريحٌ: لا يقبلُ اللهُ شهادتُه (١) أبدًا.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: لا تجوز شهادة القاذفَ، توبته توبته (٢) فيما بينَه وبينَ اللهِ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى (٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه قال: القاذفُ توبته فيما بينَه وبينَ اللهِ، وشهادتُه لا تُقبلُ (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في الرجلِ يُجلدُ الحدَّ، قال: لا تجوزُ شهادتُه أبدًا (٦).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرة، عن إبراهيمَ أنه كان لا يقبلُ له شهادةً أبدا، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ (٧) القاذفَ (٨).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معمرٌ (٩) بن سليمان (١٠)، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ (١)، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تجوزُ شَهادَةُ محدودٍ في الإسلام" (٢).
حدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
قال: كان يقولُ (٣): لا تُقبَلُ شهادةُ القاذفِ أبدًا، إنما توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ.
وكان شريحٌ يقولُ: لا تُقبَلُ شهادتُه (٤).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، [عن معاويةَ بن صالحٍ] (٥)، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
ثم قال: فمَن تاب وأصلَح فشهادتُه في كتابِ اللهِ تُقبَلُ (٦).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن الاستثناءَ من المعنييْن جميعًا؛ أعنى من (٧) قولِه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
ومن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وذلك أنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أن ذلك كذلك إذا لم يُحدَّ في القذفِ حتى تاب: إما بأن [لم يُرفعْ] (١) [إلى السلطانِ] (٢) بعفوِ المقذوفةِ عنه (٣)، وإما بأن ماتت قبلَ المطالبةِ بحدِّها ولم يكُنْ لها طالبٌ يطلبُ بحدِّها.
فإذ (٤) كان ذلك كذلك، وحدَثت منه توبةٌ، صحَّت له بها العدالةُ.
فإذ (٥) كان من الجميعِ إجماعًا، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه شرَط في كتابِه (٦) أن لا تُقبَلَ شهادتُه أبدًا بعد الحدِّ في رميِه، بل نهَى عن قبولِ شهادتُه في الحالِ التي أوجَب عليه فيها الحدَّ، وسماه فيها فاسقًا - كان معلومًا بذلك أنّ إقامةَ الحدِّ عليه في رميِه لا تُحدِث في شهادتِه مع التوبةِ من ذنبِه ما لم يكنْ حادثًا فيها قبلَ إقامتِه عليه، بل توبتَه بعدَ إقامة الحدِّ عليه من ذنبِه أحرَى أن تكونَ شهادتُه معها أجوزَ منها قبلَ إقامتِه عليه؛ لأن الحدِّ يزيد المحدودَ عليه تطهيرًا من جُرمِه الذي استحقَّ عليه الحدِّ.
فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن يكونَ الاستثناءُ من قولِه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
فتكونَ التوبةُ مُسقطةً عنه الحدَّ، كما كانت لشهادتِه عندَك قبلَ الحدِّ وبعده مجيزةً (٧)، ولاسمِ الفسقِ عنه مزيلةً؟
قيل: ذلك غيرُ جائزٍ عندَنا، وذلك أن الحدَّ حقٌّ (٨) عندَنا للمقذوفةِ، كالقصاصِ الذي (٩) يجبُ لها من جنايةٍ يَجنيها عليها مما فيه القصاصُ، ولا خلافَ بينَ الجميعِ أن توبتَه من ذلك لا تضعُ عنه الواجبَ لها من القصاصِ منه، فكذلك توبتُه من منه، فكذلك توبته من القذفِ لا تضعُ عنه الواجبَ لها من الحدِّ؛ لأن ذلك حقٌّ لها، إن شاءت عفَته، وإن شاءت طالبت (١) به.
فتوبةُ العبدِ من ذنبِه [إنما تضعُ] (٢) [عن العبدِ] (٣) الأسماءَ الذميمةَ والصفاتِ القبيحةَ.
فأما حقوقُ الآدميين التي أوجبها اللهُ لبعضِهم على بعضٍ في كلِّ الأحوالِ، فلا تزولُ بها ولا تبطُلُ.
واختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ توبة القاذفِ التي تقبلُ معها شهادتُه؛ فقال بعضُهم: هي (٤) إكذابُه نفسَه فيه.
وقد ذكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مضى قبلُ، ونحن نذكُرُ بعضَ ما حضَرَنا ذكره مما لم نذكره قبلُ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: توبةُ القاذفِ أن يُكذِبَ نفسَه (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، قال: رأيتُ رجلًا ضُرِب حدًّا في قذفٍ بالمدينةِ، فلما فُرغ من ضربِه [تناول ثوبَه] (٦)، ثم قال: أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه من قذفِ المحصناتِ.
قال: فلقيتُ أبا الزنادِ، فذكرتُ ذلك له.
قال: فقال: إن الأمرَ عندَنا ههنا أنه إذا قال ذلك حينَ يُفرَغُ من ضربِه، ولم نَعلمْ (١) منه إلا خيرًا قبلت شهادتُه (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية.
قال: من اعترَف وأقرَّ على نفسِه علانيةً أنه قال البهتانَ، وتاب إلى اللهِ توبةً نصوحًا - والنَّصوحُ: ألا يعودَ (٣) وإقرارُه واعترافُه عندَ الحدِّ حينَ يؤخذُ بالجلدِ - فقد تاب، واللهُ غفورٌ رحيمٌ (٤).
وقال آخرون: توبتُه من ذلك [صلاحُ حالِه، وندمُه على ما فرَط منه من ذلك، و] (٥) الاستغفارُ منه، وتركه العودَ في مثلِ ذلك من الجُرمِ.
وذلك قولُ جماعةٍ من التابعين وغيرِهم، وقد ذكَرنا بعض قائليه فيما مضَى، وهو قولُ مالكِ بن أنسٍ.
وهذا القولُ أولى القولين (٦) في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل توبةَ كلِّ ذى ذنبٍ من أهلِ الإيمانِ تركَه العودَ منه العود منه، والندمَ على ما سلَف منه، [واستغفارَ ربَّه] (٧) منه، فيما كان من ذنبٍ بينَ العبد وبينَه، دونَ ما كان من حقوقِ عبادهِ ومظالمِهم بينَهم.
والقاذفُ إذا أُقيم عليه فيه (١) الحدِّ، أو عُفى عنه، فلم يبقْ عليه إلا توبتُه من جُرمِه (٢) بينَه وبينَ ربِّه، فسبيلُ توبتِه منه سبيلُ توبتِه من سائرِ أجرامِه.
فإذ (٣) كان الصحيحُ في ذلك من القولِ ما وَصفنا، فتأويلُ الكلامِ: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمِهم الذي اجترَموه، بقذفِهم المحصناتِ من بعدِ اجترامِهموه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يقولُ: ساترٌ على ذنوبِهم بعفوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم بعدَ التوبةِ أن يعذبَهم عليها، فاقبلُوا شهادتَهم، ولا تسمُّوهم فسَقةً، بل سمُّوهم بأسمائِهم التي هي لهم في حالِ توبِتهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ من (٤) الرجالِ ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ بالفاحشةِ، فيقذفونهن (٥) بالزنى، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون لهم بصحةِ ما رمَوهنّ به من الفاحشةِ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ [ذلك؛ فقرأته] (٦) عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (أَربَعَ شَهَادَاتٍ).
نصبًا (١)، ولنصبِهم ذلك وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ "الشهادةُ" في قولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
مرفوعةً بمضمرٍ قبلَها، ويكونَ "الأربعُ" منصوبًا بمعنى الشهادةِ.
فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: فعلى أحدِهم أن يشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ والوجهُ الثاني: أن تكونَ "الشهادةُ "مرفوعةً بقولِه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
و "الأربعُ" منصوبةً بوقوعِ "الشهادةِ" عليها.
كما يُقالُ: شهادتى ألفَ مرةٍ إنك لرجلُ سَوْءٍ.
وذلك أن العربَ ترفعُ الأيمانَ بأجوبتِها، فتقولُ: حَلِفٌ صادقٌ لأقومَنّ، وشهادةُ عمرٍو ليَقعُدَنَّ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
برفعِ "الأربع" (٢)، ويجعلُونها للشهادةِ مرافِعةً.
وكأنهم وجَّهوا تأويلَ الكلامِ: فالذى يلزَمُ من الشهادةِ، أربعُ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين.
وأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (٣) قراءةُ من قرأ (٤): (فَشَهادة أحَدِهِم أَربَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ إِنه لَمِنَ الصَادِقِينَ).
بنصبِ "أربع"، "بوقوعِ" "الشهادة" عليها.
و "الشهادةُ" مرفوعةٌ حينئذٍ على ما وصفتُ من الوجهين قبلُ (٥).
وأحبُّ وجهيْهما إليَّ (٦) أ ن تكونَ به مرفوعةً (٧) بالجوابِ، وذلك قولَه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وذلك أن معنى الكلامِ: والذين يرمون أزواجَهم ولم يكنْ لهم شهداءُ (١)، إلا أنفسُهم، فشهادةُ أحدِهم أربعُ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، تقومُ (٢) مقامَ الشهداءِ الأربعةِ في دفعِ الحدِّ عنه.
فترك ذكرَ (٣): تقومُ (٤) مقامَ الشهداءِ الأربعةِ اكتفاءً بمعرفةِ السامعين بما ذُكِر من الكلامِ، فصار مُرافع "الشهادةِ" ما وصفتُ.
ويعنى بقولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فحلِفُ أحدِهم أربعُ أيمانٍ باللهِ.
من قولِ القائلِ: أشهدُ باللهِ إنه لمن الصادقين فيما رمَى زوجتَه به من الفاحشةِ.
﴿وَالْخَامِسَةُ﴾.
يقولُ: والشهادةُ الخامسةُ ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، يَقولُ: أن لعنةَ اللهِ له واجبةٌ، وعليه حالَّةٌ، إن كان فيما [رماها به] (٥) من الفاحشةِ من الكاذبين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وقالت به جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ الرواية بذلك وذُكِر السببِ الذي فيه أُنزلت (١) هذه الآيةُ حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
قال سعدُ بنُ عبادةَ: اللهِ (٢) إن أنا رأيتُ لكاعِ متفخذَها (٣) رجلٌ، فقلتُ بما رأيتُ، إن في ظهرى لثمانين، إلى ما أجمعُ أربعةً، قد ذهَب، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا معشرَ الأنصارِ، ألا تسمعون [إلى (٤) ما] (٥) يقولُ سيدُكم؟
".
قالوا يا رسولَ اللهِ، لا تلُمَه.
وذكَروا من غيرتِه؛ فما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجَع فيها أحدٌ منا.
فقال رسولُ الله ﷺ: "فإن الله يأبى إلا ذاك".
فقال: صدَق اللهُ ورسولُه.
قال: فلم يلبَثوا أن جاء ابن عمٍّ له فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين.
فقال: لا واللهِ، لا يَجْعلُ اللَّهُ في ظهرى ثمانين أبدًا، لقد نظرتُ حتى أيقَنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى استشفَيتُ.
قال: [فأنزَل اللهُ] (٦) القرآنَ باللعانِ، فقيل له: احلِفْ.
فحلَف.
قال (٧): "قفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجِبةٌ".
فقال: لا يُدخلُه الله النارَ بهذا أبدًا، كما درَأ عنه جلدَ ثمانين، لقد نظرتُ حتى أيقنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى استشفيتُ، فحلَف.
ثم قيل لها (١): احلفى.
فحلَفتْ، [ثم قال] (٢): "قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ".
فقيل (٣) لها: إنها مُوجِبةً.
فتلكَّأتْ ساعةً، ثم قالت: لا أُخزِى قومِى.
فحلَفت.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذى قيل فيه ما قيل".
قال: فجاءت به غلامًا كأنه جملٌ أورقُ، فكان بعدُ أميرًا بمصرَ، لا يُعرفُ نسبُه (٤)، أو (٥) لا يُدرَى من أبوه (٦).
حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا عبادٌ، قال: سمِعتُ عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
قال سعدُ بنُ عبادةَ: لهكذا أُنزلت يا رسولَ الله؟
لو أتيتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهِيجَه ولا أُحرِّكَه حتى آتِىَ بأربعةِ شهداءَ، فوالله ما كنتُ لآتِىَ بأربعةِ شهداءَ حتى يفرُغَ من حاجته.
فقال رسول اللهِ ﷺ: "يا معشرَ الأنصارِ، أما (٧) تسمَعُون إلى ما يقولُ سيدُكم؟
".
قالوا: لا تلُمْه فإنه رجلٌ غيورٌ، ما تزوَّج فينا قطُّ إلا عذراءَ، ولا طلَّق امرأةً له، فاجترَأ رجلٌ (٨) منا أن يتزوّجَها.
قال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، بأبي وأمِّى، واللهِ إنى لأعرفُ أنها من الله، وأنها حقٌّ، ولكنْ عجِبت لو وجدتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهيجَه و [لا أحرِّكَه، حتى أتىَ بأربعةِ شهداءَ، واللهِ لا آتِى بأربعةِ شهداءَ، حتى يفرُغَ من حاجته.
فواللهِ] (١) ما لبِثُوا إلا يسيرًا حتى جاء هلالُ بنُ أميةَ من حديقةٍ له، فرأى بعينيه (٢) وسمِع بأذنيه، فأمسَك حتى أصبحَ، فلما أصبَح غدا على رسولِ اللهِ ﷺ وهو جالسٌ مع أصحابه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى جئتُ أهلى عِشاءً فوجدتُ رجلًا مع أهلى، رأيت بعينيَّ، وسمعت بأذنيَّ.
فكرِةَ رسولُ اللهِ ﷺ ما أتاه به وثَقُل عليه جدًّا حتى عُرف ذلك في وجهِه، فقال هلالٌ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنى لأرى الكراهةَ (٣) في وجهِك مما أتيتُك به، واللهُ يعلمُ أني صادقٌ، وما قلت إلا حقًّا، وإني (٤) لأرجُو أن يجعلَ اللهُ فرجًا.
قال: واجتمعت الأنصارُ، فقالوا: ابتُلينا بما قال سعدٌ، أيُجلدُ هلالُ بنُ أميةَ، وتبطُلُ شهادتُه في المسلمين؟
فهمَّ رسولُ اللهِ ﷺ، بضربِه، فإنه لكذلك يريدُ أن يأمُرَ بضربِه، ورسولُ الله ﷺ جالسٌ مع أصحابهِ، إذ نزل عليه الوحى، فأمسَك أصحابُه عن كلامِه حينَ (٥) عرَفوا أن الوحىَ قد نزَل، حتى فرَغ، فأنزل اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أبشِرْ يا هِلالُ، فإن الله قد جعلَ فَرَجًا".
فقال: قد كنتُ أرجُو ذلك من اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أرسِلوا إليها".
فجاءت، فلما اجتمعا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ قيل لها، فكذَبت.
فقال رسولُ اللهِ: "إن الله يعلَمُ أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟
".
فقال هلالٌ: [يا رسولَ اللهِ] (١)، بأبي وأمِّي، لقد صدَقتُ، وما قلتُ إلا حقًّا.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لاعِنُوا بينهما".
قيل لهلالٍ، يا هلالُ، اشهدْ.
فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين.
فقيل له [عندَ الخامسةِ] (١): يا هلالُ، اتقِ الله، فإن عذابَ اللهِ أشدُّ من عذابِ الناسِ، وإنها الموجبةُ التي توجِبُ عليك العذابَ.
فقال هلالٌ: والله لا يعذِّبُنى اللهُ (٢) عليها، كما لم يَجلدْني عليها رسولُ اللهِ ﷺ.
فشهِد الخامسةَ: أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين.
ثم قيل لها: اشهدى.
فشهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين.
فقيل لها عندَ الخامسةِ: اتقى الله، فإن عذابَ اللهِ أَشدُّ من عذابِ الناسِ، وإن هذه الموجبةُ التي تُوجبُ عليك العذابَ.
فتلكَّأت ساعةً، ثم قالت: واللهِ لا أفضَحُ قومى.
فشهِدت الخامسةَ: أن غَضَبَ اللَّهِ عليها إن كان من الصادقين.
ففرَّق بينَهما رسولُ اللهِ ﷺ، وقضَى أن الولدَ لها، ولا يُدعَى لأبٍ، ولا يُرمَى ولدُها (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قذَف هلالُ بنُ أميَّةَ امرأتَه، قيل له: واللهِ لَيجلِدَنَّك رسولُ اللهِ ﷺ ثمانين جلدةً.
قال: الله أعدلُ ذلك، أن يضربَنى ضربةً وقد علِم أنى قد رأيتُ حتى استيقنتُ، وسمِعتُ حتى استثبَتُّ، لا واللهِ لا يضربُنى أبدًا.
فنزَلت آيةُ الملاعنةِ، فدعا بهما رسولُ اللهِ ﷺ حينَ نزَلت الآية، فقال: "الله يعلم أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟
".
فقال هلالٌ: واللهِ إنى لصادقٌ.
فقال له: "أحلِفْ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إني لصادقٌ".
يقولُ ذلك أربع مراتٍ، فإن كنتُ كاذبًا فعليَّ لعنةُ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قِفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ".
فحلَف، ثم قالت أربعًا: واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقًا فعليها غضبُ اللهِ.
وقال رسولُ الله ﷺ: "قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ".
فتردَّدت وهمَّت بالاعترافِ، ثم قالت: لا أفضحُ قومى (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا عبدةُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا ليلةَ الجمعةِ في المسجدِ، فدخل رجلٌ فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه (٢)؟
وإن تكلَّم جلدتموه؟
فذُكر ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ آيةَ (٣) اللعانِ.
ثم جاء الرجلُ بعدُ، فقذَف امرأتَه، فلاعَن رسولُ اللهِ ﷺ ما بينَهما، فقال: "عسى أن تجئَ به أسودَ جَعدًا".
فجاءت به أسودَ جَعدًا (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أيُفرَّقُ (١) بينَ المتلاعنَين؟
فقال: نعم، سبحانَ اللهِ!
إن أولَ من سأل عن ذلك فلانٌ؛ أتى النبيَّ ﷺ فسأله، فقال: أرأيتَ لو أن (٢) أحدَنا رأى صاحبتَه على فاحشةٍ، كيف يصنعُ؟
فلم يُجبه في ذلك شيئًا.
قال: فأتاه بعدَ ذلك فقال: إن الذي سألتُ عنه قد ابتُليتُ به.
فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ في سورةِ "النورِ"، فدعا الرجلَ فوعَظه وذكَّره، وأخبَره أن عذابَ [الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ] (٣).
قال: والذي بعَثك بالحقِّ، لقد رأيتُ وما كذبتُ عليها.
قال: ودعا المرأةَ فوعَظها، وأخبَرها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ.
فقالت: والذي بعَثك بالحقِّ [إنه لكاذبٌ، وما رأى شيئًا] (٤).
قال فبدأ الرجلُ، فشهد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، والخامسةَ أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين.
ثم إن المرأةَ شهِدت أربع شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين، وفرَّق (٥) بينَهما (٦).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: لما أُنزِل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
قال عاصمُ ابن عديٍّ: إن أنا رأيتُ فتكلَّمتُ جُلِدتُ ثمانين، وإن أنا سكَتُّ سكَتُّ على الغيظِ؟
قال: فكأنَّ ذلك شقَّ على رسولِ اللهِ ﷺ.
قال: فأنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾.
قال: فما لبِثُوا إلا جمعةً حتى كان بينَ رجلٍ من قومِه وبيَن امرأتِه، فلاعَن رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية.
والخامسةُ: أن يُقالَ له: إن عليك لعنةَ اللهِ إن كنتَ من الكاذبين.
وإن أقرت المرأةُ بقولِه رُجمت، وإن أنكَرت شهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ: إنه لمن الكاذبين.
والخامسةَ أن يُقالَ لها: غضَبُ اللهِ عليكِ إن كان (٢) من الصادقين.
فيُدرَأُ عنها (٣) العذابُ، ويُفرَّقُ بينَهما، فلا يجتمعان أبدًا، ويُلحقُ الولدُ بأمِّه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
قال: هلالُ بنُ أميَّةَ، والذي رُميَتْ به شريكُ بن سحماءَ (١)، والذي اسْتَفْتَى [عاصمُ بنُ عديٍّ] (٢).
قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني الزهريُّ عن الملاعنةِ والسنةِ فيها، عن حديثِ سهلِ بن سعدٍ، أن رجلًا من الأنصارِ جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أرأيتَ (٣) رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتلُه فتقتلونه، أم كيف يفعلُ؟
فأنزَل اللهُ في شأنِه ما ذكَر من أمرِ المتلاعنَين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: " وقد قضَى اللهُ فيك وفى امرأتِك".
فتلاعَنا وأنا شاهدٌ، ثم فارَقها عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فكانت السُّنةُ بعدَها أن يُفرَّقَ بينَ المتلاعنَين.
وكانت حاملةً، فأنكَره، فكان ابنُها يُدعَى إلى أمَّه، ثم جرَت السُّنةُ أن ابنَها يرتُها، وترِثُ ما فرَض اللهُ لها (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
قال: إذا شهِد الرجلُ خمسَ شهاداتٍ، فقد برئَ كلُّ واحدٍ من الآخرِ، وعِدَّتُها إن كانت حاملًا أن تضعَ حملَها، ولا يُجلَدُ واحدٌ منهما، وإن لم تحلفْ (٥) أُقيم عليها (٦) الحدُّ والرجمُ (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.
يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفعُ عنها الحدَّ.
واختلَف أهلُ العلمِ في العذابِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ أنه يدرؤُه عنها شهاداتُها (١) الأربعُ؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك، من أن (٢) الحدَّ (٣) جَلدُ مائةٍ إن كانت بكرًا، أو (٤) الرجمُ إن كانت ثيِّبًا قد أُحصِنت.
وقال آخرون: بل ذلك الحبسُ.
وقالوا: الذي يجبُ عليها إن هي لم تشهدِ الشهاداتِ الأربعَ بعدَ شهاداتِ الزوجِ الأربعِ والْتِعانِه، الحبسُ دونَ الحدِّ.
وإنما قلنا: الواجبُ عليها إذا هي امتنَعت من الالْتِعانِ بعد الْتِعانِ الزوجِ، الحدُّ الذي وصَفنا، قياسًا على إجماعِ الجميعِ على أن الحدَّ إذا زال عن الزوجِ بالشهاداتِ (٥) الأربعِ، على تصديقِه فيما رماها به - أن الحدَّ عليها واجبٌ.
فجعل اللَّهُ أيمانَه الأربعِ، والْتعانَه في الخامسةِ، مَخْرجًا له من الحدِّ الذي يجبُ لها برميِه إياها، كما جعَل الشهداءَ الأربعةَ مَخْرجًا له منه في ذلك، وزائلًا به عنه الحدُّ، فكذلك الواجبُ أن يكونَ بزوالِ الحدِّ عنه [بذلك، واجبًا عليها (١) حدُّها، كما كان بزوالِه عنه] (٢) بالشهودِ واجبًا عليها، لا فرقَ بينَ ذلك، وقد استقصينا العللَ في ذلك في بابِ اللعانِ من (٣) كتابِنا المسمَّى "لطيفُ القولِ في شرائعِ الإسلامِ"، فأغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وقولُه: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾.
يقولُ: ويدفعُ عنها العذابَ أن تحلِفَ باللَّهِ أربع أيمانٍ أن زوجَها الذي رماها بما رماها به من الفاحشةِ (٤) ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنى.
وقولُه: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ﴾ الآية.
يقولُ: والشهادةَ الخامسةُ: أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان زوجُها فيما رماها (٥) به من الزنى ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
ورُفِع قولُه: (الخامسة) في كلتا الآيتين، بـ "أن" التي تليها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه بكم، وأنَّه عَوّادٌ على خلقِه بلُطْفِه وطَوْلِه، حكيمٌ في تدبيرِه إياهم، وسياستِه لهم، لَعاجلَكم بالعقوبةِ على معاصِيكم، وفضَح أهلَ الذنوبِ منكم بذنوبِهم (١)، ولكنَّه ستَر عليكم ذنوبَكم، وترَك فضيحتَكم بها عاجلًا؛ رحمةً منه بكم، وتفضلًا عليكم، فاشكُروا نِعَمَه، وانتهُوا عن التقدُّمِ عمَّا نهاكم عنه من معاصِيه.
وترَك الجوابَ في ذلك اكتفاءً بمعرفةِ السامعِ المرادَ منه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جاءوا بالكذبِ والبُهتانِ ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾.
يقولُ: جماعةٌ منكم أيُّها الناسُ، ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: لا تظنُّوا ما جاءوا به من الإفكِ شرًّا لكم عندَ اللَّهِ وعندَ الناسِ، بل ذلك خيرٌ لكم عندَه (٢) وعندَ المؤمنين؛ وذلك أن اللَّهَ يجعلُ ذلك كَفَّارةً للمرميِّ (٣) به، ويُظهرُ براءتَه مما رُمِي به، وبجعلُ له منه مخرجًا.
وقيل: إن الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾.
جماعةٌ منهم حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ.
كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بن مروانَ: كتَبتَ إليَّ تسألُني في الذين جاءوا بالإفكِ، وهم كما قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ (١) الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾.
وأنه لم يُسَمَّ منهم (٢) إلا حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، وهو يقالُ في آخرينَ لا علمَ لى بهم، غيرَ أنهم عصبةٌ كما قال اللَّهُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، مجاهدٍ قولَه: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: هم أصحابُ عائشةَ (٤).
قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن عباسٍ قولُه: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ، عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: الذين قالوا لعائشةَ الإفكَ والبهتانَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: الشرُّ لكم بالإفكِ الذي قالوا، الذي تكلَّموا به كان شرًّا لهم، وكان فيهم مَن لم يقُلْه، إنما سمِعه، فعاتَبهم اللَّهُ، فقال أوّلَ شيءٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقولُه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾.
يقولُ: لكلِّ امرئ من الذين جاءوا بالإفكِ جزاءُ ما اجترَم من الإثمِ - بمجيئِه بما جاء به من الإفكِ (١) - عندَ (٢) اللَّهِ.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: والذي تحمَّل معظم ذلك الإثمِ والإفكِ منهم هو الذي بدَأ بالخوضِ فيه.
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: الذي بدَأ بذلك (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾.
قال: أصحابُ عائشةَ (١)، عبدُ اللَّهُ بنُ أبيِّ ابن سَلُولَ، ومِسْطَحٌ، وحَسّانُ (٢).
قال أبو جعفرٍ: له من اللَّهِ عذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿كِبْرَهُ﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسرِ الكافِ، سوى حُميدٍ الأعرجِ، فإنه كان يقرؤُه: (كُبْرَهُ) (٣).
بمعنى: والذي تحمَّل أكبَرَه.
وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ القراءةُ التي عليها عوامُّ القرأةِ، وهي كسرُ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأن "الكِبرَ" بالكسرِ، مصدرُ الكبيرِ من الأمورِ، وأن "الكُبْرَ" بضمِّ الكافِ، إنما هو من الولاءِ والنسبِ، من قولِهم: هو كُبْرُ (٤) قومِه.
والكِبرُ في هذا الموضعِ هو ما وصَفنا من معظمِ الإثمِ والإفكِ.
فإذ كان ذلك كذلك، فالكسرُ في كافِه هو الكلامُ الفصيحُ، دونَ ضمِّها، وإن كان لضمِّها وجةٌ مفهومٌ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: هو حسانُ بنُ ثابتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن قَزَعَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن عائشةَ قالت: ما سمِعتُ بشيءٍ أحسنَ من شعرِ حسانَ، وما تمثَّلتُ به إلا رجَوتُ له الجنةَ، قولُه لأبي سفيانَ (١): هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فأجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ فإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِى … لعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ أتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ … فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُما الفِدَاءُ لِسانِى صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ … وبَحْرِى لا تُكَدِّرُهُ الدَّلاءُ فقيل: يا أمَّ المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟
قالت: لا، إنما اللَّغوُ ما قيلَ عندَ النساءِ.
قيل: أليسَ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟
قالت: أليسَ قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟
أليسَ قد ذهَب بصرُه وكُنِّع بالسيفِ (٢)؟
قال: ثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ، فدخَل حسانُ بنُ ثابتٍ، فأَمَرَت فأُلقِيَ له وسادةٌ، فلما خرَج قلتُ لعائشةَ: ما تصنَعين بهذا وقد قال اللَّهُ ما قال؟
فقالت: قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقد ذهَب بصرُه، ولعل اللَّهَ يجعلُ ذلك العذابَ العظيمَ ذهابَ بصرِه (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ أَبي عَديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى الضحى، عن مسروقٍ، قال: دخَل حسانُ بنُ ثابتٍ على عائشةَ، فشبَّب بأبياتٍ له، فقال (٢): * وَتُصْبِحُ غَرْثَى (٣) مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ* فقالت عائشةُ: أما إنك لستَ كذلك!
فقلتُ: تدَعِين هذا الرجلَ يدخُلُ عليكِ وقد أنزَل اللَّهُ فيه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ الآية؟
فقالت: وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمَى؟
وقالت: إنه كان يدفَعُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عثمانَ الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عرفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جحشٍ، قال: تفاخَرَت عائشةُ وزينبُ.
قال: فقالت زينبُ: أنا التي نزَل تزويجِي (٥).
قال: وقالت عائشةُ: أنا التي نزَل عُذري في كتابِه حينَ حمَلنى ابن المعَطَّلِ على الراحلةِ.
فقالت لها زينبُ: يا عائشةُ، ما قلتِ حينَ ركِبتيها؟
قالت: قلتُ: حسبى اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ.
قالت: قلتِ كلمةَ المؤمنين (١).
وقال آخرون: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان الذين تكلَّموا فيه: المنافقَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلولَ، وكان يستوشِيه ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطَحًا، وحسانَ بنَ ثابتٍ (٢).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَّاصٍ وغيرِه أيضًا، قالوا: قالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كبره الذي يجمعُهم في بيتِه، عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ، قالت: كان الذي تولى كبرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ (١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ في الذين (٢) جاءوا بالإفكِ: يزعُمون أنه كان كِبْرَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، أحدُ بني عوفِ بن الخزرجِ، وأُخبِرت أنه كان يحدّثُ به عنهم فيُقرُّه ويسمعُه ويستوشِيه.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أما الذي تولَّى كبرَه منهم، فعبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ الخبيثُ، هو الذي ابتدَأ هذا الكلامَ، وقال: امرأةُ نبيِّكم باتَت مع رجلٍ حتى أصبَحَت، ثم جاء يقودُ بها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولُ، وهو (٣) بدَأه (٤).
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الذي تولَّى كِبْرَه من عصبةِ الإفكِ، كان عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ.
وذلك أنه لا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ، أن الذي بدَأ بذكرِ الإفكِ، وكان يجمعُ أهلَه ويحدِّثُهم، عبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وفعلُه ذلك على ما وصَفتُ، كان تولِّيَه كِبْرَ ذلك الأمرِ.
وكان سببَ مجيءِ أهلِ الإفكِ، ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمدِ بن مسلمِ بن [عبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ] (١) بن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقّاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ بن مسعودٍ، عن حديثِ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبرَّأها اللَّهُ، وكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لحديثِها من بعضٍ، وأثبَتَ اقتصاصًا (٢)، وقد وعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني [عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يصدِّقُ بعضًا] (٣)؛ زعَموا أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها.
قالت عائشةُ: فأقرَع بينَنا في غزاةٍ غزاها، فخرَج فيها سهمِى، فخرَجتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلك بعدَ ما أُنْزِل الحجابُ، وأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجى، وأَنزِلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللَّهِ ﷺ من غزوِه، وقفَل إلى المدينةِ، آذَن ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حينَ آذَنُوا بالرحيلِ، فمشَيتُ حتى جاوَزتُ الجيشَ، فلما قضَيتُ شأنى أقبَلتُ إلى الرحلِ، فلمَستُ صدري، فإذا عقدٌ لى من جَزْعِ ظَفَارِ (١) قد انقطَع، فرجَعتُ فالتَمستُ عِقدى، فحبَسنى ابتغاؤُه، وأقبَل الرهطُ الذين كانوا [يُردَّلون لي، فاحتمَلوا] (٢) هَوْدَجِى، فَرَحْلوه (٣) على بعيرى الذي كنتُ أركبُ، وهم يحسَبون أنى فيه، وكان النساءُ إذ ذاك خِفافًا، لم يُهَبَّلْن (٤) ولم يَغْشَهن اللحمُ، إنما يأكُلْن العُلْقةَ (٥) من الطعامِ، فلم يستنكرش القومُ ثِقلَ الهودجِ حينَ رَحْلُوه ورفَعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعَثوا الجملَ وساروا، فوجَدتُ عِقْدى بعدَ ما استمرَّ الجيشُ، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فيمَّمتُ (٦) منزِلى الذي كنتُ فيه، وظنَنتُ أن القومَ سيفقِدوني ويرجِعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلى، غلَبَتْنى عينى (٧)، فنِمتُ حتى أصبَحتُ، وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثم الذَّكْوانيُّ (٨)، من وراءِ الجيشِ، فادَّلج (٩) فأصبَح عندَ منزِلى، فرأَى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفنى حينَ رآني، وكان يراني قبلَ أن يُضربَ الحجابُ عَلَيَّ (١٠)، فاستيقَظتُ باسترجاعِه حينَ عرَفنى، فخَمَّرتُ وجهى بجلبابي - واللَّهِ ما تكلَّمتُ بكلمةٍ، ولا سمِعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه - حتى أناخ راحلتَه، فوطِئَ على يديْها، فركِبتُها، فانطلَق يقودُ بي الراحلةَ، حتى أتَيْنا الجيشَ بعدَ ما نزَلوا مُوغِرِين (١) في نحرِ الظهيرةِ (٢)، فهلَك مَن هلَك في شأنى، وكان الذي تولَّى كِبْرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ، فقدِمتُ المدينةَ، فاشتكَيتُ شهرًا، والناسُ يُفِيضون في قولِ أهلِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَرِييُنى في وجَعِى أنى لا أعرفُ من رسولِ اللَّهُ ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكِي، إنما يدخلُ فيسلِّمُ ثم يقولُ: "كيف تِيكُمْ (٣)؟
".
فذلك يَريبُني، ولا أشعرُ بالشرِّ، حتى خرَجتُ بعدَ ما نَقِهتُ، فخرَجتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصعِ (٤)، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نخرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قَبلَ أن نتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا، وأمْرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التنزُّهِ (٥)، وكنا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتخذَها عندَ بيوتِنا، فانطلَقتُ أنا وأمُّ مسطحٍ، وهى ابنةُ أبى رُهْمِ بن عبدِ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وأمُّها ابنةُ صخرِ بن عامرٍ، خالةُ أبى بكرٍ الصدَّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ بن عبادِ بن المطَّلبِ، فَأَقبَلتُ أنا وابنةُ أَبِي رُهُمٍ قِبَلَ بيتى، حينَ فرَغنا من شأنِنا، فعثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها (٦)، فقالت: تَعِس مِسْطحٌ!
فقلتُ لها: [بِئْسَ ما قلتِ] (٧)!
أتسُبِّين رجلًا قد شهِد بدرًا؟
فقالت: أيْ هَنْتَاهُ (١)، أوَ لم تسمَعى ما قال؟
قلتُ: وما قال؟
فأخبرَتني بقولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا على مرضى، فلما رجَعتُ إلى منزِلي، ودخَل عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثم قال: "كَيْفَ تِيكُمْ؟
".
قلتُ: أتأْذنُ لي أن آتِيَ أبويَّ؟
قال: "نعم".
قالت: وأنا حينَئذٍ أريدُ أن أتيقَّنَ (٢) الخبرَ من قِبَلِهما.
فأذِن لي رسولُ اللَّهِ ﷺ، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمِّي: أي أمَّتاه، ماذا يتحدثُ الناسُ؟
فقالت: أي بُنيةُ، هوِّني عليك، فواللَّهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةً عندَ رجلٍ (٣) يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا أكثَرْن عليها.
قالت: قلت: سبحانَ اللَّهِ، أَوَ قد تحدَّث الناسُ بهذا، وبلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ؟
قالت: نعم.
قالت: فبكَيتُ تلك الليلةَ حتى أصبَحتُ، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم أصبَحتُ، فدخَل عليَّ أبو بكرٍ وأنا أبكِي، فقال لأمى: ما يُبكيها؟
قالت: لم تكنْ علِمَت ما قيل لها.
فأكبَّ يبكِي، فبكَى ساعةً، ثم قال: اسكُتى يا بنيةُ.
فبكَيتُ يومى ذلك، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم بكَيتُ ليلِىَ المقبِلَ لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ، [ثم بكَيتُ ليلتيَ المقبلةَ، لا يرقأُ دمعى (٤)، ولا أكتحلُ بنومٍ] (٥)، حتى ظنَّ أبواىَ أن البكاءَ سيفلِقُ كبِدى.
فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلْبَث الوحيُ (٦)، يستشِيرُهما في فراقِ أهلِه.
قالت: فأما أُسامةُ فأشار على رسولِ اللَّهِ ﷺ بالذي يعلمُ من براءةِ أهله، وبالذى في نفسِه من الودِّ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، وهم أهلُك، ولا نعلمُ إلا خيرًا.
وأما علىٌّ، فقال: لم يُضيَّقِ اللَّهُ عليكَ، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُقُك.
يعنى: بَرِيرةَ، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرة، فقال: "هَلْ رأَيْتِ (١) مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟
".
قالت له بَرِيرةُ: والذي بعثَك بالحقِّ، إنْ رأَيتُ عليها أمرًا قطُّ أغْمِصُه عليها (٢)، أكثرَ من أنها حديثةُ السنِّ، تنامُ عن عجينِ أهلِها، فتأتى الداجنُ (٣) فتأكلُه.
فقام النبيُّ ﷺ خطيبًا، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "مَنْ يَعْذِرُني (٤) ممنْ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟
".
يعنى عبدَ اللَّهِ ابنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على المنبرِ أيضًا: "يا معشر المسلمينَ، مَنْ يَعْذِرُني مِن رجلٍ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟
فواللَّهِ ما علِمْتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقَدْ ذكَروا رجلًا ما علِمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلي إلا معِى".
فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُك منه يا رسولَ اللَّهِ، إن كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عنقَه، وإن كان من إخوانِنا الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلنا أمرَك.
فقام سعدُ بنُ عُبادةَ فقال، وهو سيدُ الخزرجِ، وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلَتْه الحَميَةُ، فقال: أَيْ سعدَ بنَ معاذٍ، لعمرُ (٥) اللَّهِ لا تقتلُه، ولا تقدرُ على قتلِه.
فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابن عمِّ (٦) سعدِ بن معاذٍ، فقال لسعدِ بن عُبادةَ: كَذَبْتَ، لعمرُ اللَّهِ لنقتلَنَّه (١)، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين.
فثار الحيَّانِ؛ الأوسُ والخزرجُ، حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ ﷺ قائمٌ على المنبرِ، فلم يزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهم حتى سكَنُوا.
ثم أتانى رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا في بيتِ أبويَّ، فبينا [هما جالِسان] (٢) عندى وأنا أبكِى، استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ، فأذِنتُ لها، فجَلَست تبكِي معى.
قالت: فبينا (٣) نحن على ذلك، دخَل علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثم جلَس (٤)، ولم يجلِسْ عندى منذُ قيل ما قيل، وقد لبِث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ.
قالت: فتشهَّد رسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ جلَس، ثم قال: "أما بعدُ، يا عائشةُ، فإنه بلَغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً فسيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ، فاستغفِرِي اللَّهُ، وتُوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترَف بذنبٍ (٥) ثم تاب، تاب اللَّهُ عليه".
فلما قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ مقالتَه، قَلَص دمعى (٦)، حتى ما أحسُّ منه دمعةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عنى رسولَ اللَّهِ ﷺ فيما قال.
قال: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ.
[فقلت لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ ﷺ.
قالت: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ] (٧).
فقلت - وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ، لا أقرَأُ كثيرًا من - القرآنِ -: إنى واللَّهِ قد عرَفْتُ أن قد سمِعتم بهذا حتى استقرَّ في أنفسِكم، حتى كِدْتم أن تُصدِّقوا به، فإن قلت لكم: إنى بريئةٌ.
واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لا تُصدِّقوني بذلك، ولئن اعترفْتُ لكم بأمرٍ، واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لتصدِّقُنِّي، وإني واللَّهِ ما أجدُ لى ولكم مَثَلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
ثم تولَّيتُ فاضطجَعتُ على فراشي، وأنا واللهِ أعلمُ أني (١) بريئةٌ، وأن اللَّهَ مُبرِّئى (٢) ببراءتي، ولكنى واللَّهِ ما كنت أظنُّ أن يَنزِلَ في شأني وحْيٌ (٣) يُتلَى، ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي من أن يتكلَّمَ اللَّهُ فيَّ بأمرٍ يُتلَى، ولكنى كنت أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ في المنامِ رؤيا يبرِّئُني اللَّهُ بها.
قالت: واللَّهِ ما رام رسولُ اللَّهِ ﷺ مجلسَه، ولا خرَج من البيتِ أحدٌ، حتى أنزَل اللَّهُ على نبيِّه، فأخَذه ما كان يأخذُه من البُرَحاءِ (٤) عندَ الوحى، حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ (٥) من العرقِ في اليومِ الشاتِى، من ثقلِ القولِ الذي أُنزِلَ عليه.
قالت: فلما سُرِّيَ عن رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو يضحكُ، كان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: "أبشِرى يا عائشةُ، [أمَّا اللَّهُ فقد برَّأكِ] (٦) ".
فقالت لى أمِّي: قومِى إليه.
فقلت: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللَّهَ، هو الذي أنزَل براءتي.
فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشرَ آياتٍ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآياتِ [برَّأني بها] (٧).
قالت: فقال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مِسْطَحٍ لقرابتِه وفقرِه: واللَّهِ لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ.
قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى (٨): ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
فقال أبو بكرٍ: إنى لأُحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لى.
فرجَع إلى مِسْطَحِ النفقةَ التي كان يُنفق عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبدًا.
قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يسألُ زينبَ بِنتَ جحشٍ عن أمرى، وما رأَتْ وما سمِعتُ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أحْمِي سمعي وبصَرى (١)، واللَّهِ ما رأيتُ إلا خيرًا.
قالت عائشةُ: وهى التي كانت تُسامِينى (٢)، فعصَمها اللَّهُ بالوَرَعِ، وطفِقَتْ أختُها حَمْنةُ تحاربُ، فهلَكت في مَن هلَك.
قال الزهريُّ ابن شهابٍ: فهذا الذي انتهَى إلينا من أمرِ هؤلاء الرهطِ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن (٤) علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، و (٥) عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن عروةَ بن الزبيرِ، و (٦) عن عبيدِ اللَّهِ بن عبدَ اللَّهُ بن عتبةَ بن مسعودٍ.
قال الزهريُّ: كلٌّ قد حدَّثَنى بعضَ هذا الحديثِ، وبعضُ القومِ كان أوعَى له من بعضٍ.
قال: وقد جمَعتُ لك كلَّ الذي قد حدَّثني (٧).
وحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قال: وثنى عبدُ اللَّهِ [بنُ أبى بكرِ] (١) بن محمدُ بنُ عمرٍو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت - وكلٌّ قد اجتمَع في حديثِه قصةُ [خبر عائشةَ] (٢) عن نفسِها، حينَ قال أهلُ الإفكِ فيها ما قالوا، فكلُّه قد دخَل في حديثِها عن هؤلاء جميعًا، ويحدِّثُ بعضُهم ما لم يحدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ كان عنها ثقةً، وكلٌّ قد حدَّث عنها ما سمِع - قالت عائشةُ ﵂: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهن خرَج سهمُها خرَج بها معه، فلما كانت غزوةُ (٣) بني المصطَلِقِ أقرَع بينَ نسائِه كما كان يصنعُ، فخرَج سهمى عليهنَ، فخرَج بى رسولُ اللَّهِ ﷺ معه.
قالت: وكان النساءُ إذ ذاك إنما يأكُلْن العُلَقَ، لم يُهيِّجْهن (٤) اللحمُ فيثْقُلْن.
قالت: وكنت (٥) إذا رُحِّل بعيرى جلَسْتُ في هَوْدَجى، ثم يأتى القومُ الذين يُرحِّلون بي بعيرى ويحمِلونى، فيأخُذون بأسفلِ الهودجِ، فيرفَعونه فيضَعونه على ظهرِ البعيرِ، فينطلِقون به.
قالت: فلما فرَغ رسولُ اللَّهِ ﷺ من سفرِه ذلك وجَّه قافلًا (٦)، حتى اللَّهِ إذا كان قريبًا [من المدينةِ] (٧) نزَل منزلًا (٨)، فبات بعضَ الليلِ، ثم أذَّن في الناسِ بالرحيلِ، فلما ارتحَل الناسُ، خرَجتُ لبعضِ حاجتي، وفي عنقى عِقدٌ لي من جَزْعِ ظَفارِ، فلما فرغتُ انسلَّ من عنقى ولا أدرِى، فلما رجَعتُ إلى الرحْلِ، ذهَبتُ ألتمِسُه في عنقي فلم أجِدْه، وقد أخَذ الناسُ في الرحيلِ.
قالت: فرجَعتُ [عَوْدِى إلى بَدْئِى] (١) إلى المكانِ الذي ذهَبتُ إليه، فالتمَستُه حتى وجَدتُه، وجاء القومُ خلافى الذين كانوا يرحِّلون بي البعيرَ.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن ثورٍ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂، قالت: لمَّا (٣) ذُكِر من شأنى الذي ذُكِر، وما علِمتُ به، قام رسولُ اللَّهِ ﷺ فِيَّ خطيبًا وما علِمتُ، فتشهَّد، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "أما بعدُ، أشيروا عليَّ في أناسٍ أبَنُوا أهلي (٤)، وايمُ (٥) اللَّهِ ما علِمتُ على أهلي سوءًا قطُّ، وأبَنُوهم بمن واللَّهِ ما علِمتُ عليه سوءًا قطُّ، ولا دخَل بيتى قطُّ إلا وأنا حاضرٌ، ولا غبتُ (٦) في سفرٍ إلا غاب معى".
فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، نرَى (٧) أن نضرِبَ أعناقَهم.
فقام رجلٌ من الخزرجِ، وكانت أمُّ حسانَ بن ثابتٍ من رهطِ ذلك الرجلِ، فقال: كذَبتَ، أما واللَّهِ لو كانوا من الأوسِ ما أحبَبتَ أن تُضرَبَ أعناقُهم.
حتى كاد أن يكونَ بينَ الأوسِ والخزرجِ في المسجدِ شرٌّ، وما علِمتُ به، فلما كان مساءُ ذلك اليومِ خرَجتُ لبعضِ حاجتى ومعى أمُّ مِسْطَحِ، فعثَرَتْ، فقالت: تَعِس مِسْطحٌ!
فقلت: علامَ تَسُبِّين ابنَكِ؟
فسكَتَت، ثم عثَرتِ الثانيةَ، فقالت: تَعِس مِسْطَحٌ!
فقلت: علام تَسُبِّين ابنَكِ؟
فسكَتتِ الثانيةَ، ثم عثَرتِ الثالثةَ، فقالت: تَعِس مِسْطَحٌ!
فانتَهرْتُها، وقلت: علامَ تسبِّين ابنَكِ؟
فقالت: واللَّهِ ما أسبُّه إلا فيكِ.
قلت: في أيِّ شأنى.
فبقَرَت لىَ (١) الحديثَ (٢)، فقلت: وقد كان هذا؟
قالت: نعم واللَّهِ.
قالت: فرجَعتُ إلى بيتى، فكأن الذي خرَجتُ له [لم أخرُجْ له] (٣)، لا أجِدُ منه قليلًا ولا كثيرًا، ووُعِكْتُ، فقلتُ: يا رسولُ اللَّهِ، أرسِلْني إلى بيتِ أبى.
فأرسَل معىَ الغلامَ، فدخَلتُ الدارَ، فإذا أنا بأمِّى أمِّ رومانَ، قالت: ما جاء بك يا بُنيةُ؟
فأخبَرتُها، فقالت: خَفِّضى عليك الشأنَ، فإنه واللَّهِ ما كانت امرأةٌ جميلةٌ عندَ رجلٍ يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا حسَدْنها وقُلْن فيها.
قلتُ: وقد علِم بها أبي؟
قالت: نعم.
قلتُ: ورسولُ اللَّهِ؟
قالت: نعم.
فاستعبَرْتُ وبكَيتُ، فسمِع أبو بكرٍ صوتِي وهو فوقَ البيتِ يقرَأُ، فنزَل فقال لأمِّي: ما شأنُها؟
قالت: بلَغها الذي ذُكِر من أمرِها.
ففاضت عيناه، فقال: أقسَمتُ عليكِ إلا رجَعتِ إلى بيتِك.
فرجَعتُ.
وأصبَح أبواىَ عندى، فلم يزالا عندى حتى دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ عليَّ بعدَ العصرِ، وقد اكتنفَنى (٤) أبواىَ؛ عن يميني، وعن شمالي، فتشهَّد رسولُ اللَّهِ ﷺ فحمِد اللَّهَ، وأثَنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "أما بعدُ، يا عائشةُ، إن كنتِ قارَفتِ (٥) سوءًا أو ألمَمْتِ، فتوبى إلى اللَّهِ فإن اللَّهَ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه".
وقد جاءت امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهي جالسةٌ، فقلتُ: ألا تستحِى من هذه المرأةِ أن تقولَ شيئًا؟
فقلتُ لأبي: أجِبْه.
فقال: أقولُ ماذا؟
قلت لأمِّي: أجيبيه.
فقالت: أقولُ ماذا؟
فلما لم يجيباه تشهَّدتُ، فحمِدتُ اللَّهَ، وأثنَيتُ عليه بما هو أهلُه، ثم قلت: أما بعدُ، فواللَّهِ لئن قلتُ لكم: إنى لم أفعَلْ، واللَّهُ يعلمُ إنى لصادقةٌ، ما ذا بنافِعي عندَكم، لقد تُكُلِّم به، وأُشْرِبَتْهُ قلوبُكم، وإن قلت: إني قد فعَلتُ، واللَّهُ يعلمُ أني لم أفعَلْ، لتَقولُنَّ (١): قد باءت به على نفسِها.
وايمُ اللَّهِ مَا أجدُ لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسفَ وما أحفظُ اسمَه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
وأنزَل اللَّهُ على رسولِه ﷺ ساعتَئذٍ، فرُفِع عنه وإني لأتبينُ (٢) السرورَ ما في وجهِه، وهو يمسحُ جبينَه، يقولُ: "أبشِري يا عائشةُ، فقد أنزَل اللَّهُ براءَتَكِ".
فكنتُ أشدَّ ما كنتُ غضبًا، فقال لى أبوايَ: قُومى إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ.
فقلتُ: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُه، ولا أحمَدُ كما، لقد سمِعتموه فما أنكَرتُموه، ولا غيَّرتموه، ولكنى أحمَدُ اللَّهُ الذي أنزَل براءتى.
ولقد جاء رسولُ اللَّهِ ﷺ بيتي، فسأل الجاريةَ عنى، فقالت: واللَّهِ ما أعلمُ عليها عيبًا، إلا أنها كانت تنامُ حتى تدخلَ الشاةُ فتأكلَ حصيرَها أو عجينَها.
فانتهرَها بعضُ أصحابِه، وقال: اصْدُقى رسولَ اللَّهِ ﷺ قال عروةُ: فعتَب على مَن قاله.
فقالت: لا، واللَّهِ ما أعلمُ عليها إلا ما يعلمُ الصائغُ على تبرِ (٣) الذهبِ الأحمرِ.
وبلَغ ذلك الرجلَ الذي قيل له، فقال: سبحانَ اللَّهِ!
ما كشَفتُ كَنَفَ (٤) أنثى قطُّ.
فقُتِل شهيدًا في سبيلِ اللَّهِ.
قالت عائشةُ: فأما زينبُ بنتُ جحشٍ، فعصَمها اللَّهُ بدينِها، فلم تقلْ إلا خيرًا، وأما أختُها حَمنَةُ، فهلَكت في من هلَك، وكان الذين تكلَّموا فيه؛ المنافقُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ، وكان يستوشِيه (١) ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطحٌ، وحسانُ بنُ ثابتٍ، فحلَف أبو بكرٍ ألّا ينفَعَ مِسْطَحًا بنافعةٍ، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾.
يعنى أبا بكرٍ، ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾.
يعنى مِسْطحًا، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
قال أبو بكرٍ: بلى واللَّهِ، إنا لنحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لنا.
وعاد أبو بكرٍ لمِسْطَحٍ بما كان يصنعُ به (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدَ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَاصٍ وغيرِه أيضًا، قال: خرَجت عائشةُ تريدُ المَذْهبَ (٣)، ومعها أمُّ مسطحٍ، وكان مِسطحُ بن أثاثةَ ممن قال ما قال، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ خطَب الناسَ قبلَ ذلك، فقال: "كيف ترَون في من يؤذيني في أهلي، ويجمعُ في بيتِه مَن يؤذيني؟
".
فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أي رسولَ اللَّهِ، إن كان منا معشرَ الأوسِ جلَدْنا (٤) رأسَه، وإن كان من إخوانِنا من الخزرجِ، أمَرتَنا فأطَعناك.
فقال سعدُ بنُ عبادةَ: يا بنَ معاذٍ، واللَّهِ ما بك نُصْرةُ رسولِ اللَّهِ، ولكنها قد كانت ضغائنُ (٥) في الجاهليةِ وإحَنٌ (٦) لم تُحْلَلْ لنا من صدورِكم بعدُ.
فقال ابن معاذٍ: اللَّهُ أعلمُ ما أردتُ.
فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، فقال: يابنَ عبادةَ، إن سعدًا ليس شديدًا، ولكنك تجادلُ عن المنافقين، وتدفعُ عنهم.
وكثُر اللَّغَطُ في الحيَّينِ في المسجدَ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ جالسٌ على المنبرِ، فما زال النبيُّ ﷺ يومئُ بيدِه إلى الناسِ هاهنا وهاهنا، حتى هدَأ الصوتُ.
وقالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كِبْرَه، والذي يجمعُهم في بيتِه، عبدُ اللَّهِ بنُ أبُيٍّ ابن سلولُ.
قالت: فخرَجتُ إلى المَذْهَبِ ومعى أمُّ مسطحٍ، فعثَرَتْ، فقالتْ: تَعِس مِسْطَحٌ!
فقلت: غفَر اللَّهُ لك، أتقولين هذا لابنِك، ولصاحبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ؟
قالت ذلك مرَتين، وما شعَرتُ بالذي كان، فحُدِّثتُ فذهَب عنى الذي خرَجتُ له، حتى ما أجدُ منه شيئًا، ورجَعت على أبويَّ؛ أبى بكرٍ، وأمِّ رُومانَ، فقلت: أما اتَّقَيْتُما اللَّهَ فيَّ، وما وصَلتما رَحِمى؟!
قال النبيُّ ﷺ الذي قال، وتحدَّث الناسُ بالذي تحدَّثوا به، ولم تُعْلِمانِيه، فأُخْبِرَ رسولَ اللَّهِ ﷺ؟!
قالت: أي بنيةُ، واللَّهِ لقلَّما أحبَّ رجلٌ امرأتَه قطُّ، إلا قالوا لها نحوَ الذي قالوا لك، أي بنيةُ، ارجِعى إلى بيتِك حتى نأتيَكِ فيه.
فرجَعتُ وارتكَبني صالِبٌ من حُمَّى (١)، فجاء أبواىَ فدخلا، وجاء رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى جلَس على سريري وِجاهى، فقالا: أي بنيةُ، إن كنتِ صنَعتِ ما قال الناسُ، فاستغفِرى اللَّهَ، وإن لم تكوني صنَعتِه، فأخبِرى رسولَ اللَّهِ ﷺ بعذرِك (٢).
قلت: ما أجدُ لى ولكم إلا كأبي يوسفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قالت: فالتمَست اسمَ يعقوبَ، فما قدَرتُ - أو: فلم أقدِرْ عليه - فشخَص بصرُ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى السقفِ، وكان إذا نُزِّل عليه وَجَد قالَ اللَّهِ (٣): ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].
فوالذى هو أكرَمَه، وأنزَل عليه الكتابَ، ما زال يضحكُ - حتى إنى لأنظرُ إلى نواجذِه - سرورًا، ثم مسَح عن وجهِه، فقال: "يا عائشةُ، أبشرى، فقد أنزَل اللَّهُ عُذْرَكِ".
قلت: بحمدِ اللَّهِ لا بحمدِك، ولا بحمدِ أصحابِك.
قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾.
حتى بلَغ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾.
وكان أبو بكرٍ حلَف ألّا [ينفعَ مسطحًا] (١) بنافعةٍ، وكان بينَهما رَحِمٌ، فلما أُنزِلت: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾.
حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
قال أبو بكرٍ: بلى، أي ربِّ.
فعاد إلى الذي كان المسطحٍ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣].
حتى بلَغ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].
قالت عائشةُ: واللَّهِ ما كنتُ أرجو أن ينزِلَ فيَّ كتابٌ، ولا أطمعُ به، ولكن [قد كنت] (٢) أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ رؤيا تُذْهِبُ ما في نفسِه.
قالت: وسأَل الجاريةَ الحبَشيةَ، فقالت: واللَّهِ لعائشةُ أطيبُ من طَيِّبِ الذهبِ، وما بها عيبٌ (٣)، إلا أنها ترقُدُ حتى تدخُلَ الشاةُ فتأكلَ عجينَها، ولئن كانت صنَعت ما قال الناسُ، ليخبرَنَّك اللَّهُ.
[قالت (٤): فعجِب الناسُ] (٥) من فهمِها (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾.
وهذا عِتابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذِكْرُه أهلَ الإيمانِ به فيما وقَع في أنفسِهم من إرجافِ مَن أرجَف في أمرِ عائشةَ، بما أرجَف به، يقولُ لهم تعالَى ذِكرُه: هلَّا أيُّها الناسُ إذْ سمِعتُم ما قال أهلُ الإفكِ في عائشةَ، ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ منكم ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾.
[يقولُ: ظنَنْتُم بمن قُرِف بذلك منكم خيرًا] (١)، ولم يظنُّوا به أنَّه أتَى الفاحشةَ.
وقال: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
لأنَّ أهلَ الإسلامِ كلَّهم بمنزلةِ نَفْسِ واحدةٍ؛ لأنَّهم أهلُ ملةٍ واحدةٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن أبيه، عن بعضِ رجالِ بني النجارِ، أن أبا أيوبَ خالدَ بنَ زيدٍ، قالت له امرأتُه أمُّ أيوبَ: أما تسمعُ ما يقولُ الناسُ في عائشةَ؟
قال: بلى، وذلك الكذبُ، أكنتِ فاعلةً ذلك يا أمَّ أيوبَ؟
قالت: لا واللَّهِ ما كنتُ لأفعلَه.
قال: فعائشةُ واللَّهِ خيرٌ منك.
قال: فلمَّا نزَل القرآنُ، ذكَر اللَّهُ مَن قال مِن (٢) الفاحشةِ ما قال مِن أهلِ الإفكِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: وذلك حَسَّانُ وأصحابُه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية.
أي: كما قال أبو أيُّوبَ وصاحِبتُه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: ما هذا الخيرُ؟
ظَنُّ المؤمنِ أن المؤمنَ لم يكُنْ ليفجُرَ بأُمِّه، وأنَّ الأمَّ لم تكُنْ لتفجُرَ بابنِها، إن أرادَ أن يفجُرَ فجَر بغيرِ أمِّه، يقولُ: إنما كانت عائشةُ أُمًّا، والمؤمنون بنونَ لها، محرَّمًا عليها.
وقرأ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية (١) [النور: ١٣].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: [قال لهم: ﴿خَيْرًا﴾] (٢).
لله ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
يقولُ: بعضُكم بعضًا، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
قال (٣): بعضُكم على بعضٍ (٤).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: يَعْنى بذلك المؤمنين والمؤمناتِ (٥).
وقولُه: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.
يقولُ: وقال المؤمنون والمؤمناتُ: هذا الذي سمِعنا مِن القولِ الذي رُمِىَ به عائشةُ مِن الفاحشةِ، كذبٌ وإثمٌ، يَبِينُ لمن عقَل وفكَّر فيه، أنه كذبٌ وإثمٌ وبهتانٌ.
كما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.
قالوا: إنَّ هذا لا ينبغى أن يَتكلَّمَ به إلا مَن أقام عليه أربعةً مِن الشهودِ وأُقِيم عليه حدُّ الزِّنى (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هلَّا جاء هؤلاء العصبةُ الذين جاءُوا بالإفكِ، ورمَوا عائشةَ بالبهتانِ - بأربعةِ شهداءَ يَشْهدون على مقالتِهم فيها، وما رَمَوها به، فإذ لم يأتُوا بالشهداءِ الأربعةِ على حقيقةِ ما رمَوْها به، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
يقولُ: فالعُصْبةُ الذين رمَوْها بذلك عندَ اللَّهِ هم الكاذبون فيما جاءُوا به مِن الإفكِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الخائضون في أمرِ عائشةَ، المُشِيعُون فيها الكذبَ والإثمَ، بتركِه تعجيلَ عقوبتِكم، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ إياكم؛ لعفوِه عنكم ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ بقبولِ توبتِكم مما كان منكم في ذلك - لَمَسَّكم فيما خضتُم فيه مِن أمرِها عاجلًا في الدنيا ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾: هذا للذين تكلَّموا (١) فنشروا ذلك الكلامَ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: لمسَّكم فيما أَفَضْتُم فيه من شأنِ عائشةَ عذابٌ عظيمٌ حينَ تلقَّونه بألسنتِكم.
و ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ قولِه: ﴿لَمَسَّكُمْ﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: تتلقَّوْن الإفكَ الذي جاءت به العصبةُ مِن أهلِ الإفكِ، فتقبلونه، ويرويه (٣) بعضُكم عن بعضٍ.
يقالُ: تلقَّيتُ هذا الكلامَ عن فلانٍ.
بمعنى: أخذتُه مِنه.
وقيل ذلك لأنَّ الرجلَ منهم فيما ذُكِر يَلْقى آخرَ، فيقولُ: أَوَمَا بلغَك كذا وكذا عن عائشةَ؟
ليُشِيعَ عليها بذلك الفاحشةَ.
وذُكِر أنها في قراءةِ أُبيٍّ: (إذ تتلقَّوْنَهُ) بتاءين (٤)، وعليها قَرَأَةُ الأمصارِ، غيرَ أنهم قرءُوها: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بتاءٍ واحدةٍ؛ لأنها كذلك في مصاحفِهم.
وقد رُوِى عن عائشةَ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها كانت تقرأُ هذه الآيةَ: (إذْ تَلِقُونَهُ).
تقولُ: إنما هو وَلْقُ الكذبِ.
وتقولُ: إنما كانوا يَلِقُون الكذبَ.
قال ابن أبي مُليكةَ: وهى أعلمُ بما فيها أُنزِلَت.
قال نافعٌ: وسمِعتُ بعضَ العربِ يقولُ: اللَّيْقُ الكذبُ.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ عمرَ بن عبدِ اللَّهِ ابن [عبدِ الرحمنِ بن مَعْمَرٍ] (١) الجُمَحِيُّ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ أنها كانت تقرأُ: (إذْ تَلِقُونَهُ بِألْسِنَتِكُمْ).
وهى أعلمُ بذلك وفيها أُنزِلَت.
قال ابن أبي مُلَيْكَةَ: هو مِن وَلْقِ الكذبِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وكأنَّ عائشةَ وَجَّهت معنى ذلك بقراءتِها: (تلقُونَهُ) بكسرِ اللامِ وتخفيفِ القافِ إلى: إذ تستمرّون في كذبِكم عليها، وإفكِكم بألسنتِكم.
كما يقالُ: وَلَق فلانٌ في السيرِ فهو يَلقُ.
إذا استمرَّ فيه، وكما قال الراجزُ (٣): إِنَّ الجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَّلِقٌ (٤) جاءتْ بِهِ عَنْسٌ (٥) مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ مُجَوَّعُ البَطْنِ كِلابِيُّ الخُلُقْ وقد رُوِى عن العربِ في الوَلْقِ، الكذبُ، الأَلْقُ والإلقُ؛ بفتحِ الألفِ وكسرِها، ويقالُ في "فعلتُ" منه: أَلَقْتُ، فأنا أَلِقُ.
وقال بعضُهم (١): مَن لِي بالمُزَرَّرِ اليَلامِقِ (٢) … صاحِبِ إدْهانٍ (٣) وأَلْقِ آلِقِ والقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ على ما ذكرتُ مِن قراءةِ قرآةِ (٤) الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأَةِ عليها.
وبنحوِ الذي قُلنا مِن التأويلِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعضٍ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾.
قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعضٍ (٦).
وقولُه: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: وتقولون بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ مِن الأمرِ الذي تَرْوُونه، فتقولون: سمِعْنا أن عائشةَ فعَلتْ كذا وكذا.
ولا تعلمون حقيقةَ ذلك ولا صحتَه، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: وتظنون أن قولَكم ذلك، وروايتَكموه بألسنتِكم، وتلقِّيَكموه بعضُكم من (١) بعضٍ، هيِّنٌ سهلٌ، لا إثمَ عليكم فيه ولا حرجَ، ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
يقولُ: وتلقِّيكم ذلك كذلك، وقولُكموه بأفواهِكم - عندَ اللَّهِ عظيمٌ مِن الأمرِ؛ لأنَّكم كنتُم تؤذون به رسولَ اللهِ ﷺ وحليلَتَه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: فلولا أيها الخائضون في الإفكِ الذي جاءت به عصبةٌ منكم، إذ سمِعْتموه ممن جاءَ به، قلتُم: ما يحلُّ لنا أن نتكلَّمَ بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوَّهَ به، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ، وبراءةً إليك مما جاء به هؤلاء، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: يقولُ: هذا القولُ بهتانٌ عظيمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾.
يقولُ تعالَى ذِكرُه: يذكِّرُكم اللهُ وينهاكُم بآيِ كتابِه لئلا تعودُوا لمثلِ فعلِكم الذي فعلتُموه في أمرِ عائشةَ مِن تلقِّيكم الإفكَ الذي رُوِى عليها بألسنتِكم، وقولِكم بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ فيها، أبدًا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: إن كنتُم تتعظون بعظاتِ اللَّهِ، وتأتمرون لأمرِه، وتنتهون عما نهاكُم عنه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قال: والذي هو خيرٌ لنا مِن هذا، أنَّ الله أعلَمنا هذا لكيلا نقَعَ فيه، لولا أنَّ الله أعلمناه لهلكْنا كما هلَك القومُ، أنْ يقولَ الرجلُ: أنا سمِعتُه ولم أخترِقْه ولم أتقوَّلْه، فكان خيرًا حينَ أعلمناه اللهُ؛ لئلا ندخُلَ في مثلِه أبدًا، وهو عندَ اللهِ عظيمٌ (١).
وقولُه: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: ويفصِّلُ اللهُ لكم حُجَجَه عليكم، بأمرِه ونهيِه؛ ليتبيَّنَ المطيعُ له منكم مِن العاصى، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بكم وبأفعالِكم، لا يخفَى عليه شيءٌ، وهو مجازٍ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه خلقَه، وتكليفِه ما كلَّفَهم مِن الأعمالِ، وفرضِه ما فرَض عليهم مِن الأفعالِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الذين يُحبُّون أن يَذيعَ الزِّنى في الذين صدَّقوا باللَّهِ ورسولِه، ويظهرَ ذلك فيهم، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقولُ: لهم عذابٌ وجيعٌ في الدنيا، بالحدِّ الذي جعَله اللهُ حدًّا لرامى المحصَناتِ والمحصَنين إذا رمَوْهم بذلك، وفى الآخرةِ عذابُ جهنمَ إن مات مصرًّا على ذلك غيرَ تائبٍ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾.
قال: تَظْهَرَ في شأنِ عائشةَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال: الخبيثُ عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سَلولَ، المنافقُ، الذي أشاعَ على عائشةَ ما أشاعَ عليها من الفريةِ - لهم عذابٌ أليمٌ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾.
قال: تَظْهِرَ؛ يُتَحَدَّثُ عن شأنِ عائشةَ (٢).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: واللهُ يعلمُ كذبَ الذين جاءُوا بالإفكِ من صدقِهم، وأنتم أيُّها الناسُ لا تعلمون ذلك؛ لأنكم لا تعلمون الغيبَ، وإنما يعلمُ ذلك علَّامُ الغيوبِ.
يقولُ: فلا تَرْوُوا ما لا علمَ لكم به مِن الإفكِ على أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا سيما على حلائلِ رسولِ اللهِ ﷺ، فتهلِكوا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ولولا أن الله تفضَّل عليكم أيُّها الناسُ ورحِمكم، وأن الله ذو رأفةٍ و (١) رحمةٍ بخلقِه، لهلَكتُم فيما أفَضْتُم فيه، وعاجَلَتْكم مِن اللهِ العقوبةُ.
وترَك ذكرَ الجوابِ لمعرفةِ السامعِ بالمرادِ مِن الكلامِ بعدَه عليه (٢)، وهو قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الآيَةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه للمؤمنين به: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، لا تَسلُكوا سبيلَ الشيطانِ وطُرُقَه، ولا تقتفوا آثارَه، بإشاعتِكم الفاحشةَ في الذين آمنوا، وإذاعتِكموها فيهم، وروايتِكم ذلك عمَّن جاءَ به، فإنَّ الشيطانَ يأمرُ بالفحشاءِ، وهى الزنى، والمنكرِ مِن القولِ.
وقد بيَّنا معنى "الخطواتِ" و "الفحشاء" فيما مضَى بشواهدِ ذلك بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه لكم، ما تَطَهَّر منكم مِن أحدٍ أبدًا مِن دَنَسِ ذنوبِه وشركِه، ولكنَّ اللَّهَ يطهِّرُ مَن يَشَاءُ مِن خلقِه.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
يقولُ: ما اهتدَى منكم من الخلائقِ لشيءٍ مِن الخيرِ، ينفعُ به نفسَه، ولم يَتَّقِ شيئًا من الشرِّ يدفعُه عن نفسِه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
قال: ما زكَى: ما أسلَم.
قال: وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن "زكَى" أو "تَزَكَّى" فهو الإسلامُ (٢).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
يقولُ: واللهُ سميعٌ لما تقولون بأفواهِكم، وتَلَقَّونه بألسنتِكم، وغيرِ ذلك من كلامِكم، عليمٌ بذلك كلِّه، وبغيرِه مِن أمورِكم، محيطٌ به، مُحْصِيه عليكم، ليُجازيَكم بكلِّ ذلك.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ولا يحلفْ باللَّهِ ذَوُو الفضلِ منكم، يعنى ذَوى التفضلِ، ﴿وَالسَّعَةِ﴾.
يقولُ: وذَوُو (٣) الجِدَةِ.
واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ بمعنى "يفتعل"، من الأَلِيَّةِ، وهى القسمُ باللهِ، سوى أبي جعفرٍ وزيدِ بن أسلمَ، فإنه ذُكر عنهما أنهما قرأ ذلك: (ولَا يتَألَّ) بمعنى: "يتفعل"، من الأَلِيَّةِ (١).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندِى قراءةُ مَن قرَأَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ بمعنى: "يفتعل"، من الأَلِيَّةِ، وذلك أن ذلك في خطِّ المصحفِ كذلك، والقراءةُ الأُخرى مخالفةٌ خطَّ المصحفِ (٢)، فاتباعُ المصحفِ مع قراءةِ جماعةِ القرأةِ وصحّةِ المقروءِ به، أولَى مِن خلافِ ذلك كلِّه (٣).
وإنما عُنِى بذلك أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵁ في حَلِفِه باللهِ لا يُنفقُ على مِسْطَحٍ، فقال جلَّ ثناؤُه: ولا يَحلفْ مَن كان ذا فضلٍ مِن مالٍ وسَعَةٍ منكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، أَلَّا يُعْطُوا ذَوِى قَرابتِهم، فيصِلوا به أرحامَهم، كمِسْطحٍ، وهو ابن خالةِ أبي بكرٍ، ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾.
يقولُ: وذوى خَلَّةِ الحاجةِ.
وكان مِسْطحٌ منهم؛ لأنه كان فقيرًا محتاجًا، ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهم الذين هاجروا مِنْ (٤) ديارِهم وأموالِهم في جهادِ أعداءِ اللهِ، وكان مِسْطَحٌ منهم؛ لأنَّه كان ممن هاجَر مِن مكةَ إلى المدينةِ، وشهِد مع رسولِ اللهِ ﷺ بدرًا، ﴿وَلْيَعْفُوا﴾.
يقولُ: وليعفُوا عمَّا كان منهم إليهم من جُرمٍ، وذلك كجرمِ مِسْطحٍ إلى أبي بكرٍ، في إشاعتِه على ابنتِه عائشةَ ما أشاع مِن الإفكِ، ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾.
يقولُ: وليتركوا عقوبتَهم (٥) على ذلك، بحرمانِهم ما كانوا يؤتونَهم قبلَ ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثلِ الذي كانوا لهم عليه مِن الإفضالِ عليهم، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
يقولُ: ألا تحبُّون أن يستُرَ اللهُ عليكم ذنوبَكم، بإفضالِكم عليهم، فيتركَ عقوبتَكم عليها، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أطاعَه، واتبعَ أمرَه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعذِّبَهم مع اتباعِهم أمرَه، وطاعتِهم إياه على ما كان لهم مِن زَلَّةٍ وهفوةٍ، قد استغفروه منها، وتابوا إليه مِن فعلِها.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن علْقمةَ بن وَقَّاصِ الليثيِّ، و (١) عن سعيدِ بن المسيَّبِ، و (١) عن عروةَ بن الزبيرِ، وعن عبيدِ اللهِ بن عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ.
قال: وثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ.
قال: وثنى ابن إسحاقَ، قال: ثني عبدُ اللهِ بنُ أبى بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: لما نزَل هذا - يَعْنى قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ في عائشةَ وفى من قال لها ما قال - قال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مسطحٍ لقرابتِه وحاجتِه: واللهِ لا أنفقُ على مسطحٍ شيئًا أبدًا، ولا أنفعُه بنفعٍ أبدًا.
بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال، وأدخَل عليها (٢) ما أدخَل.
قالت: فأنزَل اللهُ في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية.
قالت: فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لأحبُّ أن يغفرَ اللهُ لى.
فرجَع إلى مِسْطَحٍ نفقتَه التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبدًا (١) حدَّثني عليٌّ، قال ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾.
يقول: لا تُقْسِموا أَلَّا تنفعوا أحدًا (٢).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخرِ الآية.
قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قد رَمَوْا عائشةَ بالقبيحِ، وأفشَوا ذلك، وتكلَّمُوا به، فأقسَم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيهم أبو بكرٍ، ألا يتصدَّقَ على رجلٍ تكلَّم (٣) بشيءٍ مِن هذا ولا يصلَه، فقال: لا يُقْسِمُ أولو الفضلِ منكم والسعةِ أن يصِلوا أرحامَهم، وأن يُعطوهم مِن أموالِهم كالذي كانوا يفعلون قبلَ ذلك، فأمَر اللهُ أن يُغْفَرَ لهم، وأن يُعْفَى عنهم (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾: لما أنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه عذرَ عائشةَ مِن السماءِ، قال أبو بكرٍ وآخرون مِن المسلمين: والله لا نَصِلُ رجلًا منهم تَكَلَّم (٥) بشيءٍ من شأنِ عائشةَ، ولا ننفعُه.
فأنزل اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾.
يقولُ: ولا يحلفْ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾.
قال: كان مِسْطَحٌ ذا قرابةٍ، ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾.
قال: كان مسكينًا، ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: كان بَدْرِيًّا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾.
قال: أبو بكرٍ حلَف ألَّا ينفَعَ يتيمًا في حَجْرِه، كان أشاعَ ذلك، فلما نزلتْ هذه الآيةُ قال: بلى أنا أحبُّ أن يغفرَ اللهُ لى، فلأكونَنَّ ليتيمى خيرَ ما كنتُ له قطُّ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ بالفاحشةِ ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾، يَعْنى العفيفاتِ، ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحشِ، ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ باللهِ ورسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ، ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
يقولُ: أُبْعِدوا من رحمةِ اللَّهِ في الدنيا والآخرةِ ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وذلك عذابُ جهنمَ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المحصناتِ اللاتى هذا حكمُهنَّ؛ فقال بعضُهم: إنما ذلك لعائشة خاصةً، وحكمٌ مِن اللهِ فيها وفى من رماها، دون سائرِ نساءِ أمةِ نبيِّنا ﷺ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبيرٍ: الزنى أشدُّ أم قذفُ المحصنَةِ؟
فقال: الزني.
فقلتُ: أليس يقولُ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية؟
قال سعيدٌ: إنما كان هذا لعائشةَ خاصةً (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ بن أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: رُمِيتُ بما رُمِيت به وأنا غافلةٌ، فبلَغني بعدَ ذلك.
قالت: فبينما رسولُ اللهِ ﷺ عندى جالسٌ، إذ أُوحِيَ إليه، [وكان إذا أُوحِى إليه] (٢) أخذه كهيئةِ السُّباتِ، وإنَّه أُوحِيَ إليه وهو جالسٌ عندِى، ثم استوَى جالسًا يمسحُ عن وجهِه، وقال: "يا عائشةُ، أَبشِرى".
قالت: فقلتُ: بحمدِ اللهِ لا بحمدِك.
فقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حتى بلَغ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ " (٣).
وقال آخرون: بل ذلك لأزواجِ رسولِ اللهِ ﷺ خاصَّة دون سائرِ النساءِ غيرِهنَّ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيْدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية: أزواجَ النبيِّ ﷺ خاصةً (١).
وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ عائشةَ، وعُنِىَ بها كلُّ مَن كان بالصفةِ التي وَصف اللهُ في (٢) هذه الآيةِ.
قالوا: فذلك حكمُ كلِّ مَن رمَى محصنةً لم تُقارِفْ سُوءًا.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، قال: سألتُ ميمونًا، قلتُ: الذي ذكَر اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥].
فجعَل في هذه توبةً، وقال في الأُخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟
قال ميمونٌ: أمَّا الأُولَى فعسَى أن تكونَ قد قارَفت، وأمَّا هذه، فهي التي لم تقارِفْ شيئًا مِن ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن [شيخٍ مِن بني أسدٍ] (٣)، عن ابن عباسٍ، قال: فسَّر سورةَ "النورِ"، فلما أتَى على هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية.
قال: هذا في شأنِ عائشةَ وأزواجِ النبيِّ ﷺ، وهى مبهمةٌ، وليستْ لهم توبةٌ، ثم قرَأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.
إلى قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية.
قال: فجعلَ لهؤلاءِ توبةً، ولم يجعلْ لمن قذَف أولئك توبةً.
قال: فهَمَّ بعضُ القومِ أن يقومَ إليه فيُقَبِّلَ رأسَه مِن حُسْنِ ما فسَّر سورةَ "النور" (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قال: هذا في عائشةَ، ومَن صنَع هذا اليومَ (٢) في المسلماتِ، فله ما قال اللهُ، ولكنَّ عائشةَ كانت إمامَ ذلك (٣).
وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في أزواجِ النبيِّ ﷺ، فكان ذلك كذلك حتى نزَلت الآيةُ التي في أوَّلِ السورةِ، فأوجَب الجَلْدَ وقَبِلَ التوبةَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
يعنى أزواجَ النبيِّ ﷺ، رَماهنَّ أهلُ النفاقِ، فأوجَب اللهُ لهم اللعنةَ والغضبَ، وباءُوا بسخطٍ مِن اللهِ.
فكان ذلك في أزواجِ النبيِّ ﷺ، ثم نزَل بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله (٤): ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فأنزل اللهُ الجلدَ والتوبةَ، فالتوبةُ تُقبلُ، والشهادة تُردُّ (٥).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ عائشةَ، والحكمُ بها عامٌّ في كلِّ من كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها فيها.
وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ كلَّ محصنةٍ غافلةٍ مؤمنةٍ، رَماها رامٍ بالفاحشةِ، مِن غيرِ أن يخصَّ بذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصفةِ التي ذكَر اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ، فملعونٌ في الدنيا والآخرةِ، وله عذابٌ عظيمٌ، إلا أن يتوبَ من ذنبِه ذلك قبلَ وفاتِه، فإنَّ الله دلَّ باستثنائِه بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ على أنَّ ذلك حكمُ رامى كلِّ محصنةٍ بأيِّ صفةٍ كانت المحصنةُ المؤمنةُ المرميَّةُ، وعلى أن قولَه: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ معناه: لهم ذلك إن هلَكوا ولم يَتوبوا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولهم عذابٌ عظيمٌ يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم.
فـ "اليومُ" الذي في قولِه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ من صلةِ قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وعنى بقولِه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ يومَ القيامةِ، وذلك حين يَجْحَدُ أحدُهم ما اكتسبَ في الدنيا مِن الذنوبِ، عندَ تقريرِ اللَّهِ إياه بها، فيختمُ اللَّهُ على أفواهِهم، وتشهدُ عليهم أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون.
فإن قال قائلٌ: وكيف تشهدُ عليهم ألسنتُهم حينَ يُخْتَمُ على أفواهِهم؟
قيل: عُنى بذلك أن ألسنةَ بعضِهم تشهدُ على بعضٍ، لا أنَّ ألسنتَهم تنطِقُ وقد خُتِم على الأفواهِ.
وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرٌو، عن (١) درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِّفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَد وخاصَمَ، فيقالُ له، هؤلاءِ جيرانُك يَشْهَدون عليك.
فيقولُ: كذَبوا.
فيقولُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُك.
فيقولُ كَذَبوا.
فيقولُ: أتَحْلِفون؟
فيَحْلِفون، ثُمَّ يُصْمِتُهمُ اللَّهُ، وتَشْهَدُ ألسِنَتُهم، ثُمَّ يُدْخِلُهم (٢) النَّارَ" (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون، و (٤) يُوَفِّيهم اللهُ حسابَهم وجزاءَهم الحقَّ على أعمالِهم.
والدِّينُ في هذا الموضعِ الحسابُ والجزاءُ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾.
يقولُ: حسابَهم (٥).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الْحَقَّ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ نصبًا على النعتِ لـ "الدين"، كأَنَّه قال: يُوَفِّيهم اللهُ ثوابَ أعمالِهم حقًّا.
ثم أدخل في "الحقَّ" الألفَ واللامَ، فنصَبه بما نصَب به "الدِّينَ".
وذُكِر عن مجاهدٍ أنه قرأَ ذلك: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ برفعِ "الحقِّ" على أنه مِن نعتِ "اللَّهِ" (١).
حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنه قرأَها: (الحقُّ) بالرفعِ (٢).
قال جريرٌ: وقرأتُها في مصحفِ أُبيِّ بن كعبٍ: (يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ [الحَقُّ دِينَهُمْ] (٣).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو نصبُ "الحقِّ" على إتباعِه إعرابَ "الدين"؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.
وقولُه: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
يقولُ: ويعلمون يومئذٍ أن اللَّهَ هو الحقُّ الذي يُبَيِّنُ لهم حقائقَ ما كان يَعِدُهم في الدنيا مِن العذابِ، ويزولُ حينئذٍ الشكُّ فيه عن أهلِ النفاقِ الذين كانوا فيما كان يَعِدُهم في الدنيا يمترون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾.
يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القول.
وقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾.
يقولُ: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيِّبون مِن الرجالِ للطيِّباتِ من القولِ، نزَلت في الذين قالوا في زوجةِ النبيِّ ﷺ ما قالوا مِن البهتانِ.
ويقالُ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: الأعمالُ الخبيثةُ تكونُ للخبيثين، والطيِّباتُ (١) مِن الأعمالِ تكونُ للطيِّبين (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: [﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾.
قال] (٣): الخبيثاتُ [من الكلامِ] (٤) للخبيثين من الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيِّبين مِن الناسِ.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١) في قولِ اللهِ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
قال: الطيباتُ: القولُ الطيبُ يخرجُ مِن الكافرِ والمؤمنِ، فهو للمؤمنِ، والخبيثاتُ: القولُ الخبيثُ يخرجُ مِن المؤمنِ والكافرِ، فهو للكافرِ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.
وذلك أنه برَّأ كليهما مما ليسَ له (٢) بحقٍّ مِن الكلامِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
يقولُ: الخبيثاتُ والطيباتُ: القولُ السيءُ والحَسَنُ؛ للمؤمنين (٣) الحَسَنُ، وللكافرين (٤) السيئُ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.
وذلك بأنَّه ما قال الكافرون مِن كلمةٍ طيبةٍ فهى للمؤمنين (٥)، وما قال المؤمنون مِن كلمةٍ خبيثةٍ فهي للكافرين، كلٌّ برئٌ مما ليسَ بحقٍّ مِن الكلامِ (٦).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾.
قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن الكلامِ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية.
يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين من الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيبون مِن الرجالِ للطيباتِ مِن القولِ، فهذا في الكلامِ، وهم الذين قالوا لعائشةَ ما قالوا، هم الخبيثون.
والطيبون هم المبرَّءُون مما قال الخبيثون.
حدَّثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلمةُ، يعنى ابنَ نُبَيْطٍ الأشجعيَّ، عن الضحاكِ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾.
قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيبين مِن الناسِ (٣).
قال: ثنا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ وعثمانَ بن الأسودٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.
قال: ثنا سفيانُ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ (١).
قال: ثنى محمدُ بنُ أبى (٢) بكرِ بن مُقَدَّمٍ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الملكِ، يعنى ابنَ أبى سليمانَ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾.
قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناس (٣).
قال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ والعملِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ والعملِ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن عمروٍ، عن عطاءٍ، قال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
قال: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ، والخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثاتُ مِن النساءِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن النساءِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
قال: نزَلت في عائشةَ حينَ رماها المنافقُ بالبهتانِ والفِرْيْةِ، فبرَّأها اللهُ مِن ذلك.
وكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ هو خبيثٌ، وكان هو أَوْلَى بأن تكونَ له الخبيثةُ ويكونَ لها، وكان رسولُ اللهِ ﷺ طيبًا، وكان أَوْلَى أن تكونَ له الطيبةُ، وكانت عائشةُ الطيبةَ، وكانَ أَوْلَى أن يكونَ لها الطيبُ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.
قال: هاهنا بُرِّئتْ عائشةُ.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ في تأويلِ الآية قولُ مَن قال: عَنَى بالخبيثاتِ: الخبيثاتِ مِن القولِ، وذلك قبيحُه وسيئُه، للخبيثين مِن الرجالِ والنساءِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ هم بها أَوْلَى؛ لأنَّهم أهلُها، والطيباتُ مِن القولِ، وذلك حسنُه وجميلُه، للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القول؛ لأنَّهم أهلها وأحقُّ بها.
وإنما قُلْنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ ذلك إنما جاءَت بتوبيخِ اللَّهِ للقائلين في عائشةَ الإفكَ، والرامين المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ، وإخبارِهم ما خَصَّهم به على إفكِهم، فكان ختمُ الخبرِ عن أَوْلَى الفريقين بالإفكِ مِن الرامي والمرميِّ به، أشبهَ مِن الخبرِ عن غيرِهم.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾.
يقولُ: الطَّيبون مِن الناسِ مبرَّءون مِن خبيثاتِ القولِ، إن قالوها فإنَّ اللَّهَ يَصفحُ لهم عنها، ويَغْفِرُها لهم، وإن قِيلت فيهم ضرَّت قائلَها ولم تَضرَّهم، كما لو قال الطَّيِّبَ مِن القول الخبيثُ مِن الناسِ لم يَنْفَعُه الله به؛ لأنَّ الله لا يتقبَّلُه، ولو قِيلت له لضرَّتْه؛ لأنه يَلْحَقُه عارُها في الدنيا وذلُّها في الآخِرة.
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: فَمَن كان طيِّبًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ خبيثٍ، يقول: يغفِرُه اللهُ.
ومَن كان خبيثًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ صالحٍ، فإنه يَرُدُّه الله عليه، لا يَقبلُه منه (١).
وقد قِيل: عُنِى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: عائشةُ وصفوانُ بنُ المُعَطَّلِ الذي رُمِيت به.
فعلى هذا القولِ قيل: ﴿أُولَئِكَ﴾.
فجُمِع، والمرادُ ذانِك، كما قيل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١].
والمرادُ أخوَان.
وقولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾.
يقولُ: لهؤلاءِ الطيِّبين مِن الناسِ مغفرةٌ مِن اللهِ لذنوبِهم، والخبيثِ مِن القولِ إن كان منهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
يقولُ: ولهم أيضًا مع المغفرةِ عَطيةٌ مِن الله كريمةٌ، وذلك الجنةُ وما أُعِدَّ لهم فيها مِن الكرامةِ.
كما حدَّثنا أبو زرْعةَ، قال: ثنا العباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: مغفرةٌ لذنوبِهم، ورزقٌ كريمٌ في الجنةِ (١).
القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: يأيها الذين آمنوا لا تَدخُلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (لا تَدْخُلُوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا (٢) وتُسَلِّموا على أهلِها).
قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكتَّابِ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
وقال: إنما هي خطأٌ مِن الكتَّابِ (١): (حتى تستأذنوا وتُسلِّموا) (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ بمثلِه، غيرَ أنَّه قال: إنما هي: (حتى تَستَأذنوا).
ولكنها سقَطٌ مِن الكاتبِ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
قال: أخطأَ الكاتبُ.
وكان ابن عباسٍ يقرأُ: (حتى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا).
وكان يقرؤُها على قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أنه كان يقرؤُها: (حتى تَسْتأذنوا وتُسَلِّمُوا).
قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابن عباسٍ كان يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلَّمُوا).
وقال: إنها خَطَأٌ مِن الكاتب (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
قال: الاستِئْناسُ الاستئذانُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: في مصحفِ ابن مسعودٍ: (حتى تُسَلِّموا علَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا) (٢).
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا).
قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكُتَّابِ.
قال: ثنا هشيمٌ، قال مُغيرةُ: قال مجاهدٌ: جاء ابن عمرَ مِن حاجةٍ، وقد آذاه الرَّمْضاءُ (٣)، فأتَى فُسطاطَ امرأةٍ مِن قريشٍ، فقال: السلامُ عليكم، أدخلُ؟
فقالت: ادخُل بسلامٍ.
فأعاد، فأعادَت، وهو يراوحُ بين قدمَيه، قال: قولِى: ادخُلْ.
قالت: ادخُلْ.
فدخَل (٤).
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ، عن ابن سيرينَ، وأخبَرنا يونسُ بنُ عُبيدٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ الثقفيِّ، أن رجلًا استأذَن على النبيِّ ﷺ، فقال: أَلِجُ أو أَنَلِجُ؟
فقال النبيُّ ﷺ لأمَةٍ له يقالُ لها رَوْضَةُ: "قومِي إلى هذا فَكَلِّميه (٥)، فإِنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولى له يقولُ: السلامُ عليكم، أدْخُلُ؟
".
فسمِعها الرجلُ فقالها، فقال: "ادْخُلْ" (١).
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
قال: الاستئذانُ، ثم نُسِخ واسْتُثْنِىَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾.
قال: حتى تُسلِّموا على أهلِها وتَستَأذِنوا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
قال: حتى تَستأذنوا وتُسلِّموا (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أشعتُ بنُ سَوَّارٍ، عن كُرْدُوسٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: عليكم أن تَستأذِنوا على أمهاتِكم وأَخَوَاتِكم (٤).
قال أشعثُ، عن عديِّ بن ثابتٍ، أنَّ امرأةً مِن الأنصارِ قالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّى أكونُ في منزلِى على الحالِ التي لا أُحِبُّ أن يَرانى أحدٌ عليها؛ والدٌ ولا ولَدٌ، وإنه لا يَزالُ يَدخُلُ عليَّ رجُلٌ مِن أهلى وأنا على تلك الحالِ.
قال: فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ الآية (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تُؤنِسوا أهلَ البيتِ بالتَّنَحْنُحِ والتَّنَخُّمِ وما أشْبهَه؛ حتى يَعلَموا أنكم تُريدون الدُّخولَ عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
قال: حتى تَتَنَحْنَحوا وتتَنَخَّموا.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
قال: حتى تَحَسَّسوا (٣) وتُسلِّموا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
قال: تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّموا.
قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخبرُ عن ابن عباسٍ، قال: ثلاثُ آياتٍ قد جحَدهنَّ الناسُ؛ قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
قال: ويقولون: إِنَّ أكرَمَهم عندَ اللهِ أعظمُهم شأنًا (١).
قال: والإِذْنُ كلُّه قد جحَده الناسُ.
فقلتُ له: أَستَأْذِنُ على أَخَواتي أيتامٍ في حَجرى معى في بيتٍ واحدٍ؟
قال: نعم.
فردَدْتُ على مَن حضَرني، فأبَى.
قال: أتُحبُّ أن تَراها عُريانةً؟
قلتُ: لا.
قال: فاستأذِنْ.
فراجعتُه أيضًا.
قال: أتحبُّ أن تُطيعَ اللَّهَ؟
قلتُ: نعم.
قال: فاستأذِنْ.
فقال لى سعيدُ بنُ جبيرٍ: إنك لَتُرَدِّدُ عليه.
قلتُ: أردتُ أن يُرخِّصَ لى (٢).
قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرنى ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما مِن امرأةٍ أَكْرَهُ إليَّ أن أرَى، كأنه يقولُ: عِرْيَتَهَا (٣)، أو عُرْيَانةً، مِن ذاتِ مَحرمٍ.
قال: وكان يُشدِّدُ في ذلك (٤).
قال ابن جُرَيجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
فواجبٌ على الناسِ أجمعينَ إذا احتَلموا أن يَستأذِنوا على مَن كان مِن الناسِ.
قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الرجلِ أن يَستأذنَ على أمِّه ومَنْ وراءها مِن ذاتِ قرابتِه؟
قال: نعم.
قلتُ: [بأيٍّ وَجَبت] (٥)؟
قال: قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٤).
قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرنى ابن زيادٍ، أن صفوانَ مَولًى لبنى زُهْرَةَ، أخبَره عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: أستأذنُ على أمِّى؟
قال: "نعم".
قال: إنها ليس لها خادِمٌ غيرِى، أفأَستأذِنُ عليها كلما دخَلْتُ؟
قال: "أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟
".
قال الرجُلُ: لا.
قال: "فاستَأذِنْ عليها" (١).
قال ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، قال: سمِعتُ هُزَيْلَ بنَ شُرَحبيلَ الأَوْدِيَّ الأعمى، أنه سَمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: عليكم الإذْنَ على أمهاتِكم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيَستأذنُ الرجلُ على امرأتِه؟
قال: لا (٣).
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ (٤)، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن ابن أخى زينبَ - امرأةِ ابن مسعودٍ - عن زينبَ، قالت: كان عبدُ اللَّهِ إذا جاء مِن حاجةٍ فانتهَى إلى البابِ، تَنحْنَحَ وبزَق؛ كراهةَ أَن يَهْجُمَ منا على أمرٍ يكرهُه (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
قال: الاستِئْناسُ التَّنَحنحُ والتَّجَرُّسُ حتى يَعرِفوا أن قد جاءَهم أحدٌ.
قال: والتَّجَرُّسُ كلامُه وتَنحنُحُه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يقالَ: إِنَّ الاستئْناسَ الاستفعالُ مِن الأُنْسِ، وهو أن يَستأذنَ أهلَ البيتِ في الدخولِ عليهم، مُخبِرًا بذلك مَن فيه، وهل فيه أحدٌ، ولِيؤْذِنَهم أنه داخلٌ عليهم، فيَأْنسَ (١) إلى إذنِهم له في ذلك، ويأنَسوا إلى استئذانِه إياهم.
وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: اذهبْ فاستَأنِسْ، هل ترَى أحدًا في الدارِ؟
بمعنى: انظُرْ هل ترَى فيها أحدًا؟
فتأويلُ الكلامِ إذن، إذ (٢) كان ذلك معناه: يأيُّها الذين آمنوا لا تَدخُلُوا بُيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تُسلِّموا وتستأذِنوا، وذلك أن يقولَ أحدُكم: السلامُ عليكم، أدخلُ؟
وهو من المقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، إنما هو: حتى تُسلِّموا وتستأذِنُوا.
كما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابن عباسٍ.
وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: استِئْناسُكم وتَسليمُكم على أهلِ البيتِ الذي تُريدون دخولَه، فإنَّ دُخولَكموه خيرٌ لكم؛ لأنكم لا تَدرون أنكم إذا دخَلتُموه بغيرِ إذنٍ على ماذا تَهجُمون؛ على ما يسوءُكم أو يَسرُّكم، وأنتم إذا دخَلتم بإذنٍ، لم تَدخلوا على ما تَكرَهون وأدَّيتم بذلك أيضًا حَقَّ اللَّهِ عليكم في الاستئذانِ والسلامِ.
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: لتَتذَكَّروا بفعلِكم ذلك أمْرَ (٣) اللَّهِ عليكم، واللازمَ لكم من طاعتِه فتطيعوه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فإن لم تَجِدوا في البُيوتِ التي تَستأذنون فيها أحدًا يأذنُ لكم بالدُّخولِ إليها، فلا تَدخلُوها؛ لأنها ليست لكم، فلا يَحِلُّ لكم دُخولُها إلا بإذنِ أربابِها، فإن أذِن لكم أربابُها أن تَدخلُوها، فادخلُوها، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.
يقولُ: وإن قال لكم أهلُ البيوتِ التي تَسْتأذنون فيها: ارجِعوا فلا تَدْخُلُوها.
فارجِعوا عنها ولا تَدخُلوها، ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.
يقولُ: رُجوعُكم عنها إذا قيل لكم: ارجِعوا.
ولم يُؤْذَنْ لكم بالدخولِ فيها، أطهَرُ لكم عندَ اللَّهِ.
وقولُه: ﴿هُوَ﴾.
كنايةٌ مِن اسمِ الفعلِ، أعنى من قولِه: ﴿فَارْجِعُوا﴾.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بما تعمَلون؛ مِن رُجوعِكم بعدَ استئذانِكم في بيوتِ غيرِكم إذا قيل لكم: ارجِعوا.
وتركِ رجوعِكم عنها، وطاعتِكم اللَّهَ فيما أمَركم ونهاكم في ذلك وغيرِه مِن أمرِه ونهيِه - ذو علمٍ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ جميعَه عليكم، حتى يجازيَكم على جميعِ ذلك.
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾.
قال: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ، فلا تَدخُلوها إلا بإذنٍ، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا الحسينُ (١)، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ المُزَنيُّ، عن قَتادةَ، قال: قال رجلٌ مِن المهاجرين: لقد طلَبتُ عمرى كلَّه هذه الآيةَ فما أدركتُها؛ أن أستأذِنَ على بعضِ إخوانى، فيقولَ لى: ارجِعْ.
فأَرجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ؛ لقولِه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (٢).
وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾.
بمعنى: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ - قولٌ بعيدٌ مِن مفهومِ كلامِ العربِ؛ لأن العربَ لا تكادُ تقولُ: ليس بمكانِ كذا أحدٌ.
إلا وهى تَعنى: ليس بها أحدٌ مِن بنى آدَمَ.
وأما الأمتعةُ وسائرُ الأشياءِ غيرُ بنى آدمَ، ومن كان سبيلُه سبيلَهم، فلا تقولُ ذلك فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ليس عليكم أيها الناسُ إثمٌ وحرَجٌ أن تَدخلوا بيوتًا لا ساكنَ بها، بغيرِ استئْذانٍ.
ثم اختلَفوا في ذلك أيَّ البيوتِ عنَى؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الخاناتِ والبيوتَ المبنيةَ بالطرُقِ التي ليس بها (٣) سكانٌ معروفون، وإنما بُنِيت لمارَّةِ الطريقِ والسابلةِ (٤) ليأوُوا إليها ويُؤْوُوا إليها أمتِعتَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن سالمٍ المكِّيِّ عن محمدِ ابن الحنفيةِ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.
قال: هي الخاناتُ التي تكونُ في الطُّرْقِ (١).
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مُسلمٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ فَرُّوخَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.
قال: هي الخاناتُ تكونُ لأهلِ الأسفارِ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾.
قال: كانوا يَضعون في بيوتٍ في طرقِ (٣) المدينةِ متاعًا وأقتابًا، فرُخِّص لهم أن يَدخلوها (٤).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.
قال: هي البُيوتُ التي يَنزِلُها السَّفْرُ لا يسكنُها أحدٌ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.
قال: كانوا يَصنعون، أو يَضعون، بطريقِ المدينةِ أَقْتابًا وأَمتِعةً في بيوتٍ ليس فيها أحدٌ، فأحِلَّ لهم أن يَدخلوها بغيرِ إذنٍ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ (١).
بغيرِ شكٍّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، غيرَ أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ أقتابًا وأمتِعةً.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾: هي البيوتُ التي ليس لها أهلٌ، وهى البيوتُ التي تكونُ بالطرُقِ والخَرِبةِ، ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾ منفعةٌ للمسافرِ في الشتاءِ والصيفِ، يأوِى إليها (٢).
وقال آخرون: هي بيوتُ مكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن سعيدِ بن سابِقٍ (٣)، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن سالمٍ، عن (٤) محمدِ ابن الحنفيَّةِ في: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.
قال: هي بيوتُ مكةَ.
وقال آخرون: هي البيوتُ الخَرِبَةُ، والمتاعُ التي (١) قال اللَّهُ فيها لكم، قضاءُ الحاجةِ؛ من الخلاءِ والبولِ فيها.
ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾.
قال: الخلاءُ والبولُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا الحسينُ (٣) بنُ عيسى بن زيدٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾.
قال: التَّخلِّى في الخرابِ.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك بيوتَ التجارِ التي فيها أمتِعةُ الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾.
قال: بيوتَ التجارِ، ليس عليكم جناحٌ أن تَدخلوها بغيرِ إذنٍ، الحوانيتَ التي بالقَيْسارياتِ (٤) والأسواقِ.
وقرَأ: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ متاعٌ للناسِ، ولبنى آدَمَ (٥).
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ كلَّ بيتٍ لا ساكنَ به (١)، لنا فيه متاعٌ، ندخلُه (٢) بغيرِ إذنٍ؛ لأنَّ الإذنَ إنما يكونُ ليؤْنَسَ المأذونُ عليه قبلَ الدُّخولِ، أو ليأذَنَ للداخلِ إن (٣) كان له مالكًا، أو كان فيه ساكنًا.
فأما إن كان لا مالكَ له فيُحتاجَ إلى إذنِه لدخولِه، ولا ساكنَ فيه فيَحتاجَ الداخلُ إلى إيناسِه والتسليمِ عليه؛ لئلا يَهْجُمَ على ما لا يُحبُّ رؤيتَه منه - فلا معنَى للاستئذانِ فيه.
فإذ كان ذلك، فلا وجهَ لتخصيصِ بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فكلُّ بيتٍ لا مالكَ له ولا ساكنَ من بيتٍ مبنيٍّ ببعضِ الطُّرقِ للمارَّةِ والسابِلةِ ليَأْوُوا إليه، أو بيتٍ خرابٍ قد باد أهلُه ولا ساكنَ فيه حيثُ كان ذلك، فإن لَمن أراد دخولَه أن يَدخُلَ بغيرِ استِئْذانٍ لمتاعٍ له يؤويه إليه، أو للاستِمتاعِ به لقضاءِ حقِّه؛ مِن بولٍ أو غائطٍ أو غيرِ ذلك.
وأما بيوتُ التُّجارِ، فإنه ليس لأحدٍ دخولُها إلا بإذنِ أربابِها وسكانِها.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن التاجرَ إذا فتَح دُكَّانَه وقعَد للناسِ فقد أذِن لمَن أراد الدخولَ عليه في دُخولِه، فإنَّ الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه ليس لأحدٍ دخولُ ملكِ غيرِه بغيرِ ضرورةٍ ألجَأتْه إليه، أو بغيرِ سببٍ أباح له دُخولَه إلا بإذنِ ربِّه، لا سيَّما إذا كان فيه متاعٌ، فإن كان التاجرُ قد عُرِف منه أن فتحَه حانوتَه إذنٌ منه لمَن أراد دخولَه في الدخولِ، فذلك بَعْدُ راجعٌ إلى ما قلنا مِن أنه لم يَدخلْه مَن دخلَه إلا بإذنِه.
وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ مِن معنَى قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ في شيءٍ، وذلك أن التي وضَع اللَّهُ عنا الجُناحَ في دخولِها بغيرِ إذنٍ مِن البيوتِ، هي ما لم تَكنْ مسكونةً، إذ حانوتُ التاجرِ لا سبيلَ إلى دخولِه إلا بإذنِه، وهو مع ذلك مسكونٌ، فتَبيَّن أنه مما عنَى اللَّهُ مِن هذه الآيةِ بمعزِلٍ.
وقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: هذه الآيةُ مُستثْناةٌ مِن قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧].
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسَخ واسْتَثنى، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِح، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ: هو ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية: فنسَخ مِن ذلك واستَثْنَى، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٢).
وليس في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾.
دَلالةٌ على أنه استِثناءٌ مِن قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
لأنَّ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
حكمٌ مِن اللَّهِ في البيوتِ التي (٣) لها سكانٌ وأَرْبابٌ.
وقولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾.
حكمٌ منه في البيوتِ التي لا سكانَ لها ولا أربابَ معروفون، فكلُّ واحدٍ من الحُكمينِ حكمٌ في معنًى غيرِ معنَى الآخَرِ، وإنما يُستَثْنَى الشئُ مِن الشئِ إذا كان مِن جنسِه أو نَوعِه في الفعلِ أو النفْسِ، فأما إذا لم يكنْ كذلك، فلا معنَى لاستِثْنائِه منه.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يعلمُ ما تُظهرون أيها الناسُ بألسنتِكم، مِن الاستئذانِ إذا استأذنْتُم على أهلِ البيوتِ المسكونةِ، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
يقولُ: وما تُضمِرونه في صدوركم عندَ فعلِكم ذلك ما الذي تقصدون به؛ أطاعةَ اللَّهِ والانتهاءَ إلى أمرِه أم غيرَ ذلك؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّه وبك يا محمدُ، ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
يقولُ: يكفُّوا مِن نظَرِهم إلى ما يشتَهُون النظرَ إليه، مما قد نهاهم اللَّهُ عن النظرِ إليه، ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أن يَراها مَنْ لا يَحِلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم، ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.
يقولُ: فَإِنَّ غضُّها من النظرِ عما لا يَحلُّ النظرُ إليه، وحِفْظَ الفرجِ عن أن يَظهرَ لأبصارِ الناظرين - أطهرُ لهم عندَ اللَّهِ وأفضلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
يقولُ: إن اللَّهَ ذو خِبرةٍ بما تصنعون أيها الناسُ، فيما أمَركم به مِن غضِّ أبصارِكم عما أمَركم بالغضِّ عنه، وحفظِ فروجِكم عن إظهارِها لمن (١) نهاكم عن إظهارِها له.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾.
قال: كلُّ فَرْجٍ ذُكِر حفظُه في القرآنِ فهو مِن الزنى، إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
فإنه يعنى السِّتْرَ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
قال: يَغُضُّوا أبصارَهم عما يَكرَهُ اللَّهُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
قال: يَغُضُّ مِن بصرِه أن ينظرَ إلى ما لا يَحلُّ له (٣) - إذا رأَى ما لا يَحلُّ له غضَّ مِن بصرِه، لا ينظرُ إليه - ولا يستطيعُ أحدٌ أن يَغُضَّ بصرَه كلَّه، إنما قال اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَقُلْ﴾ له يا محمدُ ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ مِن أمتِك، ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ عما يكرَهُ اللَّهُ النظرَ إليه مما نهاكم عن النظرِ إليه، ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
يقولُ: ويَحفَظْنَ فروجَهنَّ عن أن يراها مَن لا يَحلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم.
وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُظْهِرْن للناسِ الذين ليسوا لهنَّ بَمَحْرَمٍ زينتَهنَّ، وهما زينتان؛ إحداهما: ما خَفِى، وذلك كالخَلْخالَين (١) والسِّوارَين والقُرْطَين والقلائدِ.
والأُخرى: ما ظهَر منها، وذلك مختلَفٌ في المَعنيِّ منه بهذه الآيةِ؛ فكان بعضُهم يقولُ: زينةُ الثيابِ الظاهرةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحوَصِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الزينةُ زينتانِ؛ فالظاهرةُ منها: الثيابُ، وما خَفِى الخَلْخالان والقُرطان والسِّوَاران (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيٍّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: هي الثيابُ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الثيابُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.
قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (١)، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (٢).
قال: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الثيابُ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا بعضُ أصحابِنا؛ إمّا يونسُ وإما غيرُه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الثيابُ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الثيابُ.
قال أبو إسحاقَ: ألا تَرَى أنه قال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤) [الأعراف: ٣١].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفضلِ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (١)، عن ابن مسعودٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: هو الرِّداءُ (١).
وقال آخَرون: الظاهرُ مِن الزينةِ التي أُبيحَ لها أن تُبدِيَه: الكُحْلُ والخاتَمُ والسِّوارانِ والوجهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا مسلمٌ المُلائيُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الكُحْلُ والخاتَمُ (٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه ولم يَذكُرِ ابنَ عباسٍ (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الظاهرُ منها: الكُحْلُ والخدَّان.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الوجهُ والكفُّ (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ ابن هُرمزَ المكيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الكفَّان والوجهُ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الكُحْلُ والسِّوَاران والخاتَمُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: والزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكحْلُ العينِ، وخِضابُ الكفِّ، والخاتمُ، فهذه تظهرُ في بيتِها لمن دخَل مِن الناسِ عليها (٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: المَسَكَتان (٣) والخاتَمُ والكُحْلُ.
قال قتادةُ: وبلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُخْرِجَ يَدَها إلَّا إلى هَهُنا".
وقبَض نصفَ الذراعِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن رجلٍ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: القُلْبَين (١)، والخاتمَ، والكُحْلَ.
يعنِى السوارَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الخاتمُ والمَسَكَةُ.
قال ابن جُرَيجٍ: وقالت عائشةُ: القُلْبُ والفَتْخَةُ (٣).
قالت عائشةُ: دخَلت عليَّ ابنةُ أخى لأمِّى عبدِ اللَّهِ بن الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فدخَل النبيُّ ﷺ، فأعرَض، فقالت عائشةُ: إنها ابنةُ أخى وجاريةٌ.
فقال: "إذا عرَكت (٤) المرأةُ لم يَحِلَّ لها أن تُظْهِرَ إلَّا وجهَها، وإلَّا ما دُون هذا".
وقبَض على ذِراعِ نفْسِه، فترَك بينَ قبضَتِه وبينَ الكفِّ مثلَ قبضَةٍ أُخرَى (٥).
وأشار به أبو عليٍّ.
قال ابن جُرَيجٍ: وقال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ (٦).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن عامرٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والثيابُ (٧).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
مِن الزينةِ؛ الكُحْلُ والخِضابُ والخاتمُ، هكذا كانوا يقولون، وهذا يَراه الناسُ.
حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبى سلمةَ، قال: سُئِل الأوزاعيُّ عن: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الكفَّين والوجهَ.
حدَّثنا عمرُو بنُ بندقٍ، قال: ثنا مروانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾.
قال: الكفُّ والوجهُ (١).
وقال آخرون: عنَى به الوجهَ والثيابَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: قال يونسُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال الحسنُ: الوجهُ والثيابُ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: الوجهُ والثيابُ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الوجُه والكفّانِ.
يَدخُلُ في ذلك إذا كان كذلك، الكُحْلُ والخاتمُ والسِّوارُ والخِضابُ [والثِّيابُ] (٣).
وإنما قلنا: ذلك أَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن على كلِّ مصلٍّ أن يستُرَ عَورتَه في صلاتِه، وأن للمرأةِ أن تَكْشِفَ وجَهَها وكفَّيْها في صلاتِها، وأن عليها أن تَستُرَ ما عدا ذلك من بدنِها، إلا ما رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه أباح لها أن تُبديَه مِن ذراعِها إلى قدرِ النصفِ (١).
فإذ كان ذلك مِن جميعِهم إجماعًا، كان معلومًا بذلك أن لها أن تُبدىَ مِن بدنِها ما لم يكنْ عورةً كما ذلك للرجالِ؛ لأنَّ ما لم يكنْ عورةً، فغيرُ حرامٍ إظهارُه.
وإذا كان لها إظهارُ ذلك، كان معلومًا أنه مما استَثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
لأنَّ كلَّ ذلك ظاهرٌ منها.
وقولُه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولْيُلْقِين خمُرَهن - وهى جمعُ خِمارٍ - على جيوبِهن؛ ليَسْتُرْنَ بذلك شعورَهن وأعناقَهن وقُرْطَهن.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ بن نافعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾.
قال: شَقَقْن البُرُدَ مما يَلِى الحَواشِىَ، فاخْتَمَرْنَ به (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، أن قُرَّةَ بنَ عبدِ الرحمنِ أخبَره، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ النساءَ المهاجراتِ الأُوَلَ، لمّا أنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ شَقَقْن أَكْثَفَ (١) مُرُوطِهن، فاخْتَمَرْن به (٢).
وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُبْدِين زينتَهنَّ التي هي غيرُ ظاهرةٍ، بل الخفيةُ منها؛ وذلك الخَلْخالُ والقُرْطُ والدُّمْلُجُ (٣)، وما أُمِرَت بتغطيتِه بخمارِها مِن فوقِ الجَيْبِ، وما وراءَ ما أُبِيح لها كشفُه وإبرازُه في الصلاةِ وللأجْنَبِيّين مِن الناسِ، والذراعين إلى فوقِ ذلك - إلا لبعولتِهن.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾.
قال: هذه ما فوقَ الذراعِ (٤).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ عن طلحةَ، عن إبراهيمَ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾.
قال: ما فوقَ الجَيْبِ.
قال شعبةُ: كتَب به منصورٌ إليَّ، وقرأْتُه عليه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾.
قال: تُبْدِى لهؤلاء الرأسَ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
قال: الزينةُ التي تُبدِيها (١) لهؤلاء؛ قُرْطاها وقِلادتُها وسِوَارَاها، فأما خَلْخالَاها ومِعْضَدُها ونحرُها وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ - [﴿أَو﴾، ﴿أَو﴾] (٣) قال: الطَّوْقَ والقُرْطَيْن.
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: قلْ للمؤمناتِ الحَرائرِ: لا يُظْهِرْنَ هذه الزينةَ الخفيةَ التي ليست بالظاهرةِ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وهم أزواجُهن، واحدُهم بَعْلٌ، ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿آبَائِهِنَّ﴾، أو لـ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾.
يقولُ: أو لآباءِ أزواجِهن ﴿أَوْ﴾ ﴿أَبْنَائِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿أَو﴾ لـ ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾: أو لإخْوتِهنَّ (٤) - ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾.
﴿أَوْ نِسَائِهِنّ﴾.
قيل: عُنِى بذلك نساءُ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾.
قال: بلَغَنى أنهن نساءُ المسلمين، لا يَحِلُّ لمسلمةٍ أن تُرِىَ مُشركةً عِرْيتَها (١)، إلا أن تكونَ أمَةً لها، فذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٢) قال: ثنى الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامِ بن الغازِ، عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ، أنه كرِه أن تَقْبَلَ (٣) النصرانيةُ المسلمةَ، أَو تَرَى عَوْرَتَها، ويَتَأَوَّلُ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٤).
قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، عن عُبادةَ، قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى عُبيدةَ بن الجرَّاحِ ﵄: أما بعدُ، فقد بلَغَنى أن نساءً يَدْخُلْنَ الحَمَّاماتِ، ومعهن نساءُ أهلِ الكتابِ، فامْنَعْ ذلك، وحُلْ دونَه.
قال: ثم إن أبا عُبيدةَ قام في ذلك المقامِ مُبْتَهِلًا: اللهم أيُّما امرأةٍ تَدْخُلُ الحمامَ مِن غيرِ علَّةٍ ولا سَقَمٍ، تُرِيدُ البياضَ لوجهِها، فسوِّدْ وجهَها يومَ تَبْيَضُّ الوجوه (٥).
وقولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: أو مَمالِيكِهِن، فإنه لا بأسَ عليها أن تُظْهِرَ لهم مِن زينتِها ما تُظْهِرُه لهؤلاء.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخْبَرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن مَخْلَدٍ التَّميميِّ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.
قال: في القراءةِ الأُولى: (أيمانُكم) (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما مَلَكت أيمانُهن من إماءِ المشركين.
كما قد ذكَرنا عن ابن جريجٍ قبلُ، مِن أنه لما قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ عنَى بهن النساءَ المسلماتِ دونَ المشركاتِ.
ثم قال: أو ما ملَكت أيمانُهن مِن الإماءِ المشركاتِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَتَّبِعونكم لطعامٍ يَأْكُلونه عندَكم، ممَّن لا إرْبَ له في النساءِ مِن الرجالِ، ولا حاجةَ به إليهن ولا يُرِيدُهن.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
قال: كان الرجلُ (٢) يَتْبَعُ الرجلَ في الزمانِ الأولِ، لا يَغارُ عليه، ولا تَرْهَبُ المرأةُ أَن تَضَعَ خمارَها عندَه، وهو الأحمقُ الذي لا حاجةَ له في النساءِ (٣).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
فهذا الرجلُ يَتْبَعُ القومَ وهو مُغَفَّلٌ في عقلِه، لا يَكْتَرِثُ للنساءِ، ولا يَشْتَهِيهنَّ، فالزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاء قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارَاها، وأما خَلْخالاها، ومِعْضَداها، ونَحرُها، وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾.
قال: هو التابعُ يَتْبَعُك يُصِيبُ مِن طعامِك (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
قال: الذي يُرِيدُ الطعامَ ولا يُرِيدُ النساءَ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: الذين لا يُهِمُّهم إلا بطونُهم، ولا يُخافون على النساءِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
قال: الأَبْلَهُ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
قال: هو الأبْلَهُ الذي لا يَعْرِفُ شيئًا مِن النساءِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
الذي لا إرْبَ له بالنساءِ مثلَ فلانٍ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
قال: هو الذي لا تَسْتَحْيِى منه النساءُ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
قال: مِن تبعِ الرجلِ وحَشَمِه الذي لم يَبْلُغْ إرْبُه أَن يَطَّلِعَ على عورةِ النساءِ (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
قال: الذي لا إرْبَ له في النساءِ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: المعتوهِ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
قال: هو الأحمقُ الذي لا هِمَّةَ له بالنساءِ ولا إرْبَ (٢).
وبه عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
يقولُ: الأحمقِ الذي ليست له هِمَّةٌ في النساءِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الذي لا حاجةَ له في النساءِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
قال: هو الذي يَتْبَعُ القومَ، حتى كأنه كان منهم، ونشَأ فيهم، وليس يَتْبَعُهم لإرْبةِ نسائِهم، وليس له في نسائِهم إرْبةٌ، وإنما يَتْبَعُهم لإرفاقِهم إياه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجلٌ يَدْخُلُ على أزواجِ النبيِّ ﷺ مُخَنَّتٌ، فكانوا يَعُدُّونه مِن غيرِ أُولى الإرْبِة، فدخَل عليه النبيُّ ﷺ يومًا وهو عندَ بعضِ نسائِه، وهو يَنْعَتُ امرأةً، فقال: إنها إذا أقْبَلَت أقْبَلَت بأربعٍ، وإذا أدْبَرت أدْبَرت بثمانٍ.
فقال النبيُّ ﷺ: " [ألا أَرَى] (١) هذا يَعْلَمُ ما ههنا، لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم".
فحجَبوه (٢).
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
قال: هو المُخَنَّثُ الذي لا يقومُ زُبُّه (٣).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الشامِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (غيرَ أُولى الإرْبةِ) بنصبِ "غيرِ" (٤).
ولنصبِ "غيرِ" ههنا وجهان؛ أحدُهما: على القطعِ مِن ﴿التَّابِعِينَ﴾؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ و "غيرُ" نكرةٌ.
والآخرُ: على الاستثناءِ، وتوجيهِ "غيرِ" إلى معنى: "إلا"، فكأنه قيل: ["إلا".
وقرَأ غيرُ مَن ذَكَرْتُ] (٥) بخفضِ ﴿غَيْرِ﴾ (٦) على أنها نعتٌ لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، وجاز نعتُ ﴿التَّابِعِينَ﴾ بـ ﴿غَيْر﴾، و "التابعون" معرفةٌ، و "غيرُ" نكرةٌ؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقَّتةٍ.
فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: أو الذين هذه صفتُهم.
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنَى، مستفيضةٌ القراءةُ بهما في الأمصارِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أنَّ الخفضَ في ﴿غَيْر﴾ أَقوَى في العربيةِ، فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ و "الإرْبَةُ" الفِعْلَةُ مِن الأَرَبِ؛ مثلُ الجلِسةِ مِن الجُلُوسِ، والمِشيةُ مِن المَشْي، وهى الحاجةُ، يقال: لا أَرَب لى فيك: لا حاجةَ لى فيك.
وكذا: أَرِبْتُ لكذا وكذا.
إذا احتَجتَ إليه، فأنا آرَبُ له أَرَبًا.
فأما "الأُرْبَةُ" بضمِّ الألفِ، فالعُقْدةُ.
وقولُه: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أو الطفلِ الذين لم يَكْشِفوا عن عَوْراتِ النساءِ بجِماعِهن، فيَظْهَروا عليها (١)؛ لصِغَرِهنَّ (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
قال: لم يَدْرُوا ما ثَمَّ؛ من الصِّغَرِ قبلَ الحُلُمِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجْعَلْنَ في أرجلِهن مِن الحُلِيِّ ما إذا مشَيْن أو حرَّكْنَهن، علِم الناسُ الذين مشَيْن بينَهم ما يُخْفِين مِن ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن امرأةً اتَّخَذَت بُرَتَيْنِ (١) مِن فضةٍ، واتَّخَذَت جَزْعًا (٢)، فمرَّت على قومٍ، فضرَبَت برجلِها، فوقَع الخَلْخالُ على الجَزْعِ فصوَّت، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
قال: كان في أرجلِهن خَرَزٌ، فكنَّ إذا مرَرْن بالمجالسِ حرَّكْن أرجلَهن ليُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِن زينتهِن (٤).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾: فهو أن تَقْرَعَ الخَلْخالَ بالآخرِ عندَ الرجالِ، أو يكونَ في رجلَيْها خَلاخِلُ، فتُحَرِّكَهن عندَ الرجالِ، فنهَى اللَّهُ ﷾ عن ذلك؛ لأنه مِن عملِ الشيطانِ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
قال: هو الخَلْخالُ، لا تَضْرِبِ امرأةٌ برجلِها ليُسْمَعَ صوتُ خَلْخالِها (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
قال: الأجْراسُ مِن حُلِيِّهن يَجْعَلْنها في أرجلِهن، في مكانِ (٣) الخَلاخلِ، فنَهاهُن اللَّهُ أَن يَضْرِبْن بأرجلِهن لتُسْمَعَ تلك الأجراسُ.
وقولُه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: وارجِعوا أيُّها المؤمنون إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أمَركم ونهاكم؛ من غَضِّ البصَرِ، وحفظِ الفرجِ، وتركِ دخولِ بيوتِ غيرِكم (٤) من غيرِ استئذانٍ ولا تسليمٍ، وغيرِ ذلك من أمرِه ونهيهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
يقولُ: لتفلِحوا وتدرِكوا طَلِباتِكم لديْهِ، إذا أنتم أطعتُموه فيما أمرَكم ونَهاكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وزوِّجوا أيُّها المؤمنون من لا زوجَ له من أحرارِ رجالِكم ونسائِكم، ومن أهلِ الصلاحِ من عبيدِكم ومماليكِكم وإمائِكم.
والأيامَى جمعُ أيِّمٍ، وإنما جمَع الأيّمَ أيامَى؛ لأنها فعيلةٌ في المعنى، فجُمِعت كذلك، كما جُمِعت اليتيمةُ يتامَى، ومنه قولُ جميلٍ (١): أُحِبُّ الأيامَى إذْ بُثَيْنَةُ أيّمٌ … وأحْبَبْتُ لَمَّا أَنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا ولو جُمِعت أيائمَ كان صوابًا (٢)، والأيِّمُ يوصفُ بهِ الذكرُ والأنثى، يقالُ: رجلٌ أيِّمٌ، وامرأةٌ أيِّمٌ وأيِّمةٌ.
إذا لم يكنْ لها زوجٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): فإنْ تَنْكِحى أنْكِحْ وَإِنْ تَتأَيَّمِى … وإنْ كُنْتُ أفْتَى منكمُ أتَايَّمِ ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾.
يقولُ: إن يكنْ هؤلاء الذين تنكِحونهم من أيامَى رجالِكم ونسائِكم وعبيدِكم وإمائِكم أهلَ فاقةٍ وفقرٍ، فإِنَّ اللَّهَ يُغنيهم مِن فضلِه، فلا يمنعْكم فقرُهم من إنكاحِهم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
قال: أَمَر اللهُ سبحانه بالنكاحِ، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوِّجوا أحرارَهم وعبيدَهم، ووعَدهم في ذلك الغِنَى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنٌ (٢) أبو الحسنِ، وكان إسماعيلُ بنُ صَبيحٍ مَوْلى هذا، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ الوليد، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: التمِسوا الغنَى في النكاح، يقولُ اللهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
قال: أيامَى النساءِ اللاتي ليس لهنّ أزواجٌ.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ واسعُ الفضل، جوادٌ بعطاياه، فزوِّجوا أياماكم (٤)، فإنّ الله واسعٌ يوسِّعُ عليهم من فضلِه إن كانوا فقراءَ، ﴿عَلِيمٌ﴾.
يقولُ: هو ذو علمٍ بالفقيرِ منهم والغنيِّ، لا يخفَى عليه حالُ خلقِه في شيءٍ وتدبيرُهم.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وليتعَفَّفِ الَّذِينَ لا يَجِدُون ما ينكحون به النساءَ عن إتيانِ ما حرَّم اللهُ عليهم من الفواحشِ حتى يُغنيَهم اللهُ من سَعَةِ فضلِه، ويوسِّعَ عليهم من رزقِه.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين يلتمِسون المكاتبةَ منكم مِن مماليكِكم، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
واختلَف أهلُ العلمِ في وجهِ مكاتبةِ الرجلِ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، وهل قولُه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على وجهِ الفرضِ، أم هو على وجهِ الندبِ؟
فقال بعضُهم: فرضٌ على الرجلِ أن يكاتبَ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، إذا سأله العبد ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ عليَّ إذا علمِتُ مالًا أن أكاتبَه؟
قال: ما أرَاه إلا واجبًا.
وقالها عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أتأثِرُه عن أحدٍ؟
قال: لا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ سيرينَ أراد أن يكاتبَه، فتلكَّأ عليه، فقال له عمرُ: لتُكاتبنَّه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لا ينبغى لرجلٍ إذا كان عندَه المملوكُ الصالحُ الذي له المالُ، يريدُ أن يكاتَبَ، ألَّا يكاتبَه.
وقال آخرون: ذلك غيرُ واجبٍ على السيدِ، وإنما قولُه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ نَدْبٌ من اللهِ سادةَ العبيدِ إلى كتابةِ من علِم فيه منهم خيرًا، لا إيجابٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: الأمرُ عندَنا أن ليس على سيِّدِ العبدِ أن يكاتبَه إذا سأله ذلك، ولم أسمَعْ بأحدٍ من الأئمةِ أكرَه أحدًا على أن يكاتِبَ عبدَه، وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ إذا سُئِل عن ذلك، فقيل له: إنَّ الله ﵎ يقولُ في كتابه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ - يتلو هاتين الآيتين: ﴿وَإِذَا (١) حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
قال مالكٌ: فإنَّما ذلك أمرٌ أذِن اللهُ فيه للناسِ، وليس بواجبٍ على الناسِ، ولا يلزمُ أحدًا (٢).
وقال الثوريُّ: إذا أراد العبدُ من سيِّدِه أن يكاتبَه، فإن شاءَ السيِّدُ أن يكاتبَه كاتبَه، ولا يُجْبَرُ السيدُ على ذلك.
حدَّثني بذلك عليٌّ، عن زيدٍ، عنه (٣).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: ليس بواجبٍ عليه أن يكاتبَه، إنَّما هذا أمرٌ أذِن اللهُ فيه ودليلٌ (٣).
وأولَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: واجبٌ على سيِّد العبدِ أن يكاتِبَه إذا علِم فيه خيرًا وسأله العبدُ الكتابةَ.
وذلك أن ظاهرَ قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ظاهرُ أمرٍ، وأمرُ اللهِ فرضٌ الانتهاءُ إليه، ما لم يكنْ دليل من كتابٍ أو سنةٍ على أنه ندبٌ؛ لما قد بيَّنا من العلةِ في كتابِنا المسمَّى "البيانُ عن أصولِ الأحكامِ".
وأمَّا الخيرُ (١) الذي أمَر اللهُ تعالى ذكرُه عبادَه بكتابةِ عبيدِهم إذا علِموه فيهم، فهو القُدْرةُ على الاحترافِ والكسبِ لأداءِ (٢) ما كوتِبُوا عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ الجزَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّه كرِه أن يكاتِبَ مملوكَه إذا لم تكنْ له حرفةٌ، قال: تُطعِمُنى أوساخَ النَّاسِ (٣)؟
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
يقولُ: إن علمتم لهم حيلةً، ولا تُلقُوا مُؤْنتَهم على المسلمين (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: [أخبرنا ابن وهبٍ] (٥)، قال: أخبَرنا أشهبُ، قال: سُئل مالكُ بنُ أنسٍ عن قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
فقال: إنَّه ليقالُ: الخيرُ القوةُ على (١) الأداءِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه قولَ اللهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: الخيرُ القوةُ على ذلك (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علِمتُم فيهم صدقًا ووفاءً وأداءً.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: صدقًا، ووفاءً، وأداءً، وأمانةً (٤).
قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ (٥) بنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ أنَّهما قالا في قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قالا: مالًا وأمانةً (٦).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: أداءً و (٧) أمانةً (٨).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، قال: كان إبراهيم يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: صدقًا ووفاءً.
أو أحدَهما (١).
حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: أداءً ومالًا (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: أحسَبُه كلَّ ذلك؛ المالَ والصلاحَ (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيانُ (٤): ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
يعني: صدقًا ووفاءً وأمانةً.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: إن علمتَ فيه خيرًا لنفسِك، يؤدِّى إليك ويَصدُقُك ما حدَّثك، فكاتبْه.
وقال آخرون: بل معني ذلك: إنْ علِمتم لهم مالًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
يقولُ: إِنْ علِمتم لهم مالًا.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال قال ابن عباسٍ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: مالًا (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: مالًا (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: لهم مالًا، فكاتِبوهم.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: إن علِمتم لهم مالًا، كائنةً أخلاقُهم ودينُهم ما كان (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن زَاذانَ، عن عطاءِ بن أبي ربَاحٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: مالًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنْ علِمتم عندَهم.
مالًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرٍو اليافعيُّ، عن ابن جُرَيجٍ، أن عطاءَ بنَ أبي ربَاحٍ كان يقولُ: ما نراه إلا المالَ.
يعنى قولَه: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
قال: ثم تلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٢) [البقرة: ١٨٠].
وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في معنى ذلك عندِى قولُ من قال: معناه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: قوةً على الاحترافِ والاكتسابِ، ووفاءً بما أوْجَبَ على نفسِه وألزمَها، وصدقَ لهجةٍ.
وذلك أنَّ هذه المعانىَ هي الأسبابُ التي بمولَى العبدِ الحاجةُ إليها إذا كاتَب عبدَه، مما يكونُ في العبدِ؛ فأَمَّا المالُ وإن كان من الخير، فإنَّه لا يكونُ في العبدِ، وإنَّما يكونُ عندَه أو له، لا فيه، واللهُ إنَّما أوجَبَ علينا مكاتبةَ العبدِ إذا علِمنا فيه خيرًا، لا إذا علِمنا عنده أو لَه، فلذلك لم نقلْ: إنَّ الخيرَ في هذا الموضعِ معنيٌّ به المالُ.
وقولُه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: وأعطُوهم من مالِ اللهِ الذي أعطاكم.
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في المأمورِ بإعطائِه من مالِ اللهِ الذي أعطاه؛ مَنْ هو؟
وفى المالِ؛ أيُّ الأموالِ هو؟
فقال بعضُهم: الذي أمِرَ بإعطاءِ المكاتَبِ مِن مالِ اللهِ هو مولَى العبدِ المكاتَبِ، ومالُ اللهِ الذي أمِرَ بإعطائِه منه هو مالُ الكِتابةِ، والقدرُ الذي أُمِر أن يعطيَه منه الربُعُ.
وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولَى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، قال: ثنا عطاءُ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيُّ، عن عليٍّ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: ربعُ المكاتبةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ (٢) المحاربيُّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: ربعُ الكتابةِ يحُطُّها عنه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ليثٍ، عن عبد الأعلَى، عن أبي عبدِ الرحمن، عن عليٍّ ﵁ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: الربعُ من أوَّلِ نجومِه (٣).
قال: أخبَرنا ابن عُليَّةَ، قال عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: الربعُ من مكاتبِته.
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ، عن عبدِ الملكِ بن أعينَ، قال: كاتَبَ أبو عبدِ الرحمنِ غلامًا في أربعةِ آلافِ درهمٍ، ثم وضَعَ له الربعَ، ثم قال: لولا أنِّى رأيتُ عليًّا رضوانُ اللهِ عليه كاتَبَ غلامًا له ثم وضَعَ له الربعَ، ما وضعتُ لك شيئًا.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، أنه كاتَبَ غلامًا له على ألفٍ ومائتين، فترَكَ الربعَ وأشهدَنى، فقال لى: كان صديقُك يفعلُ هذا.
يعنى عليًّا رضوانُ اللهِ عليه، يقولُ (١): ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ، قال: ثنى فَضالةُ بنُ أبى أميَّةَ، عن أبيه، قال: كاتَبنى عمرُ بنُ الخطابِ ﵁، فاستقرَضَ لى من حَفْصةً مائتى درهمٍ.
قلتُ: ألَا تجعلُها في مكاتبتي؟
قال: إنِّي لا أدرِى أدرِكُ ذاك أم لا (٣)؟
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، بلَغنى أنه كاتبَه على مائةِ أوقيةٍ: قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ، قال: ذكرتُ ذلك لعكرِمةَ، فقال: هو قولُ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
يقولُ: ضعُوا عنهم من مكاتبِتهم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
يقولُ: ضَعُوا عنهم مما قاطعتموهم عليه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: مما أخرَج اللهُ لكم منهم (٢).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: آتِهِم مما في يدَيْك (٣).
حدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزيُّ، قال: ثنى أبي، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن أبيه، قال: كاتبتْنى زينبُ بنتُ قيسِ بن مَخْرمةَ، من بنى المطَّلبِ بن عبدِ منافٍ، على عشرةِ آلافٍ، فتركَتْ لى ألفًا، وكانت زينبُ قد صلَّت مع رسولِ اللهِ ﷺ القبلتين جميعًا (١).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا أبو مسعودٍ الجُرَيْرِيُّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيدٍ مولى أبى أَسِيدٍ، قال: كاتَبنى أبو أَسِيدٍ على ثنتى عشرةَ مائةً، فجئتُه بها، فأخَذ منها ألفًا، وردَّ عليَّ مائتين (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بن المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان ابن عمرَ إذا كاتَب مكاتَبَه، لم يضعْ عنه شيئًا من أوَّلِ نجومه؛ مخافَة أن يعجِزَ فيَرجِعَ إليه صدقتَه، ولكنَّه إذا كان في آخرِ مكاتبِته، وضَع عنه ما أحبَّ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني مَخْرَمةُ، عن أبيه، عن نافعٍ، قال: كاتَبَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ غلامًا له يقالُ له: شرفا.
على خمسةٍ وثلاثينَ ألفَ درهمٍ، فوضَعَ من آخرِ كتابتِه خمسةَ آلافٍ، ولم يذكُرْ نافعٌ أنَّه أعطاه شيئًا غيرَ الذي وضَعَ له (٤).
قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: إِنَّ ذلك أن يُكاتبَ الرجلُ غلامَه، ثم يضَعَ عنه من آخر كتابته شيئًا مسمًّى.
قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ، وعلى ذلك أهلُ العلمِ وعملُ الناسِ عندَنا (٥).
[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ] (١)، قال: ثنا سفيانُ: أحبُّ إليَّ (٢) أن يعطيَه الربُعَ أو أقلَّ منه شيئًا، وليسَ بواجبٍ، وأن يفعلَ ذلك حسنٌ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن حبيبٍ (٣) أبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: هو ربُعُ المكاتبةِ.
وقال آخرون: بل ذلك حضٌّ من اللهِ أهلَ الأموالِ على أن يعطوهم سهمَهم الذي جعله اللهُ لهم من الصدقاتِ المفروضةِ لهم في أموالِهم بقولِه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠].
قال: فالرِّقابُ التي جعَل فيها أحد سُهمانِ الصدقة الثمانيةِ هم المكاتَبون.
قال: وإيَّاه عنَى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
أي: سَهْمِهم من الصدقةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن ابن بُرَيْدَةَ (٤)، عن أبيه (٥) قولَه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: يَحُبُّ اللهُ عليه، يُعْطُونه (٦).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنى ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: حثَّ عليه الناسَ؛ مولاه وغيرَه (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: يُعطِى مكاتَبَه، وغيرُه، حَثَّ الناسَ عليه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه قال في قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: أمرَ مولاه والناسَ جميعًا أن يُعينوه (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
[قال: أمَر المسلمين أن يُعْطُوهم مما آتاهمُ اللهُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾] (٣).
قال: ذلك في الزكاةِ على الوُلاةِ، يعطونهم من الزكاةِ، يقولُ اللهُ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٤).
قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
قال: الفَىْءُ والصدقاتُ.
وقَرأ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾.
وقرأ حتى بلَغ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
فأمرهم اللهُ أن يوفُّوهم (١) منه، فليس ذلك من الكتابةِ.
قال: وكان أبي يقولُ: ما لَه وللكتابةِ، هو من مالِ اللَّهِ الذي فَرَض له فيها نصيبًا (٢).
وأولَى القولينِ بالصوابِ في ذلك عندِى القولُ الثاني، وهو قولُ من قال: عنَى به إيتاءَهم سهمَهم من الصدقةِ المفروضةِ.
وإنَّما قُلنا: ذلك أولى القولينِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أمرٌ من اللهِ تعالى ذِكرُه بإيتاءِ المكاتَبِين من ماله الذي آتَى أهلَ الأموالِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ على عبادِه الانتهاءُ إليه، ما لم يخبْرهم أنَّ مراده الندْبُ؛ لِما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا.
فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ أخبَرنا في كتابِه ولا على لسانِ رسولِه ﷺ ما أنه نَدْبُ، ففرضٌ واجبٌ.
وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجةُ قد قامت أنْ لا حقَّ لأحدٍ في مالِ أحدٍ غيرِه منَ المسلمين إِلَّا ما أوجَبه اللهُ لأهلِ سُهمانِ الصدقةِ في أموالِ الأغنياءِ منهم، وكانت الكتابةُ التي يقتضيها سيدُ المكاتَبِ من مكاتَبِه مالًا من مالِ سيدِ المكاتَبِ فيها، فيفادُ أنَّ الحقَّ الذي أوجبَ اللهُ له على المؤمنين أن يؤتُوه من أموالِهم، هو ما فَرَض على الأغنياءِ في أموالِهم له من الصدقةِ المفروضةِ؛ إذ كان لا حقَّ في أموالِهم لأحدٍ سواها.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: زوَّجُوا الصالحين من عبادِكم وإمائِكم، ولا تُكْرِهُوا إماءَكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وهو الزنى، ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
يقولُ: إن أرَدْنَ تعفُّفًا عن الزنى (١)، ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
يقولُ: لتَلتَمِسوا بإكراهِكم إياهن على الزنى ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وذلك ما تَعْرِضُ لهم إليه الحاجةُ؛ مِن رِياشِها وزينتِها وأموالِها، ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾.
يقولُ: ومَن يُكْرِهْ فتياتِه على البِغاءِ، فإِن الله مِن بعدِ إكراهِه إياهن على ذلك، لهن (٢) غفورٌ رحيمٌ، ووِزْرُ ما كان مِن ذلك عليهم دونَهن.
وذُكِر أن هذه الآيةَ أُنْزِلَت في عبدِ اللهِ بن أَبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ حِينَ أَكْرَهُ أَمَتَهُ مُسَيْكَةَ على الزني.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَاحِ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: جاءت مُسَيْكةُ لبعضِ الأنصارِ، فقالت: إن سيدى يُكْرِهُنى على الزنى.
فنزَلَت في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٣).
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كانت جاريةٌ لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلُولَ، يقالُ لها: مُسَيْكةُ.
فآجَرها، أو أكْرَهها - الطبريُّ يشكُّ (٤) - فأتَتِ النبيَّ ﷺ فشكَت ذلك إليه، فأَنْزَل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يعني بهن (١).
حدَّثنا أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾.
قال: رجلٌ كانت له جاريةٌ تَفْجُرُ، فلما أَسْلَمَت نزَلَت هذه الآية (٢) حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرنى أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: جاءت جاريةٌ لبعضِ الأنصارِ، فقالت: إن سيدى أكْرَهَنى على البِغاءِ.
فأنْزَل اللهُ في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾.
قال ابن جريجٍ: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: كانت (٣) أَمَةٌ لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ، أمَرَها فزنَت، فجاءَت ببُرْدٍ، فقال لها: ارْجِعي فازْنى.
فقالت: واللهِ لا أَفْعَلُ، إن يَكُ هذا خيرًا فقد اسْتَكْثَرْتُ منه، وإن يَكُ شرًّا فقد آن لى أن أَدَعَهُ (٤).
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ نحوَ ذلك، وزاد، قال: البغاءُ الزني، وَاللهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال: للمُكْرَهاتِ على الزنى، وفيها نزَلَت هذه الآيةُ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، أن رجلًا مِن قريشٍ أُسر يومَ بدرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ أَبِيٍّ أَسَرَه، وكان لعبدِ اللهِ جاريةٌ يقال لها: مُعاذةُ.
فكان القرشيُّ الأسيرُ يُرِيدُها على نفسها، وكانت مسلمةً، فكانت تَمْتَنِعُ منه لإسلامِها، وكان ابن أبيٍّ يُكْرِهُها على ذلك ويَضْرِبُها؛ رجاءَ أن تَحْمِلَ للقرشيِّ فيَطْلُبَ فِداءَ ولدِه، فقال الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
قال الزهريُّ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يقولُ: غفورٌ لهنّ ما أُكْرِهْن عليه (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
يقولُ: ولا تُكْرِهوا إماءَكم على الزنى، فإن فعَلْتُم فإن الله سبحانه لهن غفورٌ رحيمٌ، وإثمُهن على مَن أَكْرَهَهُنَّ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: كانوا في الجاهليةِ يُكْرِهون إماءَهم على الزنى؛ يَأْخُذون أجورهن، فقال اللهُ: لا تُكْرِهوهن على الزنى مِن أجلِ المنَالةِ في الدنيا، (ومَن يُكْرِهْهن فإن الله مِن بعدِ إكراهِهن غفورٌ رحيمٌ لهن).
يعنى: إذا أُكْرِهْنَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾.
قال (٢): إماءَكم، ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾: على الزنى.
قال: عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سَلُولَ أمر أمةً له بالزنى، فجاءَته بدينارٍ أو ببُرْدٍ - شكٍّ أبو عاصمٍ - فأعْطَته، فقال: ارْجِعي فازني [على آخر] (٣).
فقالت: واللهِ ما أنا براجعةٍ.
واللهُ غفورٌ رحيمٌ للمُكْرَهات على الزنى.
ففى هذا أُنْزِلَت هذه الآية.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال في حديثِه: أمَر أمَةً له بالزنى، فزنَت، فجاءته ببُرْدٍ فأَعْطَتْه (٤).
ولم يَشُكَّ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾.
يقولُ: على الزنى، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يقولُ: غفورٌ لهن؛ للمُكْرَهاتِ على الزنى.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾.
قال: غفورٌ رحيمٌ لهن حيَن أُكْرِهْنَ، وقُسِرْن على ذلك (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَأْمُرون وَلائدَهم يُباغِين، يَفْعَلْن ذلك، فيُصِبْنَ، فيَأْتِينَهم بكسبهن، فكانت لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلُولَ جاريةٌ، فكانت تُباغِى، فكرِهَت وحلَفَت ألا تَفْعَلَه، فأكْرَهها أهلُها، فانْطَلَقت فباغَت ببُرْدٍ أخضرَ، فأتتْهم به، فأنْزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولقد أنْزَلْنا إليكم أيها الناسُ دَلالاتٍ وعلاماتٍ، ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾.
يقولُ: مُفَصَّلاتٍ الحقَّ مِن الباطلِ، ومُوَضِّحاتٍ ذلك.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: (مُبَيَّنَاتٍ) بفتحِ الياءِ (٤)، بمعنى: مُفَصَّلاتٍ، وأن اللَّهَ فَصَّلَهن وبيَّنهن لعبادِه، فهن مُفَصَّلاتٌ مُبَيَّنَاتٌ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ بكسرِ الياءِ (٥)، بمعنى أن الآياتِ هن تُبَيِّنُ الحقَّ والصوابَ للناسِ وتَهْدِيهم إلى الحقِّ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، مُتَقارِبنا المعنى، وذلك أن الله إذ فصَّلها وبيَّنها، صارت مُبَيِّنَةٌ بنفسِها الحقَّ لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، وإذا بيَّنَت ذلك لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، فبتبيينِ (١) اللهِ ذلك فيها، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءِته الصوابَ.
وقولُه: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
[يقولُ: ومثلًا من الذين مضَوا قبلَكم] (٢) مِن الأممِ، وموعظةً لمن اتَّقَى الله، فخاف عقابَه وخشِى عذابَه.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هادى مَن في السماواتِ والأرضِ، فهم بنورِه إلى الحقِّ يَهْتَدون، وبهداه مِن حَيْرةِ (٣) الضَّلالة يَعْتَصِمون.
واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذي قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ: اللهُ سبحانَه هادى أهلِ السماواتِ [وأهلِ] (١) الأرضِ (٢).
حدَّثني سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ (٣) الرَّقِّيُّ (٤)، قال: ثنا وهبُ بنُ راشدٍ، عن فَرْقَدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: إن إلهى يقولُ: نُورى هُداىَ (٥).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: اللهُ مدبِّرُ السماواتِ والأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدُ وابنُ عباسٍ في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يُدَبِّرُ الأمر فيهما؛ [نجومَهما وشمسَهما وقمرَهما] (٦).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك النورِ الضياءُ.
وقالوا: معنى ذلك: ضياءُ السماواتِ والأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال: فبدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم ذكَر نورَ المؤمنِ (١).
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْناه في ذلك؛ لأنه عَقِيبَ قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤].
فكان ذلك بأن يكونَ خبرًا عن موقعٍ يَقَعُ تنزيلُه مِن خلقِه، ومِن مدح ما ابْتَدَأَ بذكرِ مدحِه، أولى وأشبهُ، ما لم يَأْتِ ما يَدُلُّ على انقضاءِ الخبرِ عنه من غيرِه.
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولقد أَنْزَلْنا إليكم أيُّها الناسُ آياتٍ مبيِّناتٍ الحقَّ من الباطلِ، ومثلًا من الذين خَلَوا من قبلِكم وموعظةً للمتقين، فهدَيْناكم بها، وبيَّنا لكم معالمَ دينِكم بها؛ لأنى هادى أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ.
وترَك وصلَ الكلامِ باللامِ، وابْتَدأ الخبرَ عن هدايتِه (٢) خلقَه ابتداءً، وفيه المعنى الذي ذكَرْتُ؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه مِن ذكرِه، ثم ابْتَدَأ في الخبرِ عن مثلِ هدايتِه خلقَه بالآياتِ المبيناتِ التي أنْزَلها إليهم، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
يقولُ: مَثَلُ ما أنار مِن الحقِّ بهذا التنزيلِ في بيانِه كمِشْكاةٍ.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
علام عائدةٌ، ومِن ذكرِ ما هي؟
فقال بعضُهم: هي مِن ذكرِ المؤمنِ.
وقالوا: معنى الكلام: مثلُ نورِ المؤمنِ الذي في قلبِه من الإيمان والقرآنِ مثلُ مشكاةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، [عن أبي العالية] (١)، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ الله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
قال: ذكَر نورَ المؤمنِ، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
يقولُ: مثلُ نورِ المؤمنِ.
قال: وكان أُبيٌّ يَقْرَؤُها كذلك: (مثلُ المؤمن).
قال: هو المؤمنُ قد جعَل الإيمانَ والقرآنَ في صدرِه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾.
قال: بدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يقولُ: مثلُ نورِ مَن آمَن به.
قال: وكذلك كان يَقْرَأُ أُبيٌّ.
قال: هو عبدٌ جعَل اللهُ القرآنَ والإيمانَ في صدرِه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
قال: مثلُ نورِ المؤمنِ (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
قال: نورِ المؤمنِ.
وقال آخرون: بل عُنِى بالنورِ محمدٌ ﷺ.
وقالوا: الهاءُ التي في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
عائدةٌ على اسمِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابن عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدَّثْنى عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
فقال كعبٌ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾: مثلُ محمدٍ ﷺ كمشكاةٍ (١).
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
قال: محمدٍ ﷺ (٢).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك هُدَى اللهِ وبيانُه، وهو القرآنُ.
قالوا: والهاءُ مِن ذكرِ اللهِ.
قالوا: ومعنى الكلامِ: اللهُ هادى أهلِ السماواتِ والأرضِ بآياتِه المبيِّناتِ، وهى النورُ الذي اسْتَنار به السماواتُ والأرضُ، مثلُ هداه وآياتِه التي هَدَى بها خلقَه، ووعَظهم بها في قلوبِ المؤمنين - كمشكاةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
مثلُ هُداه في قلبِ المؤمنِ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
قال: مثلُ هذا القرآنِ في القلبِ كمشكاةٍ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: نورِ القرآنِ الذي أنْزَل على رسولِه ﷺ وعبادِه، هذا مثلُ القرآنِ، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (٢).
قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ (٣)، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾: ونورُه الذي ذكَر القرآنُ، ومَثَلُه الذي ضرَب له (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مثلُ نورِ اللهِ.
وقالوا: يعنى بالنورِ الطاعةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدٍ: كيف يَخْلُصُ نورُ اللهِ مِن دونِ (٥) السماء؟
فضرَب اللهُ مثلَ ذلك لنورِه، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: وهو مثلٌ ضرَبه اللهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، ثم سماها أنوارًا شتَّى (٦).
وقولُه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "المشكاة" و "المصباح"، وما المرادُ بذلك، وبالزجاجةِ؛ فقال بعضُهم: المشكاةُ كلُّ كَوَّةٍ لا مَنْفَذَ لها.
وقالوا: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لقلبِ محمدٍ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابن عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدَّثْنى عن قولِ اللهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ (١)، وهى الكَوَّةُ، ضرَبها (٢) مثلًا لمحمدٍ ﷺ، المشكاةُ ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباحُ قلبُه، ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ الزجاجةُ صدرُه، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾؛ شبَّه صدرَ النبيِّ ﷺ بالكوكبِ الدُّرِّيِّ، ثم رجَع إلى (٣) المصباحِ إلى قلبِه، فقال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم تَمَسَّها شمسُ المشرقِ ولا شمسُ المغربِ، [﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾: يكادُ محمدٌ ﷺ يَبِينُ للناسِ، وإن لم يَتَكَلَّمْ، أنه نبيٌّ، كما يكادُ ذلك الزيتُ يُضِيءُ] (٤) ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ (٥).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
يقولُ: موضعُ الفَتِيلةِ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: المشكاةُ كَوَّةُ البيتِ (١).
وقال آخرون: عُنِى بالمشكاةِ صدرُ المؤمنِ، وبالمصباحِ القرآنُ والإيمانُ، وبالزجاجةِ قلبُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
قال: مثَلُ المؤمنِ قد جُعِل الإيمان والقرآنُ في صدرِه، ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: المشكاةُ صدرُه، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
قال: والمصباحُ القرآنُ والإيمانُ الذي جُعِل في صدرِه، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.
قال: والزجاجةُ قلبُه، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَد﴾.
قال: فمثلُه مما استنار فيه القرآن والإيمانُ كأنه ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
يقولُ: مُضِيءٌ، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ والشجرةُ المباركةُ أصلُه، المباركةُ: الإخلاص للهِ وحدَه وعبادتُه، لا شريكَ له، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: فمثلُه مثلُ شجرةٍ الْتَفَّ بها الشجرُ، فهي خضراءُ ناعمةٌ، لا تُصِيبُها الشمسُ على أيِّ حالٍ كانت، لا إذا طلَعَت، ولا إذا غرَبَت، وكذلك هذا المؤمنُ، قد أُجِير من أن يُصِيبَه شيءٌ مِن الغِيَرِ - وقد ابْتُلى بها - فيُثَبِّتُه (٢) اللهُ فيها، فهو بينَ أربعِ خلالٍ؛ إن أُعْطِى شكَر، وإن ابْتُلِى صبَر، وإن حكَم عدَل، وإن قال صدَق، فهو في سائرِ الناسِ كالرجلِ الحيِّ يَمْشِى في قبورِ الأمواتِ، قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يَتَقَلَّبُ في خمسةٍ من النورِ؛ فكلامُه نورٌ، وعملُه نورٌ، ومَدْخَلُه نورٌ، ومَخْرَجُه نورٌ، ومصيرُه إلى النورِ يومَ القيامةِ إلى (١) الجنةِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني يحيَى بنُ اليَمانِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: المشكاةُ صدرُ المؤمن، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
قال: القرآنُ.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ نحوَ حديثِ عبدِ الأعلى، عن عبيدِ اللهِ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: مثلُ هُداه في قلبِ المؤمنِ، كما يَكادُ الزيتُ الصافى يُضِيءُ قبلَ أَن تَمَسَّه النارُ، فإذا مسَّته النارُ ازداد ضوءًا على ضوئه (٣)، كذلك يكونُ قلبُ المؤمنِ، يَعْمَلُ بالهُدى قبلَ أن يَأْتِيَه العلمُ، فإذا جاءه العلمُ ازْداد هُدًى على هُدًى، ونورًا على نورٍ، كما قال إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه قبلَ أن تَجِيئَه المعرفةُ: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦].
حينَ رأَى الكوكبَ، مِن غيرِ أن يُخْبِرَه أحدٌ أن له ربًّا، فلما أخبَره اللهُ أنه ربُّه، ازداد هُدًى على هُدًى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدٍ ﷺ: كيف يَخْلُصُ نورُ اللهِ مِن دونِ السماءِ؟
فضرَب اللهُ مَثَلَ ذلك لنورِه، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
والمشكاةُ كَوَّةُ البيتِ فيها مصباحٌ، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
والمصباحُ السِّراجُ يكونُ في الزجاجةِ، وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، وسمَّاها أنواعًا شتَّى.
قولَه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: هي شجرةٌ لا يَفِيءُ عليها ظلُّ شرقٍ، ولا ظلُّ غربٍ، ضاحيةٌ، ذلك أصفى الزيتِ (٢)، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ (٣).
قال معمرٌ: وقال الحسنُ: ليست مِن شجرِ الدنيا، ليست شرقيةً ولا غربيةً (٤).
وقال آخرون: هو مَثَلٌ للمؤمنِ، غيرَ أن المصباحَ وما فيه مثلٌ لفؤادِه، والمشكاةَ مثلٌ لجوفِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ جميعًا: المصباحُ وما فيه مثلُ فؤادِ المؤمن وجوفِه؛ المصباحُ مثلُ الفؤادِ، والكَوَّةُ مثلُ الجوفِ.
قال ابن جريجٍ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: كوةٍ غيرِ نافذةٍ.
قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ قولَه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾.
يعنى: إيمانُ المؤمنِ وعملُه.
وقال آخرون: بل ذلك مثلٌ للقرآنِ في قلبِ المؤمنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: ككَوَّةٍ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾: نورِ القرآنِ الذي أنْزَل على رسولِه وعبادِه، فهذا مثلُ القرآنِ، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ فهذا مثلُ القرآنِ، يُسْتَضاءُ به في نورِه ويَعْلَمونه ويَأْخُذون به، وهو كما هو، لا يَنْقُصُ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه.
وفى قولِه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾.
قال: الضوءُ إشراقُ ذلك الزيتِ، والمشكاةُ التي فيها الفَتيلةُ التي في المصباحِ، والقناديلُ تلك المصابيحُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ (١) بن عياضٍ في قولِه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: الكَوَّةُ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: قال ابن عمرَ: المشكاةُ الكَوَّةُ (٣).
وقال آخرون: المشكاةُ القنديلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
قال: القنديلُ، ثم العمودُ الذي فيه القنديلُ (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: الصُّفْرُ الذي في جوفِ القِنْديلِ (٥).
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن دادَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ القنديلُ.
وقال آخرون: المشكاةُ الحديد الذي يُعَلَّقُ به القِنْديلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ الحدائدُ التي يُعَلَّقُ بها القنديلُ (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك مثلٌ ضرَبه اللهُ للقرآنِ في قلبِ أهلِ الإيمانِ به، فقال: مثلُ نورِ اللهِ الذي أثار به لعباده سبيلَ الرشادِ، الذي أنْزَله إليهم فآمَنوا به وصدَّقوا بما فيه، في قلوبِ المؤمنين - مثلُ مشكاةٍ؛ وهى عمودُ القِنْديلِ الذي فيه الفَتِيلةُ، وذلك هو نظيرُ الكَوَّةِ التي تكونُ في الحِيطانِ التي لا مَنفذَ لها، وإنما جُعِل ذلك العمودُ مشكاةً؛ لأنه غيرُ نافذٍ وهو أجوفُ مفتوحُ الأعلى، فهو كالكَوَّةِ التي في الحائطِ التي لا تُنْفِذُ، ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
وهو السِّراجُ، وجَعَل السِّراجَ، وهو المصباحُ، مثلًا لما في قلبِ المؤمنِ مِن القرآنِ والآياتِ المبيِّنَاتِ.
ثم قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.
يعنى أن السراجَ الذي في المشكاةِ في القِنْديلِ، وهو الزجاجةُ، وذلك مثلٌ للقرآنِ.
يقولُ: القرآنُ الذي في قلبِ المؤمنِ الذي أنار اللهُ به قلبَه في صدرِه.
ثم مثَّل الصدرَ في خُلوصِه مِن الكفرِ باللهِ والشكِّ فيه، واستنارتِه بنورِ القرآنِ، واستضاءتِه بآياتِ ربِّه المبيِّناتِ، ومواعظِه فيها - بالكوكب الدُّرِّيِّ، فقال: الزُّجَاجَةُ.
وذلك صدرُ المؤمنِ الذي فيه قلبُه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿دُرِّيٌّ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بضمِّ الدالِ وتركِ الهمزِ (١).
وقرَأه بعضُ قرأةِ البصرةِ والكوفةِ: (دِرِّئٌ) بكسرِ الدالِ وهمزةٍ (٢).
وقرأه بعضُ قرأةِ الكوفةِ: (دُرِّئٌ) بضمِّ الدالِ وهمزةٍ (٣).
وكأن الذين ضمُّوا دالَه وترَكوا همزَه، وجَّهوا معناه إلى ما قاله أهلُ التفسيرِ الذين ذكَرْنا عنهم، من أن الزجاجةَ في صفائِها وحسنِها كالدُّرِّ، وأنها منسوبةٌ إليه لذلك مِن نعتِها وصفتِها.
ووجَّه الذين قرَءوا ذلك بكسرِ دالِه وهمزِه، إلى أنه "فِعيِّلٌ"، من دَرَأَ (٤) الكوكبُ (٥).
أي: دُفِع (٦) ورُجِم به الشيطانُ.
من قولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
أي: يَدْفَعُ.
والعربُ تُسَمِّى الكواكبَ العظِامَ التي لا تَعْرِفُ أسماءَها الدَّراريَّ، بغيرِ همزٍ.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٧) يقولُ: هي الدَّرارِيُّ بالهمزِ، مِن: يَدْرَأْنَ.
وأما الذين قرَءوه بضمِّ دالِه وهمزِه، فإن كانوا أرادوا به: دُرُّوءٌ.
مثلَ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ.
من: درَأْتُ.
ثم اسْتَثْقَلوا كثرةَ الضَّمَّاتِ فيه، فصرَفوا (٨) بعضَها إلى الكسرةِ، فقالوا: دُرِّئٌ.
كما قيل: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨].
وهو فُعُولٌ، مِن: عتَوْتُ عُتُوًّا، ثم حُوِّلت بعضُ ضماتِها إلى الكسرِ، فقيل: عِتِيًّا.
فهو مذهبٌ، وإلا فلا أَعْرِفُ لصحةِ قراءتِهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعْرَفُ في كلامِ العربِ "فُعِّيل".
وقد كان بعضُ أهلِ العربية يقولُ: هو لحنٌ (١).
والذي هو أولى القراءاتِ عندى في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بضمِّ دالِه وتركِ همزِه، على النسبةِ إلى الدُّرِّ؛ لأن أهلَ التأويلِ بتأويلِ ذلك جاءُوا، وقد ذكَرْنا أقوالَهم في ذلك قبلٌ، ففى ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهادِ على صحتِها بغيرِه، فتأويلُ الكلامِ: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾، وهى صدرُ المؤمنِ، ﴿كَأَنَّهَا﴾: يعنى كأن الزجاجةَ، وذلك مثلٌ لصدرِ المؤمنِ، ﴿كَوْكَبٌ﴾.
يقولُ: في صفائِها وضيائِها وحسنِها.
وإنما يَصِفُ صدرَه بالنقاءِ مِن كلِّ ريبٍ وشكٍّ في أسبابِ الإيمانِ باللهِ، وبعدِه مِن دَنَسِ المعاصى، كالكوكبِ الذي يُشْبِهُ الدُّرَّ في الصفاءِ والضياءِ والحسنِ.
واخْتَلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ المكيِّين والمدنيِّين وبعضُ البصريين: (تَوَقَّدَ مِن شجرةٍ) بالتاءِ، وفتحِها، وتشديدِ القافِ، وفتحِ الدالِ (٢)، وكأنهم وجَّهوا معنى ذلك إلى: توقَّدَ المصباحُ مِن شجرةٍ مباركةٍ.
وقرَأه بعضُ عامةِ قرأةِ المدنيين: ﴿يُوقَدُ﴾ بالياءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعِ الدالِ (٣)، بمعنى: يُوقَدُ المصباحُ، مَوْقِدُه مِن شجرةٍ.
ثم لم يُسَمَّ فاعلُه.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (تُوقَدُ) بضمِّ التاءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعِ الدالِ (١)، بمعنى: تُوقَدُ (٢) الزجاجةُ، مَوْقِدُها من شجرةٍ مباركةٍ.
ثم لم يُسَمَّ فاعلُه، فقيل: (تُوقَدُ).
وقرأه بعض أهلُ مكةَ: (تَوَقَّدُ) بفتحِ التاءِ، وتشديدِ القافِ، وضمِّ الدالِ (٣)، بمعنى: تَتَوَقَّدُ الزجاجةُ مِن شجرةٍ.
ثم أُسْقِطَت إحدى التاءين؛ اكتفاءً بالباقيةِ من الذاهبةِ.
وهذه القراءاتُ متقارباتُ المعانى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بها، وذلك أن الزجاجةَ إذا وُصِفَت بالتوقُّدِ، أو بأنها تُوقَدُ، فمعلومٌ معنى ذلك، فإن المرادَ به: تَوَقَّدَ فيها المصباحُ، أو يُوقَدُ فيها المصباحُ.
ولكن وجَّهوا الخبرَ إلى أن وصفَها بذلك أقربُ في الكلامِ منها، وفهمِ السامعين معناه والمرادَ منه.
فإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءاتِ (٤) قرأ القارئُ فمصيبٌ (٥)، غيرَ أنَّ أعجبَ القراءاتِ إلى أن أَقْرَأَ بها في ذلك: (تَوَقَّدَ) بفتحِ التاءِ، وتشديدِ القافِ، وفتحِ الدالِ، بمعنى وصفِ المصباحِ بالتوقُّد؛ لأنَّ التوقُّدَ والاتِّقادَ لا شكَّ أنهما من صفتِه دونَ الزجاجةِ، فمعنى الكلامِ إذن: كمشكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحٌ مِن دُهْنِ شجرةٍ مباركةٍ؛ زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ.
وقد ذكَرْنا بعضَ ما رُوِى عن بعضِهم من الاختلافِ في ذلك فيما قد مضَى، ونَذْكُرُ باقىَ ما حضَرَنا مما لم نَذْكُرْه قبلُ؛ فقال بعضُهم: إنما قيل لهذه الشجرةِ: لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ.
أي: ليست شرقيةَ وحدَها، حتى لا تُصِيبَها الشمسُ إذا غرَبَت، وإنما لها نصيبُها مِن الشمسِ بالغَداةِ ما دامت بالجانبِ الذي يلى الشرقَ، ثم لا يكونُ لها نصيبٌ منها إذا مالت إلى جانبِ الغربِ، ولا هي غربيةٌ وحدَها فتُصِيبَها الشمسُ بالعَشِيِّ إذا مالت إلى جانبِ الغربِ، ولا تُصِيبُها بالغَداةِ، ولكنها شرقيةٌ غربيةٌ، تَطْلُعُ عليها الشمسُ بالغَداةِ، وتَغْرُبُ عليها، فيُصِيبُها حرُّ الشمسِ بالغداةِ والعشيِّ.
قالوا: وإذا كانت كذلك كانت أجودَ لزيتِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: لا يَسْتُرُها من الشمسِ جبلٌ ولا وادٍ إذا طلَعَت وإذا غرَبَت (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: الشجرةُ تكونُ في مكانٍ لا يَسْتُرُها من الشمسِ شيءٌ، تَطْلُعُ عليها وتَغْرُبُ عليها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قالا: هي التي بشِقِّ الجبلِ، التي يُصِيبُها شروقُ الشمسِ وغروبُها، إذا طلَعَت أصابَتْها، وإذا غَرَبَت أصابَتْها (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليست شرقيةً ولا غربيةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: هي شجرةٌ وَسْطَ الشجرِ، ليست مِن الشرقِ ولا مِن الغربِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: مُتَيَامِنةُ الشامِ، لا شرقيٌّ ولا غربيٌّ (٢).
وقال آخرون: ليست هذه الشجرةُ مِن شجرِ الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: واللهِ لو كانت في الأرضِ لكانت شرقيةً أو غربيةً، ولكنما هو مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ - يعنى ابنَ الهيثمِ - قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: لو كانت في الأرضِ هذه الزيتونةُ كانت شرقيةً أو غربيةً، ولكن واللهِ ما هي في الأرضِ، وإنما هو مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ، ولو كانت هذه الشجرةُ في الدنيا، لكانت إما شرقيةً وإما غربيةً.
[وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك قولُ من قال: إنها شرقيةٌ غربيةٌ] (١).
وقال: معنى الكلامِ: ليست شرقيةً تَطْلُعُ عليها الشمسُ العشيَّ (٢) دونَ الغَداةِ، ولكنَّ الشمسَ تُشْرقُ عليها وتَغْرُبُ، فهي شرقيةٌ غربيةٌ.
وإنما قلْنا: ذلك أولى بمعنى الكلامِ؛ لأن الله إنما وصَف الزيتَ الذي يُوقَدُ على هذا المصباحِ بالصفاءِ والجودةِ، فإذا كان شجرُه شرقيًّا غربيًّا، كان زيتُه لا شكَّ أجودَ وأصْفَى وأَضْوَأَ.
وقولُه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يكادُ زيتُ هذه الزيتونةِ يُضِيءُ من صفائِه وحسنِ ضيائِه، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.
يقولُ: فكيف إذا مسَّته النارُ!
وإنما أُريد بقولِه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.
أن هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ، وأنه كلامُه، فجُعِل مَثَلُه ومثلُ كونِه مِن عندِه، مثلَ المصباحِ الذي يُوقَدُ مِن الشجرةِ المباركةِ التي وصفَها جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ.
وعُنِى بقولِه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾.
أن حُجَجَ اللهِ تعالى ذكرُه على خلقِه تكادُ من بيانِها ووضوحِها تُضِيءُ لمن فكَّر فيها ونظَر، أو أعْرَض عنها ولَهَا، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.
يقولُ: ولو لم يَزِدْها اللهُ بيانا ووضوحًا بإنزالِه هذا القرآنَ إليهم، مُنَبِّهًا لهم على توحيدِه، فكيف إذا نبَّههم به، وذكَّرهم بآياتِه، فزادهم به حجةً إلى حُججِه عليهم قبلَ ذلك!
فذلك بيانٌ مِن اللهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذي كان قد وصَفه (١) لهم ونصَبه قبلَ نزولِه.
وقولُه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾.
يعنى النارَ على هذا الزيتِ الذي يكادُ يُضِيءُ ولو لم تَمْسَسْه النارُ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾.
قال: النارُ على الزيتِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهو عندى - كما ذكَرْتُ - مَثَلُ القرآنِ.
ويعنى بقولِه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: هذا القرآنُ نورٌ مِن عندِ اللهِ، أَنْزَله إلى خلقه يَسْتَضِيئون به.
﴿عَلَى نُورٍ﴾: على الحججِ والبيانِ الذي قد نصَبَه لهم قبل مجيءِ القرآنِ وإنزالِه إياه، مما يَدُلُّ على حقيقةِ وحدانيتِه، فذلك بيانٌ مِن اللهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذي كان وصَفه (١) لهم ونصَبَه قبلَ نزولِه.
وذُكر عن زيدٍ بنُ أسلمَ في ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ (٣)، قال: قال زيدُ بنُ أَسْلَمَ في قولِه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: يُضِيءُ بعضُه بعضًا، يعني: القرآنُ (٤).
وقولُه: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يُوَفِّقُ اللهُ لاتِّباعِ نورِه، وهو هذا القرآنُ، مَن يَشَاءُ مِن عِبادِه.
وقولُه: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾.
يقولُ: ويُمَثِّلُ اللهُ الأمثالَ والأشباهَ للناسِ، كما مثَّل لهم مَثَلَ هذا القرآنِ في قلب المؤمنِ بالمصباحِ في المشكاةِ، وسائرِ ما في هذه الآيةِ مِن الأمثالِ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
يقولُ: واللهُ بضربِ الأمثالِ وغيرِها مِن الأشياءِ كلِّها ذو علمٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: اللهُ نورُ السماواتِ والأرضِ، مَثَلُ نورِه كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في بيوتٍ أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المشكاةُ التي فيها الفَتِيلَةُ التي فيها المصباحُ.
قال: المصابيحُ في بيوتٍ أذِنِ اللهُ أَن تُرْفَعَ (١).
قال أبو جعفرٍ: قد يَحْتَمِلُ أن تكونَ "في" مِنْ صلةِ ﴿يُوقَدُ﴾ فيكونَ المعنى: يُوقدُ مِن شجرةٍ مُبارَكة، ذلك المصباحُ في بيوتٍ أَذِن اللهُ أن تُرفَعَ.
وعَنَى بالبيوتِ المساجدَ.
وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم بالذي قُلْنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قالا: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِ اللهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: المساجدُ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: وهى المساجدُ تُكْرَمُ (٢)، ونُهى عن اللَّغْوِ فيها (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: يعنى كلَّ مسجدٍ يُصَلَّى فيه؛ جامعٍ أو غيرِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: مساجدُ تُبْنَى.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: في المساجدِ (١).
قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: أدركتُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ وهم يقولون: المساجدُ بيوتُ اللهِ، وإنه حقٌّ على اللهِ أن يُكْرِمَ مَنْ زارَه فيها (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن [سالمِ بن عمرَ] (٣) في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: هي المساجدُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: المساجدُ.
وقال آخرون: عَنَى بذلك البيوتَ كلَّها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قالا: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ (٤)، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: هي البيوتُ كلُّها (٥).
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخترْناه في ذلك؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
على أنها بيوتٌ بُنِيَتْ للصلاةِ، فلذلك قُلْنا: هي المساجدُ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: أذِن اللهُ أن تُبْنَى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
قال: تُبْنَى (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: معناه: أذِن اللهُ أن تُعَظَّمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.
يقولُ: أن تُعَظَّمَ لِذِكْرِه (٢).
وأوْلَى القولَيْن في ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قاله مجاهدٌ، وهو أن معناه: أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ بناءً.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وذلك أن ذلك هو الأَغْلَبُ مِن معنى الرَّفْعِ في البيوتِ والأبْنيَةِ.
وقولُه: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
يقولُ: وأذِن لعبادِه أن يَذْكُروا اسمَه فيها.
وقد قِيلَ: عَنَى به أنه أذِن لهم بتلاوةِ القرآنِ فيها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
يقولُ: يُتْلَى فيها كتابُه (١).
وهذا القولُ قريبُ المعنى مما قُلْناه في ذلك؛ لأن تلاوةَ كتابِ اللهِ مِن معاني ذكرِ اللهِ، غير أن الذي قلنا به أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، فلذلك اخْتَرْنا القولَ به.
وقولُه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ بضَمِّ الياءِ وكسرِ الباءِ (٢)، بمعنى: يُصَلِّي له فيها رجالٌ، وبجَعْلِ ﴿يُسَبِّحُ﴾ فِعْلًا لـ "الرجالِ" وخبرًا عنهم، ويُرْفَعُ به "الرجالُ"، سوى عاصمٍ (٣) وابنِ عامرٍ، فإنهما قَرَأا ذلك: (يُسَبَّحُ له) بضمِّ الياءِ وفتحِ الباءِ، على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ثم يَرْفَعان "الرجالَ" بخبرٍ ثانٍ مُضْمَرٍ، كأنهما أرادا: يُسَبَّحُ اللهِ في البيوتِ التي أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ، يُسبَّحُ له رجالٌ.
فرَفَعا الرجالَ بفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
والقراءةُ التي هي أَوْلاهما بالصوابِ قراءةُ مَن كسَر الباءَ، وجعَله خبرًا لـ "الرجالِ" وفِعلًا لهم.
وإنما كان الاختيارُ رفعَ "الرجالِ" بمُضْمَرٍ مِن الفعلِ لو كان الخبرُ عن "البيوتِ" لا يَتِمُّ إلا بقولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾.
فأمَّا والخبرُ عنها دونَ ذلك تامٌّ، فلا وجهَ لتوجيهِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ إلى غيره؛ إلى غيرِ الخبرِ عن الرجالِ.
وعَنَى بقولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: يُصَلَّى له في هذه البيوتِ بالغَدَوَاتِ والعَشِيَّاتِ رجالٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأَزْدَيُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عِمرانَ، عن سفيانَ، عن عمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ تسبيحٍ في القرآنِ فهو صلاةٌ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
يقولُ: يُصَلِّي له فيها بالغَداةِ والعَشِيِّ، يعنى بالغُدُوِّ صلاةَ الغَداةِ، ويعنى بالآصالِ صلاةَ العصرِ، وهما أَوَّلُ ما افْتَرَض اللهُ مِن الصلاةِ، فأَحَبَّ أن يَذْكُرَهما، ويُذَكِّرَ [بهما عبادَه] (٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ﴾: أذِن اللهُ أن تُبْنَى، [فيُصَلَّى له] (١) فيها بالغدوِّ والآصالِ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: يعنى الصلاةَ المفروضةَ.
وقولُه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَشْغَلُ هؤلاء الرجالَ الذين يُصَلُّون في هذه المساجدِ التي أذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ، عن ذكرِ اللهِ فيها وإقامِ الصلاةِ - تجارةٌ ولا بيعٌ.
كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن سعيدِ بن أبي الحسنِ، عن رجلٍ نَسِيَ اسمَه، في هذه الآيةِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ قال: هم قومٌ في تِجاراتِهم وبُيُوعِهم، لا تُلْهِيهم تجاراتُهم ولا بيوعُهم عن ذكرِ اللهِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ، أنه نظَر إلى قومٍ مِن السوقِ قاموا وترَكوا بيَاعاتِهم (٤) إلى الصلاةِ، فقال: هؤلاء الذين ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية (١).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن مسعودٍ نحوَ ذلك (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، قال: حُدِّثْتُ عن ابن مسعودٍ أنه رأَى قومًا مِن أهلِ السوقِ حيثُ نُودِيَ بالصلاةِ، تركوا بِياعاتِهم، ونَهَضُوا إلى الصلاةِ، فقال عبدُ اللهِ: هؤلاء مِن الذين ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تُلْهِيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن صلاتِهم المفروضةِ عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: عن الصلاةِ المكتوبةِ (٣).
وقولُه: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾.
يقولُ: ولا يَشْغَلُهم ذلك أيضًا عن إقامِ الصلاةِ بحدُودِها في أوقاتِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنُ، عن رجلٍ نَسِيَ عوفٌ اسمَه، في: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾.
قال: يَقُومون للصلاةِ عندَ مَواقيتِ الصلاةِ (١).
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس قولُه: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ مَصْدَرًا مِن قولِه: أَقَمْتُ؟
قِيلَ: بلى.
فإن قال: أو ليس المصدرُ منه: إقامةً.
كالمصدرِ مِن: أجَرتُ: إجارةً.
قِيلَ: بلى.
فإن قال: وكيف قال: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، أوَ تُجِيزُ أن يقالَ (٢): أقمتُ إقامًا؟
قيل: لا (٣)، ولكنِّى أُجِيزُ: أَعْجَبَنى إقامُ الصلاةِ.
فإن قِيل: وما وجهُ جَوازِ ذلك؟
قيل: إنّ الحُكْمَ في "أقمتُ" إذا جُعِل منه مصدرٌ، أن يقالَ: إقوامًا.
كما يُقالُ: أَقْعَدتُ فُلانًا إقعادًا، وأعطيتُه إعطاءً.
ولكنَّ العربَ لَمَّا سَكَّنتِ الواوَ مِن "أقمتُ"، فَسَقَطَتْ لاجْتماعِها وهى وهى ساكنةٌ والميمَ وهى ساكنةٌ، بَنوُا المصدرَ على ذلك، إذ جاءتِ الواوُ ساكنةٌ قَبْلَ أَلِفِ الإِفْعالِ وهى ساكنةٌ، فسَقَطَتِ الأولى منهما، فأبْدَلوا منها هاءً في آخِرِ الحرفِ؛ كالتَّكْثير للحرفِ، كما فَعَلوا ذلك في قولِهم: وَعَدْتُه عِدَةً، ووَزَنْتُه زِنَةٌ.
إذ (١) ذَهَبَتِ الواوُ مِن أَوَّلِه، كَثَّروه من آخرِه بالهاءِ، فلَمَّا أُضِيفَتِ الإقامةُ إلى الصلاةٍ، حذَفوا الزيادةَ التي كانوا زادوها للتكثيرِ، وهى الهاءُ في آخِرِها؛ لأن الخافِضَ وما خَفَض عندَهم كالحرفِ الواحدِ، فاسْتَغْنَوا بالمضافِ إليه مِن الحرفِ الزائدِ.
وقد قال بعضُهم في نظيرِ ذلك (٢): إن الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا … وأَخْلَفوك عِدَ (٣) الأمرِ الذي وَعَدُوا يُريدُ: عِدَةَ الأمرِ.
فأَسْقَط الهاءَ مِن "العِدَةِ" لمَّا أضافَها، فكذلك ذلك في ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾.
قيلَ: معنى ذلك: وإخلاصِ الطاعةِ للهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧، النور: ٥٦، المزمل: ٢٠]، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥].
وقولَه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١].
وقولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].
وقولَه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣].
ونحوَ هذا في القرآنِ.
قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ والإخلاصَ (١).
وقولُه: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
يقولُ: يخافون يومًا تتقَلَّبُ فيه القلوبُ مِن هَوْلِه، بينَ طمعٍ بالنجاةِ، وحَذَرٍ بالهلاكِ، ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾: أيَّ ناحيةٍ يُؤْخَذُ بهم؛ أذاتَ اليمينِ أم ذاتَ الشمالِ؟
ومِن أينَ يُؤْتَوْن كُتُبَهم؛ أمِن قِبَلِ الأَيْمانِ أم مِن قِبَلِ الشَّمَائِل؟
وذلك يومُ القيامةِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ: قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ إلى قولِه: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: يومُ القيامةِ (٢).
وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾.
يقولُ: فَعَلوا ذلك، يعنى أنهم لم تُلْهِهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ، وأقاموا الصلاةَ، وآتَوُا الزكاةَ، وأطاعوا ربَّهم، مَخَافَةَ عذابِه يومَ القيامةِ؛ كى يثُيبَهم اللهُ يومَ القيامةِ بأحسنِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا، ويَزيدَهم على ثوابِه إياهم على أحسنِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا من فَضْلِه، فيَتَفَضَّلَ (٣) عليهم مِن عنده بما أحَبَّ مِن كرامتِه لهم.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ يَتَفَضَّلُ على من شاءَ وأراد؛ مِن طَوْلِه وكرامتِه، مما لم يَسْتَحِقَّه بعملِه، ولم يَبْلُغْه بطاعتِه، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
يقولُ: بغيرِ مُحَاسَبَةٍ على ما بذَل له وأعْطاه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾.
وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لأعمالِ أهلِ الكفرِ به، فقال: والذين جَحَدوا توحيدَ ربِّهم، وكذَّبوا بهذا القرآنِ وبمَن جاء به، مَثَلُ أعمالِهم التي عمِلوها ﴿كَسَرَابٍ﴾.
يقولُ: مِثْلُ سرابٍ.
والسرابُ: ما لَصِقَ بالأرضِ، وذلك يكونُ نِصْفَ النهارِ، وحينَ يَشْتَدُّ الحرُّ.
والآلُ: ما كان كالماءِ بينَ السماءِ والأرضِ، وذلك يكونُ أَوّلَ النهارِ، يَرْفَعُ كُلَّ شيءٍ ضُحًى.
وقولُه: ﴿بِقِيعَةٍ﴾.
وهى جمع قاعٍ، كالجِيرَةِ جمعُ جارٍ.
والقاعُ: ما انْبَسَط من الأرضِ واتَّسع.
وفيه يكونُ السرابُ.
وقولُه: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾.
يقولُ: يَظُنُّ العَطْشَانُ مِن الناسِ السرابَ ماءً، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ والهاءُ من ذكْرِ "السرابِ".
والمعنى: حتى إذا جاءَ الظمآنُ السرابَ، مُلْتَمِسًا ماءً يَسْتَغِيتُ به مِن عطشِه، ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.
يقولُ: لم يَجِدِ السرابَ شيئًا، فكذلك الكافرون باللهِ؛ مِن أعمالِهم التي عمِلوها، في غُرُورٍ، يَحْسَبون أنها مُنَجِّيَتُهم عندَ اللهِ مِن عذابِه، كما حَسِب الظمآنُ الذي رَأى السرابِ، فظَنَّه ماءً يَرْوِيه مِن ظَمَئِه، حتى إذا هَلَك وصار إلى الحاجةِ إلى عملِه الذي كان يَرَى أنه نافِعُه عندَ اللهِ، لم يَجِدْهُ يَنْفَعُه شيئًا؛ لأنه كان عَمِلَه على كفرٍ باللهِ، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ هذا الكافرُ، عندَ هلاكِه بالمِرْصَادِ، ﴿فَوَفَّاهُ﴾ يومَ القيامةِ حسابَ أعمالِه التي عمِلها في الدنيا، وجازاه بها جزاءَه الذي يَسْتَحِقُه عليها منه.
فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيلَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.
فإن لم يَكُنِ السرابُ شيئًا، فعلامَ أُدْخِلَت الهاءُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؟
قيل: إنه شيءٌ يُرَى مِن بعيدٍ كالضَّبابِ الذي يُرَى كَثيفًا مِن بعيدٍ، والهَبَاءِ، فإذا قَرُب منه المرءُ رَقَّ وصار كالهواءِ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: حتى إذا جاء موضعَ السرابِ لم يَجِدِ السرابَ شيئًا.
فاكتفى بذكرِ "السرابِ" من ذكرِ موضعِه.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
يقولُ: واللهُ سريعٌ حسابُه؛ لأنه تعالى ذكرُه لا يَحتاجُ إلى عَقْدِ أصابعَ، ولا حفظٍ بقلبٍ، ولكنه عالمٌ بذلك كلِّه، قبلَ أن يَعْمَلَه العبدُ، ومن بعدِ ما عمِله.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: ثم ضرَب مثلًا آخرَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾.
قال: وكذلك الكافرُ يَجِيءُ يومَ القيامةِ، وهو يَحْسَبُ أن له عند اللهِ خيرًا، فلا يَجِدُ، فيُدْخِلُه النارَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ بنحوِه.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾.
يقولُ: الأرضِ المستويةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
قال: هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لرجلٍ عطِش فاشْتَدَّ عطشُه، فرأى سرابًا، فحسِبه ماءً، فطلَبه وظنَّ أنه قد قدَر عليه، حتى أتاه، فلمَّا أتاه لم يَجِدْه شيئًا، وقُبِض عندَ ذلك.
يقولُ: الكافرُ كذلك، يَحْسَبُ أن عملَه مُغْنٍ عنه، أو نافعُه شيئًا، ولا يكونُ آمِنًا (٢) على شيءٍ حتى يَأتِيَه الموتُ، فإذا أتاه الموتُ لم يَجِدْ عملَه أغْنَى عنه شيئًا، ولم يَنْفَعْه إلا كما نفَع العطشانَ المُشْتَدَّ إلى السرابِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾.
قال: بقاعٍ مِن الأرضِ، والسرابُ عمَلُه.
زاد الحارثُ في حديثِه عن الحسنِ: والسرابُ عملُ الكافرِ، ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، إتيانُه إياه: موتُه وفراقُه الدنيا.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ عندَ فراقِه الدنيا، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ (٤).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾.
قال: بِقِيعةٍ مِن الأرضِ، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾: هو مثلٌ ضلالةٍ وحَيْرةٍ، قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (١).
ورُوِى عن أُبيِّ بن كعبٍ ما حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ الآية.
قال: ضرَب مثلًا آخَرَ للكافِرِ، فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية.
قال: فهو يَتَقَلَّبُ في خمسٍ مِن الظُّلَم، فكلامُه ظُلْمَةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومَدْخَلُه ظلمةٌ، ومَخْرَجُه ظلمةٌ، ومصيرُه إلى الظلماتِ يومَ القيامةِ، إلى النارِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ (٣)، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ بنحوِه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾.
قال: شرٌّ بعضُه فوقَ بعضٍ.
وقولُه: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
يقولُ: إذا أَخْرَج الناظرُ يدَه في هذه الظلماتِ لم يَكَدْ يَراها (٤).
فإن قال (٥) قائل: وكيف قيلَ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
مع شدةِ هذه الظُّلْمِةِ (٦).
التي وصَف، وقد علِمْتَ أن قولَ القائلِ: لم أكَدْ أَرَى فلانًا.
إنما هو إثباتٌ منه لنفسِه رؤيتَه بعدَ جَهْدٍ وشدةٍ، ومِن دونِ الظلماتِ التي وُصِفَت (١) في هذه الآيةِ ما لا يَرَى الناظرُ يدَه إذا أخْرَجها فيه، فكيف فيها؟
قيل: في ذلك أقوالٌ، نَذْكُرُها ثم نُخْبِرُ بالصوابِ مِن ذلك؛ أحدُها: أن يكونَ معنى الكلامِ: إذا أخْرَج يدَه رائيًا لها، لم يَكَدْ أن (٢) يراها.
أي: لم يَعْرِفْ مِن أينَ يراها، فيكونُ مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، ويكونُ تأويلُ الكلامِ على ذلك: إذا أخْرَج يدَه لم يَقْرُبْ أن يرَاها.
والثاني: أن يكونَ معناه: إذا أَخْرَج يدَه لم يَرَها.
ويكون قولُه: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾.
في دخولِه في الكلامِ، نظيرَ دخولِ الظَّنِّ فيما هو يقينٌ من الكلامِ، كقولِه: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].
ونحوَ ذلك.
والثالثُ: أن يكونَ قد رآها بعدَ بُطءٍ وجَهْدٍ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: ما كِدْتُ أراك مِن الظلمةِ.
وقد رآه، ولكنْ بعدَ إياسٍ وشدةٍ.
وهذا القولُ الثالثُ أظهرُ معاني الكلمةِ من جهةِ ما تَسْتَعْمِلُ العربُ "أَكادُ" في كلامِها.
والقولُ الآخرُ الذي قلنا أنه يَتَوَجَّهُ إلى أنه بمعنى: لم يَرَها.
قول أَوْضَحُ مِن جهةِ التفسيرِ، وهو أَخْفَى مَعانِيهِ.
وإنما حسُنَ ذلك في هذا الموضعِ - أعنى: أن يقولَ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
مع شدةِ الظلمةِ التي ذكَر - لأن ذلك مَثَلٌ، لا خبرٌ عن كائنٍ كان.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾.
يقولُ: مَن لم يَرْزُقُهُ اللهُ إِيمانًا وهُدًى مِن الضلالةِ ومعرفةً بكتابِه، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
يقولُ: فما له من إيمانٍ وهدًى ومعرفةٍ بكتابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تنظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك، فتَعْلَمَ أن الله يُصَلَّى له مَن في السماواتِ والأرضِ؛ مِن مَلَكٍ وإنسٍ وجِنٍّ، ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ في الهواءِ أيضًا تُسَبِّحُ له، ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.
[فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾] (١) والتسبيحُ عندَك صلاةٌ؟
فيقالُ: قيل: إن الصلاةَ لبنى آدمَ، والتَّسْبيحَ لغيرِهم مِن الخلقِ، ولذلك فَصَل فيما بينَ ذلك.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.
قال: والصلاةُ للإنسانِ، والتَّسْبيحُ لِما سوى ذلك مِن الخلقِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.
قال: ﴿صَلَاتَهُ﴾ للناسِ، و ﴿وَتَسْبِيحَهُ﴾ عامةً لكلِّ شيءٍ.
ويَتَوَجَّهُ قولُه: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ لوُجُوهٍ؛ أحدُها: أن تكونَ الهاءُ التي في قولِه: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ مِن ذكر ﴿كُلٌّ﴾، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، قد عَلِمَ اللهُ صلاته وتَسْبيحَه.
ويكونَ "الكلُّ" حينَئذٍ مرتفعًا بالعائدِ من ذكرِه في قولِه: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.
وهو الهاءُ التي في "الصلاةِ".
والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ الهاءُ في "الصلاةِ" و "التسبيحِ" أيضًا لـ "الكلِّ"، ويكونَ "الكلُّ" مُرْتَفِعًا بالعائدِ من ذكرِه عليه في ﴿عَلِمَ﴾، ويكونَ ﴿عَلِمَ﴾ فعلًا لـ "الكلِّ".
فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قد عَلِم كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم صلاةَ نفسِه وتَسْبيحَه الذي كُلِّفَه وأَلْزَمَه.
والوجهُ الآخِرُ: أن تكونَ الهاءُ في "الصلاةِ" و "التَّسْبِيحِ" مِن ذكرِ اللهِ، والعِلْمُ لـ "الكلِّ".
فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قد عَلِم كلُّ مُسَبِّحٍ ومُصَلٍّ صلاةَ اللهِ التي (١) كَلَّفَه إياها وتسبيحَه.
وأظهرُ هذه المعانى الثلاثةِ على هذا الكلامِ، المعنى الأولُ، وهو أن يكونَ المعنى: كلُّ مُصَلٍّ منهم ومُسَبِّحٍ قد عَلِمَ اللهُ صلاتَه وتَسْبيحَه.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ ذو علمٍ بما يفعَلُ كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أفعالِهم؛ طاعتِها ومَعْصِيتِها، مُحِيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُجازِيهم على ذلك كلِّه.
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وللهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلْكُها، دونَ كلِّ مَن هو دونَه من سلطانٍ ومَلِكٍ، فإياه فارْهَبُوا أيُّها الناسُ، وإليه فارْغَبوا، لا إلى غيرِه، فإن بيدِه خزائنَ السماواتِ والأرضِ، لا يَخْشَى بعَطاياكم منها فقرًا، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
يقولُ: وأنتم إليه بعدَ وفاتِكم، مَصِيرُكم ومَعادُكم، فمُوَفِّيكُم (١) أجورَ أعمالِكم التي عَمِلتُموها في الدنيا، فأحْسِنوا عبادتَه، واجْتَهِدوا في طاعتِه، وقَدِّموا لأنفسِكم الصالحاتِ مِن الأعمالِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾.
يعني: يَسُوقُ ﴿سَحَابًا﴾ حيث يريدُ، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾.
يقولُ: ثم يؤلِّفُ بينَ السحابِ.
وأضافَ "بينَ" إلى السحابِ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، و "بينَ" لا تكونُ مضافةً إلا إلى جماعةٍ أو اثنين؛ لأن السحابَ في معنى جمعٍ، واحِدُه سحابةٌ، كما تُجمَعُ النخلةُ: نَخْلٌ.
والتمرةُ: تمرٌ.
فهو نظيرُ قولِ قائلٍ: جَلَس فلانٌ بينَ النخلِ.
وتأليفُ اللهِ السحابَ جمعُه بينَ مُتَفَرِّقِها.
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾.
يقولُ: ثم يجعلُ السحابَ الذي يُزْجِيهِ، ويُؤلِّفُ بعضَه إلى بعضٍ - ﴿رُكَامًا﴾.
يعنى: مُتَراكِمًا بعضُه على بعضٍ.
وقد حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا خالدٌ، قال: ثنا فِطْرٌ (١)، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عُبَيدِ بن عميرٍ الليثيِّ، قال: الرياحُ أربعٌ، يبعثُ اللَّهُ الريحَ الأولى، فتَقُمُّ الأرضَ قَمًّا، ثم يبعثُ الثانيةَ، فتُنْشِئُ (٢) سحابًا، ثم يبعثُ الثالثةَ، فتُؤلِّفُ بينَه، فتجعلُه رُكامًا، ثم يبعثُ الرابعةَ فتُمْطِرُه (٣).
وقولُه: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾.
يقولُ: فتَرى المطرَ يخرُجُ مِن بين السحابِ، وهو الوَدْقُ، قال الشاعرُ (٤): فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها … ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقالَها والهاءُ في قولِه: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ مِن ذِكْرِ السحابِ.
والخِلالُ: جمعُ خَلَلٍ.
وذُكِر عن ابن عباسٍ وجماعةٍ أنهم كانوا يقرءُون ذلك: (مِنْ خَلَلِه).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا قتادةُ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: (مِنْ خَلَلِهِ) (٥).
قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عُمارةُ (٦)، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: (مِن خَلَلِه) (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرني عُمارةُ بنُ أبي حفصةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ أنه قَرأها: (مِن خَلَلِه) بفتحِ الخاءِ مِن غيرِ ألفٍ.
قال هارونُ: فذكرتُ ذلك لأبي عمرٍو، فقال: إنها لحسنةٌ، ولكنَّ ﴿خِلَالِهِ﴾ أعَمُّ.
وأما قرأةُ الأمصارِ فإنهم على القراءةِ الأُخرى: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾.
وهى التي نختارُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾.
قال: الوَدْقُ القَطْرُ، والخِلالُ السحابُ (٢).
وقولُه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾.
قيل: في ذلك قولان؛ أحدُهما، أن معناه: وأن الله يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ في السماءِ مِن بَرَدٍ، مخلوقةٍ هنالك خِلْقةً.
كأن الجبالَ على هذا القولِ، هي مِن بَرَدٍ، كما يقالُ: جبالٌ مِن طينٍ.
والقولُ الآخرُ: أَن اللَّهَ يُنزِّلُ مِن السماءِ قَدْرَ جبالٍ وأمثالَ جبالٍ مِن بَرَدٍ إلى الأرضِ.
كما يقالُ: عندى بَيْتان تِبْنًا.
والمعنى: قَدْرُ بيتَين من التبنِ.
والبيتان ليسا مِن التُّبْنِ.
وقولُه: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: فيُعذِّبُ بذلك الذي يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ - مَن يَشَاءُ فَيُهْلِكُه، أو يُهْلِكُ بِهِ زُرُوعَه ومالَه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِن خلقِه.
يعنى: عن زُرُوعِهم وأموالِهم.
وقولُه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
يقولُ: يكادُ شدةُ ضوءِ بَرْقِ هذا السحابِ يَذْهَبُ بأَبصارِ مَن لاقَى بصرَه.
و "السَّنَا"، مقصورٌ، وهو ضوءُ البرقِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾.
قال: ضَوْءُ بَرْقِه (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾.
يقولُ: لَمَعانُ البرقِ يَذهبُ بالأبصارِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
قال: سَنَاه ضَوءُه (٣)، يذهبُ بالأبصارِ.
وقرأت قرأةُ الأمصارِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ﴾ بفتحِ الياءِ مِن ﴿يَذْهَبُ﴾ سوى أبي جعفرٍ القارئَ، فإنه قرأَه بضمِّ الياءِ: (يُذْهِبُ بالأَبصارِ) (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنما كان ينبغى أن يكونَ قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللَّهِ وإلى حكمِ رسولِه، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وبينَ خصومِهم - ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ ما قيلَ لنا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ مَن دَعانا إلى ذلك.
ولم يُعْنَ بـ ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضعِ الخبرُ عن أمرٍ قد مَضَى فتقضَّى (١)، ولكنه تأنيبٌ مِن اللهِ الذين أُنزلت هذه الآيةُ بسببِهم، وتأديبٌ منه آخرين غيرَهم.
وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم وبينَ خُصُومِهم، يقولون (٢): سَمِعْنا وأطَعْنا.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.
يقولُ: هم المُنْجِحون المُدْرِكون طَلِباتِهم بفعلِهم ذلك، المُخلَّدون في جنانِ اللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه فيما [أمَراه ونَهَياه] (٣)، ويُسَلِّمْ لحكمِهما له وعليه، ويَخَفْ عاقبةَ معصيةِ اللهِ ويَحْذَرُه، ويَتَّقِ عذابَ اللهِ بطاعتِه إياه في أمرِه ونَهْيِه، ﴿فَأُولَئِكَ﴾.
يقولُ: فالذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ برضا اللهِ عنهم يومَ القيامةِ، وأمنِهم مِن عذابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وحَلَف هؤلاء المُعْرِضون عن حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رسولِه إذ دُعُوا إليه، ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
يقولُ: أغلظَ أيمانِهم وأشدَّها.
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ يا محمدُ بالخروجِ إلى جهادِ عدوِّك وعدوِّ المؤمنين، ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾، ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾: لا تَحْلِفوا؛ فإن هذه ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ منكم فيها التكذيبُ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾.
قال: قد عرَفتُ طاعتَكم، أي (١) إنكم تَكذِبون (٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ بما تَعْمَلُون مِن طاعتِكم الله ورسولَه، أو خلافِكم أمرَهما، أو غيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك شيءٌ، وهو مُجازِيكم بكلِّ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المُقْسِمِين بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهم لئن أمرتَهم ليَخْرُجُنَّ، وغيرِهم مِن أمَّتِك: ﴿أَطِيعُوا الله﴾ أيُّها القومُ، فيما أمَرَكم به ونَهاكم عنه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فإن طاعتَه للهِ طاعةٌ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾.
يقولُ: فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمَرَكم به رسولُ اللهِ ﷺ، أو نَهاكم عنه، وتَأْبَوا أن تُذْعِنوا لحكمِه لكم وعليكم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾.
يقولُ: فإنما عليه فعلُ ما أُمِرَ بفعلِه مِن تَبْليغِ رسالةِ اللهِ إليكم، على ما كَلَّفَه مِن التبليغِ، ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾.
يقولُ: وعليكم أيُّها الناسُ أن تَفْعَلُوا مَا أَلزَمَكم وأوجَب عليكم مِن اتِّبَاعِ رسولِه ﷺ، والانتهاءِ إلى طاعتهِ فيما أمَرَكم ونَهاكم.
وقُلنا: إن قولَه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾.
بمعنى: فإن تَتَولَّوا، فإنه في موضعِ جزمٍ؛ لأنه خطابٌ للذين أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بأن يقولَ لهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
يدلُّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾.
ولو كان قولُه: ﴿تَوَلَّوْا﴾.
فعلًا ماضيًا، على وَجْهِ الخبرِ عن غَيبٍ، لكان في موضعِ قولِه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وعليهم ما حُمِّلُوا.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُطِيعوا أيُّها الناسُ رسولَ اللهِ فيما يأمُرُكم ويَنْهاكم، تَرْشُدُوا وتُصِيبوا الحقَّ في أُمُورِكم.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
يقولُ: وغيرُ واجبٍ على مَن أرسَله اللهُ إلى قومٍ برسالةٍ إلا أن يُبَلِّغَهم رسالتَه بلاغًا، يُبيُن لهم ذلك البلاغُ عما أرادَ اللهُ به.
يقولُ: فليس على محمدٍ أيُّها الناسُ إلا أداءُ رسالةِ اللهِ إليكم، وعليكم الطاعةُ، وإن أطَعْتُموه، لَحُظُوظَ أنفسِكم تُصِيبون، وإن عَصيتُموه، فأنفُسَكم (١) تُوبِقون (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾.
بالياءِ ظَنَّ أَنه قد عَمِل في: ﴿مُعْجِزِينَ﴾، وأن منصوبَه الثانِيَ: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾.
وذلك لا معنَى له إن كان ذلك قَصَد (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الرجالُ دونَ النساءِ، ونُهُوا عن أن يُدْخِلوا عليهم في هذه الأوقاتِ الثلاثةِ، هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ، إلا بإذنٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن لَيْثٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قولَه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: هي على الذكورِ دونَ الإناثِ (٢).
وقال آخرون: بل عُنِى به الرجالُ والنساءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: هي في الرجالِ والنساءِ، يَسْتأذِنون على كلِّ حالٍ، بالليلِ والنهارِ (١).
وأَوْلى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به الذكورُ والإناثُ؛ لأن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ جميعَ أملاكِ أيمانِنا، ولم يَخْصُصْ منهم ذكَرًا ولا أُنثى، فذلك على جميعِ مَن عَمَّه ظاهرُ التنزيلِ.
فتأويلُ الكلامِ: يأيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، ليَسْتأْذِنْكم في الدخولِ عليكم عبيدُكم وإماؤُكم، فلا يَدْخُلوا عليكم إلا بإذنٍ منكم لهم.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾.
يقولُ: والذين لم يَحْتَلِموا مِن أحرارِكم ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.
يعني: ثلاثَ مراتٍ، في ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ لَيْلِكم ونهارِكم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: عبيدُكم المَمْلوكون ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾.
قال: لم يَحْتَلِموا مِن أحْرارِكم (٢).
قال ابن جريجٍ: قال لي عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: فذلك على كلِّ صغيرٍ وصغيرةٍ أن يَسْتأذِنَ، كما قال: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾.
قالوا: هي العَتَمَةُ.
قلت: فإذا وَضَعوا ثيابَهم بعدَ العَتَمَةِ، استأذَنوا عليهم حتى يُصْبِحوا؟
قال: نعم.
قلتُ لعطاءٍ: هل اسْتِئذانُهم إلا عندَ وَضْعِ الناسِ ثيابهم؟
قال: لا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ ويعقوبَ بن عُتْبَةَ وإسماعيلَ بن محمدٍ، قالوا: لا اسْتِئذانَ على خَدَمِ الرجلِ عليه إلا في العَوْراتِ الثلاثِ.
حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يقولُ: إذا خَلا الرجلُ بأهلِه بعدَ صلاةِ العشاءِ، فلا يدخُلُ عليه خادمٌ ولا صبيٌّ إلا بإذنٍ، حتى يُصَلِّيَ الغَداةَ، فإذا خَلا بأهِله عندَ صلاةِ الظهرِ فمثلُ ذلك (١).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني قُرَّةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بن (٢) أبي مالكٍ القُرَظِيِّ، أنه سأَل عبدَ اللهِ بنَ سُوَيدٍ الحارِثيَّ، وكان مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، عن الإِذْنِ في العَوْرَاتِ الثلاثِ، فقال: إذا وضَعتُ ثيابى مِن الظَّهِيرةِ، لم يَلِجُ عليَّ أحدٌ مِن الخَدَمِ الذِى بَلَغَ الحُلُمَ، ولا أحدٌ ممن لم يبلُغِ الحُلُمَ مِن الأحرارِ، إلا بإذنٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمعتُ عطاءً يقولُ: قال ابن عباسٍ: ثلاثُ آياتٍ جَحَدَهنَّ الناسُ؛ الإذنُ كلُّه، وقال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال الناسُ: أكرمُكم أعظمُكم بيتًا.
ونسيتُ الثالثةَ (١).
حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كان الحسنُ يقولُ: إذا أباتَ الرجلُ خادمَه معه، فهو إذنُه، وإن لم يُبته معه، استأذنَ في هذه الساعاتِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى موسى [بنُ أبى عائشةَ] (٣)، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: لم تُنْسَخْ.
قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون به.
قال: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن الشعبيِّ، وسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قلتُ: منسوخةٌ هي؟
قال: لا واللهِ ما نُسِخت.
قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون بها.
قال: اللَّهُ المُسْتعانُ (٤).
غيرُه، فرَخَّص اللهُ لهم، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كانت بنو كِنانةَ (٢) يَسْتَحْيِي الرجلُ منهم أن يأكُلَ وحدَه، حتى نزلَتْ هذه الآيةُ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كانوا لا يأكُلون إلا جميعًا، ولا يأكُلون مُتَفرِّقين، وكان ذلك فيهم دِينًا، فأنزَل اللهُ: ليس عليكم حَرَجٌ (٤) في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى، وليس عليكم حَرجٌ أن تأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾.
قال: كان مِن العربِ مِن لا يأكُلُ أبدًا جميعًا، ومنهم مَن لا يأكُلُ إلا جميعًا، فقال اللَّهُ ذلك (٦).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: نزلَت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ في حيٍّ مِن العربِ كان الرجلُ منهم لا يأكُلُ طعامَه وحدَه، كان يحمِلُه بعضَ يومٍ حتى يَجِدَ مَن يأكُلُه معه.
قال: وأحسَبُ أنه ذكَر أنهم مِن كِنانَة (٧).
جميعَهم، ما يكرَهُه، والذي بعدَه وعيدٌ للمُنصرفِين [عنه بغيرِ إذْنِه] (١)، فالذي بينَهما بأن يكونَ تحذيرًا لهم سُخْطَه، أن يَضْطرَّه إلى الدعاءِ عليهم، أشبهُ مِن أن يكونَ أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ من تَعْظيمِه وتوقيرِه بالقولِ والدعاءِ.
وقولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المُنصرِفون عن نبيِّكم بغيرِ إِذْنِهِ، تَسَتُّرًا (٢) وخُفْيَةً منه، وإن خَفِي أمرُ مَن يفعلُ ذلك منكم على رسولِ اللهِ ﷺ، فإن الله يعلمُ ذلك ولا يخفَى عليه، فليَتَّقِ (٣) مَن يفعلُ ذلك منكم، الذين يُخالفِون أمرَ اللهِ في الانْصرافِ عن رسولِ اللهِ ﷺ إلا بإذْنِه - أن تُصِيبَهم فتنةٌ مِن اللهِ، أو يُصِيبَهم عذابٌ أَلِيمٌ، فيُطْبَعَ على قلوبِهم، فيكفَّروا باللهِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن (٤) جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾.
قال: [كانوا يَستتِرُ] (٥) بعضُهم ببعضٍ، فيقومون، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾.
قال: يُطبَعُ على قلبِه، فلا يُؤْمَنُ (٦) أن يُظهِرَ ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ عَمِلتُموه (١) أنتُم وهم وغيرُكم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، لا يَخفَى عليه شيءٌ، بل هو محيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُوَفٍّ كلَّ عاملٍ منكم أجْرَ عملِه يومَ تُرْجَعون إليهِ.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "النورِ"