الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة القصص
تفسيرُ سورةِ القصص كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 255 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ القصصِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنا فيما مضَى قبلُ تأويلَ قولِ اللهِ ﷿: ﴿طسم﴾.
وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِه (١).
وأما قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
فإنه يَعنى: هذه آياتُ الكتابِ الذي أنزَلتُه إليك يا محمدُ، المُبِينُ أنه من عندِ اللهِ، وأنك لم تَتَقَوَّلْه ولم تَتَخَرَّصْه.
وكان قتادةُ فيما ذُكِر عنه يقولُ في ذلك ما حدَّثني بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
يَعنى: مُبِينٌ واللهِ بركتَه ورُشده وهداه (٢).
وقولُه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾.
يقولُ: نَقْرأُ عليك ونَقُصُّ في هذا القرآنِ من خبرِ موسى وفرعونَ بالحقِّ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ: في هذا القرآنِ نَبَؤُهم (٣).
وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ: لقومٍ يُصَدِّقون بهذا الكتابِ؛ ليَعْلَموا أن ما نَتْلُو عليك من نَبئهم فيه نَبَؤُهم، وتَطْمَئِنَّ نفوسُهم بأن سُنَّتَنا في من خالَفَك وعاداك من المشركين سنّتُنا في من عادَى موسى ومن آمن به من بنى إسرائيلَ، من فرعونَ وقومِه؛ أن نُهْلِكَهم كما أهْلَكناهم، ونُنْجِيَهم منهم كما أنجيناهم منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ تَجَبَّر في أرضِ مصرَ وتَكَبَّر، وعلا أهلَها وقهَرَهم، حتى أقَرُّوا له بالعُبُودةِ.
كما حدَّثنا موسى (١) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: تَجَبَّر في الأرضِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
أي: بغَى في الأرضِ (٣).
وقولُه: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
يعنى بالشِّيَعِ الفِرَقَ.
يقولُ: وجعَل أهلَها فِرَقًا متفرِّقين.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
أي: فِرَقًا؛ يُذَبِّحُ طائفةً منهم، ويَسْتَحْيِي طائفةً، ويُعَذِّبُ طائفةً، ويَسْتَعْبِدُ طائفةً، قال الله ﷿: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان من شأنِ فرعونَ أنه رأى رؤيا في منامِه، أن نارًا أَقْبَلتْ من بيتِ المقدسِ حتى اشتَمَلتْ على بُيوتِ مصرَ، فأحرَقَتِ القِبْطَ، وتركت بني إسرائيلَ، وأحرَقت بيوتَ مصرَ، فدَعا السحرةَ والكهنةَ والقافَةَ والحازَةَ، فسألهم عن رُؤياه، فقالوا له: يَخْرُجُ من هذا البلدِ الذي جاء بنو إسرائيلَ منه - يَعْنُون بيتَ المقدس - رجلٌ يكونُ على وجْهِه هلاكُ مصرَ.
فأَمَر ببنى إسرائيلَ ألَّا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُركَت، وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلُوكِيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بني إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القذرة.
فجعَل بني إسرائيلَ في أعمالِ غِلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
يعنى بنى إسرائيلَ، حينَ جعَلهم في الأعمالِ القذرةِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
قال: فَرَّق بينَهم (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
قال: فِرَقًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا.
قال: الشِّيَعُ الفِرَقُ (١).
وقولُه: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾.
ذُكِر أن استضعافَه إياها كان استعبادَه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: يَسْتَعْبِدُ طائفةً منهم، ويُذَبِّحُ طائفةً، ويُقَتِّلُ طائفةً، ويَسْتَحْيِي طائفةً (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ: إنه كان ممن يُفْسِدُ في الأرضِ؛ بقتلِه من لا يَسْتَحِقُّ منه القتلَ، واستعبادِه من ليس له استعبادُه، وتَجَبُّرِه في الأرضِ على أهلِها، وتَكَبُّرِه على عبادةِ ربِّه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ وقوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾.
عطفٌ على قولِه: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾.
ومعنى الكلامِ: إن فرعونَ علا في الأرضِ، وجعَل أهلَها من بني إسرائيلَ فِرَقًا، يَسْتَضْعِفُ طائفةً منهم، ونحن نُرِيدُ أن نَمُنَّ على الذين استَضْعَفهم فرعونُ في الأرضِ من بنى إسرائيلَ، ونَجْعَلَهم أئمةً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: بنو إسرائيلَ (١).
وقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾.
أي (٢): وُلاةً وملوكًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾.
أي: ولاةَ الأمرِ (٣).
وقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
يقولُ: ونَجْعَلَهم وُرّاثَ آلِ فرعونَ، يَرثُون الأرضَ مِن بعدِ مَهْلِكهم (٤).
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
أي: يَرِثُون الأرضَ بعدَ فرعونَ وقومِه (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
يقولُ: يَرِثون الأرضَ بعدَ فرعونَ (١).
وقولُه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ونُوَطِّئَ لهم في أرضِ الشامِ ومصرَ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾.
كانوا قد أُخبروا أن هلاكَهم على يدِ رجلٍ من بني إسرائيلَ، فكانوا مِن ذلك على وَجلٍ منهم؛ ولذلك كان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءهم، ويَستَحْيى نساءَهم، فأَرَى اللهُ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما (٢) من بنى إسرائيلَ، على يدِ موسى بن عِمرانَ نبيِّه، ما كانوا يَحْذَرُونه منهم؛ من هلاكِهم، وخرابِ منازلِهم ودُورِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: شيئًا ما حَذِر القومُ.
قال: وذُكِر لنا أن حازيًا حَزَا لعدوِّ اللهِ فرعونَ، فقال: يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ من بني إسرائيلَ، يَسْلُبُك ملكَك.
فتَتَبَّعَ أبناءَهم ذلك العامَ، يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويَستَحْيى نساءَهم؛ حَذرًا مما قال له الحازِى (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: كان لفرعونَ رجلٌ ينْظُرُ له ويُخبِرُه - كأنه (٤) يعني أنه (٥) كاهنٌ - فقال له: إنه يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ يَذْهَبُ مُلْكِكم.
فكان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءَهم، ويَسْتَحْيى نساءَهم حذرًا.
فذلك قولُه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١).
واختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾.
بمعنى: ونُرِيَ نحن.
بالنونِ عطفًا بذلك على قولِه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ (٢).
وقرأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: (ويَرَى فِرْعَوْنُ).
على أن الفعلَ لفرعونَ، بمعنى: ويُعاينَ فرعونُ.
بالياءِ من "يَرَى"، ورَفْعِ "فرعونَ" و"هامان" و"الجنودِ" (٣).
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأَةِ، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ؛ لأنه معلومٌ أن فرعونَ لم يكنْ لِيَرَى من موسى ما رأى إلا بأن يُرِيَه اللهُ ﷿ منه، ولم يكنْ لِيُريَه اللهُ تعالى ذكرُه ذلك منه إلا رآه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحيْنا إلى أُمِّ موسى حينَ ولَدت موسى أن أرْضِعيه.
وكان قتادةُ يقولُ في معنى ذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قذَفنا في قلبِها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: وحيًا جاءَها من اللهِ، فقَذَف في قلبِها - وليس يوحي نبوةٍ - أن أرْضِعى موسى، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾.
قال: قذَف في نفسِها (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أمرَ فرعونُ أن يُذْبَحَ مَن وُلِد من بنى إسرائيلَ سنةً، ويُترْكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التي يَذْبَحون فيها حمَلت بموسى، فلما أرادت وضعَه، حَزنت من شأنِه، فأَوْحَى اللهُ إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٣).
واختَلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي أُمِرَتْ أُمُّ موسى أن تُلْقِيَ موسى في اليَمِّ؛ فقال بعضُهم: أُمِرَتْ أن تُلْقِيَه فيه بعدَ ميلادِه بأربعةِ أشهرٍ، وذلك حالَ طلبِه من الرَّضاع أكثرَ مما يَطْلُبُ الصبيُّ بعد حالِ سقوطِه من بطنِ أمِّه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾.
قال: إذا بلَغ أربعةَ أشهرٍ وصاح، وابْتَغَى من الرَّضاعِ أكثرَ من ذلك، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ حينَئذٍ ﴿فِي الْيَمِّ﴾.
فذلك قولِه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: لم يَقُلْ لها: إذا وَلَدتيه فألْقِيه في اليَمِّ.
إنما قال لها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
بذلك أُمِرَت.
قال: جعَلَتْه في بستانٍ، فكانت تَأتِيه كلَّ يومٍ فتُرْضِعُه، وتَأتِيه كلَّ ليلةٍ فَتُرْضِعُه، فيَكْفِيه ذلك.
وقال آخرون: بل أُمِرَت أن تُلْقِيَه في اليَمِّ بعدَ وِلادِها إياه وبعدَ رَضاعِها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما وضَعتْه أرْضَعتُه، ثم دعَت له نجارًا، فجعَل له تابوتًا، وجعَل مِفتاحَ التابوتِ من داخلٍ، وجعَلَتْه فيه، وألقَتْه في اليَمِّ (١).
وأَولَى قولٍ قيل في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أمَر أمَّ موسى أن تُرْضِعَه، فإذا خافت عليه من عدوِّ اللهِ فرعونَ وجندِه أَن تُلْقِيَه في اليَمِّ.
وجائزٌ أن تكونَ خافَتْهم عليه بعدَ أشهرٍ من وِلادِها إياه.
وأيُّ ذلك كان، فقد فعَلَت ما أَوْحَى اللهُ إليها فيه، ولا خبرَ قامت به حجةٌ، ولا [في فطرةِ] (٢) العقلِ بيانُ (٣) أيِّ ذلك كان من أيٍّ، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه.
واليَمُّ الذي أُمِرَت أن تُلْقيَه فيه هو النيلُ.
كما حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
قال: هو البحرُ، وهو النيلُ (٤).
وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه، وذِكرِ الروايةِ فيه فيما مضَى، بما أَغنَى عن إعادته (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
يقولُ: لا تَخافي على ولدِك من فرعونَ وجندِه أن يَقْتُلوه، ولا تَحْزَنى لفِراقِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
قال: لا تَخافى عليه البحرَ، ولا تحزَنى لفِراقِه، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
يقولُ: إنا رادُّو ولدِك إليك للرَّضاعِ؛ لتكُونى أنت تُرْضِعينه، وباعِثوه رسولًا إلى من تَخافِينه عليه أن يَقْتُلَه.
وفعَل اللهُ ذلك بها وبه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾: وباعثوه رسولًا إلى هذه الطاغيةِ، وجاعلو هلاكِه ونجاةِ بني إسرائيلَ مما هم فيه من البلاء على يديه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾: فأصابوه وأخَذوه.
وأصلُه من اللُّقَطَةِ، وهو ما وُجِد ضالًّا فأُخِذَ.
والعربُ تقولُ لما وَرَدت عليه فجأةً من غيرِ طلبٍ (١) له ولا إرادةٍ: أَصَبْتُه التقاطًا.
ولَقِيتُ فلانًا التقاطًا.
ومنه قولُ الراجزِ (٢): ومَنْهَلٍ وَرَدْتُه الْتِقاطَا لَمْ أَلْقَ إِذْ ورَدْتُه فُرَّاطًا (٣) يعني فجأةً.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك جوارِى امرأةِ فرعونَ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَقْبَل الموجُ بالتابوتِ، يَرْفَعُه مرةً ويَخْفِضُه أخرى، حتى أَدْخَله بين أشجارٍ عند بيتِ فرعونَ، فخرَج جوارى آسية امرأة فرعونَ يَغْتَسِلْن (٤)، فوجَدْن التابوتَ، فَأَدخَلْنه إلى آسيةَ.
وظَنَنَّ أن فيه مالًا، فلما نظَرت إليه آسيةُ، وقَعَت عليها رحمتُه، فأَحَبَّته، فلما أخْبَرت به فرعونَ أراد أن يَذْبَحَه، فلم تَزَلْ آسيةُ تُكَلِّمُه، حتى ترَكه لها، قال: إني أخافُ أن يكونَ هذا من بنى إسرائيلَ، وأن يكونَ هذا الذي على يديه هلاكُنا.
فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١).
وقال آخرون: بل عُنِى به ابنةُ فرعونَ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدُ بن قيسٍ، قال: كانت بنتُ فرعونَ برصاءَ، فجاءت إلى النيلِ، فإذا التابوتُ في النيلِ تَخْفِقُه الأمواجُ، فأَخَذَتْه بنتُ فرعونَ، فلما فتَحتِ التابوتَ إذا هي بصبيٍّ، فلما اطَّلَعت في وجهِه بَرَأت من البرصِ، فجاءت به إلى أمِّها فقالت: إن هذا الصبيَّ مباركٌ، لَمَّا نظَرتُ إليه بَرِئتُ.
فقال فرعونُ: هذا من صبيانِ بني إسرائيلَ، هَلُمَّ حتى أقْتُلَه.
فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾.
وقال آخرون: عُنِى به أعوان فرعونَ.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أصبَح فرعونُ في مجلسٍ له كان يَجْلِسُه على شَفِيرِ النيلِ كلَّ غَداةٍ، فبَيْنا هو جالسٌ، إذ مَرَّ النيلُ بالتابوتِ يَقْذِفُ به، وآسيةُ بنتُ مُزاحمٍ امرأتُه جالسةٌ إلى جنبِه، فقالت: إن هذا لشيءٌ في البحرِ، فأْتُونى به.
فخرَج إليه أعوانُه حتى جاءوا به، ففتَح التابوتَ، فإذا فيه صبيٌّ في مَهْدِه، فأَلْقَى اللهُ عليه محبَّتَه، وعطَف عليه نفسَه، قالت امرأتُه آسِيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٢).
ولا قولَ في ذلك عندَنا أولى بالصوابِ مما قال الله ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾.
وقد بيَّنَّا معنى "الآلِ" فيما مضَى، بما فيه الكفايةُ من إعادته هاهنا (١).
وقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
فيقولُ القائلُ: لِيَكونَ موسى لآلِ فرعونَ عدوًّا وحزنًا الْتَقَطوه، فيقالُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
قيل: إنهم حينَ الْتَقَطوه لم يَلْتَقِطوه لذلك؛ بل لِمَا تَقَدَّم ذكرُه.
ولكنه إن شاء اللهُ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
قال: ليَكونَ لهم في عاقبةِ أمرِه عدوًّا وحزَنًا؛ لِما أراد اللهُ به، وليس لذلك أخَذوه (٢).
ولكنَّ امرأةَ فرعونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾.
فكان قولُ اللهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
لِمَا هو كائنٌ في عاقبةِ أمرِه لهم، وهو كقولِ القائلِ لآخرَ إذا قَرَّعه بالفعلِ (٣) - كأنْ فعَله وهو يَحسَبُ (٤) محسنًا في فعلِه، فأدّاه فعلُه ذلك إلى مَساءةٍ مُنَدِّمًا له على فعلِه: فعَلتَ هذا لضُرِّ نفسِك، ولتَضُرَّ به نفسَك فعَلتَ.
وقد كان الفاعلُ في حال فعلِه ذلك عندَ نفسِه يَفْعَلُه راجِيًا نَفْعَه، غيرَ أن العاقبةَ جاءَت بخلافِ ما كان يَرْجُو.
فكذلك قولُه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
إنما هو: فالتَقطه آلُ فرعونَ، ظنًّا منهم أنهم مُحْسِنون إلى أنفسِهم؛ ليكونَ قرةَ عينٍ لهم، فكانت عاقبةُ الْتِقاطِهم إياه منه هلاكَهم على يديه.
وقولُه: ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
يقولُ: يَكونُ لهم عدوًّا في دينِهم، وحَزَنًا على ما ينالُهم منه من المكروهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: عدوًّا لهم في دينِهم، وحَزَنًا لما يَأْتِيهم (١).
واختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿وَحَزَنًا﴾.
بفتحِ الحاءِ والزايِ.
وقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الكوفةِ: (وَحُزْنا).
بضمِّ الحاءِ وتسكينِ الزايِ (٢).
والحَزَنُ بفتحِ الحاءِ والزايِ، مصدرٌ من: حَزِنتُ حَزَنًا، والحُزْنُ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ الزايِ، الاسمُ؛ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ونحوِه.
والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، وهما - على اختلافِ اللفظِ فيهما - بمنزلةِ العَدَمِ والعُدْمِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كانوا بربِّهم آثِمين؛ فلذلك كان لهم موسى عدوًّا وحَزَنًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالتِ امرأةُ فرعونَ له: هذا قُرَّةُ عينٍ لى ولك يا فرعونُ.
فـ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مرفوعةٌ بمضْمَرٍ هو "هذا"، أو "هو".
وقولُه: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾.
مسألةٌ من امرأةِ فرعونُ (١) ألَّا يَقْتُلَه.
وذُكِر أن المرأةَ لما قالت هذا القول لفرعونَ، قال فرعونُ: أمّا لكِ فنَعَم، وأمّا لى فلا.
فكان كذلك.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: قالت امرأةُ فرعونَ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قال فرعونُ: قرةُ عينٍ لكِ، أما لي فلا.
قال محمدُ بنُ قيسٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لو قال فرعونُ: قرةُ عينٍ لى ولكِ.
كان لهما جميعًا" (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: اتَّخَذه فرعونُ ولدًا، ودُعِى على أنه ابن فرعونَ، فلما تَحَرَّك الغلامُ، أرَتْه أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي تُرَقِّصُه وتَلْعَبُ به، إذ ناوَلَتْه فرعونَ، وقالت: خُذْه، قرةُ عينٍ لى ولك.
قال فرعونُ: هو قرةُ عينٍ لكِ، و (٣) لا لى.
قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: لو أنه قال: وهو لى قرةُ عينٍ.
إذَن لآمَن به، ولكنه أبَى (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾: تَعْنِى بذلك موسى (١).
حدَّثنا العباسُ بن الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما أتَت بموسى امرأةُ فرعونَ فرعونَ قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ.
قال فرعونُ: يكونُ لكِ، فأما لى فلا حاجةَ لي فيه.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "والذي يُحْلَفُ به، لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ له قرةَ عينٍ كما أقَرَّت، لهداه اللهٌ به كما هَدى به امرأتَه، ولكنَّ الله حَرَمَه ذلك" (٢).
وقولُه: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
ذُكِر أن امرأةَ فرعونَ قالت هذا القولَ حينَ همَّ بقتلِه.
قال بعضُهم: حينَ أُتى به يومَ التَقَطه من اليَمِّ.
وقال بعضُهم: بل (٣) يومَ نتَف من لحيتِه، أو ضرَبه بعصًا كانت في يدِه.
ذكرُ من قال: قالت ذلك يومَ نتَف لحيتَه حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أُتِي فرعونُ به صبيًّا، أخَذه إليه، فأخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، قال فرعونُ: عليَّ بالذبّاحين (٤)، هو هذا.
قالت آسيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
إنما هو صبيٌّ لا يَعْقِلُ، وإنما صنَع هذا من صِباه (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قال: أُلْقِيَت عليه رحمتُها حينَ أبصَرتْه (١).
وقولُه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهم لا يَشْعُرون أن هلاكَهم على يديه (٢).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال: وهم لا يَشْعُرون أن هَلَكَتَهم على يديه (٢) وفى زمانِه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ (٣)، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال: أن هلاكَهم على يديه (٤).
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال: آلُ فرعونَ أنه لهم عدوٌّ (٥).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لا يَشْعُرون بما هو كائنٌ من أمرِهم وأمرِه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت امرأةُ فرعونَ آسِيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
يقولُ اللَّهُ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي: بما هو كائنٌ (١) مما أراد اللَّهُ به (٢).
وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وبنو إسرائيلَ لا يَشْعُرُون أَنَّا الْتَقَطناه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال: يقولُ: لا يَدْرِى (٣) بنو إسرائيلَ أَنَّا الْتَقَطناه.
والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ من قال: معنى ذلك: وفرعونُ وآلُه لا يَشْعُرون بما هو كائنٌ من هلاكِهم على يديه.
وإنما قلنا: ذلك أَولى التأويلاتِ به؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
وإذا كان ذلك عَقِيبَه (٤)، فهو بأن يكونَ بيانًا عن القولِ الذي هو عَقِيبَه (٤) أحقُّ من أن يكونَ بيانًا عن غيرِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عَنَى اللَّهُ أنه أصبَح منه فؤادُ أمِّ موسى فارغًا؛ فقال بعضُهم: الذي عنَى جلَّ ثناؤُه أنه أصبَح منه فؤادُ أمِّ موسى فارغًا، كلُّ شيءٍ سوَى ذكرِ ابنِها موسى.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ وحسانَ أبى الأشْرَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ (٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال (٣): من كلِّ شيءٍ إلا من هَمَّ موسى (٤).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: يقولُ: لا تَذْكُرُ إِلَّا موسى.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: مِن كُلِّ شيءٍ غيرَ ذكرِ موسى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى.
حدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرَةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: فارغًا من كلِّ شيءٍ إِلا مِن هَمِّ موسى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
أي: لاغيًا من كلِّ شيءٍ إلا مِن ذكرِ موسى (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ غيرَ ذكرِ موسى (٣).
وقال آخرون: بل عنَى أن فؤادَها أصبَح فارغًا من الوحيِ الذي كان اللَّهُ أوحاه إليها، إذ أمَرها أن تُلْقِيَه في اليمِّ؛ فقال: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال: فحَزِنَت ونَسِيَتْ عهدَ اللَّهِ إليها، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من وحيِنا الذي أوحَيناه إليها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قال: فارغًا من الوحيِ الذي أَوْحَى اللَّهُ إليها، حينَ أمَرها أن تُلْقِيَه في البحرِ ولا تخافَ ولا تَحْزَنَ.
قال: فجاءَها الشيطانُ فقال: يا أمَّ موسى، كَرِهْتِ أَن يَقْتُلَ فرعونُ موسى، فيَكونَ لكِ أجرُه وثوابُه، وتَوَلَّيتِ قتلَه، فألقيتِيه في البحرِ وغَرَّقتيه!
فقال اللَّهُ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من الوحيِ الذي أُوحِى (١) إليها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنى الحسنُ، قال: أصبَح فارغًا من العهدِ الذي عَهِدْنا إليها، والوعدِ الذي وعَدناها أن نَرُدَّ عليها ابنَها، فنَسِيت ذلك كلَّه، حتى كادَتْ أَن تُبْدِيَ به لولا أن ربَطنا على قلبِها (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: قد كانت أمُّ موسى تَرْفَعُ له حينَ قذَفَته في البحرِ؛ هل تَسْمَعُ له بذكرٍ، حتى أتاها الخبرُ بأن فرعونَ أصاب الغداةَ صبيًّا في النيلِ في التابوتِ، فعرَفت الصفةَ، ورأت أنه وقَع في يدى عدوِّه الذي فَرَّت به منه، وأصبَح فؤادُها فارغًا من عهدِ اللَّهُ إليها فيه، قد أنساها عظيمُ البلاءِ ما كان من العهدِ عندَها من اللَّهِ فيه (٣).
وقال بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ (٤): معنى ذلك: وأصبَح فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من الحُزْنِ؛ لعلمِها بأنه لم يَغْرَقْ.
قال: وهو من قولِهم: دمٌ فَرْغٌ.
أي: لا قَوَدَ ولا دِيَةَ.
وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لخلافِه قولَ جميعِ أهلِ التأويلِ.
قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ من قال: معناه: وأصبَح فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من هَمِّ موسى.
وإنما قلْنا: ذلك أَولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لدلالَةِ قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
ولو كان عنَى بذلك فراغَ قلبِها من الوحيِ، لم يُعْقِبْ بقولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾.
لأنها إن كانت قارَبَت أن تُبْدِي الوحىَ، فلم تَكَدْ أن تُبْدِيَه إلا لكثرةِ ذكرِها إياه ووُلُوعِها به، ومحالٌ أن تكونَ به وَلِعةً إلا وهى ذاكرةٌ.
وإذا كان ذلك كذلك، بطَل القولُ بأنها كانت فارغةَ القلبِ مما أُوحِى إليها.
وأُخرى، أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَرَ عنها أنها أصبَحت فارغةَ القلبِ، ولم يَخْصُصْ فراغَ قلبِها من شيءٍ دونَ شيءٍ، فذلك على العمومِ، إلا ما قامَت حُجتُه أن قلبَها لم يَفْرُغُ منه.
وقد ذُكِر عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ أنه كان يَقْرَؤُه: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فازعًا).
من الفَزَعِ (١).
وقولُه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾.
اختَلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنَى الذي عادت عليه الهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي من ذكرِ موسى، وعليه عادت.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، وحسانَ أبى الأَشْرَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أن تقولَ: يا ابناه.
قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أن تقولَ: يا ابناه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾.
أن تقولَ: يا بُنَيَّاه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾.
أي: لَتُبْدِى به أنه ابنُها؛ من شدةِ وَجْدِها (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما جاءت أمُّه أخَذ منها، يعنى الرَّضاعَ، فكادت أن تقولَ: هو ابني.
فعصَمها اللَّهُ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (٣).
وقال آخرون: بما أَوْحَيْناه إليها.
أي: تَظْفَرُ (٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم أنهم قالوا: إن كادت لَتقولُ: يا بُنَيَّاه.
لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك، وأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
فلأن يكونَ - لو لم يكنْ ممن ذكَرنا في ذلك إجماعٌ على ذلك - من ذكرِ موسى؛ لقربِه منه، أشبهَ من أن يكونَ من ذكرِ الوحيِ.
وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: إن كادت لَتُبْدِي بموسى فتقولُ: هو ابني.
قال: وذلك أن صدرَها ضاق إذ نُسِب إلى فرعونَ، وقيل: ابن فرعونَ.
وعنى بقولِه: ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾: لَتُظْهِرُه وتُخْبِرُ به.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: لَتُشْعِرُ به.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾.
قال: لَتُعْلِنُ بأمرِه، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
يقولُ: لولا أن عصَمناها من ذلك، بتَثْبِيتِناها وتَوفِيقِناها للسكوتِ عنه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللَّهُ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: بالإيمانِ؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كادت تقولُ: هو ابنى.
فعصَمها اللَّهُ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (١).
وقولُه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: عصَمناها من إظهارِ ذلك وقيلِه بلسانِها، وثَبَّتناها للعهدِ الذي عهِدنا إليها؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بوعدِ اللَّهِ، الموقِنين به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت أمُّ موسى لأختِ موسى حينَ الْقَتْه في اليَمِّ: ﴿قُصِّيهِ﴾.
يقولُ: قُصِّي أثرَ موسى؛ اتَّبِعى أثرَه.
يُقالُ (٢): قَصَصْتُ آثارَ القومِ.
إذا اتَّبعتَ آثارَهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.
قال: اتَّبِعى أثرَه كيف يُصْنَعُ به (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُصِّيهِ﴾.
أي: قُصَّى أثرَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.
قال: اتَّبِعى أثرَه (١).
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.
أي: انْظُرِى ماذا يَفْعَلُون به (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.
يعنى: قُصِّى أثرَه (٣).
حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.
أي: قُصِّي أثرَه واطْلُبِيه، هل تَسْمَعِين له ذكرًا؟
أحيٌّ ابنى أو قد أكَلَتْه دوابُّ البحرِ وحيتانُه؟
ونَسِيَتِ الذي كان اللهُ وعَدَها (٤).
وقولُه: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فقَصَّت أختُ موسى أثرَه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾.
يقولُ: فبَصُرَت بموسى عن بُعدٍ، لم تَدْنُ منه، ولم تَقرَبْ؛ لئلا يُعْلَمَ أنها منه بسَبيلٍ.
يقالُ منه: بَصُرْتُ به وأبْصَرْتُه.
لغتان مشهورتان.
وأبْصَرتُ عن جُنُبٍ وعن جَنابةٍ.
كما قال الشاعرُ (٥): أَتَيْتُ حُرَيْثًا زائرًا عن جَنابةٍ … فكان حُرَيْثٌ عن عَطائىَ جامِدًا (١) يعنى بقولِه: عن جَنَابةٍ: عن بُعدٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾.
قال: بُعدٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾.
قال: عن بُعدٍ.
قال ابن جُرَيجٍ: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾.
قال: هي على الجُدِّ (٣) في الأرضِ، وموسى يَجْرِى به النيلُ، وهما مُتَحاذيان كذلك، تَنظُرُ إليه نظرةً، وإلى الناسِ نظرةً، وقد جُعِل في تابوتٍ مُقيَّرٍ ظَهْرُه وبطنُه، وأَقْفَلَتَه عليه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: [حدَّثنا أبو] (٤) سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾.
يقولُ: بَصُرَت به وهى مُحَاذِيتُه لم تأْتِه (٥).
حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنى القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾: والجُنُبُ: أَن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى الشيءِ البعيدِ، وهو إلى جَنْبِهِ لا يَشْعُرُ به (١).
وقولُه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
يقولُ: وقومُ فرعونَ لا يَشْعُرون بأختِ موسى أنها أختُه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال: آلُ فرعونَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّها أختُه.
قال: جعَلت تَنْظُرُ إليه كأَنَّها لا تُريدُه (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيَّ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أَنَّها أختُه (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي: لا يَعْرِفون أنها منه بسبيلٍ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَنَعْنا موسى المراضعَ أن يَرْتَضِعَ منهن من قَبْلِ أمِّه.
ذُكِر أن [أختًا لموسى] (٣) هي التي قالت لآلِ فرعونَ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أرادوا له المُرْضِعاتِ، فلم يأخُذُ مِن أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يَطْلُبن ذلك ليَنزِلْنَ عندَ فرعونَ في الرَّضَاعِ، فأبى أن يأخذَ، فذلك قولُه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ﴾.
أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
فلما جاءت أمُّه أخَذ منها (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ حتى يَرْجِعَ إلى أمَّهِ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: كان لا يؤتَى بمُرْضِعٍ فيَقْبلُها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: لا يَرْضَعُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ حتى يرجعَ إلى أمِّه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: فجعَل لا يُؤْتَى بامرأةٍ إلا لم يأخُذْ ثَدْيَها.
قال: فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جَمَعوا (٤) المراضِعَ حينَ ألْقَى اللَّهُ مَحبَّتَهم عليه، فلا يُؤتَى بامرأةٍ فيَقْبَلُ ثديَها، فيُرْمِضُهم ذلك (٥)، فيُؤْتَى بمُرْضِعٍ بعد مُرضِعٍ، فلا يَقْبَلُ شيئًا منهن، فقالت لهم أختُه حينَ رأت مِن وَجْدِهم به، وحِرْصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (١).
ويعنى بقولِه: ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾: يَضْمَنونه لكم.
وقولُه: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
ذُكِر أنها أُخِذت فقيل: قد عَرَفْتِه؟
فقالت: إنما عَنَيتُ أنَّهم للملِكِ ناصِحون.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما قالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
أَخَذُوها وقالوا: إنكِ قد عَرَفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهلِه.
فقالت: ما أَعْرِفُه، ولكني إنما قلتُ: هم للمَلِكِ ناصِحُون (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
قال: فعَلِقوها (٣) حينَ قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
قالوا: قد عرَفتِه؟
قالت: إنَّما أردتُ: هم للمَلِكِ ناصحُون (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
أي: لمنزِلتِه عندَكم، وحِرْصِكم على مَسرَّةِ الملكِ.
قالوا: هاتِي (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فرَدَدْنا موسى إلى أمَّه بعدَ أن الْتَقَطه آلُ فرعونَ؛ لتقرَّ عينُها بابنِها إذ رجَع إليها سليمًا مِن قِبَلِ (١) فرعونَ، ولا تحزَنَ على فراقِه إيَّاها، ولِتَعلَمَ أنَّ وَعْدَ اللَّهُ الذي وَعَدَها، إذ قال لها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية [القصص: ٧] ﴿حَقٌّ﴾.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: وعَدها أنه رادُّه إليها، وجاعِلُه من المرسَلين، ففعَل اللَّهُ ذلك بها (٢).
وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يَعْلَمون أن وعدَ اللهِ حقٌّ، لا يُصَدِّقون بأن ذلك كذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولَما بَلَغَ موسى ﴿أَشُدَّهُ﴾.
يعنى: حالَ شَدَّةِ بدنِه وقُواه، وانْتَهى ذلك منه.
وقد بيَّنا معنى "الأشُدِّ" فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وقولُه: ﴿وَاسْتَوَى﴾.
يقولُ: تناهَى شَبَابُه، وتمَّ خَلْقُه واسْتَحْكُم.
وقد اختُلِف في مبلغِ عددِ سِنِى الاستواءِ؛ فقال بعضُهم: يكونُ ذلك في أربعين سنةً.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَوَى﴾.
قال: أربعين سنةً (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً.
قولَه: ﴿وَاسْتَوَى﴾.
قال: بلَغ أربعين سنةً (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
قال: بضعًا وثلاثين سنةً (٤).
قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾.
قال: أربعين سنةً، و ﴿أَشُدَّهُ﴾: ثلاثًا وثلاثين سنةً (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾.
قال: كان أبي يقولُ: الأشُدُّ الجَلَدُ، والاستواءُ أربعون سنةً (٢).
وقال بعضُهم: يكونُ ذلك في ثلاثين سنةً.
وقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
يعنى بالحكمِ: الفَهْمَ بالدينِ والمَعْرفةَ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
قال: الفِقهَ والعقلَ والعملَ قبلَ النُّبوّةِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
قال: الفقهَ والعملَ قبلَ النُّبوَةِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، آتاه اللَّهُ حكمًا وعِلْمًا؛ فقهًا في دينِه ودينِ آبائِه، وعِلْمًا بما في دينِه وشرائعِه وحدودِه (٤).
وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكما جَزَيْنا موسى على طاعتِه إيَّانا و إحسانِه، بصبرِه على أمْرِنا، كذلك نَجْزِى كلَّ مَن أَحسَن مِن رُسُلِنا وعبادِنا، فصَبَر على أمرنا وأطاعَنا، وانتَهى عما نَهيناه عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ودخَل موسى المدينةَ؛ مدينةَ منفٍ مِن مصرَ، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وذلك عندَ القائلةِ نصفَ النهارِ.
واختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلهِ دخَل موسى هذه المدينةَ في هذا الوقتِ؛ فقال بعضُهم: دخَلها متَّبِعًا أثرَ فِرعونَ؛ لأن فرعونَ رَكِب وموسى غيرُ شاهدٍ، فلما حضَر عَلِم برُكوبِه، فرَكِب واتَّبع أثرَه، وأدْرَكه المقِيلُ في هذه المدينةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كان موسى حينَ كَبِر يركبُ مَراكِبَ فرعونَ، ويَلْبَسُ مثلَ ما يَلْبَسُ، وكان إنَّما يُدعَى موسى بنَ فرعونَ، ثم إن فرعونَ ركِب مركبًا وليس عندَه موسى، فلمَّا جاء موسى قيل له: إن فرعونَ قد ركِب.
فرَكِب في أثَرِه، فأدرَكه المَقِيلُ بأَرضٍ يُقالُ لها: مَنْفٌ.
فدخَلها نصفَ النهارِ، وقد تَغَلَّقت أسواقُها، وليس في طُرُقِها أحدٌ، وهي التي يقولُ اللهُ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١).
وقال آخرون: بل دخَلها مُستَخْفِيًا من فرعونَ وقومِه؛ لأنَّه كان قد خالَفهم في دينِهم، وعاب ما كانوا عليه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا بلَغ موسى أشُدَّه واسْتَوى، آتاه اللَّهُ حُكْمًا وعلمًا، فكانت له من بني إسرائيلَ شيعةٌ يسمَعون منه ويطيعونه، ويجتمِعون إليه، فلما اسْتَدَّ رأْيُه، وعرَف ما هو عليه من الحقِّ، رأى فِراقَ فرعونَ وقومِه على ما هم عليه حقًّا في دينِه، فتَكَلَّم وعادَى وأنكَر، حتى ذُكرَ ذلك منه، وحتى أخافُوه وخَافَهم، حتى كان لا يدخُلُ قريةَ فرعونَ إِلا خائفًا مُستَخْفيًا، فدخَلَها يومًا على حينِ غفلةٍ من أهلِها (١).
وقال آخرون: بل كان فرعونُ قد أمَر بإخراجِه من مدينتِه، حينَ عَلَاه بالعصا، فلم يدخُلْها إلا بعدَ أن كَبِر وبلَغ أَشُدَّه.
قالوا: ومعنى الكلامِ: ودخَل المدينةَ على حينَ غفلةٍ من أهلِها لذكرِ موسى.
.
أي.
أي: من بعدِ نِسْيانِهم خبرَه وأمرَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قال: ليس غفلةٌ من ساعةٍ، ولكن غفلةٌ مِن ذكرِ موسى وأمْرِه.
وقال فرعونُ لامرأتِه: أخْرِجيه عنِّى - حينَ ضرَب رأسَه بالعصا - هذا الذي قُتِلتْ فيه بنو إسرائيلَ.
فقالت: هو صغيرٌ، وهو كذا، هاتِ جمرًا.
فأُتىَ بجمرٍ، فأخَذ جمرةً، فطرَحها في فِيهِ، فصارت عُقْدةً في لسانِه، فكانت تلك العقدةَ التي قال اللَّهُ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨].
قال: أَخْرِجيه عنِّي.
فأُخرِج، فلم يدخُلْ عليهم حتى كَبِر، فدخَل على حينَ غفلةٍ من ذِكْرِه (١).
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يُقالَ كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ولما بلَغ أشُدَّه واسْتَوى، دخَل المدينةَ على حينَ غفلةٍ من أهلِها.
واختَلفوا في الوقتِ الذي عُنِى بقولِه: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك نصفُ النهارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن المُنكَدرِ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قال: نصفَ النهارِ (٢).
قال ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: يقولون: في القائلةِ.
قال: وبينَ المغربِ والعشاءِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قال: دخَلها بعدَ ما بلَغ أشُدَّه، عندَ القائلةِ نصفَ النهارِ (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دخَلها نصفَ النهارِ (٢).
وقولُه: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾.
يقولُ: هذا من أهلِ دينِ موسى من بني إسرائيلَ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: من القِبطِ من قومِ فرعونَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾.
يقولُ: فَاسْتَغاثَه الذي هو مِن أهلِ دينِ موسى ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القِبط، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾.
يقولُ: فلَكَزه ولَهَزه فِي صَدْرِهِ بِجُمْعِ كَفِّه.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: أساء موسى من حيثُ أساء وهو شديدُ الغَضَبِ شديدُ القُوَّةِ، فمرَّ برجلٍ من القِبطِ، قد تَسَخَّر رجلًا مِن المسلمين.
قال: فلمَّا رأى موسى اسْتَغاث به.
قال: يا موسى.
فَقال موسى: خلِّ سبيلَه.
فقال: قد هَمَمْتُ أن أحملَه عليك.
فوَكَزه موسى، فقَضَى عليه، قال: حتى إذا كان الغدُ نصفَ النهارِ، خرَج ينظُرُ الخبرَ.
قال: فإذا ذاك الرجلُ قد أخَذه آخرُ في مثلِ حَدِّه.
قال: فقال: يا موسى.
قال: فاشْتَدَّ غَضَبُ موسى.
قال: فأهْوى.
قال: فخافَ أن يكونَ إيَّاه يريدُ.
قال: فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩].
قال: فقال الرجلُ: ألا أراك يا موسى أنتَ الذي قَتَلت؟
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَنَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ قال: رجلٌ من بنى إسرائيلَ يقاتلُ خبَّازًا لفرعونَ، فاسْتَغاثه، فوَكَزه موسى، فقضَى عليه، فلمَّا كان مِن الغَدِ، اسْتَصْرَخ به فوجَده يقاتلُ آخرَ، فأغَاثَه (١)، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
فعَرَفوا أنَّه موسى، فخرَج منها خائفًا يترقَّبُ، قال عَثَّامٌ: أو نحوُ هذا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
أمَّا الذي من شيعتِه فمِن بني إسرائيلَ، وأمَّا الذي من عدوِّه فقِبطيٌّ مِن آلِ فرعونَ (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
يقولُ: مِن القِبطِ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٤).
حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، [قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ] (٥)، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما بلَغ موسى أشُدَّه، وكان من الرجالِ، لم يكنْ أحدٌ مِن آلِ فرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امتَنَعوا كلَّ الامْتناعِ، فبَيْنا هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذا هو برجُلَين يقْتَتلان؛ أحدُهما من بني إسرائيلَ، والآخرُ من آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغَضِب موسى واشْتَدَّ غَضَبُه؛ لأنَّه تناوَله وهو يعلمُ منزلةَ موسى من بنى إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، ولا يعلمُ الناسُ إلا أنَّما ذلك من قِبَلِ الرَّضاعةِ من أمَّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَع موسى من ذلك على علمِ ما لم يُطلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفِرعَونيَّ فقَتَله، ولم يَرَهما أحدٌ إِلَّا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتلَ الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: مسلمٌ، وهذا من أهلِ دينِ فرعونَ، كافرٌ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
وكان موسى قد أُوتِىَ بسطةً في الخَلْقِ، وشِدَّةً في البطْشِ، فضَبَّ (٢)، بعدوِّهما، فنازَعَه، فوكَزه موسى وكْزةً قتَلَه منها، وهو لا يريدُ قَتْلَه، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾.
قال: من قومِه من بني إسرائيلَ، وكان فرعونُ مِن فارسَ مِن إِصْطَخْرَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابِه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: إسرائيليٌّ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: قبْطيٌّ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
وبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في معنى قولِه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾.
قال: بجُمْعِ كَفِّه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: فوكزَه موسى نبيُّ اللَّهِ، ولم يتعَمَّدْ قَتْلَه (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قتَلَه وهو لا يريدُ قَتْلَه (٣).
وقولُه: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾.
يقولُ: ففرَغ من قَتْلِه.
وقد بيَّنتُ فيما مضَى أن معنى القضاءِ الفَراعُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (١).
ذِكْرُ أنَّه قَتَلَه ثم دَفَنَه في الرَّملِ كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللَّهِ، عن أصحابهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: ثم دفَنه في الرَّملِ.
وقولُه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: قال موسى حينَ قتَل القتيلَ: هذا القَتْلُ مِن تَسبُّبِ الشيطانِ لى؛ بأن هيَّجَ غَضَبى حتى ضرَبتُ هذا فهَلَك من ضَرْبتي، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾.
يقولُ: إِن الشيطانَ عدوٌّ لابنِ آدمَ ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن سبيلِ الرَّشادِ؛ بتَزيينِه له القبيحَ من الأعمالِ، وتحسينِه ذلك له، هو ﴿مُبِينٌ﴾.
يعنى أنه يُبينُ عداوتَه لهم قديمًا، وإضْلالَه إيَّاهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.
يقولُ تعالَى ذكرُه مُخبرًا عن ندَم موسَى على ما كان مِن قَتْلِه النفسَ التي قتَلها، وتوبَتِه إليه منه، ومسألتِه غُفْرانَه من ذلك: ربِّ إني ظَلَمْتُ نفسى بقتلِ النفسِ التي لم تأْمُرْنى بقَتْلِها، فاعفُ عن ذَنْبي ذلك، واسْتُرْه عليَّ، ولا تؤاخِذْنى به، فتعاقِبَني عليه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾.
قال: بقَتْلى، مِن أجلِ أنَّه لا ينبَغى لنبيٍّ أن يقتُلَ حتى يُؤمرَ.
ولم يُؤْمرْ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: عرَف المخَرَجَ، فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (٢).
وقولُه: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فعفا اللَّهُ لموسى عن ذنبِه، ولم يُعاقبْه به، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
يقولُ: إن اللَّهَ هو الساترُ على المُنيبِين إليه من ذنوبِهم؛ على ذنوبِهم، المتفضِّلُ عليهم بالعفوِ عنها، الرحيمُ للناسِ أن يعاقبَهم على ذنوبِهم، بعدَ ما تابوا منها.
وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ بإنعامِك عليَّ؛ بعفوِك عن قتلِ هذه النفسِ، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
يعنى: المُشركين.
كأنّه أقسَم بذلك.
وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَلا تَجْعَلْنِي ظَهيرًا للمُجْرِمِينَ) (٣).
كأَنَّه على هذه القراءةِ دعا ربَّه، فقال: اللهمَّ لن أكونَ لهم ظَهيرًا.
ولم يَسْتَثْنِ ﵇ حينَ قال: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
فابتُلِيَ.
وكان قَتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
يقولُ: فلن أُعينَ بعدَها ظالمًا (١) على فَجْرِه (٢)، قال: وقَلَّما قالها رجلٌ إِلَّا ابتُلِيَ.
قال: فابتُلِىَ كما تسمَعون (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأصبَح موسى في مدينةِ فرعونَ خائفًا من جنايتِه التي جَنَاها، وقَتْلِه النفسَ التي قتَلها، أن يُؤخذَ فيُقتلَ بها، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾.
يقولُ: يترقَّبُ الأخبارَ.
أي: ينتظرُ ما الذي يتحدَّثُ به الناسُ، مما هُم صانِعون في أمرِه وأمرِ قَتيلِه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ الأخبارَ (٤).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.
قال] (١): خائفًا من قتلِه النفسَ، يترقبُ أن يؤخذَ (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.
قال: خائفًا أن يُؤخذَ (٣).
وقولُه: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فرأى موسى لما دخلَ المدينةَ على خوفٍ مُترقِّبًا الأخبارَ عن أمرِه وأمرِ القتيلِ (٤)، الإسرائيليَّ الذي اسْتَنْصَره بالأمسِ على الفِرعَونيِّ.
يُقاتلُ فرعَونيًّا آخرَ، فرآه الإسرائيليُّ، فاسْتَصْرَخه على الفِرعَونيِّ، يقولُ: فاسْتَغاثه أيضًا على الفِرعَونيِّ، وأَصْلُه من الصُّراخِ، كما يُقالُ: [يا لَبَني] (٥) فلانٍ، يا صباحاه.
قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال موسى للإسرائيليِّ الذي اسْتَصْرَخه، وقد صادَفَ موسى نادمًا على ما سلَف منه مِن قتلِه بالأمسِ القتيلَ، وهو يسْتَصْرِخُه اليومَ على آخرَ: إِنَّكَ أَيُّها المُستَصْرِخُ ﴿لَغَوِيٌّ﴾.
يقولُ: إنَّك لذو غَوَايَةٍ، ﴿مُبِينٌ﴾.
يقولُ: قد أبنتَ غَوَايتَك؛ بقتالِك أمسِ رجلًا، واليومَ آخرَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بن زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أُتِىَ فرعونُ، فقيل له: إن بني إسرائيلَ قد قتَلوا رجلًا من آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم في ذلك.
فقال: ابْغونِى قاتلَه ومَن يشهدُ عليه، لا يستقيمُ أَن نَقْضِيَ بغيرِ بيِّنةٍ ولا ثَبَتٍ (١).
فاطلُبوا ذلك.
فبينما هم يطوفون لا يجِدون شيئًا، إذ مرَّ موسى من الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتلُ فرعونيًّا، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرعَونيِّ، فصادَفَ موسى وقد نَدِم على ما كان منه بالأمسِ، وكَرِه الذي رأى، فغَضِب موسى، فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يبطِشَ بالفِرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لِمَا فعَل بالأمسِ واليومِ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
فنظَر الإسرائيليُّ إلى موسى بعدَ ما قال هذا، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ إذ قتَلَ فيه الفِرعَونيَّ، فخافَ أن يكونَ بعدَ ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ إِيَّاه أرادَ، ولم يكنْ أرادَه، إنَّما أرادَ الفِرْعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، [فحاجَز الفرعونيَّ] (٢)، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾.
وإنَّما قال ذلك مخافةَ أن يكونَ إيَّاه أرَاد موسى لِيَقْتُلَه، فتَتارَكا (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾].
قال: الاستنصارُ والاسْتِصْراخُ واحدٌ (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾] (٥).
يقولُ: يستَغيثُه (٦).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قَتَل موسى القتيلَ، خرَج فَلحِق بمنزلِه من مصرَ، وتحدَّث الناسُ بشأنِه، وقيل: قتَل موسى رجلًا.
حتى انتَهى ذلك إلى فرعونَ، فأصبَحَ موسى غاديًا الغَدَ، وإذا صاحبُه بالأمسِ معانِقٌ رجلًا آخرَ من عدوِّه، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أمسِ رجلًا، واليومَ آخرَ!
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ والشَّيْبانيِّ، عن عكرِمةَ، قال: الذي اسْتَنصَره هو الذي اسْتَصْرَخه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أن أرادَ موسى أن يبطِشَ بالفرعونيِّ الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيليِّ، قال الإسرائيليُّ لموسى وظنَّ أنه إيَّاه يريدُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾.
قال: خافَه الذي من شيعتِه حينَ قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال موسى للإسرائيليِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
ثم أقبَلَ لينصُرَه، فلما نظَر إلى موسى قد أقبَل نحوَه، ليبطِشَ بالرجل الذي يقاتلُ الإسرائيليَّ، قال الإسرائيليُّ، وفَرِق من موسى أن يبطشَ به؛ من أَجْلِ أنه أغْلَظ له الكلامَ: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
فتركه موسى (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أصحابه، قال: نَدِم بعد أن قتل القتيلَ، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
قال: ثم اسْتَنصَره بعد ذلك الإسرائيليُّ على قِبْطيٍّ آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
فلمَّا أراد أن يبطش بالقِبْطيِّ، ظَنَّ الإسرائيليُّ أنه إيَّاه يريدُ، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟
قال: وقال ابن جُريجٍ، أو ابن أبي نجيحٍ - الطبريُّ يَشكُّ، وهو في الكتابِ ابن أبي نجيحَ -: (٢) إنَّ موسى لما أصبَح، أصبَحَ نادمًا تائبًا، يودُّ أن لم يبطشْ بواحدٍ منهما، وقد قال للإسرائيليِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
فعَلم الإسرائيليُّ أنَّ موسى غيرُ ناصرِه، فلمَّا أرادَ الإسرائيليُّ أن يبطِشَ بالقبْطيِّ نهاه موسى، ففَرِق الإسرائيليُّ من موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟
فسعَى بها القِبْطيُّ.
وقولُه: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل الإسرائيليِّ لموسى: ﴿إِنْ تُرِيدُ﴾: ما تريدُ إلَّا أن تكون جبَّارًا في الأرض.
وكان من فِعْل الجبابرة قتلُ النفوسِ ظلمًا بغير حقٍّ.
وقيل: إنَّما قال ذلك لموسى الإسرائيليُّ؛ لأنَّه كان عندَهم مَن قتَل نفسَين من الجبابرة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: من قتَل رجلين فهو جبَّارٌ.
قال: ثم قرأ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾: إن الجبابرة هكذا، تقتلُ النفس بغيرِ النفس (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: تلك سيرةُ الجبابرة أن تقتل النفسَ بغير النفسِ.
وقولُه: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
يقولُ: وما تريدُ أن تكون ممن يعمَلُ في الأرض بما فيه صلاحُ أهلِها، من طاعة الله.
وذُكِر عن ابن إسحاق أنَّه قال في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
أي: ما هكذا يكونُ الإصلاحُ (١).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾.
ذُكر أن قول الإسرائيليِّ سَمِعه سامعٌ فأفشاه، وأعْلمَ به أهل القتيل، فحينئذٍ طلب فرعونُ موسى، وأمَر بقَتْلِه، فلما أمَر بقتلِه، جاء موسى مُخْبِرٌ، وأخبَره بما قد أمَر به فرعونُ في أمره، وأشار عليه بالخروج من مصر بلد فرعونَ وقومِه.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بن أبي أيوب، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: انْطَلَق الفِرعونيُّ الذي كان يقاتلُ الإسرائيليَّ إلى قومه، فأخبَرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبر حينَ يقولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحين لقَتْل موسى، فأخَذوا الطريق الأعظم، وهم لا يخافون أن يفوتَهم، وكان رجلٌ من شيعة موسى في أقصَى المدينة، فاخْتصَر طريقًا قريبًا، حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخبَره الخبر (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: أَعْلَمهم القبطيُّ الذي هو عدوٌّ لهما، فأتَمر الملأُ ليقتُلوه، فجاء رجلٌ من أقصى المدينة.
وقرأ: ﴿إِنْ﴾ إلى آخر الآية.
قال: كنَّا نحدَّثُ أنه مؤمنُ آل فرعون (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذهب القبطيُّ، يعنى الذي كان يقاتلُ الإسرائيليَّ، فأفْشَى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعونُ وقال: خُذُوه، فإنه صاحبُنا.
وقال للذين يَطلُبونه: اطْلُبوه في بُنَيَّاتِ الطريقِ (٢)، فإن موسى غلامٌ لا يهتدى الطريق.
وأخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريق، وقد جاءه الرجلُ فأخبره: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابه، قالوا: لما سمع القبطيُّ قول الإسرائيليِّ لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
سعى بها إلى أهل المقتول، فقال: إن موسى هو قتل صاحِبَكم.
ولو لم يَسْمَعْه من الإسرائيليِّ لم يعلَمْه أحدٌ، فلمَّا علم موسى أنهم قد عَلِموا خرَج هاربًا، فطلبه القومُ فسبَقهم.
قال: وقال ابن أبي نجيحٍ: سعَى القبطيُّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال الإسرائيليُّ لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
وقبْطيٌّ قريبٌ منهما يسمَعُ، فأفشَى عليهما (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سمع ذلك عدوٌّ، فأفشى عليهما (٥).
وقولُه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ ذُكر أنَّه مؤمنُ آل فرعونَ، وكان اسمُه فيما قيل سَمْعانَ.
وقال بعضُهم: بل كان اسمُه شَمْعونَ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، أخبرني وهبُ بنُ سليمانَ، عن شُعَيبٍ الجبَائيِّ، قال: اسمُه شَمْعون، الذي قال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: أصبَح الملأُ من قومِ فرعونَ قد أجْمَعوا لقَتْل موسى فيما بلَغهم عنه، فجاء رجلٌ من أقصَى المدينة يسعَى، يُقالُ له: سَمْعَانُ.
فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ إلى موسى ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٣).
وقولُه: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
يقولُ: من آخر مدينة فرعون، ﴿يَسْعَى﴾.
يقولُ: يعجَلُ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾.
قال: يَعْجَلُ ليس بالشَّدِّ.
وقولُه: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال الرجلُ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لموسى: يا موسى، إن أشراف قوم فرعونَ ورؤساءَهم يَتَوامَرون (١) بقَتْلِك، ويتَشاورُون ويَرْتَئون فيه (٢).
ومنه قولُ الشاعر (٣): ما تَأْتِمر فينا فَأمْـ … ـرُكَ في يَمينك أو شِمالِكْ يعنى: ما تَرْتئى وتَهمَّ به.
ومنه قولُ النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ (٣): أرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شِيمَةً … وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ أي: يُتَشاوَرٌ ويُرتأى فيها.
وقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
يقولُ: فاخْرُج من هذه المدينة، إنى لك في إشارتي عليك بالخروج منها من النَّاصحين.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا من قتله النفس أن يُقْتَلَ به، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾.
يقولُ: ينتظرُ الطلب أن يُدرِكَه فيأخُذَه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: خائفًا من قتله النفس، يترقَّبُ الطلب، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.
قال: خائفًا من قتل النفس، يترقَّبُ أن يأخذه الطَّلَبُ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لى أنه خرج على وجْهه خائفًا يترقَّبُ، ما يَدْرى أيَّ وَجْه يسلُكُ، وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.
قال: يترقَّبُ الطَّلَب مخافةً.
وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهو شاخصٌ عن مدينة فرعونَ خائفًا: ربِّ نَجِّنى من هؤلاء القوم الكافرين الذين ظلموا أنفُسَهم بكفرهم بك.
وقولُه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولما جعل موسى وجْهَه نحو مدين ماضيًا إليها، شاخصًا عن مدينة فرعونَ، وخارجًا عن سلطانه، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وعنى بقوله: ﴿تِلْقَاءَ﴾: نحو مدين.
ويُقالُ: فعَل ذلك من تلقاء نفسه.
يعني به: من قبل نفسه.
ويُقالُ: دارُه تلقاء دارِ فلانٍ.
إذا كانت مُحاذيتها.
ولم يُصرَف اسمُ مدينَ؛ لأنها اسمُ بلدة معروفةٍ، كذلك تفعلُ العربُ بأسماءِ البلاد المعروفة ومنه قول الشاعر (١): رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنزَّلُوا … والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقولِ الفَادِرِ وقولُه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
يقولُ: عسى ربِّي أن يبيِّنَ لي قَصْدَ السبيل إلى مدين.
وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرفُ الطريق إليها.
وذُكر أن الله قيَّض له إذ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
مَلَكًا سَدَّده الطريق وعرَّفه إيَّاه.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريقِ، جاءه مَلَكٌ على فرسٍ، بيدِه عَنَزَةٌ، فلمَّا رآه موسى سجد له من الفَرَقِ، قال: لا تَسْجُدْ لى، ولكن اتبعنى.
فاتَّبَعَه، فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو مُتَوجِّهٌ نحو مدينَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
فانطلق به حتى انتهى به إلى مَدينَ (٢).
حدَّثني العباسُ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج موسى مُتَوجِّهًا نحو مدينَ، وليس له علمٌ بالطريق إلا حُسن ظنِّه بربِّه، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكِر لى أنه خرج وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
فَهَيَّأ الله الطريق إلى مدين، فخرج من مصرَ بلا زادٍ ولا حذاءٍ، ولا ظَهْرٍ ولا درهمٍ ولا رغيفٍ، خائفًا يترقَّبُ، حتى وقع إلى أُمَّةٍ من الناسِ يَسْقُون بمدينَ (١).
حدَّثنا أبو عمارٍ الحسينُ بن حريثٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: خرَج موسى من مصر إلى مَدْينَ، وبينَها وبينَها مسيرةُ ثمانٍ.
قال: وكان يقالُ: نحوٌ من الكوفة إلى البصرة، ولم يَكُنْ له طعامٌ إلا وَرَقُ الشَّجرِ، وخرَج حافيًا، فما وصَل إليها حتى وقَع خُفُّ قدَمِهِ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لمَّا خرَج موسى من مصرَ إلى مدينَ، وبينه وبينَها ثمانِ ليالٍ، كان يقالُ: نحوٌ من البصرة إلى الكوفة.
ثم ذكر نحوه (٣).
ومدينُ كان بها يومئذٍ قومُ شعيبٍ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادة قولَه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: ومدين: ماءً كان عليه قومُ شعيبٍ (٤)، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١).
وأما قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو قولنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
قال: الطريقَ إلى مدينَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
قال: قَصْدَ السَّبيل (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
قال: الطريقَ المستقيمَ (٤).
القولُ تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولما ورد موسى ماءَ مدينَ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾.
يعنى: جماعةً، ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ نَعَمَهم ومواشِيَهم.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [موسى، قال: ثنا] (١) عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾.
يقولُ: كثرةً مِن الناسِ يَسْقُون (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾.
قال: أُناسًا (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقَع إلى أُمَّةٍ من الناسِ يَسْقُون بمدينَ، أَهلِ نَعَمِ وشاءٍ (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ موسى وابنُ بشَّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: أخبَرنا عمرانُ القَطَّانُ، قال: ثنا أبو حمزة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾.
قال عليُّ بنُ موسى: قال: مثلُ [ماءِ جَوْبِكُم] (٢) هذا.
يعنى المُحدثة (٣).
وقال ابن بشارٍ: مثلُ مُحدَثتِكم هذه.
يعنى: جَوْبِكم (٤) هذا.
وقولُه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
يقولُ: ووجد من دونِ الأُمَّةِ الناسِ الذين هم على الماء، امرأتين تذودان.
يعني بقوله: ﴿تَذُودَانِ﴾: تحبِسان غَنمَهما، يقالُ منه: ذاد فلانٌ غَنمَه وماشيتَه.
إذا أراد شيءٌ من ذلك يَشِذُّ ويذهَبُ، فردَّه ومنَعه، يذودُها ذَوْدًا.
وقال بعضُ أهل العربية من الكوفيِّين (٥): لا يجوزُ أن يُقالَ: ذدتُ الرجلَ.
بمعنى: حبستُه، إنما يُقال ذلك للغنم والإبل.
وقد رُوى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنى لبِعُقْرِ حَوْضِى أذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بعصاى" (٦).
فقد جعل الذَّودَ ﷺ في الناسِ.
ومنَ الذَّودِ قولُ سُوَيدِ بن كُراعٍ (٧): أَبيتُ عَلى بَابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا … أذُودُ (٨) بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا وقول الآخر (١): وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ … فَمَا تَدْرِي بأَيِّ عَصًا تَذُودُ وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَذُودَانِ﴾.
يقولُ: تَحْبِسانِ.
حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبعُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: يعنى بذلك أنهما حابِسَتان (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَيرٍ في قوله: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
قال: حَابِسَتَين (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
يقولُ: تَحبِسَانَ غَنمَهما (٤).
واختلَف أهلُ التأويل في الذي كانت عنه تذودُ هاتان المرأتان؛ فقال بعضُهم: كانتا تذودان غَنَمَهما عن الماءِ حتى يَصْدُرَ عنه مواشى الناس، ثم تسْقيان ماشيتهما لضَعْفِهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ قولَه: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
قال: تَحبِسانَ غَنمَهما عن الناسِ، حتى يَفْرُغوا وتَخْلُو لهما (١) البئرُ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾.
يعني: من دونِ القومِ، ﴿تَذُودَانِ﴾ غَنمَهما عن الماء، وهو ماءُ مدينَ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناسَ عن غَنمِهما.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
قال: [وهى في بعض القراءةِ: (ووجد من دونهم امرأتين حابستين تذودان] (٤).
أي: حابِسَتَين شاءَهما، تذودان الناس عن شائِهما (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن أصحابه: ﴿تَذُودَانِ﴾.
قال: تذودانِ الناس عن غنمِهما (١).
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: تَحبِسان غَنمَهما عن الناس حتى يَفْرُغُوا مِن سَقْي مواشيهم.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لدّلالة قوله: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ له على أن ذلك كذلك، وذلك أنَّهما إنَّما شكنا أنهما لا تشقيان حتى يُصْدِرَ الرعاءُ؛ إذ سألَهما موسى عن ذَوْدِهما غنمهما، ولو كانتا تذودان عن غَنَمِهما الناسَ، كان لا شَكَّ أنهما كانتا تُخبران عن سبب ذَوْدِهما عنها (٢) الناس، لا عن سبب تأخُّر سقيهما إلى أن يُصدر الرعاءُ.
وقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: قال موسى للمرأتين: ما شأنُكما وأمْرُكما، تذودان ماشيتكما عن الناسِ؟
هلّا تَسْقُونها مع مواشى الناسِ؟
والعرب تقول للرجل: ما خَطْبُك؟
بمعنى: ما أمْرُك وحالك؟
كما قال الراجز (٣): يا عَجَبًا ما خَطْبُه وخَطْبي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا العباسُ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: أخبرنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لهما: ما خَطْبُكما مُعْتَزِلَتين لا تسْقيان مع الناس (١)؟
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وجد لهما رحمةً، ودَخَلْته فيهما خشيةٌ؛ لما رأى من ضعفهما وغلبة الناس على الماء دونَهما، فقال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟
أي: ما شأنُكما (٢)؟
وقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.
يقول جلّ ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نَسْقى ماشيتنا حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم؛ لأنَّا لا نُطيقُ أن نسْقى، وإنما نَسْقى مواشينا ما أفْضَلَتْ مواشى الرِّعاءِ في الحوضِ.
والرِّعاءُ، جمعُ راعٍ، والراعى جَمْعُه رِعاءٌ، ورعاةٌ، ورُعْيَانٌ.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم.
قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: لما قال موسى للمرأتين: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟
قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
أي: لا نستطيعُ أن نَسْقى حتى يَسقى الناسُ، ثم نَتَتَبَّعُ فَضلاتهم (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.
قال: تنتظران تسقيان مِن فُضُولِ ما في الحياضِ؛ حياضِ الرعاء.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يَمَسَّ ذلك من نفسه، ولا يَسْقِيَ ماشيته، فنحن ننتظر الناسَ، حتى إذا فَرَغوا أَسْقَيْنا ثم انْصَرَفْنا (١).
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الحجاز سوى أبى جعفر القارئ، وعامةُ قرأة العراقِ سوى أبي عمرو: ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.
بضمِّ الياء (٢).
وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرٍو بفتح الياء (٣)، من: صدر (٤) الرعاءُ عن الحوض.
وأما الآخرون فإنَّهم ضَمُّوا الياءَ، بمعنى: أَصْدَرَ الرعاءُ مواشيهم.
وهما عندى قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما علماء من القرأة، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
يقولان: لا يستطيعُ من الكِبَرِ والضَّعْفِ أن يسْقى ماشيته.
وقولُه: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.
ذُكِر أنَّه ﵇ فتح لهما عن رأس بئرٍ، كان عليه (٥) حَجَرٌ لا يُطيقُ رفعه إلا جماعةٌ من الناسِ، ثم اسْتَقى، فسقى لهما ماشيتَهما منه.
ذكرُ من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فتَح لهما عن بئرٍ، حَجَرًا عَلَى فيها، فسَقَى لهما منها (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (٢) بنحوه، وزاد فيه: قال ابن جريج: حَجَرًا (٣) كان لا يُطيقُه إِلا عَشَرةُ رَهْطٍ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن شريح، قال: انتهى إلى حَجَرٍ لا يرفعه إلا عَشَرةُ رجال، فرفعه وَحْدَهُ (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: رحمهما موسى حين قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
فأتى إلى البئرِ فاقْتَلَع صخرةً على البئرِ كان النفرُ مِن أهلِ مَدْيَنَ يجتمعون عليها حتى يَرْفَعوها، فسقَى لهما موسى دَلْوًا، فَأَرْوَتا غَنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسْقيان من فُضُولِ الحياضِ (٥).
حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: فجعَل يغرِفُ في الدَّلو ماءً كثيرًا، حتى كانتا أوّلَ الرعاءِ رِيًّا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: تَصَدَّق عليهما نبيُّ الله ﷺ، فسقَى لهما، فلم يَلبَثْ أَن أَرْوَى غَنمهما.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أَخَذ دَلْوَهما موسى، ثم تقدَّم إلى السِّقاءِ بفضل قوَّتِه، فزاحَم القومَ على الماء، حتى أخَّرهم عنه، ثم سقى لهما (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: فسقى موسى للمرأتين (٣) ماشيتهما، ثم تولَّى إلى ظلِّ شجرةٍ ذُكِر أَنَّها [سَمُرةٌ (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ثم تولَّى موسى إلى ظلٍّ] (٥) شجرةٍ سَمُرةٍ، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٦).
حدَّثني العباس، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: انصرف موسى إلى شجرة، فاسْتَظلَّ بظلِّها، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (١).
حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قال: حثثتُ (٢) على جَمَلٍ لى ليلتين، حتى صبَّحت مدين، فسألتُ عن الشجرةِ التي أَوَى إليها موسى، فإذا شجرةٌ خضراء ترِفُّ، فأهْوَى إليها جَمَلى، وكان جائعًا، فأَخَذها جَمَلى، فعالجها ساعةً.
ثم لفظها، فدَعَوتُ الله لموسى ﵇، ثم انصرفتُ (٣).
وقوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: مُحتاجٌ.
وذُكر أن نبيَّ الله موسى ﵇ قال هذا القول وهو بجَهْدٍ شديدٍ، وعَرَّض (٤) ذلك [للمرأتين تعريضًا] (٥) لهما، لعلَّهما (٦) أن تُطعِماه (٧) مما به من شدَّة الجوع.
وقيل: إن الخير الذي قال نبيُّ الله ﷺ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
إنما عُنى به شُبْعةٌ من طَعام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لما هرب موسى ﷺ من فرعون أصابه جوع شديد، حتى كانت تُرَى أمعاؤُه من ظاهر الصِّفاقِ (١)، فلما سقَى (٢) للمرأتين، وأوى إلى الظلِّ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: لو ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، قال: ورد الماء وإنه لَيُتراءى خُضْرةُ البَقْلِ في بطنِه من الهزالِ، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: شُبعة.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمِ، عن عنبسة، عن أبي حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾.
قال: ورَد الماءَ وإنّ خُضْرةَ البَقْل لتُتراءى في بطنِه من الهُزال (٤).
حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا حكامُ بن سَلْم، عن عنبسة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبَيرٍ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: شُبْعَةٍ يومئذٍ (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم في قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: قال هذا وما معه درهمٌ ولا دينارٌ (١).
قال: ثنا سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: ما سأل إلا الطَّعام (١).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ بن الفضل، عن سفيان الثوريِّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: ما سأل ربَّه إلا الطعام (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى، ولو شاء إنسانٌ أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدَّة الجوع، وما يسأل الله إلا أكلةً (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: كان نبيُّ اللهِ بجَهْدٍ (٣).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عطاء بن السائب في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: بلغنى أن موسى قالها وأسمع المرأة (٤).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: طعام (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: طعامٍ.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال: الطعامَ يَسْتَطْعِمُ، لم يكن معه طعامٌ، وإنما سأل الطعام.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: فجاءت موسى إحدى المرأتين اللتين سقى لهما، تمشى على استحياء من موسى، قد سترت وجهها بثوبها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو السائب والفضلُ بنُ الصبَّاح، قالا: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن (٢) عبدِ اللهِ بن أبي الهُذَيلِ، عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: مُستترةً بكُمِّ دِرْعِها، أو بكُمِّ قميصها (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن حماد بن عمرٍو الأسديِّ، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهُذَيلِ، عن عمر ﵁، قال: واضعةً يدها على وجهها مستترةً.
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: قد سترت وجهها بيدها (١).
قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ بنحوه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: قائلةً بيدها (١) على وجهها.
ووضع أبي يده على وجهه.
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: ليست بسَلْفَع من النساءِ (٢) خَرّاجةٍ وَلَّاجةٍ، واضعةً ثوبها على وجهها، تقول: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: لم تكن سَلْفعًا من النساءِ خَرَّاجة ولَّاجةً، قائلةً بيدها على وجهها: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: بعيدةً مِن البَذَاءِ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: أتَته تمشى على استحياءٍ منه (١).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
قال: واضعةً يدها على جبينها.
وقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
يَقولُ تعالى ذكره: قالت المرأة التي جاءت موسى تمشى على استحياء: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾.
تقولُ: ليُثيبَكَ ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾.
يقولُ: فمضى موسى معها إلى أبيها، فلمَّا جاء أباها وقَصَّ عليه قَصَصَه مع فرعون وقومه من القبط، قال له: أبوها: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فقد ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
يعنى: من فرعونَ وقومه؛ لأنه لا سلطانَ له بأرضِنا التي أنت بها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: استنكر أبو الجاريتين سُرعة صُدُورِهما بغَنمِهما حُفَّلًا بطانًا (١)، فقال: إن لكما اليوم لشأنًا - قال أبو جعفر: أَحْسَبُه قال: فأخبرتاه الخبر - فلمَّا أتاه موسى كلَّمه، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكته (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي، قال: لما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعًا سألهما، فأخْبَرتاه خبر موسى، فأرسل إليه إحداهما، فأتته تمشى على استحياء - [وهو يُسْتَحْيى منه] (٣) - قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
فقام معها وقال لها: امْضِي.
فمشت بين يديه، فضربتها الريحُ، فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريق إن أخْطَأْتُ، فلما جاء الشيخ وقصَّ عليه القَصَصَ، قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
قال: قال مُطَرِّفٌ: أما والله لو كان عند نبيِّ الله شيءٌ، ما تتبَّع مذقتها (٥)، ولكن إنما حمله على ذلك الجَهْدُ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٦).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: رَجَعتا إلى أبيهما في ساعةٍ كانتا لا تَرْجِعان فيها، فأنكَرَ شأنَهما، فسألَهما، فأخبرتاه الخبر، فقال لإحداهما: عجِّلى عليَّ به.
فأتَته على استحياء، فجاءَتْه فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
فقام معها، كما ذُكر لى، فقال لها: امْشِي خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق، وأنا أمْشِى أمامَك، فإنَّا لا نَنْظُرُ في (١) أدبار النساءِ.
فلما جاءه أخبَره الخبرَ، وما أخرجه من بلادِه، فلما قص عليه القصص ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقد أخبرت أباها بقوله: إنَّا لا نَنظُرُ في (٢) أدبار النساء (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: قالت إحدى المرأتين اللتين سَقَى لهما موسى لأبيها حين أتاه موسى.
وكان اسم إحداهما صَفُورَةُ (٤)، واسم الأخرى ليا.
وقيل: شرفا.
كذلك.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني وهب بن سليمانَ الذِّماريُّ (٥)، عن شُعَيبٍ الجبائيِّ، قال: اسم الجاريتين ليا وصَفُورَةُ (٤)، وامرأة موسى صَفُورَة (٤) ابنه يثرونَ كاهن مدينَ، والكاهنُ حَبْرٌ (٦).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: إحداهما صَفُورَةُ (٤) ابنه يثرونَ، وأختُها شرفا، ويُقالُ: ليا.
وهما اللتان كانتا تَذُودان (١).
وأما أبوهما ففى اسمه اختلافٌ؛ فقال بعضُهم: كان اسمه يثرونَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةً، قال: كان الذي استأجر موسى ابن أخى شُعيب يثرونَ (٢) حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةً، عن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرونُ ابن أخى شُعيب ﵇.
وقال آخرون: بل اسمه: يثرى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةً (٣)، عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحبُ مَدينَ (٤).
حدَّثني أبو العالية العَبْديُّ إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةَ (٣)، عن ابن عباسٍ، قال (٥): اسمُ أبي المرأةِ يَثْرى (٤).
وقال آخرون: بل اسمه شعيبٌ.
وقالوا: هو شعيبٌ النبيُّ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: يقولون: شُعَيبٌ صاحب (١) موسى (٢).
ولكنه سيدُ أهلِ الماءِ يومَئِذٍ (٣).
قال أبو جعفر: وهذا مما لا يُدرَكُ عِلْمُه إلا بخبرٍ، ولا خبر بذلك تجبُ حُجَّتُه، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾.
تعنى بقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾: ليَرْعَى عليك ماشيتك، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
تقولُ: إِن خير من تَسْتأجِرُه للرَّعْي القويُّ على حفظ ماشيتك، والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمين الذي لا تخافُ خيانته فيما تَتَّمِنُه (٤) عليه منها (٥).
وقيل: إنها لمَّا قالت ذلك لأبيها، استنكر أبوها ذلك من وصفها إيَّاه، فقال لها: وما عِلْمُكِ بذلك؟
فقالت: أما قوَّتُه فما رأيتُ مِن علاجه ما عالج عندَ السَّقْي على البئر، وأما الأمانة فما رأيتُ من غَضِّ البصر عنى.
وبنحو ذلك جاءت الأخبار عن أهل التأويل.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسمِ بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: فَأَحْفَظَتْه الغَيْرَةُ أَن قال: وما يُدريك ما قوَّتُه وأمانته؟!
قالت: أما قوتُه فما رأيتُ منه حينَ سَقَى لنا، لم أرَ رجلًا قَطُّ أقوى في ذلك السَّقى منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقتلتُ إليه وشَخَصتُ له، فلمَّا عَلِم أنى امرأةٌ، صَوَّب رأسَه فلم يَرْفَعُه، ولم يَنْظُرْ إليَّ حتى بلَّغتُه رسالتك، ثم قال لى (١): امشى خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق.
ولم يفعل ذلك إلا وهو أمينٌ.
فسُرِّيَ عن أبيها، وصدقها، وظنَّ به الذي قالت (٢).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله لموسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
يقولُ: أمينٌ فيما وَلِيَ، أمين على ما اسْتُودِع (٣).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: إن موسى لما سَقَى لهما، ورأت قوَّته، وحرَّك حَجَرًا على الرَّكِيَّةِ (٤) لم يستطعه ثلاثون رجلًا، فأَزَاله عن الرَّكِيَّةِ، وانطلق مع الجارية حينَ دعَتْه، فقال لها: امْشِى خَلْفى وأنا أمامَكِ.
كراهيةَ أن يَرَى شيئًا مِن خلفِها مما حرَّم اللهُ أن يُنظر إليه، وكان يومًا فيه ريحٌ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي نُعْمٍ في قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال لها أبوها: ما رأيتِ من أمانيِه؟
قالت: لمَّا دَعَوْتُه مَشَيتُ بينَ يدَيه، فَجَعَلتِ الريحُ تَضْرِبُ ثيابي، فَتَلْزَقُ بجَسدِى، فقال: كُونى خَلْفى، فإذا بلَغَتِ الطريقَ فَآذِنِينى (١).
قالت: ورأيتُه يَمْلأُ الحوضَ بسَجْلٍ واحدٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: غَضَّ طَرْفَه عنهما، قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: حينَ أو حتى سقَى لهما فصدَرتا.
وقال الحارثُ في حديثِه: حتى سقَى.
بغير شكٍّ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ، قال: فتح عن بئرٍ حَجَرًا على فيها، فسَقَى لهما بها، والأمينُ أنه غَضٌ بصرَه عنهما حينَ سقَى لهما فصدَرتا (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: رفع حجرًا لا يرفعه إلا فِئامٌ مِن الناسِ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال (٢): قال عمرُو بنُ ميمونٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: كان يومَ ريحٍ، فقال: لا تَمشِى أمامي، فيَصِفَك الريحُ لى، ولكن امْشِى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريقِ.
قال: فقال لها: كيف عرَفتِ قوَّتَه؟
قالت: كان الحَجرُ لا يُطِيقُه إِلَّا عَشَرَةٌ، فرفَعه وحدَهُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن الحكمِ، عن شُرَيحٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: أما قوَّتُه؛ فانْتَهى إلى حجَرٍ لا يَرْفعُه إِلا عَشَرةٌ، فرفَعه وحدَه، وأما أمانتُه؛ فإنها مشَت أمامَه، فوصَفَها الريحُ، فقال لها: امْشِى خَلْفى، وصِفى لىَ الطريقَ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [معاويةُ بنُ عمرٍو] (٤)، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، قال: سأل (٥) تميمٌ (٦) إبراهيمَ: بمَ عَرَفَتْ أمانته؟
قال: في طَرْفِه، بغضِّ طَرْفِه عنها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: القويُّ في الصَّنعةِ، الأمينُ فيما وَلِى.
قال: وذُكِر لنا أن الذي رأت من قوَّتِه أنه لم تَلْبَثْ ماشيتُها أن (١) أرْوَاها، وأن الأمانةَ التي رأت منه، أنها حينَ جاءت تدعوه قال لها: كُوني ورائى.
وكَرِه أَن يَسْتَدْبِرَها، فذلك ما رأت من قوَّتِه وأمانتَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: بلَغنا أن قوَّتَه كانت سرعةَ ما أرْوَى غنمَهما، وبلَغنا أنه ملأ الحوضَ بدَلْوٍ واحدٍ، وأما أمانتُه فإنه أمَرها أن تمشِىَ خلفَه (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ: عن السُّدِّيُّ: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: وهى الجاريةُ التي دعَته، قال الشيخُ: هذه القُوَّةُ قد رأيتِ حينَ اقتلَع الصخرةَ، أرأيتِ أمانتَه، ما يُدْرِيك ما هي؟
قالت: مَشَيْتُ قُدَّامَه، فلم يُحِبُّ أن يَخُونَني في نفسِي، فأمَرني أن أَمْشِي خلْفَه (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: فقال لها: وما عِلْمُك بقوَّتِه وأمانتِه؟
فقالت: أما قوَّتُه فإنه كشَف الصخرةَ التي على بئرِ آلِ فلانٍ، وكان لا يكشِفُها دونَ سبعةِ نفرٍ، وأما أمانتُه فإني لمَّا جئتُ أدعوه، قال: كُوني خلفَ ظَهْرِى، وأشِيرى لى إلى منزلِك.
فعرفتُ أن ذلك منه أمانةٌ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: لما رأت من قوَّتِه وقولِه لها ما قال؛ أَنِ امْشِي خَلْفى.
لئلَّا يَرَى منها شيئًا مما يكْرَهُ، فزاده ذلك فيه رغبةً (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو المرأتين اللتين سَقَى لهما موسى لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾: على أن تُثيبنى [مِن تزويجِكها] (٣) رَعْيَ ماشيتى ثمانِيَ حِجَجٍ.
من قولِ الناسِ: أَجَرك الله فهو يأجُرُك.
بمعنى: أثابَك اللهُ.
والعربُ تقولُ: أجَرْتُ الأجيرَ أَجْرَه.
بمعنى: أعطيتُه ذلك، كما يقالُ: أَخَذْتُه فأنا آخُذُه.
وحكَى بعضُ أهلُ العربيةِ من أهل البصرةِ، أنّ لغةَ العربِ: أجَرْتُ غلامي، فهو مأجورٌ، وأَجَرْتُه فَهو مُؤجَرٌ.
يريد: أفعلتُه.
قال: وقال بعضُهم: آجَرَه، فهو مؤاجَرٌ.
أراد: فاعَلْتُه.
وكأنّ أباها عندى جعَل صداقَ ابنتِه التي زوَّجها موسى رَعْىَ موسى عليه ماشيتَه ثمانيَ حِجَجٍ، والحِجَجُ السِّنونُ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
يقولُ: فإِن أَتمَمْتَ الثمانيَ الحِجَج التي شرَطتُها عليك، بإنكاحِي إِيَّاك (١) ابنتي، فَجَعَلْتَها عَشْرَ حِجَجٍ، فإحسانٌ من عندك، وليس مما اشترَطتُه عليك بسبب تَزْويجِك ابنتِي، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ باشتراطِ الثمانِي الحَجَجِ عَشْرًا عليك، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في الوفاءِ بما قلتُ لك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
أي: في حُسنِ الصُّحبةِ والوفاءِ بما قلتُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لأبي المرأتين: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾.
أي: هذا الذي قلتَ من أنك تُزوِّجُنى إحدَى ابنتَيك على أن آجُرَك ثمانيَ حِجَج - واجبٌ بيني وبينَك، على كلِّ واحدٍ منا الوفاءُ لصاحبِه بما أوجَبه (٣) له على نفسِه.
وقولُه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾.
يقولُ: أَيَّ الأجلين من الثماني الحِجَج والعشر الحججِ، ﴿قَضَيْتُ﴾.
يقولُ: فرَعْتُ منها، فوفَّيْتُكَها رعىَ غنمِك وماشيتِك، ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾.
يقولُ: فليس لك أن تَعْتدِىَ عليَّ فتطالبَني بأكثرَ منه.
و "ما" في قولِه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾.
صلةٌ يوصَلُ بها "أيّ [عدوانَ عليَّ] (٤).
وزعم أهلُ العربيةِ (١) أن هذا أكثرُ في كلامِ العربِ من "أيّما" (٢).
وأنشَد قولَ الشاعر: وأَيُّهما ما أَتْبَعَنَّ فَإِنَّني … حَرِيصٌ على إثْرِ الذي أنا تابعُ وقال عباسُ بن مِرداسٍ (٣): فأَيِّى ما وأيُّكَ كان شَرًا … فَقِيدَ إلى المَقامَةِ لا يَراها وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
كان ابن إسحاقَ يرَى هذا القولَ من أبى المرأتين.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال موسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾.
قال: نَعم ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
فزوَّجه، وأقام معه يَكْفِيه، ويَعْمَلُ له في رعايةِ غنمِه، وما يَحتاجُ إليه منه (٤).
وزوجةُ موسى صَفُوراءُ، أو أختُها شرفا أو ليا.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال ابن عباسٍ: الجاريةُ التي دعَتُه هي التي تزوَّجَ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: وأيَّتُهما تريدُ أن تُنكِحَنى؟
قال: التي دَعَتْك.
قال: لا، إلَّا وهى بريئةٌ مما دخَل نفسَك عليها.
فقال: هي عندك كذلك.
فزوَّجَهُ (١).
وبنحوِ الذي قُلنا في قولِه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾: إما ثمانيًا، وإما عَشْرًا (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن لهيعةَ، عن عُمارة بن غَزِيَّةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، وسأله رجلٌ، قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾.
قال: فقال القاسمُ: ما أُبالى أيُّ ذلك كان، إنما هو موعدٌ وقضاءٌ.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
يقولُ: والله على ما أوجب كلُّ واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القولُ - شهيدٌ وحفيظٌ.
كالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: شهيدٌ على قولِ موسى وخَتَنِه (٣).
وذُكِر أن موسى وصاحبَه لمَّا تَعاقَدا بينَهما هذا العقدَ، أمَر إحدى ابنتَيه أن تُعطِىَ موسى عصًا من العِصيِّ التي تكونُ مع الرعاةِ، فأعْطَته إيّاها (١)؛ فذكَر بعضُهم أنها العصا التي جعَلها الله له آيةً، وقال بعضُهم: بل (٢) تلك عصًا أعطاه إيَّاها جبريلُ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ:، عن السُّدِّي، قال: أَمَر - يَعنى أبا المرأتين - إحْدَى ابنتَيْه أن تأتِيَه - يعنى أن تأتىَ موسى - بعصًا، فأتَته بعصًا، وكانت تلك العصا عصًا اسْتَودَعها إياه مَلَكٌ في صورةِ رجلٍ فدَفعها إليه، فدخَلت الجاريةُ فأخَذتِ العصا، فأتَته بها، فلمَّا رآها الشيخُ قال: لا، ائتيه بغيرِها.
فألقْتَها تريدُ أن تأخذَ غيرَها، فلا يَقَعُ في يدِها إلَّا هي، وجعَل يَرْدُدُها، وكلُّ ذلك لا يَخْرُجُ في يدِها غيرُها، فلما رأى ذلك عمَد إليها فأخرَجها معه (٣)، فرَعَى بها، ثم إن الشيخَ نَدِم وقال: كانت وديعةً.
فخرَج يتلَقَّى موسى، فلما لَقِيه قال: أعْطِني العصا.
فقال موسى: هي عَصَاى.
فأبى أن يُعطِيَه، فاخْتَصما، فرضِيا أن يجعَلا بينهما أولَ رجلٍ يَلْقاهما، فأتاهما مَلَكٌ يمشى، [فقضَى بينَهما] (٤) فقال: ضَعوها في الأرضِ، فمَن حمَلها فهى له.
فعالَجها الشيخُ فلم يُطِقْها، وأخَذها موسى بيدِه فرَفَعها، فترَكها له الشيخُ، فرعَى له عشرَ سنينَ.
قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: كان موسى أحقُّ بالوفاءِ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال - يعني أبا الجاريةِ لمَّا زوَّجها موسى - لموسى: ادخُلْ ذلك البيتَ، فخُذ عصًا فتوكَّأْ عليها.
فدخَل، فلما وقَف على بابِ البيتِ، طارت إليه تلك العصا فأخَذها، فقال: ارْدُدْها وخُذْ أُخرى مكانَها.
قال: فردَّها، ثم ذَهَب ليأخذَ أخرى، فطارت إليه كما هي، فقال: [لا، ارْدُدْها] (١).
حتى فعل ذلك ثلاثًا، فقال: ارْدُدُها.
فقال: لا آخُذُ (٢) غيرَها اليومَ.
فالْتَفَت إلى ابنتِه، فقال: [يا بُنَيَّةُ] (٣)، إن زوجَك لنبيٌّ.
ذكرُ مَن قال: التي كانت آيةً عصًا أعطاها موسى جبريلُ ﵉ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: سألتُ عكرِمةَ، فقال: أما عصا موسى، فإنها خرج بها آدم من الجنَّةِ، ثم قبَضها بعدَ ذلك جبريلُ ﵇، فلَقِى موسى بها ليلًا فدفعَها إليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما وفَّى موسى صاحبَه الأجلَ الذي فارَقه عليه عندَ إنكاحِه إياه ابنته.
وذُكِر أن الذي وفَّاه من الأجلين أتمُّهما وأكملُهما، وذلك العَشْرُ الحِجَج، على أن بعضَ أهلِ العلمِ قد رُوِى عنه أنه قال: زاد مع العشرِ عَشْرًا أُخرى.
ذكرُ مَن قال: الذي قضَى من ذلك هو الحِجَجُ العَشْرُ حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
قال: خيرَهما وأوفاهما (١) حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، سُئل: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
قال: أتَمَّهما وأخْيَرَهما.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: ثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، عن أخيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قضَى موسى آخِرَ (٢) الأجلين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ (٣)، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، سُئل ابن عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
قال: أتمَّهما وأوفاهما (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن حكيمِ بن جُبَيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال يهوديٌّ بالكوفةِ وأنا أَتَجَهَّز للحجِّ: إنى أَراك رجلًا يَتَّبِعُ (٥) العِلمَ؛ أخْبِرْنِى أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
قلتُ: لا أعلمُ، وأنا الآنَ قادمٌ على حَبْرِ العرب - يعنى ابنَ عباسٍ - فسائلُه عن ذلك.
فلما قدِمتُ مكةَ سألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، وأخبَرتُه بقولِ اليهوديِّ، فقال ابن عباسٍ: قضَى أكثرَهما وأطيبَهما؛ إن النبيَّ إذا وعَد لم يُخلِف.
قال سعيدٌ: فقَدِمتُ العراقَ، فلَقِيتُ اليهوديَّ فأخبَرتُه، فقال: صدَق - وما أَنزَل على موسى - هذا.
واللهُ العالم (١).
[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٢)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألنى رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
قلتُ: لا أعلم، وأنا يومئذٍ لا أعلم، فَلَقِيتُ ابنَ عباسٍ، فذكرتُ له الذي سألني عنه النصرانيُّ، فقال: أما كنتَ تَعْلَمُ أن ثمانيًا واجبٌ عليه، لم يكنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ (٣) منها شيئًا؟
وتعلمُ أن الله كان قاضيًا عن موسى عِدَتَه التي وعَدَه؟
فإنه قضَى عَشْرَ سنين (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾.
قال: حدَّث ابن عباسٍ، قال: رَعَى عليه نبيُّ اللهِ أكثرَها وأطيبَها (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي معشر، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
فقال: "أوْفاهما وأَتَمَّهما" (٦).
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحُمَيْديُّ أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ يحيى بن أبي يعقوبَ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله ﷺ قال: "سألْتُ جبريلَ: أَي الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسى؟
قال: أتَمَّهُما وأكمَلَهُما" (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: إن النبيَّ ﷺ سأل جبريلَ: "أيَّ الأجلين قضى موسى؟
قال: سوف أسألُ إسرافيلَ.
فسَألَه، فقال: سوف أسألُ الله ﵎.
فسَأله، فقال: أبرَّهما وأوفاهُما" (٢).
ذكرُ مَن قال: قضَى العَشْرَ الحِجَجِ وزاد على العَشْرِ عَشْرًا أخرى حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾.
قال: عَشر سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: قضَى الأجلَ عشرَ سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى.
حدَّثنا ابن (٤) المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسٌ، قال: لمَّا دعا نبيُّ اللهِ موسى صاحبَه إلى الأجلِ الذي كان بينَهما، قال له صاحبه: كلُّ شاةٍ ولَدت على غيرَ لونها، فلك ولدُها.
فعمَد، فرفَع خيالًا على الماءِ، فلما رأت الخيالَ فزِعَت، فجالت جَوْلةً، فولَدْن كلُّهنَّ بُلقًا، إلا شاةً واحدةً، فذهَب بأولادِهِنَّ ذلك العامَ (١).
وقولُه: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما قضَى موسى الأجلَ وسار بأهلِه شاخِصًا بهم إلى منزلِه من مصرَ، ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾.
يعنى بقوله: ﴿آنَسَ﴾: أبْصَر وأحَسَّ، كما قال العَجَّاجُ (٢): آنَسَ خِرْبانَ (٣) فضاءٍ فانكَدَرْ … دانَى جَناحَيْه من الطُّورِ فمَرّ وبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ (٤)، غيرَ أنا نذكُرُ ههنا بعضَ ما لم نذكرْ قبلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.
أيَّ: أَحْسَسْتُ نارًا (٥).
وقد بيَّنا معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهدِه وما فيه من الروايةِ عن أهلِ التأويلِ (١).
وقولُه: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.
يقولُ: قال موسى لأهلِه: تَمَهَّلوا وانتَظِروا، إنى أبصَرتُ نارًا، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا﴾.
يعنى: من النارِ، ﴿بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
يقولُ: أو أتِيكم بقطعةٍ غليظةٍ من الحطبِ فيها النارُ.
وهى مِثلُ الجِذْمةِ من أصلِ الشجرةِ.
ومنه قولُ ابن مقبلٍ (٢): باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْن لها … جَزْلَ الجِذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ (٣) وفى "الجذْوةِ" لغاتٌ للعربِ ثلاثٌ؛ جِذوةٌ بكسرِ الجيمِ، وبها قرَأت قَرَأَةُ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ، وهى أشهرُ اللغات الثلاثِ فيها، وجَذْوةٌ بفتحِ الجيمِ، وبها قرَأ أيضًا بعضُ قَرَأةِ الكوفةِ، [وجُذوةٌ بضمِّ الجيمٍ] (٤)، وهذه اللغاتُ الثلاثُ وإن كُنَّ مشهوراتٍ في كلامِ العربِ، فالقراءةُ بأشهرِها أعجبُ إليَّ، وإن لم أُنكِر قراءةَ مَن قرَأ بغيرِ الأشهرِ منهن.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى "الجذوةِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
يقولُ: شهابٍ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: والجَذوةُ أصلُ شجرةٍ فيها نارٌ.
حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: أصلُ الشجرةِ في طَرَفِها النارُ، فذلك قولُه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: السَّعَفُ فيه النارُ.
قال مَعْمرٌ: وقال غيرُ (١) قتادةَ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: أو شُعْلةٍ من النارِ (٢) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: أصلُ شجرةٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: أصلُ شجرةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: الجَذوةُ العودُ منِ الحطبِ الذي فيه النارُ، ذلك الجذوةُ (٤).
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
يقولُ: لعلكم تَتَسَخَّنون (١) بها من البَردِ.
وكان في شتاءٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتَى موسى النارَ التي آنَس من جانبِ الطورِ، ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾.
يعنى بالشاطئ الشَّطَّ.
وهو جانبُ الوادى وعُدْوَتُه، والشاطئُ يُجْمَعُ شَواطئَ وشُطَانَ، والشَّطُّ الشُّطُوطَ.
و "الأيمن" [من نعتِ] (٢) الشاطئ، عن يمينِ موسى.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾.
قال ابن عمرو في حديثِه: عندَ الطورِ.
وقال الحارثُ في حديثِه: من شاطئ الوادى الأيمنِ عندَ الطورِ، عن يمين موسى (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾.
قال: شِقِّ الوادى عن يمينِ موسى، عندَ الطورِ.
وقولُه: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ من صلةِ الشاطئ.
وتأويلُ الكلامِ: فلما أتاها نادَى اللهُ موسى من شاطئ الوادى الأيمنِ، في البقعةِ المباركةِ منه، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقيل: إن معنى قوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: عند الشجرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.
قال: نُودِى مِن عندِ الشجرةِ: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وقيل: إن الشجرةَ التي نادى موسى منها ربُّه شجرةُ عَوْسَجٍ.
وقال بعضُهم: بل كانت شجرةَ العُلَّيقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.
قال: الشجرةُ عَوْسَجٌ.
قال معمرٌ: [وقال غيرُ] (٢) قتادةَ: عصا موسى من العَوْسَجِ، والشجرةُ مِن العَوْسَجِ (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ مَن لا يَتَّهِمُ، عن [وهبِ بن مُنَبِّهٍ] (١): ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.
قال: خرَج نحوَها فإذا هي شجرةٌ مِن العُليق، وبعضُ أهلِ الكتابِ يقولُ: هي عَوْسَجةٌ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: رأيتُ الشجرةَ التي نُودِى منها موسى؛ شجرةَ سَمُرَةٍ (٣) حضراءَ تَرفُّ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: نُودِى موسى: أن يا موسى إنِّي أنا اللهُ ربُّ العالمين، وأن ألْقِ عصاك.
فألقاها موسى، فصارت حيةً تَسْعَى، فلما رآها موسى ﴿تَهْتَزُّ﴾.
يقولُ: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾.
والجانُّ: واحد الجنَّانِ، وهى نوعٌ معروفٌ مِن أنواعِ الحيَّاتِ، وهى منها عظامٌ.
ومعنى الكلام: كأنها جانٌّ مِن الجنَّان (٥)، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾.
يقولُ: وَلَّى موسى هاربًا منها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: فارا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
يقولُ: ولم يَرْجِعْ على عَقِبَيهِ (١).
وقد ذكَرنا الروايةَ في ذلك، وما قالَه أهلُ التأويلِ، فيما مضَى (٢)، فكَرِهْنا إعادتَه، غير أنا نَذْكُرُ في ذلك بعضَ ما لم نذكُرْه هنالك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
يقولُ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
أيَّ: لم يَلْتَفِتْ مِن الفَرَقِ (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
يقولُ: لم يَنْتَظِرُ (٤).
وقولُه: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فنُودِى موسى: يا موسى، أقِبلْ إليَّ ولا تَخَفْ مِن الذي تَهْرُبُ منه، ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ مِن أن يَضُرَّك، إنما هو (٥) عَصاك.
وقولُه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾.
يقولُ: أَدخِلْ يَدَك.
وفيه لغتان: سَلَكْتُه وأَسْلَكْتُه ﴿فِي جَيْبِكَ﴾.
يقولُ: في جَيْبِ قميصِك.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾.
أي: في جَيْبِ قميصك (٦).
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى السببَ الذي مِن أجلِه أَمر أَن يُدْخِلَ يدَه في الجيب دونَ الكُمِّ (١).
وقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
يقولُ: تخرج بيضاءَ مِن غيرِ بَرَصٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا قُرَّةُ بن خالدٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
قال: فخرَجَت كأنها المصباحُ، فأيقن موسى أنه لَقِى ربَّه (٢).
وقولُه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ يقولُ: واضْمُم إليك يَدَك.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾.
قال: يَدَك (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾.
قال: وجَناحاه الذراعُ، والعَضُد هو الجَناحُ، والكَفُّ اليدُ، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (٤) [طه: ٢٢].
وقولُه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾.
يقولُ: من الخوف والفَرَقِ الذي قد نالَك مِن مُعاينتِك ما عاينتَ مِن هَوْلِ الحيَّةِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾.
قال: من الفَرَقِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيَّ: مِن الرُّعْبِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾.
قال: مما دخَله مِن الفَرَقِ مِن الحَيَّةِ والخوف.
وقال: ذلك الرَّهْبُ.
وقرأ قولَ الله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال: خوفًا وطَمَعًا (٣).
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قَرَأةِ أهل الحجاز والبصرة: (مِنَ الرَّهَبِ) بفتحِ الراءِ والهاءِ (٤).
وقرأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مِنَ الرُّهْبِ) بضَمِّ الراءِ وتَسْكينِ الهاءِ (٥).
والقول في ذلك أنهما قراءتان مُتَّفقتا المعنى مشهورتان في قَرَأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارى فمُصِيبٌ.
وقولُه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فهذان اللذان أرَيْتُكهما يا موسى مِن تَحوُّلِ العصا حَيَّةً، ويَدِك وهى سمراءُ، بيضاءَ تَلمَعُ مِن غيرِ بَرَصٍ ﴿بُرْهَانَانِ﴾.
يقولُ: آيتان وحُجَّتان.
وأصلُ البرهان البيانُ، يقال للرجل يقولُ القولُ إذا سُئل الحُجَّةَ عليه: هاتِ بُرْهانَك على ما تقولُ.
أي: هاتِ تِبْيانَ ذلك ومِصْداقَه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: العَصا واليدُ آيتانِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: [حدَّثنا أبو عاصمٍ قال: قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال] (٢): ثنا الحسنُ (٣)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (٤) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: تِبْيانان مِن ربِّك (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: هذان بُرهانان (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾.
فقَرأ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]: هاتُوا (١) على ذلك آيةً نعرفُها.
وقال: ﴿بُرْهَانَانِ﴾: آيتان مِن اللهِ (٢).
واختلَفت القرأة في قراءةِ قولِه: ﴿فَذَانِكَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ، سِوى ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو: ﴿فَذَانِكَ﴾ بتَخْفيفِ النونِ (٣)؛ لأنها نونُ الاثنين.
وقرأه ابن كثيرٍ وأبو عمرو: (فَذَانَّكَ) بتشديدِ النونِ.
واختَلف أهلُ العربيةِ في وَجْهِ تَشْدِيدِها؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (٤): ثَقَّلَ النونَ مَن ثَقَّلها للتوكيدِ، كما أدخَلوا اللامَ في "ذلك".
وقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ (٥): شُدِّدَت فَرْقًا بينها وبينَ النونِ التي تَسْقُطُ للإضافة؛ لأن "هاتان وهذان" لا تضافُ.
وقال آخرُ منهم (٦): هو مِن لغةِ مَن قال: [هذا قال ذلك] (٧).
فزادَ على الألفِ ألفًا، كذا زادَ على النونِ نونًا؛ ليَفْصلَ بينَها وبينَ الأسماءِ المُتَمَكِّنة.
وقال في "ذانِك" (٨): إنما كانت ذلك (٩) في مَن قال: هاذاني (١٠): يا هذا.
فَكرِهوا تثنيةَ الإضافةِ، فأعقَبوها باللامِ؛ لأن الإضافةَ تُعَقَّبُ باللام.
وكان أبو عَمْرٍو يقولُ: التشديدُ في النونِ في: (ذَانِّك) مِن لغةِ قريشٍ.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
يقولُ: إلى فرعونَ وأشرافِ قومِه، حُجَّةً عليهم، ودلالةً على حقيقة نُبُوَّتِك يا موسى؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
قولُ: إن فرعونَ وملأهَ كانوا قومًا كافرين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ إني قَتَلْتُ مِن قومِ فرعونَ نفسًا، فَأَخَافُ إن أتيتُهم فلم أُبِنْ عن نفسى بحجةٍ، أن يَقْتُلُونى؛ لأن في لساني عُقْدَةً، ولا أُبِينُ معها ما أريدُ من الكلامِ، ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾.
يقولُ: أحسنُ بَيانًا عما يريدُ أن يُبَيِّنَه، ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾.
يقولُ: عَوْنًا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾.
أيَّ: يُبيِّنُ لهم عنى ما أخاطبُهم به.
كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
أي: يُبَيِّنُ لهم عنى ما أُكَلِّمُهم به، فإنه يَفْهَمُ ما لا يَفْهَمون (١).
وقيل: إنما سأل موسى ربَّه أن يُؤَيِّده بأخيه؛ لأن الاثنين إذا اجْتَمعا على الخبرِ، كانت النفسُ إلى تَصْديِقِهما أسْكَنَ منها إلى تصديقِ خبر الواحدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾: لأن الاثنين أُحْرَى أن يُصَدَّقا من واحدٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في "الرِّدْء" (١) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
قال: عَوْنًا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
أي: عونًا (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: كيما يُصَدِّقني.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
يقولُ: كي يُصَدِّقَنى (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
يقولُ: كيما يُصَدِّقَنى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
يقولُ: كيما يُصَدِّقَنى.
و"الرِّدْءُ" في كلامِ العربِ هو العَونُ، يقالُ منه: قد أردأتُ فلانًا على أمرِه.
أي: أَكْنَفْتُه (٢) وأعَنْتُه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: (رِدْءًا يُصَدِّقْنى) بجزم "يُصَدِّق" (٣).
وقَرأ عاصمٌ وحمزةُ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ برفعِه.
فمَن رفَعه جعلَه صلة لـ "الردءِ"، بمعنى: فأرسِلْه معى رِدْءًا، مِن صفتِه يُصَدِّقُنى.
ومَن جزَمه جعَله جوابًا لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾؛ فإنك إذا أرسَلْتَه صَدَّقَنى.
على وجهِ الخبرِ.
والرفعُ في ذلك أحبُّ القراءتَين إلى؛ لأنه مسألةٌ مِن موسى ربَّه أن يُرْسِلَ أخاه عونًا له بهذه الصفة.
وقولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
يقولُ: إني أخافُ ألا يُصَدِّقونى على قولى لهم: إنى أُرسلتُ إليكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أي: نُقَوِّيك ونُعِينُك بأخيك.
تقولُ العربُ إذا أعَزَّ رجلٌ رجلًا وأعانه ومنَعه ممن أرادَه بظلم: قد شَدَّ فلانٌ على عَضُدِ فلان.
وهو مِن: عاضَدَه على أمره: إذا أعانَه.
ومنه قولُ ابن مُقْبِلٍ (١): عاضَدْتُها بعنودٍ غيرِ مُعْتَلَثٍ (٢) … كأنه وَقْفُ عاجٍ (٣) باتَ مَكْنُونا يعنى بذلك: قوسًا عاضَدَها بسهمٍ.
وفى العضدِ لغاتٌ أربعُ، أجودها: العَضُدُ، ثم العَضُدُ، ثم العُضْدُ، والعَضِدُ (٤).
يُجْمعُ جميع ذلك على أعضادٍ.
وقولُه: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾.
يقولُ: ونَجْعَلُ لكما حُجَّةً.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: حُجَّةً (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: والسلطانُ الحُجَّةُ (١).
وقولُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ وقومه بسُوءٍ.
وقولُه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ، ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
فالباءُ في قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة "غالبون".
ومعنى الكلامِ: أنتما ومَن اتبعكما الغالِبون فرعونَ وملاه ﴿بِآيَاتِنَا﴾، أي: بحُجَّتِنا وسُلطانِنا الذي نَجْعَلُه لكما.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء موسى فرعونَ وملأه بأدلَّتِنا وحُجَحِنا بيناتٍ أنها حُجَجٌ شاهِدةٌ بحقيقةِ (٢) ما جاء به موسى مِن عندِ ربِّه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنَا به إلا سحرٌ افتريته مِن قِبَلِك، وتَخرَّصْتَه كذبًا وباطلًا، وما سَمِعنا بهذا الذي تَدْعُونا إليه، من عبادةِ مَن تَدعونا إلى عبادتِه، في أسلافِنا وآبائِنا الأولين الذين مَضَوا قَبْلَنا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى مُجيبًا لفرعونَ: رَبِّي أعلمُ بالحقِّ مِنَّا يا فرعونُ مِن المُبْطِل، ومن الذي جاء بالرشادِ إلى سبيلِ الصوابِ، والبيانِ عن واضحِ الحُجَّةِ مِن عندِه، ومَن الذي له العُقْبَى المحمودةُ في الدار الآخرة مِنَّا.
وهذه مُعارضةٌ من نبيِّ اللهِ موسى ﵇ لفرعونَ، وجميلٌ مُخاطبةٍ، إذ ترك أن يقولُ له: بل الذي غَرَّ قومَه، وأهلَك جنودَه، وأضلَّ أتباعَه، أنت لا أنا.
ولكنه قال: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ثم بالَغ في ذمِّ عدوِّ اللهِ بأجملَ مِن (١) الخطابِ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
يقولُ: إِنه لا يُنْجِحُ ولا يُدْرِكُ طَلِبَته (٢) الكافرون باللهِ.
يَعنِي بذلك فرعونَ، أنه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِحُ؛ الكُفْرِه بربِّه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ لأشرافِ قومهِ وسادتِهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فتَعْبُدوه وتُصَدِّقوا (٤) موسى فيما جاءَكم به؛ مِن أن له ولكم ربًّا غيرى ومعبودًا، سِواىَ، ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾.
يقولُ: فاعْمَلْ لى آجُرًّا.
وذُكر أنه أوَّلُ مَن طبخ الآجُرَّ وبَنَى به.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾.
قال: على المَدَرِ يكونُ لَبِنًا مطبوحًا.
قال ابن جُرَيج: أَوَّلُ مَن أمر بصنعةِ الآجُرّ وبَنَى به فرعونُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾.
قال: فكان أوَّلَ مَن طبخ الآجُرَّ يَبنى به الصَّرْحَ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾.
قال: المطبوحُ الذي يُوقَدُ عليه هو من طينٍ يَبْنون به البنيانَ (٣).
وقولُه: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾.
يقولُ: ابْنِ لى الآجُرَّ (٤) بناءً.
وكلُّ بناءٍ مُسَطَّحٍ فهو صَرْحٌ؛ كالقصرِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٥): بِهِنَّ نَعَامُ (٦) بَناها الرجالُ … تَحْسَبُ أعْلامهن الصُّرُوحا يعنى بالصُّرُوحِ جمعَ صَرْح.
وقولُه: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾.
يقولُ: أنْظُرُ إلى معبودِ موسى الذي يعبُدُه ويَدْعو إلى عبادتِه، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ فيما يقولُ مِن أن له معبودًا يَعْبُدُه في السماءِ، وأنه هو الذي يُؤَيِّده ويَنْصُرُه، وهو الذي أرسله إليْنا - ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
فذُكِر لنا أن هامانَ بنَى له الصَّرْحَ، فارتقَى فوقَه، فكان مِن قصتِه وقصةِ ارتقائِه ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال فرعونُ لقومِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ لعلى أذهبُ في السماءِ فأنظرَ إلى إلهِ موسى.
فلما بَنَى له الصرحَ، ارتقَى فوقَه، فأَمر بِنُشَّابةٍ، فرمَى بها نحوَ السماءِ، فرُدَّتْ إِليه وهي مُتَلَطِّخةٌ دَمًا، فقال: قد قتَلتُ إلهَ موسى (١).
تعالى اللهُ عما يقولون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واستَكْبَر فرعونُ وجنودُه في أرضِ مصرَ عن تصديقِ موسى واتباعِه على ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ، والإقرارِ بالعبودةِ له، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
يعنى: تَعَدِّيًا وعُتُوًّا على ربِّهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾.
يقولُ: وحَسِبوا أنهم بعدَ مَماتِهم لا يُبْعَثون، ولا ثوابَ ولا عقابَ، فركِبوا أهواءَهم، ولم يَعْلَموا أن الله لهم بالمرصادِ، وأنه لهم مُجازٍ على أعمالِهم الخبيثةِ.
وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فجمَعْنا فرعونَ وجنودَه من القِبْطِ، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾.
يقولُ: فألقَينا (٢) جميعَهم في البحرِ، فغَرَّقْناهم فيه.
كما قال أبو الأسودِ الدُّؤليُّ (٣): نَظَرْتَ إِلى عُنوانِه فنبذته … كنَبْذِك نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِن نِعالِكا وذُكر أن ذلك بحرٌ مِن وراءِ مصرَ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾.
قال: كان اليَمُّ بحرًا يقالُ له: إسافٌ.
مِن وراء مصرَ، غرَّقهم اللهُ فيه (١).
وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فانظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان أمرُ هؤلاء الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بربِّهم ورَدُّوا على رسولِه نصيحتَه، ألم نُهْلِكُهم فنُوَرِّثَ ديارَهم وأموالَهم أولياءَنا، ونُخَوِّلهم ما كان لهم مِن جناتٍ وعيونٍ، وكنوزٍ ومَقامٍ كريمٍ؟
بعد أن كانوا مُسْتَضْعفين، تُقَتَّلُ أبناؤُهم، وتُسْتَحْيا نساؤُهم؟
فإنا كذلك بك وبمَن آمَن بك وصَدَّقك فاعلون؛ مُخَوِّلوك وإياهم ديارَ مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما أتيتَهم به مِن الحقِّ، وأموالَهم، ومُهْلِكوهم قتلًا بالسيفِ، سنةَ الله في الذين خَلَوا مِن قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا فرعونُ وقومَه أئمةً يأتمُّ بهم أهلُ العُتُوِّ على اللهِ والكفرِ به، يَدْعون الناسَ إلى أعمالِ أهلِ النارِ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: ويومَ القيامةِ لا يَنْصُرُهم مِن الله إذا عذَّبهم ناصرٌ، وقد كانوا في الدنيا يَتَناصَرون، فاضمَحَلَّت تلك النُّصْرة يومَئذٍ.
وقولُه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وألزَمْنا فرعونَ وقومَه في هذه الدنيا خِزيًا وغضبًا منا عليهم، فحَتَّمْنا لهم فيها بالهلاكِ والبَوارِ والثناءِ السَّيِّيء، ونحن مُتْبِعُوهم لعنةً أخرى يومَ القيامةِ، فمُخْزُوهم بها الخزىَ الدائمَ، ومُهِينوهم بها (١) الهوانَ اللازم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال: لُعِنوا في الدنيا والآخرةِ.
قال: هو كقولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لعنةً أُخرى، ثم استَقبَل فقال: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٣).
وقولُه: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هم مِن القومِ الذين قَبَّحهم اللهُ، فأهْلَكهم بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبهم رسولَه موسى ﵇، فجعَلهم عبرةً للمُعْتبرين، وعِظَةً للمُتَّعظين.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ مِن بعد ما أهَلَكْنا الأممَ التي كانت قبلَه؛ كقومِ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، وقومِ لوطٍ، وأصحابِ مَدينَ ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾.
يقولُ: ضياءً لبنى إسرائيلَ فيما بهم إليه الحاجةُ مِن أمرِ دينِهم، ﴿وَهُدًى﴾.
يقولُ: وبيانًا لهم ورحمةً لمن عَمِل به منهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ بذلك عليهم، فيَشْكُروه عليها ولا يَكْفُرُوا.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: ما أَهْلَك اللهُ قومًا بعذابٍ مِن السماءِ ولا مِن الأرضِ بعدَ ما أُنزِلت التوراةُ على وجهِ الأرضِ غير القريةِ التي مُسِخوا قردةً، ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ غربيِّ الجبلِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾.
يقولُ: إذ فرَغنا (٢) إلى موسى الأمرَ فيما ألزمناه وقومَه، وعهِدنا إليه مِن عهدٍ، ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
يقولُ: وما كنتَ لذلك مِن الشاهدين.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾.
يقولُ: بجانب غربيِّ الجبلِ، ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: غربيِّ الجبلِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مدركٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، قال: إنكم أمةَ محمدٍ ﷺ قد أُجِبتم قبلَ أن تَسألوا.
وقرأ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (٢).
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: ولكنا خلَقْنا أُممًا فأحدَثناها مِن بعدِ ذلك، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.
وقولُه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾.
يقولُ: وما كنتَ مقيمًا في أهلِ مدينَ.
يقالُ: ثويتُ بالمكانِ أثْوِى به ثَواءً، قال أعشى ثعلبةَ (١): أثْوَى وَقَصَّرَ (٢) لَيْلةً (٣) لِيُزَوَّدا … فَمَضَى وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾.
قال: الثاوِى المقيمُ، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾.
يقولُ: تقرأُ عليهم كتابَنا، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.
يقولُ: لم تشهدْ شيئًا مِن ذلك يا محمدُ، ولكنا كنا نحن نفعلُ ذلك، ونرسلُ الرسلَ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ الجبلِ إذ نادينا بأن: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧،١٥٦] الآية.
كما حدَّثنا عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْركٍ، عن أبي زُرْعَةَ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾.
قال: نادى: يا أمةَ، محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، وأجبتُكم قبلَ أن تَدْعونى (١).
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾.
قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حرملةُ بنُ قيسٍ النخعيُّ، قال: سمعتُ هذا الحديثَ مِن أبي زُرْعةَ بن عمرِو بن جريرٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾.
قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألونى، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن سليمانَ، و (٢) سفيانُ، عن سليمانَ، وحجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْرِكٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾.
قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعوني.
قال: وهو قولُه حينَ قال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية (٣): قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ مثلَ ذلك.
وقولُه: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لم تشهدْ شيئًا ذلك يا محمدُ فتعلَمَه، ولكنا عرّفناكه، وأنزَلنا إليك، فاقتصَصنا ذلك كلَّه عليك في كتابِنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ذلك رسولًا إلى من ابتعثناك إليه من الخلقِ، رحمةً منا لك ولهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ما قصَصنا عليك؛ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ الآية (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ (٢): ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
قال: كان رحمةً مِن ربِّك النبوَّةُ.
وقولُه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنْ أرسلْناك بهذا الكتابِ وهذا الدينِ، لتنذرَ قومًا لم يأتِهم قبلَك نذيرٌ، وهم العربُ الذين بُعث إليهم رسولُ الله ﷺ، بعَثه الله إليهم رحمةً، لينذرَهم بأسَه على عبادتهم الأصنامَ، وإشراكِهم به الأوثانَ والأندادَ.
وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: ليتذكَّروا فيَتَبَيَّنوا (٣) خطأَ ما هم عليه مقيمون، من كفرِهم بربِّهم، فيُنيبوا (٤) إلى الإقرارِ للهِ بالواحدانيةِ، وإفرادِه بالعبادةِ، دونَ كلِّ مِن سواه من الآلهةِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
قال: الذي أنزَلنا عليك مِن القرآنِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن يقولُ هؤلاءِ الذين أرسلتُك يا محمدُ إليهم، لو حلَّ بهم بأسُنا، أو أتاهم عذابُنا، مِن قبل أن نرسلَك إليهم، على كفرِهم بربِّهم، واكتسابِهم الآثامَ، واجترامهم المعاصىَ: ربَّنا هلَّا أرسلتَ إلينا رسولًا مِن قبلِ أن يَحِلَّ بنا سَخَطُكَ وينزلَ بنا عذابُك، فتتَّبع أدلَّتَك وآىَ كتابِك الذي تُنزِّلُه على رسولك، ونكونَ مِن المؤمنين بأُلوهِتك، المصدِّقين رسولَك فيما أمرتَنا ونهيتَنا - لعاجلْنَاهم العقوبةَ على شركِهم مِن قَبْلِ إرسالِناك إليهم، ولكِنَّا بعَثْناك إليهم نذيرًا بأسَنا على كفرِهم، لئلَّا يكونَ للناسِ على الله حجةٌ بعدَ الرسلِ.
والمصيبةُ في هذا الموضعِ العذابُ والنقمةُ.
ويعنى بقولِه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: بما اكتسَبوا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء هؤلاءِ الذين لم يأتِهم من قبلك يا محمدُ نذيرٌ، فبعثناك إليهم نذيرًا، ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، وهو محمدٌ ﷺ، بالرسالة من اللهِ إليهم، قالوا، تمرُّدًا على اللهِ، وتماديًا في الغيِّ: هلا أوتِى هذا الذي أُرِسل إلينا - وهو محمدٌ.
مثلَ ما أوتى موسى بنُ عمرانَ مِن الكتابِ.
يقولُ الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لقومِك من قريشٍ، القائلين لك: لولا أوتيتَ مثل ما أُوتى مُوسَى: أولم يكفرِ (١) الذين علِموا هذه الحجةَ مِن اليهودِ بما أُوتىَ موسى مِن قبلِك.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾] (٢).
قال: يهودُ تأمرُ قريشًا أن تسألَ محمدًا مثلَ ما أوتىَ موسى.
يقولُ الله لمحمدٍ ﷺ: قل لقريشٍ يقولوا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
قال: اليهودُ تأمرُ قريشًا.
ثم ذكَر نحوَه.
﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (قالوا ساحِرَانِ تَظَاهَرَا) (١).
بمعنى: أولم يكفروا بما أُوتى موسى مِن قبلُ، وقالوا له ولمحمدٍ ﷺ، في قولِ بعضِ المفسرين، وفي قولِ بعضِهم، لموسى وهارونَ ﵉، وفى قولِ بعضِهم، لعيسى ومحمدٍ: ساحِران تعاوَنا، وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٢) بمعنى: وقالوا للتوراةِ والفرقانِ، في قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ بعضِهم للإنجيلِ والفُرقانِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على قدرِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.
ذكرُ مِن قال: عُنِى بالساحرَين اللذَين تظاهرا: محمدٌ وموسى صلى اللهُ عليهما حدَّثنا سليمانُ بنُ محمدِ بن مَعْدِيكَرِبَ الرُّعينيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سمِعتُ مسلمَ بنَ يسارٍ (٣) يحدثُ عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: (ساحِران تَظاهَرا).
قال: موسى ومحمدٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ جارِهم (٥)، قال: سمعتُ مسلمَ بنَ يسارٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: (ساحِرَانِ تظاهرا).
قال: موسى ومحمدٌ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، عن مسلمِ بن يَسارٍ، أن ابنَ عباسٍ قرأ: (ساحِرَانِ).
قال: موسى ومحمدٌ ﵉.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن كيسانَ أبي حمزةَ، عن مسلمِ بن يسارٍ، عن ابنَ عباسٍ مثلَه (١).
ومن قال: موسى وهارونُ ﵉ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: (ساحِرانِ تَظاهَرَا).
قال: يهودُ لموسى وهارونَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: (قالُوا ساحِرَان تَظاهَرَا): قولُ يهود لموسى وهارونَ ﵉.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وأبى رَزين، أن أحدَهما قرَأ: (ساحِرَان تَظاهَرَا).
والآخرَ: ﴿سِحْرَانِ﴾.
قال الذي قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾، قال: التوراةُ والإنجيلِ.
وقال الذي قرأ: (ساحِرَان)، قال: موسى وهارون وهارونُ (٣).
وقال آخرون: عَنَوا بالساحرَين عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ قولَه: (ساحِرَانِ تَظاهَرَا).
قال: عيسى ومحمدٌ.
أو قال: موسى، صلى اللهُ عليهم (١).
ذكر مِن قال: عَنَوا بذلك التوراةَ (٢) والفرقانَ.
ووجهَ تأويلَه إلى قراءةِ من قرأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنَ عباسٍ قولَه ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
يقولُ: التوراةُ والقرآنُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
يعنى التوراةَ والفرقانَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (قالُوا سِحْرَانِ تَظاهَرَا).
قال: كتابُ موسى وكتابُ رسولِ اللهِ ﷺ (٤).
ذكرُ مَن قال: عَنَوا به التوراةَ والإنجيلِ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ (٥)، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ إلى جنبِ ابن عباسٍ وهو يتعوَّذُ بينَ الركنِ والمقامِ، فقلتُ: كيف تقرأُ؛ ﴿سِحْرَانِ﴾، أو (ساحران)؟
فلم يردُّ على شيئًا، فقال عكرمة: (ساحران).
وظننتُ أنه لو كرِه ذلك أنكرَه عليَّ.
قال حميدٌ: فلقيتُ عكرمةَ بعدَ ذلك، فذكرتُ ذلك له، وقلتُ: كيف كان يقرؤُها؟
قال: كان يقرأُ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ التوراةُ والإنجيلُ (١).
ذكرُ مَن قال: عَنَوْا به الفُرْقَانَ والإنجيلَ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرَأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
يعنون: الإنجيلُ والفرقانُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: قالت ذلك أعداءُ اللهِ اليهودُ، للإنجيلِ والفرقانِ، فمَن قال: (ساحِران) فيقولُ: محمدٌ وعيسى ابن مريمَ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٤).
بمعنى: كتابُ موسى وهو التوراةُ، وكتابُ عيسى وهو الإنجيلُ.
وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب؛ لأن الكلامَ مِن قبلِه جرَى بذكرِ الكتابِ، وهو قوله: ﴿قَالُوا (٥) لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ والذي يليه مِن بعدِه ذكرُ الكتابِ، وهو قولُه: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْه﴾.
فالذى بينَهما بأن يكونَ مِن ذكرِه أولى وأشبَهُ بأن يكونَ مِن ذكرِ غيرِه.
وإذ كان ذلك هو الأوْلَى بالقراءةِ، فمعلومٌ أن معنى الكلامِ: قل يا محمدُ: أوَ لم يَكْفُرْ هؤلاء اليهودُ بما أُوتِى موسى مِن قبلُ، وقالوا لما أُوتِى موسى مِن الكتابِ، ولما أُوتِيتَه أنت: سحرانِ تعاونا.
وقولُه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت اليهودُ: إنا بكلِّ كتابٍ في الأرضِ؛ مِن توراةٍ، وإنجيلٍ، وزَبورٍ، وفُرقانٍ، كافرون.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ، وخالَفه فيه مُخالفون.
ذكرُ مِن قال مثل الذي قلْنا في ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قالوا: نَكْفُرُ أيضًا بما أُوتِى محمدٌ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال: يهودُ أيضًا، تَكْفُرُ بما أُوتِى محمد أيضًا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقالوا: إنا بكلِّ الكتابين؛ [التوراةِ و] (٢) الفرقانِ والإنجيلِ، كافرون.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال: يقولُ: بالإنجيلِ والقرآنِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: يعنون الإنجيلَ والفرقانَ حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال: هم أهلُ الكتابِ.
يقولُ: بالكتابين؛ التوراةِ والفرقانِ (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: الذي جاء به موسى، والذي جاء به محمدٌ، صلى الله عليهما وسلم (٣).
القول في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للقائلين للتوراةِ والإنجيلِ: هما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: ائْتُوا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ هو أهدى منهما لطريقِ الحقِّ وسبيلِ الرَّشادِ، ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمِكم أن هذين الكتابين سِحْران، وأن الحقَّ في غيرِهما.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ، قال: فقال الله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ الآية.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فقال اللهُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾: مِن هذين الكتابين؛ الذي بُعث به موسى، والذي بعث به محمدٌ، صلى الله عليهما وسلم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإن لم يُجِبْك هؤلاء القائلون للتوراة والإنجيل: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.
الزاعمون أن الحقَّ في غيرِهما، مِن اليهودِ، يا محمدُ - إلى أن يَأْتُوك بكتابٍ مِن عندِ اللهِ، هو أهدى منهما، فاعْلَمْ أنما يَتَّبِعون أهواءَهم، وأن الذي يَنْطِقون به ويقولون في الكتابين، قولٌ كَذِبٌ وباطلٌ لا حقيقةَ له.
ولعل قائلًا أن يقولَ: أو لم يَكُنِ النبيُّ ﷺ يَعْلمُ أن ما قال القائلون من اليهودِ وغيرِهم في التوراةِ والإنجيلِ مِن الإفكِ والزُّورِ والمُسَمُّوهما سِحْرين - باطلٌ مِن القولِ، إلا بأن لا يُجِيبوه إلى إتيانِه (٢) بكتابٍ هو أهْدَى منهما؟
قيل: هذا كلامٌ خرَج مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ، والمرادُ به المقولُ لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ مِن كفارِ قريشٍ.
وذلك أنه قيل للنبيِّ ﷺ: قلْ يا محمدُ لمشركي قريشٍ أولم يَكْفُرْ هؤلاء الذين أمَروكم أن تقولوا: هلَّا أُوتِيَ محمدٌ مثلَ ما أُوتِى موسى.
بالذي أوتِى موسى مِن قبلِ هذا القرآنِ، ويقولوا للذى أُنْزِل عليه وعلى عيسى: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾؟
فقولوا لهم: إن كنتم صادقين أن ما أُوتِى موسى وعيسى سحرٌ، فأْتوا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ هو أهدى مِن كتابيهما.
فإن هم لم يُجِيبوكم إلى ذلك فاعْلَموا أنهم كَذَبَةٌ، وأنهم إنما يَتَّبِعون في تكذيبِهم محمدًا، وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، أهواءَ أنفسِهم، ويَتْرُكون الحقَّ وهم يَعْلَمون.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أَضَلُّ عن طريقِ الرَّشادِ وسبيلِ السَّدادِ، ممن اتَّبَع هوى نفسِه بغيرِ بيانٍ مِن عندِ اللهِ، وعهدٍ مِن الله، ويَتْرُكُ عهدَ اللهِ الذي عهِده إلى خلقِه في وحيِه وتنزيلِه؟
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحقِّ وسبيلِ الرشدِ القومَ الذين خالَفوا أمرَ اللهِ، وترَكوا طاعتَه، وكذَّبوا رسولَه، وبدَّلوا عهدَه، واتَّبعوا أهواءَ أنفسهم؛ إيثارًا منهم لطاعةِ الشيطانِ على طاعةِ ربِّهم.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد وصَّلْنا يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ ولليهودِ مِن بنى إسرائيلَ القولَ بأخبارِ الماضين، والنبأَ عما أحْلَلْنا بهم مِن بأسِنا، إذ كذَّبوا رسلَنا، وعما نحن فاعلون بمَن اقْتَفَى آثَارَهم، واحْتَذَى في الكفرِ باللهِ وتكذيبِ رسلِه مِثالَهم؛ ليَتَذَكَّروا فيَعْتَبِرُوا ويَتَّعِظوا.
وأصلُه مِن وَصْلِ الحبالِ بعضِها ببعضٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (١): فقلْ لبنى مَرْوانَ ما بالُ ذمةٍ … وحبلٍ ضعيفٍ ما يَزالُ يُوَصَّلُ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفت ألفاظُهم ببيانهم عن تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: بيَّنا.
وقال بعضُهم: معناه: فصَّلْنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾.
قال: فصَّلْنا لهم القولَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾.
قال: وصَّل اللهُ لهم القولَ في هذا القرآنِ؛ يُخْبِرُهم كيف صنَع بمَن مضَى، وكيف هو صانعٌ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا محمدُ بنُ عيسى أبو جعفرٍ، عن سفيانَ بن عُيَيْنةَ: ﴿وَصَّلْنَا﴾: بيَّنَّا (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ﴾ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾.
[قال: وصَّلْنا لهم] (١) الخبرَ؛ خبرَ الدنيا بخبرِ الآخرةِ، حتى كأنهم عايَنوا الآخرةَ، وشهِدوها في الدنيا، بما نُريهم مِن الآياتِ في الدنيا وأشباهها.
وقرَأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣].
وقال (٢): إنا سوف تُنْجِزُ (٣) ما وعَدْناهم في الآخرةِ، كما أنْجَزْنا للأنبياءِ ما وعَدْناهم، نَقْضى بينَهم وبينَ قومِهمِ (٤).
واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بالهاءِ والميمِ مِن قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾؛ فقال بعضُهم: غنى بهما قريشٌ (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾.
قال: قريشٍ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾.
قال: لقريشٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قال: يعني محمدًا ﷺ (١).
وقال آخرون: عُنِى بهما (٢) اليهودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن يَحْيَى بن جَعْدَةَ، عن رفاعةَ القُرَظيِّ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في عَشَرةٍ أنا أحدُهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن سِنانٍ، قال: ثنا حَيَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، عن رِفاعةَ (٤) القُرظى، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ في عَشَرَةٍ أنا أحدُهم.
فكأن ابنَ عباسٍ أراد بقوله: يعنى محمدًا.
لعلهم يتذكرون عهدَ اللهِ في محمدٍ إليهم، فيُقرون بنبوته ويصدِّقونه.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه قومًا مِن أهل الكتابِ آمنوا برسولِه وصدَّقوه، فقال: الذين آتيناهم الكتابَ مِن قبلِ هذا القرآنِ، هم بهذا القرآنِ يؤمنون، فيُقِرّون أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ويكذِّبُ جهلةُ الأميين الذين لم يأتِهم مِن اللهِ كتابٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال: يعنى مِن آمَن بمحمدٍ ﷺ مِن أهل الكتابِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: في مُسْلِمة أهلِ الكتابِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْجَاهِلِينَ﴾.
قال: هم مُسلِمةُ أهل الكتابِ.
قال ابن جريجٍ: أخْبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، أن يحيى بن جَعْدَة، أخبره عن عليٍّ بن رِفاعةَ، قال: خرج عشرةُ رَهْطٍ مِن أهلِ الكتابِ، منهم أبو رفاعةَ - يعنى أباه - إلى النبيِّ ﷺ، فآمَنوا، فأُوذوا، فنزلتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: قبلِ القرآنِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال: كنا نُحدَّث أنها نزلت في أناسٍ (٢) مِن أهلِ الكتابِ كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعَث اللهُ محمدًا ﷺ، فآمَنوا به وصدَّقوا به، فأعطاهم اللهُ أجرَهم مرتين؛ بصبرِهم على الكتابِ الأوّلِ، واتباعِهم محمدًا ﷺ وصبرِهم على ذلك، وذُكر لنا أن منهم سَلْمَانَ وعبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ (٣).
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ آمنوا بالتوراةِ والإنجيلِ، ثم أدركوا محمدًا ﷺ فآمَنوا به، فأتَاهم اللهُ أجرَهم مرتين بما صبروا؛ بإيمانهم بمحمدٍ ﷺ قبل أن يُبعَثَ، وباتباعهم إياه حينَ بُعث، فذلك قولُهم (٤): ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا يُتلى هذا القرآنُ على الذين آتيناهم الكتابِ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾.
يقولُ: يقولون: صدَّقنا به، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
يعني: مِن عندِ ربِّنا نزَل، إنا كنا مِن قبل نزول هذا القرآنِ مسلمين.
وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاءتْ به الأنبياءُ قبلَ مجيءِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ من الكتبِ، وفى كتبِهم صفةُ محمدٍ ونعتُه، فكانوا به وبمبعثِه وبكتابِه مصدِّقين قبلَ نزول القرآنِ، فلذلك قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفتُ صِفَتَهم، يُؤْتَوْن ثوابَ عملِهم مرتَيْن بما صَبَروا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الصبرِ" الذي وعد اللهُ [عليه ما وعَد] (١)؛ فقال بعضُهم: وعَدَهم ما وعَد جلَّ ثناؤُه بصبرِهم على الكتابِ الأوَّلِ، واتِّباعِهم محمدًا ﷺ، وصبرِهم على ذلك.
وذلك قولُ قتادةَ، وقد ذكرْناه قَبْلُ.
وقال آخرون: بل وعَدهم بصبرِهم بإيمانهم بمحمد ﷺ قَبْلَ أَن يُبْعَثَ، وباتِّباعهم إياه حينَ بُعِث.
وذلك قولُ الضَّحَّاكِ بن مُزاحمٍ، وقد ذكرْناه أيضًا قبلُ، ومِمَّن وافق قتادةَ على قولِه عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: على دينِ عيسى، فلمَّا جاء النبيُّ ﷺ أسْلَموا، فكان لهم أجرُهم مرتَيْن؛ بما صبروا أوَّلَ مرةٍ، ودخَلوا مع النبيِّ ﷺ في الإسلامِ (٢).
وقال قومٌ في ذلك بما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾.
قال: إن قومًا كانوا مشركين أسْلَموا، فكان قومُهم يُؤذونَهم، فنَزَلَتْ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (١).
وقولُه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
يقولُ: ويَدْفَعون بحسناتِ أفْعالِهم التي يَفْعَلونها سيئاتِهم، ومما رَزَقْناهم مِن الأموالِ يُنْفِقُون في طاعةِ اللهِ؛ إمَّا في جهادٍ في سبيلِ اللهِ، وإمَّا في صدقةٍ على محتاجٍ، أو في صلةِ رحمٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: قال الله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ وأَحْسَنَ اللهُ عليهم الثَّناءَ كما تَسْمَعون فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا سمِع هؤلاء القومُ الذين آتيناهم الكتابَ - ﴿اللَّغْوَ﴾، وهو الباطِلُ مِن القولِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا يُحاورون (٢) أهلَ الجهلِ والباطلِ في باطلِهم، أتاهم مِن أمِر اللهِ ما وَقَذَهم (١) عن ذلك (٢).
وقال آخرون: عَنى باللغوِ في هذا الموضعِ ما كان أهل الكتابِ ألْحَقوه في كتابِ اللهِ ممَّا ليس هو منه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: هذه لأهلِ الكتابِ، إذا سمِعوا اللغوَ الذي كتب القومُ بأيديِهم مع كتابِ اللهِ، وقالوا: هو مِن عنِد اللهِ.
إذا سمِعه الذين أسْلموا، ومَرُّوا به يَتْلُونَه، أعْرَضوا عنه وكأنهم لم يَسْمَعوا ذلك قبل أن يُؤمنوا بالنبيِّ ﷺ؛ لأنهم كانوا مسلمين على دينِ عيسى، ألا تَرَى أنهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٣).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: نَزَلَتْ في قومٍ كانوا مشركين فأسْلَموا، فكان قومُهم يُؤْذُونَهم.
[حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ (٤)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله:] (٥) [﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾.
قال: كان ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ أسْلَموا، فكان المشركون يُؤْذُونَهم] (١)، فكانوا يَصْفَحون عنهم؛ يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).
وقولُه: ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾.
يقولُ: لم يُصْغوا إليه ولم يَسْتَمِعوه، ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾.
وهذا يدلُّ على أن اللغوَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ إنما هو ما قاله مجاهدٌ، مِن أنه سَماعُ القومِ ممّن (٣) يُؤذيهم بالقول، ما يَكْرَهون منه في أنفُسِهم، وأنهم أجابوهم بالجميلِ مِن القولِ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾ قد رضينا بها لأنفسِنا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قد رَضِيتم بها لأنفسِكم.
وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
يقولُ: أمَنَةٌ لكم منا أن نُسَابَّكم، أو تَسْمعوا منا ما لا تُحبون، ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
يقولُ: لا نريدُ مُحاوَرَةَ أهلِ الجهلِ ومُسَابَّتَهم (٤).
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايتَه، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَن يَهْدِيَهِ مِن خَلْقِه، بتوفيقِه للإيمانِ بالله وبرسوله.
ولو قِيل: معناه: إنك لا تَهْدِى مَن أحببته؛ لقَرَابَتِه منك، ولكنَّ الله يهدى مَن يشاءُ - كان مَذْهَبًا، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ أعلمُ مَن سَبَق له في علمِه أنه يَهْتَدى للرَّشادِ، ذلك الذي يَهْدِيه اللهُ فيُسَدِّدُه ويُوَفِّقُه.
وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلتْ على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجْلِ امتناعِ أبي طالبٍ عمِّه مِن إجابته إذ دَعاه إلى الإيمانِ باللهِ، إلى ما دعاه إليه مِن ذلك.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن يزيدَ بن كَيْسانَ، عن أبي حازم، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لعمِّه عند الموتِ: "قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
أَشْهَدُ لك بها يومَ القِيامةٍ".
قال: لولا أن تُعَيِّرَني قُريشٌ لأقْرَرْتُ عينَك.
فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآيةَ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيد بن كَيْسان، قال: ثني أبو حازمٍ الأشْجَعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لعمِّه: "قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ".
ثم ذكَر مثلَه (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيدَ بن كيسانَ، سمِع أبا حازمٍ الأشْجَعيَّ يَذْكُرُ عن أبي هريرة، قال: لمَّا حَضَرْت وفاة أبي طالبٍ، أتاه رسولُ الله ﷺ فقال: "يا عَمَّاهُ، قلْ: لا إلهَ إلا الله".
فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: لولا أن تُعَيِّرنى قريشٌ؛ يقولون: ما حمَله عليه إلا جَزَعُ الموتِ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يزيدَ بن كيسانَ، عن أبي حازمٍ أبي هُريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ.
فذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ والصُّدائيِّ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: ثني يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءَه رسول الله ﷺ، فوجَد عندَه أبا جهلِ بنَ هشامٍ وعبدَ اللهِ بنَ أبي أُمَيَّةَ بن المُغيرةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ.
كلمةً أشْهَدُ لك بها عندَ اللهِ".
فقال أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبى أُميةَ: يا أبا طالبٍ، أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلب؟
فلم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يَعْرِضُها عليه.
ويُعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كَلَّمهم: هو على ملِة عبدِ المطلبِ.
وأبَى أن يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أما والله، لأسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أَنْهَ عنك".
فأنْزَل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣].
وأَنْزَل الله في أبي طالبٍ، فقال لرسولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ، عن أبيه بنحوِه (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو، عن أبي سعيدِ بن رافعٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ (٤): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؛ نَزَلَتْ في أبي طالبٍ؟
قال: نعم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
قال: قولُ محمدٍ لأبي طالبٍ: "قُلْ كلمةَ الإخلاصِ، أُجادِلُ عنك بها يومَ القيامةِ".
قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: قال يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ.
أو: سُنَّةَ الأشياخ.
وقال الحارثُ في حديثِه: قال: يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
قال: قال محمدٌ ﷺ لأبي طالبٍ: اشْهَدْ بكلمةِ الإخلاصِ، أُجادِلْ عنك بها يومَ القيامةِ".
قال: أي بنَ أخى، ملةَ الأشياخِ.
فأَنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أبي طالبٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: ذُكِر لنا أنها نَزَلتُ في أبي طالبٍ.
قال: ألاصَه (٣) عندَ موتِه يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ.
لكيما تَحِلَّ له بها الشفاعةُ، فأبَى عليه (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: لمَّا حضَر أبا طالبٍ الموتُ، قال له النبيُّ ﷺ: "يا عَمَّاهُ، قُلْ: لا إله إلا اللهُ.
أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ".
فقال له: يابنَ أخى، إنه لولا أن يكونَ عليك عارٌ، لم أَبالِ أن أفْعَلَ.
فقال له ذلك مرارًا، فلمَّا مات اشتدَّ ذلك على النبيِّ ﷺ، وقالوا: ما تَنْفَعُ قرابةُ أبي طالبٍ منك.
فقال: "بلى والذي نَفْسي بيده، إنه الساعةَ لفي ضَحْضَاحٍ (١) مِن النارِ، عليه نَعْلان من نارٍ، تَغْلى منهما أُمُّ رأسِه، وما مِن أهلِ النارِ مِن إنسانٍ هو أَهْوَنُ عذابًا منه".
وهو الذي أنْزَل الله فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
يقولُ: وهو أعلمُ بمَنْ قُضِى له الهدى.
كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
قال: بَمَنْ قَدَّر له الهُدَى والضَّلالَة (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت كفارُ قريشٍ: إن نَتَّبِعِ الحقَّ الذي جِئْتَنا به معك، ونَتَبَرَّأْ من الأندادِ والآلهةِ، يَتَخَطَّفْنا الناسُ مِن أرضنا، بإجماع جميعهم على خِلافِنا وحربِنا.
يقولُ اللهُ لنبيِّه: فقُلْ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾؟
يقولُ: أولم نُوَطِّئْ (١) لهم بلدًا حَرَّمنا على الناسِ سفكَ الدماءِ فيه، ومَنَعْناهم مِن أَن يَتَناولوا سُكَّانَه فيه بسوءٍ، وأمْنًا على أهلِه من أن يُصيبهم بها غارةٌ، أو قتلٌ، أو سباءٌ؟
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبد اللهُ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أن الحارثَ بنَ نَوْفَلٍ، الذي قال: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾.
وزعموا أنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنك رسولُ اللهِ ولكِنَّا نَخافُ أن نُتَخَطَّفَ مِن أرضِنا.
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ الآيةَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾.
قال: هم أُناسٌ مِن قريشٍ قالوا لمحمدٍ ﷺ: إن نَتَّبِعْكَ يَتَخَطَّفْنا الناسُ.
فقال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
قال: كان يُغير بعضُهم على بعضٍ (٢).
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾: قال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: أولم يَكونوا آمِنِين في حَرَمِهِم؟
لا يُغْزَوْن فيه ولا يَخافون، يُجْبَى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾.
قال: كان أهلُ الحرمِ آمِنين يَذْهبون حيثُ شاءُوا، وإذا خرَج أحدُهم فقال: إنى مِن أهلِ الحرمِ.
لم يُعْرَضُ (٤) له، وكان غيرُهم مِن الناسِ إذا خرَج أحدُهم قُتِل (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾.
قال: آمَنَّاكم به.
قال: هي مكةُ، وهم قُريشٌ (١).
وقولُه: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: يُجْمَعُ إليه.
وهو مِن قولِهم: جَبَيْتُ الماءَ في الحوضِ.
إذا جَمَعْتَه فيه.
وإنما أُرِيدَ بذلك: يُحْمَلُ إليه ثمراتُ كلِّ بلدٍ.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شَرِيكٍ، عن عثمانَ بن أبى زُرْعَةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
قال: ثمراتُ الأرضِ (٢).
وقولُه: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
يقولُ: ورزقًا رَزَقْنَاهُم مِن لَدُنَّا.
يعنى: مِن عِندِنا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين، القائِلِين لرسولِ اللهُ ﷺ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾.
لا يَعْلَمون أنَّا نحن الذين مَكَّنَّا لهم حرمًا آمنًا، ورَزَقْناهم فيه، وجَعَلْنَا الثمراتِ مِن كلِّ أرضٍ تُجْبَى إليهم، فهم بجهلهم بمَن فعل ذلك بهم يَكْفُرون، لا يَشْكرون مَن أنْعَم عليهم بذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهْلَكُنا من قريةٍ أبْطَرَتْها معيشتُها، فبَطِرَتْ وأُشِرَتْ (٣) وطَغَتْ، فَكَفَرَتْ بربِّها.
وقيل: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ فَجَعَل الفِعلَ للقريةِ، وهو في الأصلِ للمعيشةِ، كما يُقالُ: أَسْفَهَك رَأيك فسَفِهْتَه، وأَبْطَرَك مالُك فبَطِرْتَه.
و "المعيشةُ" منصوبةٌ على التفسير.
وقد بَيَّنَّا نظائرَ ذلك في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا (١).
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾.
قال: البَطَرُ الأشرُ (٢)، أهلُ الغَفْلَةِ وأهلُ الباطل والرُّكُوبِ لمعاصى اللهِ.
وقال: ذلك البَطَرُ في النِّعْمةِ (٣).
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يقولُ: فتلك دُورُ القومِ الذين أهْلَكْناهم بكفرهم بربِّهم، ومنازِلُهم، ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يقولُ: خَرِبَتْ مِن بعدِهم، فلم يُعْمَرُ منها إلا أقَلُّها، وأكثرُها خَرابٌ.
ولفظُ الكلامِ وإن كان خارجًا على أن مساكنَهم قد سُكِنَتْ قليلًا، فإن معناه: فتلك مساكنُهم لم تُسْكَنْ من بعدهم إلا قليلًا منها.
كما يُقالُ: قَضَيتُ حقَّك إلَّا قليلًا منه.
وقولُه: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.
يقولُ: ولم يَكُنْ لِمَا خَرَّبْنَا مِن مساكنِهم منهم وارِثٌ، وعادتْ كما كانت قبلَ سُكْناهم فيها، لا مالكَ لها إلا اللهُ الذي له ميراثُ السماواتِ والأرضِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمدُ ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التي حَوالَيْ مكةَ في زمانِك وعصرِك، ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾.
يقولُ: حتى يَبْعَثَ في مكةَ رسولًا، وهى أُمُّ القُرى، يَتْلو عليهم آياتِ كتابِنا.
والرسولُ: محمدٌ ﷺ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾: وأُمُّ القُرَى مكةُ، وبعَث اللهُ إليهم رسولًا؛ محمدًا ﷺ (١).
وقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.
يقولُ: ولم نكنْ لِنهْلِكَ قريةً وهى باللهِ مؤمنةٌ، إنما نُهْلِكُها بِظُلْمِها أَنْفُسَها؛ بكفرِها باللهِ، وإنما أَهْلَكْنا أهلَ مكةَ بكفرِهم بربِّهم، وظُلْمِهم (٢) أنفسَهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.
قال: اللهُ لم يُهلك قريةً بإيمانٍ، ولكنَّه يُهْلِكِ القُرَى بظلمٍ، إِذا ظَلَم أهلُها، ولو كانت قريةٌ (١) آمَنَتْ؛ لم يَهْلِكُوا مع مَن هَلَك، ولكنَّهم كَذَّبوا وظَلَموا، فبذلك أُهْلِكوا (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما أُعْطِيتُم أَيُّها الناسُ مِن شيءٍ مِن الأموالٍ والأولادِ، فإنما هو مَتَاعٌ تَتَمَتَّعون به في هذه الحياةِ الدنيا، وهو مِن زينتها التي يُتَزَيَّنُ به فيها، لا يُغْنى عنكم عندَ اللهُ شيئًا، ولا يَنْفَعُكم شيءٌ منه في مَعادِكم.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لأهلِ طاعتِه ووَلايتِه ﴿خَيْرٌ﴾ مما أُوتِيتُمُوه أنتم في هذه الدنيا من متاعِها وزينتِها، ﴿وَأَبْقَى﴾.
يقولُ: وأبْقَى لأهلِه؛ لأنه دائمٌ لا نَفادَ له.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
قال: خيرٌ ثوابًا، وأبقَى عِندَنا.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا عُقُولَ لكم أيها القومُ تَتَدَبَّرون بها، فتَعْرِفون بها الخيرَ مِن الشَّرِّ، وتَخْتارون لأنفُسِكم خيرَ المَنْزِلَتَين على شَرِّهما، وتُؤْثِرون الدائمَ الذي لا نفادَ له مِن النعيمِ، على الفاني الذي لا بَقاءَ له.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ مِن خَلْقِنا على طاعتِه إيانا - الجنةَ فآمن بما وعدْناه وصَدَّق وأطاعَنا، فاسْتَحَقَّ بطاعته إيانا أن نُنْجِزَ له ما وعدناه، فهو لاقٍ ما وُعِد، وصائرٌ إليه، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ﴾ في الحياةِ الدنيا مَتَاعَها، فتَمَتَّع به، ونَسِيَ العملَ بما وعدْنَا أهلَ الطاعةِ، وترَك طَلَبَه، وآثَرَ لَذَّةً عاجِلةً على آجِلَةٍ، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إذا وَرَد على اللهِ ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
يَعْنى: مِن المُشْهَدِينَ عذابَ اللهِ وأليمَ عقابِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾.
قال: هو المؤمنُ، سمِع كتابَ اللهِ فَصَدَّق به وآمَن بما وعَد اللهُ فيه، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
و (١) هو هذا الكافرُ، ليس واللهِ كالمؤمنِ، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
أي: في عذابِ اللهِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال ابن عمرٍو في حديثِه: قولُه: ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
قال: أُحْضِرُوها.
وقال الحارثُ في حديثِه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: أهلُ النارِ، أُحِضْروها (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
قال: أهلُ النارِ، أُحْضِروها.
واخْتلَف أهلُ التأويلِ في من نَزَلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نَزَلَتْ في النبيِّ ﷺ وفي أبي جهلِ بنِ هشامٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْليُّ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبانِ بن تَغْلبَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
قال: نزلتْ في النبيِّ ﷺ وفي أبي جهلِ بنِ هشامٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾.
قال: النبيُّ ﷺ.
وقال آخرون: نزَلتْ فى حمزةَ وعلىٍّ ﵄، وأبي جهلٍ لعَنهُ اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا بدلُ بنُ المُحَبَّرِ التميميُّ (١)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبانِ ابنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
قال: نزَلتْ في حمزةَ وعلىِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي جهلٍ (٢).
قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلتْ في حمزةَ وأبي جهلٍ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُنادى ربُّ العِزَّةِ الذين أشْرَكوا به الأنْدادَ والأوثْانَ فى الدنيا، فيقولُ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم لي في الدنيا شُركاءُ؟
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾.
يقولُ: قال الذين وجب عليهم غضبُ اللهِ ولعنتُه، وهم الشياطينُ الذين كانوا يُغْوُون بني آدمَ: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.
قال: هم الشياطينُ (١).
وقولُه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: تبرَّأْنا مِن وَلايتهم ونُصْرَتِهم إليك، ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾.
يقولُ: لم يكونوا يَعْبُدوننا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وقيلَ للمشركين باللهِ الآلهةَ والأنْدادَ في الدنيا: ادْعُوا شركاءَكم الذين كنتم تَدْعون مِن دونِ اللهِ.
﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾.
يقولُ: فلم يُجيبوهم، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾.
يقولُ: وعَاينوا العذابَ، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: فَوَدُّوا حينَ رَأوُا العذابَ لو أنهم كانوا في الدنيا مُهْتَدِين للحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ويومَ يُنادى اللهُ هؤلاء المشركين فيقولُ لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما أَرْسَلْناهم به إليكم، مِن دُعائِكم إلى توحيدِنا، والبراءةِ مِن الأوثانِ والأصنامِ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾.
يقولُ: فَخَفِيَتْ عليهم الأخبارُ.
مِن قولهم: قد عَمِيَ عنى خبرُ القومِ.
إذا خَفِيَ.
وإنما عَنَى بذلك أنهم عَمِيَتْ عليهم الحُجَّةُ، فلم يَدْرُوا ما يَحْتَجُّون؛ لأن اللهَ تعالى ذكره قد كان أبْلَغ إليهم فى المَعْذِرَةِ، وتابع عليهم الحجَّةَ، فلم تَكُنْ لهم حُجَّةٌ يَحْتَجُّون بها، ولا خبرٌ يُخْبِرون به، مما يكون لهم به نجاةٌ ومَخْلَصٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾.
قال: الحُجَجُ.
يَعْنى الحُجَّة (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾.
قال: الحججُ.
قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال: بلا إلهَ إلا اللهُ، التوحيدِ.
وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
[قيلَ: فهم لا يَتَساءَلون] (٢) بالأنْسابِ والقَرابَةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
قال: لا يَتَساءَلون بالأنسابِ، ولا يَتَماتُّون (١) بالقراباتِ، إنهم كانوا في الدنيا إذا الْتَقَوْا تَساءَلوا وتَماتُّوا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
قال: بالأنسابِ.
وقيلَ: معنى ذلك: فعَمِيَتْ عليهم الحُجَجُ يومَئِذٍ، فَسَكتوا، فهم لا يَتَساءَلون في حالِ سكوتهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فأما من تاب من المشركين، فأناب وراجع الحقَّ، وأخْلَص للهِ الألُوهَةَ، وأفْرَد له العبادةَ، فلم يُشرِكْ في عبادتِه شيئًا، ﴿وَآمَنَ﴾.
يقولُ: وصدَّق بنبيِّه محمدٍ ﷺ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
يقولُ: وعمِل بما أَمَرَه اللهُ بعملِه في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ، ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
يقولُ: فهو مِن المُنْجِحِين المُدْرِكِين طَلِبتهم عندَ اللهِ، الخالدين في جِنانِه.
و "عسى" مِن اللهِ واجِبٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ يَخْلُقُ ما يشاءُ أَن يَخْلُقَه، ويَخْتارُ لوَلايتِه الخِيَرَةَ مِن خلقِه، ومَنْ سَبَقَت له منه السعادةُ.
وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ والمعنى ما وَصَفْتُ؛ لأن المشركين كانوا -فيما ذُكِر عنهم- يَخْتارون أموالَهم فيَجْعَلونَها لآلهتِهم، فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وربُّك يا محمدُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ أَن يَخْلُقَه، ويَختارُ للهدايةِ والإيمانِ والعملِ الصالحِ مِن خَلْقِه، ما هو في سابِقِ عِلمِه أنه خيرَتُهم، نظيرَ ما كان مِن هؤلاء المشركين لآلهتِهم خيارُ أموالِهم، فكذلك اختيارى لنفسي، واخْتِبائي لوَلايتي، واصْطِفائى لخِدْمَتى وطاعتي - خيارَ مَمْلَكتى وخَلْقى.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.
قال: كانوا يَجْعَلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهليةِ (١).
فإذا كان معنى ذلك كذلك، فلا شك أن ﴿مَا﴾ من قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ في موضعِ نصبٍ، بوقوعِ ﴿وَيَخْتَارُ﴾ عليها، وأنها بمعنى "الذي".
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وَصَفْتَ؛ مِن أن ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوبٌ بوقوعِ قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ عليها، فأين خبرُ ﴿كَانَ﴾؟
فقد عَلِمتَ أن ذلك إذا كان كما قلتَ؛ أن في ﴿كَانَ﴾ ذكرًا مِن ﴿مَا﴾، ولا بُدَّ لـ ﴿كَانَ﴾ -إذا كان كذلك- مِن تَمَامٍ، وأينَ التمامُ؟
قيل: إن العربَ تَجْعلُ لحروفِ الصِّفاتِ إذا جاءتِ الأخبارُ بعدَها أحيانًا، أخبارًا، كفِعْلِها بالأسماءِ (١) إذا جاءَتْ بعدَها أخبارُها؛ ذكر الفَرَّاءُ أن القاسمَ بنَ معنٍ أنْشَدَه قولَ عنترةَ (٢): أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَينِ تَذْرِيفُ … لو كان ذا مِنْكِ قَبْلَ اليوم مَعْروفُ فَرَفَع "معروفًا" بحرفِ الصِّفَةِ (٣)، وهو لا شكَّ خبرٌ لـ "ذا".
وذكَر أن المُفَضَّلَ أَنْشَدَه ذلك: *لو أنَّ ذا منكِ قبلَ اليومِ معروفٍ* ومنه أيضًا قولُ عمر بن أبي ربيعة (٤): قلتُ أَجِيبي عاشِقًا … بحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ (٥) فيها ثَلاثٌ كالدُّمَى … وكاعِبٌ ومُسْلِفُ (٦) فـ "مُكلَّفٌ" من نعتِ "عاشِقٍ"، وقد رفَعه بحرفِ الصفةِ، وهو الباءُ، في أشْباهٍ لما ذَكَرْنا بكثيرٍ مِن الشواهد.
فكذلك قولهُ: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.
رُفِعَتِ ﴿الْخِيَرَةُ﴾ بالصَّفَةِ، وهى ﴿لَهُمُ﴾، وإن كانت خبرًا لـ ﴿مَا﴾، لمَّا جاءتْ بعد الصفة، ووَقَعَتِ الصفةُ موقعَ الخبرِ، فصار كقولِ القائلِ: كان عمرٌو أبوه قائم.
لا شكَّ أن "قائمًا" لو كان مكانَ الأبِ، وكان الأبُ هو المتأخِّرَ بعدَه؛ كان منصوبًا.
فكذلك وجهُ رَفع ﴿الْخِيَرَةُ﴾، وهو خبرٌ لـ ﴿مَا﴾.
فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن تكونَ ﴿مَا﴾ في هذا الموضع جَحْدًا، ويكونَ معنى الكلام: ورَبُّك يخلُقُ ما يشاءُ أن يَخلُقَه، ويختارُ ما يشاءُ أن يختارَه.
فيكونَ قولُه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾.
نهايةَ الخبرِ عن الخلْقِ والاخْتيارِ، ثم يكونَ الكلامُ بعدَ ذلك مبتدأً، بمعنى: لم يكنْ لهم الخيرةُ.
أى: لم يكنْ للخلقِ الخيرةُ، وإنما الخيرةُ للهِ وحدَه؟
قيل: هذا قولٌ لا يُخِيلُ (١) فسادُه على ذى حِجًا، من وجوهٍ، لو لم يكنْ بخلافِه لأهلِ التأويلِ قولٌ، فكيف والتأويلُ عمَّن ذكرْنا بخلافِه (٢).
فأَمَّا أحدُ وجوهِ فسادِه، فهو أن قولَه: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.
لو كان كما ظَنَّه مَن ظَنَّه؛ مِن أن ﴿مَا﴾ بمعنى الجَحْدِ، على نحوِ التأويلِ الذي ذكرتُ، كان إنما جحَد تعالى ذكره أن تكونَ كان لهم الخيرةُ فيما مضَى قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، فأَمَّا فيما يَسْتَقْبِلُونَه فلهم الخيرةُ؛ لأن قولَ القائلِ: ما كان لك هذا.
لا شكَّ إنما هو خبرٌ عن أنه لم يكنْ له ذلك فيما مضَى، وقد يجوزُ أن يكونَ له في ما يُسْتَقْبَلُ، وذلك من الكلامِ لا شكَّ خُلْفٌ؛ لأن ما لم يكن للخَلْقِ مِن ذلك قَدِيمًا، فليس ذلك لهم أبدًا.
وبعدُ، لو أُريد ذلك المعنى، لكان الكلامُ: فليس.
وقيل: وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ ويَختارُ، ليس لهم الخيرةُ.
ليكونَ نَفْيًا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبلُ وفيما بعدُ.
والثاني: أن كتابَ اللهِ أَبْيَنُ البيانِ، وأصَحُّ (١) الكلامِ، ومُحالٌ أن يُوجَدَ فيه شيءٌ غيرُ مفهومِ المعنَى، وغيرُ جائزٍ فى الكلامِ أن يُقالَ ابتداءً: ما كان لِفُلانٍ الخِيَرةُ.
ولمَّا يَتَقَدَّمْ قبل ذلك كلامٌ يَقْتَضِى ذلك.
فكذلك قولُه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ولم يتقدَّمْ قبلَه مِن اللهِ تعالى ذكره خبرٌ عن أحدٍ أنه ادَّعَى أنه كان له الخيرةُ، فيُقالُ له: ما كان لك الخيرةُ.
وإنما جرَى قبلَه الخبرُ عمَّا هو صائِرٌ إليه أمرُ مَن تاب من شِركِه، وآمَن وعمِل صالحًا، وأتْبَع ذلك جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن سببِ إيمانِ مَنْ آمَنْ وعمِل صالحًا منهم، وأن ذلك إنما هو لاختيارِه إياه للإيمانِ، وللسابِقِ (٢) مِن علمِه فيه اهْتَدَى.
ويَزِيدُ ما قلْنا ذلك إبانةً، قولُه: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
فَأَخْبَرَ أَنه يَعْلَمُ مِن عِبادِهِ السَّرائِرَ والظواهِرَ، ويَصْطَفى لنفسه، ويَختارُ لطاعتِه مَنْ قد علم منه السَّرِيرَةَ الصالحةَ، والعَلانِيَةَ الرَّضِيَّةَ.
والثالثُ: أن معنى الخِيَرَةِ في هذا الموضعِ، إنما هو الخيرةُ، وهو الشيء الذى يُخْتارُ من البهائم والأنعام، والرجال والنساءِ.
يُقالُ منه: أُعْطِيَ الخِيَرَةَ والخِيرَةَ.
مِثْلُ الطِّيَرَةِ والطِّيْرَةِ [والطَّيْرةُ] (٣)، وليس بالاختيار.
وإذا كانت الخيرَةُ ما وَصَفْنا، فمعلومٌ أن من أجودِ الكلامِ أن يُقالَ: وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ، ويَختارُ ما يشاءُ، لم يكنْ لهم خَيْرُ بهيمةٍ، أو خيرُ طعامٍ، أو خيرُ رجلٍ أو امرأةٍ.
فإن قال: فهل يجوزُ أن تكونَ بمعنى المَصْدَرِ؟
قيل: لا.
وذلك أنها إذا كانت مصدرًا، كان معنى الكلامِ: وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ، ويَختارُ كَوْنَ الخيرةِ لهم.
وإذا كان ذلك معناه، وجَب ألا يكونَ الشِّرارُ لهم من البهائمِ والأنعامِ، وإذا لم يكنْ لهم شِرارُ ذلك، وجَب ألا يكونَ لها مالِكٌ، وذلك ما لا يَخْفَى خَطَؤُه؛ لأن لخيارِها ولشِرارِها أربابًا، يَمْلِكونها بتمليكِ اللهِ إياهم ذلك، وفى كون ذلك كذلك فسادُ تَوْجيهِ ذلك إلى مَعْنَى المصدرِ.
وقولُه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: تَنْزِيهًا للَّهِ وتَبْرِئَةً له وعُلُوًّا عمَّا أضافَ إليه المشركون مِن الشِّرْكِ، وما تَخَرَّصُوه مِن الكذبِ والباطلِ عليه.
وتأويلُ الكلامِ: سبحانَ اللهِ وتعالى عن شركِهم.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (١) يُوجِّهُه إلى أنه بمعنى: وتعالى عن الذى يُشركون به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ يَعْلَمُ ما تُخْفى صدور خلقه.
وهو مِن: أكْنَنْتُ الشيءَ فى صَدْرى، إذا أَضْمَرْتَه فيه.
وكَنَنْتُ الشيءَ، إذا صُنْتَه.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
يقولُ: وما يُبْدُونه بألسنتِهم وجوارحِهم.
وإنما يَعْنى بذلك أن اختيارَه مَنْ يَختارُ منهم للإيمانِ به، على عِلمٍ منه بسَرائرِ أُمورِهم وبَوَادِيها، وأنه يَختارُ للخيرِ أهلَه، فيُوَفِّقُهم له، ويُولِّى الشرَّ أهْلَه، ويُخَلِّيهم وإياه.
وقولُه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ المعبودُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلَّا له، ولا معبودَ تَجوزُ عبادتُه غيرُه، ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾.
يَعْنى فى الدنيا والآخرةِ، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾.
يقولُ: وله القضاءُ بينَ خلقِه، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
يقولُ: وإليه تُرَدُّونَ مِن بَعدِ مَمَاتِكم، فيَقْضى بينَكم بالحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ: أَيُّها القومُ، أَرأَيْتُم إن جعَل اللهُ عليكم الليل دائمًا لا نهارَ إلى يومِ القيامةِ يَعْقُبُه!
والعربُ تقولُ لكلِّ ما كان متصلًا لا يَنْقَطِعُ من رخاءٍ أو بلاءٍ أو نعمةٍ: هو سَرْمَدٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿سَرْمَدًا﴾: دائمًا لا يَنْقَطِعُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾.
يقولُ: دائمًا (١).
وقولُه: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾.
يقولُ: مَن معبودٌ غيرُ المعبود الذى له عبادةُ كلِّ شيءٍ يَأْتيكم بضياءِ النهارِ، فتَسْتَضيئون به؟
﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾!
يقولُ: أفلا تُرْعُون ذلك سمعَكم، وتُفَكِّرون فيه فتتَّعِظون، وتَعْلَمون أن ربَّكم هو الذى يأتى بالليلِ ويَذْهَبُ بالنهارِ إذا شاء، وإذا شاء أتى بالنهارِ وذهَب بالليلِ، فيُنْعِمُ باختلافِهما كذلك عليكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾: دائمًا لا ليلَ معه أبدًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: مَن معبودٌ غيرُ المعبودِ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ فَتَسْتَقِرُّون وتَهْدَءُون فيه؟
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟
يقولُ: أفلا تَرَوْن بأبصاركِم اختلافَ الليلِ والنهارِ عليكم، رحمةً من اللهِ لكم وحُجةً منه عليكم، فتَعْلموا بذلك أن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا لمن أنعَم عليكم بذلك دونَ غيرِه، ولمن له القدرةُ التي خالَف بها بينَ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بكم أيُّها الناسُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، فخالف بينهما، فجعَل هذا الليلَ ظلامًا؛ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وتَهْدَءُوا وتَسْتَقِرُّوا لراحةِ أبدانِكم فيه من تعبِ التصرُّفِ الذى تَتَصَرَّفون نهارًا لمعايشِكم.
وفى الهاء التي في قولِه: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ من ذكرِ الليل خاصةً، ويُضْمَرُ للنهار مع الابتغاءِ هاءٌ أخرى.
والثاني: أن تكونَ من ذكرِ الليلِ والنهارِ، فيكونَ وجهُ توحيدِها وهى لهما (١)، وجهَ توحيدِ العربِ في قولِهم: إقبالُك وإدبارُك يُؤذيني؛ لأن الإقبالَ والإدبارَ فعلٌ، والفعلُ يُوحَّدُ كثيرُه وقليلُه: وجعَل هذا النهارَ ضياءً تُبْصِرون فيه، فتَتَصَرَّفون بأبصارِكم فيه لمعايشِكم، وابتغاءَ رزقِه الذى قسَمَه بينكم، بفضله الذي تفضَّل عليكم.
وقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولتَشكُروه على إنعامِه عليكم بذلك، فعل ذلك بكم لتُفْرِدوه بالشكرِ، وتُخلِصوا له الحمدَ؛ لأنه لم يَشْرَكْه في إنعامِه عليكم بذلك شريكٌ، فلذلك ينبغى ألا يَكونَ له شريكٌ في الحمدِ عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.
يَعْنى تعالى ذكره: ويومَ ينادى ربُّك يا محمدُ هؤلاء المشركين فيقولُ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أَيُّها القومُ في الدنيا أنهم شركائى؟
وقولُه: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: وأحضَرنا من كلِّ جماعةٍ شهيدَها، وهو نبيُّها الذي يَشْهَدُ عليها بما أجابته أمتُه، فيما أتاهم به عن اللهِ مِن الرسالةِ.
وقيل: ﴿وَنَزَعْنَا﴾.
من قولهم: نَزَع فلانٌ بحجةِ كذا.
بمعنى: أحضَرها وأخرجها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: وشهيدُها نبيُّها، يَشْهَدُ عليها أنه قد بلَّغ رسَالاتِ ربِّه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾.
قال: رسولًا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.
وقولُه: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
يقولُ: فقلنا لأمةِ كلِّ نبيٍّ منهم، التي ردَّت نصيحتَه، وكذَّبت بما جاءها به من عند ربِّهم، إذا (٣) شهِد نبيُّها عليها، بإبلاغِه إياها رسالة اللهِ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
يقولُ: فقال لهم: هاتوا حُجَّتكم على إشراكِكم باللهِ ما كنتم تُشْرِكون، مع إعذارِ اللهِ إليكم بالرسلِ وإقامتِه عليكم الحججَ (١).
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
أى: بَيِّنتَكُم (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
قال: حُجَّتكم لما كنتم تعبدون وتقولون (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
قال: حُجَّتَكم بما كنتم تَعْبُدون.
وقولُه: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾.
يقولُ: فعلموا حينئذٍ أن الحجةَ البالغةَ للَّهِ عليهم، وأن الحقَّ للهِ، والصدقَ خبرُه، فأيْقَنوا بعذابٍ من اللهِ لهم دائمٍ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
يقولُ: واضْمَحَلَّ فذهَب الذي كانوا يُشْرِكون باللهِ في الدنيا، وما كانوا يَتَخَرَّصون ويكذبون على ربِّهم، فلم يَنْفَعْهم هنالك، بل ضرَّهم وأَصْلَاهم نارَ جهنمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ﴾.
وهو قارونُ بنُ يصهرَ بنِ قاهثَ بن لاوِى ابنِ يعقوبَ، ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾.
يقولُ: كان مِن عشيرةِ موسى بنِ عمرانَ النبيِّ ﷺ، وهو ابنُ عمِّه لأبيه وأمِّه.
وذلك أن قارونُ هو قارونُ بنُ يصهرَ بنِ قاهثَ، وموسى هو موسى بنُ عمرانَ بنِ قاهثَ، كذا نسَبه ابنُ جريجٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾.
قال: ابنُ عمِّه، ابنُ أخي أبيه.
قال (١): قارونُ ابنُ يصفر -هكذا قال القاسمُ، وإنما هو يصهرُ- بنِ قاهثَ، وموسى ابنُ عرمرَ (٢) بنِ قاهثَ، وعرمرُ (٢) بالعربيةِ عمرانُ (٣).
وأما ابنِ إسحاقَ فإن ابنَ حُميدٍ حدَّثنا، قال: ثنا سلمةُ، عنه، أن يصهرَ بنَ قاهثَ تزوَّج سميتَ (٤) بنتَ بتاويتَ (٥) بنِ بركنا (٦) بنِ يقسانَ (٧) بن إبراهيمَ، فولَدت له عمرانَ بنَ يصهرَ، وقارونَ بنَ يصهرَ، فنكَح عمرانُ يحيبَ (٨) بنتَ شمويلَ بنِ بركنا بنِ يقسانَ بنِ إبراهيمَ، فولَدت له هارونَ بن عمرانَ، وموسى بنَ عمرانَ، صفيَّ اللهِ ونبيَّه (١).
فموسى على ما ذكَر ابنِ إسحاقَ، ابنُ أخى قارونَ، وقارونُ هو عمُّه، أخو أبيه لأبيه، ولأمِّه، وأكثرُ أهلِ العلمِ فى ذلك على ما قاله ابنُ جُريجٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾.
قال: كان ابنَ عمِّ موسي (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، [عن إبراهيمَ، قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كان قارونُ ابنَ عمِّ موسى (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ] (٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كنا نُحدَّثُ أنه كان ابنَ عمِّه أخى أبيه، وكان يُسمَّى المنوَّر؛ من حُسنِ صورتِه (٥) [في التوراةِ] (٦)، ولكنَّ عدوَّ اللهِ نافَق كما نافق السامريُّ، فأهلكه البَغْىُ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾.
قال: كان ابنَ عمِّه فبغَى عليه (٢).
قال: ثنا القطانُ، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان قارونُ ابنَ عمِّ موسى (٢).
قال: ثنا أبو معاويةَ، عن ابن أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾.
قال: كان ابنَ عمِّه (٢).
حدَّثني بشرُ بنُ هلالٍ الصَّوافُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ الضُّبَعِيُّ، عن مالكِ ابنِ دينارٍ، قال: بلَغنى أن موسى بنَ عمرانَ كان ابنَ عمِّ قارونَ (٢).
وقولُه: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: فتجاوَز حدَّه في التكبُّرِ والتَّجَبُّرِ عليهم.
وكان بعضُهم يقولُ: كان بَغْيُه عليهم زيادةَ شبرٍ أخَذها في طولِ ثيابِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني علىُّ بنُ سعيدٍ الكندىُّ وأبو السائبِ وابنُ وكيعٍ، قالوا: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن ليثٍ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾.
قال: زاد عليهم في الثيابِ شبرًا (٣).
وقال آخرون: كان بغيُه عليهم بكثرةِ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إنما بغَى عليهم بكثرةِ مالِه.
وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وآتينا قارونَ من كنوز الأموالِ ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾.
وهى جمعُ مِفْتَحٍ، وهو الذى يُفْتَحُ به الأبوابُ.
وقال بعضُهم: عَنَى بالمفاتحِ في هذا الموضعِ الخزائنَ - لَتُثْقِلُ العُصْبةَ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال [ما قلْنا في معنى المفاتِحِ] (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابر بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن خَيْثَمَةَ، قال: كانت مفاتيحُ قارونَ تُحمَلُ على ستين بغلًا، كلُّ مفتاحٍ منها لبابِ (٢) كنزٍ معلومٍ، مثلُ الإصبَعِ، من جلودٍ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن خيثمة، قال: كانت مفاتح كنوزِ قارونَ من جلودٍ، كلُّ مفتاحٍ مثلُ الإصبَعِ، كلُّ مفتاحٍ على خزانةٍ على حدةٍ، فإذا ركِب حُمِلت المفاتيحُ على ستِّين بغلًا، أغرُّ مُحجَّلٌ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن خيثمة في قولِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾.
قال: نجِدُ مكتوبًا في الإنجيلِ: مفاتحُ قارونَ وِقْرُ ستِّين بغلًا غُرًّا مُحَجَّلةً، ما يزيدُ كلُّ مِفتاحٍ منها على إصبَعٍ، لكلِّ مفتاحٍ منها كَنزٌ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينة، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانت المفاتحُ من جلودِ الإبلِ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: مَفَاتِحُ من جلودٍ كمفاتحِ العيدانِ.
وقال قومٌ: عُنى بالمفاتحِ فى هذا الموضعِ خزائنُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبى صالحٍ فى قولِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: كانت خزائنُه تُحمَلُ على أربعين بَغْلًا (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن أبي حجيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾.
قال: أوعيتَه (٢).
وبنحوِ الذي قلْنا فى معنى قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: لَتُثْقِلُ بالعصبة.
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
يقولُ: تُثقِلُ (٣).
وأما "العصبةُ"، فإنها الجماعةُ، واختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ عددِها الذى أُريد فى هذا الموضعِ -فأما مبلغُ عددِ "العصبة" في كلامِ العربِ فقد ذكَرْناه فيما مضى باختلافِ المختلفين فيه، والروايةَ فى ذلك، والشواهدَ على الصحيحِ من قولِهم في ذلك، بما أغنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (٤) - فقال بعضُهم: كانت مفاتحُه تَنُوءُ بعصبةٍ؛ مبلغُ عددها أربعون رجلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ قولَه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: أربعون رجلًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: ذكِر لنا أن العصبةَ ما بين العشرة إلى الأربعين (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكِ يقولُ في قولِه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾: يَزْعُمون أن العصبةَ أربعون رجلًا، يَنْقُلون مفاتحَه من كثرةِ عددِها.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾.
قال: أربعونَ رجلًا (٣).
وقال آخرون: ستُّون.
وقال: كانت مفاتحه تُحْمَلُ على ستِّين بغلًا.
حدَّثنا بذلك (٤) ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن خيثمةَ (٥).
وقال آخرون: كانت تُحْمَلُ على ما بينَ ثلاثةٍ إلى عشرةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: العُصْبةُ ثلاثةٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: العصبةُ ما بينَ [الثلاثةِ إلى العَشرةِ] (١).
وقال آخرون: كانت تُحْمَلُ ما بينَ العشرةِ إلى خمسةَ عشرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: العصبةُ ما بينَ العشرةِ إلى خمسةَ عشرَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال: العصبةُ خمسةَ عشرَ رجلًا (٣).
وقولُه: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾.
يعنى: أولى الشدةِ.
وقال مجاهدٌ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾.
قال: خمسةَ عشرَ (١).
فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ وكيفَ تَنُوءُ المفاتحُ بالعصبة، وإنما العصبةُ هي التي تَنُوءُ بها؟
قيل: اختلَف في ذلك أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ (٢): مجازُ ذلك: ما إن العصبةَ ذوى القوةِ لتَنُوءُ بمفاتحِ نِعَمِه.
قال: ويقالُ في الكلامِ: إنها لتنوءُ بها عجيزتُها.
وإنما هي: تَنُوءُ بعجيزتِها.
كما يَنوءُ البعيرُ بحِمْلِه.
قال: والعربُ قد تَفْعَلُ مثلَ هذا، قال الشاعرُ: فَدَيْتُ بنفسِه (٣) نفسي ومالي … وما آلُوكَ إلَّا ما أُطِيقُ والمعنى: فديتُ بنفسى وبمالى نفسَه.
وقال آخرُ (٤): وتَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوَادَةَ بينَها … وتَشْقَى الرِّماحُ بالضياطرةِ الحُمْرِ وإنما تَشْقى الضياطرةُ بالرماحِ.
قال: والخيلُ ههنا الرجالُ.
وقال آخرُ منهم: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
[يريدُ: الذى إنَّ مفاتحَه] (٥).
قال: وهذا موضعٌ لا يكادُ يُبتَدَأُ فيه "إن"، وقد قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].
وقولُه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ إنما العصبةُ تَنوءُ بها، وفى الشعرِ (٦): *تَنوءُ بها فتُثْقِلُها عَجِيزتُها* وليست العجيزةُ تنوءُ بها، ولكنها هى تنَوءُ بالعجيزةِ، وقال الأعشى (١): ما كنتَ فى الحربِ العَوَانِ مُغَمَّرًا … إذ شبَّ حَرُّ وقودِها أجْذالَها وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيين يُنْكِرُ هذا الذي قاله هذا القائلُ، وابتداءَ "إن" بعدَ "ما"، ويقولُ: ذلك جائزٌ مع "ما" و "من"، وهو مع "ما" و "مَن" أجودُ منه (٢) مع "الذي"؛ لأن "الذى" لا يَعْمَلُ في صِلتِه ولا تَعْمَلُ صِلتُه فيه، فلذلك جاز وصارت الجملةُ عائدَ "ما"، إذ كانت لا تَعْمَلُ فى "ما" ولا تَعْمَلُ "ما" فيها.
قال: وحسُن مع "ما" و "مَن"؛ لأنهما يكونان بتأويلِ النكرةِ إن شئت، والمعرفةِ إن شئت، فتقولُ: ضرَبتُ رجلًا ليقومَنَّ، وضرَبتُ رجلًا إنه لمحسنٌ.
فتكونُ "مَن" و "ما" بتأويلِ "هذا"، ومع "الذى" أقبحُ؛ لأنه لا يكونُ بتأويلِ النكرةِ.
وقال آخرُ منهم فى قولِه (٣): ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
نَوْءُها بالعصبةِ أن تُثْقِلَهم.
وقال: المعنى: إنَّ مفاتحَه لَتُنِئُ العصبةَ، تُمِيلُهن من ثِقْلِها.
فإذا أدخَلْتَ الباءَ قلتَ: تَنوءُ بهم.
كما قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦].
قال: والمعنى: ائتُونى بقطرٍ أُفْرِغْ عليه.
فإذا حذَفتَ الباءَ زِدت على الفعل ألفًا في أولِه، ومثلُه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣].
معناه: فجاء بها المخاضُ.
وقال: قد قال رجلٌ من أهل العربيةِ: ما إن العصبةَ تَنُوءُ بمفاتحِه.
فحوَّل الفعلَ إلى المفاتحِ، كما قال الشاعرُ (٤): إن سِراجًا لكريمٌ مَفخَرُه … تحلَى به العينُ إذا ما تَجْهَرُه وهو الذي يَحلَى بالعينِ.
قال: فإن كان سمِع أثرًا بهذا فهو وجهٌ، وإلا فإنَّ الرجلَ جهِل المعنى.
قال: وأنشَدني بعضُ العربِ: حتى إذا ما التَأَمَت مواصِلُه (١) … وناءَ في (٢) شِقِّ الشمالِ كاهلُه يعنى الراميَ لما أخَذ القوسَ ونزَع مالَ عليها.
قال: ونُرى أن قولَ العربِ: ما ساءك وناءك.
من ذلك، ومعناه: ما ساءك وأناءك (٣).
إلا أنه أَلقى الألفَ؛ لأنه مُتْبَعٌ لـ "ساءَك"، كما قالت العربُ: أكلْتُ طعامًا فهنَأَنى ومرَأَني.
ومعناه إذا أُفرِدَت: وأَمْرَأَنى.
فحُذِفت منه الألفُ لمّا أُتبِع ما ليس فيه ألِفٌ.
وهذا القولُ الآخرُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
أولى بالصوابِ من الأقوالِ الأُخرِ؛ لمعنيين؛ أحدُهما، أنه تأويلٌ موافِقٌ لظاهرِ التنزيلِ.
والثاني، أن الآثارَ التي ذكَرنا عن أهلِ التأويلِ بنحوِ هذا المعنى جاءت، وأنَّ قولَ مَن قال: معنى ذلك: ما إن العصبةَ لتَنوءُ بمفاتحِه.
إنما هو توجيهٌ منهم إلى أن معناه: ما إن العصبةَ لتَنْهَضُ بمفاتحِه.
وإذا وجِّه إلى ذلك لم يكنْ فيه من الدلالةِ على أنه أُريدَ به الخبرُ عن كثرةِ كنوزِه على نحوِ ما فيه إذا وجِّه إلى أن معناه: إن مفاتحَه تُثْقِلُ العصبةَ وتُمِيلُها؛ لأنه قد تَنْهَضُ العصبةُ بالقليلِ من المفاتحِ وبالكثيرِ، وإنما قصد جلَّ ثناؤُه الخبرَ (٤) عن كثرةِ ذلك، وإذا أُريدَ به الخبرُ عن كثرتِه، كان لاشكَّ أن الذي قالَه مَن ذكَرنا قوله من أن معناه: لتنوءُ العصبةُ بمفاتحِه.
قولٌ لا معنى له، هذا مع خلافِه تأويلَ السلفِ فى ذلك.
وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
يقولُ: إِذ قال قومُه: لا تَبْغِ ولا تَبْطَرْ فَرَحًا، إن اللهَ لا يُحِبُّ مِن خَلْقِهِ الأَشِرِين البَطِرِين.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
يقولُ: المرحِين (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: المتبذِّخين الأَشِرِين البَطِرِين الذين لا يَشْكُرون اللهَ على ما أعطاهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن جابرٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: الأشِرِين البَطرِين البَذِخين (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: يعنى به البَغْيَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: المُتبذِّخين الأَشِرِين الذين لا يَشْكُرون اللهَ فيما أعطاهم.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: المتبذِّخين (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمِيُّ، قال: ثنى شَبَابةُ، قال: ثنى ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: الأَشِرِين البَطِرِين.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ أى: لا تَمْرَحْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: إن اللهَ لا يُحِبُّ المَرِحين (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: الأشِرِين البَطِرِين الذين لا يَشْكُرون اللهَ فيما أَعطاهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال: هو فَرَحُ البَغْيِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ قومِ قارونَ له: لا تَبْغِ يا قارونُ على قومِك بكثرةِ مالِك، والتَمِسْ فيما آتاك اللهُ من الأموالِ خيراتِ الآخرةِ، بالعملِ فيها بطاعةِ اللهِ في الدنيا.
وقولُه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
يقولُ: ولا تَتْرُكْ نصيبَك وحظَّك من الدنيا، أن تَأْخُذَ فيها بنصيبِك من الآخرةِ، فتعمَلَ فيه بما يُنَجِّيك غدًا من عقابِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: لا تَتْرُكْ أن تَعْمَلَ للهِ فى الدنيا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: أن تَعْمَلَ فيها لآخرتِك (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: إن قومًا يَضَعونها على غيرِ موضِعِها، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: تَعْمَلُ فيها بطاعةِ اللهِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: العملَ بطاعتِه (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَعْمَلُ في دنياك لآخرتِك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: العملَ فيها بطاعةِ اللهِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عيسى الجُرَشِيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: أن تَعْمَلَ في دنياك لآخرتِك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن مجاهدٍ، قال: العملُ بطاعةِ اللهِ نصيبُه من الدنيا الذى يُثابُ عليه فى الآخرةِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: لا تَنْسَ أن تُقَدِّمَ مِن دنياك لآخرتِك، فإنما تَجِدُ فى آخرتِك ما قدَّمتَ من (١) الدنيا فيما رزَقك اللهُ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَترُكْ أن تَطْلُبَ فيها حظَّك من الرزقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال الحسنُ: ما أحلَّ اللهُ لك منها، فإن لك فيه غِنًى وكفايةً (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ المَعْمَرِيُّ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: طَلَبَ الحلالِ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال: قدِّمِ الفضلَ، وأمسِكْ ما يُبلِّغُك (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: الحلال فيها.
وقولُه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: وأَحسِنْ فى الدنيا إنفاقَ مالِك الذى آتاكه اللهُ، فى وجوهِه وسُبُلِه، كما أحسَن اللهُ إليك، فوسَّع عليك منه، وبسَط لك فيها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
قال: أَحْسِنْ فيما رزَقك اللهُ (١).
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ولا تَلْتَمِسْ ما حرَّم اللهُ عليك من البَغْيِ على قومِك.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ: إن اللهَ لا يُحِبُّ بُغاةَ البَغْيِ والمعاصي.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قال قارونُ لقومِه الذين وعَظوه: إنما أُوتِيتُ هذه الكنوزَ على فضلِ علمٍ عندى، علِمه اللهُ منى، فرَضِى بذلك عنِّى، وفضَّلني بهذا المالِ عليكم؛ لعلمِه بفضلى عليكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
قال: على خيرٍ (١) عندى (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
قال: لولا رضا اللهِ عنى ومعرفتُه بفضلى ما أعطانى هذا.
وقرَأ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ الآية (٣).
وقد قيل (٤): إنَّ معنى قولِه: ﴿عِنْدِي﴾ بمعنى: أرى.
كأنه قال: إنما أُعطيتُ (٥) لفضلِ علمى، فيما أرَى.
وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارونُ حين زعَم أنه أُوتِى الكُنوزَ لفضلِ علمٍ عندَه، علِمتُه أنا منه، فاستحَقَّ بذلك أن يُؤْتَى ما أُوتى من الكُنوزِ - ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من الأمم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ﴾ بَطشًا، ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموالِ، ولو كان اللهُ يُؤْتِى الأموالَ مَن يُؤْتِيه لفضلٍ فيه وخيرٍ عندَه ولرضاه عنه، لم يَكُنْ يُهلِكُ مَن أهلَك من أربابِ الأموالِ الذين كانوا أكثرَ منه مالًا؛ لأنَّ مَن كان اللهُ عنه راضيًا، فمُحالٌ أن يُهلِكَه اللهُ وهو عنه راضٍ، وإنما يُهْلِكُ مَن كان عليه ساخطًا.
وقولُه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
قيل: إن معنى ذلك أنهم يَدْخُلون النارَ بغير حسابٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا سفيانُ، عن معمرٍ (١)، عن قتَادةَ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
قال: يَدْخُلون النارَ بغيرِ حسابٍ (٢).
وقيل: إن معنى ذلك أن الملائكةَ لا تَسْأَلُ عنهم؛ لأنهم يَعْرِفونهم بسيماهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: كقولِه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١].
زُرقًا سودَ الوجوهِ، والملائكةُ لا تَسْأَلُ عنهم، قد عرَفتهم (٣).
وقيل: إن معنى ذلك: ولا يُسْألُ عن ذنوبِ هؤلاء الذين أهلَكهم اللهُ من الأممِ الماضيةِ، المجرِمون: فيمَ أُهْلِكوا؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
قال: عن ذنوبِ الذين مضَوا، فيمَ أُهلِكوا (٤)؟.
فالهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ على هذا التأويلِ لـ ﴿مَنْ﴾ الذي في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾.
وعلى التأويلِ الأوّلِ الذى قاله مجاهدٌ وقتادةُ لـ "المجرمين"، وهى بأن تكونَ من ذكرِ "المجرمين" أولى؛ لأن اللهَ تعالى ذكره غيرُ سائلٍ عن ذنوبِ مذنبٍ غيرَ مَن أذنَب؛ لا مؤمنٍ ولا كافرٍ.
فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لا معنى لخصوصِ المجرمين لو كانت الهاءُ والميمُ اللتان فى قولِه: ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ لـ ﴿مَنْ﴾ الذي في قولِه: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ دونَ المؤمنين، يعنى لأنه غيرُ مسئولٍ عن ذلك مؤمنٌ ولا كافرٌ، إلا الذين ركِبوه واكتسَبوه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فخرَج قارونُ على قومِه في زينتِه، وهي فيما ذُكر ثيابُ الأُرْجُوَانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: في القِرْمِزِ (١).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: في ثيابٍ حُمْرٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: على بَرَاذِينَ بِيضٍ، عليها سروجُ الأُرْجُوَانِ، عليهم المُعَصْفَراتُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: عليه ثوبانِ معصفرانِ.
وقال ابنُ جريجٍ: على بغلةٍ شهباءَ عليها الأرجوانُ، وثلاثُمائةِ جاريةٍ على البغالِ الشُّهْبِ، عليهن ثيابٌ حمرٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي ويحيى (٣) بنُ يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: فى ثيابٍ حُمرٍ وصُفرٍ (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ أنه سمِع إبراهيمَ النخَعِيَّ، قال في هذه الآيةِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: في ثيابٍ حمرٍ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ النخعيِّ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ (١) بنِ عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ، قال: دخَلنا على مالكِ بن دينارٍ عشيةً، وإذا هو في ذكرِ قارونَ، قال: وإذا رجلٌ من جيرانِه عليه ثيابٌ مُعصفرةٌ، قال: فقال مالكٌ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: في ثيابٍ مثلِ ثيابِ هذا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾: ذُكر لنا أنهم خرَجوا على أربعةِ آلافِ دابةٍ، عليهم وعلى دوابِّهمُ الأرجُوانُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
قال: خرَج في سبعين ألفًا، عليهم المعصفراتُ، فيما كان أبي يَذْكُرُ لنا (٣).
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قال الذين يريدون زينةَ الحياةِ الدنيا مِن قومِ قارونَ: يا ليتَنا أُعطِينا مثلَ ما أُعْطِى قارونُ مِن زينتِها، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
يقولُ: إِن قارونَ لذو نصيبٍ مِن الدنيا عظيمٍ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين أُوتوا العلمَ باللهِ حينَ رَأَوا قارونَ خارجًا عليهم فى زينتِه، للذين قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾: ويلَكم، اتَّقوا اللهَ وأطِيعوه، فثوابُ اللهِ وجَزاؤُه لمَنْ آمَن به وبرُسُلِه، وعمِل بما جاءت به رُسُلُه مِن صالحاتِ الأعمالِ، في الآخرةِ، خيرٌ مما أُوتى قارونُ من زينتِه ومالِه لقارونَ.
وقولُه: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾.
يقولُ: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾.
أى: ولا يوفَّقُ لقيلِ هذه الكلمةِ، وهى قولُه: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
والهاءُ والألفُ كنايةٌ عن الكلمةِ.
وقال: ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾.
يعنى بذلك: الذين صَبَروا عن طلبِ زينةِ الحياةِ الدنيا، وآثَروا ما عندَ اللهِ مِن جزيلِ ثوابِه على صالحاتِ الأعمالِ، على لَذَّاتِ الدنيا وشَهَواتِها، فجَدُّوا في طاعةِ اللهِ، ورفَضوا الحياةَ الدنيا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فخَسَفْنا بقارونَ وأهلِ دارِه.
وقيل: ﴿وَبِدَارِهِ﴾.
لأنه ذُكِر أن موسى إذ أمَر الأرضَ أن تأخذَه، أمَرها بأَخْذِه وأخذِ مَن كان معه مِن جُلسائِه فى دارِه، وكانوا جماعةً جُلُوسًا معه، وهم على مثلِ الذى هو عليه مِن النفاقِ والمُؤازرةِ على أذَى موسى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن المِنْهالِ ابن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت الزكاةُ أتَى قارونُ موسى، فصالَحه على كلِّ ألفِ دينارٍ دينارًا، وكلِّ ألفِ شيءٍ شيئًا، أو قال: وكلِّ ألفِ شاةٍ شاةً -الطبريُّ يشكُّ- قال: ثم أتَى بيتَه فحَسَبَه، فوجَده كثيرًا، فجمَع بني إسرائيلَ، فقال: يا بني إسرائيلَ، إن موسى قد أمَركم بكلِّ شيءٍ فأطَعْتُموه، وهو الآنَ يريدُ أن يأخُذَ مِن أموالِكم.
فقالوا: أنت كبيرُنا، وأنت سَيِّدُنا، فمُرْنا بما شئتَ.
فقال: آمُرُكم أن تَجِيئُوا بفلانةَ البغيِّ، فتَجْعَلُوا لها جُعْلًا، فتَقْذِفُه بنفسِها.
فدَعَوها، فجَعَل لها جُعْلًا على أن تَقْذِفَه بنفسِها، ثم أتَى موسى، فقال لموسى: إن بني إسرائيلَ قد اجتَمعوا لتأمُرَهم ولتَنْهاهم.
فخرج إليهم وهم في بَراحٍ مِن الأرضِ (١)، فقال: يا بني إسرائيلَ، مَن سَرَق قطَعْنا يدَه، ومَن افتَرى جَلَدْناه ثمانين (٢)، ومَن زنَى وليس له امرأةٌ جلَدْناه مائةً، ومَن زنَى وله امرأةٌ جلَدْناه يموتَ -أو: رَجَمْناه حتى يموتَ- الطبريُّ يشكُّ.
فقال له قارونُ: وإن كنتَ أنت؟
قال: وإن كنتُ أنا.
قال: فإن بني إسرائيلَ يزعُمون أنك فجَرْت بفلانةَ.
قال: ادْعُوها، فإن قالت فهو كما قالت.
فلما جاءتْ قال لها موسى: يا فلانةُ.
قالت: يا لبَّيك.
قال: أنا فعلتُ بكِ ما يقولُ هؤلاء؟
قالت: لا وكذَبوا، ولكن جعَلوا لي جُعْلًا على أنى أقْذِفُك بنفسى.
فوثَب، فسجَد وهو بينَهم، فأوحى اللهُ إليه: مُرِ الأَرضَ بما شئتَ.
قال: يا أرضُ خُذِيهم.
فأخذَتهم إلى أقْدامِهم، ثم قال: يا أرضُ خُذِيهم.
فأخذَتهم إلى رُكبِهم، ثم قال: يا أرضُ خذِيهم.
فأخذتهم إلى حِقِيِّهم (٣)، ثم قال: يا أرضُ خُذِيهم.
فأخَذَتهم إلى أعْناقِهم، قال: فجعَلوا يقولون: يا موسى يا موسى.
ويتضرَّعون إليه، قال: يا أرضُ خُذِيهم.
فأطبقَت (١) عليهم، فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، يقولُ لك عبادى: يا موسى يا موسى.
فلا ترحمُهم، أمَا لو إيَّاى دَعَوا، لوجَدوني قريبًا مُجِيبًا.
قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾.
وكانت زينتُه أنه خرَج على دوابَّ شُقْرٍ عليها سُرُوجٌ حُمْرٌ، عليهم ثيابٌ مُصْبَغةٌ بالبَهْرَمانِ (٢)، ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يا محمدُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا أمَر اللهُ موسى بالزكاةِ قال: رَمَوه بالزِّنى، فجَزِع مِن ذلك، فأرسَلوا إلى امرأةٍ كانوا (٤) قد أعْطَوها حُكْمَها على أن تَرْمِيَه بنفسِها، فلما جاءتْ عَظَّمَ عليها، وسألَها بالذى فلَق البحر لبنى إسرائيلَ، وأنزَل التوراةَ على موسى إلا صَدَقَت، قالت: إذ قد استحلفتَني، فإنى أشهَدُ أنك بَرِئٌ، وأنك رسولُ اللهِ.
فخَرَّ ساجدًا يَبْكى، فأوحَى اللهُ إليه: ما يُبْكِيك؟
قد سَلَّطناك على الأرضِ، فمُرْها بما شئتَ.
فقال: خُذِيهم.
فأخذَتهم إلى ما شاء اللهُ.
فقالوا: يا موسى يا موسى.
فقال: خُذِيهم.
فأخذَتهم إلى ما شاء اللهُ، فقالوا: يا موسى يا موسى.
فخسَفتهم.
قال: وأصابَ بنى إسرائيلَ بعدَ ذلك شِدَّةٌ وجوعٌ شديدٌ، فأتَوا موسى، فقالوا: ادْعُ لنا ربَّك.
قال: فدَعا لهم، فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، أتُكَلِّمُنى في قومٍ قد أظلمَ ما بينى وبينَهم خَطاياهم، وقد دَعَوك فلم تُجِبْهم، أما لو إيَّاى دَعَوا لأجَبْتُهم (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
قال: قيل للأرضِ: خُذِيهم.
فأخذَتْهم إلى أعْقابِهم، ثم قيل لها: خُذِيهم.
فأخذَتْهم إلى ركبِهم.
ثم قيل لها: خذيهم.
فأخَذتهم إلى أحْقيهم، ثم قيل لها: خذيهم.
فأخذتهم إلى أعناقِهم، ثم قيل لها: خذيهم.
فَخُسِف بهم، فذلك قولُه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عليُّ بنُ هاشمِ بنِ البَرِيدِ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾.
قال: كان ابنَ عمِّه، وكان موسى يقضِى في ناحيةِ بني إسرائيلَ، وقارونُ فى ناحيةٍ.
قال: فدَعا بَغِيَّةً كانت في بني إسرائيلَ، فجعَل لها جُعْلًا على أن تَرْمِيَ موسى بنفسِها، فتَرَكَتْه حتى (٣) إذا كان يومٌ يجتمعُ فيه بنو إسرائيلَ إلى موسى، أتاه قارونُ فقال: يا موسى، ما حَدُّ مَن سَرَق؟
قال: أن تُقْطَعَ (٤) يَدُه.
قال: وإن كنتَ أنت؟
قال: نعم.
قال: فما حَدُّ مَن زنَى؟
قال: أَن يُرْجَمَ.
قال: وإن كنتَ أنت؟
قال: نعم.
قال: فإنك قد فعَلت.
قال: وَيْلَك، بمَن؟
قال: بفُلانةَ.
فدَعاها موسى، فقال: أَنْشُدُكِ بالذى أنزَل التوراةَ، أَصَدَق قارونُ؟
قالت: اللهمَّ إذ نشدْتَنى، فإني أشهدُ أنك برئٌ، وأنك رسولُ اللهِ، وأن عدوَّ اللهِ قارونَ جعَل لى جُعْلًا على أن أرْمِيَك بنَفْسى.
قال: فوثَب موسى، فخَرَّ ساجدًا للهِ، فأوحَى اللهُ إليه: أن ارفَعْ رأسَك، فقد أمرتُ الأرضَ أن تُطِيعَك.
فقال موسى (١): خُذِيهم.
فأَخَذَتهم حتى بَلَغوا الحِقْوَ، قال: يا موسى.
قال: خُذِيهم.
فأَخَذَتهم حتى بلَغوا الصدورَ، قال: يا موسى.
قال: خُذِيهم.
قال: فذهَبوا.
قال: فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، اسْتَغاثَ بك فلم تُغِثْه، أمَا لو اسْتغاثَ بي لأجَبْتُه ولأغَثْتُه (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ هلالٍ الصَّوَّافُ، قال: ثنا جعفرُ بن سليمانَ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدِ بن جُدْعانَ، قال: خرج عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ مِن الدارِ، ودخَل المقصورةَ، فلما خرَج منها، جلَس وتَسانَد عليها، وجَلَسْنا إليه، فذكَر سليمانَ بن داودَ وقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠].
ثم سكَت عن ذكر سليمانَ، فقال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾.
وكان قد أُوتى من الكنوزِ ما ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
قال: وعادَى موسى، وكان مُؤْذِيًا له، وكان موسى يصفحُ عنه ويعفُو للقرابةِ، حتى بنَى دارًا، وجعَل بابَ دارِه مِن ذَهَبٍ، وضرَب على [جُدُرِ دارِه] (٣) صفائحَ الذهبِ، وكان الملأُ من بني إسرائيلَ يَغْدُون عليه ويَرُوحون، فيُطْعِمُهم الطعامَ، ويحدِّثونه ويُضْحِكونه، فلم تَدَعْه شِقْوتُه والبَلاءُ، حتى أرسَل إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ مشهورةٍ بالخَنَا، مشهورةٍ بالسَّبِّ، فأرسَل إليها فجاءت فقال لها: هل لكِ أن أُمَوِّلَكِ وأُعْطِيَكِ وأَخْلِطَكِ بنسائِى، على أن تأتِيَنى والملأُ من بني إسرائيلَ عندى فتقولى: يا قارونُ، أَلَا تَنْهَى عَنِّى موسى، قالت: بلى.
فلما جلَس قارونُ وجاءه الملأُ من بنى إسرائيلَ، أرسَل إليها، فجاءتْ فقامَت بينَ يدَيه، فقَلَّب اللهُ قلبَها، وأحْدَث لها توبةً، فقالت في نفسها: أُحْدِثُ (١) اليوم توبةً أَفضلُ مِن أن أُوذِيَ رَسولَ اللهِ ﷺ، وأُكذِّبُ (٢) [عدوًّا له] (٣).
فقالت: إن قارونَ قال لي: هل لك أن أُمَوِّلَكِ وأُعْطِيَك وأَخْلِطَكِ بنِسائِي، على أن تأتِيَنى والملأُ من بنى إسرائيلُ عندى، فتقولى: يا قارونُ، ألا تَنْهَى عنى موسى، فلم أجِدْ توبةً أفضلَ مِن ألا أُوذِيَ رسولَ اللهِ ﷺ، وأُكَذِّبَ (٢) عدوَّ اللهِ.
فلما تكلَّمَت بهذا الكلامِ، سُقِط فى يَدَيْ قارونَ، ونَكَّس رأسَه، وسكَت الملأُ، وعرَف أنه قد وَقَع فى هَلَكَةٍ، وشاعَ كلامُها فى الناسِ، حتى بلَغ موسى، فلما بلَغ موسى اشتدَّ غضبُه، فتوضَّأَ من الماءِ، وصلَّى وبكَى، وقال: يا ربِّ، عدوُّك لي مُؤْذٍ، أراد فَضِيحتى وشَينى، يا ربِّ سَلِّطْنى عليه.
فأوحى اللهُ إليه أَن مُرِ الأَرضَ بما شئتَ تُطِعْك، فجاء موسى إلى قارونَ، فلما دخَل عليه، عرف الشَّرَّ في وَجْهِ موسى له، فقال: يا موسى ارحَمْنى.
قال: يا أرضُ خُذِيهم.
قال: فاضطَرَبت دارُه، وساخَت بقارونَ وأصحابِه إلى الكعبَين، وجعَل يقولُ: يا موسى، [ارحمْنى.
قال: يا أرضُ خذيهم.
فاضطربت دارُه وساخت، وخُسِف بقارونَ وأصحابِه] (٤) إلى رُكَبِهم، وهو يَتضرَّعُ إلى موسى: يا موسى ارحَمْنى.
قال: يا أرضُ خُذِيهم.
قال: فاضطرَبَت دارُه وساخَت، وخُسِف بقارونَ وأصحابِه إلى سُرَرِهم، وهو يَتضرَّعُ إلى موسى: يا موسى ارحَمْنى.
قال: يا أرضُ خُذِيهم.
فخُسِف به وبدارِه وأصحابِه.
قال: وقيل لموسى ﷺ: يا موسى ما أفَظَّك، أما وعِزَّتى لو إيَّاى نادَى لأجبْتُه (٥).
حدَّثنى بشرُ بنُ هلالٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، قال: بلَغنى أنه قيل لموسى: لا أُعَبِّدُ الأَرضَ لأحدٍ بعدَك أبدًا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ وعبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن سفيانَ، عن الأغَرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حُصَينٍ، قال عبدُ الحميدِ: عن أبي نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ، ولم يذكُرِ ابنُ مهديٍّ أبا نصرٍ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
قال: الأرضَ السابعةَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: بلَغَنا أنه يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ (٣) قامةً، ولا يبلُغُ أسفلَ الأرضِ إلى يومِ القيامةِ، فهو يَتجَلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ (٥)، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ مالكَ بن دينارٍ، قال: بلَغَنى أن قارونَ يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ [مائةَ قامةٍ] (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: ذُكر لنا أنه يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ قامةً، وأنه يتجلجلُ فيها، لا يبلغُ قعرَها إلى يومِ القيامةِ (١).
وقولُه: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: فلم يَكُنْ له جندٌ يرجِعُ إليهم ويفئُ (٢)، ينصُرونه لمّا نزَل به مِن اللهِ (٣) سخطُه، بل تَبَرَّءُوا منه، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
يقولُ: ولا كان هو ممن ينتصِرُ مِن اللهِ إذا أحلَّ به نِقْمَتَه، فيَمْتنِعَ لقوَّتِه منها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
أى: جندٌ ينصُرونه، وما عندَه مَنَعَةٌ يمتنعُ بها مِن اللهِ (٤).
وقد بَيَّنَّا معنى "الفئةِ" فيما مضَى (٥)، وأنها الجماعةُ مِن الناسِ، وأصلُها الجماعةُ التي يَفِيءُ إليها الرجلُ عندَ الحاجةِ إليهم، للعَوْنِ على العدوِّ، ثم تَستعملُ ذلك العربُ فى كلِّ جماعةٍ كانت عونًا للرجلِ وظَهْرًا له، ومنه قولُ خُفَافٍ (٦): فلم أرَ مِثْلَهم (٧) حَيًّا لَقاحًا … [وجَدِّكَ] (٨) بين ناضحةٍ (٩) وحَجْرٍ أشَدَّ على صُرُوفِ الدَّهْرِ آدًا … وآمرُ (١) مِنهُمُ فِئَةٌ (٢) بِصَبْرِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وأصبَح الذين تمنَّوْا مكانَه (٣) مِن الدنيا وغِناه وكثرةَ مالِه وما بُسِط له منها، ﴿بِالْأَمْسِ﴾ يعنى قبلَ أن ينزلَ به ما نزَل مِن سَخَطِ اللهِ وعِقابِه، يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾.
اختُلف في معنى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾.
فأما قتادةُ فإنه رُوِى عنه في ذلك قولان؛ أحدُهما، ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ، ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال في قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾.
قال: ألم تَرَ أنه (٤)!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾: أَوَ لَا تَرى أنه (٥).
وحدَّثني إسماعيلُ بن المُتوكَّلِ الأشْجَعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: ثنى مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾.
قال: ألم تَرَ أنه.
والقولُ الآخرُ، ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾.
قال: أو لا (١) يعلمُ أن اللهَ، ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾: أوَ لا يعلمُ أنه (٢).
وتأوَّل هذا التأويلَ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في ذلك أيضًا بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٣)، واستَشهَد لصحةِ تأويلِه ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ (٤): سَأَلَتانِي الطَّلاقَ أنْ [رَأتاني … قَلَّ مالي] (٥) قد جِئْتُمانى (٦) بِنُكْرِ وَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَه نَشَبٌ … يُحْبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٧): "وَيْكَأَنَّ" في كلامِ العربِ تَقْريرٌ، كقولِ الرجلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللهِ وإحسانِه!
وذكَر أنه أخبَره مَن سمِع أعرابيةً تقولُ لزوجِها: أينَ ابنُكَ (٨)؟
فقال: وَيْكَأَنَّه وراءَ البيتِ.
معناه: أما تَرَيْنَه وراءَ البيتِ؟
قال: وقد يذهبُ بها بعضُ النحويِّين إلى أنهما (٩) كلمتان، يريدُ: وَيْكَ أَنَّه.
كأنه أرادَ "وَيْلَك"، فحذَف اللامَ، فتُجعل "أنَّ" مفتوحةً بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال: وَيْلَك، أعلمُ أنه وراء البيتِ (١).
فأضمَر "أعلمْ".
قال: ولم نجدِ العربَ تُعْمِلُ الظَّنَّ مُضْمَرًا، ولا العلمَ وأشْباهَه فى "أنَّ"؛ وذلك أنه يبطُلُ إذا كان بينَ الكلمتَين، أو في آخرِ الكلمةِ، فلما أُضمر جرَى مَجْرَى التركِ (٢)، ألَا تَرى أنه لا يجوزُ في الابتداءِ أن تَقولَ: يا هذا، إنك قائمٌ، و: يا هذا أَنْ قُمْتَ.
تريدُ: علِمتُ، أو أعلمُ، أو ظننتُ، أو أظنُّ.
وأما حذفُ اللامِ من قولِك: وَيْلَك.
حتى تصيرَ: وَيْكَ.
فقد تقولُه العربُ؛ لكثرتِها في الكلامِ، قال عنترةُ (٣): ولقد شَفَى نَفْسى وأَبْرَأَ سُقْمَها … قَوْلُ الفَوَارسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ قال: وقال آخرون: إن معنى قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾.
"وى" منفصلةٌ من "كأنَّ"، كقولِك للرجلِ: وَىْ، أما ترى ما بينَ يدَيك؟
فقال: "وَىْ" ثم استأنَف: "كأن اللهَ يبسطُ الرزقَ".
وهى تَعَجَّبٌ، و "كأنَّ" في معنى الظنِّ والعلمِ، فهذا وَجْهٌ يستقيمُ.
قال: ولم تكتُبْها العربُ منفصلةً، ولو كانت على هذا لكَتَبوها منفصلةً، وقد يجوزُ أن تكونَ كثُر بها الكلامُ، فوُصِلَت بما ليست منه.
وقال آخرُ منهم: إن "وَىْ" تنبيهٌ، و "كأن" حرفٌ آخر غيرُه، بمعنى: لعل الأمرَ كذا، وأظنُّ الأمرَ كذا؛ لأن "كأنَّ" بمنزلةِ "أظنُّ وأحسبُ وأعلمُ".
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ القولُ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، مِن أن معناه: ألم تَرَ، ألم تعلَمْ.
للشاهدِ الذى ذكَرنا فيه مِن قولِ الشاعرِ والروايةِ عن العربِ، وأن "ويكأنَّ" فى خطِّ المصحفِ حرفٌ واحدٌ.
ومتى وُجِّه ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، فإنه يصيرُ حرفَين، وذلك أنه إن وُجِّهَ إلى قولِ مَن تأوَّله بمعنى: وَيْلَك أعلمُ أن اللهَ.
وجَب أَن يَفْصِلَ "وَيْكَ" مِن "أنَّ"، وذلك خلافُ خطِّ جميعِ المصاحفِ، مع فسادِه في العربيةِ، لما ذكَرنا.
وإن وُجِّهَ إلى قولِ مَن يقولُ: "وَىْ" بمعنى التَّنْبيهِ، ثم استأنَف الكلامَ بـ "كأَنَّ"، وجَب أن يُفْصَلَ "وَىْ" من "كأنَّ"، وذلك أيضًا خلافُ خطوطِ المصاحفِ كلِّها.
فإذ كان ذلك حرفًا واحدًا، فالصوابُ مِن التأويلِ ما قالَه قتادةُ، وإذ كان ذلك هو الصوابَ، فتأويلُ الكلامِ: وأصبَح الذين تَمَنَّوا مكانَ قارونَ وموضعَه مِن الدنيا بالأمسِ، يقولون لمَّا عايَنوا ما أحَلَّ اللهُ به من نِقْمَتِهِ: أَلم تَرَ يا هذا أن اللهَ يبسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ مِن عبادِه، فيُوَسِّعَ عليه، لا لفضلِ منزلتِه عندَه، ولا لكرامتِه عليه، كما كان بسَط من ذلك لقارونَ، لا لفضلِه ولا لكرامتِه عليه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
يقولُ: ويُضَيِّقُ على مَن يشاءُ من خلقِه ذلك ويُقَتِّرُ عليه، لا لهوانه عليه (١) ولا لسُخْطِه عملَه.
وقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾.
يقولُ: لولا (٢) أن تفضَّلَ اللهُ علينا، فصرَف عَنَّا ما كنَّا نَتَمَنَّاه بالأمسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾.
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سِوى شيبةَ: (لخُسِفَ بِنَا).
بضَمِّ الخاءِ وكسرِ السينِ (٣)، وذُكِر عن شيبةَ والحسنِ: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾.
بفتحِ الخاءِ والسينِ (٤)، بمعنى: لخسَف اللهُ بنا.
وقولُه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
يقولُ: ألم يعلمْ أنه لا يُفلِحُ الكافرون، فتُنْجِحَ طَلِباتُهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: تلك الدارُ الآخرةُ نجعلُ نعيمَها للذين لا يُريدون تكَبُّرًا عن الحقِّ في الأرضِ وتَجَبُّرًا عنه، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾.
يقولُ: ولا ظُلْمَ الناسِ بغيرِ حقٍّ، وعملًا بمعاصى اللهِ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن زيادِ ابنِ أبي زيادٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
قال: العُلُوُّ التَّجَبُّرُ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
قال: العُلُوُّ التَّكَبُّرُ فى الحقِّ، والفسادُ الأخْذُ بغيرِ الحقِّ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: التكبرَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: أخذَ المالِ بغيرِ حقٍّ.
قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: البَغْيَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: تَعَظُّمًا وتَجَبُّرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ عملًا بالمَعاصي (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أشْعثَ السَّمانِ، عن أبي سلَّامٍ (٣) الأعرجِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إن الرجلَ ليُعْجِبُه مِن شراكِ نَعْلِه أن يكونَ أجودَ مِن شِراكِ صاحبِه، فيدخلُ في قولِه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
وقولُه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: والجنةُ للمتقين، وهم الذين اتقَوا معاصىَ اللهِ، وأدَّوا فرائضَه.
وبنحوِ الذي قلنا في [معنى العاقبةِ] (٥) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الجنةُ للمتقين (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: مَن جاء اللهَ يومَ القيامةِ بإخلاصِ التوحيدِ، فله منها خيرٌ، وذلك الخيرُ هو الجنةُ والنعيمُ الدائمُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، وهى الشركُ باللهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
أى: له منها حظُّ خيرٍ، والحسنةُ الإخلاصُ، والسيئةُ الشركُ (١).
وقد بيَّنا ذلك باختلافِ المختلِفين، ودلّلنا على الصوابِ من القولِ فيه (٢).
وقولُه: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾.
يقولُ: فلا يثابُ الذين عمِلوا السيئاتِ على أعمالِهم السيئةِ، ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ: إلا جزاءَ ما كانوا يَعْمَلُون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: إِنَّ الذى أنزَل (٣) عليك يا محمدُ القرآنَ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾.
قال: الذي أعْطاك القرآنَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾.
قال: الذى أعْطاكَه (١).
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لَمُصَيِّرُك إلى الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتابُ بنُ بشيرٍ (٢)، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى مَعْدِنِكَ مِن الجنةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن إبراهيمَ بنِ حيانَ (٤)، سمِعتُ أبا جعفرٍ، يحدِّثُ (٥) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: معادُه آخرتُه، الجنةُ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ فى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى الجنةِ ليسألَك عن القرآنِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، قال: الجنةُ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى الجنة.
حدَّثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السدىِّ، عن أبي مالكٍ، قال: يردُّك إلى الجنةِ، ثم يسألُك عن القرآنِ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ، قالا: إلى الجنةِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وأبى قَزَعةَ، عن (٥) الحسنِ، قالوا: يومَ القيامةِ (٦).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: يجيءُ بك يومَ القيامةِ.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا: معادُه يومَ القيامةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: يُحيِيك (٢) يومَ القيامةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ (٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: معادُك من الآخرةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، إن له لمعادًا يبعثُه اللهُ يومَ القيامةِ، ويُدخِلُه الجنةَ (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك: لرادُّك إلى الموتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الزبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ بن سعيدٍ الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن سعيد بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: الموتِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.
قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي (٢) سعيدٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى الموتِ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إلى الموتِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: الموتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن (٤) عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إلى الموتِ، أو إلى مكةَ (٥).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لرَادُّك إلى الموضعِ الذى خرَجتَ منه، وهو مكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، عن سفيانَ العُصْفُريِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى مكةَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: يقولُ: لرادُّك إلى مكةَ كما أخرَجك منها (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: أخبرَنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن مجاهدٍ، قال: مولدُه بمكةَ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونسَ بن أبي إسحاقَ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مولدِك بمكةَ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ عمرٍو، وهو ابنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى مولدِك بمكةَ.
حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضَيلِ بنِ مرزوقٍ، عن مجاهدٍ أبى الحجاجِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾.
قال: إلى مولدِه بمكةَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونسَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، قال: إلى مولدِك، [إلى مكة] (١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى قولُ مَن قال: لرادُّك إلى عادتِك مِن الموتِ، أو إلى عادتِك حيثُ وُلدتَ.
وذلك أن المعادَ في هذا الموضعِ المَفْعِلُ مِن العادةِ، ليس مِن العَوْدِ، إلا أن يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ تأويلَ قولِه ﴿لَرَادُّكَ﴾: لمُصَيِّرُك.
فيتوجَّهُ حينَئذٍ قولُه: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾.
إلى معنى العَوْدِ، ويكونُ تأويلُه: إن الذى فرَض عليك القرآنَ لمُصَيِّرُك إلى أن تعودَ إلى مكةَ مفتوحةً لك.
فإن قال قائلٌ: فهذه الوجوهُ التي وصَفتَ فى ذلك قد فهِمناها، فما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى: لَرَادُّك إلى الجنةِ؟
قيل: ينبغى أن يكونَ وجهُ تأويلِه ذلك كذلك على هذا الوجهِ الآخرِ، وهو: لمُصَيِّرك إلى أن تعودَ إلى الجنةِ.
فإن قال قائلٌ: أوَ كان أُخرج مِن الجنةِ، فيقال له: نحن نُعِيدُك إليها؟
قيل: لذلك وجهان؛ أحدُهما، أنه إن كان أبوه آدمُ صلى اللهُ عليهما أُخرج منها، فكأن ولدَه بإخراجِ اللهِ إِيَّاه منها قد أُخرجوا منها، فمَن دخَلها فكأنما يُرَدُّ إليها بعدَ الخروجِ.
والثاني، أن يقالَ: إنه كان ﷺ دخَلها ليلةَ أُسْرِى به، كما رُوى عنه أنه قال: "دخَلْتُ الجنةَ، فرأيتُ فيها قَصْرًا، فقلتُ: لمَن هذا؟
فقالوا: لعمرَ بنِ الخطابِ" (٢) ونحوُ ذلك مِن الأخبارِ التى رُويت عنه بذلك، ثم رُدَّ إلى الأرضِ، فيقالُ له: إن الذى فرَض عليك القرآن لرادُّك؛ لمصيِّرُك إلى الموضعِ الذى خرجتَ منه مِن الجنةِ، إلى أن تعودَ إليه، فذلك إن شاء اللهُ قولُ مَن قال ذلك.
وقولُه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ربِّي أعلمُ مَن جاء (١) بالهُدى الذي مَن سَلَكه نَجا، ومَن هو في جَوْرٍ عن قصد السبيلِ مِنَّا ومنكم.
وقولُه: ﴿مُبِينٍ﴾ يعنى أنه يُبِينُ للمفكرِ الفهِمِ إذا تأمَّله وتَدبَّره، أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الهُدى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وما كنتَ تَرْجو يا محمدُ أن يُنَزَّلَ عليك هذا القرآنُ، فتَعْلَمَ الأنباءَ والأخبارَ عن الماضِين قبلَك، والحادثةَ بعدَك، مما لم يَكُنْ بعدُ، مما لم تشهَدْه ولا تشهدُه، ثم تَتْلو ذلك على قومِك من قريشٍ، إلا أن ربَّك رحِمك، فأنزَله عليك.
فقولُه: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ.
وقولُه: ﴿فَلَا (٢) تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: فاحمدْ ربَّك على ما أنعَم به عليك مِن رحمتِه إيَّاك، بإنزالِه عليك هذا الكتابَ، ولا تَكُونَنَّ عَوْنًا لمَن كَفَر بربِّك على كفرِه به (٣).
وقيل: إن ذلك من المُؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإن معنى الكلامِ: إن الذى فرض عليك القرآنَ فأنزَله عليك، وما كنتَ تَرْجو أن يُنَزَّلَ عليك فتكونَ نبيًّا قبلَ ذلك، لرادُّك إلى مَعادٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولا يَصْرِفنَّك عن تَبْليغِ آياتِ اللهِ وحُجَجِه، بعدَ أن أنزلَها إليك ربُّك يا محمدُ، هؤلاء (١) المشركون، بقولِهم: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨].
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ وبلِّغْ رسالتَه إلى مَن أرسَلك (٢) إليه بها، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
يقولُ: ولا تَتْرُكَنَّ الدعاءَ إلى ربِّك، وتبليغَ المشركين رسالتَه، فتكونَ ممن فعَل فِعْلَ المشركين بمعصيتِه ربَّه، وخلافِه أمرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولا تعبدْ يا محمدُ مع معْبودِك الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ معبودًا آخرَ سِواه.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
يقولُ: لا معبودَ تصلُحُ له العبادهُ إلا اللهُ الذى كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلا وَجْهَه.
واختُلف في معنى قولِه: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ شيءٍ هالكٌ (٣) إلا هو.
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما أُريد به وجهُه.
واستَشهدوا لتأويلِهم ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ (٤): أستغفرُ اللهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَه … ربُّ العبادِ إليه الوَجْهُ وَالعَمَلُ وقولُه: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾.
يقولُ: له الحكمُ بينَ خلقِه، دونَ غيرِه، ليس لأحدٍ غيرِه معه فيهم حكمٌ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
يقولُ: وإليه تُرَدُّونَ مِن بعدِ مَماتِكم، فيَقْضِى بينَكم بالعدلِ، فيُجازِى مُؤمِنيكم جزاءَهم، وكفَّارَكم ما وَعَدهم.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "القصص"