تفسير الطبري سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الشعراء

تفسيرُ سورةِ الشعراء كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 179 دقيقة قراءة

تفسير سورة الشعراء كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ الشعراءِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾.

قال أبو جعفرٍ: وقد ذكَرنا اختلافَ المختلفين فيما في ابتداءِ فواتحِ سورِ القرآنِ من حروفِ الهِجاءِ، وما انْتَزع به كلُّ قائلٍ منهم لقولِه ومذهبِه من العلةِ.

وقد بيَّنا الذي هو أولى بالصوابِ من القولِ فيه، فيما مضى من كتابِنا هذا، بما أغنى عن إعادتِه.

وقد ذُكِر عنهم من الاختلافِ في قولِه: ﴿طسم﴾ و ﴿طس﴾، نظيرُ الذي ذُكِر عنهم في ﴿الم﴾ و ﴿المر﴾ و ﴿المص﴾ (١).

وقد حدَّثني على بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿طسم﴾.

قال: فإنه قسمٌ أَقْسَمه اللَّهُ، وهو من أسماءِ اللَّهِ (٢).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتاةَ في قولِه: ﴿طسم﴾.

قال: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ (٣).

فتأويلُ الكلامِ على قولِ ابن عباسٍ: والسميعِ (٤)، إن هذه الآياتِ التي أَنْزَلتُها إلى محمدٍ ﷺ في هذه السورةِ - لآياتُ الكتابِ الذي أَنْزَلتُه إليه من قبلِها، الذي بيَّنه (٥) لمن تدبَّره بفهمٍ، وفكَّر فيه بعقلٍ، أنه بعقلٍ، أنه من عندِ اللَّهِ ﷻ، لم يتخرَّصْه محمدٌ ﷺ، ولم يتقوَّلْه من عندِه، بل أوحاه إليه ربُّه.

وقولُه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهْلِكُها إن لم يُؤمنْ قومُك بك، ويصدِّقوك على ما جئتَهم به.

والبَخْعُ: هو القتلُ والإهلاكُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (١): ألَا أيُّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَهُ … لشيءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْكَ (٢) المقادرُ وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتلٌ نفسَك.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾.

[قال: قاتلٌ نفسَك (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ] (٤) نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

قال: لعلَّك من الحرصِ على إيمانِهم مُخْرِجٌ نفسَك من جسدِك.

قال: ذلك البَخْعُ (١).

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: [قاتلٌ نفسَك] (٢) عليهم حرصًا (٣).

و "أن" من قولِه: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

في موضع نصبٍ بـ ﴿بَاخِعٌ﴾.

كما يقالُ: زرتُ عبدَ اللَّهِ أَنْ زارنى.

وهو جزاءٌ.

ولو كان الفعلُ الذي بعدَ "أن" مستقبَلًا، لكان وجهُ الكلامِ في "أن" الكسرَ، كما يقالُ: أزورُ عبدَ اللَّهِ إِنْ يَزُرْنى.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾.

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: معناه: فظلَّ القومُ الذين أُنْزِل عليهم من السماءِ آيةٌ خاضعةً أعناقُهم لها من الذِّلةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.

قال: فظلُّوا خاضعةً أعناقُهم لها.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَاضِعِينَ﴾.

قال: لو شاء اللَّهُ لنزَّل عليه آيةً يذِلُّون بها، فلا يَلْوِى أحدٌ عنقَه إلى معصيةِ اللهِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾.

قال: لو شاء اللهُ لأراهم أمرًا من أمرِه لا يعملُ أحدٌ منهم بعدَه بمعصيةٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.

قال: مُلْقين أعناقَهم (٢).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.

قال: الخاضُع الذليلُ (٣).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلَّت سادتُهم وكبراؤُهم للآيةِ خاضعين.

ويقولُ: الأعناقُ هم الكبراءُ من الناسِ.

واختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ تذكيرِ ﴿خَاضِعِينَ﴾.

وهو خبرٌ عن "الأعناق"؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: يزعُمون أن قولَه ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾، على الجماعاتِ، نحو: هذا عُنُقٌ من الناسِ كثيرٌ.

أو ذُكِّر كما يُذَكَّرُ بعضُ المؤنثِ، كما قال الشاعرُ (٤): تَمرَّزْتُها (٥) والديكُ يَدْعو صباحَهُ … إذا ما بنو نَعْشٍ (٦) دَنَوا فَتَصَوَّبُوا فجماعاتُ هذا أعناقٌ.

أو يكونُ ذكَّره لإضافتِه إلى المذكَّرِ كما يؤنَّتُ الإضافتِه إلى المؤنثِ، كما قال الأعشى (١): وتَشْرَقَ (٢) بالقولِ الذي قد أَذَعْتَهُ … كما شرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ وقال العجَّاجُ: لما رأَى مَتْنَ السماءِ أَنْفَذَتْ (٣) وقال الفرزدقُ (٤): إذا القُنْبُضاتُ (٥) السودُ طَوَّفْنَ بالضُّحى … رقَدْنَ عليهنَّ الحجالُ المُسجَّفُ (٦) وقال الأعشى (٧): وإنَّ امرَأً أَهْدى إليكِ ودُونَهُ … من الأرضِ يَهْمَاءُ وبَيْداءُ خَيْفَقُ لَمَحْقوقةٌ أن تستجيبى لصوتهِ … وأن تَعْلَمى أنَّ المُعانَ الموفَّقُ قال: ويقولون: بناتُ نَعْش، وبنو نَعْشٍ.

ويقالُ: بناتُ عِرْسٍ، وبنو عِرْسٍ.

وقالت امرأةٌ: أنا امرؤٌ لا [أكْثِرُ البشرَ] (٨).

قال: وذُكر لرؤبةَ رجلٌ فقال: هو كان أحدَ بناتِ مساجدِ اللَّهِ.

يعنى الحَصَى.

وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ (١): هذا بمنزلةِ قولِ الشاعرِ (٢): ترى أرباقَهم (٣) متقلِّديها … إذا صدِئَ الحديدُ على الكُماةِ فمعناه عندَه: فظلَّت أعناقُهم خاضعيها.

هم.

كما يقالُ: يدُك باسطُها.

بمعنى: يدُك باسطُها أنت.

فاكْتُفِى بما ابتُدِئ به من الاسمِ أن يكونَ، فصار الفعلُ كأنه للأولِ، وهو للثاني، وكذلك قولُه: * لمحقوقةٌ أن تستجيبى لصوتِه * إنما هو: لمحقوقةٌ [أن تستجيبى لصوتِه] (٤) أنتِ.

والمحقوقةُ الناقةُ، إلا أنه عطَفه على المرءِ لما عاد بالذِّكْرِ.

وكان آخرُ منهم يقولُ (٥): الأعناقُ الطوائفُ، كما يُقالُ: رأيتُ الناسَ إلى فلانٍ عُنقًا واحدةٌ.

فيجعَلُ الأعناقَ الطوائفَ والعُصَبَ.

ويقولُ: يحتمِلُ أيضًا أن تكونَ الأعناقُ هم السادةَ والرجالَ الكبراءَ، فيكون كأنه قيل: فظلَّت رءوسُ القومِ وكبراؤُهم لها خاضعين.

وقال: أحبُّ إليَّ من هذين الوجهين في العربيةِ أن يقالَ: إن الأعناقَ إذا خضَعت، فأربابُها خاضعون، فجعلتَ الفعلَ أولًا للأعناقِ، ثم جعَلتَ "خاضعين" للرجالِ، كما قال الشاعرُ: على قبضةٍ مرجوَّةٍ ظهرُ كفِّهِ … فلا المرءُ مُسْتَحْيٍ ولا هو طاعمُ فأنَّث فعل الظهرِ؛ لأن الكفَّ تجمعُ الظهرَ وتكفى منه، كما أنك تكتفى بأن تقولَ: خضعتُ لك.

من أن تقولَ: خضَعَتْ لك رقبتى.

وقال: ألا ترى أن العربَ تقولُ: كلُّ ذى عينٍ ناظرٌ وناظرةٌ إليك؛ لأن قولَك: نظَرتُ إليك عينى، ونظَرتُ إليك.

بمعنًى واحدٍ، فترَك "كُلَّ" وله الفعلُ وردَّه إلى العينِ، فلو قلتَ: فظلَّت أعناقهم لها خاضعةً.

كان صوابًا.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ وأشبهُها بما قال أهلُ التأويلِ في ذلك، أن تكونَ الأعناقُ هي أعناقَ الرجالِ، وأن يكونَ معنى الكلامِ: فظلَّت أعناقُهم ذليلةً للآيةِ التي ينزِّلُها اللهُ عليهم من السماءِ.

وأن يكونَ قولُه ﴿خَاضِعِينَ﴾ مذكَّرًا لأنه خبرٌ عن الهاءِ والميمِ في الأعناقِ، فيكونُ ذلك نظيرَ قولِ جريرٍ (١): أرى مَرَّ السنينَ أَخَذْنَ منِّي … كما أخَذ السّرارُ من الهلالِ وذلك أن قولَه: مرَّ.

لو أُسْقط من الكلامِ، لأدَّى ما بقِىَ من الكلامِ عنه، ولم يُفسِدْ سقوطُه معنى الكلامِ عما كان به قبلَ سقوطِه، وكذلك لو أُسْقِطت الأعناقُ من قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾، لأدَّى ما بقِىَ من الكلامِ عنها، وذلك أن الرجالَ إذا ذلُّوا، فقد ذَلَّت رقابُهم، وإذا ذَلَّت رقابُهم فقد ذَلُّوا.

فإن قيل في الكلامِ: فظلُّوا لها خاضعين.

كان الكلامُ غير فاسد لسقوطِ الأعناقِ، ولا مُتَغَيِّرٍ معناه عما كان عليه قبلَ سقوطِها، فصرَف الخبرَ بالخضوعِ إلى أصحابِ الأعناقِ، وإن كان قد ابتُدِئ بذكرِ الأعناقِ؛ لما قد جرَى به استعمالُ العربِ ذلك في كلامِهم، إذا كان الاسمُ المبتدأُ به وما أُضِيف إليه، يؤدِّى الخبرَ كلُّ واحدٍ منهما عن الآخرِ.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجِيءُ هؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك ويَجْحَدون ما أَتَيْتَهم به يا محمدُ من عندِ ربِّك؛ من تذكيرٍ (١) وتنبيهٍ على مواضعِ حُججِ اللهِ عليهم على صدقِك، وحقيقةِ ما تَدْعوهم إليه مما يُحْدِثُه اللهُ إليك ويُوحِيه إليك؛ لِتُذَكِّرَهم به - إلا أعْرَضوا عن استماعِه، وترَكوا إعمالَ الفكرِ فيه وتدبُّرَه.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فقد كذَّب يا محمدُ هؤلاء المشركون بالذكْرِ الذي أتاهم من عندِ اللهِ، وأَعْرَضوا عنه، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

يقولُ: فسيأْتِيهم أخبارُ الأمرِ الذي كانوا به يَسْخَرون.

وذلك وعيدٌ مِن اللهِ لهم أنه مُحِلٌّ بهم عقابَه على تَمادِيهم في كفرِهم، وتمرُّدِهم على ربِّهم.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أولم يَرَ هؤلاء المشركون المكذِّبون بالبعثِ والنَّشْر إلى الأرضِ، كم أنْبَتنا فيها بعد أن كانت ميتةً لا نباتَ فيها، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.

يعنى بالكريمِ الحسنَ، كما يقالُ للنخلةِ الطيبةِ الحَمْلِ: كريمةٌ.

وكما يقالُ للشاةِ أو الناقةِ إذا غَزُرَتا، فكثُرت ألبانُهما: ناقةٌ كريمةٌ، وشاةٌ كريمةٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.

قال: من نباتِ الأرضِ، مما يأكُلُ الناسُ والأنعامِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.

قال: حسنٍ (٢).

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنّ في إنباتِنا في الأرضِ مِن كلِّ زوجٍ كريمٍ ﴿لَآيَةً﴾.

يقولُ: لَدَلالةً لهؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعثِ، على حقيقتِه، وأن القدرةَ التي بها أثْبَت اللهُ في الأرضِ ذلك النباتَ بعدَ جُدُوبها، لن يُعْجِزه أن يَنْشُرَ بها الأمواتَ بعدَ مماتِهم أحياءً مِن قبورِهم.

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: وما كان أكثرُ هؤلاء المكذِّبين بالبعثِ، الجاحِدِين نبوتَك يا محمدُ، بمُصَدِّقِيك على ما تَأْتِيهم به مِن عندِ اللَّهِ من الذكر.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقد سبَق في علمى أنهم لا يُؤْمنون، فلن يُؤْمِنَ بك أكثرُهم للسابقِ في علمِي فيهم.

وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

يقولُ: وإن ربَّك يا محمدُ لَهو العزيزُ في نِقْمتِه، لا يَمْتَنِعُ عليه أحدٌ أراد الانتقامَ منه.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإني إن أحْلَلْتُ بهؤلاء المكذِّبين بك يا محمدُ، المعرِضِين عما تأتيهم مِن ذكرٍ مِن عندى - عقوبتي بتكذيبهم إياك، فلن يمْنَعَهم منى مانعٌ؛ لأنى أنا العزيزُ الرحيمُ.

يعنى أنه ذو الرحمةِ بمن تاب مِن خلقه، من كفرِه ومعصيتِه، أن يُعاقِبَه على ما سلَف مِن جُرْمِه بعد توبتِه.

وكان ابن جريجٍ يقولُ في معنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كلُّ شيءٍ في "الشعراءِ" من قولِه: "عزيزٌ رحيمٌ".

فهو ما أهْلَك ممَّن مضَى من الأممِ.

يقولُ: عزيزٌ حينَ انْتقَم مِن أعدائِه، رحيمٌ بالمؤمنين حينَ أنجاهم مما أَهْلَك به أعداءَه (١).

قال أبو جعفرٍ: وإنما اخْتَرْنا القولُ الذي اخْتَرْناه في ذلك في هذا الموضع؛ لأن قولَه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

عَقِيبَ وَعِيدِ اللَّهِ قومًا مِن أهلِ الشركِ والتكذيبِ بالبعثِ، لم يكونوا أُهْلِكوا فيُوَجَّهَ إلى أنه خبرٌ مِن اللهِ فعلِه بهم وإهلاكِه.

ولعل ابنَ جُريجٍ بقوله هذا أراد ما كان ذلك عقيبَ خبرِ اللَّهِ عن من إهلاكِه مَن أَهْلَك مِن الأممِ، وذلك إن شاء اللهُ إذا كان عقيبَ خبرهم، كذلك.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واذكر يا محمدُ إذ نادى ربُّك موسى بنَ عمرانَ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

يعني: الكافرينَ، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾.

ونُصِب "القومُ" الثاني ترجمةً عن "القومِ" الأولِ.

وقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾.

يقولُ: ألا يتقون عقابِ اللهِ على كفِرهم به.

ومعنى الكلامِ: قوم فرعونَ فقل لهم: ألا يتقون.

وترَك إظهار "فقل لهم"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.

وإنما قيل: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ بالياءِ، ولم يُقَل: ألا تتقون.

بالتاءِ؛ لأن التنزيلَ كان قبلَ الخطابِ، ولو جاءت القراءةُ فيها بالتاءِ كان صوابًا، كما قيل: (قُل للذين كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ) و ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لربِّه: ربِّ إنِّي أخافُ من قومِ فرعونَ الذين أمَرتَنى أن آتيهم، أن يُكذِّبوني بقيلى لهم: إنك أرسلتني إليهم.

ويَضِيقُ صدرى من تكذيبهم إِيَّايَ إن كذَّبوني.

ورُفع قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾.

عطفًا به على ﴿أَخَافُ﴾.

وبالرفعِ فيه قرَأته عامةُ قرأةِ الأمصار، ومعناه: وإنى يضيقُ صدرى.

وقولُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾.

يقولُ: ولا ينطلقُ لساني بالعبارة عما تُرْسِلني به إليهم؛ للعلة التي كانت بلسانه.

وقوله: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾.

كلامٌ معطوفٌ به على ﴿وَيَضِيقُ﴾.

وقوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾.

يعنى هارونَ أخاه.

ولم يقلْ: فأرسِلْ إلى هارونَ لِيُؤَازرَني وليعينَني.

إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ، وذلك كقولِ القائلِ: لو نزَلَت بنا نازلةٌ لفرِعنا إليك.

بمعنى: لفزعنا إليك لتعينَنا.

وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾.

يقولُ: ولقوم فرعونَ على دعوَى ذنبٍ أَذنَبتُ إليهم.

وذلك قتلُه النفسَ التي قتَلها منهم.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.

قال: قتلُ النفسِ التي قتَل منهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قتلُ موسى النفسَ.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾.

قال: قتلُ النفسِ (٢).

وقولُه: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.

يقولُ: فأخافُ أن يقتلوني قَوَدًا بالنفسِ التي قتلتُ منهم.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَلَّا﴾.

أي: لن يقتُلَك قوم فرعونَ، ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾.

يقولُ: فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا﴾.

يعنى: بأعلامنا وحججِنا التي أعطيناك عليهم.

وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: من قومِ فرعونَ ما يقولون لكم، ويجيبونكم به.

وقوله: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ الآية.

يقولُ: فأت أنت يا موسى وأخوك هارونُ فرعونَ، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: فقولا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك.

بـ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

وقال: ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهو يخاطبُ اثنين بقوله: ﴿فَقُولَا﴾؛ لأنه أُريِد به المصدرُ من: أَرْسَلتُ.

يقالُ: أَرْسَلتُ رسالةً ورسولًا.

كما قال الشاعرُ (١): لقد كذَب الواشون ما بُحْتُ عندَهم … بسوءٍ ولا أَرْسَلْتُهم برسولِ يعني: برسالةٍ.

وقال الآخرُ (٢): أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي خُفافًا … رسولًا بيتُ أهْلِكَ مُنْتَهاها يعني بقوله: رسولًا: رسالةً.

فأنَّث لذلك الهاءَ.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ وفى هذا الكلامِ محذوفٌ اسْتغنى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو: فأتَيا فرعونَ فأبلَغاه رسالةَ ربِّهما إليه، فقال فرعونُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ يا موسى، ﴿وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: وذلك مُكنُه عندَه قبلَ قتلِه القتيلَ الذي قتله من القبطِ، ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾.

يعني قتلَه النفسَ التي قتَل من القِبْطِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.

قال: قتلُ النفسِ (١).

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

وإنما قيل: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾؛ لأنها مرةٌ واحدةٌ، ولا يجوزُ كسرُ الفاءِ إذا أُرِيد بها هذا المعنى.

وذُكر عن الشعبيِّ أنه قرَأ ذلك: (وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ) بكسرِ الفاءِ (٢).

وهي قراءةٌ القراءةِ القرأةِ منِ أهلِ الأمصارِ مخالفةٌ.

وقولُه: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين باللهِ، على دينِنا.

[ذكر من قال ذلك] حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

يعني: على دينِنا هذا الذي تعيبُ (١).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

قال: ربَّيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافَأتَنا؛ أن قتَلت منا نفسًا، وكفَرت نعمتَنا (٢)!

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

يقولُ: كافرًا للنعمةِ؛ أنَّ فرعونَ لم يكنْ يعلمُ ما الكفرُ (٣).

قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن فرعونَ لم يكنْ مُقرًّا اللهِ بالربوبيةِ، وإنما كان يزعُمُ أنه هو الربُّ، فغيرُ جائزٍ أن يقولَ لموسى - إن كان موسى عنده على دينِه يومَ قتل القتيلَ على ما قاله السُّديُّ -: فعلت الفَعْلةَ وأنت من الكافرين.

و (١) الإيمانُ عندَه هو دينُه الذي كان عليه موسى عندَه.

إلا أن يقولُ قائلٌ: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومَئذٍ يا موسى، على قولِك اليومَ.

فيكونُ ذلك وجهًا يتَوَجَّهُ.

فتأويلُ الكلامِ إذن: وقتَلْتَ الذي قتَلْتَ منا وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك وإحسانَنا إليك، في قتلك إيَّاه.

وقد قيل: معنى ذلك: وأنت الآنَ من الكافرين لنعمتي عليك، وتربيتى إيَّاك.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ: فعَلتُ تلك الفَعْلةَ التي فعَلتُ.

أي: قتَلْتُ تلك النفسَ التي قتلتُ، ﴿إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.

يقولُ: وأنا من الجاهلين قبلَ أن يأتيَنى من اللهِ وحىٌ بتحريمِ قتلهِ عليَّ.

والعربُ تضعُ الضلالَ موضعَ الجهلِ، والجهلَ موضعَ الضلالِ، فتقولُ: قد جهِل فلانٌ الطريقَ، وضلَّ الطريقَ.

بمعنًى واحدٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.

قال: من الجاهلين (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاج، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

قال ابن جريجٍ: وفي قراءة ابن مسعودٍ: (وأنا من الجاهلين) (٢).

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.

قال: من الجاهلين (٣).

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: فقال موسى: لم أكفُرْ، ولكن فعَلتُها وأنا من الضالِّين.

وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (فَعَلْتُها إذن وأنا مِنَ الجاهلينَ).

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: قبلَ أن يأتيَنى من اللَّهِ شيءٌ، كان قتلى إيَّاه ضلالةَ خطأَ.

قال: والضلالةُ هنهنا الخطأُ، لم يقلْ: ضلالةٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: يقولُ: وأنا من الجاهلين (١).

وقولُه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الآية.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ موسى لفرعونَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ معشرَ الملأ من قومِ فرعونَ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أن تقتُلوني بقتلىَ القتيلَ منكم، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾.

يقولُ: فوهَب لى ربي نبوَّةً، وهى الحكمُ.

كما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾.

والحكم النبوَّة (٢).

وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

يقولُ: وألحقنى بِعدادِ مَن أرسَله إلى خلقِه، مبلِّغًا عنه رسالتَه إليهم، بإرسالِه إيايَ إليك يا فرعونُ.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى ﷺ الفرعونَ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾.

يعنى بقولِه: ﴿وَتِلْكَ﴾: تربيةَ فرعونَ إياه.

يقولُ: وتربيتُك إياىَ، وتركُك استعبادي كما استعبدْتَ بني إسرائيلَ - نعمةٌ منك تمُنُّها عليَّ بحقٍّ.

وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمةٌ تمنُّها عليَّ أن عبَّدْتَ بنى إسرائيلَ وترَكتنى فلم تستعبِدْنى.

فتَرك ذِكرَ: وتركتني؛ لدلالةِ قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

عليه، والعربُ تفعلُ ذلك اختصارًا للكلامِ.

ونظيرُ ذلك في الكلامِ أن يستَحِقَّ رجلان من ذى سلطانٍ عقوبةً، فيعاقبَ أحدَهما ويعفوَ عن الآخرِ، فيقولُ المعفوُّ عنه: هذه نعمةٌ عليَّ من الأميرِ؛ أن عاقَب فلانًا وترَكنى.

ثم حذَف "وتركنى"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.

ولـ ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وجهان (١)؛ أحدُهما، النصبُ؛ لتعلُّقِ ﴿تَمُنُّهَا﴾ بها.

وإذا كانت نصبًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمُنُّها عليَّ لتعبُّدِك بني إسرائيلَ.

والآخرُ، الرفعُ؛ على أنها ردٌّ على "النعمةِ".

و (٢) إذا كانت رفعًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمنُّها على تعبيدُك بني إسرائيلَ.

ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه: عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم.

كما قال الشاعرُ (٣): عَلامَ يُعْبِدُنى قومى وقد كَثرَتْ … فيهم (٤) أباعِرُ ما شاءوا وَعُبْدانُ وبنحوِ الذي قلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾] (٥).

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ،، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

قال: قهَرْتَهم واستعْمَلتَهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، [عن مجاهدٍ] (٢)، قال: تمُنُّ (٣) على أن عبدتَ بني إسرائيلَ.

قال: قَهَرْتَ وغلبت واستعمَلْتَ بني إسرائيلَ.

حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وربَّيتنى قبلُ وليدًا.

وقال آخرون: هذا استفهامٌ كان من موسى لفرعونَ، كأنه قال: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ بني إسرائيلَ عبيدا؟

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾.

قال: يقولُ موسى لفرعونَ: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ أنت بني إسرائيلَ عبيدًا؟

(٤) واختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ (٥): ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾.

فيقالُ: هذا استفهامٌ، كأنه قال: أَتَمْنُّها عليَّ؟

ثم فسَّر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

وجعَله بدلًا من "النعمةِ".

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُنكرُ هذا القولَ، ويقولُ (١): هو غلَطٌ من قائلِه (٢)، لا يجوزُ أن يكونَ همزُ (٣) الاستفهامِ (٤) يُلْقَى، وهو يُطْلَبُ، فيكونَ الاستفهامُ كالخبرِ.

قال: وقد استُقبح (٥) ومعه "أمْ"، وهي دليل على الاستفهامِ، [واستقبَحوا] (٦).

تَرُوحُ من الحيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ … وماذا يَضُرُّك لو تَنْتَظِرْ قال: وقال بعضُهم: هو: أَتَرُوحُ من الحيِّ؟

وحذَف الاستفهامَ أوَّلًا اكتفاءً بـ "أم".

وقال أكثرُهم: بل الأوّلُ خبرٌ، والثانى استفهامٌ، وكأنَّ "أم" إذا جاءت بعدَ الكلامِ فهى الألفُ، فأمَّا وليس معه "أم" فلم يقلْه إنسانٌ.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في ذلك ما قلْنا (٧).

وقال: معنى الكلامِ: وفعَلْتَ فَعْلَتَك التي فعَلتَ وأنت من الكافرين لنعمتى.

أي: لنعمة تربيتى لك.

فأجابه فقال: نعم، هي نعمةٌ عليَّ أن عبَّدتَ الناس ولم تَسْتَعْبِدْنى.

وقولُه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: وأى شيءٍ ربُّ العالمين؟

﴿قَالَ﴾ موسى: هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكُهن، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.

يقولُ: ومالكُ ما بينَ السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.

يقولُ: إن كنتم موقنين أنّ ما تُعاينونه كما تُعاينونه، فكذلك فأيقِنوا أن ربَّنا هو ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: قال فرعونُ لمن حولَه من قومِه: أَلَا تَسْتَمِعون لما يقولُ موسى.

فأخبرَ موسى ﵇ القومَ بالجوابِ عن مسألةِ فرعونَ إياه وقيلَه له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟

ليُفهِمَ بذلك قومَ فرعونَ مقالتَه لفرعونَ، وجوابَه إياه عما سأَله، إذ قال لهم فرعونُ: ألا تَسْتمعون إلى قولِ موسى.

فقال لهم: الذي دعَوتُه إليه وإلى عبادته ﴿رَبُّكُمْ﴾ الذي خلقَكم ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.

فقال فرعونُ لما قال لهم موسى ذلك، وأخبرَهم عما يدعو إليه فرعونَ وقومَه: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.

يقولُ: إنّ رسولكم هذا الذي يزعُمُ أنه أُرسِل إليكم، لمغلوبٌ على عقلِه؛ لأنه يقولُ قولًا [لا نعرِفُه ولا نفهَمُه] (١) وإنما قال ذلك، ونسَب موسى عدوُّ اللهِ إلى الجنَّةِ؛ لأنه كان عندَه وعندَ قومِه أنه لا ربَّ غيرُه يُعْبَدُ، وأن الذي يدعوه إليه موسى باطلٌ ليست له حقيقةٌ.

فقال موسى عندَ ذلك مُحْتَجًّا عليهم، ومُعرِّفَهم ربَّهم بصفتِه وأدلتِه، إذ كان عندَ قومِ فرعونَ أن الذي يَعْرِفونه ربًّا لهم في ذلك الوقتِ هو فرعونُ، وأن [الذين يعرِفونهم] (٢) لآبائِهم أربابًا، ملوكٌ أُخرُ كانوا قبلَ فرعونَ قد مضَوا، فلم يكنْ عندَهم أن موسى أخبرَهم بشيءٍ له معنًى يَفْهَمونه ولا يَعْقِلونه، ولذلك قال لهم فرعونُ: إنه مجنونٌ؛ لأن كلامَه كان عندَهم كلامًا لا يَعْقِلون معناه: الذي أَدْعوكم وفرعونَ [إليه، عبادةُ] (١) ربِّ المشرقِ والمغربِ ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.

يعنى: ملكَ مشرِقِ الشمسِ ومغربِها وما بينَهما من شيءٍ، لا إلى عبادةِ ملوكِ مصرَ الذين كانوا ملوكَها قبلَ فرعونَ لآبائِكم فمضَوا، ولا إلى عبادةِ فرعونَ الذي هو اليومَ (٢) ملكُها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

يقولُ: إن كان (٣) لكم عقولٌ تَعْقِلون بها ما يقالُ لكم، وتَفْهَمون بها ما تَسْمَعون مما تبيَّن (٤) لكم.

فلما أخبرَهم ﵇ بالأمرِ الذي علِموا أنه الحقُّ الواضحُ، إذ كان فرعونُ ومَن قبلَه من ملوكِ مصرَ، لم يُجاوِزْ مُلكهم (٥) عريشَ مصرَ، وتَبيَّن لفرعونَ ولمن حولَه من قومِه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادتِه، هو الملِكُ الذي يَمْلِكُ الملوكَ - قال فرعونُ حينئذٍ؛ استكبارًا عن الحقِّ، وتماديًا في الغيِّ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾.

يقولُ: لئن أقرَرتَ بمعبودٍ سواى، ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.

يقولُ: لأَسْجُنَنَّك مع من في السجنِ من أهلِه.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ لما عرَّفه ربَّه، وأنه ربُّ المشرقِ والمغرب، ودعاه إلى عبادتِه وإخلاصِ الألوهةِ له، وأجابه فرعونُ بقولِه: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أتجعَلُني من المسجونين وَلَوْ جِئْتُكَ بشيءٍ مُبِين يُبينُ لك صدقَ ما أقولُ يا فرعونُ، وحقيقةَ ما أَدْعوك إليه؟

وإنما قال ذلك له موسى (١) لأن من أخلاقِ الناسِ السكونَ [إلى الإنصافِ] (٢)، والإجابةَ إلى الحقِّ بعد البيانِ، فلما قال موسى له ما قال من ذلك، قال له فرعونُ: فأتِ بالشيءِ المبيِّنِ حقيقةَ ما تقولُ، فإنَّا لن نَسْجُنَك حينئذٍ إن اتَّخَذْتَ إلهًا غيرى، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

يقولُ: إن كنتَ مُحِقًا فيما تقولُ، وصادقًا فيما تَصِفُ وتخيرُ، ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.

يقولُ جل ثناؤُه: فألقى موسى عصاه، فتحوَّلت ثعبانًا وهي الحيةُ الذَّكَرُ، كما قد بَيَّنْتُ فيما مضى قبلُ من صفتِه (٣).

وقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾.

يقولُ: يبينُ لفرعونَ والملأَ من قومِه أنه ثعبانٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.

يقولُ: مُبِينٌ له خَلْقُ حيةٍ (٤) وقولُه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾.

يقولُ: وأخرج موسى يدَه من جيبِه، فإذا هي بيضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: لمن ينظُرُ إليها ويراها.

حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمش، عن المنهالِ، قال: ارتفَعت الحيةُ في السماءِ قدرَ ميلٍ، ثم سفَلت حتى صار رأسُ فرعونَ بينَ نابَيْها، فجعَلت تقولُ: يا موسى مُرْنى بما شئْتَ.

فجعلَ فرعونُ يقولُ: يا موسى أَسْأَلُك بالذي أرسَلك.

قال: فأخذَه بطنُه.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ (١) وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ لما أرَاه موسى [ما أراه] (٢) من عظيمِ قدرةِ اللهِ وسلطانِه؛ حجةً عليه لموسى بحقيقةِ ما دعاه إليه، وصدقِ ما أتاه به من عندِ ربِّه، ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾.

يعنى: لأشرافِ قومِه الذين كانوا حولَه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.

يقولُ: إنّ موسى سحَر عصاه، حتى أراكموها ثعبانًا، ﴿عَلِيمٌ﴾.

يقولُ: ذو علمٍ بالسحرِ وبَصَرٍ به، ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾.

يقولُ: يُرِيدُ أن يُخرِجَ بنى إسرائيلَ من أرضِكم إلى الشامِ بقهرِه إياكم بالسحرِ.

وإنما قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾.

فجعَل الخطابَ للملأَ حولِه من القبطِ، والمعنيُّ به بنو إسرائيلَ؛ لأن القبطَ كانوا قد استعبَدوا بني إسرائيلَ، واتَّخَذوهم خدمًا لأنفسِهم ومُهَانًا، فلذلك قال لهم: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾.

وهو يريدُ: أَن يُخرِجَ خدمَكم وعبيدَكم من أرضِ مصرَ إلى الشامِ.

وإنما قلتُ: معنى ذلك كذلك؛ لأن اللَّهَ إِنما أَرسَل موسى إلى فرعونَ يَأْمُرُه بإرسالِ بني إسرائيلَ معه، فقال له ولأخيه: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦، ١٧].

وقولِه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.

يقولُ: فأَيُّ شيءٍ تَأْمُرُون في أمرِ موسى؟

وما به تُشِيرون من الرأيِ فيه؟

﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأجاب فرعونَ الملأُ، حوله، بأن قالوا له: أخِّرْ موسى وأخاه وأنظِرْه، وابعَثْ في بلادِك وأمصارِ مصرَ حاشرين يحشُرون إليك كلَّ سحَارٍ عليمٍ بالسحرِ.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فجَمَع الحاشرون الذين بعَثهم فرعونُ لحشرِ (١) السحرةِ السحرةِ (٢)، ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.

يقولُ: لوقتٍ واعَد فرعونُ لموسى الاجتماعَ معه فيه من يومٍ معلومٍ، وذلك يومُ الزينةِ، وأن يُحْشَرَ الناسُ ضحًى.

وقيل للناسِ: هل أنتم مجتمعون؛ لتنظروا إلى ما يَفْعَلُ الفريقان، [ولمن تكونُ] (٣) الغلبةُ؛ لموسى أو للسحرةِ؟

فلعلنا نَتَّبِعُ السحرة.

ومعنى "لعل" ههنا "كى".

يقولُ: كى نَتَّبِعَ السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.

وإنما قلت: ذلك معناها؛ لأن قومِ فرعونَ كانوا على دينِ فرعونَ، فغيُر معقولٍ أن يقولَ من كان على دينٍ: أنظرُ إلى حجةِ مَن هو على خلافي، لعلى أتبعُ ديني.

وإنما يقالُ: أنظرُ إليها كى أزدادَ بصيرةً بدينى، فأقيمَ عليه.

وكذلك قال قومُ فرعونَ، فإياه (١) عَنَوا بقيلِهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.

وذُكِر (٢) أن اجتماعَهم للميقاتِ الذي اتَّعدَ للاجتماعِ فيه فرعونُ وموسى كان بالإسكندريةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾.

قال: كانوا بالإسكندريةِ.

قال: ويقالُ: بلغ ذنَبُ الحيةِ مَن وراءَ البحيرةِ يومئذٍ.

قال: وهرَبوا، وأسلَموا فرعونَ، وهمَّت به، فقال: خُذْها يا موسى.

قال: فكان (٣) مما بُلى (٤) النَّاسُ به (٥) منه أنه كان لا يضَعُ على الأرضِ شيئًا.

قال: فأحدث يومئذٍ تحتَه.

قال: وكان إرسالُه الحيةَ في القبةِ الحمراءِ (٦).

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء السحَرةُ فرعونَ لوعدِ موسى (٧) وموعدِ فرعونَ، ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾ بسحرِنا (١) قِبَلَك ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ موسى؟

﴿قَالَ﴾ فرعونُ لهم: ﴿نَعَمْ﴾، لكم الأجرُ على ذلك، ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ منا.

فقالوا عندَ ذلك لموسى: إما أن تُلْقِيَ وإما أن نكونَ نحن الملقين.

وتُرِك ذكرُ قيلِهم ذلك؛ لدلالةِ خبرِ اللهِ عنهم أنهم قال لهم موسى: ألْقُوا ما أنتم ملقون - على أن ذلك معناه.

﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ من حبالِكم وعِصيِّكم.

﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ من أيديهم ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ يقولُ: أقسموا بقوة فرعونَ، وشدةِ سلطانه، ومَنعة مملكته، ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ موسى.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فألقى موسى عصاه حينَ ألقت السحرةُ حبالهم وعِصيَّهم، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.

يقولُ: فإذا عصا موسى تزدَرِدُ (٢) ما يأتُون به من الفِرْيَةِ والسحرِ الذي لا حقيقةَ له، وإنما هو مخايلُ (٣) وخُدْعةٌ.

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.

يقولُ: فلما تبيَّن السحرةُ أن الذي جاءهم به موسى حقٌّ لا سحرٌ، وأنه مما لا يقدِرُ عليه غيرُ اللهِ الذي فطَر السماواتِ والأرضِ من غيرِ أصلٍ، خرُّوا لوجوههم سُجدًا للهِ، مُذْعنين له (٤) بالطاعةِ، مقرِّين لموسى بالذي أتاهم به من عندِ اللهِ أنه (١) هو الحقُّ.

وأن ما كانوا يعملونه من السحرِ باطلٌ، قائلين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

الذي دعانا موسى إلى عبادته دونَ فرعونَ وملئه، ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال فرعونُ للذين كانوا سحرتَه، فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حقٌّ قبلَ أن أذنَ لكم في الإيمان بهِ؟

﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾.

يقولُ: إن موسى لرئيسُكم في السحرِ، وهو الذي علَّمكموه، ولذلك آمنتم به، ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [يقولُ: فلسوف تعلَمون] (٢) عندَ عقابي إياكم وبالَ ما فعلْتم، وخطأَ ما صنعْتم من الإيمانِ به.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾.

يقولُ: لأقطِّعن أيديَكم وأرجلَكم، مخالفًا في قطعِ ذلك منكم بينَ قطعِ الأيدى والأرجلِ، وذلك أنْ أقطعَ اليدَ اليمنى والرِّجلَ اليسرى، ثم اليدَ اليسرى والرجلَ اليمنى، ونحوَ ذلك من قطعِ اليدِ من جانبٍ، ثم الرجلِ من الجانبِ الآخرِ، وذلك هو القطعُ من خِلافٍ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

فوكَّد ذلك بـ ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ إعلامًا منه أنه غيرُ مُسْتَبقٍ منهم أحدًا، ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قالت السحرةُ: لا ضيرَ علينا.

وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد ضار فلانٌ فلانًا فهو يضيرُ ضَيْرًا.

ومعناه: لا ضرَّ (٣).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا ضَيْرَ﴾.

قال: يقولُ: لا يضُرُّنا (١) الذي تقولُ، وإن صنَعتَه بنا وصلَيتَنا، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.

يقولُ: إِنَّا إلى ربِّنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتِك إيانا، وثباتِنا على توحيدِه، والبراءةِ من الكفرِ به (٢).

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾: إِنا نَرْجو أن يصفَحَ لنا ربُّنا عن خطايانا التي سلَفت منا قبلَ إيمانِنا به، فلا يُعاقِبَنا بها (٣).

كما حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾.

قال: السحرَ والكفرَ الذي كانوا فيه.

﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: لأن كنا أولَ من آمن بموسى، وصدَّقه بما جاء به من توحيدِ اللهِ، وتكذيبِ فرعونَ في ادِّعائِه الربوبيةَ (٤) في دهرِنا هذا وزمانِنا.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: كانوا كذلك يومَئِذٍ أولَ من آمَن بآياتِه حينَ رَأوها (١).

وقولِه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.

يقولُ: وأوحَينا إلى موسى إذ تمادى فرعونُ في غيِّه وأبَى إلا الثباتَ على طغيانِه بعدَما أريناه آياتنا، ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.

يقولُ: أن سِرْ ببنى إسرائيلَ ليلًا من أرضِ مصرَ، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: إن فرعونَ وجندَه مُتَّبِعوك (٢) وقومَك من بنى إسرائيلَ؛ ليحُولوا بينكم وبينَ الخروجِ من أرضِهم؛ أرضِ مصرَ.

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسل فرعون في المدائنِ مَن (٣) يَحْشُرُ له جندَه وقومَه.

ويقولُ لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾.

يعني بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بني إسرائيلَ، ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.

يعنى بالشرذمةِ الطائفةَ والعصبةَ الباقيةَ، من: عصَب جبيرةً.

وشرذمةُ كلِّ شيءٍ: بقيتُه القليلةُ.

ومنه قولُ الراجز (٤): جاءَ الشتاءُ وقميصى أخْلاقْ … شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ منه التوَّاقْ وقيل: ﴿قَلِيلُونَ﴾؛ لأن كلَّ جماعةٍ منهم كان يَلْزَمُها معنى القلةِ، فلما جمَع جمْعَ جماعاتِهم قيل: ﴿قَلِيلُونَ﴾.

كما قال الكُمَيتُ (١): فرَدَّ قَوَاصِيَ الأحياء منهم … فقد رجَعوا (٢) كحَيٍّ واحِدينا وذُكِر أن الجماعةَ التي سمَّاها فرعونُ شرذمةً قليلين، كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا.

ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.

قال: كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا (٣).

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الشرذمةُ ستّمائةِ ألفٍ وسبعون ألفًا (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شداد بن الهادِ، قال: اجتمع يعقوبُ وولدُه إلى يوسفَ وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى وهم ستّمائِة ألف، فقال فرعونُ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.

وخرَج فرعونُ على فرسٍ أدهمَ؛ حِصانٍ، على لونِ فرسِه في عسكرِه ثمانُمائةِ ألفٍ (٥).

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن قيسِ بن عبادٍ، قال: وكان من أكثرِ (١) الناسِ - أو أحدثِ الناسِ - عن بني إسرائيلَ، قال: فحدَّثنا أن الشرذمةَ الذين سمَّاهم فرعونُ من بني إسرائيلَ كانوا ستَّمائةِ ألفٍ.

قال: وكان مُقدِّمةُ فرعونَ سبعَمائةِ ألفٍ، كلُّ رجلٍ منهم على حصانٍ، على رأسه بيضةٌ، و (٢) في يدِه حربةٌ، وهو خلفَهم في الدُّهْمِ، فلما انتهى موسى بينى إسرائيلَ إلى البحرِ قالت بنو إسرائيلَ: يا موسى أينَ ما وعَدتَنا؟

هذا البحرُ بينَ أيدينا، وهذا فرعونُ وجنودُه قد دهَمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: انفلِقْ أبا خالدٍ.

قال: لا، لن أَنْفَلِقَ لك يا موسى، أنا أقدَمُ منك خلقًا.

قال: فنودىَ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣].

فضرَبه، فانفلَق البحرُ، وكانوا اثنَىْ عشرَ سِبْطًا.

قال الجُرَيرِيُّ: فأَحْسَبُه قال: إنه كان لكلِّ سبط طريقٌ.

قال: فلما انتهى أولُ جنودِ فرعونَ إلى البحرِ، هابتِ الخيلُ اللَّهَبَ (٣).

قال: ومُثِّل الحصانٍ منها فرسٌ وَدِيقٌ (٤)، فوجَد ريحَها، فاشتَدَّ، فاتَّبَعه الخيلُ.

قال: فلما تنامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرَ وخرَج آخرُ بني إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق عليهم، فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ وما كان ليموتَ أبدًا.

فسمِع اللهُ تكذبيِهم نبيَّه ﵇، قال: فرمى به على الساحلِ كأنه ثورٌ أحمرُ يتراءاه بنو إسرائيلَ (٥).

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾: يعنى بنى إسرائيلَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.

قال: هم يومَئِذٍ ستُّمائةِ ألفٍ، ولا يُحصَى عددُ أصحابِ فرعونَ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.

قال: أَوْحى اللهُ إلى موسى أن اجمَعْ بني إسرائيلَ؛ كلَّ أربعةِ أبياتٍ في بيتٍ، ثم اذبَحوا أولادَ الضأْنِ، فاضرِبوا بدمائها على الأبوابِ، فإني سآمُرُ الملائكةَ أَلَّا تَدْخُلَ بيتًا على بابِه دمٌ، وسآمُرُهم بقتلِ أبكارِ (٣) آلِ فرعونَ من أنفسِهم وأموالِهم، ثم اخبِزوا خُبزًا فَطيرًا، فإنه أسرعُ لكم، ثم أَسْرِ بعبادى، حتى تَنْتَهِىَ للبحرِ (٤)، فيَأْتِيَك أمرى.

ففعَل، فلما أصبحوا قال فرعونَ: هذا عملُ موسى وقومِه، قتَلوا أبكارَنا (٥) من أنفسِنا وأموالِنا.

فأرسَل في أثرِهم ألفَ ألفٍ، وخمسَمائةِ ألفٍ وخمسَمائِة ملِكٍ مُسَوَّرٍ، معَ كلِّ ملكٍ ألفُ رجلٍ، وخرَج فرعونُ في الكَرِشِ (٦) العُظْمَى، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.

قال: قطعةٌ.

وكانوا ستَّمائةِ ألفٍ، مائتا ألفٍ منهم أبناءُ عشرين سنةً إلى أربعين (٧).

قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، [عن شهرِ] (١) بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان مع فرعونَ يومئذٍ ألفُ جبارٍ، كلُّهم عليه تاجٌ، وكلُّهم أميرٌ على خيلٍ (٢).

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: [كان ثلاثون] (٣) ملكًا ساقةً (٤) خلَف فرعونَ، يحسَبون أنهم معهم، وجبريلُ، أمامَهم، يَرُدُّ أوائلَ الخيلِ على أواخرِها (٥)، فأتبَعهم حتى انتهَى إلى البحرِ.

وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾.

يقولُ: وإن هؤلاء الشرذمةَ لنا لغائظون.

فذُكِر أن غيظَهم إياهم كان قتلَ الملائكةِ من قتَلتْ من أبكارِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾.

يقولُ: بقتلِهم أبكارَنا من أنفسِنا وأموالِنا.

وقد يَحتمِلُ أن يكونَ معناه: وإنهم لنا لغائظون، بذَهابِهم منهم بالعواريِّ التي كانوا استعاروها منهم من الحُليِّ.

ويَحتمِلُ أن يكونَ ذلك بفراقِهم إياهم، وخروجِهم من أرضِهم، بكُرهٍ لهم لذلك وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكُوفةِ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (١).

بمعنى: أَنهم مُعِدُّون مُؤْدُون؛ ذَوُو أَداةٍ وقوَّةٍ وسلاحٍ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (وإنا لجميعٌ حَذِرُون) بغير ألفٍ (٢).

وكان الفراءُ يقولُ (٣): كأَنَّ الحاذرَ الذي يحذَرُك الآن، وكأن الحذِرَ المخلوقُ حَذِرًا، لا تلقاه إلا حَذِرًا.

ومن الحَذِرِ قولُ ابن أحمرَ (٤): هل أُنْسَأَنْ يومًا إلى غيرِه … إني حواليٌّ وإنى حَذِرْ والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفِيضتانِ في قرأةِ الأمصارِ متقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيه.

وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، [قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ] (٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ الأسودَ بنَ يزيدَ يقرأُ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

قال: مُقْوون مُؤْدُون (٦).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي العرجاءَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه كان يقرَأُ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

يقولُ: مُؤْدُونَ (١).

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

يقولُ: حذِرْنا.

قال: جمَعْنا أمرَنا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

قال: مُؤدُون مُعِدُّون في السلاحِ والكُراعِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن أبي] (٢) معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: كان معَ فرعونَ ستُّمائةِ ألفِ حِصانٍ أدهمَ، سوى ألوانِ الخيلِ.

[حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، الضَّبِّيُّ، عن عاصمِ بن بَهْدلة، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

قال: مُؤدُون مُقْوُون] (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأخرَجْنا فرعونَ وقومَه من بساتينَ وعيونِ ماءٍ.

وكنوزِ ذهبٍ وفضةٍ، ومَقامٍ كريمٍ.

قيل: إن ذلك المَقام الكريمَ: المَنابرُ.

وقولُه: ﴿كَذَلِكَ﴾.

يقولُ: هكذا أخرَجْناهم مِن ذلك كما وصَفْتُ لكم في هذه الآيةِ والتي قبلَها، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾.

يقولُ: وأورَثْنا تلك الجناتِ التي أخرَجْناهم منها والعيونَ والكنوزَ والمَقامَ الكريمَ عنهم بهَلَاكِهم بني إسرائيلَ.

وقولُه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.

يقولُ: فأَتْبَع فرعونُ وأصحابُه بني إسرائيلَ ﴿مُشْرِقِينَ﴾.

حينَ أشرقَتِ الشمسُ.

وقيل: حينَ أصْبَحوا.

[وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك] (١) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.

قال: خرَج موسى ليلًا، فكسَف القمرُ، وأَظْلَمَتِ الأرضُ، وقال أصحابُه: إن يوسفَ أَخبرنا أَنَّا سَنُنَجَّى مِن فرعونَ، وأَخَذ علينا العهدَ لنَخْرُجنَّ (٢) بعظامِه معنا.

فخرَج موسى ليلتَه يسألُ ليلته يسألُ عن قبرِه، فوجَد عجوزًا بيتُها على قبرِه، فأخرجَته له بحَكَمِها (٣)، وكان حَكَمُها - أو كلمةٌ تُشْبِهُ هذه - أن قالت: احمِلْني فأخرِجْني معك.

فجعَل عظامَ يوسفَ في كِسائِه، ثم حملَ العجوزَ على كسائِه، فجعَله على رقبته، وخيلُ فرعونَ هي مِلءُ أَعِنَّتِها حُضْرًا (٤) في أَعْيُنِهم ولا تبرحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا (٥).

[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.

قال: فرعونُ وأصحابُه، وخيلُ فرعونَ في مِلءِ أَعِنَّتِها في رَأْي عُيُونِهم، ولا تبرَحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا] (١).

القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾.

يقولُ تعالَى ذِكرُه: فلمَّا تناظَر الجمعانِ، جمعُ موسى وهم بنو إسرائيلَ، وجمعُ فرعونَ وهم القِبْطُ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ لموسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

أي: إنا لمُلْحَقون، الآنَ يلحَقُنا فرعونُ وجنودُه فيَقْتُلوننا.

وذُكر أنهم قالوا ذلك لموسى تَشاؤُمًا بموسى.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

قال: تَشاءَموا بموسى وقالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ (٢) [الأعراف:١٢٩].

حدَّثنا موسى، قال [حدَّثنا عمرٌو، قال] (٣): ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: فنظَرَت بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد رَمَقَهم، قالوا: إنا لمُدركون.

قالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، اليوم يدرِكُنا فرعونُ فيَقْتُلُنا، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

البحرُ من بين أيدينا، وفرعونُ من خلفِنا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا انتَهى موسى إلى البحرِ، وهاجَت الريحُ العواصفُ، فنظَر أصحاب موسى خلفَهم إلى الريحِ وإلى البحرِ أمامَهم قالُوا: يا مُوسَى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٢).

واختَلَفَتِ القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى الأعرج: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

وقَرأه الأعرجُ: (إنا لمدَّرَكون) (٣).

كما يقالُ: نُزِّلَت، وأُنزِلَت.

والقراءةُ عندَنا التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها.

وقولُه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

[قال موسى لقومِه: ليس الأمرُ كما ذكرتُم، كلا لن تُدْرَكوا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

يقولُ] (٤): سَيَهْدين لطريقٍ أنْجُو فيه مِن فرعونَ وقومِه.

كما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: لقد ذُكر لى أنه خرَج فرعونُ في طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهم الخيلِ، سوى ما في جندِه من شِيَةِ الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ ولم يَكُنْ عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ في جندِهِ مِن خلفِهم ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

أي: للنجاةِ، وقد وَعَدنى ذلك، ولا خُلْفَ لمَوعودِه (١).

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

يقولُ: سيَكْفِيني، وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) [الأعراف: ١٢٩].

وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾.

ذُكر أن الله كان قد أمرَ البحرَ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بعَصاه.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فتقدَّم هارونُ، فضرَب البحرَ، فأبَى أن ينفتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذي يضرِبُني؟

حتى أتاه موسى، فكَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانفلَق (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوحَى اللهُ، فيما ذُكر، إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعصاه فانفلِقْ له.

قال: فباتَ البحرُ يضربُ بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن اللهِ، وانتظارَ أمره، وأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ.

فضرَبه بها وفيها سلطانُ اللَّهِ الذي أعطاه، فانفلَق (٤) حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن (١) سليمانَ التيميِّ، عن أبي السليلِ، قال: لما ضرَب موسى بعصاه البحرَ، قال: إيهًا أبا خالدٍ.

فأخَذه أَفْكَلٌ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ وغيره، قالوا: لمَّا انتهى موسى إلى البحرِ، وهاجَتِ الريحُ، والبحرُ يَرْمى بتَيَّارِه، ويموجُ مثلَ الجبالِ، وقد أوحَى اللهُ إلى البحرِ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بالعصا، فقال له يُوشَعُ: يا كليمَ اللَّهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟

قال: ههنا.

قال: فجازَ البحرَ ما يُوارِى حافرَه الماءُ، فذهَب القومُ يصنَعون مثلَ ذلك، فلم يقدرِوا، وقال له الذي يَكْتُمُ إيمانَه: يا كليمَ اللهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟

قال: ههنا، فَكَبَح فرسَه بلِجَامِه حتى طارَ الزَّبَدُ مِن شِدْقَيه، ثم قَحَمه البحرُ، فأرسَب في الماءِ، فأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ.

فضرَب بعصاه موسى البحرَ فانفلَقَ، فإذا الرجلُ واقفٌ على فرسِه، لم يبتلَّ سَرْجُه ولا لِبْدُه.

وقولُه: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فكان كلُّ طائفةٍ من البحرَ لمَّا ضرَبه موسى، كالجبلِ العظيمِ.

وذُكر أنه انفلَق اثنتى عشْرةَ فَلْقةً، على عدِد الأسْباطِ، لكلِّ سِبْط منهم فِرْقٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.

يقولُ: كالجبلِ العظيمِ، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، [وكان الطريقُ كما (١) إذا انفلَقَتِ الجدرانُ، فقال كلُّ سِبْطٍ] (٢): قد قَتَل أصحابَنا.

فلما رأى ذلك موسى دَعا الله، فجعَلها قَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخِرُهم إلى أوَّلهم حتى خرَجوا جميعًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللَّهِ وغيره، قالوا: انفلق البحرُ، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، وكان بنو إسرائيلَ اثني عشَرَ سِبطًا، وكانت الطُّرْقُ بجُدْران، فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا.

فلما رأى ذلك موسى، دَعا اللهُ فجعَلها لهم بقَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ على أرضٍ يابسةٍ كأن الماءَ لم يُصِبْها قَطُ حتى عَبَر (٤).

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما انفلق البحرُ لهم صار فيه كُوًى ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.

أي: كالجبلِ على نَشَزٍ مِن الأرضِ (٥).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.

يقولُ: كالجبلِ (١) [حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.

قال: كالجبلِ] (٢) العظيمِ (٣).

ومنه قولُ الأسودِ بن يَعْفُرَ (٤): حَلُّوا بأنْقرةٍ يَسِيلُ عليهمُ … ماءُ الفُراتِ يجيءُ مِن أَطْوَادٍ يعنى بالأطوادِ جمعَ طَوْدٍ، وهو الجبلُ.

القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾.

يعني بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وقَرَّبْنا هنالك آلَ فرعونَ مِن البحرِ، وقَدَّمْناهم إليه.

ومنه قولُه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠].

بمعنى: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ.

ومنه قولُ العَجَّاجِ (٥): طَيَّ الليالي زُلَفًا فَزُلَفا … سَماوةَ الهلال حتى احْقوقفَا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخَراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.

قال: قَرَّبْنا (١).

[حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.

قال: هم قومُ فرعونَ قَرَّبَهم اللهُ حتى أغرَقهم في البحرَ] (٢).

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دَنا فرعونُ وأصحابُه بعدَ ما قطَع موسى ببنى إسرائيلَ البحرَ، مِن البحرَ، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا قال: أَلَا تَرَوْن البحرَ فَرِقَ مِنِّى، قد تَفتَّح لى حتى أُدْرِكَ أَعْدائي فأقْتُلَهم؟

فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.

يقولُ: قَرَّبْنَا.

﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ هم آلُ فرعونَ.

فلمَّا قامَ فرعونُ على أفواهِ (٣) الطُّرْقِ، وأَبَتْ خِيلُه أن تقتحِمَ، فنزَل جبريلُ ﷺ على ماديانةٍ، فتَشامَّتِ الحُصُنُ ريحَ الماديانة، فاقتَحَمَت في أثَرِها، حتى إذا هَمَّ أَوَّلُهم أن يخرجَ، ودخلَ آخِرُهم، أمَر البحرَ أن يأخُذَهم، فالتطَمَ عليهم، وتفرَّدَ جبريلُ بمَقْلَةٍ مِن مَقْل البحر (٤)، فجعَل يَدُسُّها في فِيهِ (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللهِ، قال: أقبَل فرعونُ، فلمَّا أشرَف على الماءِ قال أصحابُ موسى: يا مُكَلِّمَ اللهِ، إن القومَ يَتْبَعوننا في الطريقِ، فاضرِبْ بعصاك البحرَ فاخْلطه.

فأرادَ موسى أن يفعلَ، فأوحَى اللهُ إليه أن ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾.

يقولُ: أَقرَّه (١) على سَكَناتِه، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤].

إنما أمكرُ بهم، فإذا سَلَكوا طريقَكم غَرَّقْتُهم، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرَ قال: ألَا تَرَون البحرَ فَرِقَ منى، حتى تَفَتَّحَ لي، حتى أُدِركَ أعدائي فأقتُلَهم؟

فلما وقَف على أفواهِ الطرقِ وهو على حصانٍ، فرأى الحصانُ البحرَ فيه أمثالُ الجبالِ هابَ وخافَ، وقال فرعونَ: أنا راجعٌ.

فمكَر به جبريلُ ﵇، فأقبَل على فرسٍ أنثى، فأدْناها مِن حصانِ فرعونَ، فطَفِقَ فرسُه لا يَقَرُّ، وجعَل جبريلُ يقولُ: تَقَدَّم.

ويقولُ: ليس أحدٌ أحقُّ بالطريقِ منك، فتَشامَّتِ الحُصُنُ الماديانةَ، فما مَلَكَ فرعونُ فرسَه أن وَلَجَ على أثَرِه، فلمَّا انتَهى فرعونُ إلى وسط البحرَ، أوحَى اللهُ: إلى البحر خُذْ عبدىَ الظالمَ وعبادىَ الظَّلَمةَ، سُلطاني فيك؛ فإني قد سَلَّطتك عليهم.

قال: فتَغَطْمَطَتْ (٢) تلك الفِرَقُ مِن الأمواج كأنها الجبالُ، وضرَب بعضُها بعضًا، فلما أدرَكه الغَرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].

وكان جبريلُ ﷺ شديدَ الأَسَفِ عليه؛ لِما رَدَّ مِن آيات اللهِ، ولطولِ علاجِ موسى إياه، فدخَل في أسفلِ البحرِ، فأخرَج طينًا، فحَشَاه في فَمِ فرعونَ لكيلا يقولَها الثانية، فتُدْرِكَه الرحمةُ.

قال: فبعَث اللهُ إليه ميكائيلَ يُعَيِّرُه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟

[يونس: ٩١].

وقال جبريلُ: يا محمدُ، ما أبغَضْتُ أحدًا من خلقِ اللَّهِ ما أَبغَضتُ اثنين؛ أحدُهما مِن الجنِّ، وهو إبليسُ، والآخرُ فرعون، قال: أنا ربُّكم الأعلى.

ولقد رأيتُنى يا محمدُ وأنا أحْشُو في فِيهِ مخافةَ أن يقولَ كلمةً يرحمُه اللهُ بها.

وقد زعَم بعضُهم (١) أن معنى قولِه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وجَمَعْنا.

قال: ومنه ليلةُ المُزْدَلِفةِ.

قال: ومعنى ذلك أنها ليلةُ جَمْعٍ.

وقال بعضُهم: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾: وأهْلكْنا.

وقولُه: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأنجْيَنا موسى [بما أشْقَيْنا] (٢) به فرعونَ وقومَه مِن الغَرَقِ في البحرِ، ومَن مع موسى مِن بنى إسرائيلَ أجمعين.

وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.

يقولُ: ثم أَغرَقْنا فرعون وقومَه مِن القِبْطِ في البحرِ، بعد أن أنجْيَنا موسى منه ومَن معه.

وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما فعلتُ بفرعونَ ومَن معه؛ مِن تَغْريِقي إياهم في البحرِ، إذ كَذَّبوا رسولى موسى، وخالَفوا أمرى بعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ - لدلالةً بينةً يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، على أن ذلك سُنَّتى في من سلَك سبيلَهم مِن تَكْذيبِ رُسُلى، وعظةً لهم وعبرةً - إنِ ادَّكروا واعتَبروا - أن يفعلوا مثلَ فعلِهم في تكذيبِك، مع البرهانِ والآياتِ التي قد أتَتْهم، فَيحِلُّ بهم من العقوبةِ نظيرُ ما حَلَّ بهم، ولك أيضًا آيةٌ في فعلى بموسى، وتَنْجيتي إياه - بعد طُولِ علاجِه فرعونَ - وقومَه منه، وإظْهارِى إياه، وتوريثِهِ وقومَه دورَهم وأرضَهم وأموالَهم، على أنِّى سالكٌ فيك سبيلَه إن أنت صبرتَ صبرَه، وقُمتَ مِن تبليغِ الرسالةِ إلى مَن أرسلتُك إليه قيامَه، ومُظْهرُك على مُكَذِّبيك، ومُعْليك عليهم، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: وما كان أكثر قومك يا محمدُ مؤمنين، بما أتاك اللهُ مِن الحقَّ المبينِ، فسابقٌ لهم في علمى أنهم لا يؤمنون، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه ممن كفرَ به وكذَّب رسلَه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بَمَن أَنْجَى مِن رسلِه وأتباعِهم مِن الغرقِ والعذابِ الذي عذَّب به الكفرةَ.

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واقصُصْ على قومِك من المشركين يا محمدُ، خبرَ إبراهيمَ، حينَ قال لأبيه وقومَه: أَيَّ شيءٍ تعبُدون؟

قالوا له: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.

يقولُ: فنظلُّ لها خَدَمًا مقيمين على عبادتها وخدمتِها.

وقد بيَّنا مَعْنى "العكوفِ" بشواهدِه فيما مضى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وكان ابن عباسٍ فيما روى عنه يقولُ في مَعْنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.

قال: الصلاةُ لأصنامِهم (٢).

القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لهم: هل يسمَعُ دعاءَكم هؤلاء الآلهةُ إذ تَدْعُونَهم.

واختَلف أهلُ العربيةِ في مَعْنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: هل يسمعون منكم؟

أو هل يسمعون دعاءَكم؟

فحذَف الدعاءَ، كما قال زُهَيرٌ (٣): القائِدُ الخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُها (١) … قد أُحْكِمَتْ حَكماتِ (٢) القِدِّ والأبَقا (٣) وقال: يريدُ: أَحْكِمت حَكَماتِ الأَبَقِ.

فألْقَى الحَكَماتِ، وأقام الأبَقَ مُقامَها.

وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك من قولِه من أهلِ العربيةِ: الفصيحُ مِن الكلامِ في ذلك هو ما جاء في القرآنِ؛ لأنَّ العرب تقولُ: سمعتُ زيدًا مُتكلِّمًا.

يريدون: سمِعتُ كلام زيدٍ.

ثم تَعلَمُ أن السمعَ لا يقعُ على الأناسيِّ، إنما يقعُ على كلامِهم، ثم يقولون: سمِعتُ زيدًا.

أي: سمِعتُ كلامَه قال: ولو لم يُقَدَّمْ في بيتِ زهيرٍ "حكماتِ القدِّ" لم يَجُزْ أن يُنْسَقَ بـ"الأبق" عليها؛ لأنَّه لا يقالُ: رأيتُ الأبق.

وهو يريدُ الحكمَةَ.

وقولُه: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾.

يقولُ: أو تنفَعُكم هذه الأصنامُ، فيَرزُقونكم شيئًا على عبادتِكموها، أو يضرُّونكم فيُعاقبونكم على تَرْككم عبادتَها، بأن يسلُبوكم أموالَكم، أو يُهْلِكوكم إذا هلَكتُم وأولادُكم ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.

وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدَلالةِ ما ذُكِرَ عما تُرِكَ، وذلك جوابُهم إبراهيمَ عن مسألتِه إياهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾.

فكان جوابُهم إياه: لا، ما يَسْمَعوننا إذا دعَوناهم، ولا ينفَعوننا ولا يضرُّون.

يدلُّ على أنَّهم بذلك أجابوه - قولُهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.

وذلك [أنَّ "بل"] (٤) رجوعٌ عن مجحودٍ، كقولِ القائلِ: ما كان كذا بل كذا وكذا.

ومَعْنى قولِهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وجَدنا مَن قبلَنا (١) مِن آبائِنا يعبُدونها، ويعكُفون عليها لخدمتِها وعبادتِها، فنحن نفعلُ ذلك اقتداءً بهم، واتِّباعًا لمِنهاجِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾.

يقولُ تعالَى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ أَيُّها القومُ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِن هذه الأصنامِ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعنى بالأَقْدَمِين: الأقْدَمِين مِن الذين كان إبراهيمَ يخاطبُهم، وهم الأوَّلون قبلَهم مِمَّن كان على مثلِ ما كان عليه الذين كلَّمهم إبراهيمُ من عبادةِ الأصنامِ، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ قائلٌ: وكيف يوصَفُ الخشبُ والحديدُ والنُّحاسُ بعداوةِ ابن آدمَ؟

فإن مَعْنَى ذلك: فإنهم عدوٌّ لى - لو عبدتُهم - يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].

وقولُه: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.

نصبًا على الاستثناءِ.

و "العدوُّ" بمعنى الجمعِ، ووُحِّد لأنَّه أُخْرِج مُخرج المصدرِ، مثلَ القُعودِ والجلوسِ.

ومَعْنى الكلامِ: أفرأيتُم كلَّ معبودٍ لكم ولآبائِكم، فإنِّي منه برئٌ: لا أعبدُه، إلا ربَّ العالمين.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.

يقولُ: فإنَّهم عدوٌّ لى إلا ربِّ العالمين، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ للصوابِ من القولِ والعملِ، ويُسدِّدُنى للرَّشادِ، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.

يقولُ: والذي يغذوني بالطعامِ والشرابِ، ويَرْزُقُنى الأرزاقَ، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.

يقولُ: وإذا سقِم جسمى واعتلَّ فهو يُبْرئُه ويُعافيه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾.

يقولُ: والذي يُميتُنى إذا شاء، ثم يُحييني إذا أراد بعدَ مماتى، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَرَبِّي هذا الذي بيدِه نفعى وضرِّى، وله هذه (١) القدرةُ والسلطانُ، وله الدنيا والآخرةُ، لا الذي لا يسمَعُ إِذا دُعِى، ولا يَنفَعُ ولا يضُرُّ.

وإنَّما كان هذا الكلامُ من إبراهيمَ احتجاجًا على قومِه، في أنَّه لا تصلُحُ الأُلوهةُ، ولا يَنبَغي أن تكونَ العبودةُ إلا لمن يفعلُ هذه الأفعالَ، لا لمن لا يُطيقُ نفعًا ولا ضرًّا.

وقيل: إِنَّ إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه عَنَى بقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: والذي أرجو أن يغفرَ لى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩].

وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣].

وقولى لسارة: إنها أُختى ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.

قال: قولُه: ﴿وإِنَّي سَقِيمٌ﴾.

وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾.

وقولَه لسارةَ: إنها أختى.

حينَ أراد فرعونٌ مِن الفراعنةِ أن يأخذَها (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.

قال: قولُه: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾.

وقولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾.

وقولُه لسارةَ: إنها (٢) أختى.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ نحوَه.

ويَعْنى بقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: يومَ الحسابِ، يومَ المجازاةِ.

وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن مسألة خليلِه إبراهيم إياه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾.

يقولُ: رَبِّ هَبْ لى نُبُوَّةً، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.

يقولُ: واجْعَلني رسولًا إلى خلقِك، حتى تُلحِقَنى بذلك بعِدادِ مَن أرسلتَه من رسلِك إلى خلقِك، واتَّمنتَه على وحيِك، واصطَفيته لنفسك.

وقولُه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.

يقولُ: واجْعَلْ لى في الناسِ ذكرًا جميلا، وثناء حسنًا، باقيًا في من يجيءُ مِن القرونِ بعدِى.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.

وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧].

قال: إِنَّ الله فضَّله بالخُلَّةِ حين اتخذَه خليلًا، فسألَ الله فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ حتى لا تكذَّبَنى الأممُ.

فأعطاه اللهُ ذلك، فإنَّ اليهودَ آمَنتْ بموسى وكفَرتْ بعيسى، وإنَّ النصارَى آمنْتْ بعيسى وكفَرتْ بمحمدٍ ﷺ، وكلُّهم يتولَّى إبراهيمَ، قالت اليهودُ: هو خليلُ اللهِ وهو منَّا.

فقطَع اللهُ ولا يتَهم منه بعدَ ما أقرُّوا له بالنبوّةِ وآمنوا به، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].

ثم الحق ولايتَه بكم فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].

فهذا أجرُه الذي عُجِّل له، وهى الحسنةُ.

إذ يقولُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢].

وهو اللسانُ الصِّدْقُ الذي سألَ ربَّه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.

قال: اللسانُ الصِّدْقُ الذِّكْرُ الصدقُ، والثناءُ الصالحُ، والذِّكرُ الصالحُ في الآخِرين من الناسِ، مِن الأممِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.

يَعْنى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ بقولِه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: أورِثْنى يا ربِّ من منازلِ مَن هلَك مِن أعدائِك المشركين بك، من الجنةِ، وأسكنِّى ذلك، ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾.

يقولُ: واصفحْ لأبي عن شركِه بك، ولا تعاقِبْه عليه؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾.

يقولُ: إنه كان ممن ضَلَّ عن سبيلِ الهُدَى، فكفَر بك.

وقد بيَّنا المعنى الذي مِن أجلِه استغفَر إبراهيمُ لأبيه، واختلافَ أهلِ العلمِ في ذلك، والصوابَ عندَنا من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وقولُه: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.

يقولُ: ولا تُذِلَّني بعقابِك إيايَ يومَ تَبْعَثُ عبادَك مِن قبورِهم لمَوْقِفِ القيامةِ، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.

يقولُ: لا تُخْزنى يومَ لا ينفعُ مَنْ كَفَر بك وعصَاك في الدنيا مالٌ (٢) كان له في الدنيا، ولا بنوه الذين كانوا له فيها، فيدفعُ ذلك عنه عقابَ اللَّهِ إِذا عاقبه، ولا يُنجِّيه منه.

وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

يقولُ: ولا تُخْزنى يومَ يُبعثون، يومَ لا ينفعُ إلا القلبُ السليمُ.

والذي عُنِى به مِن سلامةِ القلبِ في هذا الموضعِ هو سلامةُ القلبِ من الشكِّ في توحيدِ اللهِ، والبعثِ بعدَ المماتِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن عوفٍ (١)، قال: قلتُ لمحمدٍ: ما القلبُ السليمُ؟

قال: أن يعلمَ أنَّ الله حقٌّ، وأن الساعةَ قائمةٌ، وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبورِ (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

قال: لا شكَّ فيه (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

قال: ليس فيه شكٌّ في الحقِّ (٤).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

قال: سليمٌ من الشركِ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

قال: سليمٌ من الشركِ، فأمَّا الذنوبُ فليس يَسْلَمُ منها أحدٌ (٦).

حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميد الآمُليُّ، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن جُوَيبرٍ عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

قال: هو الخالصُ (٧).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾.

يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: وأُدْنِيتِ الجنةُ وقُرِّبَتْ للمتقين، الذين اتقَوْا عقابَ اللهِ في الآخرةِ، بطاعتِهم إياه في الدنيا، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.

يقولُ: وأُظْهِرت النارُ للذين غَوَوْا فَضَلُّوا عن سواءِ السبيلِ.

وقيل للغاوين: [أينَ الذين] (١) كنْتُم تَعْبدون من دونِ اللَّهِ من الأنداد؟

﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ اليومَ مِنَ اللهِ، فينقِذونكم من عذابِه، ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لأنفسِهم، فيُنَجُّونها مما يُرَادُ بها؟

وقولُه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾.

يقولُ: فرُمِى ببعضِهم في الجحيمِ على بعضٍ، وطُرح بعضُهم على بعضٍ، مُنْكَبِّين على وجوههِم.

وأَصلُ "تُبْكِبوا": كُبِّبُوا، ولكن الكاف كُرَّرَتْ كما قيل: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦].

يَعْنى به: صِرَّ.

ونَهْنَهنى يُنَهْنِهُنِي.

يَعْنى به: نَهَّهَني.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولهَ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾.

قال: فدُهْوِروا (٢).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾.

يقولُ: فجُمِعوا فيها (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾.

قال: طُرِحوا فيها (٢) فتأويلُ الكلام: فكُتبَ هؤلاءِ الأندادُ التي كانت تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ في الجحيمِ، والغاوون.

وذكر عن قتادةَ أَنَّه كان يقولُ: الغاوون في هذا الموضعِ الشياطينُ.

ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾.

قال: الغاوون الشياطينُ (٣).

فتأويلُ الكلامِ على هذا القولِ الذي ذكرْنا عن قتادةَ: فكُبْكِب فيها الكفارُ الذين كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ الأصنامَ، والشياطينُ.

وقولُه: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾.

يقولُ: وكُبكب فيها مع الأندادِ والغاوِين جنودُ إبليسَ أجمعون.

وجنودُه كلُّ مَن كان مِن تُباعِه؛ من ذرِّيته كان أو مِن ذرّيةِ آدمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: قال هؤلاءِ الغاوون والأندادُ التي كانوا يَعبدونها مِن دونِ اللهِ وجنودُ إبليسَ، وهم في الجحيمِ يختصمون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

يقولُ: تاللهِ لقد كنَّا في ذهابٍ عن الحقِّ (١) مُبِينٍ، يَبِينُ ذهابُنا ذلك عنه عن نفسِه، لمن تأمَّله وتدبَّره أنه ضلالٌ وباطلٌ.

وقولُه: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ الغاوون للذين (٢) يعبدونهم مِن دونِ اللَّهِ: تاللَّهِ إنْ كنَّا لفى ذهابٍ عن الحقِّ حينَ نعدِلُكم بربِّ العالمين، فنعبُدُكم مِن دونِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

قال: لتلك الآلهة.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاءِ الغاوين في الجحيمِ: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾.

يَعْنى بالمجرمين إبليسَ وابنَ آدمَ الذي سَنَّ القتلَ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرِمةَ قولَه: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾.

قال: إبليسُ وابنُ آدمَ القاتلُ (٣).

وقولُه: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.

يقولُ: فليس لنا شافعٌ يشفَعُ لنا عندَ اللَّهِ مِن الأباعدِ فيعفوَ عنا ويُنجِّيَنا من عقابِه، ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾، من الأقاربِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بالشافعين وبالصديقِ الحميمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالشافعين الملائكةُ، وبالصديقِ الحميم النَّسِيبُ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.

قال: مِن الملائكةِ، ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال: مِن الناسِ (١).

قال مجاهدٌ: ﴿صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.

قال: شَفيقٍ (٢).

وقال آخرون: كلُّ هؤلاء من بني آدمَ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكَريا بنُ يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سعيد البصريُّ المِسْمَعيُّ، عن أخيه يحيى بن سعيدٍ المِسمَعيِّ، قال: كان قتَادةُ إذا قرَأ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.

قال: يَعْلَمون واللهِ أنَّ الصديق إذا كان صالحًا نفَع، وأن الحميمَ إذا كان صالحًا شفَع (٣).

وقولُه: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقولُ: فلو أنَّ لنا رجعةً إلى الدنيا فنؤمنَ باللَّهِ، فنكونَ [بإيماننا به] (١) من المؤمنين.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّ فيما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من الحُجَجِ التي ذكَرنا له، لدَلالةً بينةً [وعبرةً] (٢) واضحةً لمن اعتَبر، على أنَّ سنةَ اللَّهِ في خلقِه الذين يستَنُّون بسُنَّةِ قومِ إبراهيمَ من عبادةِ الأصنامِ والآلهةِ، ويقتَدون بهم في ذلك - ما سنَّ فيهم في الدارِ الآخرِة، من كَبْكَبَتِهم وما عبَدوا مِن دونِه مع جنودِ إبليسَ في الجحيمِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ في سابقِ علمهِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾، إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لهو الشديدُ الانتقامِ ممن عبَد من (٣) دونَه، ثم لم يَتُبْ من كفرِه حتى هلَك، الرحيمُ بمن تاب منهم أن يعاقبَه على ما كان سلَف منه قبلَ توبته مِن إثمٍ وجُرمٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ قوم نوح رسلَ اللَّهِ الذين أرسلَهم إليهم لما قال لهم أخوهم نوحٌ: ألا تتَّقون فتحذروا عقابَه على كفرِكم به، وتكذيبِكم رسلَه، إنى لكم رسولٌ من الله، أمينٌ على وحيِه إليَّ، برسالتِه إياىَ إليكم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عِقَابَ اللَّهِ أَيُّها القومُ على كفرِكم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم باتِّقائِه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.

يقولُ: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمرى إياكم باتِّقاءِ عقابِ اللهِ، بطاعتِه فيما أمرَكم ونهاكم - مِن ثوابٍ ولا جزاءٍ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دونَكم ودونَ جميعِ خلقِ اللهِ، فاتقوا عقابَ اللهِ على كفرِكم به، وخافوا حلولَ سخطِه بكم، على تكذيبِكم رسلَه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.

يقولُ: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم بإخلاصِ العبادةِ لخالقكِم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ له، مُجِيبيه عن قيلِه لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

قالوا: أنؤمنُ لك يا نوحُ، ونُقِرُّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبَعَك منا الأَرْذَلون، دونَ ذوى (١) الشرفِ وأهلِ البيوتاتِ؟

﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [قال نوحٌ لقومه: وما علمى بما كان أتباعى يعملون] (٢)، إنَّما لى منهم ظاهرُ أمرِهم دونَ باطنِه، ولم أُكَلَّفْ عِلْمَ باطنهم، وإنما كُلِّفتُ الظاهرَ، فمن أظهر حسنًا، ظننتُ به حسنًا، ومن أظهر سيِّئًا، ظننتُ به سَيِّئًا، ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ: إن حسابُ باطنِ أمرِهم الذي خَفِى عنى إلا على ربِّي لو تشعرون، فإنَّه يعلم سر أمرهم وعلانيته.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قولَه ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.

قال: هو أعلمُ بما في نفوسِهم (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: وما أنا بطاردِ مَن آمن باللَّهِ وَاتَّبعنى على التصديقِ بما جئتُ به مِن عندِ اللهِ، ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.

يقولُ: ما أنا إلا نذيرٌ لكم مِن عندِ ربِّكم، أُنْذِرُكم بأسَه وسطوتَه على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾.

يقولُ: نذيرٌ قد أبانَ لكم إنذارَه، ولم يكتُمْكم نصيحته.

﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.

يقولُ: قال لنوحٍ قومُه: لئن لم تَنْتَه يا نوحُ عما تقولُ وتدعو إليه وتَعِيبُ به آلهتنا، لتكونَنَّ مِن المشتومين.

يقولُ: لنشتُمَنَّك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ: ربِّ إن قومى كذَّبوني فيما أتيتُهم به من الحقِّ مِن عندِك، وردُّوا عليَّ نصيحتي لهم، ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.

يقولُ: فاحكُمْ بينى وبينَهم حكمًا [من عندك] (٢)، تُهلكُ به المُبطلَ، وتنتقمُ به ممَّن كفرَ بك، وجحَد توحيدَك، وكذَّب رسولَك.

كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.

قال: فاقضِ بينى وبينَهم قضاءً (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.

قال: يقولُ: اقضِ بينى وبينَهم (٢).

﴿وَنَجِّنِي﴾: يقولُ: ونجنى من ذلك العذابِ الذي تأتى به حكمًا بيني وبينَهم، ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: والذين معى مِن أهلِ الإيمانِ بك، والتصديقِ بي (٣).

وقولُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.

يقولُ: فأنجينا نوحًا ومَن معه مِن المؤمنين، حينَ فَتَحنا بينهم وبينَ قومِهم، وأنزَلْنا بأسَنا بالقومِ الكافِرِين، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ يَعْنى: في السفينةِ المُوقَرةِ المملوءةِ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في [تأويلِ قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾] (٤)، قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.

قال: يَعْنى المُوقَرَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾: الموقَرِ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.

قال: المفروغِ منه المملوءِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المفروغِ منه تحميلًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِ اللهِ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.

قال: هو المُحَمَّلُ (٣).

وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [يقولُ: ثم أغْرَقْنا بعد إنجائناه والمؤمنين معه، الباقين] (٤) مِن قومِه الذين كذَّبوه وردُّوا عليه النصيحةَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: إنّ فيما فعَلْنا يا محمدُ بنوحٍ ومَن معه مِن المؤمنين في الفلكِ المشحونِ، حينَ أنزَلْنا بأسَنا وسطوتَنا بقومِه الذين كذَّبوه - لآيةً لك ولقومِك المصدِّقيك منهم والمكذِّبيك، في أن سُنَّتَنا تنجيهُ رسلِنا وأتباعِهم، إذا نزَلت نقمتُنا بالمكذِّبين بهم مِن قومِهم (١)، وإهلاكُ المكذِّبين باللهِ، وذلك (٢) سُنَّتى فيك وفى قومِك.

﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: ولم يكنْ أكثرُ قومِك بالذين يصدِّقونك؛ لِما سبَق في قضاءِ اللهِ أنَّهم لن يؤمنوا.

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ في انتقامِه ممن كفَر به وخالَف أمرَه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ الله بالتائبِ منهم أن يعاقبَه بعدَ توبتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: كذَّبَت عادٌ رُسُلَ اللهِ إليهم، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقابَ اللهِ على كفرِكم به، إنى لكم رسولٌ مِن ربِّي، يأمُرُكم (٣) بطاعتِه، ويُحذِّرُكم (٤) على كفرِكم بأسَه، أمينٌ على وَحْيِه ورسالتِه، فاتَّقوا الله بطاعتِه والانتهاءِ إلى ما يأمُرُكم وَينْهاكم، وأطيعوني فيما آمُرُكم به مِن اتقاءِ اللهِ وتَحذيرِكم سَطُوتَه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.

يقولُ: وما أطلُبُ منكم على (٥) أمرِى إياكم باتِّقاءِ اللهِ جزاءً ولا ثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: ما جَزائى وثَوابى على نَصِيحتِى إياكم إلا على ربِّ العالمين.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

والرِّيعُ كلُّ مكانٍ مُشْرِفٍ مِن الأَرضِ مرتفعٍ، أو طريقٍ، أو وادٍ.

ومنه قول ذى الرُّمَّةِ (١): طِرَاقُ (٢) الخَوافي (٣) مُشْرِفٌ فوقَ ريْعَةٍ … نَدَى لَيْلِه في رِيشِه يَتَرَقْرَقُ (٤) وقولُ الأعْشَى (٥): ويَهْمَاءَ (٦) قَفْرٍ تَجَاوَزْتُها … إِذَا خَبَّ (٧) فِي ريعِها آلُهَا (٨) وفيه لغتانِ: رِيعٌ ورَيْعٌ، بكسرِ الراءِ وفتحِها وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.

يقولُ: بكلِّ شَرَفٍ (٩).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

قال: فَجٍّ (١).

حَّدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

قال: بكلِّ طريق (٢).

حدَّثني سليمانُ بنُ عُبَيدِ اللهِ الغَيْلانيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

قال: الرِّيعُ الثَّنِيَّةُ الصغيرةُ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانٍ، عن مسلمٍ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

قال (٤): فَجٍّ ووادٍ.

قال: وقال مجاهدٌ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: بينَ جبلَين (٥).

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

قال: شَرَفٍ ومنظرٍ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾.

قال: بكلِّ طريقٍ (١).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: بكلِّ طريقٍ (٢).

ويعنى بقولِه: ﴿آيَةً﴾: بُنْيانًا، عَلَمًا.

وقد بَيَّنَّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا أن الآيةَ هي الدلالةُ والعلامةُ، بالشواهدِ المُغْنِيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (٣).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في ألفاظِهم في تأويلِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.

قال: الآيةُ عَلَمٌ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.

قال: ﴿آيَةً﴾: بنيانٌ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آيَةً﴾: بنيانٌ.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.

قال: بنيانُ الحمامِ.

وقولِه: ﴿تَعْبَثُونَ﴾.

قال: تلعَبون.

وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾.

قال: تلعَبون (٢).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَعْبَثُونَ﴾.

قال: تلعَبون (٣).

وقولُه: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى المصانعِ؛ فقال بعضُهم: هي قصورٌ مُشَيَّدةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾.

قال: قصورٌ مُشَيَّدةٌ، وبنيانٌ مُخَلَّدٌ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَصَانِعَ﴾: قصورٌ مُشَيَّدةٌ وبنيانٌ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿مَصَانِعَ﴾.

يقولُ: حصونٌ وقصورٌ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدُونَ﴾.

قال: أبْرِجةُ الحمامِ (٣).

وقال آخرون: بل هي مآخِذُ للماءٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَصَانِعَ﴾.

قال: مآخِذُ للماءِ (٤).

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ: إن المصانعَ جمعُ مَصْنَعةٍ.

والعربُ تُسَمِّى كُلَّ بناءٍ مَصْنَعةً، وجائزٌ أن يكونَ ذلك البناءُ كان قصورًا وحُصُونًا مُشَيَّدةً، وجائزٌ أن يكونَ كان مآخِذَ للماءِ، ولا خبرَ يَقْطَعُ العُذْرَ بأيِّ ذلك كان، ولا هو مما يُدْرَكُ مِن جهةِ العقلِ.

فالصوابُ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ: إنهم كانوا يَتَّخِذون مصانعَ.

وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.

يقولُ: كأنكم تخلُدُون فتَبْقَون في الأرضِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يقولُ: كأنكم تَخْلُدون (١).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٢).

وكان ابن زيدٍ يقولُ: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ في هذا الموضعِ استفهامٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.

قال: هذا استفهامٌ، يقول: لعلكم تخلُدون حينَ تَبْنُون هذه الأشياءِ (١)؟

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يزعُمُ أن ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى: "كيما".

وقولُه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾.

يقولُ: وإذا سَطَوْتُم سَطَوْتُم قتلًا بالسيوفِ، وضَرْبًا بالسِّياطِ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾.

قال: القتلُ بالسيفِ والسِّياطِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه مِن عادٍ: اتَّقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ، بطاعتِكم إياه فيما أمَركم ونَهاكم، وانْتَهُوا عن اللَّهْوِ واللَّعِبِ وظُلْمِ الناسِ وقَهْرِهم بالغَلَبةِ والفسادِ في الأرضِ، واحْذَروا سَخَطَ الذي أعْطاكم مِن عندِه ما تعلَمون، وأعانَكم به؛ من بين المواشى والبنين والبساتينِ والأنهارِ.

﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ مِن اللهِ ﴿عَظِيمٍ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قالت عادٌ لنبيِّهم هودٍ ﵇: مُعْتَدِلٌ عندَنا وَعْظُك إيَّانا وتَرْكُك الوَعْظَ، فلن نؤمنَ لك، ولن نُصَدَّقَك على ما جِئْتَنا به.

وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ سوى أبى جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ المتأخرِين منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١).

بضمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: ما هذا الذي تفعلُه إلا عادةُ الأولين مِن قبلِنا.

وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرِو بنُ العلاءِ: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) (٢).

بفتحِ الخاءِ وتسكينِ اللامِ، بمعنى: ما هذا الذي جئتَنا به إلا كَذِبُ الأَوَّلين وأحاديثُهم.

واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نحوَ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما هذا إلا دِينُ الأوَّلين وعادتُهم وأخلاقُهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: دِينُ الأوَّلين (٣).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: هكذا خِلْقَةُ الأَوَّلين، وهكذا كانوا يَحْيَوْن ويَموتُون (١).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كَذِبُ الأوَّلين وأساطيرُهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: أساطيرُ الأوَّلين (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: كَذِبُهم (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: إنْ هذا إلا أمرُ الأوَّلين، وأساطيرُ الأوَّلين اكْتَتَبَها، فهي تُمْلَى عليه بكرةً وأصيلًا.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عَلْقمةَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: إِنْ هذا إلا اختلاقُ الأوَّلين.

قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرأُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

ويقولُ: شيء اختَلَقوه (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قال علقمةُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: اخْتلاقُ الأَوَّلين.

وأَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضَمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: إنْ هذا إلا عادةُ الأوَّلين ودينُهم.

كما قال ابن عباسٍ؛ لأنهم إنما عُوتِبوا على البنيانِ الذي كانوا يَتَّخِذونه، وبَطْشِهم بالناسِ بطشَ الجبابرةِ، وقلةِ شُكْرِهم ربَّهم فيما أنعمَ عليهم، فأجابوا نبيَّهم بأنهم يفْعَلون ما يفْعَلون مِن ذلك، احْتذاءٍ منهم سُنَّةَ مَن قبلَهم مِن الأممِ، واقْتفاءً منهم آثارَهم، فقالوا: ما هذا الذي نَفْعَلُه، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

يَعْنون بالخُلُقِ عادةَ الأَوَّلين.

ويزيدُ ذلك بيانًا وتصْحيحًا لما اخْتَرْنا مِن القراءةِ والتأويلِ، قولُهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ لأنهم لو كانوا لا يُقِرُّون بأن لهم ربًّا يَقْدِرُ على تعذيبِهم، ما قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتَنا به يا هودُ إلا خَلْقُ الأَوَّلين، وما لنا مِن مُعَذِّبٍ يُعذِّبُنا.

ولكنهم كانوا مُقِرِّين بالصانعِ، ويعبُدون الآلهةَ على نحوِ ما كان مُشركو العرب يَعْبُدونها، ويقولون: إنها تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى.

فلذلك قالوا لهودٍ وهم منكرون نُبُوَّتَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعلُه إلا عادةُ مَن قَبْلَنا وأخلاقُهم، وما اللهُ مُعَذِّبَنا عليه.

كما أخبَرنا تعالى ذكرُه عن الأممِ الخاليةِ قبلَنا أنهم كانوا يقولون لرُسُلِهِم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فكذَّبَت عادٌ رسولَ ربِّهم هُودًا.

والهاءُ في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مِن ذكرِ هودٍ ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾.

يقولُ: فَأَهْلَكْنا عادًا بتكْذيبِهم رسولَنا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ فِي إِهْلاكِنا عادًا بتكذيبِها رسولَها، لعبرةً وعظةً (١) لقومِك يا محمدُ، المُكَذِّبِيك فيما أتيتَهم به مِن عندِ ربِّك، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: وما كان أكثرُ مَن أهْلَكنا، بالذين يؤمِنون في سابقِ علمِ اللهِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ في انتقامِه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين به.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ ثمودُ رسلَ اللهِ، إذ دعاهم صالحٌ أخوهم إلى اللهِ، فقال لهم: ألا تتَّقون عقابَ اللهِ يا قومِ على معصيتِكم إياه، وخلافِكم أمْرَه، بطاعتِكم أمرَ المفسدين في أرضِ اللهِ، إنى لكم رسولٌ من اللهِ أرسلَنى إليكم بتحذيرِكم عقوبتَه على خلافكم أمرَه، أمينٌ على رسالتِه التي أرسلَها معى إليكم (١).

فاتَّقوا الله أَيُّها القومُ، واحذرُوا عقابَه، وأطيعوني في تحذيرِى إيَّاكم، وأمرِ ربِّكم، باتباعِ طاعتِه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر﴾.

يقولُ: وما أسألُكم على نُصحى إيَّاكم وإنذارِكم، من جزاءٍ ولا ثوابٍ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: إِنْ جزائي (٢) وثوابي إلَّا على ربِّ جميعِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، وما بينَهما من خلْقٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (٣) (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُهُ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: أيَتْركُكم يا قومِ ربُّكم في هذه الدنيا آمِنين، لا تخافون شيئًا، ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

يقولُ: في بساتينَ وعيونِ ماءٍ، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: يعنى بالطَّلعِ الكُفُرَّى (٤).

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿هَضِيمٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: اليانعُ النضيجُ.

ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.

يقولُ: أَيْنَعَ وبلَغ، فهو هضيمٌ.

وقال آخرون: بل هو المتَهشِّم المتفتِّتُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.

قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: تهشَّم هشيمًا.

وقال الحارثُ: تهشَّم تهشُّمًا (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عبد الكريمِ يقولُ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.

قال: حينَ تَطْلُعُ يَقْبِضُ عليه فيَهْضِمُه.

قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: إذا مُسَّ تَهَشَّم وتفَتَّت.

قال: هو مِن الرُّطَب هضيمٌ، تَقْبِضُ عليه فتَهْضِمُهُ (١).

وقال آخرون: هو الرَّطَبُ الليِّنُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.

قال: الهضيمُ الرَّطْبُ الليِّنُ (٢).

وقال آخرون: هو الراكبُ بعضُه بعضًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: إذا كثُر حَمْلُ النخلةِ، فركِب بعضُه (٣) بعضًا، حتى نقَص بعضُه (٢) بعضًا، فهو حينَئِذٍ هَضيمٌ (٤).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الهضيمَ هو المُنْكَسِرُ من لينِه ورُطوبتِه، وذلك من قولِهم: هضَم فلانٌ فلانًا (٥) حقَّه.

إذا انْتَقَصه وتحَيَّفه، فكذلك الهَضْمُ في الطَّلْعِ، إنما هو التنقُّصُ منه مِن رطوبتِه ولينِه، إما بمسِّ الأيدى، وإما بركوبِ بعضِه بعضًا، وأصلُه "مفعولٌ"، صُرِف إلى "فعيلٍ".

وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وتَتَّخِذون مِن الجبالِ بيوتًا.

فاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿فَارِهِينَ﴾ (١) بمعنى: حاذِقين بنحتِها.

وقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (فَرِهِين) بغيرِ ألفٍ (٢)، بمعنى: أَشِرِين بَطِرِين.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقِين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ وعبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.

قال أحدُهما: حاذِقين.

وقال الآخرُ: يَتَجَبَّرون (٣).

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.

قال: حاذِقين بنحتِها.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَارِهِينَ﴾.

يقولُ: حاذِقين (٤).

وقال آخرون: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: مُسْتَفْرِهِين مُتَجَبِّرين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [قال: ثنا سفيانُ] (١)، عن السديِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ في قولِه: ﴿فَرِهِينَ﴾.

قال: يَتَجَبَّرون.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ ﴿فَارِهِينَ﴾.

وقال آخرون ممن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: معنى ذلك: كَيِّسِين.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾.

قال: كيِّسين (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه قرأَ: ﴿فَارِهِينَ﴾.

قال: كيِّسِين.

وقال آخرون: (فَرِهين): أَشِرِين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.

قال: أَشِرِين، ويقالُ: كيِّسين (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.

قال: شَرِهين (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.

وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياءُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِين).

قال: الفَرِهُ القويُّ (٢).

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبّرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (فَرِهين).

قال: مُعْجَبِين بصنعتِكم (٣).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾ وقراءةَ من قرَأه: (فَرِهين) قراءتان معروفتان، مُسْتَفِيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في علماءِ القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

ومعنى قراءةِ منَ قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقين بنحتِها، مُتَخَيِّرين لمواضعِ نحتِها، كيِّسين.

مِن الفَراهةِ.

ومعنى قراءةِ مَن قرَأه: (فَرِهين): مَرِحين أَشِرِين.

وقد يَجوزُ أن يكونَ معنى "فارِهِ" و "فَرِهٍ" واحدًا، فيكونَ "فارهٌ" (١) مبنيًّا على بيانِه (٢)، وأصلُه من "فَعِلَ" "يَفْعَلُ"، ويكونَ "فَرِهٌ" صفةً، كما يقالُ: فلانٌ حاذقٌ بهذا الأمرِ، وحَذِقٌ.

ومِن الفارهِ بمعنى المَرِحِ (٣) قولُ الشاعرِ عديِّ بن وداعٍ (٤) العُقَويَّ (٥) مِن الأزْدِ (٦): لا أَسْتَكِينُ إِذا ما أَزْمةٌ أَزَمَتْ … ولن تَرانى بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (٧) أي: مرحَ اللَّببِ (٨).

وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ على معصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَه، وأطِيعوني في نصيحتِي لكم، وإنذارى إياكم عقابَ اللهِ، تَرْشُدوا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: لا تطيعوا أيُّها القومُ أمرَ المسرفين على أنفسِهم، في تمادِيهم في معصيةِ اللهِ، واجترائِهم على سَخَطِه، وهم الرهْطُ التسعةُ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، من ثمودَ، الذين وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨].

يقولُ: الذين يسعَون في أرضِ اللهِ بمعاصيه، ﴿ولا يُصلِحون﴾.

يقولُ: ولا يُصلِحون أنفسَهم بالعملِ بطاعةِ اللهِ.

وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضهم: معناه: إنما أنت من المسحورين.

ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.

قال: من المسحورين (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.

قال: إنما أنت من المسحورين (٢).

وقال آخرون: معناه: من المخلوقين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ (١)، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.

قال: من المخلوقين (٢).

واختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى معنى ذلك؛ فكان بعضُ أهل البصرةِ (٣) يقولُ: كلُّ مَنْ أكَل مِن إنسٍ أو دابةٍ فهو مسحَّرٌ؛ وذلك لأنَّ له سَحْرًا يَقْرِى (٤) ما أكَل فيه.

واستَشهد على ذلك بقولِ لَبيدٍ (٥): فإِنْ تَسْأَلينا فيمَ نَحْنُ فَإِنَّنا … عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنامِ المُسَحَّرِ وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٦) نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: أُخِذ من قولِك: انْتَفَخ سَحْرُك.

أي: إِنَّك تأكلُ الطعامَ والشرابَ، فتُسَحَّرُ به وتُعَلَّلُ.

وقال: معنى قولِ لبيدٍ: مِن هذا الأنامِ المسحَّرِ: من هذا الأنامِ المعلَّلِ المخدوعِ.

قال: ويُروى أن السَّحْرَ (٧) من ذلك؛ لأنه كالخديعةِ.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي ذكرتهُ عن ابن عباسٍ؛ أن معناه: إنما أنتَ من المخلوقين الذين يُعلَّلون بالطعامِ والشرابِ مثلَنا، ولستَ ربًّا ولا ملَكًا فنُطيعك ونعلمَ أنك صادقٌ فيما تقولُ.

والمسحَّرُ: المفعَّلُ من السَّحْرةِ، وهو الذي له سَحْرَةٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ ثمودَ لنبيِّها صالحٍ: ﴿مَا أَنْتَ﴾ يا صالحُ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ من بنى آدمَ، تأكلُ مما نأكل، وتَشْرَبُ مما نَشْربُ، ولستَ بربٍّ ولا ملَكٍ، فعلامَ نَتَّبِعُك؟

فإن كنتَ صادقًا في قيِلك، وأنَّ الله أَرسَلك إلينا، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾.

يعنى: بدلالةٍ وحجةٍ على أنك محقٌّ فيما تقولُ، إن كنتَ ممن صدَقَنا في دعواه أن الله أرسَلَه إلينا.

وقد حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكِلابيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى الفراتِ، قال: ثنا عِلباءُ بنُ أحمرَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، أن صالحًا النبي ﷺ بعثَه اللهُ إلى قومِه، فآمَنوا به واتبَعوه، فمات صالحٌ، فرَجعوا عن الإسلامِ، فأتاهم صالحٌ فقال لهم: أنا صالحٌ.

قالوا: إن كنتَ صادقًا فأتِنا بآيةٍ.

فأتاهم بالناقةِ، فكذَّبوه وعقروها، فعذَّبهم الله (١).

وقولُه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لثمودَ، لمَّا سألوه آيةً يعلَمون بها صِدْقَه، فأتاهم بناقةٍ أخرَجها من صخرةٍ أو هَضْبةٍ: هذه ناقةٌ يا قومِ، لها شِرْبُ يومٍ ولكم مِثْلُه شِرْبُ يومٍ آخر معلومٍ ما لكم مِن الشَّرْبِ ليس لكم في يومِ وِرْدِها أن تشربوا من شِرْبِها شيئًا، ولا لها أن تشربِ في يومِكم مما لكم شيئًا.

ويعنى بالشَّرْبِ الحظِّ والنصيبَ من الماءِ.

يقولُ: لها حَظَّ مِن الماءِ، ولكم مِثْلُه.

والشُّرْبُ والشَّرْبُ والشِّرْبُ مصادرُ كلُّها، بالضمِّ والفتحِ والكسرِ.

وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: آخِرُها أقلُّها شُرْبًا، وشِرْبًا (١).

وقولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾.

يقولُ: لا تَمَسُّوها بما يُؤْذِيها مِن عَقْرٍ وقتلٍ ونحوِ ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: لا تَعْقِروها.

وقولُه: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

يقولُ: فيَحِلَّ بكم مِن اللهِ عَذابُ يومٍ عظيمٍ عذابُه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فخالَفت ثمودُ أمرَ نبيِّها صالحٍ ﷺ فعقروا الناقةَ التي قال لهم صالحٌ: لا تَمَسُّوها بسُوءٍ.

فأصبَحوا نادِمِين على عَقْرِهموها، فلم يَنْفَعُهم نَدَمُهم، وأَخَذَهم عذابُ اللهِ الذي كان صالحٌ تَوَعَّدهم به، فأَهْلَكهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾.

يقولُ: إِنَّ في إهْلاكِ (١) ثمودَ بما فعَلَت مِن عَقْرِها ناقةَ اللهِ، وخلافِها أمرَ نبيِّ اللهِ صالحٍ - لَعِبْرة لمن اعْتَبَر به يا محمدُ مِن قومِك، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: ولن يؤمنَ أكثرُهم في سابقِ علم اللهِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه مِن أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمَن آمَن به مِن خَلْقِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت قومُ لوطٍ مَن أرسَله اللهُ إليهم مِن الرُّسُلِ، حينَ قال لهم أخوهم لوطٌ: ألَا تَتَّقون الله أيُّها القومُ، إنى لكم رسولٌ مِن ربِّكم، أمينٌ على وَحْيِه وتَبْليغِ رسالتِه، فاتَّقوا الله في أنفسِكم، أن يَحِلَّ بكم عقابُه (٢) على تَكْذيبِكم رسولَه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه، أهْدِكم سبيلَ الرشادِ، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.

يقولُ: وما أسألُكم على نَصيحتى لكم ودعايتكم (٣) إلى ربِّى، جزاءً ولا ثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: ما جَزائي على دعايتكم (٣) إلى الله، وعلى نُصْحِى لكم، وتَبليغِ رسالاتِ اللَّهِ إِليكم، ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾.

يعنى بقولِه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: أتَنْكِحون الذُّكْرانَ مِن بني آدمَ في أدبارِهم.

وقولُه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.

يقولُ: وتَدَعُون الذي خلَق لكم ربُّكم من أزْواجِكم مِن فُرُوجِهِنَّ، فأحَلَّه لكم.

وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وتَذَرُونَ ما أَصْلَحَ لكم رَبُّكُم مِنْ أَزْوَاجِكم) (١).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.

قال: ترَكْتُم أَقبالَ النساءِ إلى أدْبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

وقولُه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.

يقولُ: بل أنتم قومٌ تَتَجاوَزُون (٣) ما أباحَ لكم ربُّكم وأحَلَّه لكم مِن الفُرُوجِ، إلى ما حرَّم عليكم منها.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.

قال: قومٌ مُعْتَدون (٤).

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ لوطٍ له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾ عن نَهْيِنا عن إتيانِ الذكرانِ، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ مِن بين أَظْهُرِنا وبلدِنا، ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.

يقولُ لهم لوطٌ: إنى لعَمَلِكم الذي تعمَلونه؛ مِن إتْيانِ الذكرانِ في أدْبارِهم، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾.

يعنى: مِن المُبْغِضِين، المُنْكِرِين فعلَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فاستغاث لوطٌ حينَ توعَّدَه قومُه (١) بالإخراجِ من بلدِهم، إن هو لم يَنْتَهِ عن نَهْيِهم عن ركوبِ الفاحشةِ، فقال: ربِّ نجِّني وأهلي مِن عُقُوبَتِك إياهم على ما يعمَلون من إتْيانِ الذُّكْرانِ.

فنجَّنياه وأهله مِن عُقُوبتِنا التي عاقَبْنا بها قومَ لوطٍ أجمعين، ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾.

يعنى: في الباقِين؛ لِطُولِ مرورِ السنينَ (٢) عليها، فصارتْ هَرِمَةً، فإنها أُهْلِكت من بين أهلِ لوطٍ؛ لأنها كانت تدلُّ قومَها على الأضْيافِ.

وقد قيل: إنما قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف:٨٣].

لأنها لم تَهْلِكْ مع قومِها في قريتِهم، وأنها إنما أصابَها الحَجَرُ بعدَ ما خرَجَت من قريتِهم مع لوطٍ وابنتَيه، فكانت مِن الغابرِين بعدَ قومِها، ثم أهلَكها اللهُ بما أمطَر على بَقايا قومِ لوطٍ مِن الحجارةِ.

وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بشواهدِه المغْنِيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾.

يقولُ (١) تعالى ذكرُه: ثم أهلَكْنا الآخَرِين مِن قومِ لوطٍ بالتَّدْمِيرِ، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾.

وذلك إرسالُ اللهِ عليهم حجارةً من سجِّيلٍ من السماءِ، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.

يقولُ: فبئسَ ذلك المطرُ مطرُ القومِ الذين أنذَرهم نبيُّهم فكذَّبوه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إهْلاكِنا قومَ لوطٍ الهلاكَ الذي وصَفْنا؛ بتَكْذيبِهم رسولَنا، لعبرةً وعظةً (٢) لقومِك يا محمدُ، يَتَّعِظون بها في تَكْذيبِهم إيَّاك، وردِّهم عليك ما جئتَهم به من عندِ ربِّك من الحقِّ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سابقِ علمِ اللهِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بمَنْ آمَن به.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ [الْأَيْكَةِ﴾.

والأَيْكَةُ] (٣): الشَّجَرُ المُلتَفُّ، وهى واحدةُ الأَيْكِ، وكلُّ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ فهو عندَ العربِ أَيْكَةٌ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٤): تَجْلُو بِقادِمَتَىْ حَمَامَةِ أَيْكَةٍ … بَرَدًا أُسِفَّ لِثَاتُه بالإثْمِدِ وأصحابُ الأيْكةِ هم أهلُ مَدْيَنَ فيما ذُكِر.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، [قال: ثنا أبو صالحٍ] (١)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

يقولُ: أصحابُ الغَيْضَةِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

قال: الأَيْكَةُ مجمعُ الشجرِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾.

قال: أهلُ مَدْيَنَ، والأيكةُ المُلْتَفُّ مِن الشجرِ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

قال: الأيكةُ الشجرُ (٥)، بعَث اللهُ إِليهم شُعَيْبًا؛ إلى قومِه (٦) أهلِ مدينَ وإلى أهلِ الباديةِ.

قال: وهم أصحابُ لَيْكَةِ، ولَيْكَةُ والأَيْكَةُ واحدٌ (٧).

وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ قال لهم شعيبٌ: ألَا تَتَّقون عقابَ اللهِ على معصيتِكم ربَّكم، إنى لكم مِن اللهِ رسولٌ أمينٌ على وَحْيِه، فاتَّقُوا عقابَ اللهِ على خلافِكم أمرَه، وأطيعوني تَرْشُدُوا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما أسألكم على نُصْحِى لكم مِن جَزاءٍ ولا ثوابٍ، ما جَزائي وثَوابى على ذلك إلَّا على ربِّ العالمين، ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾.

يقولُ: أَوْفُوا الناسَ حقوقَهم من الكَيْلِ، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.

يقولُ: ولا تَكونوا ممن يَنْقُصُهم حقوقَهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾.

يعنى بقولِه: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾: وزِنُوا بالميزانِ المستقيمِ، الذي لا بَخْسَ فيه على مَن وَزَنتُم له، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.

يقولُ: ولا تَنْقُصوا الناسَ حقوقَهم في الكَيْلِ والوزنِ، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.

يقولُ: ولا تُكْثِروا في الأرضِ الفسادَ.

وقد بَّيَّنَّا ذلك كلَّه بشواهدِه، واختلاف أهلِ التأويلِ فيه، فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هضا الموضع (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: واتَّقوا أيُّها القومُ عقابَ ربِّكم الذي خَلَقَكم وخَلَق الجِبِلَّة الأَوَّلين يعنى بالجِبلَّةِ الخَلْقَ الأوَّلِين.

وفي الجِبِلَّةِ للعربِ لغتان؛ كسرُ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللامِ، وضَمُّ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللام، فإذا نُزِعَت الهاءُ من آخِرها كان الضمُّ في الجيمِ والباءِ أكثرَ، كما قال جلّ ثناؤُه: (ولقد أضَلَّ منكم جُبُلًا كَثِيرًا) (١).

وربما سَكَّنوا الباءَ من "الجبل"، كما قال أبو ذُؤَيبٍ (٢): مَنايا يُقَرِّبْنَ الحُتُوفَ لِأَهْلِها … جهارًا ويَسْتَمْتِعْنَ بالأَنَسِ الجبْلِ وبنحوِ ما قلنا في معنى "الجِبِلَّةِ" قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾.

يقولُ: خَلْقَ الأَوَّلِين (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: الخَلِيقةَ (٤) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾.

قال: الخَلْق الأَوَّلين؛ الجِبِلَّةُ الخلقُ (١).

وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.

يقولُ: قالوا: إنما أنت يا شعيبُ مُعَلَّلٌ، تُعَلَّلُ بالطعامِ والشرابِ، كما نُعَلَّلُ بهما، ولستَ مَلَكًا، ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكُلُ وتشربُ، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.

يقولُ: ومَا نَحسَبُك فيما تُخبِرُنا وتَدْعونا إليه، إلا ممن يَكْذِبُ فيما يقولُ، [فإن كنتَ صادقًا فيما تقولُ] (٢) بأنك رسولُ اللهِ كما تزعُمُ، (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا (٣) مِنَ السَّمَاءِ).

يعنى: قِطَعًا مِن السماءِ.

وهى جمعُ كِشفَةٍ، جُمِع كذلك كما تُجمَعُ تمرةٌ تَمْرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾.

يقولُ: قِطَعًا (٤).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: جانِبًا مِن السماءِ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.

قال: ناحيةً مِن السماءِ، عذابٌ، ذلك الكِسَفُ.

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ: بأعمالِهم، هو بها مُحِيطٌ، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها جزاءَكم، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾.

يقولُ: فَكَذَّبه قومُه، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.

يعنى بالظُّلَّةِ سحابةً ظَلَّلَتْهم (١)، فلما تَتامُّوا تحتَها، الْتَهَبت عليهم نارًا وأَحْرَقَتْهم.

وبذلك جاءتِ الآثارُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن مُعاويةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.

قال: أصابَهم حَرٌّ أَقْلَقَهم في بُيُوتِهم، فنَشَأتْ لهم سحابةٌ كهيئةِ الظُّلَّةِ، فابْتَدَروها، فلما تَنامُّوا تحتَها أَخَذَتْهم الرَّجْفَةُ (٢).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ في قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.

قال: كانوا يَحْفِرون الأشرابَ ليَتَبَرَّدوا فيها، فإذا دخَلوها وجَدوها أشدَّ حرًّا من الظاهرِ، وكانت الظُّلَّةُ سَحابةً.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع قتادةَ يقولُ: بُعِث شعيبٌ إلى أُمَّتَين؛ إلى قومِه أهلُ مَدْيَنَ، وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ، وكانت الأَيْكَةُ مِن شجرٍ مُلْتَفٍّ، فلما أرادَ اللهُ أَن يُعَذِّبَهِم بِعَثَ عليهم حرًّا شديدًا، ورفَع لهم العذابَ كأنه سحابةٌ، فلما دَنَتْ منهم خرَجوا إليها رجاءَ بَردِها، فلما كانوا تحتَها مطَرَت عليهم نارًا.

قال: فذلك قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (١).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثني سعيدُ بنُ زيدٍ أخو حمادِ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صغيرةَ، قال: ثنى يزيدُ الباهليُّ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

فقال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: بعثَ اللهُ عليهم وَمَدَةً (٢) وحَرًّا شديدًا، فَأَخَذ بأَنْفاسِهم، فدخَلوا البيوتَ، فدخَل عليهم أجوافَ البيوتِ، فأخَذ بأنْفاسِهم، فخرَجوا مِن البيوتِ هِرَابًا إلى البرِّيَّةِ، فبعَث اللهُ عليهم سحابةً، فأظَلَّتْهم مِن الشمسِ، فوجَدوا لها بَرْدًا ولَذَّةً، فنادى بعضُهم بعضًا، حتى إذا اجتمَعوا تحتَها، أرسَلها اللهُ عليهم نارًا.

قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: فذلك عذابُ يومِ الظَّلَّةِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.

قال: إظْلالُ العذابِ إياهم (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.

قال: أَظَلَّ العذابُ قومَ شُعَيبٍ.

قال ابن جُرَيجٍ: لمَّا أنزَل اللهُ عليهم أولَ العذابِ، أخَذهم منه حرٌّ شديدٌ، فرفَع اللهُ لهم غَمامةً، فخرَج إليها طائفةٌ منهم ليَسْتَظِلُّوا بها، فأصابَهم منها رَوْحٌ وبَرَدٌ وريحٌ طيبةٌ، فصَبَّ اللهُ عليهم مِن فوقِهم مِن تلك الغَمامةِ عذابًا، فذلك قولُه: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: ثنى رجلٌ من أصحابِنا، عن بعضِ العلماءِ، قال: كانوا عَطَّلوا حَدًّا، فوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، ثم عَطَّلوا حَدًّا، فَوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، فجعَلوا كلما عَطَّلوا حَدًّا وسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، حتى إذا أرادَ اللهُ إهْلاكَهم، سَلَّط عليهم حَرًّا، لا يستطيعون أن يَتَقارُّوا، ولا ينفعُهم ظلٌّ ولا ماءُ، حتى ذهَب ذاهِبٌ منهم فاستَظلَّ تحتَ ظُلَّةٍ، فوجَد رَوْحًا، فنادَى أصحابَه: هَلُمُّوا إلى الرَّوْحِ.

فذهَبوا إليه سِراعًا، حتى إذا اجتمعوا أَلْهَبَهَا اللهُ عليهم نارًا، فذلك عذابُ (١) يومِ الظُّلَّةِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عامرٍ] (٣)، عن ابن عباسٍ، قال: مَن حدَّثك مِن العلماءِ ما عذابُ يومِ الظُّلَّةِ فكَذَّبْه (٤).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: قومُ شعيبٍ، حبَس اللهُ عنهم الظلَّ والريحَ، فأصابهم حرٌّ شديدٌ، ثم بعَث اللهُ لهم سحابةً فيها العذابُ، فلما رأَوُا السحابةَ انطلَقوا يؤمُّونها، زعموا يَستَظِلُّون، فاضْطَرمتْ (١) عليهم نارًا فأهلَكتهم (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

قال (٣): بعثَ اللهُ إليهم ظُلَّةً من سحابٍ، وبعَث إلى الشمسِ فأحرَقت ما على الأرضِ، فخرَجوا كلُّهم إلى تلك الظُّلةِ، حتى إذا اجتمعوا كلُّهم، كشَف اللهُ الظُّلةَ، وأحمَى عليهم الشَّمس، فاحتَرقوا كما يَحترِقُ الجرادُ في المِقلَى (٤).

وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن عذابَ يومِ الظُّلةِ كان عذابَ يومٍ لقومِ شُعيبٍ عظيمٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ في تعذيبِنا قومَ شُعيبٍ عذابَ يومِ الظلةِ؛ بتكذيبِهم نبيَّهم شُعيبًا، لآيةً لقومِك يا محمدُ، وعبرةً [لمن اعتبرَ] (٥)، إِنِ اعْتبَرُوا أَنَّ سنَّتَنا فيهم بتكذيبِهم إيَّاك، سنتُنا في أصحابِ الأَيْكةِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في سابقِ علِمنا فيهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي نِقمتِه ممن انتَقَم منه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تاب مِن خلقِه، وأناب إلى طاعتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ربِّ العالمين.

والهاءُ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ﴾.

كنايةُ "الذكرِ" الذي في قولِه: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الشعراء: ٥] وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

قال: هذا القرآنُ (١).

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.

فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾.

مخففةً، و ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ رفعًا (٢).

بمعنَى: أَنَّ الروحَ الأمينَ هو الذي نزَل بالقرآنِ على محمدٍ، وهو جبريلُ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ الكوفةِ: (نَزَّلَ) مشددةَ الزايِ، (الرُّوحَ الأَمِينَ) نصبًا (٣).

بمعنَى: أنَّ ربَّ العالمين نزَّل بالقرآنِ الروحَ الأمينَ، وهو جبريلُ ﵇.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنهما قراءتان مُسْتفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبنا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن الروحَ الأمينَ إِذْ نزَل على محمدٍ ﷺ بالقرآنِ، لم ينزِلْ به إلا بأمرِ اللهِ إياه بالنُّزولِ، ولن يَجْهَلَ أن ذلك كذلك ذو إيمانٍ باللهِ، وأن الله إِذا أَنزَله به نزَل.

وبنحوِ الذي قلنا في أن المعنيَّ بالرُّوحِ الأمينِ في هذا الموضعِ جبريلُ، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.

قال: جبريلُ (١).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.

قال: جبريلُ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: جبريلُ (٣).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.

قال: جبريلُ (٤).

وقولُه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾.

يقولُ: نزَل به الرُّوحُ الأمينُ فتَلَاه عليك يا محمدُ حتى وَعَيْتَه بقلبِك.

وقولُه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.

يقولُ: لتكونَ مِن رُسُلِ اللهِ الذين كانوا يُنْذِرون مَن أُرْسِلوا إليه من قومِهم، فتُنْذِرَ بهذا التنزيلِ قومَك المكذِّبِين بآياتِ اللهِ.

وقولُه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.

يقولُ: لتُنْذِرَ قومَك بلسانٍ عربيٍّ، ﴿مُبِينٍ﴾ يَبِينُ لمَن سمِعه أنه عربيٌّ، وبلسانِ العربِ نزَل.

والباءُ مِن قولِه: ﴿بِلِسَانٍ﴾.

من صلةِ قولِه: ﴿نَزَلَ﴾.

وإنما ذكَر تعالى ذكرُه أنه نزَّل هذا القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ في هذا الموضعِ، إعْلامًا منه مُشْرِكى قريشٍ أنه أنزَله كذلك؛ لئلا يقولوا: إنه نزَل بغيرِ لسانِنا، فنحنُ إِنما نُعرِضُ عنه ولا نسمعُه؛ لأنَّا لا نفهَمُه.

وإنما هذا تقريعٌ لهم، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥].

ثم قال: لم يُعْرِضوا عنه (١) لأنهم لا يفهَمون مَعانيَه، بل يفهَمونها؛ لأنه تنزيلُ ربِّ العالمين، نزَّل به الروحُ الأمينُ بلسانِهم العربيِّ، ولكنهم أعرَضوا عنه تَكْذيبًا به واسْتكبارًا، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦].

كما أتَى هذه الأمم التي قَصَصْنا نبأَها في هذه السورةِ حينَ كَذَّبَت رُسُلَها، أنباءُ ما كانوا به يُكَذِّبون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا القرآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.

يعنى: في كُتُبِ الأوَّلين.

وخرَج مَخْرَجَ العمومِ، ومعناه الخصوصُ، وإنما هو: وإنَّ هذا القرآنَ لفى بعضِ زُبُرِ الأَوَّلين.

يعنى أن ذكرَه وخبرَه في بعضِ ما أُنزِل من الكتبِ على بعضِ رُسُلِه.

وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يكنْ لهؤلاء المُعْرِضين عمَّا يَأْتِيك يا محمدُ مِن ذكرٍ من ربِّك، دَلالةً على أنك رسولُ ربِّ العالمِين، أن يعلمَ حقيقةَ ذلك وصحَته علماءُ بنى إسرائيلَ.

وقيل: عُنِي بعلماءِ بنى إسرائيلَ في هذا الموضعِ، عبدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، ومَن أشْبَهَه، ممن كان قد آمَن برسولِ اللهِ ﷺ مِن بني إسرائيلَ في عصرِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

قال: كان عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ من علماءِ بنى إسرائيلَ، وكان مِن خيارِهم، فآمَن بكتابِ محمدٍ ﷺ، فقال لهم اللهُ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخيارُهم (١)!

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

قال: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه (١) مِن علمائِهم (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾.

قال: محمدٌ، ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾.

قال: يعرِفَه، ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: علماءُ بني إسرائيلَ: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه مِن علمائِهم.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

قال: أوَ لم يكنِ النبيُّ (٣) ﴿آيَةً﴾: علامةً، أن علماءَ بنى إسرائيلَ كانوا يعلَمون أنهم كانوا يَجِدونه مكتوبًا عندَهم (٤)!

وقولُه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نزَّلنا هذا القرآنَ على بعضِ البهائمِ التي لا تَنْطِقُ.

وإنما قيل: ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.

ولم يَقُلْ: على بعضِ الأعْجَمِيِّين؛ لأن العربَ تقولُ - إذا نَعَتَتِ الرجلَ بالعُجْمةِ، وأنه لا يُفصِحُ بالعربيةِ -: هذا رجلٌ أعْجَمُ.

وللمرأةِ: هذه امرأةٌ عجماءُ.

وللجماعةِ: هؤلاء قومٌ عُجْمٌ وأَعْجَمُون.

وإذا أُريد به (١) هذا المعنى وُصِف به العربيُّ والأعْجَميُّ (٢)؛ لأنه إنما يعنى أنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، وقد يكونُ كذلك وهو مِن العربِ.

ومِن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (٣): مِن وَائِلٍ لا حَيَّ يَعْدِلُهم … مِن سُوقَةٍ عَرَبٌ ولا عَجَمُ فأما إذا أُريدَ به نسبةُ الرجلِ إلى أصلِه من العَجَمِ، لا وصفُه بأنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، فإنه يقالُ حينَئذٍ: هذا رجلٌ عَجَمِيٌّ، وهذان رَجُلان عَجَمِيَّان، وهؤلاء قومٌ عَجَمٌ.

كما يقالُ: عربيٌّ، وعَرَبيَّان، وقومٌ عَرَبٌ.

وإذا قيل: هذا رجلٌ أَعْجَميٌّ (٤).

فإنما نُسِب إلى نفسِه كما يقالُ للأحمرِ: هذا أَحْمَرِيٌّ ضخمٌ.

وكما قال العجاجُ (٥): والدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ ومعناه: دَوَّارٌ.

فَنَسَبه إلى فعلِ نفسِه.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، قال: كنتُ واقفًا إلى جَنْبِ عبدِ اللهِ بن مُطِيعٍ بِعَرَفةَ، فتَلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.

قال: لو نزَل على بَعِيرى هذا فتكلَّم به، ما آمَنوا به - لقالوا: لولا فُصِّلَتْ آيَاتُه، حتى يَفْقَهَه عربيٌّ وعجميٌّ - لو فعَلنا ذلك.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ مُطِيعٍ واقفًا بعرفةَ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾.

قال: فقال: جَمَلِى هذا أعجمُ، فلو أُنزِل على هذا ما كانوا به مُؤمنين (١).

ورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.

قال: لو أنزَله اللهُ أعْجَمِيًّا، كانوا أخسَّ (٢) الناسِ به؛ لأنهم لا يعرِفون العَجَميَّةَ (٣).

وهذا الذي ذكَرناه عن قتادةَ قولٌ لا وجهَ له؛ لأنه وجَّه الكلامَ إلى أن معناه: ولو نزَّلْناه أَعْجَمِيًّا.

وإنما التنزيلُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.

يعنى: ولو نَزَّلْنا هذا القرآنَ العربيَّ على بهيمةٍ مِن العَجَمِ أو بعضِ ما لا يُفْصِحُ.

ولم يَقُلْ: ولو نزَّلناه أعجميًّا.

فيكونُ تأويلُ الكلامِ ما قالَه.

وقولُه: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: فقرَأ هذا القرآنَ على كفارِ قومِك يا محمدُ، الذين حَتَمْتُ عليهم ألَّا يؤمِنوا - ذلك الأعجمُ: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: لم يكونوا ليؤمِنوا به؛ لِما قد جرَى لهم في سابقِ علمى مِن الشَّقاءِ.

وهذا تَسْليةٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا ﷺ عن قومِه؛ لئلا يَشْتَدَّ وَجُدُه بإدْبارِهم عنه، وإعْراضِهم عن الاستماعِ لهذا القرآنِ؛ لأنه كان ﷺ شديدًا حِرْصُه (١) على قَبُولِهم منه، والدُّخولِ فيما دَعاهم إليه، حتى عاتَبه ربُّه على شدَّةِ حِرْصِه على ذلك منهم، فقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].

ثم قال مُؤْيِسَه مِن إيمانِهم، وأنهم هالِكون ببعضِ مَثْلَاتِه، كما هلَك بعضُ الأممِ الذين قَصَّ عليهم قَصَصَهم في هذه السورةِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ يا محمدُ لا عليك، فإنك رجلٌ منهم، ويقولون لك: ما أنت إلا بشرٌ مِثْلُنا، وهَلَّا نزَل به مَلَكٌ.

فقرَأ ذلك الأعجمُ عليهم هذا القرآنَ، ولم يَكُنْ لهم عِلَّةٌ يدفَعون بها أنه حقٌّ، وأنه تنزيلٌ مِن عندى ما كانوا به، مُصَدَّقين، فخَفَّضْ مِن حِرْصِك على إيمانِهم به.

ثم وكَّد تعالى ذكرُه الخبرَ عما قد حَتَمَ على هؤلاء المشركين الذين آيَسَ نبيَّه محمدًا ﷺ مِن إيمانِهم - من الشَّقاء والبَلاءِ، فقال: كما حَتَمْنا على هؤلاء أنهم لا يؤمِنون بهذا القرآنِ، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾، فقرَأه عليهم: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ التكذيبَ والكفرَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.

ويعنى بقولِه: "سَلَكْنا": "أدخَلْنا" (٢).

والهاءُ في قولِه: ﴿سَلَكْنَاهُ﴾.

كنايةٌ مِن ذكرِ قولِه: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.

كأنه قال: كذلك أدخَلْنا في قلوبِ المُجرمين تركَ الإيمانِ بهذا القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾.

قال: الكفرَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢).

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ (٣) بنُ أبي الزَّرقاءِ، عن سفيانَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.

قال: خَلَقناه.

قال: ثنا زيدٌ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: سألتُ الحسنَ في بيتِ أبي خليفةَ عن قولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.

قال: الشِّرْكَ، سَلَكه في قلوبِهم (٤).

وقولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

يقولُ: فعَلنا ذلك بهم لئلا يصدِّقوا بهذا القرآنِ حتى يَرَوُا العذاب الأليمَ في عاجلِ الدنيا، كما رأتْ ذلك الأممُ الذين قَصَّ اللهُ قصصَهم في هذه السورةِ.

ورُفِع قولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن العربَ مِن شَأْنِها إذا وضَعَت في موضعٍ مثلَ هذا الموضعِ "لا"، ربَّما جزَمَت ما بعدَها، وربما رفَعَت.

فتقولُ: رَبَطْتُ الفرسَ لا تَنْفَلِت، وأحكَمْتُ العِقْدَ لا يَنْحَلّ.

جزمًا ورفعًا.

وإنما تفعلُ ذلك لأن تأويلَ ذلك: إن لم أُحْكِمِ العِقْدَ انحلَّ.

فجزْمُه على التأويلِ، ورفْعُه بأن الجازمَ غيرُ ظاهرٍ.

ومِن الشاهدِ على الجزمِ في ذلك قولُ الشاعرِ (١): لو كُنتَ إذ جئْتَنا حاولتَ رُؤْيتَنا … أو جِئْتَنا ماشِيًا لا يُعْرَفِ الفرسُ وقولُ الآخرِ (٢): لَطالَما حَلَّأْتُماها (٣) لا تَرِدْ فَخَلِّيْاها والسِّجالَ تَبْتَرِدْ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فيأتي هؤلاء المُكذِّبين بهذا القرآنِ العذابُ الأليمُ ﴿بَغْتَةً﴾.

يعنى فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ: لا يعلَمون قبلَ ذلك بمَجيئِه حتى يَفْجَأَهم بَغْتَةً، ﴿فَيَقُولُوا﴾ حينَ يأتِيهم بَغْتَةً: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.

أي: هل نحن مُؤَخَّرٌ عَنَّا العذابُ، ومُنْسَأٌ في آجالِنا لنتوبَ ونُنِيبَ إِلى اللهِ مِن شِرْكِنا وكفرِنا باللهِ، فنُراجِعَ الإيمانَ به ونُنِيبَ إلى طاعتِه؟

وقولُه: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفبعذابِنا هؤلاء المشركون يَسْتعجِلون، بقولِهم: لن نؤمنَ لك حتى تُسْقِطَ السماءَ كما زعمت علينا كِسَفًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم جاءَهم العذابُ الذي كانوا يُوعَدون على كفرِهم بآياتِنا، وتكْذيبِهم رسولَنا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾.

يقولُ: أَيَّ شيءٍ أغنَى عنهم التأخيرُ الذي أخَّرْنا في آجالِهم، والمتاعُ الذي مَتَّعْناهم به مِن الحياةِ، إذ (١) لم يُتوبوا مِن شِرْكِهم؟

هل زادَهم تَمتِيعُنا إياهم ذلك إلا خبالًا، وهل نَفَعهم شيئًا؟

بل ضَرَّهم بازديادِهم مِن الآثامِ واكْتسابِهم من الأجرامِ ما لو لم (٢) يُمَتَّعوا لم يَكْتَسِبوه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾.

إلى قولِه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.

قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَا أَهْلَكْنا مِن أهلِ (٤) قريةٍ من هذه القرى التي وَصَفت (٥) في هذه السورةِ (٦)، ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾.

يقولُ: إلا بعدَ إرسالِنا إليهم رسلًا يُنذِرونهم بأسَنا على كفرِهم، وسُخْطَنا عليهم.

﴿ذِكْرَى﴾.

يقولُ: إلا لها مُنذِرون يُنذِرونهم، تذكرةً لهم وتنبيهًا لهم على ما فيه النجاةُ لهم من عذابِنا.

ففى "الذكرى" (٧) وجهان مِن الإعرابِ؛ أحَدُهما النَّصْبُ على المصدَرِ مِن الإنذارِ، على ما بيَّنتُ.

والآخَرُ، الرفعُ على الابتداءِ، كأنه قِيلَ: ذكرى.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن مجاهدٍ: عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى﴾.

قال: الرسلُ (١).

قال ابن جريجٍ: وقولُه: ﴿ذِكْرَى﴾.

قال: الرسلُ.

وقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.

يقولُ: وما كنا ظالِميهم في تعذيبِناهم وإهلاكِهم؛ لأنا إنما أهلَكناهم إذ عَتَوْا علينا، وكفَروا نعمتَنا، وعبَدوا غيرَنا، بعدَ الإعذارِ إليهم (٢) والإنذارِ، ومتابعةِ الحُجَجِ عليهم بأن ذلك لا ينبغى لهم (٣) أن يفعَلوه، فأَبَوْا إلا التماديَ في الغيِّ.

وقولُه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما تَنَزَّلت بهذا القرآنِ الشياطينُ على محمدٍ، ولكنه يَنزلُ به الرُّوحُ الأمينُ.

﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾.

يقولُ: وما ينبغى للشياطينِ أن يَتنزَّلوا (٤) به عليه، ولا يصلُحُ لهم ذلك، ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.

يقولُ: وما يستطيعون أن يَتنزَّلوا به؛ لأنهم لا يَصِلون إلى استماعِه في المكانِ الذي هو به من السَّماءِ، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.

يقولُ: إن الشياطينَ عن سمع القرآنِ مِن المكانِ الذي هو به من السماءِ لمعزولون، فكيف يستطيعون أن يتنزَّلوا به!

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾.

قال: هذا القرآنُ.

وفي قولِه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.

قال: عن سمعِ السماءِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه، إلا أنه قال: عن سمعِ القرآنِ.

والقرأةُ مجمعةٌ على قراءةِ: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ بالتاءِ (٢) ورفعِ النونِ؛ لأنها نونٌ أصليةٌ.

واحدُهم شيطانٌ، كما واحدُ البَساتِين بُسْتانٌ.

وذُكِر عن الحسنِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما تَنَزَّلَت به الشَّياطُونَ) بالواوِ (٣).

وذلك لحنٌ، ويَنْبَغى أن يكونَ ذلك إن كان صحيحًا عنه، أن يكونَ توَهَّم أن ذلك نظيرُ المسلمين والمؤمنين، وذلك بعيدٌ مِن هذا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تَدْعُ﴾ يا محمدُ، ﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾.

أي (١): لا تَعْبُدُ معه معبودًا غيرَه، ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.

فَيَنْزِلَ (٢) بك من العذابِ ما نزَل بهؤلاء (٣) الذين خالَفوا أمرَنا وعبَدوا غيرَنا.

وقولُه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأَنْذِرْ عشيرتَك من قومِك الأقرَبين إليك قرابةً، وحذِّرْهم مِن عذابِنا أن يَنْزِلَ بهم (٤) بكفرِهم.

وذُكِر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت بدَأ ببنى جدِّه عبدِ المطلبِ وولدِه، فحذَّرهم وأَنْذَرَهم.

ذكرُ [الروايةِ بذلك] (٥) حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا صفيةُ بنتَ عبدِ المطلبِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، إنى لا أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، سَلُوني مِن مالى ما شئْتُم" (٦).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثني أَبِي ويونسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٧).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قام النبيُّ ﷺ فقال: "يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، ويا صفيةُ ابنةَ عبدِ المطلبِ".

ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن المِقْدامِ (١).

حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سَلَامةُ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثنى الزهريُّ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيبِ و [أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ] (٢): إن أبا هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، [لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ] (٣) شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ، لا أُغْنِى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، [يا فاطمةُ بنتَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنى عنكِ مِن اللهِ شيئًا] (٤)، سَلينى ما شِئْتِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا" (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبَرنا شعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ".

ثم ذكَر نحوَ حديثِ يونُسَ، عن سَلَامةَ، غير أنه زاد فيه: "يا (١) صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا".

ولم يَذْكُرْ في حديثِه فاطمةَ (٢).

حدَّثني يونُسُ، قال: ثنا سَلَامةُ بنُ رَوْحٍ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثني ابن شهابٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

جمعَ قريشًا، ثم أتاهم، فقال لهم: "هل فيكم غريبُ؟

".

فقالوا: لا، إلا ابنَ أختٍ لنا، لا نَراه إلا منا.

قال: "إنه منكم".

فوعَظَهم رسولُ اللهِ ﷺ، ثم قال لهم في آخرِ كلامِه: "لا أَعْرِفَنَّ ما ورَد عليَّ الناسُ يومَ القيامةِ يَسُوقون الآخرةَ، وجئُتُم إليَّ تَسُوقون الدنيا".

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شهابٍ، أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَروا أنفسَكم مِن اللهِ، لا أُغْنى عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلبِ، لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، يا صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، سَلِينى ما شئتِ، لا أُغْنى عنك مِن اللهِ شيئًا" (٣).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ الحجاجَ يُحَدِّثُ عن عبدِ الملكِ بن عميرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: لما أنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قال نبيُّ اللهِ ﷺ: "يا معشرَ قريشٍ، أنْقِذوا (١) أنفسَكم من النار، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أَنْقِذى (٢) نفسَك مِن النارِ، إلَّا أن لكم رحمًا سأَبُلُّها (٣) ببِلالِها".

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

دَعا رسولُ اللهِ ﷺ قريشًا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، يا معشرَ بني كعبِ بن لُؤَيٍّ، يا معشرَ بني عبدِ مَنَافٍ، يا معشرَ بني هاشمٍ، يا معشرَ بني عبدِ المطلبِ - يقولُ لكُلِّهم - أنْقِذُوا (٤) أنفسَكم مِن النارِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنْقِذى نفسَك مِن النارِ، فإني واللهِ ما أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، إلَّا أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِها" (٥).

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمانَ، عن زُهَيرِ بن عمرٍو وقبِيصةَ بن مُخارقٍ، أنهما قالا: أنزَل اللهُ على نبيِّ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

فحُدِّثْنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ، أنه عَلا صخرةً مِن جبلٍ، فَعَلا أَعْلَاها حَجَرًا، ثم قال: "يا آلَ عَبْدِ مَنَافَاهْ، يا صَبَاحَاهْ، إني نذيرٌ، إن مَثَلِى ومَثَلَكم مَثَلُ رجلٍ أتَى الجيشَ، فخَشِيَهم علَى أهْلِه، فذهَب يَرْبَؤُهم (١)، فخَشِيَ أَن يَسْبِقوه إلى أَهْلِهِ، فَجَعَل يَهْتِفُ بهم: يا صَبَاحَاهُ".

أو كما قال (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامة بن زُهَيرٍ، قال: بَلَغني أنه لمَّا نزَل على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ كما جاء فوضَع إصْبَعَه في أُذُنِه، ورفَع مِن صوتِه، وقال: "يا بني عبدِ منافٍ، وَاصَبَاحَاهُ" (٣).

قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسَامَةَ بن زُهَيْرٍ، قال: أَظُنُّه عن الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا أبو زيدٍ الأنصاريُّ سعد بنُ أوسٍ، عن عوفٍ، قال: قال قَسَامةُ بنُ زُهَيرٍ: حدَّثنى الأشعريُّ، قال: لمَّا نزلَت.

ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه قال: وضَع إصْبَعَيه في أُذُنَيه (٤).

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، ثم نادَى: "يا صَبَاحَاهُ".

فاجتَمع الناسُ إليه، فبينَ رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخَرَ يبعَثُ رسولَه، فقال: "يا بني هاشمٍ، يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بَنِي، أرأَيْتَكُم لو أخبَرْتُكم أن خَيلًا بِسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن تُغِيرَ عليكم صَدَّقْتُموني؟

".

قالوا: نعم.

قال: "فإني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ".

فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا لكم سائرَ اليومِ، ما دَعَوْتُمونى إلا لهذا؟

فنزلَت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) [المسد: ١].

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ الصَّفا، فقال: "يا صَباحَاهْ".

فاجتَمعَت إليه قريشٌ فقالوا له: ما لَك؟

فقال: "أرأيْتَكُم إن أخْبَرْتُكم أن العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، ألَا كنتُم تُصَدِّقونني؟

".

قالوا: بلى.

قال: "فإنى نذيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ".

فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ألهذا دَعَوْتَنا، أو جَمَعْتَنا؟

فأنزل اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد: ١] إلى آخرِ السورةِ (٢).

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: (وأنْذِرْ عشيرتَك الأقربين.

ورهْطَك منهم المُخْلَصين) (١).

خرَج رسولُ اللهِ ﷺ حتى صَعِدَ الصَّفا، فهَتَف: "يا صَبَاحاهْ".

فقالوا: مَن هذا الذي يَهْتِفُ؟

فقالوا: محمدٌ.

فاجتَمَعوا إليه، فقال: "يا بَنى فُلَانٍ، يا بَنِي فُلَانٍ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ".

فاجتَمعَوا إليه، فقال: "أَرَأَيْتَكم إن أَخْبَرْتُكم أن خَيْلًا تخرُجُ بِسَفْحِ هذا الجبلِ أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟

".

قالوا: ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا.

قال: "فإني نذيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ".

فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ما جَمَعْتَنا إلا لهذا؟

ثم قامَ فنزَلت هذه السورةُ: (تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وقَد تبَّ) (٢).

كذا قرأ الأعمشُ إلى آخرِ السورةِ (٣).

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

خرَج رسولُ اللهِ ﷺ فقامَ على الصَّفا، فقال: "يا صَبَاحاهْ".

قال: ثنا خالدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قام رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، فقال: "يا صَبَاحاهْ".

فجعَل يُعدِّدُهم: "يا بَنِي فُلَانٍ، ويا بَنى فُلَانٍ، ويا بَنِي عبدِ مَنَافٍ" (٤).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قال: أَتَى جَبَلًا فجعَل يَهْتِفُ: "يا صَبَاحاهْ".

فأتاه مَن خَفَّ مِن الناسِ، وأرسَل إليه المُتَثاقِلون مِن الناسِ رُسُلًا، فجعَلوا يَجِيئُون يَتَّبِعون الصوتَ، فلما انتهوا إليه قال: "إنَّ منكم مَن جَاءَ ليَنْظُرَ، ومنكم مَن أُرْسِل ليَنْظُرَ مَن الهاتِفُ".

فلما اجتَمَعوا وكَثُروا قال: "أَرَأَيْتَكم (١) لو أخبَرْتُكم أن خَيْلًا مُصَبِّحتُكم مِن هذا الجبلِ، أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟

".

قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا.

فقرَأ عليهم هذه الآياتِ التي أُنْزِلْنَ، وأَنْذَرَهم كما أُمِر، فجَعَل يُنَادِى: "يا قريشُ، يا بني هاشمٍ".

حتى قال: "يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، إني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ" (٢).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمرٍو أنه كان يقرأُ: (وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، ورَهْطَكَ المُخْلَصين) (٢).

قال: ثنا سلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الغفارِ بن القاسمِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلِ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعاني رسولُ اللهِ ﷺ، فقال لي: "يا عليُّ، إِنَّ الله أَمَرَنِى أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرتى الأَقْرَبِين".

قال: "فَضِقْتُ بذلك ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أني متى ما أُنادِهم بهذا الأمرِ أَرَ منهم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ حتى جاء جبريلُ، فقال: يا محمدُ، إنك إلَّا تَفْعَلْ ما تُؤْمَرُ به يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ.

فَاصْنَعْ لنا صاعًا مِن طعامٍ، واجْعَلْ عليه رِجْلَ شاةٍ، وامْلأْ لنا عُسًّا (١) من لبنٍ، ثم اجْمَعْ لى بني عبد المطلبِ حتى أُكَلِّمهم وأبلِّغَهم (٢) ما أُمِرْتُ به".

ففعَلْتُ ما أَمَرَنى به، ثم دعَوْتُهم له، وهم يومَئذٍ أربعون رجلًا، يَزِيدون رجلًا أو ينْقُصونه، فيهم أعمامُه؛ أبو طالبٍ، وحمزةُ، والعباسُ، وأبو لهبٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا إليه دعانى بالطعامِ الذي صنَعْتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضَعْتُه تَناوَل رسولُ اللهِ ﷺ حِذْيةً (٣) مِن اللحمِ، فشقَّها، بأسنانِه، ثم ألقاها في نَواحي الصَّحْفة، ثم قال: "خُذوا باسمِ اللهِ.

فأكَل القومُ حتى ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، وما [أرَى إلا مواضعَ] (٤) أيديهم، وايمُ اللهِ الذي نفسُ عليٍّ بيدِه، إن كان الرجلُ الواحدُ لَيَأْكُلُ ما قدَّمْتُ لجميعِهم، ثم قال: "اسْقِ الناسَ".

فجئْتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، وايْمُ اللهِ إِن كان الرجلُ الواحدُ منهم لَيَشْرَبُ مثلَه، فلمَّا أراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يُكَلِّمَهم، بدَرَه أبو لهبٍ إلى الكلامِ، فقال: لَهَدَّ (٥) ما سحَرَكم به صاحبُكم.

فتفَرَّق القومُ، ولم يُكَلِّمْهم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: "الغدَ يا عليُّ، إن هذا الرجلَ قد سبَقَنى إلى ما قد سمِعْتَ مِن القولِ، فتفَرَّق القومُ قبل أن أُكَلِّمَهم، فعدَّ (٦) لنا مِن الطعامِ مثلَ الذي صنَعْتَ، ثم اجْمَعْهم لى".

قال: ففَعَلْتُ، ثم جمَعْتُهم، ثم دعانى بالطعامِ، فقرَّبْتُه لهم، ففعَل كما فعل بالأمسِ، فأكَلوا حتى ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، ثم قال: "اسْقِهم".

فجئتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، ثم تكَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: "يا بني عبدِ المطلبِ، إني واللهِ لي ما أَعْلَمُ شابًّا في العربِ جاء قومَه بأفضلَ مما جئْتُكم به، إني قد جئْتكم بخيرِ الدنيا والآخرةِ، وقد أمرَنى الله أن أَدْعُوكم إليه، فأيُّكم يُؤَازِرُني على هذا الأمرِ، على أن يكونَ أخى وكذا وكذا؟

".

قال: فأحْجَم القومُ عنها جميعًا، وقلتُ، وإنى لأَحْدَثُهم سنًّا، وأَرْمَصُهم (١) عينًا، وأعْظَمُهم بطنًا، وأَحْمَشُهم (٢) ساقًا: أنا يا نبيَّ اللهِ أكونُ وزيرَك (٣).

فأخَذ برقبتي، ثم قال: "إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسْمَعوا له وأَطِيعوا".

قال: فقام القومُ يَضْحَكون، ويقولون لأبي طالبٍ: قد أمَرَك أن تَسْمَعَ لابنِك وتُطِيعَ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ بن أبي الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسولُ اللهِ ﷺ بالأبْطَحِ، ثم قال: "يا بني عبد المطلبِ، يا بني عبدِ مَنافٍ، يا بنى قُصَيٍّ - قال: ثم فخَّذ (١) قريشًا قبيلةً قبيلةً، حتى مرَّ على آخرهم - إنى أَدْعُوكم إلى اللهِ، وأُنْذِرُكم عذابَه".

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قال: أُمِر محمدٌ أن يُنْذِرَ قومَه ويَبْدَأَ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه، قال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ (٢) [الأنعام: ٦٦].

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

قال النبيُّ ﷺ: "يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا صفيةُ بنتَ عبد المطلبِ، اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ" (٣).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: بدَأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمَع النبيُّ ﷺ بنى هاشم، فقال: "يا بني هاشمٍ، ألا [لا أُلْفِيَنَّكم] (٤) تأْتونى تحْمِلون الدنيا، ويَأتى الناسُ يَحْمِلون الآخرةَ، ألا إن أوليائى منكم المُتَّقون، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ بدأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه.

قال: وشَقَّ ذلك على المسلمين، فأنْزَل اللهُ تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).

وقولُه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾.

يقولُ: وأَلِنْ جانبَك وكلامَكَ ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: يقولُ: لِنْ (٢) لهم (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن عصَتْك يا محمدُ عشيرتُك الأقْرَبون، الذين أمَرْتُك بإنذارِهم، وأبَوْا إلا الإقامةَ على عبادةِ الأوثانِ، والإشراكَ بالرحمنِ، فقلْ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن عبادةِ الأصنامِ، ومعصيةِ بارئِ الأنامِ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ في نقمتِه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بمَن أناب (٤) إليه، وتاب (٥) مِن مَعاصِيه، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.

[يقولُ: الذي يرَاك حينَ تقومُ] (٦) إلى صلاتِك.

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.

قال: أينَما كنتَ (١).

﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ويَرَى (٢) تقلبَك في صلاتِك حينَ تقومُ، ثم حينَ (٣) تَرْكَعُ، وحينَ تَسْجُدُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

يقولُ: قيامَك وركوعَك وسجودَك (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ أبى وعليَّ بنَ بَذِيمةَ يُحَدِّثان عن عكرمة في قولِه: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: قيامَه وركوعَه وسجودَه (٥).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال عكرمةُ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: قائمًا و [راكعًا وساجدًا] (١) وجالسًا (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تقلُّبَك في المُصَلِّين، وإبصارَك منهم مَن خلفَك، كما تُبْصِرُ مَن هو بينَ يديك منهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال (٣): كان يَرَى مَن خلفَه، كما يَرَى مَن قُدَّامَه (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: المُصَلِّين، كان يَرَى مَن خلفَه في الصلاةِ (٥).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: المصلِّين.

قال: كان يَرَى في الصلاةِ مَن خلفَه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

أي (١): تصرُّفَك معَهم (٢)؛ في الجلوسِ والقيامِ والقعودِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [قال: قال] (٣) ابن جريجٍ: أخبَرني عطاء الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: [يرَاك وأنت] (٤) مع الساجدين تَقَلَّبُ وتقومُ وتَقْعُدُ معهم (٥).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: في المصلِّين (٦).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: هو ﴿السَّاجِدِينَ﴾: المصلِّين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تصرُّفَك في الناسِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: في الناسِ (١).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرُّفَك في أحوالِك، كما كانت الأنبياءُ من قبلك تَفْعَلُه.

والساجدون في قولِ قائلِ هذا القولِ: الأنبياءُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الآية.

قال: كما كانت الأنبياءُ (٢) قبلَك (٣).

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بتأويلِه قولُ مَن قال: تأويلُه: ويَرَى تقلُّبَك مع الساجدين في صلاتِهم معك، حينَ تَقومُ معهم وتَرْكَعُ وتَسْجُدُ.

لأن ذلك هو الظاهرُ من معناه.

فأما قولُ مَن وجَّهه إلى أن معناه: وتقلُّبَك في الناسِ.

فإنه قولٌ بعيدٌ مِن المفهومِ بظاهرِ التلاوةِ، وإن كان له وجهٌ؛ لأنه وإن كان لا شيءَ إلا وظلُّه يَسْجُدُ للهِ، فإنه ليس المفهومُ مِن قولِ القائلِ: فلانٌ مع الساجدين، أو في الساجدين.

أنه مع الناسِ أو فيهم، بل المفهومُ بذلك أنه مع قومٍ سجودٍ (٤) السجودَ المعروفَ، وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأغلبِ أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ.

وكذلك أيضًا في قولِ مَن قال: معناه: تَتَقَلَّبُ في أبصارِ الساجدين.

وإن كان له وجهٌ، فليس ذلك الظاهرَ مِن معانيه.

فتأويلُ الكلامِ إذن: وتوَكَّلْ على العزيزِ الرحيمِ، الذي يراك حينَ تقومُ إلى صلاتِك، ويَرَى تقلُّبَك في المُؤْتَمِّين بك فيها، بينَ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ.

وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك هو السميعُ تلاوتَك يا محمدُ، وذِكْرَك في صلاتِك ما تَتْلُو وتَذْكُرُ، العليمُ بما تَعْمَلُ فيها ويَعْمَلُ فيها مَن يَتَقَلَّبُ فيها معك، مُؤْتَمًّا بك.

يقولُ: فرتِّلْ (١) فيها القرآنَ، وأقِمْ حدودَها، فإنك بمَرْأًى مِن ربِّكَ ومَسْمَعٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هل أُنَبِّئُكم أيُّها الناسُ على مَن تَنَزَّلُ الشياطينُ مِن الناسِ؟

﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾.

يعني: كذَّابٍ بَهَّاتٍ، ﴿أَثِيمٍ﴾.

يعنى: آثِمٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.

قال: كلِّ كَذَّابٍ مِن الناسِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.

قال: كذَّابٍ مِن الناسِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.

قال: هم الكَهَنةُ؛ تَسْتَرِقُ الجنُّ السمعَ، ثم يَأْتون به إلى أوليائِهم مِن الإنسِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدِيُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن وهبٍ، قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، فقيل له: إن المُخْتارَ يزعُمُ أنه يُوحَى إليه.

فقال: صدَق، ثم تَلا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٣).

وقولُه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يُلْقِى الشياطينُ ﴿السَّمْعَ﴾، وهو ما يسمَعون مما اسْتَرَقُوا سَمْعَه مِن حينَ حَدَث من السماءِ إلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ مِن أوليائِهم مِن بنى آدمَ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾.

قال: الشياطينُ؛ ما سمِعتَه ألقَتْه على كلِّ أفَّاكٍ كذَّابٍ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: الشياطينُ؛ ما سمِعَته أَلقَتْه على كلِّ أَفَّاكٍ.

قال: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾.

قال: القولَ (٢).

وقولُه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.

يقولُ: وأكثرُ من تَنزَّلُ (٣) عليه الشياطينُ كاذِبون فيما يقولون ويُخْبِرون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الشياطينُ تَسْتَرِقُ السمعَ، فتَجِيءُ بكلمةِ حقٍّ، فيَقْذِفُها في أُذُنِ وَلِيِّه.

قال: ويَزِيدُ فيها أكثرَ مِن مِائةِ كَذْبةٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والشعراءُ يتَّبِعُهم (١) أهلُ الغَيِّ، لا أهلُ الرشادِ والهُدى.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين وُصِفوا بالغَيِّ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رُوَاةُ الشِّعْرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ (٢) بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن يَعْلَى، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، وحدَّثني أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن قيسٍ، و [حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيَّةَ، بن قيسٍ] (٣)، عن يَعْلَى [بن النُّعْمانِ] (٣)، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: الرُّواةُ (٤).

وقال آخرون: هم الشياطينُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: الشياطينُ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا] (٢) مَعْمَرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: يَتَّبِعُهم الشياطينُ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: عُصَاةُ الجِنِّ (٤).

وقال آخرون: هم السُّفَهَاءُ.

وقالوا: نزَل ذلك في رَجُلَين تَهاجَيَا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ من قومٍ آخَرين، وأنهما تَهاجَيَا، وكان مع كلِّ واحدٍ منهما غُوَاةٌ من قومِه، وهم السُّفَهَاءُ، فقال اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (١).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ مِن قومٍ آخرين، تَهاجَيَا، مع كلِّ واحدٍ منهما غُواةٌ مِن قومِه، وهم السُّفَهَاءُ (٢).

وقال آخرون: هم ضُلَّالُ الجنِ والإنسِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: هم الكفارُ، يَتَّبِعُهم ضُلَّالُ الجنِّ والإنسِ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: الغاوُون المُشْرِكون (١).

قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ جلّ ثناؤُه: إن شعراءَ المشركين يَتَّبِعُهم غُوَاةُ الناسِ، ومَرَدةُ الشياطينِ، وعُصاةُ الجنِّ.

وذلك أن الله عَمَّ بقولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فلم يَخْصُصْ بذلك بعضَ الغُواةِ دونَ بعضٍ، فذلك على جميعِ أصْنافِ الغُواةِ التي دخَلَت في عُمُومٍ الآيةِ.

وقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ ﴿أَنَّهُمْ﴾.

يعنى الشعراءَ، في كلِّ وادٍ يذهَبون، كالهائمِ على وَجْهِه على غيرِ قَصْدٍ، بل جائزًا (٢) عن (٣) الحقِّ وطريقِ الرَّشادِ وقَصْدِ السبيلِ.

وإنما هذا مثَلٌ ضَرَبَه اللهُ لهم في افتنانِهم في الوُجُوهِ التي يَفْتَنُّون (٤) فيها بغيرِ حَقٍّ، فَيَمْدَحون بالباطلِ، قومًا، ويَهْجُون آخَرِين كذلك، بالكَذِبِ والزُّورِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾.

يقولُ: في كلِّ لَغْوِ يَخوضُون (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾.

قال: في كلِّ فَنٍّ يَفْتَنُّون (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾.

قال: فَنٍّ، ﴿يَهِيمُونَ﴾.

قال: يقولون (٢).

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾.

قال: يَمْدَحون قومًا بباطلٍ، ويَشْتُمون قومًا بباطلٍ (٣).

وقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.

يقولُ: وأن أكثرَ قِيلِهم باطلٌ وكَذِبٌ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.

يقولُ: أكثرُ قولِهم يَكْذِبون (٤).

وعُنى بذلك شُعَرَاءُ المُشْرِكين.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: قال رجلُ لأبي: يا أبا أُسامةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾؟

فقال له أبى: إنما هذا لشُعَراءِ المُشْرِكين، وليس شعراءَ المؤمنين، ألَا تَرَى أنه يقولُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخِرِه.

فقال: فَرَّجْتَ عنى يا أبا أُسامةَ، فَرَّجَ اللهُ عنك (١).

وقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

وهذا استثناءٌ مِن قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

وذُكر أن هذا الاستثناءَ نزَل في شعراءِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ كحسانَ بن ثابتٍ، وكعبِ بن مالكٍ، ثم هو لكلِّ مَن كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها.

وبالذي قُلنا في ذلك جاءتِ الأخبارُ.

ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ (٢)، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

قال: جاء حسانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ وكعبُ بنُ مالكٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وهم يَبْكُون، فقالوا: قد علِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شُعراءُ.

فتَلا النبيُّ ﷺ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرِ السورةِ، في حسَّانَ بن ثابتٍ، وعبدِ اللهِ بن رَوَاحةَ، وكعبِ بن مالكٍ.

قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ وطاوسٍ، قالا: قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، فَنَسَخ من ذلك واسْتَثْنَى، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم استَثْنَى المؤمنين منهم، يعنى الشعراءَ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ.

فذكَر مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

قال: هم الأنصارُ الذين هاجَوْا (٢) مع رسولِ اللهِ ﷺ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن حُمَيدٍ، عن سَلَمةَ.

وقولُه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في حالِ الذكرِ الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المُسْتَثْنَين مِن الشعراءِ؛ فقال بعضُهم: هي حالُ منطقِهم ومُحاورتِهم الناسَ.

وقالوا: معنى الكلامِ: وذكَروا الله كثيرًا في كلامِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: فِي كلامِهم (١).

وقال آخرون: بل ذلك في شِعْرِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

قال: ذكَروا الله في شِعْرِهم (٢).

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء الذين اسْتَثْناهم من شعراءِ المؤمنين بذِكْرِ اللهِ كثيرًا، ولم يَخُصَّ [ذِكْرَهم الله] (١) على حالٍ دونَ حالٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فصِفَتُهم أنهم يذكُرون الله كثيرًا في كلِّ أحْوالِهم.

وقولُه: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

يقولُ: وانتَصَروا مِمَّن هَجَاهُم مِن شُعراءِ المُشْرِكين ظُلْمًا، بشِعْرِهم وهِجائِهم إيَّاهم، وإجابتِهم عما هَجَوْهم به.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

قال: يَرُدُّون على الكفارِ الذين كانوا يَهْجُون المؤمنين (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَانْتَصَرُوا﴾: من المشركين، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

وقيل: عنَى بذلك كلِّه الرَّهْطُ الذين ذَكَرْتُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا [سلمةُ و] (١) عليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

جاء حسَّانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بن رَوَاحةً وكعبُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّ ﷺ وهم يَبْكُون، فقالوا: قد عَلِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شعراءُ.

فتَلا النبيُّ ﷺ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

قال: عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ وأصحابُه (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.

قال: عبدُ اللهِ بن رَوَاحَةَ.

وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وسيعلمُ الذين ظلَموا أنفسَهم بشِرْكِهم باللهِ من أهلِ مكةَ، ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

يقولُ: أَيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُون إليه، وأيَّ مَعادٍ يعودون إليه بعدَ مَماتِهم، فإنَّهم يصيرون إلى نارٍ لا يُطفأُ سعيرُها، ولا يَسْكُنُ لهبُها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البرَّادِ مولى تميمٍ الداريِّ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

قال: وسيعلمُ الذين ظلموا من المشركين، أيَّ منقَلَبٍ ينقلبون.

آخرُ تفسيرِ سورةِ الشعراءِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله