الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة النمل
تفسيرُ سورةِ النمل كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 181 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ النَّملِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا القولَ فيما مضى من كتابِنا هذا، فيما كان من حروفِ المعجمِ في فواتحِ السورِ، فقولُه: ﴿طس﴾ مِن ذلك.
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أَنَّ قولَه: ﴿طس﴾.
قَسَمٌ أقسَمه اللهُ، هو من أسماءِ اللهِ.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ (١).
فالواجبُ على هذا القولِ أن يكونَ معناه: والسميعِ اللطيفِ، إنَّ هذه الآياتِ التي أنزَلتُها إليك يا محمدُ، لآياتُ القرآنِ، وآياتُ ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقولُ: يبينُ لمن تدَبَّره وفكَّر فيه بفَهمٍ، أنه من عندِ اللهِ، أنزَله إليك، لم تتخرَّصْه أنت ولم تتقوَّلْه، ولا أحدٌ سواك من خَلقِ اللهِ؛ لأنه لا يقدرُ أحدٌ من الخلْقِ أنْ يأتيَ بمثلِه، ولو تظاهرَ عليه الجنُّ والإنسُ.
وخُفِض قولُه: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
عطفًا به على "القرآنِ".
وقولُه: ﴿هُدًى﴾.
من صفةِ "القرآن".
يقولُ: هذه آياتُ القرآنِ بيانٌ مِن اللهِ، بيَّن (١) به طريقَ الحقِّ وسبلَ (٢) السلامِ، ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: وبشارةٌ لمن آمَن به وصدَّق بما أُنزِل فيه، بالفوزِ العظيمِ في المعادِ.
وفي قولِه: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾.
وجهان من العربيةِ؛ الرفعُ على الابتداءِ، بمعنى: هو هدًى وبُشرى.
والنصبُ على القطعِ من: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾.
فيكونُ معناه: تلك آياتُ القرآنِ الهُدَى (٣) والبشْرى للمؤمنين.
ثم أُسقِطت الألفُ واللامُ من "الهدى" و "البشرى"، فصارا نكرةً، وهما صفةٌ للمعرفةِ، فنُصِبا.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
يقولُ: هو هدًى وبشرى لمن آمَن بها، وأقام الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها.
وقولُه: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.
يقولُ: ويؤدّون (٤) الزكاة المفروضةَ.
وقيل: معناه: ويطهِّرون أجسادَهم من دنسِ المعاصى.
وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادِته في هذا الموضعِ (٥).
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
يقولُ: وهم مع إقامتِهم الصلاةَ المفروضةَ (٦)، وإيتائِهم الزكاةَ الواجبةَ، بالمعادِ إلى اللهِ بعد المماتِ يُوقنون، فيذِلُّون في طاعةِ اللهِ؛ رجاءَ جزيلِ ثوابِه، وخوفَ عظيمِ عقابِه، وليسوا كالذين يُكذِّبون بالبعثِ ولا يبالُون؛ أحسَنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عَصَوا (١)؛ لأنهم إنْ أحسنوا لم يرجُوا ثوابًا، وإنْ أساءوا لم يخافوا عقابًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الذين لا يُصدِّقون بالدارِ الآخرةِ، وقيامِ الساعةِ، وبالمعادِ إلى اللهِ بعدَ المماتِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
يقولُ: حبَّبنا إليهم قبيحَ أعمالِهم، وسهَّلْنا ذلك عليهم، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾.
يقولُ: فهم في ضلالِ أعمالِهم القبيحةِ التي زيَّنَّاها لهم، يتردَّدون حيارَى، يحسَبون أنَّهم يحسِنون.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ لهم سوءُ العذابِ في الدنيا، وهم الذين قُتِلوا ببدرٍ من مشركي قريشٍ، ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
يقولُ: وهم يومَ القيامةِ هم الأوضَعون تجارةً، والأَوكَسُونها (٢)؛ باشترائِهم الضلالَة بالهدَى، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: وإنَّك يا محمدُ، لَتُحَفَّظُ القرآنَ وتُعَلَّمُه، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.
يقولُ: من عندِ حكيمٍ بتدبيرِ خلْقِه، عليمٍ بأنباءِ خلْقِه ومصالِحهم، والكائنِ من أمورِهم، والماضى من أخبارِهم، والحادثِ منها، ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾.
و ﴿إِذْ﴾ من صلةِ ﴿عَلِيمٍ﴾.
ومعنى الكلامِ: عليمٌ حينَ قال موسى لأهلِه وهو في مسيرِه من مَدْيَنَ إلى مصرَ، وقد آذاهم بَرْدُ ليلهم لما أصلَدَ زَنْدُه (١): ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.
أي: أبصرتُ نارًا أو أحْسَستُها، فامكُثوا مكانَكم، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾.
يعنى: من النارِ.
والهاءُ والألفُ مِن ذِكرِ "النارِ".
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (بِشِهابِ قَبَسٍ).
بإضافةِ "الشهابِ" إلى "القَبَسِ"، وتركِ التنوينِ (٢)، بمعنى: أو آتيكم بشُعلةِ نارٍ أقتبسُها منها.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأة أهلِ الكوفةِ: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بتنوينِ "الشهابِ"، وتركِ إضافتِه إلى "القَبْسِ" (٣)، يعنى: أو آتيكم بشهابٍ مقَتبَسٍ.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وكان بعضُ نحويّى البصرة يقولُ: إذا جعلَ "القبسَ" بدلًا من "الشِّهابِ"، فالتنوينُ في "الشهابِ"، وإِنْ أضاف "الشهابَ" إلى "القبسِ"، لم ينوَّنِ "الشهابَ".
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤): إذا أُضيف الشهابُ إلى القبسِ، فهو بمنزلةِ قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].
مما يضافُ إلى نفسِه إذا اختلَف اسماه ولفظاه، تَوَهُّمًا بالثانى أنه غيرُ الأَوَّلِ.
قال: ومثلُه: حَبَّةُ الخضراءِ، وليلةُ القَمْراءِ، ويومُ الخميسِ، وما أشبَهَه.
وقال آخرُ منهم: إنْ كان "الشهابُ" هو "القَبَسَ" لم تجزِ الإضافةُ؛ لأنَّ "القَبَسَ" نعتٌ، ولا يُضافُ الاسمُ إلى نعتِه إلا في قليلٍ من الكلامِ، وقد جاء: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةُ﴾، ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢].
والصوابُ من القولِ في ذلك أنَّ "الشهابَ" إذا أُريدَ به أنه غيرُ "القبَسِ"، فالقراءةُ فيه بالإضافةِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ حينئذٍ ما بَيَّنَا من أنه شُعْلَةُ قَبَسٍ، كما قال الشاعرُ (١): في كَفَّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ … فيها سنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِ وإذا أُريد بالشهابِ أنه هو "القبَسُ"، أو أنه نعتٌ له، فالصوابُ في "الشهابِ" التنوينُ؛ لأنَّ الصحيحَ في كلام العربِ تركُ إضافةِ الاسمِ إلى نعتِه، وإلى نفسِه، بل الإضافاتُ في كلامِها المعروفةُ (٢) إضافةُ الشيءِ إلى غيرِ نفسِه، وغيرِ نعتِه.
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
يقولُ: كي تصطَلوا بها من البردِ.
[كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
قال: من البردِ] (٣).
وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾.
يقولُ: فلما جاء موسى النارَ التي آنسَها، ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
كما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
يقولُ: قُدِّس (١).
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى ﷻ بذلك نفسَه، وهو الذي كان في النارِ، وكانت النارُ نُورَه تعالى ذِكرُه، في قولِ جماعةٍ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: يعنى نفسَه.
قال: كان نورُ ربِّ العالمين في الشجرةِ (٢).
حدَّثني إسماعيلُ بنُ الهيثمِ أبو العاليةِ العبديُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، عن ورقاءَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
قال: ناداه وهو في النارِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٤)، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
قال: هو النورُ (٥).
قال معمرٌ قال قتادةُ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
قال: نورُ اللهِ بُورك (١).
قال: ثنا الحسينُ (٢)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال الحسنُ البصريُّ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بورِكَتِ النارُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأشْيبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: بورِكت النارُ.
قال: كذلك قال ابن عباسٍ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
قال: بُورِكَتِ النارُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
قال: بورِكَتِ النارُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
قال: نورُ الرحمنِ، والنورُ هو اللهُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العالمين (١).
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى النارِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه النورُ، كما ذكَرتُ عمن ذكَرتُ ذلك عنه.
وقال آخرون: معناه النارُ لا النورُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ أنه قال: حِجابُ العزّةِ، وحجابُ الملكِ، وحجابُ السلطانِ، وحجابُ النارِ، وهى تلك النارُ التي نُودىَ منها.
قال: وحجابُ النورِ، وحجابُ الغَمامِ، وحجابُ الماءِ (٢).
وإنما قيل: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
ولم يقلْ: بُورك في من في النار.
على لغةِ الذين يقولون: باركَك اللهُ.
والعربُ تقولُ: باركَك اللهُ، وبارَك فيك.
وقولُه: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
يقولُ: ومَن حولَ النارِ.
وقيل: عنَى بمن حولَها الملائكةَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
قال: يعنى الملائكةَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الحسنِ مثلَه (٢).
وقال آخرون: هو موسى والملائكةُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
قال: موسى النبيُّ والملائكةُ.
ثم قال: يا مُوسَى، إنى أنا اللهُ الْعَزِيزُ الحَكيمُ (٣).
وقولُه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
[يقولُ: وتنزيهًا للهِ ربِّ العالمين] (٤) مما يصفُه به الظالمون.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِه لموسى: إنه أنا اللهُ العزيزُ في نقمتِه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيرِه في خلقِه.
والهاءُ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ هاءُ عمادٍ، وهو اسمٌ لا يظهرُ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (٥).
وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: هي الهاءُ المجهولةُ، ومعناها: إنَّ الأمرَ والشأنَ، أنا اللهُ.
وقولُه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾.
وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذكرُه؛ استغناءً بما ذُكِر عما حُذِف، وهو: فألقاها، فصارت حيةً تهتزُّ، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾.
يقولُ: كأنها حيةٌ عظيمةٌ.
والجانُّ جنسٌ من الحياتِ معروفٌ.
وقال ابن جُرَيْجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾.
قال: حينَ تحوَّلت حيةً تسعى (١).
وهذا الجنسُ من الحياتِ عَنى الراجزُ بقولِه (٢): يَرْفَعْنَ (٣) باللَّيْلِ إِذَا مَا أَسْدَفا (٤) أعناقَ جِنَّانٍ وَهامًا رُجَّفَا وَعَنَقًا باقي (٥) الرَّسِيمِ خَيْطَفا وقولُه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
يقولُ: ولم يرجِعْ من قولِهم: عَقَّب فلانٌ.
إذا رجَع على عقِبهِ إلى حيثُ بدَأ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
قال: لم يرجِعْ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لم يلتفِتْ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
قال: لم يرجِعْ (٣)، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قال: فلم يرعوِ لذلك.
قال: فقال اللهُ له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١].
قال: فلم يقفْ أيضًا على شيءٍ من هذا حتى قال: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١].
قال: فالتفَت فإذا هي عصًا كما كانت، فرجَع فأخَذها، ثم قوِى بعدَ ذلك عليها (٤)، حتى صار يُرسلُها على فرعونَ ويأخُذُها (٥).
وقوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فناداه ربُّه: يا موسى، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
يقولُ: إنى لا يخافُ عندى رسلى وأنبيائى الذين أَخْتَصُّهم بالنبوةِ، إلا من ظلَم منهم، فعمِل بغيرِ الذي أُذِن له في العمل به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قال: لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلا بذنبٍ يُصِيبُه أحدُهم، فإنْ أصَابه أخافه يَأْخُذَه منه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو (٢) عبدِ اللهِ الفَزاريُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
قال: إنى إنما أخَفْتُك لقتلِك النفسَ.
قال: وقال الحسنُ: كانت الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ، [ثم تُذنبُ واللهِ فتعاقَبُ] (٣).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، وهو استثناءٌ، إِلَّا مع وعدِ اللهِ الغُفْرانَ المُسْتَثْنَى من قولِه: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
[بقولِه: ﴿فَإِنِّي] (٤) غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وحكمُ الاستثناءِ أن يكونَ ما بعدَه بخلافِ معنى ما قبلَه، وذلك أن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه منفيًّا - مُثْبَتًا، كقولِه: ما قام إلا زيدٌ.
فـ"زيدٌ" مثبَتٌ له القيامُ؛ لأنه مُسْتَثْنًى مما قبلَ "إلا"، وما قبلَ "إلا" منفيٌّ عنه القيامُ، و (١) أن يكونَ ما بعَده - إن كان ما قبلَه مثبَتًا - منفيًّا، كقولِهم: قام القومُ إلا زيدًا.
فـ "زيدٌ" منفيٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ.
والقومُ مثبَتٌ لهم القيامُ.
و (١) ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، فقد أمَّنه اللهُ بوعدِه الغفرانَ والرحمةَ، وأَدْخَله في عِدادِ مَن لا يَخافُ لديه من المرسَلين؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت "إلا" في هذا الموضعِ؛ لأن "إلا" تَدْخُلُ في مثلِ هذا الكلامِ، كمثلِ قولِ العربِ: ما أشْتَكِى إلا خيرًا.
فلم يَجْعَلْ قولَه: إلا خيرًا، على الشكوى، ولكنه علِم أنه إذا قال: ما أشْتَكِى شيئًا.
أنه يَذْكُرُ عن نفسِه خيرًا، كأنه قال: ما أَذْكُرُ إلا خيرًا.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٢): يقولُ القائلُ: كيف صُيِّر خائفًا من ظلَم، ثم بَدَّل حسنًا بعدَ سوءٍ، وهو مغفورٌ له؟
فأقولُ له: في هذه الآيةِ وجهان؛ أحدُهما، أن يقولَ: إن الرسلَ معصومةٌ (٣)، مغفورٌ لها، آمِنةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو.
فهذا وجه.
والآخرُ، أن يجعل الاستثناءَ من الذين تُركوا في الكلمةِ؛ لأن المعنى: لا يخافُ لديَّ المُرْسَلون، إنما الخوفُ على مَن سِواهم.
ثم اسْتَثْنَى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
يقولُ: كان مُشْرِكًا فتابَ مِن الشِّرْكِ، وعمِل حُسْنًا، فذلك مغفورٌ له، وليس بخائفٍ (٤).
قال: وقد قال بعضُ النحويِّين (٥): إن "إلَّا" في اللغةِ بمنزلةِ "الواوِ"، وإنما معنى هذه الآيةِ: لا يخافُ لديَّ المُرسَلون، ولا مَن ظلَم ثم بدَّل حُسْنًا.
قال: وجعَلوا مثلَه كقولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا (١) الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].
قال: ولم أجِدِ العربيةَ تَحتملُ ما قالوا؛ لأنى لا أجيزُ: قامَ الناسُ إلا عبدَ اللهِ، وعبدُ اللهِ قائمٌ، إنما معنى الاستثناءِ أن يخرجَ الاسمُ الذي بعدَ "إلا" من معنى الأسماءِ التي قبلَ "إلا"، وقد أراه جائزًا أن يقولَ: لى عليك ألفٌ سِوى ألفٍ آخرَ.
فإن وضعتَ "إلا" في هذا الموضعِ صَلَحَت، وكانت "إلا" في تأويلِ ما قالوا، فأما مُجرَّدةً قد اسُتثْنِى قليلُها من كثيرِها فلا، ولكن مثلُه مما يكونُ معنى "إلا" كمعنى "الواوِ" وليست بها، قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] هو في المعنى: والذي شاء ربُّك مِن الزيادةِ.
فلا تُجعَلُ "إلا" بمنزلةِ "الواوِ"، ولكن بمنزلةِ "سِوى"، فإذا كانت "سوى" في موضعِ "إِلَّا" صَلَحَت بمعنى "الواوِ"؛ لأنك تقولُ: عندى مالٌ كثيرٌ سوى هذا.
أي: وهذا عندى.
كأنك قلتَ: عندى مالٌ كثيرٌ، وهذا أيضًا عندى.
وهو في "سِوى" أبعدُ منه في "إلا"؛ لأنك تقولُ: عندى سوى هذا.
ولا تقولُ: عندى إلا هذا.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ﴾.
عندى غيرُ ما قاله هؤلاء الذين حكَينا قولَهِم مِن أهلِ العربيةِ، بل هو القولُ الذي قالَه الحسنُ البصريُّ وابنُ جُرَيجٍ، ومَن قال قولَهما؛ وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءٌ صحيحٌ مِن قولِه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
إلا مَن ظلَم منهم فأتَى ذَنْبًا، فإنه خائفٌ لدَيه مِن عُقُوبَتِه.
وقد بيَّن الحسنُ ﵀ معنى قيلِ اللهِ موسى ذلك، وهو قولُه: قال: إنى إنما أَخَفْتُك لَقَتْلِك النفسَ.
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قِيلِه إن كان قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءً صحيحًا، وخارجًا من عدادِ مَن لا يخافُ لديه مِن المرسلين؟
وكيف يكونُ خائفًا من كان قد وُعِد الغفرانَ والرحمةَ؟
قيل: إن قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾.
كلامٌ آخرُ بعدَ الأَوَّلِ، وقد تناهَى الخبرُ عن الرسلِ ممَّن ظلَم منهم ومن لم يظلِمْ عندَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
ثم ابتَدأ الخبرَ عمَّن ظلَم مِن الرسلِ، وسائرِ الناسِ غيرِهم.
وقيل: فمَن ظلم ثم بدَّل حُسْنًا بعدَ سُوءٍ فإني له غفورٌ رحيمٌ.
فإن قال قائلٌ: فعلامَ تَعْطِفُ، إن كان الأمرُ كما قلتَ، بـ ﴿ثُمَّ﴾، إن لم يَكُنْ عطفًا على قولِه: ﴿ظَلَمَ﴾؟
قيل: على متروكٍ اسْتُغْنِى بدلالةِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ عليه عن (١) إظْهارِه، إذ كان قد جرَى قبلَ ذلك مِن الكلامِ نظيرُه، وهو: فمَن ظلَم مِن الخلقِ.
وأما الذين ذكَرنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ، فقد قالوا على مذهبِ العربيةِ، غيرَ أنهم أغفَلوا معنى الكلمةِ، وحمَلوها على غيرِ وَجْهِها من التأويلِ، وإنما ينبغى أن يُحمَلَ الكلامُ على وجهِه مِن التأويلِ، ويُلْتَمَسَ له على ذلك الوجهِ للإعرابِ في الصحةِ، مَخْرَجٌ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووَجْهها الصحيحِ مِن التأويلِ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن أتَى ظُلْمًا مِن خلقِ اللهِ، ورَكِب مأثمًا، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾.
يقولُ: ثم تابَ مِن ظُلْمِه ذلك، وركوبِه المأثمَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢)﴾.
يقولُ: فإني ساترٌ على ذنبِه وظلمِه ذلك، بعَفْوى عنه، وتركِي عقوبتَه عليه، رحيمٌ به أن أُعاقِبَه بعدَ تَبْديلِه الحُسْنَ بعده (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾: ثم تابَ مِن بعدِ إساءتِه، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِه لنبيِّه موسى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾.
ذُكِر أنه تعالى ذكرُه أمَره أن يُدْخِلَ كفَّه في جيبِه، وإنما أمرَه بإدخالِه في جيبِه؛ لأن الذي كان عليه يومَئِذٍ مِدْرَعةٌ مِن صوفٍ؛ قال بعضُهم: لم يَكُنْ لها كُمٌّ.
وقال بعضُهم: كان كُمُّها إلى بعضِ يَدِه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾.
قال: الكَفُّ قطُّ (٣)، ﴿فِي جَيْبِكَ﴾.
قال: كانت مِدْرَعةٌ إلى بعضِ يَدِه، ولو كان لها كُمٌّ أَمَره أن يُدْخِلَ يَدَه في كُمِّه (١).
قال: ثني حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: قال ابن مسعودٍ: إن موسى أتَى فرعونَ حينَ أتاه في زُرْمانِقَةٍ.
يعنى: جُبَّةَ صوفٍ (٢).
وقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾.
[يقولُ: تخرُجِ اليدُ بيضاءَ] (٣) بغيرِ لون موسى، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
يقولُ: مِن غير بَرَصٍ، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبك تخرُجْ بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، فهي آيةٌ في تسعِ آياتٍ، مُرْسَلٌ أنت بِهِنَّ [إلى فرعونَ.
وتَرَك ذكرَ "مُرْسَلٍ"؛ لدلالةِ قولِه] (٣): ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾.
على أن ذلك معناه، كما قال الشاعرُ (٤): رَأَتْنى بحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخافَةً … وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ ومعنى الكلامِ: رأتْنى مُقْبِلًا بحَبْلَيها.
فتَرَك ذكرَ "مُقْبِلٍ"؛ استغناءً بمعرفةِ السامِعين معناه في ذلك، إذ قال: رأتْنى بحَبْليها.
ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ كثيرةٌ.
والآياتُ التسعُ هُنَّ الآياتُ التي بَيَّنَّاهن فيما مَضَى (٥).
وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾.
قال: هي التي ذكَر اللهُ في القرآنِ؛ العصا، واليَدُ، والجرَادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والطُّوفانُ، والدَّمُ، والحَجَرُ، والطَّمْسُ الذي أصابَ آل فرعونَ في أموالِهم (١).
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
يقول: إن فرعونَ وقومَه مِن القِبْطِ كانوا ﴿قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
يعني: كافرِين باللهِ.
وقد بَيَّنَّا معنى "الفِسْقِ" فيما مضَى (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءت فرعونَ وقومَه ﴿آيَاتُنَا﴾.
يعنى: أَدِلَّتُنا وحُجَجُنا، على حقيقةِ ما دَعاهم إليه موسى وصحتِه، وهى الآياتُ التسعُ التي ذكَرناها قبلُ.
وقولُه: ﴿مُبْصِرَةً﴾.
يقولُ: يُبْصِرُ بها مَن نظَر إليها ورَآها حقيقةَ ما دلَّت عليه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾.
قال: بَيِّنَةً، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
يقولُ: قال فرعونُ وقومُه: هذا الذي جاءَنا به موسى ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
يقولُ: يَبينُ [للنَّاظِرِ إليه] (٣) أنه سِحْرٌ.
وقولُه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾.
يقولُ: وكذَّبوا بالآياتِ التِّسْعِ أن تكونَ مِن عندِ اللهِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾.
قال: الجُحُودُ التكذيبُ بها.
وقولُه: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.
يقولُ: وأَيْقَنَتْها قلوبُهم، وعَلِموا يَقِينًا أنها مِن عندِ اللهِ، فعانَدوا بعدَ تَبَيُّنِهم (١) الحقَّ، ومعرفتِهم به.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.
قال: يقينُهم في قلوبِهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
قال: اسْتَيْقَنوا أن الآياتِ مِنَ اللهِ حَقٌّ، فلِمَ جَحَدوا بها؟
قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢).
وقولُه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
يعنى بالظُّلْمِ الاعتداءَ، والعُلُوِّ الكِبْرَ.
كأنه قيل: اعتداءً وتَكَبُّرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
قال: تَعَظُّمًا واسْتِكْبارًا.
ومعنى ذلك: وجَحَدوا بالآياتِ التسعِ ظُلْمًا وعُلُوًّا، واسْتَيْقَنَتْها أنفسُهم أنها من عندِ اللهِ، فعانَدوا الحقَّ بعدَ وُضُوحِه لهم، فهو من المُؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فانظُرْ يا محمدُ بعَيْنِ قلبِك كيف كان عاقبةُ تكْذِيبِ هؤلاء الذين جحَدوا آياتِنا حينَ جاءتْهم مُبْصِرةً، وماذا حَلَّ بهم مِن إفْسادِهم في الأرضِ، ومعصيتِهم فيها ربَّهم، وأعْقَبَهم ما فعَلوا، فإن ذلك أخرَجهم من جناتٍ وعيونٍ، وزُرُوعٍ ومَقَامٍ كريمٍ، إلى هَلاكٍ في العاجلِ بالغَرَقِ، وفى الآجلِ إلى عذابٍ دائمٍ، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥].
يقولُ: وكذلك يا محمدُ سُنَّتي في الذين كذَّبوا بما جئْتَهم به مِن الآياتِ، على حقيقةِ ما تَدْعُوهم إليه مِن الحقِّ مِن قومِك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا داودَ وسليمانَ عِلْمًا.
وذلك علمُ كلامِ الطيرِ والدَّوَابِّ، وغيرِ ذلك مما خَصَّهم اللهُ بعلمِه، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال داودُ وسليمانُ: الحمدُ للهِ الذي فَضَّلَنا بما حَصَّنا به مِن العلمِ الذي آتاناه دونَ سائرِ خلقِه من بني آدمَ في زمانِنا هذا، على كثيرٍ من عبادِه المؤمنين به في دَهْرِنا هذا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وورِث سليمانُ أباه داودَ العلمَ الذي كان [اللهُ آتاه] (١) في حياتِه، والمُلْكَ الذي كان خَصَّه به على سائرِ قومِه، فجعَله له بعدَ أبيه داودَ دونَ سائرِ ولدِ أبيه، ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.
[يقولُ: وقال سليمانُ لقومِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾] (١).
يعنى: فُهِّمْنا كلامَها، وجعَل ذلك من الطيرِ كمنطقِ الرجلِ مِن بني آدمَ، إذ فَهِمه عنها.
وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.
قال: بلَغنا أن سليمانَ كان عسكرُه مائةَ فرسخٍ؛ خمسةٌ وعشرون منها للإنسِ، وخمسةٌ وعشرون للجِنِّ، وخمسةٌ وعشرون للوَحْشِ، وخمسةٌ وعشرون للطيرِ، وكان له ألفُ بيتٍ مِن قَواريرَ على الخُشُبِ، فيها ثلاثُمائةِ صَريحةٍ، وسبعمائةِ سُرِّيَّةٍ، فأمَر الريحَ العاصفَ فرفَعتْه، وأمَر الرُّخاءَ فَسَيَّرتْه، فأوحَى اللهُ إليه وهو يسيرُ بيَن السماءِ والأرضِ: إنى قد زِدتُ (٢)؛ أنه لا يتكلَّمُ أحدٌ من الخلائقِ بشيءٍ إلا جاءتِ الريحُ [فأخبَرتْك به] (٣).
وقولُه: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: وأُعْطِينا ووُهَبَ لنا من كُلِّ شيءٍ من الخيراتِ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
يقولُ: إن هذا الذي أُوتِينا مِن الخيراتِ، لهو الفضلُ على جميعٍ أهلِ دَهْرِنا، ﴿الْمُبِينُ﴾.
يقولُ: الذي يَبِينُ لمَن تأمَّله وتَدبَّرَه أنه فضلٌ أُعْطِيناه على مَن سِوانا من الناسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجُمِع لسليمانَ جنودُه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ في مَسِيرٍ له فهم يُوزَعون.
واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فهم يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخِرِهم حتى يَجْتَمِعوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: جُعِل على كلِّ صِنْفٍ وزَعَةٌ (١)، يَرُدُّ أُولَاها على أُخْراها؛ لئلا يَتَقدَّموا في المَسِيرِ، كما تصنعُ الملوكُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ، قال] (٣): ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال: يردُّ أوَّلُهم على آخرِهم (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: فهم يُساقُون.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال: ﴿يُوزَعُونَ﴾: يُساقُون (٥).
وقال آخرون: بل معناه: فهم يَتَقدَّمون.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿يُوزَعُونَ﴾: يتقدَّمون (١).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُرَدُّ أَوَّلُهم على آخِرهم.
وذلك أن الوازِعَ في كلامِ العربِ هو الكافُّ، يقالُ منه: وَزَعَ فلانٌ فلانًا عن الظلمِ.
إذا كَفَّه عنه، كما قال الشاعرُ (٢): ألم يَزَعِ الهَوَى إِذْ لم يُؤَاتِ؟
… بلى وسَلَوْتُ عن طَلَبِ الفَتاةِ (٣) وقولُ الآخرِ (٤): على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا … وقُلْتُ أَلَمَّا تصْحُ (٥) والشَّيْبُ وَازِعُ وإنما قيل للذين يدفَعون الناسَ عن الوُلاةِ والأمراءِ: وَزَعَةٌ.
لِكَفِّهم إيَّاهم عنهم (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾.
يعني تعالي ذكرُه بقولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: حتى إِذا أَتَى سليمانُ وجنودُه على وادى النملِ، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾.
يقولُ: لا يَكْسِرنَّكم ويَقْتُلَنَّكم سليمانُ وجنودُه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
يقولُ: وهم لا يعلَمون أنهم يَحْطِمُونكم.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن رجلٍ يقالُ له: الحَكَمُ.
عن نوفٍ في قولِه: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾.
قال: كان نملُ سليمانَ بن داودَ مثلَ الذِّئابِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فتبسَّم سليمانُ ضاحكًا من قولِ النملةِ التي قالت ما قالت، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: أَلْهِمْنى.
وبنحوِ ذلك (٢) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.
يقولُ: اجْعَلْنى (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾.
قال: في كلامِ العربِ، تقولُ: أوزَع فلانٌ بفلانٍ.
يقولُ: حرَّضه عليه.
وقال ابن زيدٍ: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: أَلْهِمْنى وحرِّضْنى على أن أَشْكُرَ نعمتَك التي أَنْعَمْتَ عليَّ وعلى والديَّ (٢).
وقولُه: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.
يقولُ: وأَوْزِعْنى أَن أَعْمَلَ بطاعتِك وما ترضاه، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
يقولُ: وأَدْخِلْنى برحمتِك مع عبادِك الصالحين الذين اختَرتَهم لرسالتِك، وانتخَبتَهم لوَحْيِك.
يقولُ: أَدْخِلْنى من الجنةِ مداخلهَم.
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
قال: مع عبادِك الصالحين؛ الأنبياءِ والمؤمنين (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وتفقَّدَ سليمانُ الطيرَ، فقال: ما لي لا أرَى الهُدْهُدَ؟
وكان سببُ تفقُّدِه الطيرَ وسؤالِه عن الهدهدِ خاصةً مِن بين الطيرِ ما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عِمرانَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: جلَس ابن عباسٍ إلى عبدِ اللهِ بن سَلَامٍ، فسأَله عن الهدهدِ لم تفقَّده سليمانُ من بين الطيرِ؟
فقال عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: إن سليمانَ نزَل منزِلَةً في مسيرٍ له، فلم يَدْرِ ما بُعْدُ الماءِ، فقيل له: مَن يَعْلَمُ بُعْدَ الماءِ؟
قالوا: الهدهدُ.
فذاك حينَ تفقَّده (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا عمرانُ بن حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ، عن ابن عباسٍ وعبدِ اللهِ بن سلامٍ بنحوِه.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان سليمانُ بن داودَ يُوضَعُ له ستُّمائةِ ألفِ (٢) كرسيٍّ، ثم يجِيءُ أشرافُ الإنسِ فيَجْلسِون مما يليه، ثم تَجيءُ أشرافُ الجنِّ فيَجْلِسون مما يلى الإنسَ.
قال: ثم يَدْعو الطيرَ فتُظِلُّهم، ثم يدعو الريحَ فتحمِلُهم.
قال: فيسيرُ في الغَداةِ الواحدةِ مسيرةَ شهرٍ.
قال: فبينا هو في مسيرِه إذ احتاج إلى الماءِ وهو في فلاةٍ من الأرضِ.
قال: فدعا الهدهدَ، فجاءه فنقَر الأرضَ، فيُصيبُ موضعَ الماءِ.
قال: ثم تجئُ الشياطينُ، فيَسْلَخونه كما يُسْلَخُ الإهابُ.
قال: ثم يَسْتَخْرجون الماءَ.
فقال له نافعُ بنُ الأزرقِ: [قِفْ يا وقَّافُ] (٣)، أرأيتَ قولَك: الهدهدُ يَجِيءُ فيَنْقُرُ الأَرضَ فيُصِيبُ الماءَ.
كيف يُبْصِرُ هذا ولا يُبْصِرُ الفخَّ يجئُ حتى يقَعَ في عنقِه!
قال: فقال له ابن عباسٍ: ويحَك إن القدَرَ إِذا جاء حال دونَ البصرِ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ إِذا خرَج مِن بيتِه إلى مجلسِه عكَفت عليه الطيرُ، وقام له الجنُّ والإنسُ حتى يَجْلِسَ على سريرِه، حتى إذا كان ذاتَ غَداةٍ في بعضِ زمانِه، غدا إلى مجلسِه الذي كان يَجْلِسُ فيه، فتفَقَّد الطيرَ.
وكان فيما يَزْعُمون يأتيه نُوَبًا، من كل صنفٍ مِن الطيرِ طائرٌ، فنظَر فرأى مِن أصنافِ الطيرِ كلِّها قد حضَره إلا الهدهدَ، فقال: ما لي لا أرى الهدهدَ (١)؟
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أولُ ما فقَد سليمانُ الهدهدَ نزَل بوادٍ، فسأَل الإنسَ عن مائِه، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، فإِن يَكُنْ أَحدٌ مِن جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالجنُّ.
فدعا الجنَّ فسأَلهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ أحدٌ من جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالطيرُ.
فدعا الطيرَ فسأَلهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ أحدٌ من جنودِك يَعْلَمُه فالهدهدُ.
فلم يَجِدْه، قال: فذاك أول ما فقَد الهدهدَ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
قال: تَفَقَّد الهدهدَ مِن أجلِ أنه كان يَدُلُّه على الماءِ إذا ركِب، وإن سليمانَ ركب ذاتَ يومٍ، فقال: أين الهدهدُ ليدُلَّنا على الماءِ؟
فلم يَجِدْه، فمن أجلِ ذلك تَفَقَّده، فقال ابن عباسٍ: إن الهدهدَ كان يَنْفَعُه الحذَرُ ما لم يَبْلُغ الأجلَ، فلما بلَغ الأجلَ لم يَنْفَعه الحذرُ، وحال القدَرُ دونَ البصرِ (٢).
فقد اختلَف عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ والقائلون بقولِه، ووهبُ بنُ منبِّهٍ، فقال عبدُ اللهِ: كان سببُ تفقُّدِه الهدهدَ وسؤالِه عنه، ليَسْتَخبِرَه عن بُعدِ الماءِ في الوادى الذي نزَل به في مَسيرِه.
وقال وهبُ بنُ منبِّهٍ: كان تَفَقُدُه إياه وسؤالُه عنه لإخلالِه بالنَّوْبةِ التي كان يَنُوبُها.
واللهُ أعلمُ بأيِّ ذلك كان؛ إذ لم يأتِنا بأيِّ ذلك كان؛ في (١) تنزيلٍ، ولا خبرٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحٍ.
فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله أخبَر عن سليمانَ أنه تَفَقَّد الطيرَ؛ إما للنَّوبةِ التي كانت عليها وأخلَّت بها، وإما لحاجةٍ كانت إليها عن بعدِ الماءِ.
وقولُه: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: أخطأهُ بصرى، فلا أراه وقد حضَر، أم هو غائبٌ فيما غاب من سائرِ أجناسِ الخلقِ فلم يَحْضُرُ؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: أخطأَه بصرى في الطيرِ، أم غاب فلم يَحْضُرْ (٢)؟
وقولُه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
يقولُ: فلما أُخْبِر سليمانُ عن الهدهدِ لم يَحْضُرْ، وأنه غائبٌ غيرُ شاهدٍ، أَقْسَم: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
وكان تَعذيبُه الطيرَ فيما ذُكِر عنه إذا عذَّبها، أن يَنْتِفَ رِيشَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحمّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قال: نَتْفُ ريشِه (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيَّةَ (٢)، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: عذابُه نَتْفُه وتَشْمِيسُه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قال: نَتْفُ ريشِه (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قال: نتفُ ريشِه كلِّه (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قال: نَتْفُ ريشِ الهدهدِ.
كلِّه، فلا يَعْفُو (١) سنةً.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ، قال: نتفُ ريشِه (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
يقولُ: نَتْفُ ريشِه (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن رُومانَ، أنه حدَّث أن عذابَه الذي كان يُعَذِّبُ به الطيرَ، نَتْفُ جناحِه (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قيل لبعضِ أهلِ العلمِ: هذا الذبحُ، فما العذابُ الشديدُ؟
قال: يَنْتِفُ ريشَه، يُتْركُه بِضْعَةً تنزو (٥).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، [عن عمرِو بن دينارٍ] (٦)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قال: نَتْفُه (٧).
حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ] (٨)، عن [حُصينٍ، عن ابن شدَّادٍ] (٩)، قال: نتفُه وتشميسُه، ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾.
يقولُ: أو لأقتُلَنَّهُ (١).
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾.
يقولُ: أو لأقتُلنَّه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ اللهِ بن شدادٍ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ الآية.
قال: فتَلَقَّاه الطيرُ فأخبَره، فقال: ألم يَسْتَثْنِ (٣)؟
وقولُه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: أو ليَأْتِينِّي بحجةٍ يَبِينُ لسامعِها صحتُها وحقيقتُها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ (٤) الأزديُّ، قال: ثنا المعافَى بنُ عمرانَ، عن سفيانَ، عن عمَّارِ الدُّهنيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ سلطانٍ في القرآنِ فهو حجةٌ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: ببينةٍ أعذِرُه بها (١)، وهو مثلُ قولِه: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥].
يقولُ: بغيرِ بيِّنةٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرِمةَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ سلطانٌ، فهو حجةٌ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ، عَن قَبَاثِ بن رَزِينٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كلُّ سلطانٍ في القرآنِ فهو حجةٌ، كان للهدهدِ سلطانٌ (٣)!
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
قال بعذرٍ بيِّنٍ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
أي: بحجةٍ؛ عذرٍ له في غَيبتِه.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ ببيِّنةٍ، وهو قولُ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: [غافر: ٣٥] بغيرِ بيِّنةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
قال: بعذرٍ أعذِرُه فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: فمكَث سليمانُ غير طويلٍ، من حينَ سأَل عن الهدهدِ، حتى جاء الهدهدُ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَمَكَثَ﴾، فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: (فَمَكُثَ) بضمِّ الكافِ.
وقرأه عاصمٌ بفتحِها (١).
وكلتا القراءتينِ عندَنا صوابٌ؛ لأنهما لغتان مشهورتان، وإن كان الضمُّ فيها أعجبَ إليَّ؛ لأنها أشهرُ اللغتين وأفصحُهما.
وقولُه: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
يقولُ: فقال الهدهدُ حينَ سأَله سليمانُ عن تخلُّفِه وغَيبته: أحطْتُ بعلمِ ما لم تُحِطْ به أنت يا سليمانُ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
قال: ما لم تَعْلَمْ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: ثم جاء الهدهدُ، فقال له سليمانُ: ما خلَّفك عن نَوْبتِك؟
قال: أحَطْتُ بما لم تُحِطْ به.
وقولُه: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
يقولُ: وجئتُك مِن سبأِ بخبرٍ يقينٍ.
وهو ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: أي: أَدْرَكْتُ مُلْكًا لم يَبْلُغْه مُلْكُك.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿مِنْ سَبَإ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالإجراءِ (١)، لمعنى أنه رجلٌ اسمُه سبأٌ.
وقرَأه بعضُ قرأَةِ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (مِن سَبَأَ).
بتركِ الإجراءِ (٢)، على أنه اسمُ قبيلةٍ، أو لامرأةٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
والإجراءُ في "سبأ"، وغيرُ الإجراءِ صوابٌ؛ لأن "سبأ" إن كان رجلًا كما جاء به الأثرُ، فإنه إذا أريد به اسمُ الرجلِ أُجْرِى، وإن أريدَ به اسمُ القبيلةِ لم يُجْرَ، كما قال الشاعرُ في إجرائِه (٣): الواردون وتَيْمٌ (٤) في ذَرَا سبأ … قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ يُروى: ذَرَا، وذُرَى.
وقد حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، عن الرؤاسيِّ، أنه سأَل أبا عمرِو بن العلاءِ: كيف لم تُجْرِ "سبأ"؟
قال: لستُ أدرى ما هو (٥).
فكأنَّ أبا عمرٍو ترَك إجراءَه إذ لم يَدْرِ ما هو، كما تَفْعَلُ العربُ بالأسماءِ المجهولةِ التي لا تعرِفُها، من تركِ الإجراءِ.
حُكِى عن بعضِهم (٦): هذا أبو صُعرورَ (٧) قد جاء.
فترَك إجراءَه، إذ لم يَعْرِفُه في أسمائِهم.
وإن كان "سبأ" جبلًا فأُجرِى؛ فلأنَّه يُرادُ به الجبلُ بعينِه، وإن لم يُجْرَ فلأنَّه يُجْعَلُ اسمًا للجبلِ وما حولَه من البقعةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الهدهدِ لسليمانَ، مخبِرًا بعذرِه في مغيبِه عنه: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾.
يعنى: تَمْلِكُ سبأً.
وإنما صار هذا الخبرُ للهدهدِ عُذْرًا وحُجَّةً عندَ سليمانَ، ذرَأ به عنه ما كان أوعَدَه (١) به؛ لأن سليمانَ كان لا يرى أن في الأرضِ أحدًا له مملكةٌ معه، وكان مع ذلك ﷺ رجلًا حُبِّب إليه الجهادُ والغزوُ، فلما دلَّه الهدهدُ على مُلْكٍ بموضعٍ مِن الأرضِ هو لغيرِه، وقومٍ كفرةٍ يعْبُدون غيرَ اللهِ، له في جهادِهم وغزوِهم الأجرُ الجزيلُ والثوابُ العظيمُ في الآجلِ، وضمُّ مملكةٍ لغيرِه إلى ملكِه - حُقَّت للهدهدِ المعذرةُ، وصحَّت له الحجةُ في مغَيبِه عن سليمانَ.
وقولُه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: وأُوتيَت من كلِّ شيءٍ يُؤْتاه الملِكُ في عاجلِ الدنيا، مما يكونُ عندَهم من العتادِ والآلةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي عُبَيدةَ الباجيِّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
يعنى: مِن كلِّ أمرِ الدنيا.
وقولُه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
يقولُ: ولها كرسيٌّ عظيمٌ.
وعَنَى بالعظيمِ في هذا الموضعِ العظيمَ في قَدْرِه، وعِظَمَ خطرِه، لا عِظَمَه في الكِبَرِ والسَّعةِ.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
قال: سريرٌ كريمٌ.
قال: حَسَنُ الصَّنعةِ، وعرشُها: سريرٌ من ذهبٍ، قوائمُه من جوهرٍ ولؤلؤٍ (١).
قال: ثني حجاجٌ، عن أبي عُبَيدةَ الباجيِّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
يعني: سريرٌ عظيمٌ.
وقولُه: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: وجَدتُ هذه المرأةَ مَلِكة سبأِ وقومَها من سبأِ، يَسْجُدون للشمسِ فيَعْبُدُونها من دونِ اللهِ.
وقولُه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
يقولُ: وحسَّن لهم إبليسُ عبادتَهم الشمسَ وسجودَهم لها من دونِ اللهِ، وحبَّب ذلك إليهم، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾.
يقولُ: فمنَعهم بتزيينهِ ذلك لهم أن يَتَّبِعوا الطريقَ المستقيمَ، وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به أنبياءَه، ومعناه: فصدَّهم (٢) عن سبيلِ الحقِّ، ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: فهم لما قد زَيَّن لهم الشيطانُ ما زيَّن؛ من السجودِ للشمسِ من دونِ الله والكفر به، لا يَهْتَدون لسبيلِ الحقِّ، ولا يَسْلُكونه، ولكنَّهم في ضلالِهم الذي هم فيه يتردَّدون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾؛ فقرَأ بعضُ المكيِّين وبعضُ المدنيِّين والكوفيِّين: (ألَا) بالتخفيفِ (١)، بمعنى: ألَا يا هؤلاء اسجُدوا.
فأضمَروا "هؤلاء" اكتفاءً بدلالةِ "يا" عليها.
وذكر بعضُهم (٢) سماعًا من العربِ: ألَا يا ارْحَمْنَا، أَلَا يا تَصَدَّقْ علينا.
واستشهدَ أيضًا ببيتِ الأخطلِ (٣): ألا يا اسْلَمي يا هندُ هندَ بنى بدرِ … وإن كان حيَّانا عِدًى آخِرَ الدهرِ فعلى هذه القراءةِ، اسجُدوا في هذا الموضعِ جزمٌ، ولا موضع لقولِه: "ألَا" في الإعرابِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بتشديدِ ﴿أَلَّا﴾ (٤)، بمعنى: وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم لئلَّا يَسْجُدُوا اللهِ.
﴿أَلَّا﴾ في موضعِ نصبٍ، لما ذكَرتُ من معناه أنه "لئلا"، ﴿يَسْجُدُوا﴾ في موضعِ نصبٍ بـ"أن".
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُستفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأةِ، مع صحةِ معنيَيْهما.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ "يا" في قراءةِ من قرَأه على وجهِ الأمرِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: من قرَأ ذلك كذلك، فكأنه جعله أمرًا، كأنه قال لهم: اسجُدوا.
وزاد "يا" بينهما (١) التي تكونُ للتنبيهِ، ثم أَذْهَبَ أَلِفَ الوصلِ التي في "اسجدوا"، وأُذهِبت الألفُ التي في "يا" لأنها ساكنةٌ لقِيَت السينَ، فصارت "ألا يَسْجُدوا".
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذه "يا" التي تَدْخُلُ للنداءِ، يُكتَفى بها من الاسمِ، ويُكتَفى بالاسمِ منها، فتقولُ: يا أقبِلْ.
و: زيدُ أقْبِلْ.
وما سقَط من السواكنِ فعلى هذا.
ويعنى بقولِه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: يُخْرِجُ المخبوءَ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ من غيثٍ في السماءِ، ونباتٍ في الأرضِ، ونحوِ ذلك.
وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت عبارتُهم (٢) عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المبارَكِ، عن ابن جريجٍ، قراءةً عن مجاهدٍ: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
قال: الغيثَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾.
قال: الغيثَ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال: خبءُ السماءِ والأرضِ ما جعَل اللهُ فيهما (١) من الأرزاقِ؛ والمطرُ من السماءِ، والنباتُ من الأرضِ، كانتا رَتْقًا؛ لا تُمطِرُ هذه، ولا تُنْبِتُ هذه، ففتَق السماءَ وأنزَل منها المطرَ، وأخرَج النباتَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٣)، [قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن حكيمِ بن جابرٍ] (٤) في قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يَعْلَمُ كلَّ خفيةٍ في السماواتِ والأرضِ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن معاذِ بن عبدِ اللهِ، قال: رأَيتُ ابنَ عباسٍ على بغلةٍ يَسْأَلُ تبعًا ابنَ امرأةِ كعبٍ: هل سأَلتَ كعبًا عن البذرِ، تُنبِتُ الأرضُ العامَ لم يُصَبِ العامَ الآخَرَ؟
قال: سمِعتُ كعبًا يقولُ: البذرُ يَنزِلُ من السماءِ، ويَخْرُجُ من الأرضِ.
قال: صدَقتَ (٦).
قال أبو جعفرٍ: إنما هو تُبَيعٌ، ولكن هكذا قال محمدٌ.
وقيل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: [معناه يُخْرِجُ الحَبءَ مِن السماواتِ والأرضِ] (٧)؛ لأن العربَ تَضَعُ "من" مكانَ "في"، و "في" مكانَ "من" في الاستخراجِ.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
يقولُ: ويَعْلَمُ السرَّ من أمورٍ خَلْقِه، هؤلاء الذين زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم، والعلانيةَ منها.
وذلك على قراءةِ من قرَأ ﴿أَلَّا﴾ بالتشديدِ.
وأما على قراءةِ من قَرأه بالتخفيفِ فإن معناه: ويعلمُ ما يُسِرُّه خلقُه الذين أمَرَهم بالسجودِ بقولِه: ألَا يا هؤلاء اسجُدوا.
وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (أَلَا تَسْجُدون (١) للهِ الذي يَعْلَمُ سرَّكم وما تُعْلِنون) (٢).
وقولُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ سواه تَصْلُحُ له العبادةُ، فأَخْلِصوا له العبادةَ، وأَفرِدوه بالطاعةِ، ولا تُشْرِكوا به شيئًا.
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
يعنى بذلك: مالكُ العرشِ العظيمِ، الذي كلُّ عرشٍ وإن عظُم فدونَه، لا يُشبِهُه عرشُ مَلكةِ سبأٍ ولا غيرُه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: هذا كلُّه كلامُ الهدهدِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بنحوِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال سليمانُ للهدهدِ: سنَنْظُرُ فيما اعتذَرتَ به من العذرِ، واحتجَجتَ به من الحجةِ لغَيبتِك عنا، وفيما جئْتَنا به من الخبرِ، ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في ذلك كلِّه، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فيه ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.
فاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: اذهبْ بكتابي هذا، فألقِه إليهم، فانظُرْ ماذا يَرْجِعون، ثم تولَّ عنهم مُنصرِفًا إليَّ.
فقال: هو من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فأجابه سليمانُ؛ يعنى أجاب الهدهدَ لما فرَغ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾.
وانظُرْ ماذا يرجعون، ثم تولَّ عنهم منصرِفًا إليَّ.
وقال: وكانت لها كَوَّةٌ مستقبلةٌ الشمسَ، ساعةَ تَطْلُعُ الشمسُ تَطْلُعُ فيها فتَسْجُدُ لها، فجاء الهدهدُ حتى وقَع فيها فسدَّها، واستَبْطَأتِ الشمسَ فقامت تَنْظُرُ، فرمَى بالصحيفةِ إليها من تحتِ جناحِه، وطار حتى قامت تَنْظُرُ الشمسِ (١).
قال أبو جعفرٍ: فهذا القولُ من قولِ ابن زيدٍ يَدُلُّ على أن الهدهدَ تولَّى إلى سليمانَ راجعًا بعد إلقائِه الكتابَ، وأنَّ نظرَه إلى المرأةِ ما الذي تَرْجِعُ وتَفْعَلُ كان قبلَ إلقائِه كتابَ سليمانَ إليها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهَبْ بكتابي هذا فأَلْقِه إليهم ثم تولَّ عنهم، فكنْ قريبًا منهم، وانظُرْ ماذا يَرْجِعون.
قالوا: وفعَل الهدهدُ، وسمِع مراجعةَ المرأةِ أهلَ مملكتِها وقولَها لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وما بعدَ ذلك من مراجعة بعضِهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قولَه: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾.
أي: كُنْ قريبا، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ (١).
وهذا القولُ أَشْبَهُ بتأويل الآية؛ لأن مراجعةَ المرأةِ قومها كانت بعد أن أُلقى إليها الكتاب، ولم يَكُن الهدهد ليَنْصَرِفَ وقد أمر بأن يَنْظُرَ إلى مراجعة [القوم بينهم ما يتراجعونه] (٢)، قبل أن يَفْعَلَ ما أمره به سليمان.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: فذهَب الهدهدُ بكتاب سليمان إليها، فألقاه إليها، فلما قرأته قالت لقومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: كتب [سليمانُ؛ يعنى] (٣) مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن داود إلى بلقيس بنتِ ذى شرحٍ وقومها، أما بعد، فلا تَعْلُوا عليَّ، وأتونى مسلمين.
قال (٤): فأخَذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها، وكانت لها كَوَّةٌ في بيتِها، إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهدُ الكَوَّةَ فسدَّها بجناحَيْه، حتى ارتفعت الشمسُ ولم تَعْلَمْ، ثم أَلقَى الكتابَ من الكَوَّةِ، فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخَذَتْه (١).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادةَ، قال: بلغنى (٢) أنها امرأة يقال لها: بلقيس - أَحْسَبُه قَالَ: ابنةُ شَرَاحِيلَ - أحدُ أبويها من الجنِّ، مُؤَخَّرُ أحد قدميها كحافرِ الدابة، وكانت في بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائةٍ واثنى عشر، كل رجل منهم على عشرة آلافٍ، وكانت بأرض يقال لها: مأرِب.
من صنعاء على ثلاثة أيام، فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داودَ، كتب الكتابَ وبعث به مع الهدهدِ، فجاء الهدهد وقد غلَّقت الأبواب، وكانت تُغَلِّقُ أبوابها وتضعُ مفاتيحها تحتَ رأسها، فجاء الهدهد فدخل من كَوَّةٍ، فألقَى الصحيفة عليها (٣) فقرأتها، فإذا فيها: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾.
وكذلك كانت تكتُب الأنبياء لا تُطْنِبُ، إنما تَكْتُبُ جَمْلًا (٤).
قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: لم يَزِدْ سليمان على ما قصَّ الله في كتابه: [﴿إِنَّهُ]، ﴿وَإِنَّهُ﴾ (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ له فمضَى الهدهدُ بالكتاب حتى إذا حاذَى الملكةَ وهى على عرشها، ألقى إليها الكتاب (١).
وقوله: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ والملاُ: أشراف قومها.
يقول تعالى ذكرُه: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾.
واختلف أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم؛ فقال بعضُهم: وصفته بذلك لأنَّه كان مختومًا.
وقال آخرون: وصَفتْه بذلك لأنَّه كان من ملك، فوصفته بالكرم صاحبه.
وممن قال ذلك ابن زيدٍ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.
قال: هو كتاب سليمانَ حيثُ كتب إليها.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ كُسرت "إن" الأولى والثانية على الردِّ على ﴿إِنِّي﴾ من قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.
ومعنى الكلامِ: قالت: يأيُّها الملأُ، إنى أُلقِي إليَّ [من سليمانَ، وإنه] (٢).
وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾.
يقولُ: أُلْقى إليَّ كتابٌ كريمٌ: أَلَّا تعلوا عليّ.
ففى "أنْ" وجهانِ من العربية؛ إن جُعِلت بدلًا من "الكتابِ"، كانت رفعا بما رفع (١) به "الكتاب"، و (٢) بدلًا منه.
وإن جعل معنى الكلامِ: إني أُلقى إليَّ كتابٌ كريمٌ ألَّا تعلوا عليّ.
كانت نصبًا بتعلُّقِ "الكتاب" بها.
وعَنَى بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: ألَّا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: ألَّا تَمْتَنِعوا من الذي دعوتكم إليه، إن امتنعتم جاهدتكم، فقلت لابنِ زيدٍ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أَلَّا تتكبَّروا عليَّ؟
قال: نعم (٣).
قال: وقال ابن زيد: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: ذلك في كتاب سليمانَ إليها.
وقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
يقولُ: وأَقْبِلوا إليَّ مُذعنين للَّه بالوحدانية والطاعة.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: قالت ملكة سبأ لأشرافِ قومِها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾.
تقولُ: أشيرُوا عليَّ في أمرى الذي قد (٤) حضرني من أمر صاحب هذا الكتابِ الذي ألْقِيَ إليَّ.
فجعلت المشورة فُتيا.
وقوله: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: تقول: ما كُنْتُ قاضيةً أمرًا في ذلك حتى تَشْهَدونِ فَأُشاوِرَكم فيه.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: دعت قومها فشاورتهم (١): أيُّها المَلأُ ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾.
فقال: في الكلام: ما كنتُ لأقطع أمرًا دونك، ولا كنتُ لأقضِىَ أمرًا.
فلذلك قالت: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ بمعنى: قاضيةً.
وقوله: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
يقول تعالى ذكره: قال الملأُ من قوم ملكة سبأ إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان: نحن ذوو (٢) القوة على القتال، والبأس الشديد في الحرب (٣)، والأمر أيتها الملكةُ إليكِ في القتال وفي تركه، فانظُرِى من الرأي ما تَرَيْنَ، فَمُرِينا نَأْتِيرُ لأمرِكِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: عرضوا لها القتال، يُقاتِلون لها، والأمرُ إليكِ بعد هذا، فانظُرِى ماذا تَأْمُرين (٤).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان مع ملكةِ سبأ اثنا عشر ألفَ قَيْوِلٍ (١)، مع كلِّ قَيْوِلٍ مائة ألفٍ (٢).
حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس، قال: كان مع بِلقيسَ مائة ألفِ قَيْلٍ، مع كلِّ قَيْلٍ مائة ألفٍ (٣).
قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمشُ، قال: سمعتُ مجاهدا يقولُ: كانت تحتَ يد ملكة سبأ اثنا عشر ألفَ قَيْوِلٍ - والقَيْوِلُ بلسانهم الملك - تحتَ يد كلِّ ملِك مائة ألف مقاتل.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها إذ عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمانَ، إن أمرتهم بذلك -: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ عَنْوَةً وغَلَبَةً ﴿أَفْسَدُوهَا﴾.
يقولُ: خَرَّبوها، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ﴾؛ وذلك باستعبادِهم الأحرار واسترقاقهم إياهم.
وتناهى الخبرُ منها عن الملوكِ في هذا الموضع، فقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وكما قالت صاحبة سبأ، تَفْعَلُ الملوكُ إذا دخلوا قريةً عَنوَةً.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر في قوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَةً﴾.
قال أبو بكر: هذا عَنْوَةً.
حدثنا أبو هشام الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾.
قال: إذا دخَلوها عَنْوَةً خَرَّبوها (١).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾.
قال ابن عباس: يقولُ اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾.
ذكر أنها قالت: إنى مرسلةٌ إلى سليمان.
لتَخْتَبِرَه بذلك وتعرفَه به، أملكٌ هو أم نبيٌّ؟
وقالت: إن يَكُنْ نبيًّا لم يَقْبَلِ الهدية، ولم يُرْضِه منا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، وإن يَكُنْ مِلِكًا قَبِل الهدية وانصرَف.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قال: وبَعثت إليه بوصائف ووُصفاءَ، وألبستهم لباسًا واحدا، حتى لا يُعْرَفُ ذَكرٌ من أنثى.
فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ مِن الأُنثى، ثم ردَّ الهدية فإنه نبيٌّ، وينبغي لنا أن نَتْرُكَ مُلْكَنا ونَتَّبِعَ دِينَه ونَلْحَقَ به (١).
حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾.
قال: بجَوَارٍ لِباسُهُنَّ لباسُ العِلمانِ، وغِلمانٍ لباسُهم لباسُ الجَواري (٢).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾.
قال: مائتَيْ غلامٍ ومائتى جاريةٍ (٣).
قال ابن جُرَيجٍ، قال مجاهد قوله: ﴿وبِهَدِيَّةٍ﴾.
قال: جَوَارِ ألبَستهنَّ لباسَ الغِلْمَانِ، وغِلْمانٍ ألبستهم لباس الجوارى.
قال ابن جريج، قال: قالت: فإن خلَّص الجواريَ مِن الغلمان ورد الهديةَ، فإنه نبيٌّ، وينبغي لنا أن نَتَّبِعَه.
قال ابن جُرَيجٍ، قال مجاهدٌ: فخلَّص سليمان بعضهم من بعضٍ، ولم يَقْبَلْ هديَّتَها.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن ثابت البنانيِّ، قال: أهدَت له صفائحَ الذهب، في أوعية الدِّيباجِ، فلما بلغ ذلك سليمانَ، أمر الجنَّ فموّهوا له الآجرَّ بالذهبِ، ثم أمر به فأُلقى في الطريق، فلما جاءوا فرأوه مُلْقى، ما يُلْتَفتُ إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به (١).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ الآية.
وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما هِمَّتُه الدنيا فسنُرْضِيه، وإن كان إنما يُرِيدُ الدين، فلن يَقْبَلَ غيرَه: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةً إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: كانت بِلقيس امرأة لبيبةً أديبةً في بيتِ مُلْكٍ، لم [تَملكْ إلا لبقايا] (٢) مَن مَضى من أهلها، إنه قد سيست وساست حتى أَحْكَمَها ذلك، وكان دينها ودين قومها - فيما ذُكِر - الزِّنديقيةَ، فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كُتُبِ الملوكِ التي كانت قبلها، فبعثت إلى المَقاوِلةِ من أهل اليمن، فقالت لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾.
إلى قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
ثم قالت: إنه قد جاءني كتابٌ لم يَأْتِنى مثلُه من مَلِكٍ من الملوكِ قبلَه، فإن يَكُنِ الرجلُ نبيًّا مرسلًا، فلا طاقة لنا به ولا قوَّةَ، وإن يَكُنِ الرجلُ مَلِكًا يُكاثِرُ، فليس بأعزَّ منا ولا أعدَّ.
فهيَّأت هدايا مما تُهدى للملوك مما يضنُّون (١) به، فقالت: إن يَكُنْ ملِكًا فسيقبلُ الهدية ويرغب في المالِ، وإن يَكُنْ نبيًّا فليس له في الدنيا حاجة، وليس إياها يُرِيدُ، إنما يُرِيدُ أن نَدْخُلَ معه في دينه، ونَتَّبِعَه على أمرِه.
أو كما قالت (٢).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾: بَعَثَت بوصائف ووُصفاءَ، لباسهم لباس واحدٌ، فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ من الأنثى، ثم ردَّ الهدية، فهو نبيٌّ، ويَنْبَغى لنا أن نَتَّبِعَه، ونَدْخُلَ في دينه.
فزيَّل سليمان بين الغلمان والجوارى، وردَّ الهدية، فقال: ﴿أَتَمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُم﴾.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: كان في الهدايا التي بعَثت بها وصائفُ ووُصفاءُ يَخْتَلِفون في ثيابهم؛ ليميز الغلمان من الجوارى.
قال: فدعا بماء، فجعل الجوارى يَتَوضَّأْنَ مِن المِرْفَقِ إلى أسفل، وجعَل الغلمانُ يَتَوَضَّئُون من المِرفَقِ إلى فوقَ.
قال: وكان أبي يُحدِّثنا هذا الحديث.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾.
قال: أرسلت بلبنة من ذهبٍ، وقالت: إن كان يُرِيدُ الدنيا علِمْتُه، وإن كان يُرِيدُ الآخرة علِمْتُه (١).
وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: تقولُ: فَأَنْظُرُ بِأَيِّ شَيْءٍ مِن خبرِه وفِعلِه في هديتى التي أرسلها إليه يَرْجِعُ رُسُلى؟
أبقَبول وانصراف عنا، أم بردِّ الهديةِ والثباتِ على مطالبتنا باتباعه (٢) على دينه؟
وأُسقطت الألفُ من "ما" في قولِه: ﴿بِمَ﴾، وأصله "بما"؛ لأنَّ العرب إذا كانت "ما" بمعنى: "أيٍّ" ثم وصَلوها بحرف خافضٍ، أسقطوا ألفَها؛ تفريقا بينَ الاستفهام [وغيرِه] (٣)، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١﴾.
و: ﴿قَالُوا فيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء: ٩٧].
وربما أثبَتوا فيها الألفَ، كما قال الشاعر (٤): علامَا قام يَشْتُمُنا (٥) لئيمٌ … كخِنزِيرٍ تَمَرَّغ في رمادِ (٦) وقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم﴾.
وإنما أرسلت إلى سليمان وحده، على النحو الذي بينا في قوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ﴾ (٧) [يونس: ٨٣].
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتَمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾.
إن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾.
فجعَل الخبر في مجيء سليمان عن واحد، وقد قال قبلَ ذلك: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾؟
فإن كان الرسول كان واحدًا، فكيف قيل: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾؟
وإن كانوا جماعةً، فكيف قيل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾؟
قيل: هذا نظير ما قد بيَّنا قبل (١) من إظهار العرب الخبرَ في أمرٍ كان من واحدٍ، على وجه الخبر عن جماعةٍ، إذا لم يَقْصِد قَصْدَ الخبر عن شخص واحدٍ بعينه، مشارٍ إليه بعينه، فسُمِّي في الخبر.
وقد قيل: إن الرسول الذي وجهته ملكة سبأ إلى سليمان، كان [امرأةً واحدةً] (٢)، فلذلك قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾.
يُرادُ به: فلما جاء الرسول سليمانَ.
واستدلَّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول سليمانَ للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾.
وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (فلما جاءوا سليمانَ) على الجمع (٣)، وذلك للفظ قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
فصلح الجمعُ للفظ والتوحيد للمعنى.
وقوله: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾.
يقولُ: قال سليمان لما جاء الرسولُ مِن قِبَلِ المرأة بهداياها: أتمدُّونني بمالٍ؟
واختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ أهل المدينة: (أتُمِدونَنِي) بنونين وإثباتِ الياء.
وقرأه بعضُ الكوفيِّين مثل ذلك، غير أنه حذف الياءَ من آخِرِ ذلك، وكسر النونَ الأخيرةَ.
وقرأه بعضُ قرأةِ البصرة بنونين وإثباتِ الياء في الوصلِ وحَذْفِها في الوقفِ.
وقرأه بعضُ قرَأةِ الكوفة بتشديد النونِ وإثباتِ الياء (٤).
وكلُّ هذه القراءاتِ متقاربات، وجميعها صوابٌ؛ لأنها معروفة في لغاتِ العرب مشهورة في منطقها.
وقوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم﴾.
يقولُ: فما آتَانِيَ اللَّهُ من المالِ والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل.
﴿بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.
يقولُ: ما أفرح بهديتكم التي أَهْدَيْتُم إليَّ، بل أنتم تَفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم؛ لأنكم أهلُ مفاخرة بالدنيا ومكاثرةٍ بها، وليست الدنيا وأموالها من حاجتي؛ لأن الله تعالى ذكره قد مكَّنني منها، وملَّكنى فيها ما لم يُملك أحدًا.
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾.
وهذا قول سليمان لرسول المرأةِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾: لا طاقة لهم بها، ولا قدرةَ لهم على دَفْعِهم عما أرادوا منهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلمِ، عن والخيلُ وهبِ بن منبِّه، قال: لما أتتِ الهدايا سليمانَ، فيها الوصائفُ والوُصفاء، والخيل العِرابُ، وأصناف من أصناف الدنيا، قال للرسل الذين جاءوا به: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾؛ لأنَّه لا حاجةَ لي بهديتكم، وليس رأيى فيه كرأيكم، فارجعوا إليها بما جئتم به من عندِها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾ (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾.
قال: لا طاقةَ لهم بها (١).
وقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مَّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
يقولُ: ولتُخرِجَنَّ مَن أرسَلكم، من أرضهم أذلةً وهم صاغرون، إن لم يأتونى مسلمين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّه: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مَّنْهَا أَذِلَّةٌ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: أو لتَأْتِيَنى مسلمة هي وقومُها (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾.
اختلف أهل العلم في الحينِ (٣) الذي قال فيه سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: قال ذلك حينَ أتاه الهدهد بنبأ صاحبةِ سبأ وقال له: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
وأخبره أن لها عرضًا عظيما، فقال له سليمانُ ﵇: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧].
فكان اختبارُه صِدْقَه من كذبه بأن قال لهم: أيكم يَأتيني بعرش هذه المرأةِ قبل أن يأتونى مسلمين؟
وقالوا: إنما كتَب سليمانُ الكتابَ مع الهدهد إلى المرأة بعد ما صحَّ عندَه صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه، على ما وصفه به الهدهد.
قالوا: ولولا ذلك كان مُحالًا أن يَكْتُبَ معه كتابًا إلى مَن لا يَدْرى؛ هل هو في الدنيا أم لا؟
قالوا: وأُخرى، أنه لو كان كتب مع الهدهدِ كتابًا إلى المرأة قبلَ مجئ عرشها إليه وقبل عليه صدق الهدهد بذلك، لم يَكُنْ لقوله له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
معنًى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ (١) بخبره الثاني، من إبلاغه إياها الكتابَ، أو ترك إبلاغه إياها ذلك - إلا نحو الذي علم بخبره الأولِ حينَ قال له: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
قالوا: وإذ (٢) لم يكن في الكتاب معه (٣) امتحانُ صدقه من كذبه، وكان محالًا أن يقول نبيُّ الله قولا لا معنى له، وقد قال له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ - عُلم أن الذي امتحن به صدقَ الهدهد من كذبه، هو مصيرُ عرشِ المرأةِ إليه، على ما أخبره به الهدهد، الشاهد على صدقه، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن سليمانَ أُوتى مُلكًا، وكان لا يعلم أن أحدًا أُوتِيَ مُلكًا غيرَه، فلما فقد الهدهد سأَله: من أين جئتَ؟
ووعده وعيدًا شديدا بالقتل والعذابِ، قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
قال له سليمان: ما هذا النبأ؟
قال الهدهدُ: ﴿إنِّي وَجَدتُ امْرَأَةً﴾ بسبأ ﴿تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
فلما أخبَر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانًا، أنكر أن يَكُونَ لأحدٍ في الأرض سلطان غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنسِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾.
قال سليمان: أُريدُ أعجَلَ من ذلك.
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مَّنَ الْكِتَابِ﴾ وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتابِ فيه اسم الله الأكبرُ الذي إذا دُعِيَ به أجاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
فدعا بالاسم، وهو عنده قائمٌ، فاحتمل العرش احتمالا حتى وُضِع بين يدَى سليمانَ، والله صنَع ذلك، فلما أتى سليمان بالعرشِ وهم مشركون يَسْجُدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابًا ثم بعثه إليهم، حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتابَ ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ إلى: ﴿وَأتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
فقالت لقومها ما قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قال: وبعَثت إليه بوصائفَ ووُصفاءَ، وألبستهم لباسا واحدا، حتى لا يُعْرَفُ ذكر من أنثى، فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعْرِفَ الذكر من الأنثى، ثم ردَّ الهدية، فإنه نبى، ويَنْبَغى لنا أن نَتْرُكَ مُلْكَنا ونَتَّبِعَ دينَه ونَلْحَقَ به.
فردَّ سليمان الهدية وزيَّل بينَهم، فقال: هؤلاء غِلمان، وهؤلاء جَوَارٍ.
وقال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إلى آخر الآية (١).
حدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم﴾ الآية.
قال: فأنكر سليمان أن يكونَ لأحدٍ على الأرض سلطانٌ غيره، قال لمن حوله من الجن والإنس: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾ الآية.
وقال آخرون: بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب، وإنما سأَل مَن عنده إحضاره عرشَ المرأةِ بعدما خرجت رسلُها من عنده، وبعد أن أقبلت المرأة إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّهٍ قال: لما رجعت إليها الرسلُ بما قال سليمان، قالت: قد واللهِ عرَفتُ، ما هذا يملك، وما لنا به طاقةٌ، وما نَصْنَعُ بمكاثرتِه شيئًا.
وبعثت إليه: إني قادمةٌ عليك بملوك قومى حتى أَنْظُرَ ما أمرُك، وما تدعو إليه من دينك.
ثم أمرت بسرير مُلكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مُفَصَّصٍ بالياقوتِ والزَّبَرْجَدِ واللؤلؤ، فجُعِل في سبعة أبياتٍ، بعضُها في بعض، ثم أقفلت على (٢) الأبواب، وكانت إنما تخدمُها النساءُ، معها ستُّمائةِ امرأة تخدمها، ثم قالت لمن خلَّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكى، فلا يَخْلُصْ إليه أحدٌ من عبادِ اللَّهِ، ولا يَرَيَنَّه حتى آتيَك.
ثم شخَصت إلى سليمان في اثنى عشَرَ ألفَ قَيْل معها من ملوكِ اليمن، تحت يد كلِّ قَيْلٍ منهم أُلوفٌ كثيرةٌ، فجعل سليمانُ يَبْعَثُ الجنَّ فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كلّ يوم وليلةٍ، حتى إذا دنَت جمع من عنده من الجنِّ والإنسِ ممن تحت يده، فقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ (١).
وتأويل الكلامِ: قال سليمانُ لأشرافِ مَن حضره من جنده من الجنِّ والإنسِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾.
يعنى سريرها.
كما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾.
قال: سريرٌ في أريكةٍ (٢).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، قال: عرشها: سرير في أريكة.
قال ابن جريج: سريرٌ من ذهب، قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلمِ، عن وهب بن منبه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾: بسريرها.
وقال ابن زيد في ذلك ما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾.
قال: مجلسها (٣).
واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله خص سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها؛ فقال بعضُهم: إنما فعَل ذلك لأنَّه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشِى أن تُسْلِمَ فَيَحْرُمَ عليه مالها، فأراد أن يَأْخُذَ سريرَها ذلك قبلَ أَن يَحْرُمَ عليه أخذُه بإسلامِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: أخبرَ سليمان الهدهد أنها قد خرجت لتأتيه، وأُخبر بعرشها فأعجبه، كان من ذهبٍ، وقوائمه من جوهرٍ مُكلَّل باللؤلؤ، فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تَحِلَّ له (١) أموالهم، فقال للجنِّ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ (٢).
وقال آخرون: بل فعَل ذلك سليمانُ ليُعايِنَها (٣) به، ويَخْتَبِرَ به عقلَها: هل تُثْبِتُه إذا رأته أم تُنكِرُه؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: أعلم الله سليمان أنها ستَأْتِيه، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾.
حتى يعاينها] (٣)، وكانت الملوك يتعاينون (٤) بالعلم (٥).
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: قبل أن يأتونى مستسلمين طَوعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
يقولُ: طائعين (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتونى مسلمين الإسلام الذي هو دينُ الله.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾: بحرمة الإسلامِ، فيمنعَهم وأموالهم.
يعنى: الإسلام يمنعهم (٢).
قال أبو جعفر: وأَولَى الأقوال بالصوابِ في السبب الذي من أجله خصَّ سليمانُ بسؤالِه الملأ من جنده بإحضاره عرشَ هذه المرأةِ، دون سائرِ مُلْكِها عندنا؛ ليجعَلَ ذلك حجة عليها في نبوَّتِه، ويُعرِّفَها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه، أنها خلَّفته في بيتٍ في جوف أبياتٍ بعضُها في جوف بعض، مُغْلَقٍ مُقْفَل عليها (٣)، فأخرجه ذلك كلِّه بغيرِ فتح أغلاق وأقفالٍ، حتى أوصله إلى وليِّه من خلقه وسلَّمه من إليه، فكان لها في ذلك أعظم حجةٍ على حقيقة ما دعاها إليه سليمان، وعلى صدقِ سليمان فيما أعلمها من نبوّته.
فأما الذي هو أولى التأويلين في قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
بتأويله، قولُ ابن عباسٍ الذي ذكرناه قبلُ، من أن معناه: طائعين؛ لأن المرأة لم تأتِ سليمان إذ أتته مسلمةً، وإنما أسلمت بعدَ مَقْدَمِها عليه، وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة (١).
وقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مَّنَ الْجِنِّ﴾.
يقول تعالى ذكره: قال رئيسٌ من الجنِّ، مارد قويٌّ.
وللعرب فيه لغتان: عِفْرِيتٌ، وعِفرِيَةٌ؛ فمن قال: عِفْرِيَةٌ.
جمعه عَفارِىَ، ومن قال: عِفْرِيتٌ.
جمعه عَفَارِيتَ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهدٌ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾.
قال: ماردٌ من الجنِّ، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ (٢).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة وغيره مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن بعضِ أصحابه: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾.
قال: داهيةٌ (٣).
قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمانَ، عن شعيب الجبائيِّ (١)، قال: العِفريتُ الذي ذكره الله اسمه كوزن (٢).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهل العلم: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾: اسمه كوزنُ (٣).
وقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾.
يقول: أنا أتيك بعرشها قبل أن تقومَ من مَقعَدِك هذا.
وكان فيما ذُكر قاعدًا للقضاء بين الناس، فقال: أنا آتيك به قبلَ أن تقوم من مجلسك هذا الذي جلست فيه للحكم بين الناس.
وذكر أنه كان يَقْعُدُ إلى انتصاف النهار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله (٤).
قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة وغيره مثلَه.
قال: وكان يَقضى، قال: قبل أن تَقومَ من مجلسك الذي تَقْضِى فيه (٥).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: يعني مجلسه (١).
وقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾: على ما فيه من الجواهرِ، ولا أخونُ فيه.
وقد قيل: أمينٌ على فرج المرأة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾.
يقولُ: قوي على حمله، أمين على فَرْج هذه (٢).
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
يقول جل ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله، وكان رجلا فيما ذُكر من بني آدم، فقال بعضُهم: اسمُه بليخا (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن بشرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مَّنَ الْكِتَابِ﴾.
قال: كان اسمُه بليخًا (١).
حدَّثنا يحيى بن داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾: رجلٌ مِن الإِنسِ (٢).
حدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزارى، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾، قال: أنا أَنْظُرُ في كتاب ربِّي، ثم آتيك به ﴿قبلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال: فتكلَّم ذلك العالمُ بكلامٍ، دخل العرش تحتَ الأرضِ حتى خرج إليهم (٣).
حدثنا ابن عرفة، قال: ثني عمار (٤) بن محمد، عن عثمان بن مطر، عن الزهرى، قال: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كلَّ شيءٍ، إلها واحدًا، لا إلهَ إلَّا أنت، ائتنى بعرشها.
قال: فمثَل بين يديه (٥).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
قال: رجلٌ مِن بني آدمَ - أَحْسَبُه قال: من بنى إسرائيلَ - كان يَعْلَمُ اسمَ اللَّهِ الذي إذا دعى به أجاب (١).
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
قال: الاسم الذي إذا دُعِى به أجاب، وهو: يا ذا الجلال والإكرام (٢).
حدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: قال سليمان لمن حوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾.
فقال عِفريت: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾.
قال سليمانُ: أُريدُ أعجَلَ من ذلك.
فقال رجلٌ من الإنسِ ﴿عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
يعنى اسم الله الذي إذا دُعِى به أجاب (٣).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾: لا آتيك بغيرِه.
أقولُ: غيره؛ أُمَثِّلُه لك.
قال: وخرج يومئذ رجلٌ عابد في جزيرة من (٤) البحر، فلما سمع العفريت، قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال: ثم دعا باسم مِن أسماء الله، فإذا هو يُحمل بين عينيه (٥).
وقرأ: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.
حتى بلَغ: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال رجلٌ من الإنس.
قال: وقال مجاهد: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ علم اسم اللهِ.
وقال آخرون: الذي عنده علم من الكتاب كان آصَفَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال عفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾.
فزعموا أن سليمان بن داود قال: أَبْتَغِي أعجل من هذا.
فقال أصَفُ بن برخيا - وكان صِدِّيقًا يَعْلَمُ الاسم الأعظم الذي إذا دُعِى الله به أجاب، وإذا سُئل به أَعْطَى -: ﴿أَنَا﴾ يا نبى الله ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: أنا آتيك به قبل أن يَصِلَ إليك من كان منك على مدِّ بصرِك (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى إبراهيمُ، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال: من قبل أَن يَرْجِعَ إليك أقصى من ترى ..
فذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (١).
قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، قال: قال: غيرُ (٢) قتادة: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: قبل أن يَأْتيك الشخصُ من مدِّ البصرِ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يَبْلُغَ طرفُك مداه وغايته.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: تمدُّ عينيك، فلا ينتهى طرفك إلى مداه حتى أُمَثِّلَه بين يديك.
قال: ذلك أريدُ (٤).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أُخبرتُ أنه قال: ارفَعْ طَرْفَك من حيثُ يَجيءُ.
فلم يَرْجِعْ إِليه طَرْفُه حتى وضَع العرش بين يديه (٥).
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عطاء، عن مجاهد في قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال: مَدُّ بصره (٦).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قبل أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال: إذا مدَّ البصر حتى يُرَدَّ الطَّرْفُ خاسفًا (١).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال: إذا مدَّ البصر حتى يَحْسُرَ الطرفُ.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: قبل أن يَرْجِعَ إليك طرفك من أقصى أثرِه.
وذلك أن معنى قوله: ﴿يَرْتَدَّ إِلَيْكَ﴾: ترجع إليك، و (٢) البصر إذا فتحت العين غير راجعٍ، بل إنما يمتد ماضيًا إلى أن يتناهى ما امتَدَّ نورُه.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾.
لم يَكُنْ لنا أن نَقُولَ: [إنه قال] (٣): أنا آتيك به قبل أن يَرْتدَّ راجعا إليك طَرْفُك من عند منتهاه.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾.
يقولُ: فلما رأى سليمانُ عرش ملكةِ سبأ مستقرا عنده.
وفي الكلام متروك استغنى بدَلالة ما ظهر عما تُرِك، وهو: فدعا اللَّهَ فأُتى به فلما رآه سليمان مستقرًا عندَه.
وذكر أن العالمَ دعا الله، فغار العرش في المكان الذي كان به، ثم نبَع من تحت الأرض بين يدى سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: ذكروا أن آصف بن بَرْخيا توضَّأ، ثم ركع ركعتين، ثم قال: يا نبيَّ اللهِ، امدُدْ عينيك حتى ينتهى طَرْفُك.
فمدَّ سليمان عينيه يَنْظُرُ إليه نحو اليمنِ، ودعا أصفُ، فانخرق بالعرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يَدَى سليمانَ، فلما رآه سليمان مستقرا عنده قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُونِى﴾ الآية (١).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نبع عرشُها من تحتِ الأرضِ (٢).
وقوله: ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾.
يقول: هذا البصر والتمكُّن والملكُ والسلطانُ الذي أنا فيه، حتى حُمِل إليَّ عرشُ هذه في قدرِ ارتداد الطرف من مَأرِبَ إلى الشام - من فضل ربى الذي أفضَلَه عليَّ، وعطائه الذي جاد به عليَّ، ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾.
يقولُ: ليَخْتَبِرَني ويمتحننى، أَأَشْكُرُ ذلك من فضله (٣) عليَّ، أم أَكْفُرُ نعمته على بتركِ الشكر له.
وقد قيل: إن معناه: أأَشْكُرُ على عرش هذه المرأة إذ أُتيت به، أم أَكْفُرُ إذ رأيتُ من هو دوني في الدنيا أَعْلَمَ منى؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٌ، قال: أخبرني عطاء الخراسانيُّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ على السرير إذ أُتِيتُ به، ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ إِذ رَأَيْتُ مَن هو دوني في الدنيا أَعْلَمَ منى (١)؟
وقوله: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.
يقولُ: ومَن شكر نعمة الله عليه، وفضله عليه، فإنما يَشْكُرُ طلب نفع نفسِه؛ لأنَّه ليس يَنْفَعُ بذلك غير نفسه؛ لأنَّه لا حاجة الله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضًا منه لهم للنفع، لا لاجتلابٍ منه بشكرهم إياه نفعًا إلى نفسه، ولا دفعِ ضَرٍّ عنها.
﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
يقولُ: ومَن كفر نعمه وإحسانه إليه وفضله عليه، لنفسه، ظلم، وحظَّها بخَس، والله غنيٌّ عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضرُّه كفرُ مَن كفر به من خلقه، كريمٌ، ومن كرمه إفضاله على مَن يَكْفُرُ نِعمَه ويَجْعَلُها وُصْلةٌ يَتَوَصَّلُ بها إلى معاصيه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال سليمان لما أتَى عرشُ بِلْقِيسَ صاحبة سبأ، وقَدِمت هي عليه - لجندِه: غَيِّروا لهذه المرأة سريرها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾.
قال: غَيِّروا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: فلما أتته ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾.
قال: وتنكير العرش أنه زيد فيه ونقص (٢).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾.
قال: غَيِّروه (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾.
قال: مجلسها الذي تجلسُ فيه.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقول في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: أمرهم أن يزيدوا فيه وينقُصوا منه.
وقوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾.
يقولُ: نَنْظُرْ أَتَعْقِلُ فَتُثْبِتَ عرشها أنه هو الذي لها؟
﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: من الذين لا يعقلون، فلا تُثبتُ عرشها.
وقيل: إن سليمان إنما نكَّر لها عرشها وأمر بالصَّرْح أَن يُعْمَلَ لها؛ من أجل أنَّ الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها، وأن رجلها كحافرِ حمارٍ، فأراد أن يَعْرِفَ صحة ما قيل له من ذلك.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ قَالَ أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
قال: زِيد في عرشها ونُقص منه؛ ليَنْظُر إلى عقلها، فوجدت ثابتةَ العقل (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾: أَتَعْرِفُه؟
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾.
قال: تَعْرِفُهُ (٢)؟
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّهٍ: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أَي: أَتَعْقِلُ أَم تَكونُ من الذين لا يعقلون؟
ففعل ذلك ليَنْظُرَ أَتَعْرِفُه أم لا تَعْرِفُه؟
(٣).
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: فلما جاءت صاحبة سبأ سليمان أخرج لها عرشها، فقال لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟
قالت وشبَّهته به: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبهٍ، قال: لما انتهت إلى سليمان وكلَّمته أخرج لها عرشها، ثم قال: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
قال: شبهته، وكانت قد تركته خلفها (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: كان أبى يُحَدِّثُنا هذا الحديث كله، يعنى حديث سليمان وهذه المرأة: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾: شكَّت.
وقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾.
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل سليمان: وقال سليمانُ: وأوتينا العلم - من قبل هذه المرأة - بالله، وبقدرته على ما يشاءُ، وكنا مسلمين لله من قبلها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾.
قال: سليمان يقولُه (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: ومنع هذه المرأة صاحبة سبأ ما كانت تعبد من دونِ اللهِ، وذلك عبادتها الشمس، أن تَعْبُدَ الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: كفرُها بقضاء اللَّهِ غير الوثن (١)، أن تهتدى للحق (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
قال: كفرها بقضاء الله صدَّها أن تهتدى للحقِّ.
ولو قيل: معنى ذلك: وصدّها سليمانُ ما كانت تعبدُ مِن دونِ اللهِ.
بمعنى: منعها وحال بينها وبينه كان وجهًا حسنًا.
ولو قيل أيضًا: وصدَّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام.
كان أيضًا وجها صحيحًا.
وقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
يقول: إن هذه المرأة كانت كافرةً من قوم كافرين.
وكُسرت الألفُ من قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ على الابتداءِ.
ومن تأول قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ التأويل الذي تأوَّلنا، كانت ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾.
في موضع رفع بـ "الصد"؛ لأن المعنى فيه: لم يَصدُّها عن عبادة الله جهلُها وأنها لا تَعقِلُ، إنما صَدَّها عن عبادةِ اللَّهِ عبادتُها الشمس والقمر، وكان ذلك من دين قومها وآبائها، فاتبعت فيه آثارهم.
ومَن تأوَّله على الوجهين الآخرين، كانت ﴿مَا﴾ في موضع نصب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾.
ذُكر أن سليمان لما أقبلت (١) صاحبةُ سبأ تريدُه، أمر الشياطين (٢) فبنوا له صَرْحًا، وهو كهيئة السطح، من قوارير، وأجرى من تحته الماء؛ ليختبر عقلها بذلك وفهمها، على نحو الذي كانت فعلت هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاءَ، ليميز بين الذكور منهم والإناث، معاتبةً بذلك كذلك.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّهٍ، قال: أمر سليمانُ بالصَّرح، وقد عملته له الشياطينُ من زجاجٍ كأنه الماء بياضًا، ثم أرسل الماء تحته، ثم وُضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجنُّ والإنسُ، ثم قال: ادخُلى الصرح.
ليريها مُلكًا هو أعزُّ من ملكها، وسلطانًا هو أعظم من سلطانِها، ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لا تشكُّ أنه ماءٌ تخوضه، قيل لها: ادخُلى، ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾.
فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله، وعابها في عبادتها الشمس من (٣) دونِ اللهِ، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدًا إعظامًا لما قالت، وسجد معه الناسُ، وسُقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك، ماذا قلت؟
قال: وأُنسِيَتْ ما قالت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وأسلمت فحسُن إسلامها (٤).
وقيل: إن سليمان إنما أمر ببناء الصَّرْح على ما وصفه الله؛ لأن الجنَّ خافت من سليمان أن يتزوَّجها، فأرادوا أن يُزَهِّدوه فيها، فقالوا: إن رِجلَها رجلُ حمارٍ، وإن أمَّها كانت من الجنِّ.
فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجنُّ من ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ (١)، عن أبي معشرٍ، عن محمد بن كعبٍ القُرظيِّ، قال: قالت الجنُّ لسليمانَ تزهِّدُه في بلقيس: إن رِجلَها رِجلُ حمارٍ، وإن أمَّها كانت من الجنِّ.
فأمر سليمانُ بالصرح فعُمل، فسجن فيه دوابَّ البحر؛ الحيتان والضفادع، فلما بصُرَت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابًا يقتلُنى به إلا الغرق؟
فَحَسِبَتْهُ لُجَّةً، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها.
قال: فإذا (٢) أحسنُ الناس ساقًا وقدمًا.
قال: فضنَّ (٣) سليمانُ بساقها عن الموسى.
قال: فاتُّخِذَت النُّورَةُ (٤) بذلك السبب (٥).
وجائزٌ عندى أن يكون سليمانُ أمر باتخاذ الصرح للأمرين؛ الذي قاله وهبٌ، والذي قاله محمدُ بن كعب القُرَظيُّ؛ ليختبر عقلها، وينظر إلى ساقها وقدمها، ليعرف (٦) صحة ما قيل له فيها.
وكان مجاهدٌ يقولُ فيما ذُكر عنه في معنى "الصرح"، ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الصَّرْحَ﴾.
قال: بركةً من ماءٍ، ضرب عليها سليمانُ قوارير؛ ألبَسَها.
قال: وكانت بِلْقِيسُ هَلْباءَ (٧) شَعْراءَ، قدمُها كحافرِ الحمار، وكانت أمها جنِّيَّةٌ (٨).
حدَّثني أحمد بن الوليدِ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنى هشامُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن النضر بن أنسٍ، عن بشرِ بن نَهيكٍ، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "كان أحَدُ أَبَوَى صاحبةِ سَبأَ جِنِّيًّا" (١).
قال: ثنا صفوانُ بن صالحٍ، قال: ثنى الوليدُ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن بشير بن نهيكٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ.
ولم يذكر النضر بن أنسٍ (٢).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾.
يقولُ: فلما رأت المرأةُ الصَّرْحَ حسبته - لبياضه واضطراب دوابِّ الماءِ تحته - لجة بحرٍ، وكشَفَت عن ساقيها؛ لتخوضه إلى سليمان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾.
قال: وكان من قوارير، وكان الماءُ من خلفه، فحسبته لجةً (٣).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾.
قال: بحرًا.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا ابن سواءٍ (١)، قال: ثنا روحُ بنُ القاسمِ، عن عطاءِ بن السائب، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾: فإذا هما شعراوان، فقال: ألا شيءَ يُذْهب هذا؟
قالوا: الموسَى.
قال: لا، الموسَى له أثرٌ.
فأمر بالنُّورَةِ فصنعت (٢).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمران بن سليمان، عن عكرمة وأبى صالحٍ، قالا: لما تزوَّج سليمانُ بِلقيس قالت له: لم تَمسَّنى حديدةٌ قطُّ.
قال سليمانُ للشياطين: انظُروا ما يُذْهِبُ الشعرَ؟
قالوا: النُّورةُ.
فكان أوّلَ من صنع النُّورة (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال سليمانُ لها: إن هذا ليس ببحرٍ، ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ [مِنْ قَوَارِيرَ﴾] (٤).
يقول: إنما هو بناءٌ مبنيٌّ مُشيَّدٌ من قوارير.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: [﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ] (١) مُمَرَّدٌ﴾.
قال: مُشَيَّدٌ.
وقوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الآية.
يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ في عبادتى الشمس، وسجودى لما دونَك، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾.
تقولُ: وانقدتُ مع سليمانَ، مُذعِنةً للَّهِ بالتوحيدِ، مُفرِدةً له بالألوهة والربوبية، دون كلِّ من سواه.
وكان ابن زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾.
﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: فعرفت أنها قد غُلبت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا بأن (٢) اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا تجعلوا معه إلهًا غيره، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
يقولُ: فلما أتاهم صالحٌ داعيًا لهم إلى الله، صار قومه من ثمود فيما دعاهم إليه فريقين يَخْتَصِمون؛ ففريقٌ مصدِّقٌ صالحًا مؤمنٌ به، وفريق مكذِّبٌ به، كافرٌ بما جاء به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
قال: مؤمنٌ وكافرٌ؛ قولهم: صالحٌ مُرسَلٌ.
وقولُهم: صالحٌ ليس بمُرسَلٍ، ويعنى بقوله: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: يختلفون (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
قال: مؤمنٌ وكافرٌ (١).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لقومه: يا قوم، لأيِّ شيءٍ تستَعْجِلون بعذابِ اللهِ قبل الرحمةِ؟
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾.
قال: السيئةُ العذابُ، ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: قبل الرحمة (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
[قال: بالعذابِ] (١)، ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، قال: العافية (٢).
وقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
يقول: هلَّا تتوبون إلى الله من كفركم، فيَغْفِرَ لكم ربكم عظيمَ جُرمِكم، ويصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتُم من عظيم الخطيئة.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
يقول: ليرحمكم ربُّكم باستغفاركم إياه من كفركم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قالت ثمودُ لرسولها صالح: ﴿طَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾.
أي: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجَرْنا الطير، بأنا سيُصيبُنا [بك وبهم] (٣) المكارهُ والمصائبُ.
فأجابهم صالحٌ فقال لهم: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
أي: ما زجَرْتم من الطير لما يُصِيبُكم من المكاره عند الله علمُه، لا يُدْرَى أيُّ ذلك كائنٌ؛ أما تظنون من المصائب والمكاره، أم ما لا ترجُونه من العافية والرجاء والمحابِّ؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: مصائبكم (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ عن قتادة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: علمكم عندَ اللهِ (٢).
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.
يقولُ: بل أنتم قوم تختبرون (٣)، يختبِرُكم ربُّكم إذ أرسلنى إليكم؛ أَتُطيعونه فتعملون بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصُونه فتعملون (٤) بخلافه فيحِلَّ بكم عقابُه؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾.
يقول تعالى ذكره (٥): وكان في مدينة قوم (٦) صالحٍ، وهى حجر ثمود، تسعةُ أنفسٍ يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون.
وكان إفسادُهم في الأرضِ كُفرهم بالله ومعصيتهم إياه، وإنما خصَّ الله جلَّ ثناؤُه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يُفسدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون، وإن كان أهلُ الكفرِ كلُّهم [في الأرضِ] (١) مفسدين؛ لأن هؤلاء التسعة هم الذين سَعَوْا - فيما بلغنا - في عقر الناقة وتعاونوا (٢) عليه، وتحالفوا على قتل صالحٍ من بين قومهم (٣) ثمود.
وقد ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا (٤).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾.
قال: من قومِ صالحٍ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه:، عن ابن عباس قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: هم الذين عقروا الناقةَ، وقالوا حين عقروها: نُبَيِّتُ صالحًا وأهله فنقتُلُهم، ثم نقولُ لأولياء صالحٍ: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به علمٌ.
فدمَّرهم الله أجمعين (١).
وقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾.
يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعةُ الرهط الذين يُفْسِدون في أرضِ حِجْرِ ثمود ولا يُصلحون: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾: تحالفوا بالله: أيُّها القوم، ليحلف بعضُكم لبعضٍ: لنُبيِّتَنَّ (٢) صالحًا وأهله فلنقتُلَنَّه، ثم لنقولَنَّ لوليِّه (٣): ما شهدْنا مَهْلِكَ أَهلِه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾.
قال: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه، حتى هلكوا وقومُهم أجمعون (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.
ويتوجه قوله: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾.
إلى وجهين؛ أحدهما، النصب على وجه الخبر، كأنه قيل: قالوا مُتقاسمين.
وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (ولا يُصْلِحون، تقاسموا بالله) (١).
وليس فيها ﴿قَالُوا﴾.
فذلك من قراءته يَدلُّ على وجه النصب في ﴿تَقَاسَمُوا﴾، على ما وصفتُ.
والوجه الآخرُ، الجزم (٢).
كأنهم قال بعضُهم لبعض: أَقسموا بالله.
فعلى هذا الوجه الثاني تَصْلُحُ قراءة (٣): ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالتاء والنونِ؛ لأن القائل لهم: تقاسموا.
وإن كان هو الآمر، فهو في من أقسم، كما يقالُ في الكلام انهضوا بنا نَمضِ إلى فلانٍ.
وانهضوا تمضُوا (٤) إليه.
وعلى الوجه الأول الذي هو وجهُ النصب، القراءة فيه بالنون أفصحُ؛ لأن معناه: قالوا متقاسمين: لَنُبَيِّتنَّه.
وقد تجوز الياءُ على هذا الوجه، كما يقالُ في الكلام: قالوا: لنُكرِمَنَّ أباك، ولَيُكرِمُنَّ (٥) أباك.
وبالنونِ قرأ ذلك قرأةُ المدينة وعامة قرأةِ البصرة وبعضُ الكوفيِّين.
وأما الأغلب على قرأةِ أهل الكوفة، فقراءتُه بالتاءِ وضمِّ التاءين جميعًا.
وأما بعضُ المكيِّين فقرأه بالياء (٦).
وأعجبُ القراءاتِ في ذلك إليَّ النونُ؛ لأن ذلك أفصحُ الكلام على (٧) الوجهين اللَّذين بيَّنتُ من النصب والجزم، وإن كان كل ذلك صحيحًا غير فاسدٍ؛ لما وصفتُ، وأكرهُها إليَّ [القراءة بها] (٨) الياءُ؛ لقلة قارئ ذلك كذلك وقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾.
قال: ليُبَيِّتُنَّ (١) صالحًا، ثم يَفْتِكوا (٢) به.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: قال التسعةُ الذين عقروا الناقةَ: هلمَّ فلنَقْتُلْ صالحًا، فإن كان صادقًا - يعنى فيما وعدهم من العذابِ بعد الثلاثِ - عَجَّلْناه قبلَه، وإن كان كاذبًا، نكون قد ألحقناه بناقتِه.
فأتوه ليلًا ليُبَيِّتوه في أهلِه، فدمغتهم (٣) الملائكةُ بالحجارة، فلما أبطَئوا (٤) على أصحابهم، أتوا منزِلَ صالحٍ، فوجدوهم مُشَدَّخين (٥) قد رُضِخوا (٦) بالحجارة (٧).
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: [نقولُ لوليِّه: إنا لصادِقون] (٨) أنَّا ما شهدنا مَهْلِكَ أهلِه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وغدَر هؤلاء التسعةُ الرهط الذين يُفسدون في الأرض بصالح، بمصيرهم (٩) إليه ليلًا ليقتلوه وأهله، وصالحٌ لا يَشْعُرُ بذلك، ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾.
يقولُ: فأَخَذْناهم بعقوبتِنا إياهم، وتعجيلنا للعذاب لهم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا.
وقد بيَّنا فيما مضى معنى مكْرِ الله بمن مكر به، وما وجهُ ذلك، وأنه أَخْذُه من أخذه منهم على غِرَّةٍ، أو استدراجه من استدرج منهم على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غِرَّةٍ وغفلةٍ (١).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: المكرُ غَدرُ، والغَدرُ كفرٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾.
قال: احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم مكروا بصالح مكرًا، ومكرنا بهم مكرًا، وهم لا يشعرون بمكرنا، وشعرنا بمكرهم، قالوا: زعَم صالحٌ أنه يَفْرُغُ منا إلى ثلاثٍ، فنحن نَفْرُغُ منه وأهله قبل ثلاثٍ.
وكان مسجدٌ له في الحجر في شِعْبٍ ثَمَّ يُصَلِّي فيه، فخرجوا إلى كهفٍ، وقالوا: إذا جاء يُصَلِّي قتَلْناه، ثم رجَعْنا إذا فرَغْنا منه إلى أهله ففرَغْنا منهم.
وقرأ قولَ الله ﵎: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
فبعث الله صخرةً من الهَضْبِ (٢) حِيالَهم، فخَشُوا أَن تَشْدَخَهم، فبادروا الغار (٣)، فطَبَّقت (٤) الصخرةُ عليهم فم ذلك الغارِ، فلا يَدْرِى قومُهم أين هم، ولا يدرُون ما فُعِل بقومِهم، فعذَّب الله ﵎ هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾.
قال: فسلَّط الله عليهم صخرةً فقتلتهم (٢).
وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾.
يقول تعالى ذكره: فانظُر يا محمدُ بعين قلبك [إلى عاقبة غَدْرِ ثمود بنبيِّهم صالحٍ] (٣)، كيف كانت؟
وما الذي أورثها اعتداؤُهم وطغيانهم وتكذيبهم؟
فإن ذلك سُنتُنا في من كذَّب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلقِ، فَحَذِّرْ قومك من قريشٍ أن ينالهم بتكذيبهم إياك ما نال ثمود بتكذيبهم صالحًا من المَثُلاتِ (٤).
وقوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
يقولُ: أنا دمَّرنا التسعة الرهط الذين يُفسدون في الأرضِ من قومِ صالحٍ وقومهم من ثمود أجمعين، فلم تُبق منهم أحدًا.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿أَنَّا﴾؛ فقرأ بكسرها عامةُ قرأَةِ الحجاز والبصرة على الابتداء، وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾.
بفتح الألف (٥).
وإذا فُتحت كان في ﴿أَنَّا﴾ وجهان من الإعراب؛ أحدهما، الرفعُ على ردِّها على "العاقبة"، على الإتباع لها.
والآخرُ، النصبُ على الردِّ على موضع ﴿كَيْفَ﴾؛ لأنها في موضع نصبٍ إن شئت، وإن شئت على تكرير ﴿كَانَ﴾ عليها، على وجه: فانظُرْ كيف كان عاقبةُ مكرهم؟
كان عاقبةُ مكرهم تدميرنا إياهم.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يُقال: إنهما قراءتانِ مشهورتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: فتلك مساكنُهم خاويةً خاليةً منهم، ليس فيها منهم أحدٌ، قد أهلكهم الله فأبادهم، ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾.
يقولُ: بظلمهم أنفسهم، بشركهم بالله وتكذيبهم رسولهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمدُ من القصة، لَعِظَةً لمن يَعْلَمُ فِعلَنا ما فعلنا، من قومك الذين يُكَذِّبونك فيما جئتهم به من عند ربِّك، وعبرةً، ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
يقولُ: وأنجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحلَلْناه بثمود، رسولنا صالحًا والمؤمنين به، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
يقولُ: وكانوا يَتَّقون بإيمانهم وبتصديقهم صالحًا، الذي حلَّ بقومهم من ثمود، ما حلَّ بهم من عذاب الله، فكذلك نُنْجِيك يا محمد تُبَاعَك (١) عندَ إحلالنا عقوبتنا بمُشرِكى قومِك من بين أظهرهم.
وذُكِر أن صالحًا لما أحل الله بقومه ما أحلَّ، خرج هو والمؤمنون به إلى الشامِ، فنزل رملة فلسطين.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وأرسلنا لوطًا إلى قومه، إذ قال لهم: يا قومِ، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشةٌ؛ لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحدٌ؟
وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾.
[يقولُ: أئنَّكم لتأتون الرجال شهوة] (١) منكم بذلك من دونِ (٢) فروج النساء التي أباحَها الله لكم بالنكاح!
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
يقول: ما [ذلك منكم إلا أنكم] (٣) قومٌ سفهاءُ جهلةٌ بعظم (٤) حقِّ الله عليكم، فخالفتم لذلك أمره، وعصيتم رسوله.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فلم يَكُنْ لقوم لوط جوابٌ له، إذ نهاهم عما أمره (٥) الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قيلُ بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
عما نَفْعَلُه نحن من إتيانِ الذُّكْرانِ في أدبارهم.
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: سَمِعْتُ الحسن بن عُمارة يَذْكُرُ عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن (١).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
قال: مِن أدبار الرجال وأدبار النساء؛ استهزاءً بهم (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: يَتَطَهَّرون من أدبار الرجال والنساءِ؛ استهزاء بهم، يقولون ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
قال: عابوهم بغير عيبٍ، أي: إنهم يَتَطَهَّرون من أعمالِ السُّوءِ (٣).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: فأنجينا لوطًا وأهله سوى امرأته من عذابنا، حينَ أحْلَلْناه بهم، ثمَّ ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾.
يقول: فإنَّ امرأته قدَّرناها: جعَلْناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الباقين، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾.
وهو إمطارُ الله عليهم من السماء حجارةً من سِجِّيلٍ، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
يقولُ: فساء ذلك المطرُ مطرُ القوم الذين أنذرهم الله عقابه، على معصيتهم إياه، وخوَّفهم بأسه، بإرسال الرسول إليهم بذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: قل يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه علينا، وتوفيقه إيَّانا لما وفَّقنا من الهداية، ﴿وَسَلَامٌ﴾.
يقولُ: وأَمَنَةٌ منه من عقابِه الذي عاقب به قوم لوطٍ (١) وصالح (٢).
الذين اصطفاهم.
يقولُ: الذين اجتباهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه، دونَ المشركين به، الجاحدين نُبوَّةَ نبيِّه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ - يعنى ابنَ غَنَّامٍ (٣) - عن ابن ظُهَيرٍ (٤)، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.
قال: أصحاب محمدٍ، اصْطَفاهم الله لنبيه (٥).
حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بن المبارك: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.
مَن هؤلاء؟
فحدَّثنى عن سفيان الثوريِّ، قال: هم أصحاب رسول الله ﷺ (١).
وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالهم من قومك، فهم يَعْمَهُون: الله الذي أنعم على أوليائه هذه النِّعم التي قصَّها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذابِ التي ذكرها لكم فيها - خيرٌ، أمَّا تُشْرِكون من أوثانكم التي لا تَنْفَعُكم ولا تَضُرُّكم، ولا تَدْفَعُ عن أنفسها ولا عن أوليائها سُوءًا، ولا تجلبُ إليها ولا إليهم (٢) نفعًا.
يقولُ: إِنَّ هذا الأمر ما (٣) يُشكلُ على مَن له عقلٌ، فكيف تَسْتَجِيزون أنْ تُشْرِكوا عبادةَ مَن لا نفع عنده لكم، ولا دفع ضرٍّ عنكم في عبادة من بيده النفعُ والضرُّ، وله كل شيءٍ.
ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديدَ نعمه عليهم وأياديه عندهم، وتعريفهم بقلة شكرهم إياه، على ما أولاهم من ذلك، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره للمشركين به من قريش: أعبادةُ ما تَعْبُدون مِن أوثانكم التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، خيرٌ أم عبادةُ من خلق السماوات والأرضَ؟
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعنى: مطرًا.
وقد يجوزُ أن يكونَ مُريدًا به العيونَ التي فجرها في الأرضِ؛ لأن كلَّ ذلك من خلقِه، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾.
يعنى: بالماءِ الذي أُنزل من السماءِ ﴿حَدَائِقَ﴾.
وهى جمعُ حديقةٍ، والحديقةُ البُستانُ عليه حائطٌ مُحَوَّطٌ، وإن لم يَكُن عليه حائطٌ لم يَكُن حديقةً.
وقوله: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
يقولُ: ذات منظرٍ حسنٍ.
وقيل: ﴿ذَاتَ﴾ كله بالتوحيد.
وقد قيل: ﴿حَدَائِقَ﴾.
كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضى (١).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
قال: البهجة الفُقَّاحُ (٢) مما يأكلُ الناسُ والأنعامُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
قال: مِن كلِّ شيءٍ يأكله (٤) الناسُ والأنعامُ.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: أنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الحدائق، إذ (١) لم يَكُن لكم - لولا أنه أنزل عليكم الماء من السماء - طاقةٌ أن تُنْبِتُوا شجر هذه الحدائق، ولم تكونوا قادرين على إنبات (٢) ذلك؛ لأنه لا يصلُحُ ذلك إلا بالماء.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: أمعبودٌ مع اللهِ أَيُّها الجَهَلَةُ خلق ذلك، وأنزلَ مِن السماءِ الماء فأنبت به لكم الحدائق؟
فقوله: ﴿أَإِلَهٌ﴾ مردودٌ على تأويل: أمع الله إلهٌ؟
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضُلَّالٌ، يَعْدِلون عن الحقِّ، ويَجُورُون (٣) عليه على عَمْدٍ منهم لذلك، مع علمهم بأنهم على خطأ وضلالٍ، ولم يعدلوا عن جهلٍ منهم بأنَّ مَن لا يقدرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ خيرٌ ممن خلق السماوات والأرضَ، وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عَدَلوا على علمٍ منهم ومعرفة؛ اقتفاءً منهم سُنَّةَ مَن مضى قبلهم من آبائهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أعبادةُ ما تُشْرِكون أيُّها الناسُ بربِّكم خيرٌ، وهو لا يضُرُّ ولا ينفعُ، أم الذي جعَل الأرضَ لكم قرارًا تَسْتقرون عليها لا تميدُ بكم؟
﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾.
يقولُ: بينها (١) أنهارًا، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ وهى ثوابت الجبالِ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾: بين العذبِ والمِلْحِ، أن يُفْسِدَ أحدُهما صاحبه، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
[يقولُ: أإلهٌ مع الله] (٢) سواه فعل هذه الأشياءَ، فأشْرَكتُموه في عبادتكم إيَّاه؟
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: بل أكثرُ هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْرَ عَظَمَةِ اللهِ، وما عليهم مِن الضرِّ في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادِهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كلِّ معبود سواه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: أما تُشركون بالله خيرٌ، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشفُ السُّوءَ (٣) النازل به عنه؟
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
قال: الضُّرَّ (٤).
وقولُه: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ويستخلِفُ بعد أُمرائكم في الأرض منكم خُلَفَاءَ أحياءً يخلفونهم.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: أإله مع الله سواه يفعلُ هذه الأشياء بكم، ويُنْعِمُ عليكم هذه النِّعم؟
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: تَذَكُّرًا (١) قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم، تذكَّرون وتَعْتَبِرون حُجَجَ الله عليكم يسيرًا، فلذلك أشْرَكتُم بالله غيره في عبادته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (٢) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: أمّا تُشركون بالله خيرٌ، أم الذي يَهْدِيكُم في ظُلُماتِ البَرِّ والبحر إذا أضْلَلْتُم (٣) فيهما الطريق، فأظلمت عليكم السُّبُلُ فيهما؟
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: وظُلمات (٤) البرِّ: ضَلالةُ الطريقِ، والبحرِ: ضَلالةُ طريقه، وموجُه، وما يكونُ فيه (٥).
قولُه: (ومَن يُرْسِلُ الرياحَ نُشْرًا بينَ يَدَى رَحْمَتِهِ).
يقولُ: والذي يرسلُ الرياحَ نُشْرًا لِمَوَتانِ الأرض، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
يعنى: قدَّام الغيث الذي يُحْيِى مَواتَ الأَرضِ.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إلهٌ مع الله سوى الله يفعلُ بكم شيئًا من ذلك فتعبُدوه مِن دونِه، أو تُشْرِكوه في عبادتِكم إياه؟
﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾.
يقولُ: للهِ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ عن شركِكم الذي تشركون به، وعبادتكم معه ما تعبدون.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: أما تُشْرِكون أيُّها القومُ خيرٌ، أم الذي يبدأُ الخلق ثم يُعِيدُه، فيُنْشِئَه من غيرِ أصلٍ، ويَبْتَدِعَه (١) ثم يُفْنِيَه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يُفْنيه، والذي يرزقكم من السماء والأرضِ، فيُنْزِلَ مِن هذه الغيثَ، ويُنْبِتَ مِن هذه النبات لأقواتِكم وأقواتِ أَنْعامِكم، أإلهٌ مع الله سوى الله يفعل ذلك؟
وإن زعموا أن إلهًا غير الله يفعل ذلك أو (٢) شيئًا منه، فقل لهم يا محمدُ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
أي: حُجَّتكم على أن شيئًا سوى الله يفعل ذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
و"من" التي في ﴿أَمَّنْ﴾ [و "ما"] (٣) مبتدأٌ، في (٤) قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والآياتُ بعدها إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
بمعنى "الذي"، لا بمعنى الاستفهام؛ وذلك أن الاستفهام لا يدخلُ على الاستفهام.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿(٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمةٌ؟
لا يعلمُ مَن في السماوات والأرض الغيب الذي قد استأثر الله بعلمه وحَجَب عنه خلقه - غيرُه، والساعةُ من ذلك، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
يقول: وما يدرى من في السماواتِ والأرض من خلقه، متى هم مبعوثون مِن قُبُورِهم لقيام الساعة؟
وقد حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن زَعَم أنه يُخْبِرُ الناسَ بما يكون في غدٍ، فقد أعظم على الله الفِرْيَةَ، والله يقولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١).
واختلف أهل العربية في وَجْهِ رفعِ ﴿اللَّهُ﴾؛ فقال بعض البصريِّين: هو (٢) كما تقولُ (٣): ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
وفي حرف ابن مسعودٍ: (قليلًا) (٤) بدلًا من الأوَّلِ؛ لأنك نَفَيْتَه عنه، وجعلته للآخرِ.
وقال بعض الكوفيِّين (٥): إن شئتَ أن تَتَوَهَّم في ﴿مَنْ﴾ المجهول، فتكونَ معطوفة على (٦): قُلْ لا يعلم أحدٌ الغيب إلا الله.
قال: ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ معرفةً، ونزَل (١) ما بعدَ ﴿إِلَّا﴾ عليه، فيكونَ عَطْفًا، ولا يكونَ بدلًا؛ لأن الأوَّلَ مَنْفِيٌّ، والثانيَ مُثْبَتٌ، فيكونَ في النَّسَقِ، كما تقولُ: قامَ زيدٌ إلا عمرٌو.
فيكونُ الثاني عطفًا على الأوَّلِ، والتأويلُ جَحْدٌ، ولا يكونُ أن يكونَ الخبرُ جَحْدًا، أو (٢) الجحدُ خبرًا.
قال: وكذلك ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
و (قليلًا).
مَن نَصَب فعلى الاستثناءِ في (٣) عبادتِكم إيَّاه، ومَن رفَع فعلى العطفِ، ولا يكونُ (٤) بدلًا (٥).
وقولُه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ سِوى أبى جعفرٍ وعامةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسر اللامِ مِن ﴿بَلِ﴾، وتَشْدِيدِ الدالِ مِن ﴿ادَّارَكَ﴾ (٦)، بمعنى: بل تَدارَكَ علمُهم.
أي: تتابع علمُهم بالآخرةِ، هل هي كائنةٌ أم لا؟
ثم أُدغمت التاءُ في الدالِ، كما قيل: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨].
وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (٧).
وقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ مكةَ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (٨).
بسكونِ الدالِ وفتحِ الألفِ، بمعنى: هل أدْرَك علمُهم علمَ الآخرةِ.
وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يُنكِرُ - فيما ذُكر عنه - قراءةَ مَن قرَأ: (بَلْ أَدْرَكَ) (٩) ويقولُ: إن "بل" إيجابٌ، والاستفهامُ في هذا الموضعِ إنكارٌ.
ومعنى الكلام إذا قُرِئ كذلك: (بل آدْرَكَ): لم يَكُنْ ذلك، لم يُدْرِكْ علمُهم في الآخرةِ.
وبالاستفهامِ قرَأ ذلك ابن مُحَيْصِنٍ على الوجهِ الذي ذكرتُ أن أبا عمرٍو أنكَره.
وبنحوِ الذي ذَكَرتُ عن المكيِّين أنهم قرءوه، ذُكر عن مجاهدٍ أنه قَرأه، غيرَ أنه كان يقرأُ في موضعِ "بل": (أم).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ موسى، قال: ثنا عثمانُ (١) بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (أَمْ أَدْرَكَ عِلْمُهم) (٢).
وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرؤُه (٣) بإثباتِ ياءٍ في "بل" ثم يبتدئُ: (أدّارك)؟
بفتحِ ألفِها، على وجهِ الاستفهامِ، وتشديدِ الدالِ (٤).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ([بلَى أدَّارَكَ] (٥) عِلْمُهم في الآخِرَةِ) أي: لم يُدرك (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (بَلَى أَدَّارَكَ علْمُهم في الآخرةِ) إنما هو استفهامٌ أنه لم يُدْرِكْ.
وكأن ابنَ عباسٍ وجَّه ذلك إلى أن مَخْرَجَه مَخرجَ الاستهزاءِ بالمكذِّبين بالبعثِ.
والصوابُ مِن القراءاتِ عندَنا في ذلك القراءتان اللتان ذكَرتُ إحداهما عن قرأَةِ أهلِ مكةِ والبصرةِ، وهى: (بَلْ أَدْرَكَ علمُهم) بسكونِ لامِ "بل" وفتحِ ألفِ "أدْرَك" وتخفيف دالِها.
والأخرى منهما عن قرأةِ الكوفةِ، وهى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسرِ اللامِ وتشديدِ الدال مِن ﴿ادَّارَكَ﴾؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندَنا، فأما القراءةُ التي ذكرتُ عن ابن عباسٍ، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعرابِ، فخلافٌ لِما عليه مصاحفُ المسلمين، وذلك أن في "بلى" زيادةً ياءٍ في قراءتِه (١) ليست في المصاحفِ، وهى مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحدٌ مِن قرأة الأمصار، وأما القراءةُ التي ذكرتُ عن ابن مُحَيْصِنٍ، فإن الذي قال فيها أبو عمرٍو قولٌ صحيحٌ؛ لأن العربَ تُحَقِّقُ بـ "بل" ما بعدَها لا تَنْفِيه، والاستفهامُ في هذا الموضعِ إنكارٌ لا إثباتٌ، وذلك أن الله قد أخبرَ عن المشركين أنهم مِن الساعةِ في شَكٍّ، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: بل أدرَك علمُهم في الآخرةِ، فأيْقَنوها إذ عايَنوها، حينَ لم ينفعْهم يقينُهم بها، إذْ كانوا بها في الدنيا مُكَذِّبين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ: (بل أَدْرَكَ عِلْمُهم).
قال: بصرُهم في الآخرةِ حينَ لم ينفعْهم العلمُ والبصرُ (١).
وقال آخرون: بل معناه: بل غابَ علمُهم في الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرةِ).
يقولُ: غابَ علمُهم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (٣) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
قال: يقولُ: ضَلَّ علمُهم في الآخرةِ، فليس لهم فيها علمٌ (٤)، هم منها عَمُون.
وقال آخرون: معنى ذلك: لم يَبْلُغْ لهم فيها علمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جَدِّى، قال: ثنا الحسينُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
قال: كان يقرؤُها: (بل أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرةِ).
قال: لم يبلُغْ لهم فيها علمٌ، ولا يَصِلُ إليها منهم رغبةٌ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَك: أم أدْرَك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (بل أدْرَكَ عِلْمُهُم).
قال: أم أدْرَك (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن مجاهدٍ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ) قال: أم أدرَك علمُهم؟
مِن أين يُدْرِكُ علمُهم؟
(٣) حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريَجٍ، عن مجاهدٍ بنحوهِ.
قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ، على قراءةِ مَن قرَأ: (بَلْ أَدْرَكَ).
القولُ الذي ذكَرناه عن عطاءٍ الخُرساني، عن ابن عباسٍ، وهو أن معناه إذا قُرِئ كذلك: بل (٤) وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون، بل أدرَك علمهم نفسَ وقتِ ذلك في الآخرةِ، حينَ يُبْعَثُون، فلا ينفعُهم علمهم به حينَئِذٍ، فأما في الدنيا فإنهم منها في شكٍّ، بل هم منها عَمُون.
وإنما قلتُ: هذا القولُ أُولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ، على القراءةِ التي ذَكَرتُ؛ لأن ذلك أظهرُ معانِيه.
وإذ (١) كان ذلك معناه، كان في الكلامِ محذوفٌ قد اسْتُغْنِيَ بدلالةِ ما ظهَر منه عنه.
وذلك أن معنى الكلامِ: وما يَشعُرون أيَّانَ يُبعثون، بل يَشعُرون ذلك في الآخرة، فالكلامُ إذا كان ذلك معناه: وما يشعرُون أيَّان يُبْعَثون، بل أدرَك علمُهم ذلك (٢) في الآخرةِ، بل هم في الدنيا في شكٍّ منها.
وأمَّا على قراءةِ مَن قرَأه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾.
بكسرِ اللامِ وتشديدِ الدالِ، فالقولُ الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى "بل": أم.
والعربُ تَضَعُ "أم" موضعَ بل"، وموضعَ "بل" "أم".
إذا كان في أول الكلام استفهامٌ، كما قال الشاعرُ (٣): فواللهِ ما أَدْرِى أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ … أم النومُ أم كلٌّ إلى حَبِيبُ يعنى بذلك: بل كلٌّ إلى حبيبٌ.
فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وما يشعُرون أيَّانَ يُبْعَثون، بل تَدارَك علمُهم في الآخرةِ.
بمعنى: تَتابَع علمُهم في الآخرةِ.
أي: بعلمٍ الآخرةِ.
أي: لم يَتَابَعْ بذلك ولم يعلَموه، بل غابَ علمُهم عنه، وضَلَّ فلم يَبْلُغوه ولم يُدْرِكوه.
وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾.
يقولُ: بل هؤلاء المُشرِكون الذين يَسْأَلُونك عن الساعةِ في شكٍّ مِن قيامِها، لا يُوقنون بها ولا يُصَدِّقون بأنهم مَبْعوثون من بعدِ الموتِ، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
يقولُ: بل هم مِن العلمِ بقيامِها عَمُون.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين كفَروا باللهِ: أئنا لمُخْرَجون مِن قبورِنا أحياءً كهَيْئتِنا، مِن بعدِ مَماتِنا، بعدَ أن كُنَّا فيها ترابًا قد بَلِينا؟
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ: لقد وُعِدْنا هذا مِن قبلِ محمدٍ؛ واعِدون وعَدوا ذلك آباءَنا، فلم نَرَ لذلك حقيقةً، ولم نَتَبَيَّنْ له صحةً، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
يقولُ: قالوا: ما هذا الوعدُ إلا ما سَطَّر الأولون من الأكاذيب في كُتُبِهم، فأثْبَتوه فيها وتحدَّثوا به، مِن غيرِ أن يكونَ له صحةٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المُكذِّبين ما جئتَهم به مِن الأنباءِ مِن عندِ ربِّك: سِيروا في الأرضِ، فانظُروا إلى ديارِ مَن كان قبلكم مِن المُكذِّبين رسلَ اللهِ ومساكنِهم، كيف هي؟
ألم يُخْرِبُها الله، ويُهْلِكُ أهلها بتَكْذيبِهم رُسُلَهم، ورَدِّهم عليهم نصائحَهم، فخَلَتْ منهم الديارُ، وتَعَفَّت (١) منهم الرسومُ والآثارُ، فإن ذلك كان عاقبةَ إجْرامِهم، وذلك سُنَّةُ ربِّكم في كلِّ مَن سلَك سبيلَهم، في تَكْذيبِ رُسُلِ ربِّهم، واللهُ فاعلٌ ذلك بكم إن أنتم لم تُبادِروا الإنابةَ مِن كفرِكم، وتَكذيبِكم رسولَ ربِّكم.
وقولُه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تحزنْ على إدْبارِ هؤلاء المشركين عنك، وتَكْذيبِهم لك، ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
يقولُ: ولا يَضِقُ صدرُك مِن مَكْرِهم بك، فإن الله ناصرك عليهم، ومُهْلِكُهم قَتْلًا بالسيفِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ويقولُ مُشْرِكو قومك يا محمدُ، المُكَذِّبوك فيما أتيتَهم به من عند ربِّك: متى يكونُ هذا الوعدُ الذي تعِدُناه مِن العذابِ الذي هو بِنا فيما تقولُ حالٌّ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تَعِدونَنا به؟
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾.
يقولُ ﷻ: قلْ لهم يا محمدُ: عسى أن يكونَ اقتَرب لكم ودَنا ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ مِن عذابِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾.
يقولُ: اقتَرب لكم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
يقولُ: اقْتَرَب لكم بعضُ الذي تَسْتَعْجِلون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾.
قال: ﴿رَدِفَ﴾: أعْجَل لكم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
قال: أزِفَ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾: اقْتَرب لكم (٢).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ اللامِ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾.
وكلامُ العربِ المعروفُ: ردِفه أمرٌ، وأرْدفه.
كما يقالُ: تبِعه وأتْبَعه؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: أدْخل اللامَ في ذلك، فأضاف بها الفعلَ، كما يقالُ: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
و ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
وقال بعضُ نحويى الكوفةِ (٣): أدْخَل اللامَ في ذلك للمعنى؛ لأن معناه: دنا لهم.
كما قال الشاعرُ: * فقلتُ لها الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفتى * فأدْخَل الياءَ في "يَطْرَحْنَ"، وإنما يقالُ: طرَحَتْه؛ لأن معنى الطرحِ الرميُ، فأدْخَل الياءَ للمعنى، إذ كان معني ذلك: يَرْمِين بالفتى.
وهذا القولُ الثاني هو أوْلاهما عندى بالصوابِ، وقد مضَى البيانُ عن نظائرِه في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ، بما أغْنَى عن تِكرارِه في هذا الموضعِ (٤).
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
قال: مِن العذابِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن ربَّك يا محمدُ لذو فضلٍ على الناسِ، بتركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على معصيتِهم إياه وكفرِهم به، وذو إحسانٍ إليهم، في ذلك وفي غيرِه من نعمِه عندَهم، ولكن أكثرَهم لا يَشْكُرونه على ذلك؛ مِن إحسانِه وفضله عليهم، فيُخلصوا له العبادةَ، ولكنهم يُشْرِكون معه في العبادةِ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، ومَن لا فضلَ له عندَهم ولا إحسانَ.
وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
يقولُ: وإِن رَبَّك لَيعْلمُ ضمائرَ صدورِ خلقِه، ومكنونَ أنفسِهم، وخَفِيَّ أسرارِهم، وعلانيةَ أمورِهم الظاهرةِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، وهو مُحْصِيها عليهم، حتى يُجازِىَ جميعَهم بالإحسانِ إحسانًا، وبالإساءةِ جزاءَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾.
قال: السرَّ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما مِن مكتومِ سرٍّ، وخفيِّ أمرٍ، يَغِيبُ عن أبصارِ الناظرين في السماءِ والأرضِ، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
وهو أمُّ الكتابِ الذي أثْبَت ربُّنا فيه كلَّ ما هو كائنٌ مِن لَدُنِ ابْتَدَأ خلْقَ خلقِه إلى يومِ القيامةِ.
ويعنى بقولِه: ﴿مُبِينٍ﴾.
أنه يَبِينُ لمن نظَر إليه وقرَأه ما فيه مما أثْبَت فيه ربُّنا جلَّ ثناؤُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: ما مِن شيءٍ في السماءِ والأرضِ؛ سرٌّ ولا علانيةٌ، إلا يَعْلَمُه (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ الذي أنْزَلْتُه إليك يا محمدُ، يَقُصُّ على بني إسرائيلَ الحقَّ في أكثرِ الأشياءِ التي اخْتَلَفوا فيها، وذلك كالذى اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِ عيسى؛ فقالتِ اليهودُ فيه ما قالت، وقالتِ النصارى فيه ما قالت، وتبَرَّ لاختلافِهم فيه هؤلاء مِن هؤلاء، وهؤلاء مِن هؤلاء، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ التي اخْتَلَفوا فيها.
فقال جلَّ ثناؤُه لهم: إن هذا القرآنَ يَقُصُّ عليكم الحقَّ فيما اخْتَلَفْتُم (١)، فاتَّبِعُوه، وأقِرُّوا لما فيه؛ فإنه يَقُصُّ عليكم بالحقِّ، ويَهْدِيكم إلى سبيلِ الرَّشادِ.
القولَ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ ﴿لَهُدًى﴾.
يقولُ: لَبيانٌ مِن اللهِ، بَيَّنَ به الحقَّ فيما اخْتَلَف فيه خلقُه مِن أمورِ دينِهم، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: ورحمةٌ لمن صدَّق به وعمِل بما فيه، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ: إن ربَّكَ يَقْضِى بينَ المختلِفين مِن بني إسرائيلَ ﴿بِحُكْمِهِ﴾، فيهم، فيَنْتَقِمُ مِن المُبْطِلِ منهم، ويُجازِى المحسنَ منهم المحِقَّ (٢) بجزائِه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
يقولُ: وربُّك العزيزُ في انتقامِه مِن المُبْطِلِ منهم ومِن غيرِهم، لا يَقْدِرُ أحدٌ على منعِه مِن الانتقامِ منه إذا انْتَقَم، العليمُ بالمحقِّ المحسنِ من هؤلاء المختلِفين مِن بني إسرائيلَ فيما اخْتَلَفوا فيه، ومِن غيرِهم، مِن المُبطِلِ الضالِّ عن الهدى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ففَوِّضْ إلى اللهِ يا محمدُ أمورَك، وثِقْ به فيها؛ فإنه كافِيك، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ لمن تأمَّله وفكَّر (٣) فيه بعقلٍّ، وتدَبَّره بفهمٍ، أنه الحقُّ دونَ ما عليه اليهودُ والنصارى المختلفون مِن بني إسرائيلَ، ودونَ ما عليه أهلُ الأوثانِ المُكَذِّبوك فيما أتَيْتَهم به مِن الحقِّ.
يقولُ: فلا يَحْزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخِلافُ مَن خالَفك، وامْضِ لأمرِ ربِّك الذي بعَثَك به.
وقولُه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
يقولُ: إنك يا محمدٌ لا تَقْدِرُ أن تُفْهِمَ الحقَّ مَن طبَع اللهُ على قلبِه فأماته؛ لأن الله قد ختَم عليه ألا يَفْهَمَه، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
يقولُ: ولا تَقْدِرُ أن تُسْمِعَ ذلك مَن أصَمَّ اللهُ عن سماعِه سَمْعَه، ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
يقولُ: إذا هم أدْبَروا مُعْرِضِين عنه، لا يَسْمَعون له؛ لغَلَبَةِ دِينِ الكفرِ على قلوبِهم، ولا يُصغون للحقِّ ولا يَتَدَبَّرونه، ولا يُنْصِتون لقائلِه، ولكنهم يُعْرِضون عنه، ويُنكِرون القولَ به والاستماعَ له.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.
اختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي﴾.
بالباءِ والألفِ، وإضافتِه إلى ﴿الْعُمْيِ﴾ (١) بمعنى: لستَ يا محمدُ بهادِى مَن عمِى عن الحقِّ عن ضلالتِه.
وقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفِة: (وما أنت تَهْدِى العُمْيَ).
بالتاءِ.
ونصبِ "العُمْى" (٢) بمعنى: ولسْتَ تَهْدِيهم عن ضلالتِهم، ولكنَّ الله يَهْدِيهم إن شاء (٣).
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وتأويلُ الكلامِ ما وصَفْتُ: وما أنت يا محمدُ بهادى مَن أعْماه اللهُ عن الهدى والرشادِ، فجعَل على بَصَرِه غِشاوةً عن (١) أن يَتَبيَّنَ سبيل الرشادِ عن ضلالته التي هو فيها، إلى طريقِ الرشادِ وسبيلِ الرشادِ.
وقولُه: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
يقولُ: ما تَقْدِرُ أَن تُفْهِمَ الحقَّ وتوعيَه سَمْعَ (١) أحدٍ، إلا سَمْعَ مَن يُصَدِّقُ ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
يعنى: بأدلتِه وحججِه وآيِ تنزيلِه، ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
فإن أولئك يَسْمَعون.
منك ما تقولُ ويَتَدَبَّرونه، ويُفَكِّرون (٢) فيه، ويَعْمَلُون به، فهم الذين يَسْمَعون.
ذكرُ مَن قال مثلَ الذي قلنا في قولِه تعالى: ﴿وَقَعَ﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾.
قال: حَقَّ عليهم (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: إذا وجَب القولُ عليهم (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾.
قال: حقَّ العذابُ.
قال ابن جريجٍ: القولُ: العذابُ.
ذكرُ مَن قال قولَنا في معنى ﴿الْقَوْلُ﴾ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: والقولُ: الغَضبُ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن حفصةَ، قالت: سألتُ أبا العاليةِ عن قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾.
فقال: أَوْحَى اللهُ إلى نوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن.
قالت (٢): فكأنما كان على وجهى غطاءٌ فكُشِف (٣).
وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: خروجُ هذه الدابةِ التي ذكَرَها حينَ لا يَأْمُرُ النَّاسُ بمعروفٍ ولا يَنْهَوْن عن منكر.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عمرَ في قولِه (٤): ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: هو حينَ لا يَأْمُرون بمعروفٍ، ولا يَنْهَوْن عن منكرٍ (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ الحسنِ أبو الحسنِ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: ذاك إذا تُرِك الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾.
قال: حينَ لا يَأْمُرون بالمعروفِ ولا يَنْهَوْن عن المنكرِ.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو المقدسيُّ، قال: ثنا أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾.
قال: إذا لم يَعْرفوا معروفًا ولم يُنْكِروا منكرًا.
وذُكِر أن الأرضَ التي تَخْرُجُ منها الدابةُ مكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ، قال: تَخْرُجُ الدابةُ مِن صَدْعٍ في الصفا كجَرْيِ الفرسِ ثلاثةَ أيامٍ، وما خرَج ثلثُها (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن الفُرَاتِ القَزَّازِ، عن عامرِ بن واثلةَ (٢) أبي الطُّفَيلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ (٣) الغِفاريِّ قال: إن الدابةَ حينَ تَخْرُجُ يَراها بعضُ الناسِ فيقولون: واللهِ لقد رأيْنا الدابةَ.
حتى يَبْلُغَ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبَ فلا يَقْدِرَ على شيءٍ.
قال: ثم تَخْرُجُ فيراها الناسُ، فيقولون: والله لقد رأيْناها، فيَبْلُغُ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبُ فلا يَرَى شيئًا، فيقولُ: أما إنى [إن أخذتُ] (٤) الذي يَذْكُرُها.
قال: حتى يَعِدَ فيها القتلَ، قال: فتَخْرُجُ، فإذا رأها الناسُ دخَلوا المسجدَ يُصَلُّون، فتجيءُ إليهم فتقولُ: الآن تُصَلُّون!
فتَخْطِمُ الكافرَ، وتَمْسَحُ على جبين المسلمِ غُرَّةً.
قال: فيَعِيشُ الناسُ زمانًا، يقول هذا: يا مؤمنُ، ويقولُ (٥) هذا: يا كافرُ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ مطرٍ، عن واصلٍ مولى أبي عُيَيْنَةَ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ، وأبو (٧) سفيانَ، ثنا عن معمرٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾.
قال: للدابة ثلاثُ خَرَجاتٍ؛ خرْجةٌ في بعضِ البَوادِى ثم تَكْمُنُ، وخَرْجةٌ في بعضِ القُرَى، حتى (١) يُهَرِيقَ فيها الأمراءُ الدماءَ، ثم تَكْمُنُ، فبينا الناسُ عندَ أشرفِ (٢) المساجدِ وأعظمِها وأفضلِها، إذ ارْتَفَعَت بهم الأرضُ، فانْطَلَق الناسُ هُرَّابًا، وتَبَقَّى طائفةٌ مِن المؤمنين، ويقولون: إنه لا يُنْجِينا مِن اللهِ شيءٌ.
فتَخْرُجُ عليهم الدابةُ تَجْلُو وجوهَهم مثلَ الكوكبِ الدُّرِّيِّ، ثم تَنْطَلِقُ فلا يُدْرِكُها طالبٌ، ولا يَفوتُها هاربٌ، وتأْتى الرجلَ يُصَلِّي فتقولُ: واللهِ ما كنتَ من أهلِ الصلاةِ.
فيَلْتَفِتُ إليها فتَخْطِمُه، قال: تَجْلو وجهَ المؤمنِ، وتَخْطِمُ الكافرَ.
قلنا: فما للناسِ يومَئذٍ؟
قال: جِيرانٌ في الرِّباعِ، وشركاءُ في الأموالِ، وأصحابٌ في الأسْفارِ (٣).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ (٤)، عن الوليدِ بن جُمَيْعٍ، عن عبدِ الملكِ (٥) بن المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بن البَيْلمانيِّ، عن ابن عمرَ: يَبِيتُ الناسُ يَسِيرون إلى جَمْعٍ (٦)، وتبيتُ دابةُ الأرضِ تُسايرُهم، فيُصبحون وقد خَطَمَتْهم مِن رأسِها وذَنَبِها، فما مِن (١) مؤمنٍ إلا مَسَحَتْه، ولا مِن كافرٍ ولا منافقٍ إلا تَخْبِطُه (٢).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الجُرَيْرِيُّ (٣)، عن حَيَّانَ بن عُمَيرٍ، عن حسانَ بن حِمَّصَةَ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو (٤) يقولُ: لو شئتُ لانْتَعَلْتُ بنَعْلَيَّ هاتين، فلم أمَسَّ الأرضَ قاعدًا حتى أقِفَ على الأحْجارِ التي تخرُجُ الدابةُ مِن بينِها، ولكأني بها قد خرَجَت في عَقِبِ رَكْبٍ مِن الحاجِّ، قال: فما حَجَجْتُ قَطُّ إِلا خِفْتُ تخرُجُ بِعَقِبِنا (٥).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو، وكان منزلُه قريبًا مِن الصَّفا، رفَع قَدَمَهُ وهو قائمٌ، وقال: لو شئتُ لم أضَعُها حتى أضَعَها على المكانِ الذي تخرُجُ منه الدابةُ.
حدَّثنا عصام بن روادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوْرِيُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المُعْتَمِر، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ (٦)، قال: سمعتُ حُذيفةَ ابنَ اليَمانِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ، يقولُ (١) وذكَر الدابةَ، فقال حُذَيفةُ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، مِن أين تخرُجُ؟
قال: "مِن أعظمِ المساجدِ حرمةً على اللهِ، بينَما عيسى يَطُوفُ بالبيتِ ومعه المسلمون، إذ تضطرِبُ الأرضُ تحتَهم، تُحَرِّكُ القِنْديلَ، ويَنْشَقُّ الصَّفا مما يَلِى المَسْعَى، وتخرجُ الدَّابةُ مِن الصَّفا، أولَ ما يَبْدُو رأسُها مُلَمَّعَةً ذاتَ وَبَرٍ ورِيشٍ، لن (٢) يُدْرِكَها طالبٌ، ولن (٣) يَفُوتَها هارِبٌ، تَسِمُ الناسَ؛ مؤمنٌ وكافرٌ، أما المؤمنُ فتتركُ وَجْهَه كأنه كوكبٌ دُرَّيٌّ، وتكتبُ بينَ عينَيه: مؤمنٌ (٤)، وأما الكافرُ فتَنْكُتُ بينَ عينَيه نُكْتَةً سوداءَ: كافرٌ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الحسينِ، عن حمادِ بن سَلَمةَ، عن عليّ بن زيدِ بن جُدْعَانَ، عن أوسِ بن خالدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "تخرُجُ الدَّابَّةُ معها خاتمُ سليمانَ، وعَصا موسى، فتَجْلُو وَجْهَ المؤمِنِ بالعصَا، وتَخْتِمُ (٦) أنْفَ الكافرِ بالخاتمِ، حتى إن أهلَ البيتِ ليَجْتَمِعون، فيقولُ هذا: يا مؤمنُ.
ويقولُ هذا: يا كافرُ" (٧).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: هي دابةٌ ذاتُ زَغَبٍ وريشٍ، ولها أربعُ قوائمَ، تخرُجُ مِن بعضِ أوْديةِ تِهامَةَ (١).
قال: و (٢) قال عبدُ اللِه بنُ عمرَ: إنها تَنْكُتُ في وَجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سوداءَ، فتَفْشُو في وَجْهِه، فيَسْوَدُّ وَجْهُه، وتَنْكُتُ في وَجْهِ المؤمنِ نُكْتةً بيضاءَ، فتَفْشُو في وَجْهِه، حتى يَبْيَضَّ وجهُه، فيجلِسُ أهلُ البيتِ على المائدةِ، فيعرِفون المؤمنَ مِن الكافرِ، ويَتبايَعون في الأسواقِ، فيعرِفون المؤمنَ مِن الكافرِ (٣).
حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ (٤) البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ ويحيى بنُ أيوبَ، قالا: ثنا ابن الهادِ، عن عمرَ (٥) بن الحكمِ، أنه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو يقولُ: تخرجُ الدابةُ مِن شِعْبٍ، فيَمَسُّ رأسُها السَّحابَ، ورِجْلاها في الأرضِ ما خرَجَتا، فتَمُرُّ بالإنسانِ يصلِّى، فتقولُ: ما الصلاةُ مِن حاجتِك.
فتَخْطِمُه (٦).
حدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ عياضٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، أنه بلَغه عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: تخرجُ دابةُ الأرضِ ومعها خاتمُ سليمانَ، وعصا موسى، فأما الكافرُ فتَخْتِمُ بينَ عينَيه بخاتمِ سليمانَ، وأما المؤمنُ فتَمْسَحُ وجْهَه بعَصا موسى فيَبيضُّ.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بضَمِّ التاءِ وتشديدِ اللامِ، بمعنى: تُخبرُهم وتحدِّثُهم.
وقرَأه أبو زُرْعةَ بنُ عمرٍو: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بفتحِ التاءِ وتخفيفِ اللامِ، بمعنى: تَسِمُهم (١).
والقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾.
قال: تحدِّثُهم (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾: وهى في بعض القراءةِ: (تحدِّثُهم أن الناسَ كانوا بآياتِنا لا يوقِنون) (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾.
قال: كلامُها: (تُنَبَّئُهم أن الناس كانوا بآياتِنا لا يُوقِنون) (١).
وقولُه: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
اختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ والشامِ: (إِنَّ النَّاسَ) بكسرِ الألفِ مِن "إن" (٢) على وَجْهِ الابتداءِ بالخبرِ عن الناسِ أنهم كانوا بآياتِ اللهِ لا يُوقِنُون.
وهى وإن كُسرت في قراءةِ هؤلاء، فإن الكلامَ لها مُتَناوِلٌ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة وبعضُ أهل البصرة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا﴾ بفتحِ ﴿أَنَّ﴾ (٣).
بمعنى: تُكلِّمُهم بأن الناسَ.
فيكونُ حينَئذٍ نصبًا بوقوعِ الكلامِ عليها.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قِراءتان (٤) مُتقارِبتا المعنى، مُسْتفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ (٥).
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ نَجْمَعُ مِن كلِّ قرنٍ وملةٍ ﴿فَوْجًا﴾.
يعنى: جماعةً منهم وزُمْرةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾.
يقولُ: ممَّن يُكَذِّبُ بأدلتِنا وحُجَجِنا، فهو يَحْبِسُ أوَّلَهم على آخرِهم؛ ليَجْتَمِعَ جميعُهم، ثم يُساقُون إلى النارِ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
يعنى: الشِّيعةَ عندَ الحشْرِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾.
قال: زُمرةً (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾.
قال: زُمرةً زُمرةً، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال: يقولُ: فهم يُدْفَعون (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال: يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخرِهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال: وَزَعةٌ تَرُدُّ أُولَاهم على أُخْرَاهم (١) وقد بَيَّنْتُ معنى قولِه: ﴿يُوزَعُونَ﴾.
فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: حتى إذا جاء مِن كلِّ أمةٍ فوجٌ ممن يُكذِّبُ بآياتِنا، فاجْتَمَعوا، قال اللهُ لهم (٣): ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ أي: بحُجَجِى وأدِلَّتى، ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾.
يقولُ: ولم تَعْرِفوها حقَّ مَعْرِفتِها، ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيها (٤)؛ مِن تكذيبٍ أو تصديقٍ؟
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَب السَّخَطُ والغَضَبُ مِن اللهِ على المكذِّبين بآياتِه ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾.
يَعْنى: بتَكْذيبِهم بآياتِ اللهِ، يومَ يُحْشَرون، ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾.
يقولُ: فهم لا يَنْطِقون بحُجَّةٍ يَدْفَعون بها عن أنفسِهم عظيمَ ما حلَّ بهم، ووقَع عليهم مِن القولِ.
وقولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يرَ هؤلاء المكذِّبون بآياتِنا تَصْرِيفَنا الليلَ والنهارَ، ومُخالَفَتنا بينَهما؛ بتصْييرِنا هذا سَكَنًا لهم يَسْكُنون فيه ويَهْدَءُون، لراحةِ (١) أبدانِهم مِن تَعَبِ التصرُّفِ والتقلُّبِ نهارًا، وهذا مُضِيئًا يُبْصِرون فيه الأشياءَ ويُعاينونها، فيتَقلَّبون فيه لمعايشِهم، فيتَفَكَّروا في ذلك ويَتَدبَّروا، ويَعْلَموا أن مُصَرِّفَ ذلك كذلك هو الإلهُ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ، ولا يَتَعذَّرُ عليه إماتةُ الأحياءِ، وإحياءُ الأمواتِ بعدَ المماتِ، كما لم يتَعذَّرْ عليه الذَّهابُ بالنهارِ والمَجيءُ بالليلِ، والمَجئُ بالنهارِ والذَّهابُ بالليلِ، مع اختلافِ أحْوالِهما، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تَصْييرِنا الليلَ سَكنًا والنهارَ مُبْصِرًا، لدَلالةً لقومٍ يُؤمنون باللهِ، على قدرتِه على ما آمنوا به مِن البَعْثِ بعدَ الموتِ، وحجةً لهم على توحيدِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
وقد ذكَرْنا اختلافَهم فيما مضى، وبيَّنا الصوابَ مِنَ القولِ في ذلك عندَنا بشَواهدِه (٢)، غيرَ أنَّا نَذْكرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم يُذْكرْ هناك من الأخبارِ؛ فقال بعضُهم: هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه.
ذِكْرُ بعضِ مَن لمْ يُذْكرْ فيما مضَى قبلُ من الخبرِ عن ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
قال: كهيئةِ البُوقِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الصُّورُ البُوقُ.
قال: هو البوقُ، صاحبُه آخذٌ به، يَقْبِضُ قَبْضَتَينْ بكَفَّيْه على طَرَفِ القرنِ، بينَ طرَفِه وبينَ فِيهِ قَدْرُ قَبْضَةٍ (٢) أو نحوها، قد برَك على رُكْبَةِ إحدى رجليْه، فأشار، فبرَك على رُكْبةِ يَسارِه مُقْعِيًا على قَدَمِهَا، عَقِبُها تحتَ فَخِذِه وألْيَتِه، وأطرافُ أصابِعِها في الترابِ (٣).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: الصُّورُ كهيئةِ القَرْنِ، قد حَجَن (٤) إحدى رُكْبَتَيْه إلى السماءِ، وخفَض الأخرى، لم يُلقِ جفونَ عَينيْه (٥) على غُمْضٍ (٦) منذُ خلَق اللهُ السماواتِ، مَسْتعِدًا مُسْتَجِدًّا، قد وضَع الصُّورَ على فِيهِ يَنْتَظُرُ متى يُؤْمَرُ أَن يَنْفُخَ فِيه.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن (٧) رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن زيادٍ - قال أبو جعفرٍ: والصوابُ يزيدُ بنُ أبي زيادٍ - عن محمدِ بن كعبٍ القُرَضَى، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أنه قال لرسولِ الله ﷺ: يا رسولَ اللهِ، ما الصُّورُ؟
قال: "قَرْنٌ".
قال: وكيف هو؟
قال: "قرنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثلاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى، نَفْحَةُ الفَزَعِ، والثانيةُ، نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ، نَفْخةُ القيامِ للهِ ربِّ العالمين، يَأْمُرُ الله إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الفَزَعِ.
فيَنْفُخُ نفخةَ الفَزَعِ، فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ، إلا مَن شاء اللهُ، ويَأْمُرُه اللهُ فيَمُدُّ بها ويُطَوَّلُها، فلا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥].
فيُسَيرُ اللهُ الجبالَ، فتكونُ سرَابًا، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلِها رَجًّا، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨].
فتكونُ الأرضُ كالسفينةِ المُوثقَةِ في البحرِ، تَضْرِبُها الأمواجُ، تَكَفَّأُ بأهلِها، أو كالقِنْديلِ المُعَلَّقِ بالوَتَرِ، تَرَجَّحُه الأرْياحُ، فتَمِيدُ الناسُ على ظهرِها، فتَذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَواملُ، وتَشِيبُ الوِلْدانُ، وتَطيرُ الشياطينُ هاربةً، حتى تَأْتىَ الأقْطارَ، فتَتَلَقَّاها الملائكةُ، فتَضْرِبُ، وجوهَها، فتَرْجِعُ، ويُوَلِّي الناسُ مُدْبِرين، يُنادِى بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣].
فبينَما هم على ذلك إذ تصَدَّعَتِ الأرضُ مِن قُطْرِ إلى قُطْرٍ، فرَأَوْا أمرًا عظيمًا، فأخَذَهم لذلك مِن الكربِ ما اللهُ أعلمُ به، ثم نظَروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهْلِ، ثم خُسِف شمسُها وقمرُها، وانْتَثَرَتْ نُجُومُها، ثم كُشِطَت عنهم".
قال رسولُ اللهِ ﷺ: "والأمواتُ لا يَعْلَمون بشيءٍ مِن ذلك".
فقال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، فمَن اسْتَثْنَى اللهُ حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟
قال: "أولئك الشهداءُ، وإنما يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحياءِ، أولئك أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وقاهم اللهُ فَزَعَ ذلك اليومِ وآمَنهم، وهو عذابُ اللهِ يَبْعَثُه على شِرارِ خلقِه" (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ] (١)، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ رافعٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن الله ﵎ لما فرَغ مِن السماواتِ والأرضِ خلق الصُّورَ، فأعْطاه مَلَكًا، فهو واضعُه على فِيه، شاخصٌ ببصرهِ إلى العرشِ يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ".
قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟
قال: "قرنٌ".
قال: قلتُ: فكيف هو؟
قال: "عظيمٌ، والذي نفسي بيدِه، إن عِظَمَ دائرةٍ فيه (٢) لكعرضِ السماواتِ والأرضِ، يَأْمُرُه فَيَنْفُخُ نفخةَ الفزعِ، فيَفْرَعُ أهلُ السماواتِ والأرضِ إلا منَ شاء اللهُ" (٣).
ثم ذَكَر (٤) باقيَ الحديثِ نحو حديثِ أبي كُرَيْبٍ، عن المُحارِبيِّ، غيرَ أنه قال في حديثِه: "كالسفينةِ المُرْفَأةِ في البحرِ".
وقال آخرون: [بل معنى ذلك: ونُفِخ في صورِ الخلْقِ] (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
أي: في الخلْقِ (٦).
قولُه: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يقولُ: ففزِع مَن في السماواتِ من الملائكةِ، ومَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ والشياطينِ، مِن هَوْلِ ما يُعاينون ذلك اليومَ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَفَزِعَ﴾، فجعل "فزِع"، وهى "فَعَل" مردودةً على ﴿يُنْفَخُ﴾، وهى "يَفْعَلُ"؟
قيل: العربُ تَفْعَلُ ذلك في المواضعِ التي تَصْلُحُ فيها "إذا"؛ لأن "إذا" يَصْلُحُ معها "فعل" و"يَفْعَلُ"، كقولِك: أزُورُك إذا زُرْتَنى.
و: أَزُورُكَ إِذا تَزُورُني.
فإذا وُضِع مكانَ "إذا" (١) "يوم"، أُجْرِى مُجرَى "إذا".
فإن قيل: فأين جوابُ قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾؟
قيل: جائزٌ أن يكونَ مُضْمَرًا مع الواوِ، كأنه قيل: ووقَع القولُ عليهم بما ظلَموا فهم لا ينطِقون، وذلك يومَ يُنْفَخُ في الصورِ.
وجائزٌ أن يكونَ متروكًا، اكْتُفِى بدَلالةِ الكلامِ عليه منه، كما قيل: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] فتُرِك جوابُه.
وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
قيل: إن الذين اسْتَثْناهم اللهُ في هذا الموضعِ مِن أن يَنالَهم الفزعُ يومَئذِ، الشهداءُ، وذلك أنهم أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وإن كانوا في عِدادِ الموتى عندَ أهلِ الدنيا.
وبذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وقد ذكَرْناه في الخبرِ الماضي.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، عمَّن حدَّثه، عن أبي هريرةَ، أنه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
قال: هم الشهداءُ (٢).
وقولُه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
يقولُ: وكلٌّ أَتَوْه صاغِرِين.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
يقولُ: صَاغِرِين (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
قال: الداخرُ: الصاغرُ الراغمُ.
قال: لأن المرءَ الذي يَفْزَعُ، إذا فزِع إنما هِمَّتُه الهربُ مِن الأمرِ الذي فزِع منه.
قال: فلما نُفِخ في الصورِ فزِعوا، فلم يَكُنْ لهم مِن اللهِ مَنْجًى (٣).
واختَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (وكلٌّ آتُوه).
بمدِّ الألفِ مِن (آتُوه).
على مثالِ "فاعِلوه" (٤)، سوى ابن مسعودٍ، فإنه قرَأه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾.
على مثالِ "فعَلُوه".
واتَّبعه على القراءةِ به المتأخرون؛ الأعمشُ وحمزةُ (٥).
واعْتلَّ الذين قرَءوا ذلك على مثالِ "فاعِلُوه" بإجماعِ القرأةِ على قولِه: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥].
قالوا: فكذلك قولُه: (آتُوه) في الجمعِ.
وأما الذين قرَءوا على قراءةِ عبدِ اللهِ، فإنهم ردُّوه على قولِه: ﴿فَفَزِعَ﴾.
كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: ويومَ يُنْفَخُ في الصورِ ففزِع من في السماواتِ ومن في الأرضِ، وأتَوه كلُّهم داخرين.
كما يقالُ في الكلامِ: [رآني ففَرَّ] (١) وعاد وهو صاغرٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٢) (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى الجبالَ يا محمدُ يومَئِذٍ تَحْسَبُها قائمةً، وهى تَمرُّ.
كالذى حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾.
يقولُ: قائمةً (٣).
وإنما قيل: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تُجمَعُ، ثم تَسيرُ، فيَحْسَبُ رائيها لكثرتِها أنها واقفةٌ، وهي تَسِيرُ سيرًا حثيثًا، كما قال الجَعْدِيُّ (٤): بأَرْعَنَ (١) مثل الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم … وُقوفٌ لحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ (٢) قولُه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: وأَوْثَقِ خلقَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: أَحْكَم كلَّ شيءٍ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
قال: أَتْرَصَ (٥) كلَّ شيءٍ وسوَّى (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتْقَنَ﴾: أَتْرَصَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ [قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
قال: أحسنَ كلَّ شيءٍ (١).
وقولُه] (٢): (إنَّهُ خَبِيرٌ بما يفعلُون).
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ وخبرةٍ بما يَفْعَلُ عبادُه مِن خيرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ له ومعصيةٍ، وهو مُجازى جميعِهم على جميعٍ ذلك؛ على الخيرِ الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرَّ نظيرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مَن جاء الله بتوحيدِه والإيمانِ به، وقولِ: لا إلهَ إلا اللهُ.
مُوقِنًا به قلبُه، فله مِن هذه الحسنةِ عندَ اللهِ خيرٌ يومَ القيامةِ، وذلك الخيرُ أن يُثِيبَه اللهُ منها الجنةَ، ويُؤَمِّنَه مِن فَزَعِ الصَّيْحةِ الكبرى، وهى النفخُ في الصورِ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
يقولُ: ومَن جاء بالشركِ به يومَ يَلْقاه، وجُحودِ وَحْدانيتِه، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ في نارِ جهنمَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنى الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أيوبَ البَجَليُّ، قال: سمِعْتُ أبا زرعةَ، قال: قال أبو هريرةَ - قال يحيى: أحْسَبُه عن النبيِّ ﷺ قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
قال: وهى لا إلهَ إلا اللهُ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
قال: وهى الشرْكُ (١).
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
قال: مَن جاء بـ: لا إله إلا اللهُ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
قال: بالشركِ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
يقولُ: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
وهو الشركُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
قال: بالشركِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾.
قال: كلمةِ الإخلاصِ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
قال: الشركِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٢).
قال ابن جريجٍ: وسمعْتُ عطاءً يقولُ فيها: الشركِ.
يعنى في قولِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المُحَجَّل، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان يَحْلِفُ ما يَسْتَثْنى، أن ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
قال: الشركِ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
قال: الشركِ (٥).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا سعدُ (٦) بنُ سعيدٍ، عن عليّ بن الحسينِ - وكان رجلًا غَزَّاءً - قال: بينا هو في بعض خَلَواتِه، حتى رفَع صوتَه: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحْيى ويُمِيتُ، بيدِه الخيرُ، وهو على كلَّ شيءٍ قديرٌ.
قال: فردَّ عليه رجلٌ: ما تقولُ يا عبدَ اللهِ؟
قال: أقولُ ما تَسْمَعُ.
قال: أما إنها الكلمةُ التي قال اللهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾.
قال: الإخلاصِ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
قال: الشركِ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
يعنى: الشركِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ومن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ.
يقولُ: الشركِ (٤).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
قال: السيئةُ الشركُ، الكفرُ (٥).
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾.
قال: شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.
قال: السيئةُ الشركُ (١).
قال الحكمُ: قال عكرمةُ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ السيئةُ فهو الشركُ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا: فمنها وصل إليه الخيرُ.
يعنى ابن عباسٍ بذلك: مِن الحسنةِ وصَل إلى الذي جاء بها، الخيرُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا [حبيبُ بنُ] (٣) الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
قال: له منها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ قال: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ، فلهُ (٤) منها خيرٌ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
يقولُ: له منها حظٌّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
قال: له منها خيرٌ، فأما أن يكون له (١) خيرٌ من الإيمانِ فلا، ولكن منها (٢) خيرٌ: يُصِيبُ منها خيرًا (٣).
حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
قال: ليس شيءٌ خيرًا من لا إلهَ إلا الله، ولكن له مِنها خيرٌ (٤).
وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
قال: أعطَاه اللهُ بالواحدةِ عشرًا، فهذا خيرٌ منها (٥).
واختلفتِ القرآةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ: (وَهُمْ مِن فَزَعِ يَوْمِئِذٍ آمَنُون) بإضافةِ (فَزَعِ) إلى "اليومِ" (٦).
وقرَأ ذلك جماعةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.
بتنوين ﴿فَزَعٍ﴾ (٧).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنّهما قراءتان مشهورتانِ في قرَأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أَنَّ الإِضافةَ أعجبُ إليَّ؛ لأنَّه فَزَعٌ معلومٌ.
وإذا كان ذلك كذلك كان معرفةً، على أن ذلك في سياقِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
فإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه عُنِى بقولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
مِن الفَزَعِ الذي قد جَرَى ذكرُه قبلَه.
وإذا كان (١) كذلك، كان لا شكَّ أنه مَعْرفةٌ، وأَنَّ الإضافةَ إذا كان مَعْرفةً، به أولى مِن تركِ الإضافةِ، وأُخرى، أنَّ ذلك إذا أُضِيفَ فهو أبينُ أنَّه خبرٌ عن أمانِه مِن كلِّ أهوالِ ذلك اليومِ، منه إذا لم يُضَفْ ذلك، وذلك أنه إذا لم يُضَفْ كان الأغلبَ عليه أنه جعَل الأمانَ من فزعِ بعضِ أهوالِه.
وقولُه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهم: هل تُجزونَ أَيُّها المشركون إلا ما كنتم تَعْمَلون، إذ كَبَّكمُ اللهُ لوجوهِكم في النارِ، وإلَّا جزاءَ ما كنتم تَعْمَلون في الدنيا بما يُسْخِطُ ربَّكم.
وتَرَك: يقالُ لهم.
اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، قُلْ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾.
وهى مكةُ، الذي حرَّمها على خلقِه أن يَسْفِكُوا فيها دمًا حرامًا، أو يَظْلِموا فيها أحدًا، أو يُصادَ صيدُها، أو يُخْتَلَى خَلاها، دونَ الأوثانِ التي تعبدُونها أيها المشركون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: يعنى مكةَ (١).
وقولُه: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: ولربِّ هذه البلدةِ الأشياءُ كلُّها مِلْكًا، فإيَّاه أُمِرْتُ أن أعبدَ، لا مَن لا يملكُ شيئًا.
وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾.
فخصَّها بالذِّكرِ دونَ سائرِ البلدانِ، وهو ربُّ البلادِ كلِّها؛ لأنَّه أراد تعريفَ المشركين مِن قومِ رسولِ اللهِ ﷺ، الذين هم أهلُ مكةَ - بذلك نعمتَه عليهم، وإحسانَه إليهم، وأنَّ الذي يَنْبَغى لهم أن يَعبدُوه هو الذي حرَّم بلَدَهم، فمنَع الناسَ منهم، وهم في سائرِ البلادِ يأكل بعضُهم بعضًا، ويَقْتلُ بعضُهم بعضًا، لا مَن لم تَجْرِ له عليهم نعمةٌ، ولا يَقْدرُ لهم على نفع ولا ضرٍّ.
وقولُه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
يقولُ: وأَمرنى ربِّي أَن أُسْلِمَ وجْهِى له حنيفًا، فأكونَ من المسلمين الذين دانُوا بدينِ خليلِه إبراهيمَ وجدِّكم أيها المشركون، لا من خالف دينَ جدِّه المحقِّ، ودان دينَ إبليسَ عدوِّ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ: إنما أُمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدةِ، وأنْ أكونَ من المسلمين، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾.
يقولُ: فمَن اتَّبَعَنى وآمَن بي وبما جئتُ به، فسلَك طريقَ الرشادِ، ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾.
يقولُ: فإِنما يَسْلُكُ سبيلَ الصوابِ، باتِّباعِه إيَّاى، وإيمانِه بى، وبما جئتُ به - لنفسِه؛ لأنه بإيمانِه بي، وبما جئتُ به، يأمنُ نقمتَه في الدنيا، وعذابَه في الآخرةِ.
وقولُه: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾.
يقولُ: ومَن جار عن قصدِ السبيلِ، بتكذيبِه بي، وبما جئتُ به مِن عندِ اللهِ، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فقلْ يا محمدُ لِمَن ضلَّ عن قصدِ السبيلِ، وكذَّبك، ولم يصدِّقْ بما جئتَ به مِن عندى إنما أنا ممَّن يُنْذِرُ قومَه عذابَ اللهِ وسخَطَه، [على مَعْصيتِهم إيَّاه، وقد أنذَرْتُكم ذلك معشرَ كفارِ قُريشٍ، فإنْ قَبِلْتُم وانتَهَيْتُم عما يكرَهُه اللهُ مِنكم من الشركِ به] (١)، فحظوظَ أنفسِكم تُصيبون، وإن رَدَدْتُم وكذَّبْتُم، فعلى أنفسِكم جَنَيْتُم، وقد بلَّغتُكم ما أُمِرتُ بإبلاغه إيَّاكم، ونصحتُ لكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: و (٢) قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك من مشركي قومِك: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟
[النمل: ٧١]: الحمدُ للهِ على نعمتِه علينا، بتوفيقِه إيَّانا للحقِّ الذي أنتم عنه عَمُون، سيُريكم ربُّكم آياتِ عذابه وسَخَطِه، فتَعْرِفون بها حقيقةَ نُصْحى كان لكم، ويَتَبَيَّنُ صدقُ ما دعَوْتُكم إليه من الرشادِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدٌ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾.
قال: في أنفسِكم، وفي السماءِ والأرضِ والرزقِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾.
قال: في أنفسِكم والسماءِ والأرضِ والرزقِ.
وقولُه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما ربُّك يا محمدُ بغافلٍ عمَّا يَعملُ هؤلاءِ المشركون، ولكن لهم أَجَلٌ هم بالِغُوه، فإذا بلَغوه، فلا يَسْتَأْخِرون ساعةً ولا يَسْتَقدمون.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: فلا يَحْزُنك تكْذيبُهم إيَّاك، فإنى مِن وراءِ إهلاكِهم، وإنى لهم بالمرصادِ، فأيْقِنْ لنفسِك بالنصرِ، ولعدوِّك بالذلِّ والخِزْى.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "النملِ" [وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ، وبه الثِّقةُ والعِصمةُ] (٢)