تفسير الطبري سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة العنكبوت

تفسيرُ سورةِ العنكبوت كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 117 دقيقة قراءة

تفسير سورة العنكبوت كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ العنكبوت ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾.

قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾.

وذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ فى تأويلِه، والذى هو أولى بالصواب من أقوالِهم عندَنا، بشواهدِه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وأما قولُه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

فإن (٢) معناه: أظَنَّ الذين خرَجوا يا محمدُ من أصحابِك من أذى المشركين إياهم، أن نَتْرُكَهم بغيرِ اختبارٍ، ولا ابتلاءِ امتحانٍ، بأن قالوا: آمنا بك يا محمدُ، وصدَّقْناك فيما جئْتَنا به مِن عندِ اللهِ؟

كلا، لنَخْتَبِرَنَّهم؛ ليتبيَّنَ الصادقُ منهم من الكاذبِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

قال: يُبْتَلَوْن فى أنفسِهم وأموالِهم (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

أى: لا يُبْتَلَوْن (٢).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

قال: لا يُبْتَلَوْن (٣).

[و ﴿أَنْ﴾] (٤) الأولى منصوبةٌ بـ "حسب"، والثانيةُ منصوبةٌ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بتعلُّقِ ﴿يُتْرَكُوا﴾ بها، وأن معنى الكلامِ على قولِه: أحسِب الناسُ أن يتركوا لِأن يقولوا: آمَنا.

فلمَّا حُذِفَت اللامُ الخافضةُ من "لأِن" نُصِبَت على ما ذكَرْتُ.

وأما على قولِ غيرِه، فهى فى موضعِ خفضٍ بإضمارِ الخافضِ، ولا تكادُ العربُ تقولُ: [ترَكْتُ فلانًا أن يَذْهَبَ.

فَتُدْخِلُ "أن" في الكلامِ، وإنما تقولُ] (٥): ترَكْتُه يَذْهَبُ.

وإنما أُدْخِلَت ﴿أَنْ﴾؛ هاهنا؛ لاكتفاءِ الكلامِ بقولِه: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾.

إذ كان معناه: أحسِب الناسُ أن يُتْرَكوا وهم لا يُفْتَنون؛ مِن أجلِ أن يقولوا: آمَنَّا.

فكان قولُه: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾.

مكتفيةً بوقوعِها على "الناسِ"، دونَ أخبارِهم.

وإن جُعِلَت ﴿أَنْ﴾ فى قولِه: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ منصوبةٌ بنيةِ تكريرِ ﴿أَحَسِبَ﴾، كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ: [أحَسِب الناسُ] (١) أن يُتْرَكوا، أحسِبوا أن يقولوا: آمنا.

وهم لا يُفْتَنون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ولقد اخْتَبَرْنا الذين مِن قبلِهم مِن الأممِ، ممَّن أَرْسَلْنا إليهم رسلَنا، فقالوا مثلَ ما قالتْه أمتُك يا محمدُ -بأعدائِهم، وتمكينِنا إياهم مِن أذاهم؛ كموسى إذ أرْسَلْناه إلى بنى إسرائيلَ، [فابتلَيْناهم بفرعونَ وملئِهم، وكعيسى إذ أَرْسَلْناه إلى بنى إسرائيلَ] (٢)، فَابْتَلَيْنا مَن اتَّبَعه بمَن تَوَلَّى عنه، فكذلك ابْتَلَيْنَا تُباعَك بمُخالِفيك (٣) مِن أعدائِك، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ منهم (٤) في قيلِهم: آمَنَّا.

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ منهم (٤) في قيلِهم ذلك، واللهُ عالمٌ بذلك منهم قبلَ الاختبارِ، وفى حالِ الا ختبارِ، وبعدَ الاختبارِ، ولكنَّ معنى ذلك: ولَيُظْهِرَنَّ اللهُ صدقَ الصادقِ منهم فى قيلِه: آمَنَّا بِاللهِ.

مِن كَذِب الكاذبِ منهم (٤)، بابتلائِه إياه بعدوِّه؛ ليَعْلَمَ صدقَه مِن كذبِه أولياؤُه.

على نحوِ ما قد بيَّناه فيما مضَى قبلُ (٥).

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت في قومٍ مِن المسلمين عذَّبهم المشركون، ففُتِن بعضُهم، وصبَر بعضُهم على أذاهم، حتى أتاهم اللهُ (٤) بفرجٍ مِن عندِه.

ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بن عبيدِ بنِ عميرٍ يقولُ: نزَلَت -يعنى هذه الآيةَ- ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ - في عمارِ بنِ ياسرٍ، إذ كان يُعَذَّبُ في اللهِ (١).

وقال آخرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ قومٍ كانوا قد أظْهَروا الإسلامَ بمكةَ وتخَلَّفوا عن الهجرةِ.

والفتنةُ التى فُتِن بها هؤلاء القومُ على مقالةِ هؤلاء هي الهجرةُ التي امْتُحِنوا بها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الشعبيِّ، قال: إنها نزَلَت -يعنى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيتين- فى أُناسٍ كانوا بمكةَ أقَرُّوا بالإسلامِ، فكتَب إليهم أصحابُ رسولِ (٢) اللهِ ﷺ مِن المدينةِ: إنه لا يُقْبَلُ منكم إقرارٌ (٣) بالإسلامِ حتى تُهاجِروا.

فخرَجوا عامِدين إلى المدينةِ، فاتَّبَعهم المشركون، فرَدُّوهم، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ، فكتَبوا إليهم: إنه قد نزَلَت فيكم آيةُ كذا وكذا.

فقالوا: نَخْرُجُ، فإن اتَّبَعَنا أحدٌ قاتَلْناه.

قال: فخرَجوا، فاتَّبَعهم المشركون، فقاتَلوهم ثَمَّ، فمنهم مَن قُتِل، ومنهم مَن نجا، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) [النحل: ١١٠].

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾.

قال: ابْتَلَيْنا (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

قال: ابْتَلَيْنا الذين مِن قبلِهم (٣).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

أي: ابتلَيْنا (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: أم حَسِب الذين يُشْرِكون باللهِ فيعبُدون معه غيرَه، وهم المَعْنِيُّون بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾.

يقولُ: أن يُعْجِزونا فيَفُوتُونا (١) بأنفسِهم، فلا نقدِرَ عليهم، فنَنْتقِمَ منهم لشِرْكِهم باللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.

أى: الشِّرْكَ، ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أَن يُعْجِزونا (٣).

وقولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ساء حُكْمُهم الذى يَحْكُمون بأن هؤلاء الذين يعمَلون السيئاتِ يَسْبِقوننا بأنفسِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: مَن كان يَرْجُو [اللهَ يومَ لِقائِه] (١)، ويطمعُ في ثوابِه، فإن أجلَ اللهِ الذى أجَّله لبَعْثِ خلقِه للجزاءِ والعقابِ - لآتٍ قريبًا.

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾.

يقولُ: واللهُ الذى يَرْجو هذا الراجي بلقائِه ثوابَه، السميعُ لقولِه: آمَنَّا باللهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدقِ قِيلِه: إنه قد آمَن.

مِن كذبِه فيه.

وقولُه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾.

يقولُ: ومَن يجاهدْ عدوَّه مِن المشركين، فإنما يجاهِدُ لنفسِه؛ لأنه يفعلُ ذلك ابتغاءَ الثوابِ مِن اللهِ على جهادِه، والهَرَبِ من العقابِ، فليس باللهِ إلى فعلِه ذلك حاجةٌ، وذلك أن اللهَ غنيٌّ عن جميعِ خلقِه، له الملْكُ والخلقُ والأمرُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، فصَحَّ إيمانُهم عندَ ابتلاءِ اللهِ إيَّاهم، وفِتْنتِه لهم، ولم يرتدُّوا عن أدْيانِهم بأذَى المشركين إياهم، وعمِلوا الصالحاتِ، ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التى سلَفَت منهم في شِرْكِهم، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ: ولَنُثِيبَنَّهم على صالحاتِ أعمالِهم في إسْلامِهم، أحسنَ ما كانوا يعمَلون في حالِ شِرْكِهم، مع تكْفيرِنا سيِّئَه (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ووَصَّيْنا الإنسانَ فيما أنزَلْنا إلى رسولِنا بوالديه، أن يفعلَ بهما حُسْنًا.

واختَلَف أهلُ العربيةِ فى وَجْهِ نَصْبِ "الحُسْنِ"؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب ذلك على (١) نِيَّةِ تكْريرِ "وصينا".

وكأن معنى الكلامِ عندَه: ووصَّيْنا الإنسانَ بوالدَيه، وصَّيناه (٢) حُسْنًا.

وقال: قد يقولُ الرجلُ: وصَّيتُه خيرًا.

أى: بخيرٍ.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى ذلك: ووصَّيْنا الإنسانَ أن يفعلَ حُسْنًا.

ولكن العربَ تُسْقِطُ من الكلامِ بعضَه، إذا كان فيما بَقِى الدلالةُ على ما سقَط، وتُعمِلُ ما بَقِى فيما كان يَعْمَلُ فيه المحذوفُ، فنُصِب قولُه: ﴿حُسْنًا﴾، وإن كان المعنى ما وصفتُ "وَصَّينا"؛ لأنه قد نابَ عن الساقطِ.

وأنشَد في ذلك (٣): عَجِبْتُ مِن دَهْمَاءَ إِذ تَشْكُونا ومن أبي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا وقال: معنى قولِه: يُوصِينا خيرًا: أن نفعلَ بها خيرًا.

فاكْتَفَى بـ "يوصِينا" منه.

وقال: ذلك نحوُ قولِه: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ [ص: ٣٣].

أى: يَمْسَحُ مَسْحًا.

وقولُه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.

يقولُ: ووَصَّينا الإنسانَ، فقلنا له: إن جاهَدَاك (١) والِداك لتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ أنه ليس لى شَرِيكٌ، فلا تُطِعْهما، فتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ؛ اتباعَ (٢) مَرْضاتِهما، ولكن خالِفْهما في ذلك.

﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: إليَّ معادُكم ومَصِيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ: فأُخْبِرُكم بما كنتُم في الدنيا تعمَلون، مِن صالحِ الأعمالِ وسيئاتِها، ثم أُجازِيكم عليها؛ المُحْسِنَ بالإحسانِ، والمُسِيءَ بما هو أهلُه.

وذُكر أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ بسببِ سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

قال: نزلَت في سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، لمَّا هاجَر قالت أمُّه: واللهِ لا يُظِلُّنى بيتٌ حتى يرجِعَ.

فأنزَل اللهُ في ذلك أن يُحْسِنَ إليهما، ولا يُطِيعَهما في الشركِ (٣) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، وعمِلوا الصالحاتِ مِن الأعمالِ؛ وذلك أن يُؤَدُّوا فرائضَ اللهِ، ويَجْتَنِبوا مَحارمَه، ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ فى مُدْخَلِ الصالحين، وذلك الجنةُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ومِن الناسِ مَن يقولُ: أَقْرَرْنا باللهِ فوحَّدْناه، فإذا آذاه المشركون في إقرارِه باللهِ، جعَل فتنةَ الناسِ إياه في الدنيا كعذابِ اللهِ في الآخرةِ، فارْتَدَّ عن إيمانِه باللهِ راجعًا على الكفرِ به، ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ أهلُ الإيمانِ به، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء المُرْتَدُّون عن إيمانِهم، الجاعِلون فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ -: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿مَعَكُمْ﴾ نَنْصُرُكم على أعدائكم.

كذبًا وإفْكًا.

يقولُ اللهُ: أو ليس اللهُ بأعْلَمَ أَيُّها القومُ مِن كلِّ أحدٍ بما في صُدُورِ جميعِ خلقِه؛ القائلين: آمَنَّا باللهِ.

فإذا أُوذِى فى اللهِ ارْتَد عن دينِ اللهِ، وغيرِهم؟

فكيف يُخادِعُ مَن كان لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، ولا يَسْتَتِرُ عنه سرٌّ ولا علانيةٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.

قال: فتنتُه أَن يَرْتَدَّ عن دينِ اللهِ إذا أُوذِى فى اللهِ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.

قال: أُناسٌ يُؤْمنون بألسنتِهم، فإذا أصابهم بلاءٌ مِن اللهِ، أو مصيبةٌ في أنفسِهم، افتَتَنوا، فجعَلوا ذلك في الدنيا كعذابِ اللهِ فى الآخرةِ (١).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في (٢) قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ﴾ الآية (٣): ناسٌ مِن المنافقين بمكةَ كانوا يُؤْمنون، فإذا أُوذُوا وأصابهم بلاءٌ من المشركين، رجَعوا إلى الكفرِ؛ مخافةَ مَن يُؤْذِيهم، وجعلوا أذَى الناسِ فى الدنيا كعذابِ اللهِ (٤).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.

قال: هو المنافقُ، إذا أُوذِى في اللهِ رجَع عن الدينِ وكفَر، وجعَل فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ (٥).

وذُكِر أن هذه الآية نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ الإيمانِ كانوا بمكةَ، فخرَجوا مُهاجرين، فأُدْرِكوا وأُخِذوا، فأَعْطَوُا المشركين لمَّا نالهم أذاهم ما أرادوا منهم.

ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْريُّ، قال: ثنا محمدُ ابنُ شَرِيكٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ (١)، فأَخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم، فأُصِيب بعضُهم و [قُتلَ بعضُهم] (٢)، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكْرِهوا.

فاسْتَغْفَروا لهم، فنزَلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخرِ الآيةِ.

قال: فكُتِب إلى مَن بقِى بمكةَ من المسلمين بهذه الآيةِ ألا عذرَ لهم، فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا وأيِسُوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزَلَت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠].

فكتَبوا إليهم بذلك: إن اللهَ قد جعَل لكم مخرجًا.

فخرَجوا، فأدْركَهم المشركون، فقاتَلوهم، حتى نجا مَن نجا، وقُتِل من قُتِل (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.

قال: هذه الآياتُ أُنزِلَت في القومِ الذين ردَّهم (٤) المشركون إلى مكةَ، وهذه الآياتُ العشْرُ مَدَنيةٌ إلى هاهنا، وسائرُها مكيٌّ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ولَيَعْلَمَنَّ (٢) أولياءُ اللهِ وحِزْبُه أَهلَ الإيمانِ باللهِ منكم أيُّها القومُ، وليَعْلَمُنَّ المنافقين منكم، حتى يَمِيزُوا؛ كلَّ فريقٍ منكم مِن الفريقِ الآخرِ، بإظهارِ اللهِ ذلك منكم بالمحنِ والابتلاءِ والاختبارِ، وبمسارعةِ المُسارِعِ منكم إلى الهجرةِ من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وتَثَاقُلِ المُتَثاقِلِ منكم عنها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين كفَروا باللهِ مِن قريشٍ للذين آمنوا باللهِ منهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾.

يقولُ: قالوا: كونوا على مثلِ ما نحن عليه من التَّكْذيبِ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وجُحُودِ الثوابِ والعقابِ على الأعمالِ، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.

يقولُ: قالوا: فإنكم إن اتَّبَعْتُم سبيلَنا في ذلك، فبُعِثْتُم (٣) بعدَ المَماتِ، وجُوزِيتُم على الأعْمالِ، فإنا نتحمَّلُ آثامَ (٤) خطاياكم حينَئذٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.

قال: قولُ كفارِ قريشٍ بمكةَ لمَن آمَن منهم، يقولُ: قالوا: لا نُبْعَثُ نحن ولا أنتم، فاتَّبِعونا، إن كان عليكم شيءٌ فهو علينا (١).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هم القادةُ مِن الكفارِ، قالوا لمَن آمَن مِن الأتْباعِ: اترُكوا دينَ محمدٍ واتَّبِعوا دينَنا (٢).

وهذا -أعنى قولَه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ - وإن كان خرَج مَخْرَجَ الأمرِ، فإن فيه تأويلَ الجزاءِ، ومعناه ما قلتُ: إن اتَّبَعتُم سبيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم.

كما قال الشاعرُ (٣): فقُلْتُ ادْعِى وأَدْعُ فَإِنَّ أَنْدَى … لِصَوْتٍ أَنْ يُنادِيَ دَاعِيَانِ يريدُ: ادْعِى ولأَدْعُ.

ومعناه: إِن دَعَوْتِ دَعَوتُ.

وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.

وهذا تَكْذيبٌ مِن اللهِ للمشركين القائِلين للذين آمَنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكَذَبوا في قِيلِهم ذلك لهم، ما هم بحامِلِين مِن آثامِ (١) خَطاياهم من شيءٍ، ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما قالوا لهم ووَعَدوهم، مِن حَمْلِ خَطاياهم إن هم اتَّبَعوهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: وليحْمِلُنَّ هؤلاء المشركون باللهِ القائلون للذين آمنوا به: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ - أوزارَ أنفسِهم وآثامَها، وأوزارَ من أضلُّوا وصدُّوا عن سبيلِ اللهِ مع أوزارِهم، ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا﴾ يَكْذِبونهم في الدنيا، بوعدِهم إياهم الأباطيلَ، وقيلِهم لهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.

فيفتَرون الكذبَ بذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾.

أى: أوزارَهم، ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.

يقولُ: وأوزارَ مَن أَضَلُّوا (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.

وقَرأ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].

قال: فهذا قولُه: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾.

وهذا وعيدٌ مِن اللهِ تعالى ذكره لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ، القائلين للذين آمنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.

يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يَحْزُنْك (١) يا محمدُ ما تَلْقَى مِن هؤلاء المشركين أنت وأصحابُك من الأذَى، فإنى وإن أملَيتُ لهم، فأطَلتُ إملاءَهم، فإن مصيرَ أمرِهم إلى البَوارِ، ومصيرَ أمرِك وأمرِ أصحابِك إلى العُلُوِّ والظَّفَرِ بهم، والنَّجَاةِ مما يَحِلُّ بهم من العقابِ؛ كفعلِنا ذلك بنوحٍ، إذ أرسَلناه إلى قومِه، فلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى توحيدِ اللهِ وفِراقِ الآلهةِ والأوثانِ، فلم يَزِدْهم ذلك مِن دُعائه إياهم إلى اللهِ، مِن الإقبال إليه، وقبولِ ما أتاهم به من النصيحةِ من عندِ اللهِ - إلا فِرارًا.

وذُكر أنه أُرسل إلى قومِه وهو ابنُ ثلاثمائةٍ وخمسين سنةً.

كما حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا عونُ ابنُ أَبي شَدَّادٍ، قال: إن اللهَ أرسَل نوحًا إلى قومِه وهو ابنُ خمسين وثلاثِمائةِ سنةٍ، فلَبِث فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ثم عاشَ بعد ذلك خمسين وثلاثَمائةِ سنةٍ (١) ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: فأهْلَكهم الماءُ الكثيرُ.

وكلُّ ماءٍ كثيرٍ فاشٍ طامٍّ فهو عندَ العربِ طُوفانٌ؛ سَيْلًا كان أو غيرَه، وكذلك الموتُ إذا كان فاشيًا كثيرًا، فهو أيضًا عندَهم طُوفانٌ، ومنه قولُ الراجزِ (١): أَفْنَاهُمُ طُوفانُ موتٍ جارِفِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾.

قال: هو الماءُ الذى أُرسل عليهم (٢).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: الطوفانُ الغَرَقُ (٣).

وقولُه: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

يقولُ: وهم ظالِمون أنفسَهم بكفرِهم بربِّهم (٤).

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأنْجَينا نوحًا وأصحابَ سفينتِه، وهم الذين حمَلهم في سفينتِه من ولدِه وأزواجِهم.

وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى قبلُ، وذكَرنا الرواياتِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: وجعلنا السفينةَ التي أنْجَيناه وأصحابَه فيها عبرةً وعظةً للعالمين، وحُجَّةً عليهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ الآية.

قال: أبْقاها اللهُ آيةً للناسِ بأعلَى الجُودِيِّ (٢).

ولو قيل: معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾: وجعَلنا عقوبتنا إياهم آيةً للعالَمين.

وجُعِل الهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ كنايةً عن العقوبةِ أو السَّخَطِ ونحوِ ذلك، إذ كان قد تقدَّم ذلك (٣) قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ - كان وَجْهًا مِن التأويلِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذْكُر أيضًا يا محمدُ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ، إذ قال لقومِه: اعبُدوا اللهَ أيُّها القومُ، دونَ غيرِه من الأوثانِ والأصنامِ، فإنه لا إلهَ لكم غيرُه، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾.

يقولُ: واتَّقوا سَخَطَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ لكم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ خليلِه إبراهيمَ لقومِه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ﴾ أيها القومُ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾.

يعنى: مُثُلًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾: أصنامًا (١).

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وتصنعون كذبًا.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾.

يقولُ: تصنعون كذبًا (٢).

وقال آخرون: وتقولون كذبًا.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾.

يقولُ: وتقولون إفكًا (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾.

يقولُ: تقولون كذبًا (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتَنْحِتون إفكًا.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾.

قال: تَنْحِتون، تُصوِّرون إفكًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أي: تصنَعون أصنامًا (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: الأوثانَ التي ينحِتونها بأيديهم.

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وتصنعون كذبًا.

وقد بيَّنا معنى "الخَلْقِ" فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

فتأويلُ الكلامِ إذن: إنما تعبدون من دونِ اللهِ أوثانًا، وتصنعون كذبًا وباطلًا.

و "إنما" في قولِه: ﴿إِفْكًا﴾ (٢).

مردودٌ على ﴿إِنَّمَا﴾، كقولِ القائلِ: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا وقرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ بتخفيفِ الخاءِ من قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ وضمِّ اللامِ، من "الخَلْقِ".

وذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أنه قرَأ: (وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا) بفتح الحاء وتشديد اللامِ، من "التخلُّقِ" (٣).

والصوابُ من القراءةِ عندنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ عليه.

وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنَّ أوثانَكم التى تعبدونها لا تَقْدِرُ أنْ ترزقَكم شيئًا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾.

يقولُ: فالتمسوا عندَ اللهِ الرزقَ، لا مِن عندِ أوثانِكم، تُدركوا ما تبتغون من ذلك، ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾.

يقولُ: وذِلُّوا له، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على رزقِه إياكم، ونعمِه التي أنعمَها عليكم.

يقالُ: شكرتُه.

و "شكرتُ له" أفصحُ من "شكرتُه".

وقولُه: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

يقولُ: إلى اللهِ تُرَدّون من بعدِ مماتِكم، فيُسائلُكم (٤) عما أنتم عليه من عبادتِكم غيرَه، وأنتم عبادُه وخلْقُه، وفي نعَمِه تتقلَّبون، ورزقَه تأكلون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: وإن تُكَذِّبوا أيها الناسُ رسولَنا محمدًا ﷺ فيما دعاكم إليه من عبادَةِ ربِّكم الذى خلَقكم ورزَقكم، والبراءةِ من الأوثانِ، فقد كَذَّبت جماعاتٌ من قبلِكم رسلَها، فيما دعَتهم إليه الرسلُ من الحقِّ، فحَلَّ بها من اللهِ سخطُه، ونزَل بها منه عاجلُ عقوبةٍ، فسبيلُكم سبيلُها فيما هو نازلٌ بكم بتكذيبِكم إياه، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.

يقولُ: وما على محمدٍ إلا أنْ يبلِّغَكم عن اللهِ رسالتَه، ويؤدِّيَ إليكم ما أمَره بأدائِه إليكم ربُّه.

ويعني بـ: ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: الذى يَبِينُ لمن سمِعه ما يُرادُ به، ويُفهَمُ به ما يُعنَى به.

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم يروا كيف يستأنفُ اللهُ خَلْقَ الأشياءِ طِفلًا صغيرًا، ثم غلامًا يافعًا، ثم رجلًا مجتمِعًا، ثم كَهلًا؟

يقالُ منه: أبدَأ وأعاد، وبدَأ وعاد.

لغتان بمعنًى واحدٍ.

وقولُه: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.

يقولُ: ثم هو يُعيدُه من بعدِ فنائه وبِلاه، كما بدَأه أوَّلَ مرّةٍ خَلْقًا جديدًا، لا يتعذَّرُ ذلك عليه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾؛ سهلٌ كما كان يسيرًا عليه إبداؤُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: البَعْثُ (١) بعدَ الموتِ (٢).

وقولُه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.

يقولُ تعالى ذكره لمحمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ للمُنْكرِين البعثَ (٣) بعدَ المَماتِ، الجاحِدِين الثوابَ والعقابَ: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ﴾ اللهُ ﴿الْخَلْقَ (٤)﴾؛ الأشياءَ، وكيف أنشَأها وأَحْدَثها، وكما أوجَدها وأحْدَثها ابتداءً فلم يَتَعَذَّرْ عليه إحْداثُها مُبْدِئًا، فكذلك لا يَتَعذَّرُ عليه إنشاؤُها (٥) مُعِيدًا.

﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.

يقولُ: ثُمَّ اللهُ يُبْدِئُ ذلك (٦) البَدْأَةَ الآخِرَةَ بعدَ الفناءِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.

أى: البعثَ بعدَ الموتِ (٧).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.

قال: هي الحياةُ بعدَ الموتِ، وهو النشورُ (١).

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: إن اللهَ على إنْشاءِ جميعِ خلقِه بعدَ إفْنائِه، كهيئتِه قبلَ فَنائِه، وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ فِعْلَه - قادرٌ، لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ثم اللهُ يُنْشِئُ النشأةَ الآخِرةَ خَلْقَه مِن بعدِ فَنَائِهم، فيعذِّبُ مَن يشاءُ منهم على ما أسْلَفَ مِن جُرْمِه فى أيام حياتِه، ويرحمُ مَن يشاءُ منهم مِمَّن تابَ وآمنَ وعمِل صالحًا، ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.

يقولُ: وإليه تُرجَعون وتُرَدُّون.

وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.

[فَإِن ابنَ زِيدٍ قال فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾] (٢).

قال: لا يُعْجِزُه أَهلُ الأَرَضِين فى الأَرضِين، ولا أهلُ السماواتِ فى السماواتِ، إن عصَوه.

وقرَأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) [سبأ: ٣].

وقال في ذلك بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ [وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.

أى: لا يُعجِزُوننا مع ذلك، ما أنتم بمعجزين في الأرضِ] (١)، ولَا مَنْ فِي السماءِ مُعْجِزِين.

قال: وهو مِن غامضِ العربيةِ؛ للضميرِ الذي لم يظهَرْ فى الثانى.

قال: ومثلُه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (٢): أَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللهِ مِنْكُمْ … ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَوَاءُ أراد: ومَن ينصُرُه ويمدَحُه.

فأضمَر (مَنْ).

قال: وقد يقعُ في وَهْمِ السامعِ أن النصرَ والمدحَ [لـ"مَن"] (٣) هذه الظاهرةِ، ومثلُه فى الكلامِ: أكرِمْ مَن أتاك وأتَى أباك، وأكرِمْ مَن أتاك ولم يأتِ زيدًا.

تريدُ: ومن لم يأتِ زيدًا.

فيَكْتَفى باخْتلافِ الأفعالِ مِن إعادةِ "مَن"، كأنه قال: أمَنْ يَهْجُو، ومَن يمدَحُه، ومَن يَنصُرُه.

ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].

وهذا القولُ (٤) أصحُّ عندى فى المعنى من القولِ الآخَرِ.

ولو قال قائلٌ (٥): معناه: ولا أنتم بمُعْجزين في الأرضِ، ولا أنتم لو كنتُم في السماءِ بمُعْجزِين.

كان مذهبًا.

وقولُه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.

يقولُ: وما كان لكم أيُّها الناسُ مِن دونِ اللهِ مِن ولىٍّ يَلى أمورَكم، ولا نصيرٍ ينصُرُكم مِن اللهِ، إن أرادَ بكم سُوءًا، ولا يمنعُكم (٦) منه إن أحلَّ بكم عقوبتَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: والذين كفَروا بحُجَجِ اللهِ، وأنكَروا أدلَّتَه، وجحَدوا لقاءَه والورودَ عليه يوم تقومُ الساعةُ، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾.

يقول تعالى ذكره: أولئك يَئِسوا مِن رحمتِي فى الآخرةِ؛ لمَّا عايَنوا ما أُعِدَّ لهم مِن العذابِ، فأولئك لهم فيها (١) عذابٌ مُوجِعٌ.

فإن قال قائلٌ: وكيف اعْتَرَضَ بهذه الآياتِ من قولِه: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

وترَك ضميرَ قولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾.

وهو مِن قصةِ إبراهيمَ.

وقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟

قيل: فعَل ذلك كذلك؛ لأن الخبرَ عن أمرِ نوحٍ وإبراهيمَ وقومِهما، وسائرِ مَن ذَكَر اللهُ مِن الرسلِ والأممِ فى هذه السورةِ وغيرِها، إنما هو تذكيرٌ مِن اللهِ تعالى ذكره به الذين يبتدئُ بذِكْرِهم قبلَ الاعْتراضِ بالخبرِ، وتحذيرٌ منه لهم أن يَحِلَّ بهم ما حَلَّ بهم، فكأنه قيل فى هذا الموضعِ: فاعبُدوه واشكُروا له إليه ترجعون، فكذَّبْتُم أنتم معشرَ قريشٍ رسولكم محمدًا، كما كَذَّب أولئك إبراهيمَ.

ثم جعَل مكانَ "فَكَذَّبْتُم": ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.

إذ كان ذلك يدُلُّ على الخبرِ عن تَكْذيبِهم رسولَهم، ثم عادَ إلى الخبرِ عن إبراهيمَ وقومِه، وتَتْمِيمِ قصتِه وقصتِهم بقولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: فلم يكن جوابَ قومِ إبراهيمَ له إذ قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

إلا أن قال بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوه أو حرِّقوه بالنارِ.

ففعَلوا، فأرَادوا إحراقَه بالنارِ، فأضرَموا له النارَ، فألْقوه فيها: فأنجاه اللهُ منها، ولم يُسَلِّطْها عليه، بل جعَلها عليه بَرْدًا وسلامًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: فما كان جوابَ قومِ إبراهيمَ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾.

قال: قال كعبٌ: ما حَرَقت منه إلا وَثاقَهُ (١).

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: إن في إنجائِنا لإبراهيمَ من النارِ وقد أُلقى فيها وهى تَسَعَّرُ، وتَصْييرِناها عليه بردًا وسلامًا - لأدلةً وحُجَجًا لقومٍ يُصدِّقون بالأدلةِ والححجِ، إذا عايَنوا ورأَوا.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ إبراهيمَ لقومِه: وقال إبراهيمُ لقومِه: يا قومِ، ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾.

واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والشام وبعضُ الكوفيين: (مَوَدَّةً).

بنصب "مودة" بغير إضافةٍ، "بينَكم" بنصبِها (٢).

وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾.

بنصبِ "المودَّةِ" وإضافتِها إلى قوله: ﴿بَيْنِكُمْ﴾، وخفضِ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ (١).

وكأنَّ هؤلاء الذين قرءوا قوله: (مَوَدَّة).

نصبًا، وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: إنما اتخذتم أيُّها القومُ أوثانًا مودةً بينَكم.

فجعَلوا "إنما" حرفًا واحدًا، وأوقَعوا قولَه: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾ على الأوثانِ، فنصَبوها، بمعنى: اتخَذتموها مودّةً بينَكم في الحياةِ الدنيا، تتحابُّون على عبادتِها، وتَتَوادُّون على خدمتِها، فتتواصَلون عليها.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (مودَّةُ بَيْنِكُمْ).

برفعِ "المودةِ"، وإضافتِها إلى "البينِ"، وخفضِ "البينِ" (٢).

وكأن الذين قرَءوا ذلك كذلك، جعَلوا "إِنَّ مَا" حرفين، بتأويلِ: إن الذين اتخذَتم من دونِ اللهِ أوثانًا، إنما هو مودّتُكم للدنيا.

فرفعوا "مودة" على خبرِ إنَّ.

وقد يجوزُ أن يكونوا على قرَاءتِهم ذلك رفعًا بقولِه: "إنما" أن تكونَ حرفًا واحدًا، ويكونَ الخبرُ متناهيًا عندَ قولِه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾.

ثم يبتدئُ الخبرَ فيقالُ: ما مودتُكم تلك الأوثانَ بنافعتِكم، إنما مَوَدَّةُ بينِكم في حياتِكم الدنيا، ثم هي منقطعةٌ.

وإذا أُريد هذا المعنى كانت المَودَّةُ مرفوعةً بالصفةِ بقولِه: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

وقد يجوزُ أن يكونوا نوَوا (٣) برفعِ المَودَّةِ، رفعَها على ضميرِ "هي" وهذه القراءاتُ الثلاثُ مُتقارباتُ المعانى؛ لأن الذين اتَّخَذوا الأوثانَ آلهةً يعبدونها، اتَّخَذوها مودةَ بَيْنهم، وكانت لهم فى الحياةِ الدنيا مودةً، ثم هي عنهم منقطعةٌ.

فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمُصيبٌ؛ لتقارُبِ معانى ذلك، وشهرةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ في قرأةِ الأمصارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.

قال: صارتْ كلُّ خُلَّةٍ فى الدنيا عَداوةً على أهْلِها يومَ القيامةِ، إلا خُلَّةَ المُتَّقِين (١).

وقولُه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ثم يومَ القيامةِ أيُّها المُتَوادُّون على عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، والمُتواصِلون على خِدْماتِها عندَ وُرُودِكم على ربِّكم، ومُعاينتِكم ما أعَدَّ اللهُ لكم على التَّواصُلِ والتَّوَادِّ فى الدنيا، مِن أليمِ العذابِ، ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾.

يقولُ: يَتبرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ، ويلعنُ بعضُكم بعضًا.

وقولُه: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾.

يقولُ جل ثناؤُه: ومصيرُ جميعِكم أيُّها العابِدون الأوثانَ، وما تعبُدون - النارُ.

﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يقولُ: وما لكم أيُّها (٢) المُتَّخِذون الآلهةَ مِن دونِ اللهِ مودةَ بينِكم، مِن أنصارٍ ينصُرونكم مِن اللهِ، حينَ يُصْلِيكم نارَ جهنمَ، فيُنْقِذوكم (٣) مِن عذابِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: فصدَّق إبراهيم خليلَ اللهِ لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.

يقولُ: وقال إبراهيمُ: إنى مُهاجِرٌ دارَ قومى ﴿إِلَى رَبِّي﴾، إلى الشامِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾.

قال: صدَّق لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.

قال: هو إبراهيمُ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾.

أى: فصدَّقه لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.

قال: هاجَرا جميعًا مِن كُوثَى، وهى مِن سَوادِ الكوفةِ إلى الشامِ.

قال: وذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّها سَتَكُونُ هِجْرةٌ بعدَ هِجْرةٍ، يَنْحازُ أهلُ الأَرضِ إِلى مُهاجَرِ إبراهيمَ، ويَبْقَى فى الأرضِ شِرارُ أهْلِها، حتى تَلْفِظُهم وتَقْذَرَهم، وتَحْشُرَهم النارُ مع القِرَدةِ والخنازيرِ" (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾.

قال: صدَّقه لوطٌ، صدَّق إبراهيمَ.

قال: أرأيتَ المؤمنين، أليس آمنوا لرسولِ اللهِ ﷺ ما جاء به؟

قال: فالإيمانُ التَّصْديقُ.

وفي قولِه: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.

قال: كانت هِجْرتُه إلى الشامِ.

وقال ابنُ زيدٍ في حديثِ الذئبِ الذى كلَّم الرجلَ، فأَخبَر به النبيَّ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فآمَنْتُ له (١) وأبو بكرٍ وعمرُ" (٢).

وليس أبو بكرٍ ولا عمرُ معه.

يعني "آمنتُ له": صَدَّقْتُه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾.

قال: إلى حَرَّانَ، ثم أُمِر بعدُ بالشامِ الذى هاجَر إبراهيمُ، وهو أوَّلُ مَن هاجَر.

يقولُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ﴾، إبْراهِيمُ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ الآية (٣).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: إبراهيمُ القائلُ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٤).

وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

يقولُ: إن ربِّى هو العزيزُ الذي لا يَذِلُّ مَن نَصَرَه، ولكنه يمنعُه مِمَّن أرادَه بسُوءٍ، وإليه هِجْرتُه، الحكيمُ في تَدْبيرِه خلقَه، وتَصْريفِه إياهم فيما صَرَّفهم فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: ورَزَقْناه مِن لَدُنَّا إسحَاقَ ولدًا، وَيَعْقُوبَ مِن بعدِه وَلَدَ وَلَدٍ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.

قال: هما ولدا إبراهيمَ (١).

وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.

بمعنى الجمعِ؛ يرادُ به الكتبُ، ولكنه خرَجَ مَخْرَجَ قولِهم: كَثُر الدرهمُ والدينارُ عندَ فلانٍ.

وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾.

يقولُ تعالى ذكره: وأعْطيناه ثوابَ بلائِه فينا فى الدنيا، ﴿وَإِنَّهُ﴾ مع ذلك ﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

فله هنالك أيضًا جزاءُ الصالحين، غيرَ مُنْتَقَصٍ حَظُّه بما أُعطِى في الدنيا مِن الأجرِ على بلائِه في اللهِ، عما له عندَه في الآخرةِ.

وقيل: إن الأَجْرَ الذى ذكَره اللهُ ﷿ أنه آتاه إبراهيمَ في الدنيا، هو الثناءُ الحسنُ، والولدُ الصالحُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾.

قال: الثناءُ (٢).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن لَيْثٍ، قال: أرسَل مجاهدٌ رجلًا يقالُ له: قاسمٌ.

إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

قال: فقال: أجرُه في الدنيا أن كلَّ مِلَّةٍ تتولَّاه، وهو عندَ اللهِ مِن الصالحين.

قال: فرجَع إلى مجاهدٍ، فقال: أصابَ.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن مِنْدَلٍ، عمَّن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾.

قال: الولدُ الصالحُ والثناءُ (١).

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾.

يقولُ: الذِّكْرُ الحسنُ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾.

قال: عافيةً، وعملًا صالحًا، وثناءً حَسَنًا، فلستَ تلَاقى (٣) أحدًا مِن المِلَلِ إلا يَرضَى (٤) إبراهيمَ ويَتَولَّاه، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥).

القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ لوطًا إذ قال لقومِه: أئنَّكم لَتأتون الذُّكْرانَ، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ - يعنى بالفاحشةِ التي كانوا يأتونها، وهى إتيانُ الذُّكْرانِ، ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بنِ خداشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ علَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ فى قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.

قال: ما نَزَا ذَكَرٌ على ذَكَرٍ حتى كان قومُ لوطٍ (١).

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) [قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ] (٢) (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكره مُخبرًا عن قيلِ لوطٍ لقومِه: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ فى أدْبارِهم، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾.

يقولُ: وتقطَعون المُسافرين عليكم (٣) بفعلِكم الخبيثِ.

وذلك أنهم فيما ذُكِر عنهم كانوا يفعلون ذلك بَمَن مَرَّ عليهم من المُسافرين، ومَن وَرَد بلدَهم (٤) مِن الغُرباءِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾.

قال: السبيلُ الطريقُ.

المسافرُ إذا مرَّ بهم، وهو ابنُ السبيلِ، قَطَعوا به، وعمِلوا به ذلك العمل الخبيثَ (٥).

وقولُه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

اختَلَف أهلُ التأويلِ في المنكرِ الذي عَناه اللهُ، الذى كان هؤلاء القومُ يأتُونه في نادِيهم؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أنهم كانوا يَتَضارَطُون في مجالسِهم.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ غُطَيفٍ (١) الثقفىُّ، عن عمرَ (٢) بنِ مُصْعبٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قالت (٣): الضُّراطَ (٤).

وقال آخرون: بل كان ذلك أنهم كانوا يَحْذِفون مَن مَرَّ بهم.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أُسامةَ، عن حاتمِ بنِ أبي صَغيرةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي صالحٍ، عن أمِّ هانئ، قالت: سألتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: "كانوا يَحْذِفُون أهل الطريقِ، ويَسْخَرون منهم".

فهو المنكرُ الذي كانوا يأتُون (٥).

حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه.

حدَّثنا أحمد بن عبدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا سُلَيمُ (١) بنُ أَخضرَ، قال: ثنا أبو يونسَ القُشَيرِيُّ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، أن أمَّ هانئٍ سُئِلت عن هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

فقالت: سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: "كانوا يَحْذِفُون أَهْلَ الطَّريقِ، ويَسْخَرون مِنهم" (٢).

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: كانوا يُؤْذُون أهلَ الطريقِ؛ يحذِفون مَن مَرَّ بهم (٣).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمرَ بنِ أبي زائدةَ، قال: سمِعتُ عكرمةَ قال: الحَذْفُ (٤).

حدَّثنا موسي، قال: أخبَرنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: كان كلُّ مَن مَرَّ بهم حَذَفوه، فهو المنكرُ (٥).

حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صَغيرةَ، قال: ثنى سِماكُ بنُ حربٍ، عن باذامَ (٦) أبي صالحٍ، مولى أمِّ هانئٍ، عن أمِّ هانئٍ، قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: "كانوا يَجْلِسون بالطريقِ فيَحْذِفون أبناءَ السبيلِ ويَسْخَرون منهم" (١).

وقال بعضُهم: بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسِهم.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يأتى بعضُهم بعضًا في مجالسِهم.

يعنى قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (٢).

حدَّثنا سليمانُ بنُ عبد الجبار، قال: ثنا ثابتُ بنُ محمدٍ الليثىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ ابنُ عِياضٍ، عن منصورِ بنِ المعتمرِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: كان يجامعُ بعضُهم بعضًا في المجالسِ (٣).

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: كان يأتى بعضُهم بعضًا في المجالسِ (٢).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُجامِعون الرجالَ (٤) في مجالسِهم (٥).

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: المجالسِ، والمنكرُ: إتيانُهم الرجالَ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: كانوا يأتُون الفاحشةَ في نادِيهم (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

قال: نادِيهم: المجالسُ، والمنكرُ: عملُهم الخبيثُ الذى كانوا يعمَلونه؛ كانوا يَعْتَرِضون بالراكبِ فيأخُذونه ويركَبونه.

وقرَأ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤].

وقرَأ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

يقولُ: فى مجالسِكم (٤).

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وتحذِفون في مجالسِكم المَارَّةَ بكم، وتسخرون منهم.

لِما ذكَرنا مِن الروايةِ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ.

ممم وقولُه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: فلم يَكُنْ جوابَ قومِ لوطٍ إذ نَهاهم عما يَكْرَهُه اللهُ مِن إتيانِ الفواحشِ التي حرَّمها اللهُ، إلا قِيلُهم: ائْتِنا بعذابِ اللهِ الذي تَعِدُنا، إن كنتَ مِن الصادِقين فيما تقولُ، والمُنْجزِين لِما تَعِدُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى (١): ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: لما جاءَتْ رُسُلُنا [من الملائكةِ] (٢) إبراهيمَ بالبُشْرى مِن اللهِ بإسحاقَ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾.

[يقولُ: قالت رُسُلُ اللهِ لإبراهيمَ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾] (٣)؛ قريةِ سَدُومَ، وهى قريةُ قومِ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.

يقولُ: إن أهلَها كانوا ظالِمي أنفسِهم بمعصيتِهم اللهَ، وتَكْذِيبِهم رسولَه ﷺ.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ إلى قولِه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾.

قال: فجادَل إبراهيمُ الملائكةَ في قومِ لوطٍ أن يُتْرَكوا.

قال: فقال: أرأيتُم إن كان فيها عشَرَةُ أبياتٍ مِن المسلمين أتتركُونهم؟

فقالت الملائكةُ: ليس فيها عشَرَةُ أبياتٍ، ولا خمسةٌ، ولا أربعةٌ، ولا ثلاثةٌ، ولا اثنان.

قال: فحَزِن على لوطٍ وأهلِ بيتِه، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.

فذلك قولُه: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤، ٧٥].

فقالت الملائكةُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦].

فبعَث اللهُ إليهم جبريلَ ﷺ، فانتَسَف المدينةَ وما فيها بأحدِ جَناحَيه، فجعَل عاليَها سافلَها، [وتَتَبَّعَتهم الحجارةُ] (١) بكلِّ أرضٍ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكره: قال إبراهيمُ للرسلِ مِن الملائكةِ، إذ قالوا له: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.

فلم يَسْتَثْنُوا منهم أحدًا، إذ وصَفوهم بالظلمِ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، وليس مِن الظالِمين، بل هو مِن رُسُلِ اللهِ، وأهلِ الإيمانِ به، والطاعةِ له.

فقالت الرسلُ له: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ مِن الظالِمين الكافرين بالله منك، وإن لوطًا ليس منهم، بل هو كما قلتَ مِن أولياءِ اللهِ، ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ مِن الهلاكِ الذى هو نازلٌ بأهلِ قريتِه، ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الذين أبْقَتْهم الدُّهورُ والأيامُ، وتطاوَلَت أعمارُهم وحياتُهم، وإنها هالكةٌ مِن بينِ أهلِ لوطٍ مع قومِها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولما أن جاءَت رُسُلُنا لوطًا، مِن الملائكةِ، ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾.

يقولُ: ساءَتْه الملائكةُ بمَجِيئهم إليه، وذلك أنهم تَضَيَّفُوه فساءُوه بذلك، فقولُه: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: فُعِل بهم.

مِن: ساءَه (١) بذلك.

وذُكر عن قتادةَ أنه كان يقولُ: ساءَ ظنُّه بقومِه، وضاقَ بضَيْفِه ذَرْعًا.

حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ عنه: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.

يقولُ: وضاقَ ذرعُه بضِيافتِهم؛ لِما عَلِم مِن خُبْثِ فعلِ قومِه (٢).

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.

قال: بالضيافةِ؛ مخافةً عليهم مما يعلَمُ مِن شرِّ قومِه (٣).

وقولُه: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الرسلُ للوطٍ: لا تَخَفْ علينا أن يَصِلَ إلينا قومُك، ولا تَحْزَنْ مما أخبَرْناك مِن أنَّا مُهْلِكوهم.

وذلك أن الرسلَ قالت له: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١].

﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ مِن العذابِ الذى هو نازلٌ بقومِك، ﴿وَأَهْلَكَ﴾.

يقولُ: ومُنَجُّو أهلِك معك، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها هالكةٌ في مَن يَهْلِكُ مِن قومِها، كانت مِن الباقِين (١) الذين طالَت أعْمارُهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾.

يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الرسلِ للوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ يالوطُ، ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾؛ سَدُومَ، ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.

يعني: عذابًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾، أي: عذابًا (٢).

وقد بَيَّنَّا معنى الرجزِ وما فيه مِن أقوالِ (٣) أهلِ التأويلِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).

وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

يقولُ: بما كانوا يأتُون من معصيةِ اللهِ، ويركَبون مِن الفاحشةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أبقَيْنا مِن فَعْلتِنا التي فَعَلْنا بهم ﴿آيَةً﴾.

يقولُ: عِبرةً بيِّنةً، وعِظَةً، واعظةً، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن اللهِ حُجَجَه، ويتفكَّرون في مواعظه، وتلك الآية البيِّنةُ هى عندى عُفُوُّ آثارِهم، ودُرُوسُ معالِمهم.

وذُكر عن قتادةَ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

قال: هى الحجارةُ التي أُمطِرت عليهم (١).

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾.

قال: عِبْرةً (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأرسَلتُ إلى مَدينَ أخاهم شُعيبًا، فقال لهم: يا قومِ اعبُدوا الله وحده، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخضَعوا له بالعبادةِ، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.

يقولُ: وارْجُوا بعبادتِكم إياه جزاء اليومِ الآخرِ، وذلك يومُ القيامةِ.

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يقولُ: ولا تُكْثِروا فى الأرضِ معصيةَ اللهِ، ولا تُقِيموا عليها، ولكن توبوا إلى اللَّهِ منها وأَنِيبوا.

وقد كان بعضُ أهل العلم بكلامِ العربِ (٣) يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ بمعنى: واخْشَوا اليومَ الآخرَ.

وكان غيرُه مِن أهلِ العلمِ بالعربيةِ (١) يُنكِرُ ذلك ويقولُ: لم نجدِ الرجاءَ بمعنى الخوفِ في كلامِ العربِ إلا إذا قارَنه الجَحْدُ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فَكَذَّب أَهلُ مَدينَ شُعَيبًا فيما أَتاهم به عن اللَّهِ مِن الرسالةِ، فأَخَذَتْهم رَجْفَةُ العذابِ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ جُثُومًا بعضُهم على بعضٍ؛ مَوْتَى.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.

أى: مَيِّتِين (٣) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُروا أيُّها القومُ عادًا وثمودَ وقد تَبَيَّن لكم من مساكِنِهم خَرابُها وخَلاؤُها منهم بوقائعِنا بهم، وحلولِ سَطوتِنا بجميعِهم، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾.

يقولُ: وحَسَّنَ لهم الشيطانُ كفرَهم باللهِ، وتكذيتهم رُسُلَه، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾.

يقولُ: فرَدَّهم بتَزْيينِه لهم ما زَيَّنَ مِن الكفرِ عن سبيلِ اللهِ، التى هى الإيمانُ به ورسلِه، وما جاءوهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.

يقولُ: وكانوا مُسْتَبْصِرين في ضلالتِهم، مُعْجَبِين بها، يَحْسَبون أنهم على هُدًى وصوابٍ، وهم على الضلالِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.

يقولُ: كانوا مُستبصرِين في دينِهم (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: في الضلالةِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: في ضلالتِهم، مُعْجَبين بها (٣).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.

يقولُ: في دينِهم.

القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ قارونَ وفرعونَ وهامانَ، ولقد جاء جميعَهم موسى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى بالواضحاتِ مِن الآياتِ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عن التَّصْديقِ بالبيناتِ مِن الآياتِ، وعن اتِّباعِ موسى صلواتُ اللهِ عليه، ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما كانوا سابِقينا بأنفسِهم فيَفُوتُونا، بل كنا مُقْتدرِين عليهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأخَذنا جميعَ هذه الأممِ التي ذكَرناها لك يا محمدُ بعذابِنا؛ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾.

وهم قومُ لوطٍ الذين أمطَر اللهُ عليهم حجارةً مِن سِجِّيلٍ مَنْضودٍ.

والعربُ تُسمِّى الريحَ العاصفَ التي فيها الحَصَى الصغارُ، أو الثلجُ، أو البَرَدُ والجليدُ، حاصِبًا، ومنه قولُ الأخطلِ (١): ولقد عَلِمْتِ إِذا العِشارُ تَرَوَّحَتْ … هَدَجَ الرِّئَالِ تَكُبُهُنَّ شَمالا تَرْمِي العِضاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْجِها … حتى يَبِيتَ على العِضاهِ جُفالا وقال الفرزدقُ (١): مُسْتَقْبِلِين شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا … بحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: قومُ لوطٍ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: وهم قومُ لوطٍ (٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بذلك؛ فقال بعضُهم: هم ثمودُ قومُ صالحٍ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: ثمودُ.

وقال آخرون: بل هم قومُ شُعَيبٍ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: قومُ شعيبٍ (١).

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ قد أخبَر عن ثمودَ وقومِ شعيبٍ مِن أهلِ مَدْينَ أنه أهْلَكهم بالصَّيْحةِ في كتابِه في غيرِ هذا الموضعِ، ثم قال: جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ: فمِن الأممِ التى أَهْلَكناهم مَن أرسَلنا عليهم حاصبًا، ومنهم مَن أخذَتْه الصيحةُ.

فلم يَخْصُصِ الخبر بذلك عن بعضِ مَن أخذَتْه الصيحةُ مِن الأممِ دونَ بعضٍ، وكِلا الأُمَّتَين -أعنى ثمودَ ومَدْينَ- قد أخذَتْهما (٢) الصَّيحةُ.

وقولُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾.

يعنى بذلك قارونَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: قارونُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾.

يعنى قومَ نوحٍ وفرعونَ وقومَه.

واختَلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك قومُ نوحٍ ﵇.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾: قومُ نوحٍ.

وقال آخرون: بل هم قومُ فرعونَ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾: قومُ فرعونَ (١).

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: عُنِى به قومُ نوحٍ وفرعونُ وقومُه؛ لأن اللهَ لم يَخْصُصْ بذلك إحدَى الأُمَّتَين دونَ الأخرى، وقد كان أَهْلَكهما قبلَ نُزُولِ هذا الخبرِ عنهما، فهما مَعْنِيَّتان به.

وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَكُنِ اللهُ ليُهْلِكَ هؤلاء الأممَ الذين أهلكهم بذنوبِ غيرِهم، فيُظْلِمَهم بإهْلاكِه إياهم بغيرِ إسْتحقاقٍ، بل إنما أهْلَكهم بذنوبِهم، وكفرِهم بربِّهم، وجُحُودِهم نِعَمَه عليهم، مع تتابُعِ إحْسانِه عليهم، وكثرةِ أيادِيه عندَهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ بِتَصَرُّفِهم فى نِعَمِ ربِّهم، وتَقَلُّبِهم في آلائِه، وعبادتِهم غيرَه، ومعصيتِهم مَن أنعَم عليهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ الآلهةَ والأوثانَ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يَرجون نصرَها ونفعَها عندَ حاجتِهم إليها في ضَعفِ احتيالِهم، وقبحِ رواياتِهم، وسوءِ اختيارِهم لأنفسِهم، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ في ضعفِها، وقلةِ احتيالِها لنفسِها، ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسِها؛ كيما يَكُنَّها، فلم يُغْنِ عنها شيئًا عندَ حاجتِها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغنِ عنهم حينَ نزَل بهم أمرُ اللَّهِ، وحلَّ بهم سَخَطُه، أولياؤُهم الذين اتخذوهم من دونِ اللهِ، شيئًا، ولم يَدْفَعوا عنهم ما أحلَّ اللهُ بهم من سخَطِه بعبادتِهم إيَّاهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قال: ذلك مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن عبَد غيرَه، أن مثلَه كمثَلِ بيتِ العنكبوتِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾.

قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ للمشركِ؛ مثَلُ إلهِه الذى يدعوه من دونِ اللهِ كمثلِ بيتِ العنكبوتِ، واهنٍ ضعيفٍ لا ينفَعُه (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾.

قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ، لا يُغْنى أولياؤُهم عنهم شيئًا، كما لا يُغْنى العنكبوتَ بيتُها هذا (١).

وقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾.

يقولُ: وإن أضعفَ البيوتِ، ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: لو كان هؤلاء الذين اتَّخذوا من دونِ اللهِ أولياءَ يعلَمون أن أولياءَهم الذين اتخذوهم من دونِ اللهِ، في قلةِ غَنائِهم عنهم، كغَناءِ بيت العنكبوتِ عنها، ولكنهم يَجْهَلون ذلك، فيحسَبون أنهم ينفَعونهم ويقرِّبونهم إلى اللهِ زُلْفَى.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.

اخْتَلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (تَدْعُونَ) بالتاءِ (٢)، بمعنى الخطابِ لمشركي قريشٍ إنَّ اللهَ أيُّها الناسُ يَعْلَمُ ما تَدْعون إليه من دونِه.

وقرأ ذلك أبو عمرٍو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ بالياءِ (٣)، بمعنى الخبرِ عن الأممِ: إنَّ اللهَ يعلَمُ ما يَدْعُو هؤلاء الذين أَهْلَكناهم من الأممِ من دونِه من شيءٍ.

والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا قراءةُ من قرَأه بالتاءِ؛ لأن ذلك لو كان خبرًا عن الأممِ الذين ذكَر اللَّهُ أنه أَهْلَكهم لكان الكلامُ: إن اللهَ يعلَمُ ما كانوا يدعون؛ لأن القومَ فى حالِ نزولِ هذا الخبرِ على نبيِّ اللهِ لم يكونُوا موجودين؛ إذ كانوا قد هلَكُوا فبادُوا، وإنما يقالُ: إن اللهَ يعلَمُ ما تدعون.

إذا أُرِيد به الخبرُ عن موجودين لا عمَّن قد هلَك.

فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: إن اللهَ يعلَمُ أَيُّها القومُ حالَ ما تعبُدون من دونِه من شيءٍ، وأن ذلك لا ينفَعُكم ولا يضرُّكم، إن أراد اللهُ بكم سوءًا، ولا يُغْنِى عنكم شيئًا، وإن مثَلَه في قلةِ غَنائِه عنكم، مثَلُ بيتِ العنكبوتِ في غَنائِه عنها.

وقولُه: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

يقولُ: واللهُ العزيزُ في انتقامِه ممن كفَر به، وأَشْرَك في عبادتِه معه غيرَه، فاتقوا أيُّها المشركون به عقابَه، بالإيمانِ به قبلَ نزولِه بكم، كما نزَل بالأممِ الذين قصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه السورةِ عليكم، فإنه إن نزَل بكم عقابُه، لم يُغْنِ عنكم أولياؤُكم الذين اتَّخَذْتُموهم من دونِه (١)، كما لم يُغْنِ عنهم مِن قبلِكم أولياؤُهم الذين اتَّخَذوهم من دونِه، الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه، فمُهْلِكٌ مَن اسْتَوْجب الهلاكَ، في الحالِ التي هلاكُه صلاحٌ، والمؤخِّرُ من أخَّر هلاكَه من كفَرةِ خلقِه به إلى الحينِ الذي في هلاكِه الصلاحُ.

وقولُه: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأمثالُ، وهى الأشباهُ والنظائرُ، ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾.

يقولُ: تمثِّلُها ونشبِّهُها، ونحتجُّ بها للناسِ، كما قال الأعشى (٢): هَلْ تذكُرُ العهدَ في (١) تَنَمُّصَ (٢) إذ … تَضرِبُ لى قاعدًا بها مثَلَا ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما يعقِلُ أنه أُصِيب بهذه الأمثالِ التي نضرِبُها للناسِ منهم الصوابُ والحقُّ، فيما ضُرِبت له مثلًا، إلا العالمون باللهِ وآياتِه.

القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمدٍ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ يا محمدُ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وحدَه، منفردًا بخلقِها، لا يَشْرَكُه فى خلقِها شريكٌ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾.

يقولُ: إن في خلقِه ذلك لحجةً لمن صدَّق بالحججِ إذا عاينها، والآياتِ إذا رآها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿اتْلُ﴾.

يعنى: اقرأ ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.

يعنى: ما أُنزِل إليك من هذا القرآنِ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾.

يعنى: وأدِّ الصلاةَ التي فرَضها اللهُ عليك بحدودِها، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

اخْتَلف أهلُ التأويل في معنى الصلاةِ التي ذُكِرت في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها القرآنُ الذي يُقرَأُ في موضعِ الصلاةِ، أو في الصلاةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أبى الوفاءِ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

قال: القرآنُ الذي يُقرَأُ في المساجدِ (١).

وقال آخرون: بل عُنِى بها الصلاةُ.

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

يقولُ: في الصلاةِ مُنْتَهًى ومُزْدَجَرٌ عن معاصى اللهِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خالدٌ بنُ عبدِ اللهِ، عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عمن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: من لم تنْهَه صلاته عن الفحشاءِ والمنكرِ، لم يزدَدْ بصلاتِه من اللهِ إلا بُعْدًا (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خالدٌ، قال: قال العلاءُ بنُ المسيَّبِ، عن سَمُرةَ بنِ عطيةَ، قال: قيل لابنِ مسعودٍ: إن فلانًا كثيرُ الصلاةِ.

قال: فإنها لا تنفَعُ إِلَّا من أطاعها (١).

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: من لم تأمُرْه صلاتُه بالمعروفِ، وتَنْهَه عن المنكرِ، لم يزدَدْ بها من اللهِ إلَّا بُعْدًا (٢).

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا علىُّ بنُ هاشمٍ بنِ البَريدِ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، أنه قال: "لا صلاةَ لمن لم يُطِعِ الصلاةَ، وطاعةُ الصلاةِ أن تَنْهَى عن الفحشاءِ والمنكرِ".

قال: قال سفيانُ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧].

قال: فقال سفيانُ: إى واللَّهِ تأمُرُه وتنهاه (٣).

قال علىٌّ: وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن صلَّى صلاةً لم تَنْهَه عن الفحشاءِ والمنكرِ، لم يزدَدْ بها من اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا (٤).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، [قال: الصلاةُ إذا لم تَنْهَ عن الفحشاءِ والمنكرِ] (١).

قال: من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكرِ، لم يزدَدْ من اللهِ إلا بعدًا (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ، قالا: من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكرِ، فإنه لا يزدادُ من اللهِ بذلك إلا بعدًا (٣).

والصوابُ من القولِ فى ذلك أن الصلاةَ تَنْهَى عن الفحشاءِ والمنكرِ، كما قال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ.

فإن قال قائلٌ: وكيف تَنْهَى الصلاةُ عن الفحشاءِ والمنكرِ، إن لم يكنْ معنيًّا بها ما يُتلى فيها؟

قيل: تنهى من كان فيها، فتَحُولُ بينَه وبينَ إتيانِ الفواحشِ؛ لأن شُغْلَه بها يقطَعُه عن الشغلِ بالمنكرِ، ولذلك قال ابنُ مسعودٍ: من لم يُطِعْ صلاتَه، لم يزدَدْ اللَّهِ إلا بعدًا.

وذلك أن طاعتَه لها إقامتُه إيَّاها بحدودِها، وفي طاعتِه لها مُزْدَجَرٌ عن الفحشاءِ والمنكرِ.

حدَّثنا أبو حُميدٍ الحِمْصيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ العطارُ، قال: ثنا أرطاةُ، عن [أبي عونٍ] (٤) فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

قال: إذا كنتَ في صلاةٍ، فأنت في معروفٍ، وقد حجَزَتْك عن الفحشاءِ والمنكرِ، والفحشاءُ هي الزنا، والمنكرُ معاصى اللهِ، ومن أتى فاحشةً أو عصَى اللهَ فى صلاتِه بما يُفْسِدُ صلاتَه، فلا شكَّ أنه لا صلاةَ له (١).

وقولُه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ولذكر الله إيَّاكم أفضلُ من ذكرِكم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن عبدِ اللهِ بنِ رُبَيَّعَةً، قال: قال لى ابنُ عباسٍ: هل تَدْرى ما قولُه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟

قال: قلتُ: نعم.

قال: فما هو؟

قال: قلتْ: التسبيحُ والتحميدُ والتكبيرُ في الصلاةِ، وقراءةُ القرآنِ، ونحوُ ذلك.

قال: لقد قلتَ قولًا عجَبًا، وما هو كذلك، ولكنه إنما يقولُ: ذكرُ اللَّهِ إيَّاكم عندَ ما أمَر به أو نهَى عنه إذا ذكَرتُموه أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (٢).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عطاءٍ بنِ السائبِ، عن ابنِ رُبَيَّعَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (٣).

حدَّثنا ابنِ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رُبَيِّعَةَ، قال: سألنى ابنُ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

فقلتُ: ذكرُه بالتسبيحِ والتكبيرِ والقرآنِ حسَنٌ، وذكرُه عندَ المحارمِ فيَحْتَجِزُ عنها.

فقال: لقد قلتَ قولًا عجيبًا، وما هو كما قلتَ، ولكنْ ذكرُ اللهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رُبَيَّعَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذكرُ اللَّهِ للعبدِ أفضلُ من ذكرِه إيَّاه.

حدَّثنا محمدُ بنِ المثنى وابنُ وكيعٍ.

قال ابنُ المثنى: ثنى عبدُ الأعلى، وقال ابنُ وكيعٍ: ثنا عبدُ الأعلى.

قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بنِ أبي موسى، قال: كنتُ قاعدًا عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءه رجلٌ، فسأل ابنَ عباسٍ عن "ذكرُ اللَّهِ أكبرُ"، فقال ابنُ عباسٍ: الصلاةُ والصومُ.

قال: ذاك ذكرُ اللهِ.

قال رجلٌ: إنى ترَكتُ رجلًا في رَحْلِى يقولُ غيرَ هذا، قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قال: ذكرُ اللَّهِ العبادَ أكبرُ من ذكرِ العبادِ إيَّاه.

فقال ابن عباس: صدَق واللهِ صاحبُك (١).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ فقال: حدَّثني عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذِكرُ اللهِ لكم أكبرُ من ذكرِكم له.

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلَمةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذكرُ اللهِ للعبدِ أفضلُ من ذكرِه إيَّاه.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: هو قولُه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].

وذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (٢).

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ولَذِكرُ اللهِ لعبادِه إذا ذكَروه أكبرُ من ذكرِهم إيَّاه (١).

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذكرُ اللهِ عبدَه أكبرُ من ذكرِ العبدِ ربَّه في الصلاةِ أو (٢) غيرِها (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن محمدِ بنِ أبي موسى، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذكرُ اللهِ إيَّاكم إذا ذكَرتموه أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي قُرَّةَ، عن سلمانَ مثلَه (٤).

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنى عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، عن صالحِ بن أبى عَرِيبٍ، عن كَثيرِ بنِ مُرَّةَ الحضرميِّ، قال: سمعتُ أبا الدرداءِ يقولُ: ألَا أخبرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأحبِّها إلى مليكِكم، وأرفعِها في درجاتِكم، وخيرٍ من أن تغزوا عدوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهم [ويَضْرِبوا أعناقَكم] (٥)، وخيرٍ من إعطاءِ الدنانيرِ والدراهمِ؟

قالوا: ما هو؟

قال: ذكرُكم ربَّكم، وذكرُ اللهِ أكبرُ (١).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي قُرَّةَ (٢)، عن سلمانَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: قال: ذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إياه.

قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: سألتُ أبا قُرَّةَ عن قولِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (٣).

قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا: ذكرُ اللَّهِ إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (٤).

قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مطرِّفٍ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هو كقولِه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].

فذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه.

قال: ثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن شقيقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذكرُ اللَّهِ العبدَ أكبرُ من ذكرِ العبدِ لربِّه (٥).

قال: ثنا أبو يزيدَ الرازىُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: ذكرُ اللَّهِ لكم أكبرُ من ذكرِكم له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكرُكم اللهَ أفضلُ من كلِّ شيءٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن رجلٍ، عن سلمانَ، أنه سُئِل: أىُّ العملِ أفضلُ؟

قال: أما تقرأُ القرآنَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، لا شيءَ أفضلُ من ذكرِ اللهِ (١).

حدَّثنا أبو حميدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصيُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ عيَّاشٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثني معاويةُ، عن ربيعةَ بنِ يزيدَ، عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ اللهِ، عن أمِّ الدرداء، أنها قالت: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: فإن صلَّيتَ فهو من ذكرِ اللَّهِ، وإن صمتَ فهو من ذكرِ اللهِ، وكلُّ خيرٍ تعمَلُه فهو من ذكرِ اللَّهِ، وكلُّ شرٍّ تجتنبُه فهو من ذكرِ اللَّهِ، وأفضلُ ذلك تسبيحُ اللَّهِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: لا شيءَ أكبرُ من ذكرِ اللهِ.

قال: أكبرُ الأشياءِ كلِّها.

وقرَأ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].

قال: لِذكرِ اللهِ، وإنه لم يَصِفْه عندَ القتالِ إلَّا أنه أكبرُ (٣).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال رجلٌ لسلمانَ: أىُّ العملِ أفضلُ؟

قال: ذكرُ اللَّهِ (١).

وقال آخرون: هو محتملُ الوجهين جميعًا.

يعنون القولَ الأولَ الذي ذكَرناه، والثانيَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.

قال: لها وجهانِ؛ ذكرُ اللهِ أكبرُ مما سواه، وذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إياه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ فى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: لها وجهانِ؛ ذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه، وذكرُ اللهِ عندَ ما حرَّم (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكرُ الله العبدَ في الصلاةِ أكبرُ من الصلاةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.

قال: ذكرُ اللهِ العبدَ في الصلاةِ أكبرُ من الصلاةِ (٣).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولَلصَّلاةُ التى (٤) أنت بها، وذكرُك اللهَ فيها، أكبرُ مما نهَتْكَ الصلاةُ، من الفحشاءِ والمنكرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ العطَّارُ، قال: ثنا أرطاةُ، عن [أبي عونٍ] (١) فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: والذى أنت فيه من ذكرِ اللهِ أكبرُ (٢).

قال أبو جعفرٍ: وأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ قولُ من قال: ولذكرُ الله إيَّاكم أفضلُ من ذكرِكم إيَّاه.

وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

يقولُ: واللهُ يعلَمُ ما تصنَعون أَيُّها الناسُ في صلاتِكم، من إقامةِ حدودِها، وتركِ ذلك، وغيرِه من أمورِكم، وهو مُجازيكم على ذلك.

يقولُ: فاتَّقوا أن تُضَيَّعوا شيئًا من حدودِها.

القولِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون باللهِ وبرسولهِ اليهودَ والنصارى، وهم أهلُ الكتابِ ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

يقولُ: إلا بالجميلِ من القولِ، وهو الدعاءُ إلى اللهِ (٣) بآياتِه، والتنبيهُ على حُجَجه.

وقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلَّا الذين أبَوا أن يُقِرُّوا لكم بإعطاءِ الجزيةِ، ونصَبوا دونَ ذلك لكم حربًا، فإنهم ظلمةٌ، فأولئك فجادِلوهم (١) بالسيفِ، حتى يُسْلِموا أو يُعْطُوا الجزية.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سفيانَ، عَن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

قال: مَن قاتَل ولم يُعْطِ الجزيةَ.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ بنحوهِ، إلَّا أنه قال: من قاتَلك ولم يُعْطِكَ الجزيةَ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

قال: إن قالوا شرًّا، فَقُولوا خيرًا، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فانتَصِروا منهم (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

قال: قالوا: مع اللهِ إلهٌ.

أو: له ولدٌ.

أو: له.

شريكٌ.

أو: يدُ اللهِ مَغلولةٌ.

أو: اللهُ فقيرٌ.

أو آذَوا محمدًا ﷺ.

قال: هم أهلُ الكتابِ (١).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، [عن شريكٍ] (٢)، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

قال: أهلَ الحربِ، مَن لا عهدَ له جادِلْه بالسيف (٣).

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تجادلوا أهلَ الكتاب الذين قد آمنوا به واتَّبَعوا رسولَه، فيما أخبَروكم عنه مما في كتبِهم، إلا بالتي هي أحسنُ، إلا الذين ظلموا منهم فأقاموا على كفرِهم.

وقالوا: هذه الآيةُ مُحْكَمةٌ ليست بمنسوخةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

قال: ليست بمنسوخةٍ، لا يَنْبَغى أن تُجَادِل مَن آمَن منهم، لعلهم يُحدِثون (٤) شيئًا فى كتابِ اللهِ لا تَعْلَمُه أنت، فلا تُجَادِلُه، ولا يَنْبَغى أن تُجادِلَ؛ إلا الذين ظلموا؛ المقيمَ منهم على دينِه.

فذلك (٥) الذي يُجادَلُ ويُقالُ له بالسيفِ.

قال: وهؤلاء يهودٌ.

قال: ولم يَكُنْ بدارِ (٦) الهجرةِ من النصارى أحدٌ، إنما كانوا يهودًا، هم الذين كلَّموا وحالفوا رسولَ الله ﷺ، وغدَرت النضيرُ يومَ أحدٍ، وغدَرت قُرَيظةُ يومَ الأحزابِ (٧).

وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ قبل أن يُؤْمَرَ النبيُّ ﷺ بالقتالِ.

وقالوا: هي منسوخةٌ نسَخها قولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].

الآية (١).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: ثم نسَخ بعدَ ذلك، فأمَر بقتالِهم في سورةِ "براءة"، ولا مُجادلةَ أشدُّ من السيفِ أن يُقاتَلوا حتى يَشْهَدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله ﷺ، أو يُقِرُّوا بالخَراجِ (٢).

وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: عنى بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: إلا الذين امتنَعوا من أداءِ الجزيةِ، ونصَبوا دونَها الحربَ.

فإن قال قائلٌ: أوَ غيرُ ظالمٍ من أهلِ الكتابِ، إِلَّا مَن يَرُدُّ (٣) الجزيةَ؟!

قيل: إن جميعَهم، وإن كانوا لأنفسِهم بكفرِهم باللهِ وتكذيبِهم رسولَه محمدًا ﷺ، ظَلَمةٌ، فإنه لم يَعْنِ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

ظُلْمَ أنفسِهم، وإنما عَنَى به: إلَّا الذين ظلَموا منهم أهلَ الإيمانِ باللهِ ورسولهِ محمدٍ ﷺ، قال: أولئك فجادِلوهم بالقتالِ.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه أَذِن للمؤمنين بجدالِ ظلمة أهلِ الكتاب بغيرِ الذى هو أحسنُ، بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

فمعلومٌ، إذ كان قد أَذِن لهم فى جدالِهم، أن الذين لم يُؤذَنْ لهم في جدالِهم إلا بالتي هي أحسنُ، غيرُ الذين أذِن لهم بذلك فيهم، وأنهم غيرُ المؤمنين (١) لأن المؤمنَ (٢) منهم غيرُ جائزٍ جدالُه إلا في غيرِ الحقِّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحقِّ فقد صار في معنى الظُّلَمةِ، فى الذى خالَف فيه الحقِّ.

فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن لا معنى لقولِ مَن قال: عَنَى بقولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهلَ الإيمانِ منهم.

وكذلك لا معنى لقولِ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ قبلَ الأمرِ بالقتالِ.

وزعَم أنها منسوخةٌ؛ لأنه لا خبرَ بذلك يَقْطَعُ العُذْرَ، ولا دلالةَ على صحتِه من فطرةِ عقلٍ.

وقد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا، أنه لا يجوزُ أن يُحْكَمَ على حكمِ اللهِ في كتابِه بأنه منسوخٌ إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ (٣).

وقوله: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه الذين نهاهم أن يُجادِلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي (٤) هي أحسنُ: إذا حدَّثكم أهلُ الكتابِ أيُّها القومُ عن كُتُبِهم، وأخبَروكم عنها بما يُمْكنُ، ويَجوزُ أن يكونوا فيه صادقين، وأن يكونوا فيه كاذبين، ولم تَعْلَموا أمرَهم وحالَهم فى ذلك، فقولوا لهم: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مما في التوراة والإنجيلِ، ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾.

[يقولُ: ومعبودُنا ومعبودُكم واحدٌ] (١)، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

يقولُ: ونحن له خاضِعون مُتَذلِّلون بالطاعةِ فيما أمرَنا ونهانا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ (٢)، قال: أخبرنا علىٌّ، عن (٣) يحيى بنِ أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: كان أهل الكتاب يَقْرَءُون التوراةَ بالعبْرانيةِ، فيُفسِّرونها بالعربيةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالذى أُنزِل إلينا وأُنزِل إليكم، وإلهُنا وإلهُكم واحدٌ، ونحن له مسلمون" (٤).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن [سعد (٥) بنِ] (٦) إبراهيمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: كان ناسٌ من اليهودِ يُحَدِّثون ناسًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ، فقال: "لا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا آمنا بالذى أُنزِل إلينا وأُنزِل إليكم" (٧).

قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن حُرَيثِ بنِ ظُهَير، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لا تَسْأَلُوا أهلَ الكتابِ عن شيءٍ، فإنهم لن يَهْدُوكم وقد ضَلُّوا، إما أن تُكَذِّبوا بحق أو تُصَدِّقوا بباطلٍ، فإنه ليس أحدٌ من أهلِ الكتابِ إلَّا وفى قلبِه تاليةٌ تَدْعوه إلى دينه، كتاليةِ المالِ (١).

وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنْا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

قال: قالوا: مع اللهِ إلهٌ.

أو: له ولدٌ.

أو: له شريكٌ.

أو: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ.

أو: اللهُ فقيرٌ.

أو آذَوا محمدًا، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ لمن لم يَقُلْ هذا من أهلِ الكتابِ (٢).

القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكما أنَزَلْنَا الكتبَ على مَن قبلَك يا محمدُ من الرسلِ، كذلك أنزَلْنا إليك هذا الكتابَ، فالذين آتيناهم الكتابَ من قبلِك من بني إسرائيلَ يؤمنون به، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾.

يقولُ: ومن هؤلاء الذين هم بينَ ظَهْرَانَيْكَ اليومَ مَن يُؤْمِنُ به؛ كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ، ومَن آمَن برسولِه من بني إسرائيلَ.

وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجْحَدُ بأدلتِنا وحُججِنا إلا الذى يَجْحَدُ نِعمَنا عليه، ويُنْكِرُ توحيدَنا وربوبيتَنا على علمٍ منه، عنادًا لنا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سَعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.

قال: إنما يَكونُ الجحودُ بعدَ المعرفةِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿تَتْلُو﴾.

يعنى: تَقْرَأُ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾.

يعني: من قبلِ هذا الكتابِ الذى أنزَلْتُه إليك، ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.

يقولُ: ولم تَكُنْ تَكْتُبُ بيمينِك، ولكنك كنتَ أُمِّيًّا، ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.

يقولُ (٢): ولو كنتَ من قبلِ أن يُوحَى إليك تَقْرَأُ الكتابَ (٣)، أو تَخُطُّه بيمينِك؛ ﴿إِذًا لَارْتَابَ﴾.

يقولُ: إذن لشكَّ بسببِ ذلك في أمرِك، وما جئْتَهم به من عندِ ربِّك من هذا الكتابِ الذى تَتْلُوه عليهم - ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ القائلون: إنه سَجْعٌ وكَهانةٌ، وإنه أساطيرُ الأوَّلين.

وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.

قال: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ شيئًا ولا يَكْتُبُ (١).

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.

قال: كان نبيُّ اللهِ لا يَقْرَأُ كتابًا قبلَه ولا يَخُطُّه بيمينِه.

قال: كان أُمِّيًّا، والأُمىُّ: الذى لا يَكْتُب] (٢) (٣).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إدريسَ الأَوْدِيِّ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.

قال: كان أهلُ الكتابِ يَجِدون في كُتُبِهم أن النبيَّ ﷺ لا يَخُطُ بيمينِه، ولا يَقْرَأُ كتابًا، فنزَلت هذه الآيةُ (٤).

وبنحوِ الذى قلنا أيضًا في قولِه: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قالوا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ،: قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: إذن لقالوا: إنما هذا شيءٌ تعلَّمه محمدٌ وكَتَبه.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.

قال: قريشٌ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به نبيُّ اللهِ ﷺ.

وقالوا: معنى الكلامِ: بل وجودُ أهلِ الكتابِ فى كتبِهم أن محمدًا ﷺ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وأنه أمىٌّ (٢) - آياتٌ بيناتٌ في صدورِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.

قال: كان اللهُ تعالى أنزَل شأنَ محمدٍ ﷺ في التوراةِ والإنجيلِ لأهلِ العلمِ وعلَّمه لهم وجعَله لهم آيةً، فقال لهم: إن آيةَ نبوَّتِه أن يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ لا يَعْلَمُ كتابًا ولا يَخُطُّه بيمينِه، وهي الآياتُ البيناتُ (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾.

قال: كان نبيُّ اللهِ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وكذلك جعَل اللهُ نعتَه في التوراةِ والإنجيلِ، أنه نبيٌّ أمىٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وهى الآيةُ البينةُ فى صدورِ الذين أوتوا العلمَ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من أهلِ الكتابِ، صدَّقوا بمحمدٍ ونعتِه ونبوَّتِه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾.

قال: أنَزل اللهُ شأنَ محمدٍ في التوراةِ والإنجيلِ لأهلِ العلمِ: بل هو آيةٌ بينةٌ في صدورِ الذين أوتوا العلمَ.

يقولُ: النبىُّ ﷺ.

وقال آخرون: عُنَى بذلك القرآنُ.

وقالوا: معنى الكلامِ: بل هذا القرآنُ آياتٌ بيِّناتٌ فى صدورِ الذين أوتوا العلمَ، من المؤمنين بمحمدٍ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: القرآنُ آياتٌ بيناتٌ فى صدورِ الذين أوتوا العلمَ، يعني: المؤمنين.

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك: بل العلمُ بأنك ما كنتَ تَتْلو من قبلِ هذا الكتابِ (٣) كتابًا ولا تَخُطُّه بيمينِك، آياتٌ بيناتٌ في صدورِ الذين أوتوا العلم من أهلِ الكتابِ.

وإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلين بالآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.

بينَ خبرينِ من أخبارِ اللهِ عن رسولِه محمدٍ ﷺ، فهو بأن يكونَ خبرًا عنه، أولى من أن يكون خبرًا عن الكتابِ الذي قد انقَضى الخبرُ عنه قبلُ.

وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجْحَدُ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وأدلتِه، ويُنْكِرُ العلمَ الذي يَعْلَمُ من كُتبِ اللَّهِ التي أَنزَلها على أنبيائِه ببعثِ محمدٍ ﷺ ونبوَّتِه ومبعثِه - إلا الظالمون.

يعنى: الذين ظلموا أنفسَهم بكفرِهم باللهِ ﷿.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ (١) مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال المشرِكون من قريشٍ: هلَّا أُنزِل على محمدٍ آيةٌ من ربِّه تَكونُ حُجةً له (٢) علينا، كما جُعِلت الناقةُ لصالحٍ، والمائدةُ (٣) لعيسى.

قلْ يا محمدُ: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، لا يَقْدِرُ على الإتيانِ بها غيرُه، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، وإنما أنا نذيرٌ لكم، أُنذِرُكم بأسَ اللهِ وعقابَه على كفرِكم برسولِه وما جاءكم به من عندِ ربِّكم ﴿مُبِينٌ﴾.

يقولُ: قد أبان لكم إنذارَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يكفِ هؤلاء المشركين يا محمدُ، القائلين: لولا أُنزِل على محمدٍ آية من ربه.

من الآيات والحججِ، أنَّا أَنزَلْنا عليك هذا الكتابَ، ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: يُقْرَأُ عليهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾.

يقولُ: إن فى هذا الكتابِ الذى أَنزَلْنا عليهم (١) لرحمةً للمؤمنين به وذكرى يتذكَّرون بما فيه من [عبرِه وعظاتِه] (٢).

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت من أجلِ أن قومًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ انتَسخوا شيئًا من بعضِ كتبِ أهلِ الكتابِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن يحيى بنِ جعدةَ أن ناسًا من المسلمين، أتوا نبيَّ اللهِ ﷺ بكتبٍ قد كتَبوا فيها بعضَ ما يقولُ اليهودُ، فلما أن نظَر فيها (٣) ألقاها، ثم قال: "كفى بها حماقة قومٍ -أو ضلالة قومٍ- أن يَرْغَبوا عما جاءهم به نبيُّهم إلى ما جاء به غيرُ نبيِّهم إلى قومٍ غيرِهم" فنزَلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للقائلين لك: لولا أُنزِل عليك آية من ربِّك، الجاحدين بآياتِنا من قومِك: كفى الله (١) يا هؤلاء بينى وبَينكم شاهدًا لى وعلىَّ؛ لأنه يَعْلَمُ المحِقَّ منا من المبطلِ، ويَعْلَمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، لا يخفى عليه شيءٌ فيهما، وهو المجازى كلَّ فريقٍ منا بما هو أهلُه؛ المحقَّ على ثباتِه على الحقِّ، والمبطلَ على باطلِه، بما هو أهلُه.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾.

يقولُ: صدَّقوا بالشركِ، فأقَرُّوا به.

﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ (٢)﴾.

يقولُ: وجحَدوا اللهَ.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

يقولُ: هم المغبونون في صفقتِهم.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾: الشركِ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَعْجِلُك يا محمدُ هؤلاء القائلون من قومِك: لولا أُنزِل عليه آيةٌ من ربِّه - بالعذابِ، ويقولون: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].

ولولا أجلٌ سمَّيتُه لهم فلا أُهْلِكُهم حتى يَسْتَوفُوه ويَبْلُغوه لجاءهم العذابُ عاجلًا.

وقولُه: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

[يقولُ: ولَيَأْتينَّهم العذابُ فجأةً وهم لا يشعرون] (١) [بوقتِ مجيئِه قبلَ مجيئِه] (٢).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾.

قال: قال ناسٌ من جَهَلةِ هذه الأمةِ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يَسْتَعْجِلُك يا محمدُ هؤلاء المشركون بمجيءِ العذابِ ونزولِه بهم، والنارُ بهم محيطةٌ لم يبقَ إلا أن يَدْخُلوها.

وقيل: إن ذلك هو البحرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.

قال: البحرُ (١).

أخبَرنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة مثلَه.

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يوم يغشى الكافرين العذابُ من فوقِهم في جهنمَ ومن تحتِ أرجلِهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: أي: في النارِ (٢).

وقوله: ﴿وَيَقُولُ (٣) ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقول جل ثناؤه: ويقولُ اللَّهُ لهم: ذوقوا ما كنتم تَعْمَلون فى الدنيا من معاصى اللهِ وما يُسْخِطُه فيها.

وبالياءِ في ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ قرأت عامةُ قَرَأَةِ الأمصار، خلا أبي جعفرٍ وأبي عمرٍو فإنهما قرأا ذلك بالنونِ: (ونَقُولُ) (٤).

والقراءةُ التى هى القراءةُ عندَنا بالياءِ (٥)؛ لإجماعِ الحجةِ من القَرَأةِ عليها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يا عبادي الذين وحَّدوني وآمَنوا بي وبرسولي محمدٍ ﷺ ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.

واختَلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أُريد من الخبرِ عن سِعَةِ الأرضِ؛ فقال بعضُهم: أُريد بذلك: أنها لم تَضِقْ عليكم، فتُقِيموا بموضعٍ منها لا يَحِلُّ لكم المُقامُ فيه، ولكن إذا عُمِل بمكانٍ منها بمعاصى اللهِ، فلم تقدِروا على تَغْييرِه، فاهرُبوا منه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.

قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصي فأخرج منها (١).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.

قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصى، فاخْرج منها (٢).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: اهرُبوا؛ فإن أرضى واسعةٌ.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيكِ، عن منصورٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا أُمِرتم بالمعاصى فاهرُبوا؛ فإن أرضى واسعةٌ (١).

[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.

قال: مُجانَبةُ أهلِ المعاصى.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾] (٢): فهاجِروا وجاهِدوا (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.

فقلتُ: يريدُ بهذا مَن كان بمكةَ مِن المؤمنين؟

فقال: نعم (٤).

وقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أُخْرِجُ مِن أرضى لكم مِن الرزق واسعٌ لكم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى زيدُ بنُ الحُبابِ، عن شَدَّادِ بن سعيدِ بنِ مالكٍ أبي طلحةَ الرَّاسِبيِّ، عن غَيْلَانَ بنِ جريرٍ المِعْوَلىِّ، عن مُطَرْفِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ العامِرِىِّ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.

قال: إن رِزْقى لكم واسعٌ (٥).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ حُبابٍ] (١)، عن شَدَّادٍ، عن غَيْلَانَ بنِ جريرٍ، عن مُطَرِّفٍ بنِ الشَّخِّيرِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.

قال: رِزْقى لكم واسعٌ.

وأَولى القولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن أرضى واسعةٌ، فاهرُبوا مِمَّن منَعكم مِن العملِ بطاعتى؛ لدلالةِ قولِه: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.

على ذلك، وأن ذلك هو أظهرُ مَعْنَيَيْه (٢)، وذلك أن الأرضَ إذا وصفها بسَعَةٍ، فالغالبُ من وصفِه إياها بذلك أنها لا تَضِيقُ جميعُها على مَن ضاق عليه منها موضعٌ، لا أنه وصَفها بكثرةِ الخيرِ والخِصْبِ.

وقولُه: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.

يقولُ: فأخْلِصوا لي عبادتَكم وطاعتَكم، ولا تُطِيعوا في مَعصيتى أحدًا مِن خَلْقى.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحاب نبيِّه: هاجِرُوا مِن أرضِ الشركِ مِن مكةَ، إلى أرضِ الإسلامِ إلى (٣) المدينةِ؛ فإن أرضى واسعةٌ، فاصْبِروا على عبادتي، وأَخْلِصوا طاعتى، فإنكم مَيِّتون، وصائِرون إلىَّ؛ لأن كلَّ نفسٍ حيةٍ ذائقةُ الموتِ، ثم إلينا بعدَ الموتِ تُرَدُّون.

ثم أخبَرهم جل ثناؤُه، عما أعَدَّ للصابرِين منهم على طاعتِه، من كرامتِه عندِه، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.

يعنى: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، فيما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ فأطاعوه فيه، وانتهوا عما نَهاهم عنه، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ يقولُ: لمُنْزِلَنَّهم مِن الجنةِ عَلَاليَّ.

واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفييِّن: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بالباءِ، وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ بالثاء: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) (١).

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قِراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن قولَه: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾.

من: بَوَّأْتُه مُنزِلًا، أي: أنزَلتُه، وكذلك: (لنُثْوِيَنَّهم)؛ إنما هو مِن: أثْويتُه مَسْكَنًا.

إذا أَنزَلْتَه مُنزلًا، مِن الثَّواءِ، وهو المُقامُ.

وقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

يقولُ: ماكِثين فيها إلى غير نهايةٍ، ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.

[يقولُ: نعمَ جزاءُ العامِلين] (٢) بطاعةِ اللهِ هذه الغُرَفُ التي يُثْوِيهُموها اللهُ فى جَنَّاتِهِ، تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذَى المشركين في الدنيا، وما كانوا يَلْقَون منهم، وعلى العملِ بطاعةِ اللهِ وما يُرْضِيه، وجهادِ أعدائِه، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

[يقولُ: وعلى ربِّهم يتوكلون] (٣) في أرْزاقِهم وجهادِ أعدائِهم، فلا يَنْكُلون (٤) عنهم؛ [ثقةً منهم] (٥) بأن اللهَ مُعْلِى كلمتِه، ومُوهِنُ كيدِ الكافرين، وأن ما قُسِم لهم من الرزقِ فلن يَفُوتَهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ ﷺ: هاجِروا وجاهِدوا فى اللهِ، أيُّها المؤمنون -أعداءَه، ولا تَخافوا عَيْلةً ولا إِقْتارًا، فكم مِن دابةٍ ذاتِ حاجةٍ إلى غذاءٍ ومطعمٍ ومشربٍ لا تحملُ رزقَها، يعنى غذاءَها، لا تحمِلُه فترفَعُه في يومِها لغدِها؛ لعجزِها عن ذلك، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يومًا بيومٍ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِكم: نَخْشَى بفِراقِنا أوطانَنا العَيْلةَ.

﴿الْعَلِيمُ﴾ ما في أنفسِكم، وما إليه صائرٌ أمرُكم، وأمرُ عدوِّكم من إذْلالِ اللهِ إياهم (١)، ونُصْرتِكم عليهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن أمورِ خلقِه.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾.

قال: الطيرُ والبهائمُ لا تحمِلُ الرزقَ (٢).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ عِمْرانَ، عن أبى مِجْلَزٍ فى هذه الآيةِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾.

قال: مِن الدوابِّ ما لا يستطيعُ أن يدَّخِرَ لَغَدٍ، يُوَفَّقُ لرزقِه كلَّ يومٍ حتى يموتَ (١).

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ الأقْمرِ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾.

قال: لا تَدَّخِرُ شيئًا لغدٍ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشركين باللهِ: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فَسَوَّاهن، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لعبادِهِ، يَجْرِيان دائبَين لمصالحِ خلقِ اللهِ؟

لَيَقُولُنَّ: الذى خلَق ذلك وفَعَلَه اللهُ.

﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأَنَّى يُصْرَفون عمن صنَع ذلك، فيَعْدِلون عن إخلاصِ العبادةِ له.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.

أى: يَعْدِلُونَ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يُوَسِّعُ مِن رزقِه لَمَن يشاءُ مِن خلقِه، ويُضَيِّقُ فَيُقَتِّرُ لمَن يشاءُ منهم.

يقولُ: فأَرْزاقُكم وقِسْمتُها بينَكم، أيُّها الناسُ، يبَدِى دونَ كلِّ أحدٍ سِواى، أَبْسُطُ لمَن شئتُ منها، وأُقَتِّرُ على مَن شئتُ، فلا يُخَلِّفنَّكم عن الهجرةِ وجهادِ عدوِّكم خوفُ العَيْلةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

يقولُ: إِن اللهَ عليمٌ بمصالحِكم، ومَن لا [يَصْلُحُ له] (١) إلا البسطُ فى الرزقِ، ومَن لا يصلُحُ له إلا التَّقْتِيرُ عليه، وهو [العالمُ بكلِّ ذلك] (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن سألتَ، يا محمدُ، هؤلاء المشركين باللهِ مِن قومِك: ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وهو المطرُ الذي يُنْزِلُه اللهُ من السحابِ، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾.

يقولُ: فأحْيَا بالماءِ الذى أنزَله (٣) من السماءِ الأرضَ.

وإحْياؤُها: إنباتُه النباتَ فيها، ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾: مِن بعدِ جُدُوبِها وقُحُوطِها.

وقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.

يقولُ: ليَقُولُنَّ: الذي فعَل ذلك، اللهُ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ.

وقولُه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.

يقولُ: وإذا قالوا ذلك فقُلْ: الحمدُ للهِ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

يقولُ: بل أكثرُ هؤلاء المشركين باللهِ لا يَعْقِلون ما لهم فيه النَّفْعُ مِن أمرِ دينِهم، وما فيه الضُّرُّ، فهم لجَهْلِهم يحسَبون أنهم لعبادتِهم الآلهةَ دونَ اللهِ، يَنالون بها عندَ اللهِ زُلْفةً وقُرْبةٌ، ولا يعلَمون أنهم بذلك هالِكون، مُسْتوجِبون الخلودَ في النارِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما هذه الحيَاةُ الدنيا التي يتمتعُ منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾.

يقولُ: إلا تعليلُ النفوسِ بما تَلْتَذُّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريبٍ، لا بقاءَ له ولا دوامَ، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، يقولُ: وإن الدارَ الآخرة لفيها الحياةُ الدائمةُ، التى لا زوالَ لها، ولا انقطاعَ ولا موتَ معها.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: حياةٌ لا موتَ فيها (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾.

قال: لا موتَ فيها (٢).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾.

يقولُ: باقيةٌ (٣).

وقولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ: لو كان هؤلاء المشركون يعلَمون أن ذلك كذلك، لقَصَّروا عن تكْذيبِهم باللهِ، وإشْراكِهم غيرَه في عبادتِه، ولكنهم لا يعلَمون ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا ركِب هؤلاء المشركون السفينةَ في البحرِ، فخافوا الغرَقَ والهلاكَ فيه، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

يقولُ: أخْلَصوا للهِ -عندَ الشِّدَّةِ التي نزلَت بهم- التوحيدَ، وأفْرَدوا له الطاعةَ، وأذْعَنوا له بالعبودةِ، ولم يَسْتَغِيثوا بآلهتِهم وأنْدادِهم، ولكن باللهِ الذى خَلَقَهم، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾.

يقولُ: فلمَّا خَلَّصهم مما كانوا فيه وسَلَّمهم، فصاروا إلى البَرِّ، إذا هم يجعَلون مع اللهِ شريكًا في عبادتِهم، ويَدْعون الآلهةَ والأوثانَ معه أربابًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فالخلقُ كلُّهم يُقِرُّون للهِ أنه ربُّهم، ثم يُشركون بعدَ ذلك (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما نجَّى اللهُ هؤلاء المشركين مما كانوا فيه في البحرِ من الخوفِ والحَذَرِ مِن الغَرَقِ إلى البَرِّ، إذا هم بعد أن صاروا إلى البَرِّ، يُشركون باللهِ الآلهة والأنْدادَ، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.

يقول: ليَجْحَدوا نعمةَ اللهِ التي أنعَمها عليهم في أنفسِهم وأموالِهم.

﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾.

اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسرِ "اللامِ"، بمعنى: وكي يَتَمَتَّعوا آتَيناهم ذلك (٢).

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين: (وَلْيَتَمَتَّعُوا) بسكونِ "اللامِ"، على وَجْهِ الوعيدِ والتوبيخِ، أي: اكفُروا؛ فإنكم سوف تعلَمون ماذا تَلْقَون (١) مِن عذابِ اللهِ بكفرِكم (٢) به (٣).

وأَولى القراءتين عندى فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بسكونِ "اللامِ" (٤) على وجهِ التهديدِ والوعيدِ، وذلك أن الذين قرَءوه بكسرِ "اللامِ" زعَموا أنهم إنما اخْتاروا كسرَها عطفًا بها على "اللامِ" التى فى قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.

وأن قولَه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.

لمّا كان معناه: كى يكفُروا كان الصوابُ في قولِه: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ أن يكونَ: وكى يَتَمتَّعوا، إذ كان عطفًا على قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.

عندَهم.

وليس الذى (٥) ذهَبوا مِن ذلك بمذهبٍ، وذلك لأن "لامَ" قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.

صلُحت أن تكونَ بمعنى "كي"؛ لأنها شرطٌ لقولِه: إذا هم يُشركون باللهِ، كى يكفُروا بما آتيناهم من النِّعَمِ.

وليس ذلك كذلك في قولِه: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾.

لأن إشْراكَهم باللهِ كان كُفْرًا بنعمتِه، وليس إشْراكُهم به تَمَتُّعًا بالدنيا، وإن كان الإشْراكُ به يُسَهِّلُ لهم سبيلَ التَّمَتُّعِ بها، فإذ كان ذلك كذلك فتَوْجِيهُه إلى معنى الوعيدِ أَولى وأحقُّ مِن تَوْجِيهِه إلى معنى: وكي يَتَمتَّعوا.

وبعدُ، فقد ذُكر أن ذلك فى قراءةِ أُبَيٍّ: (وَتَمَتَّعُوا) (٦).

وذلك دليلٌ على صحةِ قراءةِ من قرَأه بسكونِ "اللامِ"، بمعنى الوعيدِ.

وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، يقولُ تعالى ذكرُه مُذَكَّرًا هؤلاء المشركينِ مِن قريشٍ، القائلين: لولا أُنزِل عليه (١) آيةٌ مِن ربِّه- نِعْمَتَه عليهم، التي خَصَّهم بها دونَ سائرِ الناسِ غيرِهم، مع كفرِهم بنعمتِه، وإشْراكِهم في عبادتِه الآلهة والأنْدادَ: أولم يَرَ هؤلاء المشركون مِن قريشٍ، ما خَصَصْناهم به من نعمتِنا عليهم دونَ سائرِ عبادِنا، فيَشْكُرونا على ذلك، ويَنْزجِروا عن كفرِهم بنا، وإشْراكِهم ما لا ينفعُهم ولا يَضُرُّهم في عبادتِنا؛ ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم ﴿حَرَمًا﴾ حَرَّمْنا على الناس أن يدخُلوه بغارةٍ أو حربٍ، ﴿آمِنًا﴾ يأْمَنُ فيه من سكَنه، فأَوَى إليه، من السِّبَاءِ والخوفِ والحرامِ الذي لا يأمَنُه غيرُهم مِن النَّاسُ؟!

﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.

يقولُ: ويُسْلَبُ الناسُ مِن حولِهم قتلًا وسِبَاءً.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.

قال: كان لهم في ذلك آيةٌ أن الناسَ يُغْزَون ويُتَخَطَّفون، وهم آمِنون (٢).

وقولُه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ﴾.

يقولُ: أفبالشِّرْكِ باللهِ يُقرُّون بألُوهةِ الأوثانِ، بأن يُصَدِّقوا، وبنعمةِ اللهِ التى خَصَّهم بها، مِن أن جعَل بلدَهم حَرَمًا آمِنًا يكفُرون؟!

يعنى بقولِه: ﴿يَكْفُرُونَ﴾.

يَجْحَدون.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بالشِّرْكِ، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.

أي: يجحَدون (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أظلمُ أيُّها الناسُ، ممن اختَلَق على اللهِ كَذِبًا؛ فقالوا إذا فعَلوا فاحشةً: وجَدنا عليها آباءَنا، واللهُ أمرَنا بها.

واللهُ لا يأمُرُ بالفحشاءِ - ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾.

يقولُ: أو كذَّب بما بعَث اللهُ به رسولُه محمدًا ﷺ مِن توحيدِه، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ، لمّا جاءَه هذا الحقُّ مِن عِندِ اللهِ، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.

يقولُ: أليس فى النارِ مَثْوًى ومَسْكَنٌ لمن كفَر باللهِ وجَحَد توحيدَه وكذَّب رسولَه ﷺ.

وهذا تقريرٌ وليس باستفهامِ، إنما هو كقولِ جريرٍ (١): ألسْتُم خَيْرَ مَن رَكِب المَطايا … وأنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ إنما أخبرَ أن للكافرين باللهِ مَسْكَنًا في النارِ، ومَنزِلًا يَثْوُون فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين قاتلَوا هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، من كفارِ قريشٍ، المُكذِّبين بالحقِّ لما جاءَهم- فينا، مُبْتَغين بقتالهم عُلُوَّ كلمتِنا، ونُصْرةَ دينِنا، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

يقولُ: لنُوَفِّقَنَّهم لإصابةِ الطُّرُقِ المستقيمةِ، وذلك إصابةُ دينِ اللهِ، الذى هو الإسلامُ، الذي بَعث اللهُ به محمدًا ﷺ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

يقولُ: وإن اللهَ لمع مَن أحسَن مِن خلقِه، فجاهَد فيه أهلَ الشركِ، مُصَدِّقًا رسولَه فيما جاء به من عندِ اللهِ، بالعَوْنِ له والنُّصْرِةِ على مَن جَاهَد مِن أعدائِه.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾.

فقلتُ له: قاتَلوا فينا؟

قال: نعم (١).

آخرُ تفسيرِ سورةِ "العنكبوتِ"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله