تفسير الطبري سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الأحزاب

تفسيرُ سورةِ الأحزاب كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 274 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأحزاب كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

﷽ تفسيرُ سورةِ الأحزابِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ (١) خَبِيرًا (٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ بطاعتِه، وأداءِ (٢) فرائضِه، وواجبِ حقوقِه عليك، والانتهاءِ عن محارمِه وانتهاكِ حدودِه، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين يقولون لك: اطرُدْ عنك أتْباعك من ضعفاءِ المؤمنين بك حتى نجالسِك، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الذين يُظْهِرون لك الإيمانَ باللهِ، والنصيحةَ لك، وهم لا يأْلُونَك وأصحابَك ودينَك خَبالًا، فلا تَقْبَلْ منهم رأيًا، ولا تَسْتَشِرْهم مُسْتَنْصِحًا بهم؛ فإنهم لك أعداءٌ، ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

يقولُ: إن الله ذو علمٍ بما تُضْمِرُه نفوسُهم، وما الذي يَقْصِدون في إظهارِهم لك النصيحةَ، مع الذي يَنْطَوُون لك عليه، حكيمٌ في تدبيرِ أمرِك وأمرِ أصحابِك ودينِك، وغيرِ ذلك من تدبيرِ جميعِ خلقهِ، ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.

يقولُ: واعملْ بما يُنْزِلُ اللهُ عليك من وحْيِه، وآيِ كتابه.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.

يقولُ: إن الله بما تعملُ به أنتَ وأصحابُك مَن هذا القرآنَ، وغيرِ ذلك من أمورِكم وأمورِ عبادِه خبيرٌ، أي: ذو خبرةٍ، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، وهو مُجازِيكم على ذلك بما وعَدكم من الجزاءِ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: هذا القرآنَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ (١) خَبِيرًا﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وفوِّضْ إلى اللَّهِ يا محمدُ أمْرَك، وثِقْ به، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

يقولُ: [وحَسْبُك اللهُ قَيِّمًا بأمرِك، وحفيظًا بك] (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ (٣) مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾.

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في المرادِ مِن قولِ اللهِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ فقال بعضُهم: عُنى بذلك تكذيبُ قومٍ مِن أهلِ النفاقِ، وصَفوا نبيَّ اللهِ ﷺ بأنه ذو قلْبَيْن، فنفَى اللهُ ذلك عن نبيِّه وكذَّبهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغَيْلٍ (١)، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةَ عن قَابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، أن أباه حدَّثه، قال: قلنا لابنِ عباسٍ: أرأيت قول اللهِ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ما عنى ذلك؟

قال قام رسولُ الله ﷺ يومًا فصلَّى فخَطر خَطْرةً، فقال المنافقون الذين يُصلُّون معه: إن له قَلْبَيْن؛ قلبًا معكم، وقلبًا معهم.

فأنزَل اللهُ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٢).

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك رجلٌ من قريشٍ كان يُدْعَى ذا القَلْبَيْن من دَهْيِه (٣).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.

قال: كان رجلٌ مِن قريشٍ يُسمَّى مِن دَهْيِه ذا القَلْبيْن، فأنزَل اللهُ هذا في شأنِه (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.

قال: إن رجلًا مِن بنى فهْرٍ (١) قال: إن في جوفِي قَلْبيْن أعقِلُ بكلِّ واحدٍ منهما أفضلَ من عقلِ محمدٍ.

وكذب (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.

قال قتادةُ: كان رجلٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يُسَمى ذا القَلْبيْن، فأنزل اللهُ فيه ما تَسْمَعون (٣).

قال قتادةُ: وكان الحسنُ يقولُ: كان رجلٌ (٤) يقولُ: لى نَفْسٌ تَأْمُرُني، ونَفْسٌ تنهانى.

فأَنْزَل الله فيه ما تَسْمَعون (٥).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، قال: كان رجلٌ يُسَمَّى ذا القلبين، فنزَلَت: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٦).

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك زيدُ بنُ حارثةَ، من أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان تبَنَّاه، فضرَب اللهُ له (١) بذلك مثَلًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرُ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.

قال: بلَغَنا أن ذلك كان في زيدٍ بن حارثةَ، ضرَب اللهُ له مثلًا (٢).

يقولُ: ليس (٣) ابن رجلٍ آخرَ ابنَك (٤).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ (٥) قولُ مَن قال: ذلك تكذيبٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه قولَ مَن قال لرجلٍ، في جوفِه قلبان يَعْقِلُ بهما.

على النحوِ الذي رُوِى عن ابن عباسٍ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك تكذيبًا مِن اللهِ لمن وصَف رسولَ الله ﷺ بذلك، وأن يكونَ تكذيبًا لمن سمَّى القرشيَّ الذي ذُكِر أنه سُمِّى ذا القلبين مِن دَهْيِه (٦)، وأيَّ الأمرين كان فهو نفىٌ مِن اللهِ عن خلقِه من الرجالِ أن يكونوا بتلك الصفةِ.

وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: ولم يَجْعَلِ اللهُ أيُّها الرجالُ نساءَكم اللائى تقولون لهن: أنتُنَّ علينا كظهورِ أمهاتِنا - أمهاتِكم، بل جعَل ذلك مِن قِيلِكم كذبًا، وألْزَمَكم عقوبةً لكم كفارةً.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: أي: ما جعَلها أمَّك، فإذا ظاهَر الرجلُ مِن امرأتِه، فإن الله لم يَجْعَلْها أمَّه، ولكن جعَل فيها الكفارةَ (١).

وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.

يقولُ: ولم يَجْعَلِ اللهُ مَن ادَّعَيْتَ أنه ابنُك وهو ابن غيرِك، ابنَك بدَعْواك.

وذُكِر أن ذلك نزَل على رسولِ اللهِ ﷺ، من أجل تَبَنِّيه زيدَ بنَ حارثةَ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.

قال: نزَلَت هذه الآيةُ في زيدِ بن حارثةَ (٢).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.

قال: كان زيدُ بنُ حارثةَ حينَ منَّ الله ورسولهُ عليه، يقالُ له: زيدُ بنُ محمدٍ.

كان تبَنَّاه، فقال اللهُ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].

قال: وهو يَذْكُرُ الأزواجَ والأختَ، فأخْبَره أن الأزواجَ لم تَكُنْ بالأمهاتِ أمهاتِكم، ولا أدعياؤُكم أبناءَكم (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: وما جعَل دَعِيَّك ابنَك، يقولُ: إذا ادَّعى رجلٌ رجلًا وليس بابنِه، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ الآيةَ، وذُكرَ لنا أن النبيَّ ﷺ كان يقولُ: "مَن ادَّعَى إلى غيرِ أبيه مُتَعَمِّدًا حرَّم اللهُ عليه الجنةَ" (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشعثَ، عن عامرٍ، قال: ليس في الأدْعياء زيدٌ.

وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القولُ، وهو قولُ الرجل لامرأتِه: أنت عليَّ كظهرِ أمي.

وادِّعاؤُه مَن ليس بابنِه أنه ابنُه، إنما هو قولُكم بأفواهِكم، لا حقيقةَ له، لا يَثْبُتُ بهذه الدعوى نسبُ الذي ادُّعِيَت بُنُوَّتُه، ولا تَصِيرُ الزوجةُ أُمَّا بقولِ الرجلِ لها: أنتِ عليَّ كظهرِ أمي.

﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾.

يقولُ: واللهُ هو الصادقُ الذي يقولُ الحقَّ، وبقولِه يَثْبُتُ نسبُ مَن أُثْبِت نسبُه، وبه تكونُ المرأةُ للمولودِ أُمًّا إذا حُكِم بذلك.

﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يُبَيِّنُ لعبادِه سبيلَ الحقِّ، ويُرْشِدُهم لطريقِ الرشادِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿دْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: انسِبوا أدعياءَكم الذين ألْحَقْتُم أنسابَهم بكم لآبائِهم، يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: الْحِقْ نسبَ زيدٍ بأبيه حارثةَ، ولا تَدْعُه زيدَ بنَ محمدٍ.

وقولُه: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.

يقولُ: دعاؤُكم إيَّاهم لآبائِهم هو أعدلُ عندَ اللهِ، وأصدقُ وأصوبُ من دعائِكم إيَّاهم لغيرِ آبائِهم، ونِسْبتِكُمُوهم إلى مَن تبَنَّاهم وادَّعاهم، وليسوا له بنينَ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدلُ عندَ اللهِ.

وقولُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أنتم أيُّها الناسُ لم تَعْلَموا آباء أدعيائِكم مَن هم، فتَنْسِبوهم إليهم، ولم تَعْرِفوهم، فتُلْحِقوهم بهم، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.

يقولُ: فهم إخوانُكم في الدينِ، إن كانوا مِن أهلِ ملَّتِكم، ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ إن كانوا مُحَرَّرِيكم، وليسوا ببَنِيكم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدَلُ عندَ اللهِ، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾: فإن لم تَعْلَموا مَن أبوه، فإنما هو أخوك ومَوْلاك (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عُيينةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، قال: قال أبو بَكْرةَ: قال اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.

فأنا ممَّن لا يُعْرَفُ أبوه، وأنا مِن إخوانِكم في الدينِ.

قال: قال أبي: واللهِ إنى لأَظُنُّه لو علِم أن أباه كان حمارًا، لانْتَمَى إليه (١).

وقولُه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.

يقولُ: ولا حرَجَ عليكم ولا وِزْرَ في خطأ يكونُ منكم في نسبةِ بعضِ مَن تَنْسِبونه إلى أبيه، وأنتم تَرَوْنه ابنَ مَن تَنْسِبونه إليه، وهو ابنٌ لغيرِه.

﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.

يقولُ: ولكنِ الإثمُ والحرجُ عليكم في نسْبَتِكموه إلى غيرِ أبيه، وأنتم تَعْلَمونه ابنَ غيرِ مَن تَنْسِبونه إليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.

يقولُ: إذا دعَوْتَ الرجلَ لغيرِ أبيه، وأنت تَرَى أنه كذلك (٢).

﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.

يقولُ اللهُ: لا تَدْعُه لغيرِ أبيه متعمدًا.

أما الخطأُ فلا يُؤاخِذُكم اللهُ به، ولكنْ يؤاخِذُكم بما تعمَّدت قلوبُكم.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ: ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.

قال: فالعمدُ ما أتَى بعدَ البيانِ، والنهيُ في هذا وغيرِه.

و"ما" التي في قولِه: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خفضٌ؛ ردًّا على "ما" التي في قولِه: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.

وذلك أن معنى الكلامِ: ليس عليكم جناحٌ فيما أَخْطَأْتُم به، ولكن فيما تعَمَّدَت قلوبُكم.

وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ ذا سَتْرٍ على ذنبٍ مَن ظاهَر من زوجتِه فقال الباطلَ والزورَ مِن القولِ، وذنبِ مَن ادَّعَى ولدَ غيرِه ابنًا له، إذا تابا وراجَعا أمرَ اللهِ، وانْتَهَيا عن قيلِ الباطلِ، بعدَ أن نهاهما ربُّهما عنه، ذا رحمةٍ بهما أن يُعاقِبَهما على ذلك، بعد توبتِهما مِن خطيئتِهما.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿النَّبِيُّ﴾ محمدٌ ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: أحقُّ بالمؤمنين به مِن أنفسِهم، أن يَحْكُمَ فيهم بما يَشاءُ مِن حكمٍ، فيَجوزَ ذلك عليهم.

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: كما أنت أولى بعبدِك، ما قضَى فيهم مِن أمرٍ جاز؛ كما كلما قضَيْتَ على عبدِك جاز (١).

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.

قال: هو أبٌ لهم (٢).

حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا فُلَيْحٌ، عن هلالِ بن عليٍّ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي عَمْرةً، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ما مِن مؤمنٍ إلا وأنا أَولى الناسِ به في الدنيا والآخرةِ، اقْرَءُوا إِن شَئْتُم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وأيُّما مؤمنٍ ترَك مالًا فلورثتِه وعَصَبتِه من كانوا، وإن ترَك دَيْنًا أو ضَياعًا فلْيَأْتِنى وأنا مولاه (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا الحسين (٤) بنُ عليٍّ، عن أبي موسى إسرائيلَ بن موسى، قال: قرَأ الحسنُ هذه الآيةَ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

قال: قال الحسنُ: قال النبيُّ ﷺ: "أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه".

قال الحسنُ: وفي القراءةِ الأولى: (أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم، وهو أبٌ لهم) (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال في بعضِ القراءةِ: (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم وهو أبٌ لهم) (٢).

وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ ترَك ضَياعًا فأنا أَولى به، وإن ترَك مالًا فهو لورثتِه".

وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

يقولُ: وحُرمةُ أزواجِه حُرمةُ أمهاتِهم عليهم، في أنهنَّ يَحْرُمُ عليهنَّ نكاحُهن مِن بعدِ وفاتِه، كما يَحْرُمُ عليهم نكاحُ أمهاتِهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: يُعَظِّمُ بذلك حقَّهن.

وفي بعض القراءةِ: (وهو أبٌ لهم) (٣).

حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: مُحرَّماتٌ عليهم.

وقولُه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأولو الأرحامِ الذين وَرَّثْتُ بعضَهم مِن بعضِ هم أَولى بميراثِ بعضٍ من المؤمنين والمهاجرين أن يَرِثَ بعضُهم بعضًا، بالهجرةِ والإيمانِ دونَ الرحمِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: لبِث المسلمون زمانًا يَتَوارَثون بالهجرةِ، والأعرابيُّ المسلمُ لا يَرِثُ من المهاجرين شيئًا، فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ، فخلَط المؤمنين بعضَهم ببعضٍ، فصارت المواريتُ بالمِللِ (١).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

قال: كان النبيُّ ﷺ قد آخَى بين المهاجرين والأنصارِ أولَ ما كانت الهجرةُ، وكانوا يَتَوارَثون على ذلك، وقال اللهُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (٢) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].

قال: إذا لم يَأْتِ رَحِمٌ لهذا يَحولُ دونهم.

قال: فكان هذا أوَّلًا.

فقال الله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

يقولُ: إلا أن تُوصُوا لهم: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾؛ أن أُولى الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ في كتابِ اللهِ.

قال: وكان المؤمنون والمهاجرون لا يَتَوارَثون وإن كانوا أُولى رحمٍ، حتى يُهاجروا إلى المدينةِ.

وقرَأ قَوْلَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢، ٧٣].

فكانوا لا يَتَوارَثون، حتى إذا كان عامُ الفتحِ، انْقَطَعَت الهجرةُ، وكثُر الإسلامُ، وكان لا يُقْبَلُ مِن أحدٍ أن يكونَ على الذي كان عليه النبيُّ ومَن معه، إلا أن يُهاجِرَ.

قال: وقال رسولُ اللهِ ﷺ من بعَث: "اغْدُوا على اسمِ اللهِ، لا تَغُلُّوا ولا تَوَلَّوا، ادْعُوهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوكم فاقْبَلوا، وادْعُوهم إلى الهجرةِ، فإن هاجَروا معكم، فلهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، فإن أبَوْا ولم يُهاجِروا واخْتارُوا دارَهم، فَأَقِرُوهم فيها، فهم كالأعرابِ تَجْرِى عليهم أحكامُ الإسلامِ، وليس لهم في هذا الفَيْءِ نصيبٌ".

قال: فلما جاء الفتحُ، وانْقَطَعَت الهجرةُ، قال رسول الله ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح".

وكثُر الإسلامُ، وتَوارَث الناسُ على الأرحامِ حيثُ كانوا، ونسَخ ذلك الذي كان بينَ المؤمنين والمهاجرين، وكان لهم في الفَيْءِ نصيبٌ، وإن أقاموا وأبَوْا، وكان حقُّهم في الإسلامِ واحدًا؛ المهاجرُ وغيرُ المهاجرِ والبَدَويُّ وكلُّ أحدٍ، حينَ جاء الفتحُ (١).

فمعنى الكلام على هذا التأويلِ: وأولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ من المؤمنين والمهاجرين ببعضِهم أن يَرِثوهم بالهجرةِ، وقد يَحْتَمِلُ ظاهرُ هذا الكلامِ أن يكونَ من صلةِ الأرحامِ من المؤمنين والمهاجرين، أَوْلى بالميراثِ، ممن لم يُؤْمِنْ ولم يُهاجِرْ.

وقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إلا أن تُوصُوا لذَوِى قرابتِكم مِن غيرِ أهلِ الإيمانِ والهجرةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابن الحنفيةِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

قال (١): يُوصِى لقَرابتِه مِن أهلِ الشركِ (٢).

قال: ثنا عَبْدةُ، قال: قرأْتُ على ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

قال: للقرابة من أهل الشركِ وصيةٌ، ولا مِيراثِ لهم (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

قال: إلى أوليائِكم مِن أهلِ الشركِ وصيةً، ولا مَيراثَ لهم (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، ويَحيى بنُ آدمَ، عن ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يَحيى بن أبى كثيرٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

قال: وصية (٤).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرٍو، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾؟

فقال: العطاءُ.

فقلتُ له: المؤمنُ للكافرِ بينَهما قَرابةُ؟

قال: نعم، عطاؤُه إياه حيًّا (١) ووصيته (٢) له (٣).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تُمْسِكوا بالمعروفِ بينَكم، بحقِّ الإيمانِ والهجرةِ والحِلْفِ، فتُؤْتوهم حقَّهم مِن النُّصْرِةِ والعَقْلِ عنهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

قال: حلفاؤُكم الذين والَى بينَهم النبي ﷺ مِن المهاجرين والأنصارِ، إمساكٌ بالمعروفِ والعَقْلُ والنصرُ بينَهم (٤).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا (٥) أن تُوصُوا إلى أوليائِكم مِن المهاجرين وصيةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.

يقولُ: إلا أن تُوصُوا لهم (٦).

وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: معنى ذلك: إلا أن تَفْعَلُوا إلى أوليائِكم الذين كانَ رسولُ اللهِ ﷺ آخَى بينَهم وبينَكم مِن المهاجرين والأنصارِ - معروفًا من الوصيةِ لهم، والنُّصرةِ والعقلِ عنهم، وما أشْبَه ذلك؛ لأن كلَّ ذلك مِن المعروفِ الذي قد حثَّ اللهُ عليه عبادَه.

وإنما اخْتَرْتُ هذا القولَ، وقلتُ: هو أولى بالصوابِ من قيلِ مَن قال: عُنِى بذلك الوصيةُ للقَرابةِ من أهلِ الشركِ.

لأن القريبَ من المشركِ، وإن كان ذا نَسبٍ، فليس بالمولَى، وذلك أن الشركَ يَقْطَعُ ولايةَ ما بينَ المؤمنِ والمشركِ، وقد نهَى اللهُ المؤمنين أن يَتَّخِذوا منهم وليًّا بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].

وغيرُ جائزٍ أن يَنْهاهم عن اتخاذِهم أولياءَ، ثم يَصِفَهم جلَّ ثناؤُه بأنهم لهم أولياءُ.

وموضعُ ﴿أَنْ﴾ من قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾.

نصبٌ على الاستثناءِ.

ومعنى الكلامِ: وأولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ في كتابِ اللهِ مِن المؤمنين والمهاجرِين، إلا أن تَفْعَلُوا إلى أوليائِكم [من المؤمنين والمهاجرين] (١) الذين ليسوا بأُولى أرحام منكم - معروفًا.

وقولُه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.

يقولُ: كان أولو الأرحامِ بعضُهم أوْلَى ببعضٍ في كتابِ اللهِ، أي: في اللوحِ المحفوظِ، ﴿مَسْطُورًا﴾.

أي: مكتوبًا؛ كما قال الراجزُ (٢): * في الصُّحُفِ الأُولَى التي كان سَطَرْ * وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.

أي: أن أُولى الأرحامِ بعضُهم أَوْلَى ببعضٍ في كتابِ اللهِ (١).

وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: لا يَرِثُ المشركُ المؤمنَ.

[ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.

وفى بعضِ القراءةِ: (كان ذلك عند الله مكتوبًا)؛ لا يرثُ المشركُ المؤمنَ] (٢) (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كان ذلك في الكتابِ مسطورًا إذ كتَبْنا كلَّ ما هو كائنٌ في الكتابِ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضًا في الكتابِ مسطورًا، ويعنى بالميثاقِ العهدَ، وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى قبلُ (٤)، ﴿وَمِنْكَ﴾ يا محمدُ ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.

يقولُ: وأَخَذْنا مِن جميعِهم عهدًا مؤكَّدًا أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.

قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "كنتُ أولَ الأنبياءِ في الخَلْقِ، وآخرَهم في البعثِ".

﴿وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: ميثاقٌ أخَذَه اللهُ على النبيين خصوصًا، أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يَتْبَعَ بعضُهم بعضًا (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: كان قتادةَ إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.

قال: كان نبيُّ اللهِ ﷺ في أوَّلِ النبيين في الخلقِ (٢).

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.

قال: في ظهرِ آدمَ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.

قال: الميثاقُ الغليظُ العهدُ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أخَذْنا مِن هؤلاء الأنبياءِ ميثاقَهم، كما أَسْأَلَ المرسَلِين عما أجابَتْهم به أُمَمِهم، وما فعل قومُهم فيما أبْلَغوهم عن ربِّهم مِن الرسالةِ.

وبنحوِ قولِنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذُكر مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسَةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾.

قال: المُبَلِّغين المُؤَدِّين مِن (٢) الرسلِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾.

قال: المبلِّغين المؤدِّين مِن الرسلِ (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾.

قال: الرسلَ المؤَدِّين المبلِّغين.

وقولُه: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

يقولُ: وأَعَدَّ للكافرين باللهِ مِن الأممِ عذابًا مُوجِعًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: التي أنعَمها على جماعتِكم، وذلك حينَ حُوصِر المسلمون مع رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ الخنَدقِ، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾.

يعنى: جنودُ الأحزابِ؛ قُريشٌ، وغَطَفانُ، ويهودُ بني النضيرِ، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ وهى فيما ذُكِر: ريحُ الصَّبا.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكِرمةَ، قال: قالت الجنوبُ للشَّمالِ ليلةَ الأحزابِ: انطلِقي ننصُرْ رسولَ اللهِ ﷺ.

فقالت الشَّمالُ: إن الحُرَّة لا تسرى بالليلِ.

قال: فكانت الريحُ التي أُرسلتْ عليهم الصَّبا (١).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنى الزبيرُ، يعني ابنَ عبدِ اللهِ، قال: ثنى رُبَيْحُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، قال: قلنا يومَ الخندقِ: يا رسولَ اللهِ، بلغتِ القلوبُ الحناجرَ!

فهل من شيءٍ نقولُه (٢)؟

قال: "نعم، قولوا: اللهم استرْ عوراتِنا، وآمنْ روعاتِنا".

قال: فضرَب اللهُ وجوهَ أعدائه بالريحِ، فهزمهم الله بالرِّيحِ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبيدُ (١) اللهِ بنُ عمرَ (٢)، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: أرسلنى خالى عثمانُ بنُ مظعونٍ ليلةَ الخندقِ في بردٍ شديدٍ وريحٍ إلى المدينةِ، فقال: ائتنا بطعام ولحافٍ.

قال: فاستأذنتُ رسولَ اللهِ، فَأَذِنَ لى وقال: "من لَقِيتَ مِن أصحابي فمرْهم يَرجِعوا" (٣).

قال: فذهبتُ والرِيحُ تَسْفِى كلَّ شيءٍ، فجعلتُ لا أَلقَى أحدًا إلا أمرتُه بالرجوعِ إلى النبيِّ ﷺ، قال: فما يَلْوِى أحدٌ منهم عنقَه.

قال: وكان معى تُرْسٌ لى، فكانت الريحُ تضربُه عليَّ، وكان فيه حديدٌ.

قال: فضرَبتْه الريحُ حتى وقَع بعضُ ذلك الحديدِ على كفِّى، فأنفَذَها إلى الأرضِ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ: قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: قال فتًى من أهلِ الكوفةِ لحذيفةَ بن اليمانِ: يا أبا عبدِ اللهِ، رأيتم رسولَ اللهِ ﷺ وصحِبْتُموه؟!

قال: نعم يا بنَ أخى.

قال: فكيف كنتم تصنعون؟

قال: واللهِ لقد كنا نَجْهَدُ.

قال الفتى: واللهِ لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرضِ، لحمَلناه على أعناقِنا.

قال حُذَيفةُ: يا بن أخي، واللهِ لقد رأيتُنا مع رسولِ اللهِ ﷺ بالخندقِ، وصلى رسولُ اللهِ ﷺ هَوِيًّا (٥) من الليلِ، ثم التفَت إلينا فقال: "مَن رجلٌ يقومُ فينظرُ لنا ما فعَل القومُ - يَشْرِطُ له رسولُ اللهِ ﷺ أنه يَرجِعُ - أدخَله اللهُ الجنةَ".

فما قام أحدٌ، ثم صلى رسول الله ﷺ هَوِيًّا من الليلِ، ثم التفَتَ إلينا فقال مثلَه، فما قام منا رجلٌ، ثم صلى رسول اللهِ ﷺ هَوِيًّا من الليل، ثم التفَتَ إلينا فقال: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَينْظُرُ لَنا ما فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ - يَشْتَرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّجْعَةَ - أسأَلُ الله أَنْ يَكُونَ رَفِيقي في الجَنَّةِ".

فما قام رجلٌ؛ مِن شدَّةِ الخوفِ، وشدّةِ الجوعِ، وشدّة البردِ، فلما لم يقمْ أحدٌ، دعاني رسولُ الله ﷺ، فلم يكنْ لى بُدٌّ من القيامِ حينَ دعانى، فقال: "يا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي القَوْمِ فانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حتى تأْتِينَا".

قال: فذهبتُ فدخلتُ في القَوْمِ، والريحُ وجنودُ اللهِ تفعلُ بهم ما تفعلُ، لا تُقِرُّ (١) لهم قِدرًا ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سُفيان فقال: يا معشرَ قريشٍ، لينظرِ امرؤٌ مَن جليسُه.

فقال حذيفةُ: فأخذتُ بيدِ الرجلِ الذي إلى جنبى، فقلتُ: من أنت؟

فقال: أنا فلانُ بنُ فلانٍ.

ثم قال أبو سفيان: يا معشرَ قريشٍ، إنكم واللهِ ما أصبَحْتُم بدارِ مُقامٍ، ولقد هلَك الكُراعُ والحُفُّ، وأخلَفتْ (٢) بنو قريظةَ، وبلَغَنا عنهم الذي نَكْرَهُ، ولقِينا مِن هذه الريحِ ما تَرَوْن، واللهِ ما يَطْمَئِنُّ لنا قِدْرٌ (٣)، ولا تَقومُ لنا نارٌ، ولا يَسْتَمْسِكُ لنا بِناءٌ، فارْتَحِلوا فإني مُرْتَحِلٌ.

ثم قام إلى جملِه وهو معقولٌ، فجلَس عليه، ثم ضرَبه فوثَب به على ثلاثٍ، فما أطْلَق عِقالَه إلا وهو قائمٌ، ولولا عهدٌ رسول اللهِ ﷺ إلى: "أن لا تُحْدِثَ شيئًا حتى تَأْتِيَنى".

ثم شئتُ لقتَلْتُه بسهمٍ.

قال حذيفةُ: فرجَعْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وهو قائمٌ يُصَلَّى (٣) في مِرْطٍ لبعضِ نسائِه، فلما رآنى أدْخَلَنى بينَ رِجْلَيه، وطرَح عليَّ طرفَ المِرْطِ، ثم ركع وسجَد، وإنى لفيه، فلمَّا سلَّم أَخْبَرْتُه الخبرَ، وسَمِعَتْ غَطَفانُ بما فعَلَت قريشٌ، فانْشَمَرُوا راجعين إلى بلادِهم (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾.

قال: الأحزابُ؛ عيينةُ بنُ بدرٍ، وأبو سفيانَ، وقُريظةُ.

وقولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾.

قال: ريحَ الصَّبا، أُرْسِلت على الأحزابِ يوَم الخندقِ، حتى كفَأَتْ قدورُهم على أفواهِها، ونزَعت فساطيطَهم، حتى أظعَنتْهم.

وقولَه: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.

قال: الملائكةَ، ولم تُقَاتِلْ يومَئذٍ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.

قال: يعنى الملائكةَ.

قال: نزَلت هذه الآيةُ يومَ الأحزابِ، وقد حُصِر رسولُ اللهِ ﷺ شهرًا، فخندَق رسولِ اللهِ ﷺ، وأقبَل أبو سفيانَ بقريشٍ ومَن تَبِعه (٢) من الناسِ، حتى نزَلوا بعَقْوَةِ (٤) رسولِ اللهِ ﷺ، وأقبل عيينةُ بنُ حِصنٍ أحدُ بنى بدرٍ، ومَن تَبِعه (٣) من الناسِ، حتى نزَلوا بعَقْوَةِ (٤) رسولِ اللهِ ﷺ، وكاتَبتِ اليهودُ أبا سفيانَ وظاهَروه، فقال حيثُ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.

فبعَث اللهُ عليهم الرعبَ والريحَ، فذُكِر لنا أنهم كانوا كلَّما أوقدوا نارًا أطفَأها اللهُ، حتى لقد ذُكر لنا أن سيدَ كلِّ حيٍّ يقولُ: يا بنى فلانٍ، هَلُمَّ إليَّ.

حتى إذا اجتَمعوا عندَه قال: النجاءَ، النجاءَ أُتِيْتُم!

لِما بَعَثَ اللَّهُ عليه مِن الرعبِ (٥).

حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيةَ، قال: كان يومُ أبى سفيانَ يومَ الأحزاب (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابنَ إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾: والجنودُ قريشٌ وغَطَفانُ وبنو قريظةَ، وكانت الجنودُ التي أرسَل اللهُ عليهم مع الريحِ: الملائكةَ (٢).

وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.

يقول تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بأعمالِكم يومَئذٍ، وذلك صبرُهم على ما كانوا فيه من الجَهْدِ والشدةِ، وثباتُهم لعدوِّهم، وغير ذلك من أعمالِهم، ﴿بَصِيرًا﴾ لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، يُحْصيه عليهم ليَجزِيَهم عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾.

يقول تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بما تعملون بصيرًا، إذ جاءتكم جنودُ الأحزابِ من فوقِكم ومن أسفلَ منكم.

وقيل: إن الذين أَتَوهم من أسفلَ منهم أبو سفيانَ في قريشٍ ومَن معه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾.

قال: عيينةُ بنُ بدرٍ في أهلِ نجدٍ، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.

قال: أبو سفيانَ.

قال: وواجَهتْهم قُرَيظةُ (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدةُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ذكَرت يومَ الخندقِ وقرَأت: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قالت: هو يومُ الخندقِ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن رومَانَ مولى آلِ الزبيرِ، عن عروةَ بن الزبيرِ، وعمَّن لا أَتَّهِمُ، و (٣) عن عُبَيدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، وعن الزُّهريِّ، وعن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بن أَبي بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ، وعن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيُّ، وعن غيرِهم مِن علمائِنا: أنه كان من حديثِ الخندقِ؛ أن نفرًا من اليهودِ، منهم سلَّامُ بنُ أبى الحُقَّيقِ النَّضْريُّ، وحُيَيُّ بنُ أَخطبَ النَّضْريُّ، وكِنانةُ بنُ الربيعِ بن أبي الحُقَيقِ النَّضْرِيُّ، وهَوْذةُ بنُ قيسٍ الوائليُّ، وأبو عمَّارٍ الوائليُّ، في نفرٍ مِن بني النضيرِ، ونفرٍ من بني وائلٍ - وهم الذين حزَّبوا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ خرَجوا حتى قدِموا على قريشٍ بمكةَ، فَدَعَوهم إلى حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: إنا سنكونُ معكم عليه حتى نَسْتَأْصِلَه.

فقالت لهم قريشٌ: يا معشرَ يهودَ، إنكم أهلُ الكتابِ الأولِ والعلمِ بما أصبحنا نَخْتَلِفُ فيه نحن ومحمدٌ، أَفدِيننُا خيرُ أم دينُه؟

قالوا: بل دينُكم خيرٌ من دينِه، وأنتم أَوْلى بالحقِّ منه.

قال: فهم الذين أنزَل اللهُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ إلى قولهِ: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥].

فلما قالوا ذلك لقريش، سرَّهم ما قالوا، ونشِطوا لِما دَعَوْهم له من حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأجمَعوا لذلك، واتَّعَدُوا له.

ثم خرَج أولئك النفرُ من يهودَ، حتى جاءوا غَطَفَانَ من قَيْسِ عَيلانَ، فدَعْوهم إلى حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأخبَروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابَعوهم على ذلك، فأجمعوا فيه، فأجابُوهم.

فخرَجت قريشٌ وقائدُها أبو سفيانَ بنُ حربٍ، وخرَجت غَطَفانُ وقائدُها عُيَينةُ بنُ حِصْنِ بن حُذَيفةَ بن بدرٍ في بني فزارةَ، والحارثُ بن عوفِ بن أبى حارثةَ المُرِّيُّ في بنى مُرَّةَ، ومِسْعَرُ (١) بنُ رُخَيْلَةَ بن نُوَيرَةَ بن طريفِ بن سُحْمةَ بن عبدِ اللهِ بن هلالِ بن خلاوةً بن أشجعَ بن رَيْثِ بن غَطَفَانَ فيمن تابعَه من قومِه من أشجعَ.

فلما سمِع بهم رسولُ اللهِ ﷺ وبما أجمَعوا له من الأمرِ، ضرَب الخندقَ على المدينةِ، فلما فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ من الخندقِ، أقبَلت قريشٌ حتى نزَلت بمجتمَعِ الأسيالِ من رُومَةَ، بينَ الجُرْفِ والغابةِ (٢) في عشَرةِ آلافٍ من أحابيشِهم (٣)، ومَن تابعَهم من بني كِنانةَ وأهلِ تِهامةَ، وأقبَلت غَطَفانُ ومن تابَعهم من أهلِ نجدٍ حتى نزَلوا بذَنَبِ نَقَمَى إلى جانبِ أُحُدٍ، وخرَج رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون حتى جعَلوا ظهورَهم إلى سَلْعٍ، في ثلاثةِ آلافٍ من المسلمين، فضرَب هنالك عسكرَه، والخندقُ بينَه وبينَ القومِ، وأمَر بالذرارِيِّ والنساءِ، فرُفِعوا في الآطامِ (١)، وخرَج عدوُّ اللهِ حُيَيُّ بن أَخطبَ النضَريُّ، حتى أتَى كعبَ بنَ أسدٍ القرظيَّ، صاحِبَ عَقْدِ بني قريظةَ وعَهْدِهم، وكان قد وادَع رسولَ اللهِ ﷺ على قومهِ، وعاهَده على ذلك وعاقَده، فلما سمِع كعبٌ بحُييِّ بن أخطبَ، أغلقَ (٢) دونَه حِصْنَه، فاستأذَن عليه، فأبى أن يَفْتَحَ له، فناداه حُيَيُّ: يا كعبُ، افتَحْ لى.

قال: وَيْحَك يا حُيَيُّ، إنك امرُؤٌ مشئومٌ، إنى قد عاهَدتُ محمدًا، فلستُ بناقضٍ ما بينى وبينَه، ولم أرَ منه إلا وفاءً وصِدْقًا.

قال: وَيْحَك، افتح لى أُكَلِّمْك.

قال: ما أنا بفاعلٍ.

قال: واللهِ إن أغلَقت (٣) دونى إلَّا (٤) على جَشيشتِك (٥) أن آكلَ معك منها.

فأحفَظَ الرجلَ (٦) ففتَح له، فقال: يا كعبُ، جِئْتُك بعزِّ الدهرِ، وببحرٍ طِمٍّ (٧)، جئْتُك بقُرَيشٍ على [قادتِها وسادتِها] (٨)، حتى أَنزلْتُهم بمجتمَعِ الأسيالِ من رُومَةَ، وبغَطَفانَ على [قادتِها وسادتِها] (٨)، حتى أَنْزَلْتُهم بذنبِ نَقَمَى إلى جانب أُحُدٍ، قد عاهَدونى وعاقَدونى ألَّا يَبْرَحوا حتى يَسْتَأْصِلوا محمدًا ومَن معه.

فقال له كعبُ بنُ أسدٍ: جئْتَنى واللهِ بذلِّ الدهرِ، وبجَهامٍ (١) قد هَرَاق ماءَه، يَرْعُدُ ويَبْرُقُ ليس فيه شيءٌ، فدَعْنى ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أرَ من محمدٍ إلَّا صِدْقًا ووفاءً.

فلم يَزَلْ حُيَيُّ بكعبٍ يَفْتِلُه (٢) في الذِّرْوَةِ والغارِبِ (٣)، حتى سمَح له (٤)، على أن أعطاه (٥) عهدًا من اللهِ وميثاقًا: لئن رجَعتْ قريشٌ وغَطَفانُ ولم يُصيبوا محمدًا، أن أدخُل معك في حصنِك، حتى يُصِيبنى ما أصابك.

فنقَض كعبُ بنُ أسدٍ عهدَه، وبَرِئَ مما كان عليه فيما بينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ، فلما انتهى إلى رسولِ اللهِ ﷺ الخبرُ وإلى المسلمينِ، بعَث رسولُ اللهِ ﷺ سعدَ بنَ معاذِ النعمانِ بن امرِئِ القيسِ أحدَ بني عبدِ (٦) الأشهلِ، وهو يومَئذٍ سيدُ الأوسِ، وسعدَ بنَ عبادةَ بن [دُلَيْمِ أحدَ] (٧) بني ساعدةَ بن كعبِ بن الخزرجِ، وهو يومَئذٍ سيدُ الخزرجِ، ومعهما عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ أخو بَلْحَارِثِ بن الخزرجِ، وخَوَّاتُ بنُ جُبَيرٍ أخو بني عمرِو بن عوفٍ، فقال: "انطَلِقوا حتى تَنْظُروا: أحقُّ ما بلَغنا عن هؤلاء القومِ أم لا؟

فإن كان حقًّا فالْحَنوا لى لَحْنًا نعْرِفُه (٨)، [ولا تَفُتُّوا في أعضادِ الناسِ] (٩)، وإن كانوا على الوفاءِ فيما بينَنا وبينَهم، فاجْهَرُوا به للناسِ".

فخرجوا حتى أَتَوْهم، فوجَدوهم على أخبثِ ما بلَغهم عنهم، ونالوا من رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: لا عقدَ بينَنا وبينَ محمدٍ ولا عهدَ.

فشاتَمهم سعدُ بن عُبادةَ، وشاتَموه، وكان رجلًا فيه حِدَّةٌ، فقال له سعدُ بنُ معاذٍ: دعْ عنك مُشاتَمتَهم، فما بينَنا وبينَهم أرْبَى (١) من المشاتمةِ.

ثم أقبَل سعدٌ وسعدٌ ومَن معهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضَلٌ والقارةُ.

أي كغدرِ عَضَلٍ والقارةِ بأصحابِ رسولُ اللهِ ﷺ أصحابِ الرَّجِيعِ؛ خُبَيبِ بن عديٍّ وأصحابِه.

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "الله أكبرُ، أَبْشِروا يا معشرَ المسلمين".

وعظُم عندَ ذلك البلاءُ، واشتدَّ الخوفُ، وأتاهم عدوُّهم من فوقِهم ومن أسفلَ منهم حتى ظنَّ المسلمون كلَّ ظنٍّ، ونجَم النِّفاقُ (٢) من بعضِ المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ بنُ قُشَيرٍ أخو بني عمرِو بن عوف: كان محمدٌ يَعِدُنا أن نَأْكُلَ كنوزَ كِسرى وقيصرَ، وأَحدُنا لا يَقْدِرُ أَن يَذْهَبَ إلى الغائطِ!

وحتى قال أوسُ بنُ قَيْظيٍّ، أحدُ بني حارثةَ بن الحارثِ: يا رسولَ اللهِ، إن بيوتَنا لَعَوْرَةٌ من العدوِّ - وذلك عن ملأِ من رجالِ قومِه - فَأْذَنْ لنا فلنَرْجِعْ إلى دارِنا، وإنها خارجةٌ من المدينةِ.

فأقام رسولُ اللهِ ﷺ بِضْعًا وعشرين ليلةً قريبًا من شهرٍ، ولم يَكُنْ بينَ القومِ حربٌ إلا الرمىُ بالنبلِ والحصارِ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رومَانَ قولَه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: فالذين جاءوهم من فوقِهم: قُرَيظةُ، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قريشٌ وغَطَفانُ (٤).

وقولُه: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾.

يقولُ: وحينَ عدَلت الأبصارُ عن مَقَرِّها، وشخَصت طامحةً.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: شخَصت.

وقولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾.

يقولُ: نَبَتِ (١) [القلوب عن أماكنِها من الرُّعبِ والخوفِ، فبلَغت إلى الحناجرِ] (٢).

كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو، عن حمادٍ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن عكرِمةَ: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾.

قال: من الفَزَعَ (٣).

وقولُه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.

يقولُ: وتَظُنُّون باللهِ الظنونَ الكاذبةَ، وذلك كظنِّ مَن ظنَّ منهم أن رسولَ اللهِ ﷺ، وأَنَّ ما وعَده اللهُ مِن النصرِ أن لا (٤) يكونَ، ونحوَ ذلك مِن ظنونِهم الكاذبةِ التي ظنّها مَن ظَنَّ ممَّن كان مع رسولِ اللهِ ﷺ في عسكرِه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.

قال: ظنونًا مختلفةً: ظنَّ المنافقون أن محمدًا وأصحابَه سَيُستأْصَلون، وأَيْقَن المؤمنون أن ما وعَدهم اللهُ حقٌّ؛ أنه سيُظْهِرُه على الدينِ كلِّه ولو كرِه المشركون (١).

واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.

فقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿الظُّنُونَا﴾ بإثباتِ الألفِ، وكذلك: ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ و (٢): ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦، ٦٧].

في الوصلِ والوقفِ (٣).

وكان اعتلالُ المعتلِّ في ذلك لهم، أن ذلك في كلِّ مصاحفِ المسلمين بإثباتِ الألف في هذه الأحرفِ كلِّها.

وكان بعضُ قرَأَةِ الكوفةِ يُثْبِتُ الألفَ فيهنَّ في الوقفِ ويَحْذِفُهن في الوصلِ (٤)؛ اعتلالًا بأن العربَ تفعلُ ذلك في قوافي الشعرِ ومصاريعِها، فتُلحقُ الألفَ في موضِع الفتحِ للوقوفِ، ولا تفعلُ ذلك في حشوِ الأبياتِ، وإن هذه الأحرفَ حسُن فيها إثباتُ الألفاتِ؛ لأنهن رءوسُ الآيِ، تمثيلًا لها بالقوافي.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ والكوفةِ بحذفِ الألفِ من جميعِه في الوقفِ والوصلِ (٥)؛ اعتلالًا بأن ذلك غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ إلا في قوَافى الشعرِ دونَ غيرِها من كلامِهم، وأنها إنما تَفْعَلُ ذلك في القوافى؛ طلبًا لإتمامِ وزنِ الشعرِ، إذ لو لم تَفْعَلْ ذلك فيها لم يَصِحَّ الشعرُ، وليس ذلك كذلك في القرآنِ؛ لأنه لا شيءَ يَضْطَرُّهم إلى ذلك في القرآنِ، وقالوا: هنَّ، مع ذلك، في مصحفِ عبدِ اللهِ بغير ألفٍ.

وأَوْلى القرَاءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ: قراءةُ من قرَأه بحذفِ الألفِ في الوصلِ والوقفِ (١)؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ، مع شهرةِ القراءةِ بذلك في قرأةِ المِصْرَين: الكوفةِ والبصرةِ.

ثم القراءةُ بإثباتِ الألفِ فيهنَّ في حالِ الوقفِ والوصلِ؛ لأن علةَ مَن أثبَت ذلك في حالِ الوقفِ، أنه كذلك في خطوطِ مصاحفِ المسلمين.

وإذا كانت العلةُ في إثباتِ ذلك (٢) في بعضِ الأحوالِ كونَه مثبَتًا في مصاحفِ المسلمين، فالواجبُ أن تكونَ القراءةُ في كلِّ الأحوالِ ثابتةً؛ لأنه مُثبَتٌ في مصاحفِهم، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ العلةُ التي تُوجِبُ قراءةَ ذلك على وجهٍ من الوجوهِ في بعض الأحوالِ موجودةً في حالٍ أخرى، والقراءةُ مختلفةٌ.

وليس ذلك لقوافي الشعرِ بنظيرٍ؛ لأن قوافيَ الشعرِ إنما تُلْحَقُ فيها الأَلِفاتُ في مواضعِ الفتحِ، والياءُ في مواضعِ الكسرِ، والواوُ في مواضعِ الضمِّ - طلبًا لتتِمَّةِ الوزنِ، وأن ذلك لو لم يُفْعَلْ كذلك، بطَل أن يكونَ شعرًا؛ لاستحالتِه عن وزنِه، ولا شيءَ يَضْطَرُّ تالىَ القرآنِ إلى فعلِ ذلك في القرآنِ.

وقولُه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

يقولُ: عندَ ذلك اختُبِر إيمانُ المؤمنين، ومُحِّص القومُ، و (٣) عُرِف المؤمنُ مِن المنافقِ.

وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

قال: مُحِّصوا (٤).

وقولُه: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.

يقولُ: وحُرِّكوا بالفتنةِ تحريكًا شديدًا، وابتُلُوا وفُتِنوا.

وقولُه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

شكٌّ في الإيمانِ، وضعفٌ في اعتقادِهم إياه: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وذلك فيما ذُكِر قولُ مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لقولِ (١) مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ، إذ قال ما قال يومَ الخندقِ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

قال: تَكلُّمُهم بالنفاقِ يومئذٍ، وتكَلَّم المؤمنون بالحقِّ والإيمانِ.

قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

قال: قال ذلك أُناسٌ مَن المنافقين: قد كان محمدٌ يَعِدُنا فتْحَ فارسَ والرومِ، وقد حُصِرْنا ههنا، حتى ما يَسْتَطِيعَ أحدُنا أن يَبْرُزَ لحاجتِه، ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه إلا غُرورًا (١).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: قال رجلٌ يومَ الأحزابِ لرجلٍ من صَحابةِ النبيِّ ﷺ: يا فلانُ (٢)، أرأَيْتَ إذ يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: "إذا هلَك قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَه، وإذا هلَك كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَه، والذي نفسي بيدِه لَتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيلِ اللهِ".

فأينَ هذا مِن هذا، وأحدُنا لا يَسْتَطيعُ أن يَخْرُجَ يَبُولُ (٣) مِن الخوفِ؟!

﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

فقال له: كَذَبْتَ، لأُخبرَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خبرك.

قال: فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ فأخبرَه، فدعاه فقال: "ما قلتَ؟

" فقال: كذَب عليَّ يا رسولَ اللَّهِ، ما قلتُ شيئًا، ما خرَج هذا مِن فِي (٤) قطُّ.

قال اللهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤].

قال: فهذا قولُ اللهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦].

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدِ بن عَثْمةَ، قال: ثنا كثيرُ بنُ عبدِ اللهِ بن عمرِو بن عوفٍ المُزَنيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، قال: خطَّ رسولُ اللهِ ﷺ الخندقَ عامَ ذُكِرَت الأحزابُ، مِن أُجُمِ الشَّيْخَيْن (٥)، طرفَ بني حارثةَ، حتى بلَغ المَذَادَ (١)، ثم جعَل (٢) أربعين ذراعًا بينَ كلِّ عشَرةٍ، فاحْتقَّ (٣) المهاجرون والأنصارُ في سَلْمانَ الفارسيِّ - وكان رجلًا قويًّا - فقال الأنصارُ: سلمانُ منا.

وقال المهاجرون: [سلمانُ منا.

فقال النبيُّ ﷺ] (٤): "سلمانُ منا أهلَ البيتِ".

قال عمرُو بنُ عوفٍ: فكنتُ أنا وسلمانُ وحذيفةُ بنُ اليمانِ والنعمانُ بنُ مُقَرِّنٍ المُزَنيُّ، وستةٌ مِن الأنصارِ، في أربعين ذراعًا، فحفَرْنا تحتَ ذُبابٍ (٥) حتى بلَغْنا النَّدَى (٦)، أَخْرَجَ اللهُ مِن بطنِ الخندقِ صخرةً بيضاءَ مَرْوةً، فكسَرت حديدَنا، وشقَّت علينا، فقُلْنا: يا سلمانُ، ارْقَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخْبِرْه خبرَ هذهِ الصخرةِ، فإما أن نَعْدِلَ عنها، فإِنَّ المَعْدِلَ قريبٌ، وإما أن يَأْمُرَنا فيها بأمرِه، فإنا لا نُحِبُّ أن نُجاوِزَ خَطَّه.

فَرَقِيَ سلمانُ حتى أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ وهو ضاربٌ عليه قبَّةً تُرْكيَّةً، فقال: يا رسولَ اللهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، خرَجَتْ صخرةٌ بيضاءُ مِن بطنِ الخندقِ مَرْوةٌ، فكسَرت حديدَنا (٧)، وشقَّت علينا، حتى ما يَحِيكُ (٨) منها قليلٌ ولا كثيرٌ، فمُرْنا فيها بأمرِك، فإنا لا نُحِبُّ [أَن نُجاوِزَ] (٩) خطَّك.

فهبَط رسولُ اللهِ ﷺ مع سلمانَ في الخندقِ، ورقِينا نحن التسعةَ على شَفَةِ الخندقِ، فأَخَذ رسولُ اللهِ ﷺ المِعْوَلَ من سلمانَ، فضرَب الصخرةَ ضربةً صدَعَها، وبرَقَت منها بَرْقةٌ أضاءَت ما بينَ لَابَتَيْها - يعنى لابَتَى المدينةِ - حتى لكأنَّ مِصباحًا في جوفَ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكبَّر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللهِ ﷺ الثانيةَ فصدَعها، فكسَرَها، وبرَقَت منها بَرْقَةٌ أضاءَت ما بين لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا في جوفِ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكبَّر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللهِ ﷺ الثالثةَ، فكسَرَها، وبَرَق منها بَرْقَةٌ أضاءَ ما بينَ لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا في جوفِ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، ثم أخَذ بيد سلمانَ، فَرَقِيَ، فقال سلمانُ: بأبي أنت وأمى يا رسولَ اللهِ، لقد رأَيْتُ شيئًا ما رأيْتُه قطُّ.

فالْتَفَت رسولُ اللهِ ﷺ إلى القومِ فقال: "هل رأيْتُم ما يقولُ سلمانُ؟

" قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، قد رأَيْناك تَضْرِبُ فيَخْرُجُ بَرْقٌ كالموجِ، فرأَيْناك تُكَبِّرُ فَنُكَبِّرُ، ولا نَرَى شيئًا غير ذلك.

قال: "صدَقْتُم ضَرَبْتُ ضربتيَ الأولى، فبرَق الذي رأيتُم، [أضاءتْ لى منها] (١) قُصورُ الحيِرةِ ومدائنُ كِسْرَى، كأنها أنيابُ الكلابِ، فأخبرني جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، ثم ضرَبْتُ ضربتىَ الثانيةَ، فبرَق الذي رأيتُم، [أضاءتْ لي منها] (١) قُصورُ الحُمْرِ مِن أرضِ الرومِ، كأنها أنيابُ الكلابِ، وأَخْبَرنى جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، ثم ضرَبْتُ ضربتيَ الثالثةَ، فبرَق منها الذي رأيتُم، أضاءتْ لى منها قصورُ صَنْعَاءَ، كأنها أنيابُ الكلابِ، وأخْبَرنى جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، فأبْشِروا يَبْلُغُهم النصرُ، وأبشِروا يَبْلُغُهم النصرُ، وأَبْشِرُوا يَبْلُغُهم النصرُ".

فاسْتَبْشَر المسلمون، وقالوا: الحمدُ للهِ، موعودُ صِدقٍ، بأن وُعِدْنا النصرَ بعدَ الحَصْر، فطَلَعَتِ (١) الأحزابُ، فقال المسلمون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢].

الآيةَ، وقال المنافقون: ألا تَعْجَبون!

يُحَدِّثُكم ويُمَنِّيكم ويَعِدُكم الباطلَ، يُخْبِرُكم أنه يُبْصِرُ مِن يثربَ قصورَ الحِيرةِ، ومدائنَ كِسْرَى، وأنها تُفْتَحُ لكم، وأنتم تَحْفِرون الخندقَ مِن الفَرَقِ، ولا تَسْتَطِيعون أن تَبْرُزوا؟!

وأُنْزِل القرآنُ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾.

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾.

وإذ قال بعضُهم: يا أهلَ يثربَ.

ويثربُ اسم أرضٍ، فيقالُ: إن مدينةَ رسولِ اللهِ ﷺ في ناحيةٍ مِن يثربَ.

وقوله: (لَا مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، بفتحِ الميمِ من "مقام".

يقولُ: لا مكانَ لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعرُ (٣): فأَيِّى ما وأَيُّك كان شرًا … فَقِيدَ إلى المقامةِ لا يَرَاها قولُه: ﴿فَارْجِعُوا﴾.

يقولُ: فارْجِعوا إلى منازِلِكم.

أمرَهم بالهربِ من عسكرِ رسولِ اللهِ ﷺ، والفرارِ منه، وتركِ رسولِ اللهِ ﷺ.

وقيل: إن ذلك مِن قِيلِ أوسِ بن قَيْظِيٍّ ومَن وافَقَه على رأيِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إلى قولِه: ﴿فِرَارًا﴾.

يقولُ: أَوسُ بنُ قَيْظِيٍّ ومَن كان على ذلك مِن رأيِه مِن قومِه (١).

والقرأةُ على فتحِ الميمِ مِن قولِه: (لا مَقامَ لكم).

بمعنى: لا موضعَ قيامٍ لكم، وهي القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها.

وذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾.

بضمِّ الميمِ (٢)، يعنى: لا إقامةَ لكم.

وقولُه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَأْذِنُ بعضُهم رسولَ اللهِ ﷺ في الإذنِ بالانصرافِ عنه إلى منزله، ولكنه يُرِيدُ الفِرارَ والهربَ مِن عسكرِ رسولِ اللهِ ﷺ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾.

قال: هم بنو حارثةَ، قالوا: بيوتُنا مُخْلِيَةٌ (١)، نَخْشَى عليها السَّرَقَ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.

قال: نَخْشَى عليها السَّرَقَ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾: وإنها مما يَلِى العدُوَّ، وإنا نَخافُ عليها السُّرَّاقَ، فيَبعث النبيُّ ﷺ، فلا يَجدُ بها عدُوًّا.

قال اللهُ: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.

يقولُ: إنما كان قولُهم ذلك: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.

إنما كانوا يُرِيدون بذلك الفرارَ (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ (٥) اللهِ بنُ حُمْرانَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ شَدَّادٍ أبو طالوتَ، عن أبيه، في هذه الآية: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.

قال: ضائعةٌ.

وقولُه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾.

يقولُ: ولو دُخِلَت المدينةُ على هؤلاء القائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.

﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، يعنى: مِن جَوانِبِها ونَواحيها، واحدُها قُطْرٌ، وفيها لغةٌ أخرى: قُتْرٌ، وأَقْتارٌ، ومنه قولُ الراجزِ: إن شئتَ أن تُدْهِنَ أو تَمُرَّا … فوَلِّهن قُتْرَكَ الأشَرَّا وقولُه: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾.

يقولُ: ثم سُئِلوا الرجوعَ من الإيمانِ إلى الشركِ، ﴿لَآتَوْهَا﴾.

يقولُ: لَفعَلوا ورجَعوا عن الإسلامِ، وأشرَكوا.

وقولُه: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.

يقولُ: وما احْتَبَسوا عن إجابتِهم إلى الشركِ.

﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قليلًا، وَلأَسْرَعوا إلى ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾.

أي: لو دُخل عليهم مِن نواحي المدينةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾.

أي: الشركِ، ﴿لَآتَوْهَا﴾.

يقولُ: لأَعْطَوْهُ (١)، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.

يقولُ: إلا أعْطَوْه طيِّبة به أنفسُهم، ما يَحْتَبِسونه (٢).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾.

قال: لو دُخِلَت المدينةُ عليهم مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾: سُئِلوا أن يكْفُروا لكفَروا، قال: وهؤلاء المنافقون لو دخَلَت عليهم الجيوشُ، والذين يُريدون قتالَهم، ثم سُئِلوا أن يَكْفُرُوا لكَفَروا.

قال: والفتنةُ، الكفرُ.

قال: وهى التي يقولُ اللَّهُ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١].

أي: الكفرُ.

يقولُ: يَحْمِلُهم الخوفُ منهم، وخُبْثُ الفتنةِ التي هم عليها من النفاقِ، على أن يَكْفُروا به (١).

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَآتَوْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ، وبعضُ قرأةِ مكةَ: (لأتَوها) بقصرِ الألفِ، بمعنى جاءوها، وقرَأه بعضُ المكيين، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿لَآتَوْهَا﴾ بمدِّ الألفِ (٢)، بمعنى: لأَعْطَوْها؛ لقولِه: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾.

وقالوا: إذا كان سؤالٌ كان إعطاءٌ، والمدُّ أعجبُ القراءتين إليَّ؛ لما ذكَرْتُ، وإن كانت الأخرى جائزةً.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كان هؤلاء الذين يَسْتَأْذِنون رسولَ اللهِ ﷺ في الانصرافِ عنه، ويقولون: إن بيوتَنا عورةٌ.

عاهَدوا الله مِن قبلِ ذلك، أن لا يُوَلُّوا عدوَّهم الأدبارَ، إن لَقُوهم في مشهدٍ لرسولِ اللهِ ﷺ معهم، فما أَوْفَوْا بعهدِهم، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.

يقولُ: فيَسْأَلُ اللهُ ذلك مَن أعطاه إياه مِن نفسِه.

وذُكِر أن ذلك نزَل في بنى حارثةَ؛ لِما كان مِن فعلِهم في الخندقِ، بعدَ الذي كان منهم بأُحدٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: وهم بنو حارثةَ، وهم الذين همُّوا أن يَفْشَلُوا يومَ أحدٍ مع بني سَلِمةَ، حينَ همَّا بالفشلِ يومَ أحدٍ، ثم عاهَدوا الله لا يعودوا لمثلِها، فذكَر اللهُ لهم الذي أَعْطَوْه من أنفسهم (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.

قال: كان ناسٌ غابوا عن وقعةِ بدرٍ، ورأَوْا ما أعْطَى اللهُ أصحابَ بدرٍ من الكرامةِ والفَضيلةِ، فقالوا: لئن أَشْهَدَنا اللهُ قتالًا لَنُقاتِلَنَّ.

فَساق اللهُ ذلك إليهم، حتى كان في ناحيةِ المدينة (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ له يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأْذِنونك في الانصرافِ عنك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.

﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾.

يقولُ: لأن ذلك أو ما كتَب اللهُ منهما، واصلٌ إليكم بكلِّ حالٍ، كَرِهْتُم أو أحْبَبْتُم.

﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: وإذا فرَرْتُم مِن الموتِ أو القتلِ لم يَزِدْ فرارُكم ذلك في أعمارِكم وآجالِكم، بل إنما تُمَتَّعون في هذه الدنيا إلى الوقتِ الذي كُتِب لكم، ثم يَأتِيكم ما كُتِب لكم وعليكم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وإنما الدنيا كلُّها قليلٌ (١).

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ربيعِ بن خُثَيم: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: إلى آجالِهم (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ربيعِ بن خُثَيمٍ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: ما بينَهم وبينَ الأجلِ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزيِنٍ، عن الربيعِ بن خُثَيم مثلَه، إلا أنه قال: ما بينَهم وبينَ آجالِهم.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزيِنٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢].

قال: ليَضْحَكوا في الدنيا قليلًا، وليَبْكوا في النارِ كثيرًا.

وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: إلى آجالِهم.

أحدُ هذين الحديثين رفَعه إلى ربيعِ ابن خُثَيْمٍ (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن أبي رَزيِنٍ، عن الربيعِ بن خُثيمٍ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

قال: الأجلُ (٢).

ورُفِع قولُه: ﴿تُمَتَّعُونَ﴾.

ولم يُنْصَبْ بـ"إذا"، للواوِ التي معها، وذلك أنه إذا كان قبلَها واوٌ، كان معنى "إذًا" التأخيرَ بعدَ الفعلِ، كأنه قيل: ولو فرُّوا لا يُمَتَّعون إلا قليلًا إذًا، وقد يُنْصَبُ بها أحيانًا، وإن كان معها واوٌ؛ لأن الفعلَ متروكٌ، فكأنها لأولِ الكلامِ.

وقولُه: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأذِنونك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.

هربًا مِن القتلِ: مَن ذا الذي يَمْنَعُكم مِن اللهِ إن هو أراد بكم سُوءًا في أنفسِكم؛ مِن قتلٍ أو بَلاءٍ أو غيرِ ذلك، أو عافيةٍ وسلامةٍ؟

وهل ما يكونُ بكم في أنفسِكم مِن سُوءٍ أو رحمةٍ، إلا مِن قِبَلِه؟!

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾.

أي: أنه ليس الأمرُ إلا ما قضيْتُ (٣).

وقولُه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجدُ هؤلاء المنافقون إن أراد اللهُ بهم سوءًا في أنفسِهم وأموالِهم، مِن دونِ اللهِ وليًّا يَلِيهم بالكفايةِ، ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن اللهِ، فيَدْفَعُ عنهم ما أراد اللهُ بهم مِن سُوءٍ في ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قد يعلمُ اللهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ منكم عن رسولِ اللهِ ﷺ، فيَصُدُّونهم عنه، وعن شُهُودِ الحربِ معه؛ نِفاقًا منهم وتَخْذيلًا عن الإسلامِ وأهلِه، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾.

[أي: تعالوا إلينا] (١)، ودَعُوا محمدًا، فلا تَشْهَدوا معه مَشْهَدَه، فإنا نخافُ عليكم الهلاك بهَلَاكِه، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: ولا يَشْهَدون الحربَ والقتالَ، إن شهِدوا، إلا تَعْذيرًا ودَفْعًا عن أنفسِهم المؤمنين.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾.

قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين كانوا يقولون لإخوانِهم: ما محمدٌ وأصحابُه إلا أكَلةُ رأْسٍ، ولو كانوا لحمًا لالْتَهَمهم أبو سفيانَ وأصحابُه، دَعُوا هذا الرجلَ فإنه هالكٌ (٢).

وقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

أي: لا يشهَدون القتالَ، يَغِيبون عنه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾.

أي: أهلَ النفاقِ، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

أي: إلا دَفْعًا وتَعْذيرًا (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذا يومُ الأحزابِ، انصرَف رجلٌ مِن عندِ رسولِ اللهِ ﷺ، فوجَد أخاه، بينَ يدَيه شِواءٌ ورغيفٌ ونَبِيذٌ، فقال له: أنت ههنا في الشِّواءِ والرغيفِ والنَّبيذِ، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ الرِّماحِ والسيوفِ؟

فقال: هَلُمَّ إلى هذا، فقد بلَغ (٢) بك وبصاحبِك، والذي يُحْلَفُ به لا يستقبلُها (٣) محمدٌ أبدًا.

فقال: كذبتَ والذي يُحْلَفُ به.

قال - وكان أخاه مِن أبيه وأمِّه -: أمَا واللهِ لأُخْبِرن النبي ﷺ أمرَك.

قال: وذهَب إلى رسولِ اللهِ ﷺ ليخبرَه، قال: فوجَده قد نزَل جبرائيلُ، ﵇، بخبرِه (٤): ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥).

وقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.

اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المنافقين في هذا الموضعِ مِن الشُّحِّ؛ فقال بعضُهم: وصَفهم بالشُّحِّ عليهم في الغنيمِة.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: في الغنيمةِ (١).

وقال آخرون: بل وصَفهم بالشُّحِّ عليهم بالخيرِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنى عيسى، وحدثني الحارثُ] (٢)، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.

قال: بالخيرِ، المنافقون.

وقال غيرُه: معناه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالنفقةِ على ضُعفاءِ المؤمنين منكم (٣).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء المنافقين بالجُبْنِ والشُّحِّ، [ولم يَخْصُصُ] (٢) وصفَهم مِن معاني الشُّحِّ بمعنًى دونَ معنًى، فهم كما وصَفهم الله به أشحَّةً على المؤمنين بالغنيمةِ والخيرِ والنفقةِ في سبيلِ اللهِ، على أهل مَسْكنةِ المسلمين.

ونُصب قولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.

على الحالِ، مِن ذكرِ الاسمِ الذي في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾.

كأنه قيل: هم جُبَناءُ عندَ البأسِ، أشِحاءُ عندَ قَسْمِ الغنيمةِ بالغنيمةِ.

وقد يحتملُ أن يكونَ قَطْعًا مِن قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾.

فيكونَ تأويلُه: قد يعلمُ اللَّهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ عن القتالِ، ويَشِحُّون عندَ الفتحِ بالغنيمةِ.

ويجوزُ أن يكونَ أيضًا قَطْعًا من قولِه: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ﴿أَشِحَّةً﴾، وهم هكذا أشحةً.

ووصَفهم جلَّ ثناؤُه بما وصَفهم مِن الشُّحِّ على المؤمنين؛ لِما في أنفسِهم لهم من العدَاوةِ والضِّغْن (١).

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.

أي: للضِّغْنِ (٢) الذي في أنفسِهم (٣).

وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: فإذا حضَر البأسُ (٤)، وجاء القتالُ، خافوا الهلاكَ والقَتْلَ، ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ يا محمدُ، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لِوَاذًا بك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ خوفًا مِن القتلِ، وفِرارًا منه، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.

يقولُ: كَدَوَرَانِ عينِ الذي يُغْشَى عليه مِن الموتِ النازلِ به، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾.

يقولُ: فإذا انقطعَت الحربُ واطْمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: مِن الخوفِ (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.

أي: إعْظامًا وفَرَقًا منه (٣).

وأما قولُه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد﴾.

فإنه يقولُ: عَضُّوكم بألسنةٍ ذَرِبةٍ، ويقالُ للرجلِ الخطيبِ الذَّرِبِ اللسانِ: خطيبٌ مِسْلَقٌ ومِصْلَقٌ، وخطيبٌ سَلَّاقٌ وصَلَّاقٌ.

وقد اختَلف أهل التأويلِ في المعنى الذي وصَف تعالى ذكرُه هؤلاء المنافقين أنهم يَسْلُقون المؤمنين به؛ فقال بعضُهم: ذلك سَلْقُهم إياهم عندَ الغنيمةِ، بمسألتِهم القَسْمَ لهم.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: أَمَّا عندَ الغنيمةِ فأشَحُّ قومٍ، وأَسْوأُ مُقاسَمةٍ: أعطُونا أعطُونا، فإنا قد شهِدنا معكم.

وأما عندَ البأسِ فأجبنُ قومٍ، وأخذلُه للحق (١).

وقال آخرون: بل ذلك سَلْقُهم إيَّاهم بالأذَى.

ذِكرُ ذلك عن ابن عباسٍ حدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.

يقولُ: اسْتَقْبَلوكم (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.

قال: كَلَّمُوكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يَسْلُقونهم مِن القولِ بما تُحِبُّون؛ نِفاقًا منهم.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: في القول بما تُحِبُّون؛ لأنهم لا يَرْجُون آخرةً، ولا تَحْمِلُهم حِسْبةٌ (١)، فهم يَهابون الموتَ هيبةَ مَن لا يَرْجُو ما بعدَه (٢).

وأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.

فأخبَر أن سَلْقَهم المسلمين شُحًّا منهم على الغنيمةِ والخيرِ، فمعلومٌ إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلبِ الغنيمةِ.

وإذا كان ذلك منهم لطلبِ الغنيمةِ، دخَل في ذلك قولُ مَن قال: ذلك: سَلَقُوكم بالأذى؛ لأن فعلَهم ذلك كذلك، لا شكَّ أنه للمؤمنين أذًى.

وقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.

يقولُ: أَشحَّةً على الغنيمةِ إذا ظَفَر المؤمنون.

وقوله: ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين وصَفتُ لك صفتَهم في هذه الآياتِ، لم يُصدِّقوا الله ورسولَه، ولكنهم أهلُ كفرٍ ونفاقٍ، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾.

يقولُ: فأذهَب اللهُ أُجُورَ أعمالِهم وأبطلَها.

وذُكر أن الذي وُصِف بهذه الصفةِ كان بَدْرِيًّا، فأحبَط اللهُ عملَه.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

قال: فحدَّثنى أبي أنه كان بَدْرِيًّا، وأن قولَه: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أحبَط اللهُ عملَه يومَ بدرٍ.

وقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكان إحباطُ عملِهم الذي كانوا عمِلوا قبل ارْتدادِهم ونفاقِهم، على اللهِ يسيرًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يحسبُ هؤلاء المنافقون الأحزابَ؛ وهم قريشُ وغَطَفَانُ.

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾: قريشٌ وغَطَفانُ (١).

وقولُه: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾.

يقولُ: لم ينصرِفوا، وإن كانوا قد انصرَفوا جُبْنًا وهَلَعًا منهم.

بنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾.

[قال: يحسَبونهم قريبًا (٢).

وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَحْسَبُون الأَحْزَابَ قَدْ] (٣) ذَهَبُوا، فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا، وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الأَعْرَابِ) (١).

وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرهُ: وإن يأتِ المؤمنين الأحزابُ وهم الجماعةُ: واحدُهم حِزْبٌ.

﴿يَوَدُّوا﴾.

يقولُ: يَتَمَنَّوا مِن الخوفِ والجُبْنِ أنهم غُيَّبٌ عنكم في الباديةِ مع الأعرابِ؛ خوفًا مِن القتلِ، وذلك قولُه: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾.

تقولُ: قد بَدا فلانٌ.

إذا صار في البدوِ، فهو يَبْدُو، وهو بادٍ.

وأما الأعرابُ: فإنهم جمعُ أعرابيٍّ (٢)، وواحدُ العربِ عربيٌّ، وإنما قيل: أَعرابيٌّ.

لأهلِ البدوِ؛ فَرْقًا بينَ أهل البَوادى والأمصارِ، فجعَل الأعرابَ لأهل الباديةِ، والعربَ لأهلِ المِصْرِ.

وقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾.

يقولُ: يَسْتَخْبِرُ هؤلاء المُنافقون، أيُّها المؤمنون، الناسَ عن أنْبائِكم.

يعنى: عن أخبارِكم بالباديةِ: [هل هلَك محمدٌ وأصحابُه؟

يقولُ: يَتَمَنَّون أن يسمَعوا أخبارَكم] (٣) بِهَلاكِكم، أن لا يشهدوا معكم مَشاهِدَكم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ [مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: ولو] (٣) كانوا أيضًا فَيكُم ما نفَعوكم، و ﴿مَا قَاتَلُوا﴾ المشركين ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول: إلا تَعْذيرًا؛ لأنهم لا يُقاتِلونهم حِسْبَةً (٤)، ولا رجاءَ ثوابٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ قال: أخبارِكم (١).

وقَرأت قرأةُ الأمصارِ جميعًا سِوى عاصمٍ الجَحْدَرى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾.

بمعنى: يَسْألون مَن قَدِم عليهم مِن الناسِ، عن أنباءِ عَسْكرِكم وأخْبارِكم.

وذُكر عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ أنه كان يقرَأُ ذلك: (يَسَّاءَلُونَ) بتَشْدِيدِ "السين"، بمعنى: يَتْساءلون: أي يسألُ بعضُهم بعضًا عن ذلك (٢).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾.

اختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أُسْوَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (إِسْوَةٌ) بكسرِ "الألف (٣) "، خَلا عاصمَ بنَ أبي النَّجودِ؛ فإنه قرَأه بالضَّمِّ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ (٤).

وكان يحيى بنُ وَثَّابٍ يقرأُ هذه بالكسرِ، ويقرأُ قولَه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ﴾.

[الممتحنة: ٦] بالضمِّ، وهما لغتان، وذُكِر أن الكسرَ في أهلِ الحجازِ، والضَّمَّ في قَيْسٍ، يقولون: "أُسْوَةٌ".

و "أُخْوةٌ".

وهذا عِتابٌ مِنَ اللهِ تعالى للمتخلِّفين عن رسولِ اللهِ ﷺ وعَسكْرِه بالمدينةِ مِن المؤمنين به.

يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أن تَتأسَّوْا به، وتكونوا معه حيثُ كان، ولا تَتَخَلَّفوا عنه - ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾.

يقولُ: فإِن مَن يَرْجُو ثوابَ اللهِ ورحمتَه في الآخرةِ، لا يرغَبُ بنفسه، ولكنه تكونُ له به أُسوةٌ في أن يكونَ معه حيثُ يكونُ هو.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: ثم أقبَل على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ألَّا يرغَبوا بأنفسِهم عن نفسِه، ولا عن مكانٍ هو به، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

يقولُ: وأكثرَ ذكرَ اللهِ في الخوفِ والشدَّةِ والرخاءِ.

وقولُه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾.

يقولُ: ولمَّا عايَن المؤمنون باللهِ ورسولِه جماعاتِ الكفارِ، قالوا تَسْليمًا منهم لأمرِ اللهِ، وإيقانًا منهم بأن ذلك إنجازُ وعدِه لهم، الذي وَعَدهم بقولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فأحسَن اللهُ عليهم بذلك مِن يقينِهم، وتَسْليمِهم لأمرِه، الثناءَ، فقال: وما زادَهم اجتماعُ الأحزابِ عليهم إلا إيمانًا باللهِ، وتَسْلِيمًا لقَضائِه وأمرِه، ورزَقهم به النصرَ، والظَّفَرَ على الأعداءِ.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾.

الآية، قال: ذلك أن الله قال لهم في "سورة البقرة": ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.

إلى قولِه: ﴿إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

قال: فلما مَسَّهم البَلاءُ حيث رابَطوا الأحزابَ في الخندقِ، تأوَّل المؤمنون ذلك، ولم يَزِدْهم ذلك إلا إيمانًا وتَسْليمًا (١).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: ثم ذكَر المؤمنين وصِدقَهم وتَصْديقَهم بما وعَدهم اللهُ مِن البَلاءِ، يختبرُهم به، ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: [أي صَبْرًا على البَلاءِ، وتسليمًا] (٢) للقضاءِ، وتَصْديقًا بتَحْقيقِ ما كان اللهُ وعَدهم ورسولُه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وكان اللهُ قد وعَدهم في "سورة البقرة" فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤].

[خيرُهم وأصبرُهم وأعلمُهم بالله] (٤): ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

هذا واللهِ البلاءُ والنقصُ الشديدُ، وإن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ لمَّا رَأَوا ما أصابَهم مِن الشدَّةِ والبَلاءِ قالُوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتَصْدِيقًا بما وعَدهم اللهُ، وتَسْلِيمًا لقضاءِ اللَّهِ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) [لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] (٢) (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ ورسولِه، ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.

يقولُ: أوفَوا بما عاهَدوه عليه؛ من الصَّبرِ على البأساءِ والضَّراءِ وحينَ البأسِ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

يقولُ: فمنهم مَن فرَغ من العملِ الذي كان نذَره للهِ، وأوجَبه له على نفسِه، فاسْتُشْهِد بعضٌ يومَ بدرٍ، وبعضٌ يومَ أحدٍ، وبعضٌ في غيرِ ذلك مِن المواطنِ.

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاءَهن والفراغَ منه، كما قضَى مَن مضَى منهم على الوفاءِ للهِ بعهدِه، والنصْرِ من اللهِ، والظَّفَرِ على عدوِّه.

والنَّحْبُ: النذْرُ في كلامِ العربِ، وللنَّحْبِ أيضًا في كلامِهم وجوهٌ غيرُ ذلك؛ منها الموتُ، كما قال الشاعرُ (٣): *قَضَى نَحْبَه فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ (٤) * يعنى: مَنِيَّتَه ونفسَه.

ومنها الخَطَرُ العظيمُ، كما قال جريرٌ (١): بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا … عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ (٢) أي على خَطَرٍ عظيمٍ.

ومنها النَّحِيبُ، يقالُ: نحَب في سيرِه يومَه أجمعَ.

[إِذا مَدَّ، فلم يَنزِلْ يومَه] (٣) وليلَتَه، ومنها التنحيبُ، وهو الخطار، كما قال الشاعر (٤): وإِذْ نَحْبَتْ كَلْبٌ على الناسِ أَيُّهُمْ … أحَقُّ بِتَاجِ المَاجِدِ المُتكرِّمِ (٥) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومان: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أي وفَّوا الله بما عاهَدوه عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

أي: فرَغ من عملِه، ورجَع إلى ربِّه، كمَن اسْتُشهِد يومَ بدرٍ ويومَ أُحُدٍ، ومنهم مَن ينتظرُ ما وعَد الله مِن نصرِه، أو الشهادةِ على ما مضَى عليه أصحابُه (٦).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: عهدَه، فقُتِل أو عاشَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ يومًا فيه جهادٌ، فيَقْضى (١) نحبَه؛ عهدَه فيُقْتَلُ أو يَصْدُقُ في لقائِه (٢).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: عهدَه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾.

قال: يومًا فيه قتالٌ، فيصْدُقُ في اللقاءِ.

قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: ماتَ على العهدِ.

قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن عبدِ اللهِ بن فلانٍ، قد سمَّاه ذهَب عنى اسمُه، عن أبيه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: نَذْرَه (٣).

قال: (٤): [حدَّثنا ابن إدريسَ] (٥)، عن طلحةَ بن يحيى، عن عمِّه عيسى بن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى النبيَّ ﷺ، فسأله: مَن الذين قَضَوا نَحْبَهم؟

فأعرَض عنه، ثم سأله، فأعرَض عنه (٦)، ودخَل طلحةُ مِن بابِ المسجدِ وعليه ثوبانِ أخضرانِ، فقال: "هذا مِن الذين قَضَوا نَحْبَهم" (٧).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: موتُه على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على مثلِ ذلك، ومنهم مَن بدَّل تبديلًا (١).

حدَّثني محمدُ بنَ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدَ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾.

قال: النَّحْبُ العهدُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ مِن نفسِه الصدقَ (٢) والوفاءَ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: ماتَ على ما هو عليه مِن التصديقِ والإيمانِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى بُكَيرٍ، قال شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّهِ: أَخبَرناه عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.

قال: الموتُ على ما عاهَد الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على ما عاهَد الله عليه (٤).

وقيل: إن هذه الآية نزلَت في قومٍ لم يشهَدوا بدرًا، فعاهَدوا الله أن يَفُوا قتالًا للمشركين مع رسولِ الله ﷺ، فمنهم مَن أوفَى فقضَى نَحْبَه، ومنهم من بدَّل.

ومنهم مَن أوفَى ولم يَقْضِ نحبَه، وكان منتظرًا، على ما وصَفهم اللهُ به مِن صفاتِهم في هذه الآيةِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن أنسَ بن النضرِ تَغيَّبَ عن قتال بدرٍ، فقال: تغيبتُ أوَّلِ مشهدٍ شَهِده رسولُ اللهِ ﷺ، لئن رأيتُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنعُ.

فلما كان يومُ أُحُدٍ، وهُزِم الناسُ، لقِى سعدَ بنَ معاذٍ، فقال: والله إنى لأجِدُ ريح الجنةِ.

فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل، فنزلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بَكْرٍ (٢)، قال: ثنا حَميدٌ، قال: زعَم أَنسُ بن مالكٍ قال: غابَ أَنسُ بنُ النَّضْرِ عن قتالِ يومِ بدرٍ، فقال: غِبْتُ عن قتالِ رسولِ اللهِ ﷺ المشركين، لَئِنْ أشْهَدنى اللهُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللهُ (٣) ما أصنعُ.

فلما كان يومُ أُحدٍ انكشَف المسلمون، فقال: اللهمَّ إنى أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذرُ إليك مما صنَع هؤلاء - يعنى المسلمين -.

فمشَى بسيفه، فلَقِيه سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: أي سعدُ، إنى لأجِدُ ريح الجنةِ دونَ أُحدٍ.

فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، فما استطعتُ أن أصنعَ ما صنعَ.

قال أنسُ بنُ مالكٍ: فوجَدناه بينَ القَتْلَى، به بِضْعٌ وثمانون جِراحةً؛ بين ضربةٍ بسيفٍ، وطَعْنةٍ برمحٍ، ورَمْيَةٍ بسهمٍ، فما عرفناه حتى عرفتْه أختُه ببَنانه.

قال أنسٌ: فكُنَّا نتحدَّثُ أن هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) نزلَت فيه وفى أصحابه (٢).

حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ حُمَيدًا يحدِّثُ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن أنسَ بنَ النضرِ غابَ عن قتالِ بدرٍ.

ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ يحيى، عن موسى وعيسى ابنى (٣) طلحةَ، عن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ، قال: وكانوا لا يجرُؤون على مسألتِه، فقالوا للأعرابيِّ: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ مَن هو؟

فسألَه، فأعرَض عنه، ثم سأله، ثم سأله، فأعرَض عنه، ثم دخلتُ مِن بابِ المسجدِ وعليَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلما رأني رسولُ اللهِ ﷺ قال: "أينَ السَّائِلُ عَمَّن قَضَى نَحْبَه؟

".

قال الأعرابيُّ: أنا يا رسولَ اللَّهِ.

قال: "هذا مِمَّن قَضَى نَحْبَه" (٤).

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن إسحاقَ بن يحيى الطَّلْحِيِّ، عن موسى بن طلحةَ، قال: قامَ معاويةُ بن أبي سفيانَ، فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "طلحةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَه" (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن تمامٍ الكلبيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، قال: ثنى أبي، عن إسحاقَ بن (١) يحيى بن طلحةَ، عن عمِّه موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ، قال: لمَّا قدِمْنا من أُحدٍ، وصِرْنا بالمدينةِ، صعد النبيُّ ﷺ المنبرَ (٢)، فخطَب الناسَ وعَزَّاهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، ثم قرأ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.

الآيةَ، قال: فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟

فالتفَت وعليَّ ثوبانِ أخضَران، فقال: "أَيُّها السَّائِلُ، هذا منهم" (٣).

وقولُه: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

يقول: [وما غَيَّروا العهدَ الذي عاهَدوا (٤) ربَّهم تَغْييرًا، كما غيَّره المُعوِّقون القائِلون لإخْوانِهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾.

[الأحزاب: ١٨]، والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.

[الأحزاب: ١٣].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (٥) ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

يقولُ: ما شكُّوا وما تَردَّدوا في دينهم، ولا استبدَلوا به غيرَه (٦).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: لم يُغيِّروا دينهم كما غيَّر المنافقون.

وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾ منهم (١) ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾.

يقولُ: ليُثِيبَ اللهُ أهلَ الصدقِ منهم (١) بصِدْقِهم الله بما عاهَدوه عليه، ووفائِهم له به، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ بكفرِهم باللهِ ونفاقِهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مِن نفاقِهم، فيَهْديَهم للإيمانِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: إن شاء أخرجَهم مِن النفاقِ إلى الإيمانِ (٢).

إن قال قائلٌ: ما وَجْهُ الشرطِ في قولِه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، والمنافقُ كافرٌ؟

وهل يجوزُ ألَّا يشاءَ تعذيبَ المنافقِ؛ فيقالَ: ويُعذّبُه إِن شاء؟

قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي تَوَهَّمْتَهُ، وإنما معنى ذلك: ويعذِّبَ المنافقين، بألَّا يوفَّقَهم للتوبةِ مِن نفاقِهم، حتى يَموتوا على كفرِهم إن شاء، فيستوجِبوا بذلك العذابَ.

فالاستثناءُ إنما هو مِن أجلِ التوفيقِ، لا مِن العذابِ إن ماتوا على نفاقهم.

وقد بَيَّن ما قلنا في ذلك قولهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.

[فمعنى الكلامِ إِذنْ ويعذِّبَ المنافقين إذ لم يَهْدِهم للتوبة] (٣)، فيوفِّقْهم لها، أو يتوبَ عليهم فلا يعذِّبَهم.

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

يقولُ: إن الله كان ذا سِتْرٍ على ذنوبِ التائبين، رحيمًا بالتائبِين أن يعاقبَهم بعدَ التوبةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وردَّ اللهُ الذينَ كَفَروا به وبرسولِه مِن قُرَيشٍ وغَطَفانَ، ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾.

يقولُ: بكَرْبِهم وغَمِّهم، بفَوْتِهم ما أمَّلوا مِن الظَّفَرِ، وخَيْبَتِهم مما كانوا طَمِعوا فيه مِن الغَلَبَةِ، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.

يقولُ: لم يُصيبوا مِن المسلمين مالًا ولا إسارًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بجنودِه مِن الملائكةِ، والريح التي بعَثها عليهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: الأحزابَ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.

وذلك يومَ أبي سفيانَ والأحزابِ، ردَّ اللهُ أبا سفيانَ وأصحابَه بغَيْظِهم لم ينَالوا خيرًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالجنودِ مِن عندهِ، والريحِ التي بَعَث عليهم (٢).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.

أي: قريشٌ وغَطَفانُ (١).

حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا شَبابَةُ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِي، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، عن أبيه، قال: حُبِسْنا يومَ الخندقِ عن الصلاةِ، فلم نُصَلِّ الظهرَ ولا العصرَ ولا المغربَ ولا العشاءَ، حتى كان بعدَ العشاءِ بهَويٍّ (٢)، وكُفينا، وأنزَل الله: وأنزَل اللهُ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.

فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ بلالًا، فأقامَ الصلاةَ، وصلَّى الظهرَ، فأحسنَ صلاتَها، كما كان يُصَلِّيها في وقتِها، ثم صَلَّى العصَر كذلك، ثم صلَّى المغربَ كذلك، ثم صلَّى العشاءَ كذلك، جعَل لكلِّ صلاةٍ إقامةً، وذلك قبلَ أن تنزلَ صلاة الخوفِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣) [البقرة: ٢٣٩].

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا ابن أبي فَدِيكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن المَقْبُرِيِّ عن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ، [عن أبي سعيدٍ] (٤) الخُدريِّ، قال: حُبِسْنا يومَ الخندقِ.

فذكَر نحوَه.

وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.

يقولُ: وكان الله قويًّا على فعلِ ما يشاءُ فعلَه بخلقِه، فينصرُ مَن شاء منهم على مَن [يَشَاءُ، ويخذُلُ مِن] (٥) شاء أن يخذُلَه، لا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿عَزِيزًا﴾.

يقولُ: هو شديدٌ انتْقامُه ممن انتقَم منه مِن أعدائِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قويًّا في أمرِه، عزيزًا في نِقْمَتِه (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَل اللهُ الذين أعانوا الأحزابَ مِن قريشٍ وغَطَفانَ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وذلك هو مظاهرتُهم إياهم (٢)، وعُنى بذلك بنو قُرَيظةَ، وهم الذين ظاهَروا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ.

وقولُه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.

يعنى: مِن أهلِ التوراةِ، وكانوا يهودًا.

وقولُه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.

يعنى: مِن حُصُونهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.

قال: قُرَيظةَ، يقولُ: أنزَلهم من صياصِيهم (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: وهم بنو قُرَيظةَ، ظاهَروا أبَا سفيانَ وراسَلوه، فنكَثوا العهدَ الذي بينَهم وبينَ نبيِّ اللهِ، قال: فبينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ يَغْسِلُ رأسه، وقد غسَلت شقَّه، إذ أتاه جبريلُ ﷺ، فقال: عفا اللهُ عنك، ما وضَعت الملائكةُ سلاحَها منذُ أربعين ليلةً، فانهَضْ (١) إلى بني قريظةَ، فإني قد قطَعتُ أوتارَهم، وفتَحتُ أبوابَهم، وترَكتُهم في زلزال وبلبال.

قال: فاستلأَم (٢) رسولُ اللهِ ﷺ، ثم سلَك سِكةَ بنى غَنْمٍ، فاتبَعه الناسُ وقد عصَب حاجبَه بالترابِ.

قال: فأتاهم رسولُ اللهِ ﷺ، فحاصرهم وناداهم: "يا إخوةَ (٣) القردة" فقالوا: يا أبا القاسم، ما كُنْتَ فحَّاشا.

فنزَلوا على حكمِ ابن مُعاذٍ، وكان بينَهم وبينَ قومِه حِلْفٌ، فرَجَوْا أن تأخذَه فيهم هَوادةٌ، وأومَأَ إليهم أبو لُبابةَ أنه الذَّبْحُ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].

فحكم فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلتُهم، وأن تُسْبَى ذرارِيُّهم، وأَنَّ عَقارَهم (٤) للمهاجِرين، دونَ الأنصارِ، فقال قومُهُ وعَشيرتُه (٥): آثرتَ المهاجرين بالعقَار (٦) علينا؟

قال: فإنكم كنتم ذوى عَقَارٍ، وإن المهاجرين كانوا لا عقارَ لهم.

وذُكِر لنا أن رسولُ اللهِ ﷺ كبَّر وقال: "قَضَى فِيكُمْ بِحُكْمِ اللهِ" (٧).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أصبَح (٨).

رسولُ اللهِ ﷺ انصرف (١) عن الخندقِ راجعًا إلى المدينةِ، والمسلمون، ووضَعوا السلاحَ.

فلما كانت الظهرُ أتى جبريلُ ﵇ رسولُ اللهِ ﷺ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ابن شهابٍ الزهريِّ - مُعْتَجِرًا بعمامةٍ مِن إستبرقٍ، على بغلةٍ عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةٌ مِن ديباجٍ؛ فقال: أقد وضَعتَ السلاحَ يا رسولُ اللهِ؟

قال: "نعم".

قال جبريلُ: ما وضَعتِ الملائكةُ السلاحَ بعدُ وما رجَعت الآن إلَّا مِن طلبِ القومِ، إن اللَّهَ يَأْمُرُك يا محمدُ بالسيرِ إلى بني قريظةً، وأنا عامدٌ إلى بنى قُرَيظةَ.

فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ منادِيًا، فأذَّن في الناس أن: "من كان سامعًا مُطيعًا فلا يُصَلِّينَّ العصرَ إلا في بني قريظةَ".

وقدَّم رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ برايتِه إلى بني قريظةَ، وابتدَرها الناسُ، فسار عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁، حتى إذا دنا مِن الحصونِ، سمِع منها مقالةً قبيحةً لرسولِ اللهِ ﷺ منهم، فرجَع حتى لَقِى رسولَ اللهِ ﷺ بالطريقِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لا عليك ألَّا تدنوَ مِن هؤلاء الأحَابثِ (٢).

قال: "لم؟

أَظُنُّك سمِعتَ لى منهم أذًى".

قال: نعمْ يا رسولُ اللهِ ﷺ.

قال: "لو قد رأَوْنى لم يَقولوا من ذلك شيئًا".

فلما دنا رسولُ الله ﷺ من حصونِهم، قال: "يا إخوانَ القردةِ، هل أخزاكم اللهُ، وأنزَل بكم نقمته؟

".

قالوا: يا أبا القاسمِ: ما كنت جهولًا.

ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على أصحابه بالصَّوْرَيْنِ (٣) قبل أن يَصِلَ إلى بني قريظةَ، فقال: "هل مرَّ بكم أحدٌ؟

" فقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد مرَّ بنا دِحيةُ بنُ خليفةَ الكلبيُّ، على بغلةٍ بيضاءَ، عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةُ ديباجٍ.

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ذاك جبريلُ بُعِث إلى بني قريظةَ يُزَلزِلُ بهم حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرعبَ في قلوبِهم".

فلما أتى رسولُ اللهِ ﷺ بني (١) قريظةَ، نزَل على بئرٍ مِن آبارها، في ناحيةٍ مِن أموالهم، يُقالُ لها: بِئرُ أَنَّا.

فتلاحق به الناسُ، فأتاه رجالٌ من بعدِ العِشاء الآخرة، ولم يُصَلُّوا العصرَ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ: "لا يُصَلِّين أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظةَ".

فصَلَّوا العَصَر [بعدَ العشاءِ الآخرةِ] (٢)، فما عابَهم اللهُ بذلك في كتابِه، ولا عنَّفهم به [رسولُ اللَّهِ ﷺ] (٣) (٤).

والحديثُ عن محمد بن إسحاقَ، عن أبيه، عن معبَدِ بن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ، قال: وحاصَرهم رسولُ اللهِ ﷺ خمسًا وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهم الحصارُ، وقذَف اللهُ (٥) في قلوبِهم الرعبَ، وقد كان حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ دخل على بنى قريظةَ في حصنِهم، حينَ رجَعت عنهم قريشٌ وغطفانُ، وفاءً لكعبِ بن أسدٍ بما كان عاهَده عليه، فلما أَيْقَنوا بأن رسولَ اللهِ ﷺ غيرُ مُنصرفٍ عنهم (٦) حتى يُناجِزَهم، قال كعبُ بنُ أسدٍ لهم: يا معشرَ يهودٍ، إنه قد نزَل بكم مِن الأمر ما تَرَون، وإني عارضٌ عليكم خِلالًا ثلاثًا، فخُذوا أيُّها.

قالوا: وما هُنَّ؟

قال: نُبايِعُ هذا الرجلَ ونصدِّقُه، فواللهِ لقد تَبَيَّنَ لكم أنه لنبيٌّ مرسَلٌ، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابِكم، فتأمنوا على دمائِكم وأموالِكم وأبنائِكم ونسائِكم.

قالوا: لا نفارقُ حُكم التوراةِ أبدًا، ولا نَسْتَبدِلُ به غيرَه.

قال: فإِذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فهلمَّ فَلْنَقْتُلْ أبناءَنا ونساءَنا، ثم نَخْرُجْ إلى محمدٍ وأصحابِه رجالًا، مُصْلِتين السيوفَ (١)، ولم نَتْرُكْ وراءَنا ثَقَلًا يُهِمُّنا، حتى يَحْكُمَ اللهُ بينَنا وبينَ محمدٍ، فَإِن نَهْلِكَ نَهْلِكْ ولم نَتْرُكْ وراءَنا شيئًا نَخْشى عليه، وإن نظهَرْ فَلَعَمْرِي لَتَتَّخِذَنَّ (٢) النساءَ والأبناءَ.

قالوا: نَقْتُلُ هؤلاء المساكينَ؟!

فما خيرُ العيشِ بعدَهم؟

قال: فإذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فإن الليلةَ ليلةُ السبتِ، وإنه عسى أن يكونَ محمدٌ وأصحابُه قد أَمِنوا، فانزِلوا لعلنا أن نُصِيبَ مِن محمدٍ وأصحابِه غِرَّةً.

قالوا: نُفْسِدُ سَبتَنا، ونُحدِثُ فيه ما لم يَكُنْ أحدَثَ (٣) فيه مَن كان قبلَنا إِلَّا (٤) مَن قد علمتَ فأصابهم مِن قد علمتَ فأصابهم مِن المسخِ ما لم يَخْفَ عليك؟!

قال: ما بات رجلٌ منكمِ (٥) مُنذُ (٦) ولدته أمُّه ليلةً واحدةً مِن الدهرِ حازمًا.

قال: ثم إنهم بعَثوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ: أن ابعَثْ إلينا أبا لبابةَ بنَ عبد المنذرِ، أخا بنى عمرِو بن عوفٍ - وكانوا مِن حُلفاءِ (٧) الأوسِ - نَسْتَشِيرُه في أمرِنا.

فأرسَله رسولُ اللهِ ﷺ، فلما رَأوه قام إليه الرجالُ، وبَهَشَ (٨) إِليه النساءُ والصبيانُ، يَبْكون في وَجْهِهِ، فَرَقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لُبابةَ، أترَى أن ننزلَ على حُكْمِ محمدٍ؟

قال: نعم.

وأشارَ بيَدِه (٩) إلى حَلْقِه؛ إنه الذَّبْحُ.

قال أبو لُبابةَ: فواللهِ ما زالَت قَدَمَاى، حتى عرَفتُ أني قد خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه.

ثم انطلَق أبو لُبابةَ على وَجْهِه، ولم يأتِ رسولُ اللهِ ﷺ، حتى ارتبَطَ في المسجدِ إلى عمودٍ مِن عُمُدِه، وقال: لا أَبْرَحُ مكانى حتى يتوبَ اللهُ عليَّ مما صنعتُ - وعاهَد اللَّهَ لا يطأُ بنى قُريظةَ أبدًا -، ولا يَراني اللهُ في بلدٍ خُنْتُ اللَّهَ ورسوله فيه أبدًا.

فلما بلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ خبره [وأبطَأَ عليه] (١)، وكان قد استَبْطَأَه، قال: "أما إنه لو كان (٢) جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ له، أمَا (٣) إذ فَعَل ما فَعلَ، فما أنا بالذي أُطْلِقُه مِن مكانِه، حتى يتوبَ اللَّهُ عليه".

ثم إن ثعلبةَ بنَ سَعْيَة (٤)، وأَسِيدَ (٥) بنَ سَعْيَة (٤)، وأسدَ (٦) بنَ عُبَيدٍ - وهم نفرٌ مِن بنى - هُذَيلٍ (٧)، ليسوا مِن بني قُريظةَ ولا النضيرِ، نسبُهم فوقَ ذلك، هم بنو عَمِّ القومِ - أسلَموا تلك الليلةَ التي نزلَت فيها قريظةُ على حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، وخرَج في تلك الليلةِ عمرُو بن سُعْدَى القُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعليه (٨) محمدُ بنُ مَسْلمةَ الأنصاريُّ تلك الليلةَ، فلمَّا رَآه قال: مَنْ هذا؟

قال: عمرُو بنُ سُعْدَى.

وكان عمرٌو قد أبَى أن يدخلَ مع بنى قرَيْظة في غَدْرِهم برسولِ اللهِ ﷺ، وقال: لا أغْدِرُ بمحمدٍ أبدًا.

فقال محمدُ بنُ مَسْلَمة حينَ عرفه: اللهمَّ لا تحرِمْنى إقالَةَ (٩) عَثَراتِ الكِرامِ.

ثم خَلَّى سبيله.

فخرج على وجهِه، حتى باتَ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ تلك الليلةَ، ثم ذهَب، فلا يُدْرَى أينَ ذَهَب مِن أَرضِ اللَّهِ إلى يومِه (١٠) هذا.

فذُكِر الرسولِ اللهِ ﷺ، شأنُه، فقال: "ذاكَ رَجَلٌ نَجَاهِ اللَّهُ بوَفَائِه".

قال: وبعضُ الناسِ كان يزعُمُ أنه كان أُوثِقَ برُمَّةٍ (١) فيمَن أُوثق مِن بني قُريظةَ حينَ نزَلوا على حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأصبحَت رُمَّتُه مُلْقاةً، لا يُدْرَى أين ذهَب، فقال رسولُ اللهِ ﷺ تلك المقالةَ، فاللهُ أعلمُ.

فلما أصبَحوا، نزَلوا على حكم رسولِ اللهِ ﷺ، فتَواثبَتِ الأوسُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنهم مَوالينا دونَ الخزرجِ، وقد فعلتَ في مَوالى الخزرجِ بالأمسِ ما قد علمتَ.

وقد كان رسولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بني قُرَيظةَ حاصَر بني قُيْنَقاعَ، وكانوا حلفاءَ الخزرجِ، فنزَلوا على حُكْمِه، [فسأله إياهم] (٢) عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَى ابن (٣) سلولَ، فوهَبهم له.

فلما كلَّمَته الأوسُ قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ألا تَرْضَون يا معشرَ الأوسِ أن يَحْكُم فيهم رجلٌ منكم؟

".

قالوا: بلى.

قال: "فَذَاكَ إلى سعدِ بن مُعاذٍ".

وكان سعدُ بنُ مُعاذٍ قد جعله رسولُ اللهِ ﷺ في خَيمةِ امرأةٍ مِن أسلمَ (٤)، يقالُ لها: رُفَيدةُ (٥)، في مسجدِه، كانت تُداوِى الجَرْحَى، وتحتسبُ بنفسِها على خدمةِ مِن كانت به ضَيْعَةٌ مِن المسلمين، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد قال لقومِه حين أصابَه السهمُ بِالخندق: "اجْعَلُوه في خَيمةِ رُفَيدةَ حتى أعُودَه مِن قَرِيبٍ".

فلما حَكَّمه رسولُ اللهِ ﷺ في بنى قُريظةَ، أناه قومُه فاحْتَمَلوه على حمارٍ، وقد وَطَّئُوا له بوِسادةٍ مِن أَدَمٍ، وكان رجلًا جسيمًا، ثم أقبَلوا معه إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وهم يقولون: يا أبا عمرٍو، أحسِنْ في مَواليك؛ فإن رسولِ اللهِ ﷺ وَلَّاك ذلك لتُحسِنَ فيهم.

فلما أكثَروا عليه قال: قد آنَ (١) لسعدٍ أن لا تَأْخُذَه في اللهِ لومةً لائمٍ.

فرجَع بعضُ مَن كان معَه (٢) من قومِه إلى دارِ بنى عبدِ الأشهلِ، فنعَى إليهم رجالَ بني (٣) قُريظةَ قبلَ أن يَصِلَ إليهم سعدُ بنُ معاذٍ، عن (٤) كلمتِه التي سمِع منه.

.

فلما انتهَى سعدٌ إلى رسولُ اللهِ ﷺ[والمسلمين] (٥)، قال (٦): " [قُومُوا إلى سيدكم] (٧) ".

فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرٍو، إن رسولَ اللهِ ﷺ ولَّاك مَواليَك لتَحْكُمَ فيهم.

فقال سعدٌ: عليكم بذلك عهدُ اللهِ وميثاقه أنَّ الحكمَ فيهم كما (٨) حكَمتُ؟

قالوا: نعَم.

قال: وعلى مَن ههنا؟

في الناحيةِ التي فيها رسولُ اللهِ ﷺ، وهو معرِضٌ عن رسولُ اللهِ ﷺ[إجلالًا له] (٩).

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "نعمْ".

قال سعدٌ: فإني أَحْكُمُ فيهم أن تُقْتَلَ الرجالُ، وتُقسَّمَ الأموالُ، وتُسْبَى الذراريُّ والنساءُ (١٠).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن [عمرَ بن] (١١) قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن معاذٍ، عن علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لقد حكمت فيهم بحُكْمِ اللهِ من فوق سبعة أرْقِعَةٍ".

ثم استُنزِلوا، فحبَسهم رسولُ اللهِ ﷺ في دار ابنة الحارثِ - امرأةٌ مِن بنى النجَّار - ثم خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى سوقِ المدينةِ التي هي سوقُها اليومَ، فخندَق بها خنادقَ، ثم بعَث إليهم، فضرَب أعناقَهم في تلك الخنادقِ، يُخرَجُ بهم إليه أرسالًا، وفيهم عدوُّ اللهِ حُيَيُّ بنُ أخطَبَ، وكعبُ بنُ أسدٍ رأسُ القومِ، وهم ستُّمِائةٍ أو سبعُمِائةٍ.

والمكثرُ منهم يقولُ: كانوا مِن الثمانِمائةِ إلى التسعِمَائةِ.

وقد قالوا لكعبِ بن أسدٍ وهم يُذْهَبُ بهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ أرسالًا: يا كعبُ، ما ترَى يُصْنَعُ بِنا؟

فقال كعبٌ: أفي كلِّ موطِنٍ لا تعقِلون؟!

أَلا تَرَوْنَ الداعىَ لا يَنْزِعُ، وأنه مَن يُذْهَبُ به منكم فما يَرْجِعُ!

هو واللهِ القتلُ.

فلم يَزَلْ ذلك الدأبَ، حتى فرَغ منهم رسولُ اللهِ ﷺ، وأُتِي بحيي بن أخطب عدوِّ اللهِ، وعليه حُلةٌ له فَقّاحِيَّةٌ (١) قد شقَّقَها عليه مِن كلِّ ناحيةٍ كموضعِ الأُنملةِ، أنملةً أنملةَ؛ لئلا يُسْلَبَها، مجموعةٌ يداه إلى عنقِه بحبلٍ، فلما نظَر إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: أما واللهِ ما لُمتُ نفسى في عداوتِك، ولكنه مَن يَخذُلِ اللَّهُ يُحْذَلْ.

ثم أقبلَ على الناسِ فقال: أيُّها الناسُ، إنه لا بأسَ بأمرِ اللهِ، كتابُ اللهِ وقدرُه، وملحمةٌ قد كُتِبت على بنى إسرائيلَ.

ثم جلَس فضُرِبت عنقُه، فقال جبلُ بنُ جَوّالٍ الثعلبيُّ: لعمرُك ما لامَ ابْنُ أَخطبَ نفسَه … ولكنه مَن يَخْذُلِ اللَّهُ يُحْذَلِ لجاهَد حتى أبلَغ النفسَ عُذْرَها … وقَلْقَلَ يَبْغى العزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ (٢) حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن عائشةَ، قالت: لم يُقْتَلُ مِن نسائِهم إلا امرأةٌ واحدةٌ.

قالت: والله إنها لعندِى تَحدَّثُ وتضحك، ظُهْرًا، ورسولُ اللهِ ﷺ يقتُلُ رجالَهم بالسُّوقِ، إذ هَتَف هاتفٌ باسمها: أينَ فلانةُ؟

قالت: أنا واللهِ.

قالت: قلتُ: وَيْلَك ما لكِ؟

قالت: أُقْتَلُ.

قلتُ: ولِمَ؟

قالت: حدَثٌ (١) أحدثتُه.

قالت (٢): فانْطُلِق بها، فضُرِبَت عُنْقُها.

فكانت عائشةُ تقولُ: ما أنسَى عَجَبى منها؛ طيب نفسٍ، وكثرةَ ضَحِكٍ، وقد عرَفتْ أنها تُقتَلُ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.

والصَّياصِي: الحصونُ والآطامُ التي كانوا فيها، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٤).

حدَّثنا عمرُو (٥) بن مالكٍ النُّكْرِيُّ (٦)، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.

قال: مِن حُصُونِهم (٧).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.

يقولُ: أنزلهم مِن صَياصِيهم.

قال: قُصُورِهم (٨).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.

أي: مِن حُصُونهم وآطامِهم (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.

قال: الصَّياصي: حصونُهم التي ظَنُّوا أنها مانعتُهم مِن اللهِ ﵎.

وأصلُ الصَّياصِي: جمعُ صِيصِيةٍ (٢)، وعُنِى بها ههنا: حُصُونُهم.

والعربُ تقولُ لطَرَفِ الحبل: صِيصِيَةٌ.

ويقالُ لأصْلِ الشيءِ: صِيصِيَتُه، يقالُ: جَزَّ اللَّهُ صِيصِيَةَ فُلانٍ.

أي: أصلَه.

ويقالُ لشَوكِ الحاكة: صياصِي.

كما قال الشاعرُ (٣): * كَوَقْعِ الصَّياصِي فِي النَّسِيحِ المُمَدَّدِ * وهى شَوْكَتا الدِّيكِ.

وقولُه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.

يقولُ: وألقَى في قلوبِهم الخوفَ منكم، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.

يقولُ: تقتُلون منهم جماعةً، وهم الذين قَتَل رسولُ اللهِ ﷺ منهم، حينَ ظهَر عليهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.

يقولُ: وتأسِرون منهم جماعةً، وهم نساؤُهم وذَراريهم الذين سُبُوا.

[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (١): ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: الذين ضُرِبَت أعناقهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: الذين سُبُوا (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.

أي: قتلُ الرجال، وسَبْىُ الذُّرارِيِّ والنساءِ، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾.

يقولُ: وملَّككم بعدَ مَهْلِكِهم أرضَهم.

يعنى: مزارعَهم ومَغارسَهم وديارَهم، يقولُ: ومساكنَهم وأموالَهم.

يعني سائرَ الأموالِ غيرَ الأرضِ والدُّورِ (٣).

وقولُه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها، أيُّ أرضٍ هي؟

فقال بعضُهم: هي الرومُ وفارسُ ونحوُها مِن البلادِ التي فتَحها اللهُ بعد ذلك على المسلمين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾.

قال: قال الحسنُ: هي الرومُ وفارسُ، وما فتحَ اللهُ عليهم (٤).

وقال آخرون: هي مكةُ.

وقال آخرون: بل هي خيبرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (١)، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾.

قال: خيبرَ (٢).

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾.

قال: قُريظةَ والنَّضير أهلَ الكتابِ، ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾.

قال: خيبرَ (٣).

والصوابُ مِن القولُ في ذلك: أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبرَ أنه أوْرث المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أرضَ بنى قُريظةَ وديارَهم وأموالَهم، وأرضًا لم يَطَئوها يومئذٍ، ولم تَكْنْ مكةُ ولا خيبرُ، ولا أرضُ فارسَ والرومِ ولا اليمنُ، مما كانوا (٤) وطِئوه يومئذٍ، ثم وطِئوا ذلك بعدُ، وأَوْرَثَهُمُوه اللهُ، وذلك كلُّه داخلٌ في قولِه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ لأنه تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ.

[وقوله] (٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ على أن أوْرَث المؤمنين ذلك، وعلى نصره إياهم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، ذا قُدْرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَمْتَنِعُ عليه فعلُ شيءٍ حاوَل فعلَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لأزواجِك: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾.

يقولُ: فإني أُمَتِّعُكُنَّ ما أوجب اللهُ على الرجالِ للنساءِ مِن المتعةِ، عندَ فِراقِهم إياهنَّ بالطلاقِ بقولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].

وقولُه: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

يقولُ: وأُطلِّقُكنَّ على ما أذِن اللهُ به، وأدَّب به عباده بقولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].

﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.

يقولُ: وإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رِضا اللهُ، و [رِضا رسولهِ] (١) وطاعتَهما، فأطِعْنَهما (٢)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾: وهُنَّ العاملاتُ منهنَّ بأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجل أنّ عائشةَ سأَلتْ رسولَ اللهِ ﷺ شيئًا مِن عَرَض الدنيا؛ إمَّا زيادةً في النفقةِ، أو غيرَ ذلك، فاعتزَل رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه شهرًا، فيما ذُكِر، ثم أمَره اللهُ أَن يُخَيِّرَهنَّ بينَ الصبرِ عليه والرضا بما قسَم لهنَّ والعملِ بطاعةِ اللهِ، وبين أن يُمَتِّعَهُنَّ ويُفارِقَهنَّ إِن لم يَرْضَين بالذي يَقْسِمُ (٣) لهن.

وقيل: كان سببُ ذلك غَيْرَةً كانت عائشةُ غارَتها.

ذكرُ الروايةِ بقولِ مَن قال: كان ذلك مِن أجلِ شيءٍ مِن النفقةِ وغيرِها حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبي الزبيرِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَخرُجْ صَلَواتٍ، فقالوا: ما شأنُه؟

فقال عمرُ: إن شئتُم لأَعْلَمَنَّ لكم شأنَه.

فأتَى النبيَّ ﷺ، فجعَل يتكلَّمُ ويرفَعُ صوتَه، حتى أُذِن له.

قال: فجعلتُ أقولُ في نفسي: أيُّ شيءٍ أكلِّمُ به رسولُ اللهِ ﷺ [لعله يضحَكُ] (١) - أو كلمةً نحوَها، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو رأيتَ فلانةَ وسألَتنى النفقةَ فصَكَكْتُها صَكَّةً.

فقال: "ذلك حَبَسَنى عنكم".

قال: فأتَى حفصةَ، فقال: لا تَسْألى رسولُ اللهِ ﷺ [شيئًا، ما كانت لكِ مِن حاجةٍ فإليَّ.

ثم تَتَبَّعَ نساءَ النبيِّ ﷺ] (٢) فجعَل يُكَلِّمُهنَّ، فقال لعائشةَ: أَيَغُرُّك أنك امرأةٌ حسناءُ، وأن زوجَك يحبُّك؟

لَتَنْتَهِينَّ (٣) أَو لَيَنْزِلَنَّ فيكِ (٤) القرآنُ.

قال: فقالت أمُّ سلمةَ: يابنَ الخطابِ، أوَ ما بقِى لك إلا أن تدخُلَ بينَ رسولُ اللهِ ﷺ وبينَ نسائِه، ولن تَسألَ المرأةُ إلا لزوجها؟

قال: ونزل القرآنُ: ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾.

إلى قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

قال: فبدَأ بعائشةَ فخَيَّرها، وقرَأ عليها القرآنَ، فقالت: هل بدأتَ بأحدٍ مِن نسائِك قبلى؟

قال: "لا".

قالت: فإني أختارُ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولا تُخبرهنَّ بذلك.

قال: ثم تَتَبَّعَهنَّ، فجعَل يُخيِّرُهنَّ ويقرأُ عليهنَّ القرآنَ، ويخبرُهن بما صنَعَت (٥) عائشةُ، فتتابَعن (٦) على ذلك (٧).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

قال: قال الحسنُ وقتادةُ: خَيَّرَهُنَّ بينَ الدنيا والآخرةِ والجنةِ والنارِ في شيءٍ كُنَّ أَرَدْنَه مِن الدنيا (١).

وقال عكرمةُ: في غَيْرةٍ كانت غارَتْها عائشةُ، وكان تحتَه يومَئذٍ تسعُ نسوةٍ؛ خمسٌ مِن قُريشٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ، وسَوْدةُ بنتُ زَمْعَةَ، وأمُّ سَلَمةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وكانت تحتَه صفيةُ بنتُ (٢) حُيَيٍّ الخَيْبَريَّةُ، وميمونةُ بنتُ الحارثُ الهِلاليةُ، وزينبُ بنتُ جَحْشِ الأسَديةُ، وجُويرية بنتُ الحارثِ مِن بنى المُصْطَلِقِ، وبدَأ بعائشةَ، فلما اختارَتِ الله ورسولَه والدارَ الآخرةَ، رُؤِى الفَرَحُ فِي وَجْهِ رسولِ اللهِ ﷺ، فَتَتابَعْن (٣) كلُّهنَّ على ذلك، واخْتَرْنَ اللَّهَ ورسولَه والدار الآخرةَ (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، وهو قولُ قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾.

قالا: أمَر اللهُ أن يُخَيِّرَهن بينَ الدنيا والآخرةِ والجنةِ والنارِ.

قال قتادةُ: وهي غَيْرَةٌ مِن عائشةَ في شيءٍ أرادَته مِن الدنيا، وكان تحته تسعُ نسوةٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ، وسَوْدَةُ بنتُ زَمْعةً، وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وزينب بنتُ جَحْشٍ، وميمونة بنتُ الحارثِ [الهلاليةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بنتُ الحارثِ] (١) مِن بنى المُصْطَلِقِ، وصفيةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخْطَبَ؛ فبدَأ بعائشةَ، وكانت أَحَبَّهن إليه؛ فلما اختارَتِ الله ورسوله والدارَ الآخرة، رُئىَ الفرحُ (٢) في وجه رسولِ اللهِ ﷺ، فتَتَابَعْنَ (٣) على ذلك (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [عن الحسن، وهو قولُ قتادةَ] (٥)، قال: لما اخْتَرْنَ اللَّهَ ورسوله (٦) ﷺ شكرهنَّ اللهُ على ذلك، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢].

فقَصَره اللهُ عليهنَّ، وهُنَّ التسعُ اللاتى اخْترنَ اللَّهَ ورسولَه (٧).

ذكرُ مِن قال ذلك [مِن أجل الغَيرةِ] (٥) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، [قال: قال ابن زيدٍ] (٥) في قولِ اللهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآيةِ - قال: كان أزواجه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ، فَهَجَرَهُنَّ شهرًا، نَزَلَ التَّخْيِيرُ مِن اللهِ له فيهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾.

فقرَأ حتى بلغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

فَخَيَّرَهن بينَ أَن يَخْتَرْنَ أَن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهُنَّ، وبين أن يُقِمْنَ، إن أرَدْنَ اللَّهَ ورسولَه، على أنهن أُمَّهَاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤوِى إليه مِن يشاءُ منهنَّ، لَن وَهَب نفسَه له، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجِى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغَى مِمَّن هي عندَه وعزَل، فلا جناحَ عليه، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥١].

إذا عَلِمْنَ أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ - أدنى أن يَرْضَيْنَ؛ قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١]: مِن ابتغَى أصابَه، ومَن عَزَل لم يُصِبْه، فخيَّرَهن بينَ أن يَرْضَينَ بهذا، أو يُفارِقَهنَّ، فاخْتَرنَ اللهُ ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً (١) بدويةً ذهَبَتْ، وكان على ذلك، وقد شَرَط له هذا الشَّرْطَ، ما زال يعدِلُ بينَهنَّ حتى لَقِى الله (٢).

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ (٣) بن أبى (١) سَلَمةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: لمَّا نزَل الخِيارُ، قال لي رسولُ اللهِ ﷺ "إِنِّي أَرِيدُ أن أَذْكُرَ لكِ أَمْرًا، فَلا تَقْضِى فيه شيئًا (١) حتى تَسْتأمرِى أَبَوَيْكِ (٤) ".

قالت: قلتُ: وما هو يا رسولَ اللَّهِ؟

[قال: فردَّه عليها، فقالت: ما هو يا رسولَ اللهِ] (٥) قالت (٦): فقرأ عليَّ (٧): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قالت: فقلتُ (٨): بل نختارُ اللَّهَ ورسولَه؛ قالت (٩): ففرِح بذلك النبيُّ ﷺ (١٠).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن محمدُ بنُ عمرِو، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزلت آيةُ التَّخيير، بدَأ النبيُّ ﷺ بعائشةَ، فقال: "يا عائشةُ، إنى عارضٌ عليك أمرًا، فلا تَفْتاتِى فيه بشيءٍ حتى تَعْرِضيه على أبَوَيْك؛ أبي بكرٍ وأمِّ رُومانَ".

فقلتُ (١): يا رسولَ اللَّهِ وما هو؟

قال: "قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾.

إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ ".

فقلتُ: إنى أريدُ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولا أؤامرُ في ذلك أبويَّ؛ أبا بكرٍ وأمَّ رُومانَ.

فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ، ثم استقرَأ الحُجَرَ، فقال: "إن عائشةَ قالت كذا [وكذا] (٢) ".

فقُلْنَ: ونحنُ نقولُ مثل ما قالت عائشةُ (٣).

حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمَوِيُّ، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ (٤)، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ لما نزَل إلى نسائِه أُمِر أن يُخَيِّرَهن، فدخَل عليَّ، فقال: "سأذكُرُ لكِ أَمْرًا وَلَا تَعْجَلِي حتى تَسْتَشِيرى أباكِ".

فقلتُ: وما هو يا نبيَّ اللَّهِ؟

قال: "إِنِّي أُمِرْتُ أن أُخَيِّرَكُنَّ".

وتَلا عليها آيةَ التَّخْييرِ إلى آخرِ الآيتين.

قالت: قلتُ: وما الذي تقولُ: لا تَعْجَلى حتى تَسْتَشِيرى أباكِ؟

فإنى أختارُ اللَّهَ ورسولَه.

فسُرَّ بذلك (٥)، وعرَض على نسائِه، فتَتابَعْنَ (٦) كلُّهنَّ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورسولَه (٧).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني موسى بنُ عليٍّ، ويونسُ ابن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرنى أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن عائشةَ زَوجَ النبيِّ ﷺ قالت: لمَّا أُمر رسولُ اللهِ ﷺ بتَخْيير أزواجِه، [بدَأ بي] (١)، فقال: "إِنِّي ذَاكرٌ لك أمرًا، فلا عليكِ أنْ لا تَعْجَلى (٢) حتى تَسْتَأْمِرى أَبَوَيْكِ".

قالت: قد عِلم أن أبويَّ لم يَكُونا ليأمُرَانى بفراقه.

قالت: ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

قالت: فقلتُ: ففى أيِّ هذا أستأمِرُ أبويَّ؟

فإنى أريدُ اللهُ ورسولَه والدارَ الآخرةَ.

قالت عائشةُ: ثم فعل أزواجُ النبيِّ ﷺ مثلَ ما فعلتُ، فلم يَكُنْ ذلك حينَ قاله لهنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فاخْتَرْنَه، طلاقًا، مِن أجل أنهنَّ اخْتَرْنَهُ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لأزواجِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.

يقولُ: مَن يَزْنِ منكنَّ الزِّنا المعروفَ [أنه الزِّنا] (٤) الذي أوجَب اللهُ [عليه الحدَّ] (٥)، يُضاعَفْ لها العذابُ على فُجُورِها في الآخرةِ ضعَفين على فُجُورٍ أزواج الناسِ غيرهم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُضَاعَفْ (١) لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.

قال: يعنى عذابَ الآخرةِ.

واختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ بالألفِ غيرَ أبي عمرٍو؛ فإنه قرَأ ذلك: (يُضَعَّفُ) بِتَشْدِيدِ العين (٢).

تأوُّلًا منه في قراءتِه ذلك أن "يُضَعَّفَ" بمعنى تضعيفِ الشيءِ مرةً واحدةً، وذلك أن يُجعلَ الشيءُ شيئَين، فكأن معنى الكلامِ عندَه: أن يجعلَ عذابَ مَن يأتى مِن نِساءِ (٣) النبيِّ ﷺ بفاحشةٍ مُبَيِّنةٍ في الدنيا والآخرةِ مِثْلَىْ عذابِ سائرِ النساءِ غيرِهنَّ، ويقولُ: إِنَّ ﴿يُضَاعَفْ﴾ بمعنى أن يُجْعَلَ إلى الشيءِ مِثْلَاه، حتى يكونَ ثلاثةَ أمثالِه.

فكأن معنى مَن قرَأَ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ عندَه كان: أن يجعلَ (٤) عذابَها ثلاثةَ أمثالِ عذابِ غيرِها مِن النساء مِن غيرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ؛ فلذلك اختارَ (يُضَعَّفُ) على ﴿يُضَاعَفْ﴾.

وأنكر الآخرون الذين قرءُوا ذلك ﴿يُضَاعَفْ﴾ كل ما كان يقولُ في ذلك، ويقولون: لا نعلم بين (يُضَعَّف) و ﴿يُضَاعَفْ﴾ فَرْقًا.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ (٥)، وذلك: ﴿يُضَاعَفْ﴾.

وأما التأويلُ الذي ذهب إليه أبو عمرٍو، فتأويلٌ لا نعلمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ ادَّعاه غيرَه، وغيرَ أبى عُبيدةَ معمرِ بن المُثَنَّى، ولا يجوز خلافُ ما جاءت به الحجةُ مجمعةً عليه بتأويلٍ لا برهانَ له مِن الوجهِ الذي يجبُ التسليمُ له.

وقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت مضاعفةُ العذابِ على مَن فعَل ذلك منهنّ على اللهِ يسيرًا.

واللهُ أعلمُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطع اللهُ ورسوله مِنكُنَّ، وتعمل بما أمر اللهُ به: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾.

يقولُ: يُعْطِها اللهُ ثوابَ عملِها مِثْلَى ثوابِ عمل غيرِهنَّ مِن سائرِ نساءِ الناسِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾.

يقولُ: وأعتَدْنا لها في الآخرةِ عَيْشًا هَنِيئًا في الجنةِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الآيةَ، يعني: [تُطِعِ اللَّهَ ورسولَه، ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تصومُ وتُصَلِّي] (١) (٢).

حدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةً، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن عونٍ، قال: سألتُ عامرًا عن القُنُوتِ.

قال: وما هو؟

قال: قلتُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].

قال: مُطيعين.

[قال: قلتُ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

[قال: يُطِعْنَ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال] (٤): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾] (٥).

أي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورسوله ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، وهي الجنةُ (١).

واختلفَتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ فقَرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرة، ﴿وَتَعْمَلْ﴾ بالتاءِ ردًّا على تأويلِ مَن إذ جاء بعدَ قولِه: ﴿مِنْكُنَّ﴾ (٢).

وحكَى بعضُهم عن العربِ أنها تقولُ: كم بيعَ لك جاريةً.

وأنهم إن قدَّموا الجاريةَ قالوا: كم جاريةً بِيعتْ لك؟

فأنَّثُوا الفعل بعد الجارية، والفعلُ في الوجهين لكُمْ لا للجاريةِ.

وذكر الفراءُ أن بعضَ العرب أنشَده (٣): أَيَا أمَّ عمرٍو مَن يَكُنْ عُقْرُ دَارِه … جوَاءَ عَدِيٍّ يَأكُلِ الحَشَراتِ ويَسْوَدُّ مِن لَفْح السَّمومِ جَبِينُه … ويَعْر وإن كانوا ذوى بَكَراتِ فقال: وإن كانوا.

ولم يَقُلْ: وإن كان.

وهو لـ "مَن"، فَرَّدَه على المعنى.

وأما أهلُ الكوفة؛ فقرأت ذلك عامةُ قَرأتِها: (ويعمل) بالياءِ عطفًا على ﴿يَقْنُتْ﴾؛ إذ كان الجميعُ على قراءتِه بالياء (٤).

والصوابُ مِن القولُ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن العربَ تَرُدُّ خبرَ "مَن" أحيانًا على لفظِها، فتوحِّدُ وتُذَكَّرُ، وأحيانًا على مَعْناها، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣] فجمَع مرةً للمعنى، ووحَّد أخرى للَّفْظِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه الأزواجِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: مِن نساءِ هذه الأمةِ - ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ اللَّهَ فَأَطَعْتُنَّه فيما أَمَرَكنَّ ونَهَاكُنَّ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾.

يعنى: مِن نساءِ هذه الأمةِ (١).

وقولُه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾.

يقولُ: فلا تَلِنَّ بالقولِ للرجالِ فيما يَبْتَغِيه أهلُ الفاحشةِ مِنْكُنَّ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾.

يقولُ: لا تَرَخَّصْنَ بالقولِ، ولا تَخْضَعْنَ بالكلامِ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾.

قال: خَضْعُ القولِ: ما يُكْرَهُ مِن قولِ النساءِ للرجالِ، مما يدخُلُ في قلوبِ الرجالِ.

وقولُه: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾.

يقولُ: فيطمعَ الذي في قلبهِ ضعفٌ، فهو لضعفِ إيمانهِ في قلبهِ، إما شاكٌّ في الإسلامِ منافقٌ، فهو لذلك مِن أمرِه يستخفُّ بحدودِ اللهِ، وإما مُتهاونٌ بإتيانِ الفواحشِ.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما وصَفه بأن في قلبِه مرضًا؛ لأنه منافقٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾.

قال: نِفاقٌ (١).

وقال آخرون: بل وصَفه بذلك؛ لأنهم يَشْتَهون إتيانَ الفواحشِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾.

قال: قال عكرمةُ: شهوةُ الزنا (٢).

وقولُه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.

يقولُ: وقُلْنَ قولًا قد أذِن اللهُ لكم به وأباحَه.

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.

قال: قولًا جميلًا حسنًا معروفًا في الخيرِ (١).

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتحِ القافِ، بمعنى: واقْرَرْنَ في بُيُوتِكنَّ (٢)، وكأن مَن قَرأ ذلك كذلك حذَف الراءَ الأولى مِن "اقْرَرْنَ"، وهى مفتوحةٌ، ثم نقَل فتَحتَها إلى القافِ، كما قيل: (فَظِلْتُمْ تَفَكَّهونَ) وهو يريدُ فَظَلِلْتم (٣)، فأُسقطت اللامُ الأولى وهى مكسورةٌ، ثم نُقلت كسرتُها إلى الظاءِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (وَقِرْنَ) بكسرِ القافِ، بمعنى: كُنَّ أهل وقارٍ وسَكينة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٤).

وهذه القراءةُ، وهى الكسرُ في القافِ، أَولى عندَنا بالصوابِ (٥)؛ لأن ذلك إن كان مِن الوقارِ على ما اخْترنا فلا شكَّ أن القراءةَ بكسرِ القافِ؛ لأنه يقالُ: وَقَرَ فلانٌ في منزلِه، فهو يَقِرُ وُقُورًا.

فتُكسرُ القافُ في "تَفْعِلُ"، فإذا أُمر منه قيل: قِرْ.

كما يقالُ مِن وَزَن يَزِنُ: زِنْ (٦)، وَمِن وَعَد يَعِدُ: عِدْ.

وإن كان مِن القَرارِ فإن الوجهَ أن يقالَ: اقْرِرْنَ؛ لأن مَن قال مِن العربِ: ظَلْتُ أفعلُ كذا، وأَحَسْتُ بكذا.

فأسقَط عيَن الفعلِ، وحوَّل حركتَها إلى فائِه في فَعَلَ وفَعَلْنا وفَعَلْتم، لم يفعلْ ذلك في الأمرِ والنهيِ، فلا يقولُ: ظَلَّ قائمًا، ولا: لا تَظَلَّ قائمًا.

فليس الذي اعتلَّ به مِن اعتلَّ لصحةِ القراءةِ بفتحِ القافِ في ذلك، بقولِ العربِ في ظَلِلْتُ وأَحْسَسْتُ: ظَلْتُ وأحَسْتُ، بعلةٍ توجبُ صحتَه؛ لِما وصفتُ مِن العلةِ.

وقد حكَى بعضُهم عن بعضِ الأعرابِ سماعًا منه: يَنْحِطْنَ مِن الجبلِ.

وهو يريدُ: يَنْحَطِطْنَ، فإن يَكُن ذلك صحيحًا، فهو أقربُ إلى أن يكونَ حُجَّةً لأهلِ هذه القراءةِ مِن الحُجَّةِ الأخرى.

وقولُه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

قيل: إن التَّبَرُّجَ في هذا الموضعِ: التبخترُ والتكسرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

أي: إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُيُوتِكنَّ، قال: كانت لهن مِشْيَةٌ وتَكَسُرٌ وتَغَنُّجٌ، يعنى بذلك الجاهليةَ الأولى، فنَهاهنَّ اللَّهُ عن ذلك (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ، يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

قال: التبخترُ (٢).

وقيل: إن التَّبَرُّجَ هو إظهارُ الزينةِ، وإبرازُ المرأةِ محاسنَها للرجالِ.

وأما قولُه: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في الجاهليةِ الأُولى؛ فقال بعضُهم: ذلك ما بينَ عيسى ومحمدٍ ﵉.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

قال: الجاهليةُ الأُولى: ما بينَ عيسى ومحمدٍ ﵉ (١).

وقال آخرون: ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ (٢)، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ له.

قال: وكان بينَ آدمَ ونوحٍ ثمانُمائةِ سنةٍ، فكان نساؤُهم مِن أقبح ما يكونُ مِن النساءِ، ورجالُهم حسانٌ، فكانت المرأةُ تريدُ الرجلَ على نفسِه، فأُنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣).

وقال آخرون: بل كان ذلك بينَ نوحٍ وإدريسَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن زُهير، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا داودُ، يعنى ابنَ أبي الفُراتِ، قال: ثنا عِلْباءُ بن أحمر، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: تَلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

قال: كانت فيما بينَ نوحٍ وإدريسَ، وكانت ألفَ سنةٍ، وإن بطنَين مِن ولدِ آدمَ، كان أحدُهما يسكنُ السهلَ، والآخرُ يسكنُ الجبلَ، وكان رجالُ الجبلِ صباحًا، وفى النساءِ دُمامةٌ، وكان نساءُ السهلِ صباحًا، وفى الرجالِ دَمامةٌ؛ وإن إبليسَ أتَى رجلًا مِن أهلِ السهلِ في صورةِ غلامٍ، فأجَّر نفسَه منه، وكان يخدُمُه، واتَّخَذ إبليسُ شيئًا مثلَ ذلك الذي يَزْمِرُ فيه الرَّعاءُ، فجاء فيه بصوتٍ لم يُسْمَعْ مثلُه، فبلَغ ذلك مَن حولَهم، [فانْتابوهم يسمَعون] (١) إليه، واتَّخَذوا عيدًا يجتمِعون إليه في السنةِ، فتتبرَّج الرجالُ للنساءِ، قال: [ويتزينُ النساءُ للرجالِ] (٢)، وإن رجلًا مِن أهلِ الجبلِ هجَم عليهم وهم في عيدِهم ذلك، فرأَى النساءَ، فأتَى أصحابَه، فأخبَرهم بذلك، فتحوَّلوا إليهنَّ، فنزَلوا معهن، فظهَرت الفاحشةُ فيهنَّ، فهو قولُ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣).

وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه، نهَى نساءَ النبي ﷺ أن يَتبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولى.

وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ وعيسى، فيكونَ معنى ذلك: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: التي قبلَ الإسلامِ.

فإن قال قائلٌ: أوَ في الإسلامِ جاهليةٌ حتى يقالَ عنَى بقوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

التي قبلَ الإسلامِ؟

قِيل: فيه أخلاقٌ مِن أخلاقِ الجاهليةِ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

قال: يقولُ: التي كانت قبلَ الإسلامِ، قال: وفى الإسلامِ جاهليةٌ؟

قال: قال النبيُّ ﷺ لأبي الدرداءِ، وقال لرجلٍ وهو يُنازِعُه: يا ابنَ فلانةٍ، لأمٍّ كان يُعَيَّرُ بها في الجاهليةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا أبا الدرداءِ إن فيك جاهليةً".

قال: أجاهليةُ كفرٍ أو إسلامٍ؟

قال: "بل جاهليةُ كفرٍ".

قال: فتمنَّيتُ أن لو كنتُ ابتدأتُ إسلامى يومَئذٍ.

قال: وقال النبيُّ ﷺ: "ثلاثٌ مِن عملِ أهلِ الجاهليَّةِ، لا يَدعُهنَّ النَّاسُ: الطعنُ بالأنسابِ، والاستمطارُ بالكواكبِ، والنِّياحةُ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثورٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، أن عمرَ بنَ الخطَّابِ قال له: أرأيتَ قولَ اللهِ لأزواجِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: هل كانت إلَّا واحدةً؟

فقال ابن عباسٍ: وهل كانت مِن أُولى إلَّا ولها آخرةً؟

فقال عمرُ: لله درُّك يا بنَ عباسٍ، كيف قلتَ؟

فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل كانت مِن أُولى إلا ولها آخرةً؟

قال: فأتِ بتصديقِ ما تقولُ مِن كتابِ اللهِ.

قال: نعم: (وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).

قال عمر: فمَن أُمر بالجهادِ؟

قال: قبيلتان مِن قريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ.

فقال عمرُ: صدقتَ (٢).

وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ، وجائزٌ أن يكون ما بينَ إدريسَ ونوحٍ، فتكونَ الجاهليةُ الآخرةُ ما بينَ عيسى ومحمدٍ، وإذا كان ذلك مما يَحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ، فالصوابُ أن يقالَ في ذلك كما قال اللهُ: إنه نهى عن تبرُّجِ الجاهليةِ الأولى.

وقولُه: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾.

يقولُ: وأقِمْن الصلاة المفروضةَ، وآتِينَ الزكاةَ الواجبةَ عليكنَّ في أموالكنَّ، وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما أمراكنَّ ونهياكنَّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾.

يقولُ: إنما يريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم السُّوءَ والفحشاءَ يا أهلَ بيتِ محمدٍ ويُطهِّركم مِن الدنسِ الذي يكونُ في أهلِ معاصى الله تطهيرًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

فهم أهلُ بيتٍ طهَّرهم اللهُ مِن السوءِ، وخصَّهم برحمةٍ منه (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

قال: الرجسُ ههنا الشيطانُ، وسوى ذلك مِن الرجسِ الشرُّ (٢) (٣).

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى به رسولُ اللهِ ﷺ، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، رضوانُ اللهِ عليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بكرُ بنَ يحيى بن زبَّانَ العَنَزِيُّ، قال: ثنا مَندلٌ، عن الأعمشِ، عن عطية، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "نزلَت هذه الآيةُ في خمسةٍ: فيّ، وفى عليٍّ ﵁ وحسنٍ ﵁، وحسينِ ﵁، وفاطمةَ ﵂؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريَّا، عن مصعبِ بن شيبةَ عن صفيةَ بنتِ شيبةَ قالت: قالت عائشةُ: خرج النبيُّ ﷺ ذات غداةٍ، وعليه مرطٌ مرجَّلٌ (٢) مِن شَعَرٍ أَسودَ، فجاء الحسنُ، فأدخَله معه، ثم [جاء عليٌّ فأدخَله معه ثم] (٣) قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٤).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن حمَّادِ بن سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ كان يمرُّ ببيتِ فاطمةَ ستةَ أشهرٍ كلما خرَج إلى الصلاةِ، فيقولُ: "الصلاةَ أهلَ البيتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٥).

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ بنُ سويدٍ النَّخَعِيُّ، عن هلالٍ، يَعنى ابنَ مِقْلاصٍ، عن زُبيدٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن أمِّ سلمةَ قالت: كان النبيُّ ﷺ عندى، وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ، فجعلتُ لهم خَزِيرةً، فأكَلوا وناموا، وغطَّى عليهم عباءةً أو قطيفةً، ثم قال: "اللهمَّ هؤلاء أهلُ بيتى، أذهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيرًا" (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، قال: أخبَرني أبو داودَ، عن أبي الحمراءِ، قال: رابطتُ المدينةَ سبعةَ أشهرٍ على عهدِ النبيِّ ﷺ، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا طلَع الفجرُ، جاء إلى باب عليٍّ وفاطمةَ، فقال: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢).

حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣).

حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا عبد السَّلامِ بنُ حربٍ، عن كلثومٍ المحاربيِّ، عن أبي عمَّارٍ، قال: إني لجالسٌ عندَ وائلةَ بن الأسقعِ، إذ ذكَروا عليًّا ﵁، فشتَموه، فلما قاموا، قال: اجلسْ حتى أُخبرَك عن هذا الذي شتَموه، إنى عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، إذ جاءه عليٌّ وفاطمةُ وحسنٌ وحسينٌ، فألقى عليهم كساءً له، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، اللهم أذهِبْ [عنهم الرجسَ] (١) وطهِّرْهم تطهيرًا؛ قلتُ: يا رسولَ اللهِ وأنا؟

قال: وأنت؛ قال: فواللهِ إنها لأوثقُ عمَلٍ عندى" (٢).

حدَّثني عبدُ الكَريمِ بنُ أبي عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثني شدَّادٌ، أبو عمارٍ، قال: سمِعتُ وائلةَ بنَ الأسقعِ يُحدِّثُ، قال: سألتُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ في منزلِه، فقالت فاطمةُ: قد ذهَب يأتى برسولِ اللَّهِ ﷺ، إِذ جاء، فدخل رسولُ اللهِ ﷺ ودخلتُ، فجلَس رسولُ اللهِ ﷺ على الفراش، وأجلَس فاطمةَ عن يمينِه، وعليًّا عن يسارِه، وحسنًا وحسينا بينَ يديه، فلفَع عليهم بثوبِه، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

اللهم هؤلاء أهلى، اللهم أهلى أحقُّ".

قال وائلةُ: فقلتُ مِن ناحيةِ البيتِ: وأنا يا رسولَ اللَّهِ مِن أهلِك؟

قال: "وأنت من أهلى".

قال وائلةُ: إنها لمِن أَرجى ما أَرتَجِى (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرام، عن شهر بن حوشبٍ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ دعا رسولُ اللهِ ﷺ عليًّا وفاطمةَ وحسنًا وحسينًا، فجلَّل عليهم كساءً خيبريًّا.

فقال: "اللهم هؤلاء أهلُ بيتى، اللهم أَذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرْهم تطهيرًا".

قالت أمُّ سلمةَ: ألستُ منهم؟

قال: "أنتِ إلى خيرٍ" (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زَرْبيٌّ، عن محمدَ بنَ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: جاءت فاطمةُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ببُرمةٍ لها قد صنَعت فيها عصيدةً تحملُها (٢) على طبقٍ، فوضَعته بينَ يْديه.

فقال: أينَ ابن عمِّك وابناك؟

فقالت: في البيتِ.

فقال: "ادعيهم" فجاءت إلى عليٍّ، فقالت: أجِبِ النبيَّ ﷺ أنت وابناك.

قالت أمُّ سلمةَ: فلما رآهم مقبلين مَدَّ يده إلى كساءِ كان على المنامِة، فمدّه وبسَطه، وأجلَسهم عليه، ثم أخَذ بأطرافِ الكساءِ الأربعةِ بشمالِه، فضمَّه فوقَ رءوسهم، وأومَأ بيده اليمنى إلى ربِّه.

فقال: "هؤلاء أهلُ البيتِ، فَأَذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرْهم تطهيرًا" (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا فُضَيْلُ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ: أن هذه الآيةَ نزَلت في بيتِها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قالت: وأنا جالسةٌ على باب البيتِ، فقلتُ: أنا يا رسولَ اللهِ، ألستُ مِن أهلِ البيتِ؟

قال: "إنك إلى خيرٍ، أنتِ مِن أزواجِ النبيِّ ﷺ".

قالت: وفي البيتِ رسولُ اللهِ ﷺ، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، ﵃ (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مُخلدٍ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى هاشمُ بنُ هاشمِ بن عتبةَ بن أبي وقاصٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن وهبِ بن زمعةَ، قال: أخبَرتنى أمِّ سلمةَ أن رسولُ اللهِ ﷺ جمع عليًّا والحسَنَين، ثم أدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم جأَر إلى اللهِ، ثم قال: "هؤلاء أهلُ بيتى".

قالت أمُّ سلمةَ، فقلت: يا رسولَ اللهِ أدخِلْني معهم قال: "إِنَّكِ مِنْ أَهْلِى" (١).

حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأصبهانيُّ، عن يحيى بن عُبيدٍ المكيِّ، عن عطاءٍ، عن عمرَ بن أبي سلمةَ، قال: نزلَت هذه الآيةُ على النبيِّ ﷺ وهو في بيت أمّ سلمةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

فدعا حَسنًا وحسينًا وفاطمةَ، وأجلَسَهم بينَ يديه، ودعا عليًّا فأجلَسه خلفه، فتجلَّل هو وهم بالكساءِ، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ [بَيْتي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا".

قالت أمُّ سلمةَ: أنا معهم] (٢)؟

قال (٣): "مكانَك، وأَنْتِ على خَيْرٍ" (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّباحُ بنُ يحيى المرّيُّ، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشأمِ: أما قرَأتَ في الأحزابِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟

قال: ولأنتم هم؟

قال: نعم (٥).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ مِسْمارٍ، قال: سمعتِ عامرَ بنَ سعدٍ، قال: قال سعدٌ: قال رسولُ الله ﷺ حينَ نزَل عليه الوحيُ، فأَخَذَ عليًّا وابنيه وفاطمةَ، وأدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم قال: "رَبِّ هَؤُلاءِ أَهْلِى، وأَهْلُ بَيْتى" (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ القدوسِ، عن الأعمشِ، عن حكيمِ بن سعدٍ، قال: ذكَرْنا عليَّ بن أبى طالبٍ ﵁ عند أمِّ سلمةَ.

قالت: فيه (٢) نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

قالت أمُّ سلمةَ: جاء النبيُّ ﷺ إلى بيتي، فقال: "لا تَأْذَني لأحَدٍ".

فجاءت فاطمةُ، فلم أستطِعْ أن أحجبَها عن أبيها، ثم جاء الحسنُ، فلم أستطِعْ أن أمنعَه أن يدخلَ على جدِّه وأمِّه، وجاء الحسينُ، فلم أستِطعْ أن أحجُبَه، فاجتمَعوا حولَ النبيِّ ﷺ على بِساطٍ، فجلَّلهم نبيُّ اللهِ بكساءِ كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وَطَهَّرْهُمْ تَطْهِيرًا"، فنزَلت هذه الآيةُ حينَ اجتمَعوا على البِساطِ؛ قالت: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ: وأنا؟

قالت: فواللهِ ما أَنعمَ (٣)، وقال: "إنَّكِ إلى خَيْرٍ" (٤).

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الأصْبغُ بنُ (٥) علقمةَ، قال: كان عكرمةُ يُنادِى في السوقِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

قال: نزلت في نساءِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكِرُه لأزواجِ نبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْنَ نِعمة اللهِ عليكنَّ؛ بأن جعلكنَّ في بيوتٍ تُتلى فيها آياتُ اللهِ والحكمةُ، فاشكُرْنَ اللَّهَ على ذلك، واحمِدنَه عليه، وعُنى بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي السنةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك (٢).

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ذا لُطفٍ بكنَّ، إذ جعَلكنَّ في البيوتِ التي تُتلى فيها آياتُه والحكمةُ، خبيرًا بكُنَّ إذ اختاركَن لرسولِه أزواجًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن المتذلِّلِين للَّهِ بالطاعةِ والمتذلِّلاتِ، والمصَدّقين والمصَدِّقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ، فيما أتاهم به مِن عندِ اللهِ، والقانتينَ والقانتاتِ للهِ، والمطيعين للهِ والمطيعاتِ له فيما أمَرهم ونهَاهم، والصادقين الله فيما عاهَدوه عليه والصادقاتِ فيه، والصابرين للهِ في البأساءِ والضرَاءِ على الثباتِ على دينِه، وحينَ البأسِ والصابراتِ، والخاشعةَ قلوبُهم للهِ وجَلًا منه ومِن عقابهِ والخاشعاتِ، والمتصدِّقين والمتصدِّقاتِ: وهم المؤدُّون حقوقَ اللهِ مِن أموالِهم والمؤدِّياتِ، والصائمين شهرَ رمضانَ الذي فرَض اللهُ صومَه عليهم والصائماتِ ذلك، والحافظين فروجَهم، إلا على أزواجِهم أو ما ملَكت أيمانُهم، والحافظاتِ ذلك إلا على أزواجهنَّ، إن كنّ حرائرَ، أو مَن مَلَكَهُنَّ إن كنّ إماءً، والذاكرِين الله بقلوبِهم وألسنتِهم وجوارحِهم والذاكراتِ كذلك ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعنى ثوابًا في الآخرةِ على ذلك مِن أعمالهم عظيما، وذلك الجنةُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: دخَل نساءٌ على نساءِ النبيِّ ﷺ، فقلْن: قد ذكَرَ كنَّ الله في القرآنِ، ولم نُذكرْ بشيءٍ، أما فينا ما يُذْكَرُ؟

فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: أي المطيعين والمطيعاتِ، ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: أي الخائفين والخائفاتِ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنةِ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.

قال: الجنةَ.

وفى قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾.

قال: المطيعين والمطيعات (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ، عن عامرٍ، قال: القانتات: المطيعات.

حدَّثنا ابن بشارٍ (٣)، قال: ثنا مَؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ، يُذكرُ الرجال ولا نُذكر، فنزَلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، أن يحيى بنَ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، حدَّثه عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلت: يا رسولُ اللهِ، أيُذكرُ الرجالُ في كلِّ شيءٍ، ولا نُذكرُ؟

فأنزَل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٥).

الآية.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا سَيَّارُ بنُ مظاهرٍ العَنَزِيُّ، قال: ثنا أبو كدينةَ يحيى بن مهلَّبٍ، عن قابوسَ بن أبي ظَبيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال نساءُ النبيِّ ﷺ: ماله يَذكرُ المؤمنين، ولا يذكرُ المؤمناتِ؟

فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (١).

الآية.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولهَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾.

قال: قالت أمُّ سلمةَ زوجُ النبيِّ ﷺ: ما للنساءِ لا يُذكرنَ مع الرجالِ في الصلاحِ؟

فأنزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ.

حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، [قال: ثنا أبو هشامٍ] (٢)، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شيبةَ، قال: سمعت أمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ ﷺ تقول: قلتُ للنبيِّ ﷺ: يا رسولُ اللهِ، ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجالُ؟

قالت: فلم يَرُعْنى ذاتَ يومٍ ظهرًا إلا نداؤه على المنبر، وأنا أُسرِّحُ رأسى، فلفَفْتُ شَعَرى ثم خرَجتُ إلى حُجرةٍ مِن [حُجَرِ بيتى] (٣)، فجعَلت سمعي عندَ الجريدِ، فإذا هو يقولُ على المنبرِ: "يا أيُّها النَّاسُ إن اللَّهَ يَقُولُ في كتابِهِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾.

إلى قولِه: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (١) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لم يكنْ لمؤمنٍ باللهِ ورسولهِ ولا مؤمنةٍ، إذا قضَى اللَّهُ ورسولُه في أنفسِهم قضاءً - أن يَتَخيَّروا مِن أمرِهم غيرَ الذي قضَى فيهم، ويُخالفوا أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه وقضاءَهما، فيعْصُوهما، ومَن يَعْصِ الله ورسولَه فيما أمرا أو نَهَيا ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.

يقولُ: فقدْ جار عن قصدِ السبيلِ، وسلَك غيرَ سبيلِ الهدَى والرَّشادِ.

وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت في زينبَ بنتِ جَحْشٍ حينَ خطَبها رسولُ الله ﷺ على فتاه زيدِ بن حارثةَ، فامتنَعت مِن إنكاحِه نفسَها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، وذلك أنَّ رسولُ اللهِ ﷺ انطَلَق يَخطُبُ على فتَاه زيدِ بنِ حارثةَ، فدخَل على زينبَ بنتِ جحْشٍ الأسديَّة، فخطَبها، فقالت: لستُ بناكِحَتِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فانْكِحِيه".

فقالت: يا رسولَ اللَّهِ أُوَّامَرُ في نفسى؟

فبينَما هما يَتَحدَّثان أنزَل الله هذه الآيةَ على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾.

قالت: قد رَضِيته لى يا رسولُ اللهِ مَنْكَحًا؟

قال: "نعم".

قالت: إذن لا أعْصى رسولَ اللهِ، قد أَنكَحْتُه نفسى (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.

قال: زينبُ بنتُ جحشٍ.

وكراهتُها نكاحَ زيدِ بن حارثةَ حينَ أمرَها به رسولُ اللهِ ﷺ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.

قال: نزَلت هذه الآيةُ في زينبَ بنتَ جحشٍ، وكانت بنتَ عمَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، فخطَبها رسولُ اللهِ ﷺ فرَضِيت، ورأتْ أنه يَخْطُبُها على نفْسِه؛ فلما علِمت أنه يَخطبُها على زيدِ بن حارثةَ، أبَت وأنكرت، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.

قال: فتابَعَتْه بعدَ ذلك ورَضِيتْ (٣).

حدَّثني أبو عبيدٍ الوصابيُّ (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ حميرٍ، قال: ثنا ابن لهيعةَ، عن ابن أبي عمرةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خطَب رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ لزيدِ بن حارثةَ، فاستَنْكَفَت منه وقالت: أنا خيرٌ منه حَسَبًا.

وكانت امرأةً فيها حِدَّةٌ، فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الآيةَ كلَّها (١).

وقيل: نزَلت في أمِّ كُلْثومٍ بنتَ عُقْبَةَ بن أَبي مُعَيطٍ، وذلك أنها وهَبت نفسَها لرسولِ اللهِ ﷺ، فزوَّجها زيدَ بنَ حارثةَ.

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: نزَلت في أمِّ كُلْثومٍ بنتِ عقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، وكانت (٢) أوَّلَ مِن هاجَر مِن النساءِ، فوهَبت نفسَها للنبيِّ ﷺ، فزوَّجها زيدَ بنَ حارثةَ، فسَخِطَت هي وأخوها، وقالا: إنما أرَدنا رسولُ اللهِ ﷺ، فزوَّجنا عبدَه.

قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخر الآية، قال: وجاء أمرٌ أجمَعُ مِن هذا؛ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].

قال: فذاك خاص، وهذا جِمَاعٌ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾.

قولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ عتابًا من للهِ له: واذكرْ يا محمدُ إذ تقولُ للذي أنعَم اللهُ عليه بالهدايةِ، وأنْعَمْتَ عليه بالعِتْقِ.

يعنى بذلك (١) زيدَ بنَ حارثةَ مولى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.

وذلك أن زينبَ بنتَ جَحْش - فيما ذُكر - رآها رسولُ اللهِ ﷺ فأعْجبَتْه، وهي في جِبالِ مولاه، فأُلْقِيَ في نفسِ زيدٍ كراهتُها؛ لِما علِم الله مما وقع في نفسِ نبيِّه ما وقَع، فأراد فراقَها، فذكَر ذلك الرسولِ اللهِ ﷺ: زيدٌ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾.

وهو ﷺ [في ذلك] (٢) يحبُّ أن تكونَ قد بانَت منه لِينْكِحَها، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يقولُ (٣): وخَفِ الله في الواجبِ عليك في زوجتك، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾.

يقولُ: وتُخفى في نفسِك محبةَ فراقِه إيَّاها؛ لِتَتَزوَّجَها إن هو فارَقها، واللَّهُ مُبْدٍ ما تُخفى في نفسِك مِن ذلك، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وتخافُ أن يقولُ الناسُ: أمر رجلًا بطلاقِ امرأتِه، ونكَحها حينَ طلَّقها، واللَّهُ أَحقُّ أن تَخْشاه مِن الناسِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾.

وهو زيدٌ أنْعَم اللهُ عليه بالإسلامِ، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أَعْتَقه رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾.

قال: وكان يُخْفى في نفسه وُدَّ أنه طلَّقها.

قال الحسنُ: ما أُنزِلَت عليه آيةٌ كانت أشدَّ عليه منها، قولَه: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾.

ولو كان نبيُّ الله ﷺ كاتما شيئًا مِن الوحيِ لكتَمها، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.

قال: خشىَ نبيُّ اللهِ ﷺ مقالةَ الناسِ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان النبيُّ ﷺ قد زوَّج زيدَ بنَ حارثةَ زينب بنتَ جَحْشِ ابنةَ عمتِه، فخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا يُرِيدُه، وعلى البابِ سِتْرٌ مِن شعرٍ، فرفَعت الريحُ السترَ فانْكَشَف، وهي في حُجِرتِها.

حاسرةٌ، فوقَع إعجابُها في قلبِ النبيِّ ﷺ، فلمَّا وقَع ذلك كُرِّهَت إلى الآخرِ، قال: فجاء.

فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى أُرِيدُ أن أُفارِقَ صاحبتي.

قال: "مَا لك، أرابَك منها شيءٌ؟

" قال: لا، واللهِ ما رابَنى منها شيءٌ يا رسولُ اللهِ، ولا رأيتُ إلا خيرًا.

فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.

فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: تُخْفِى في نفسك إن فارقَها تزَوَّجْتَها (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحرشيُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أبي حمزةَ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في زينبَ بنتَ جَحْشٍ (٣).

حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن عليٍّ بن زِيدِ بن جُدْعَانَ عن عليّ بن حسينٍ قال: كان اللهُ ﵎ أعْلَم نبيَّه ﷺ أن زينبَ سَتَكُونُ مِن أزواجه، فلما أتاه زيدٌ يَشْكوها قال: "اتَّقِ الله وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ".

قال اللهُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (١).

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: لو كتَم رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا مما أو حِى إليه مِن كتابِ اللهِ لكتَم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٢).

وقولُه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا قضَى زيدَ بنَ حارثةَ مِن زينبَ حاجتَه؛ وهى الوطَرُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): ودَّعَنى قبلَ أَنْ أُودِّعَه … لمَّا قضَى مِن شبابنِا وَطَرَا ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.

يقولُ: زوَّجناك زينبَ بعدَ ما طلَّقها زيدٌ، وبانت منه؛ ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.

[يقولُ: لكيلا يكونَ على المؤمنين حرجٌ.

يعنى: إثمٌ في أزواجِ أدعيائهم] (٤) يعني: في نكاحِ نساء مَن تبَنَّوا، وليسوا ببَنِيهم ولا أولادِهم على صحةٍ، إذا هم طلَّقوهن وبِنَّ منهم، ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.

يقولُ: إذا قضَوا منهن حاجاتِهم وآرائهم، وفارَقوهنَّ وحَلَلْنَ لغيرِهم، ولم يَكُنْ ذلك نزولًا منهم لهم عنهن، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.

يقولُ: وكان ما قضَى اللَّهُ مِن قضاءٍ مفعولًا، أي: كان كائنًا لا مَحَالة، وإنما يعنى بذلك أن قضاءَ اللهِ في زينبَ أن يَتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ، كان ماضيا مفعولًا كائنًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.

يقولُ: إذا طلَّقُوهن، وكان رسولُ اللهِ ﷺ تَبَنَّى زيدَ بنَ حارثةَ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.

إذا كان ذلك منه غيرَ نازلٍ لك، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].

حدَّثني محمدُ بنُ عثمان الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عِرْفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جَحْشٍ، قال: تَفاخَرَت عائشةُ وزينبُ.

قال: فقالت زينبُ: أنا الذي نزل تزويجى (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: كانت زينبُ زوجُ النبيِّ ﷺ تقولُ للنبيِّ ﷺ: إني لأدِلُّ عليكَ بثلاثٍ، ما مِن نسائِك امرأةٌ تَدِلُّ بهن؛ أن جدِّى وجدَّك واحدٌ، وأنى أَنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِن السماءِ، وإِن السَّفِيرَ جَبرائيلُ ﵇ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾: مِن إثمٍ فيما أَحَلَّ اللَّهُ له مِن نكاحِ امرأةِ مَن تَبَنَّاه بعد فراقِه إياها.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾.

أي: أَحَلَّ اللَّهُ له (٢).

وقولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.

يقولُ: لم يَكُنِ اللَّهُ تعالى لِيُؤْثِمَ نبيَّه فيما أحَلَّ له، مثالَ فعله بمن قبلَه مِن الرسلِ الذين مضَوْا قبلَه، في أنه لم يُؤْثِمُهم بما أحَلَّ لهم، لم يَكُنْ لنبيه أن يَخْشَى الناسَ فيما أمَره به أو أحَلَّه له، ونُصِب قولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾.

على معنى: حقًّا مِن اللهِ، كأنه قال: فعَلْنا ذلك سنةً منا.

وقولُه ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.

يقولُ: وكان أمرُ اللهِ قضاءً مَقْضِيًّا.

وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: إن الله كان علمُه معه، قبلَ أن يخْلُقَ الأشياء كلَّها، فائْتَمَر في علمِه أن يَخْلُق خلقًا، ويَأْمُرَهم وينهاهم، ويَجْعَلَ (٣) ثوابًا لأهلِ طاعتِه، وعقابًا لأهلِ معصيتِه، فلما ائْتَمَر ذلك الأمرُ قدَّرَه، فلما قدَّره كُتِب، وغاب عليه، فسمَّاه الغيب وأمَّ الكتابِ، وخلَق الخلَق على ذلك الكتابِ، أرزاقَهم، وآجالَهم، وأعمالَهم، وما يُصِيبُهم مِن الأشياء؛ مِن الرخاءِ والشدةِ، مِن الكتابِ الذي كتبه أنه يُصِيبُهم، وقرأَ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾.

حتى إذا نفد ذلك ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧].

وأمرُ اللهِ الذي ائْتَمر قدَّره حيَن قدَّره مُقَدِّرًا، فلا يَكونُ إلا ما في ذلك، وما في ذلك الكتابِ، وفى ذلك التقديرِ، ائْتَمر أمرًا، ثم قدَّره، ثم خلَق عليه، فقال: كان أمرُ اللَّه الذي مضَى وفرغ منه، وخلَق عليه الخلقَ ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: شاء أمرًا لتَمْضِىَ به أمرُه وقدره، وشاء أمرًا يرضاه مِن عبادِه في طاعتِه، فلمَّا أن كان الذي شاءِ مِن طاعتِه لعبادِه رضِيَه لهم، ولما أن كان الذي شاء أراد أن يَنْفُذَ فيه أمرُه وتدبيرُه وقدرُه، وقرَأ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف:١٧٩].

فشاء أن يكون هؤلاء مِن أهلِ النارِ، وشاء أن تكونَ أعمالهم أعمالَ أهلِ النارِ، فقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧].

هذه أعمالُ أهلِ النارِ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾.

قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢].

وقرَأ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] أن يُؤْمِنوا بذلك، قال: فأَخْرَجوه مِن اسمِه الذي تَسَمَّى به.

قال: هو الفعَّال لما يُريدُ، فزعموا أنه ما أراد.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: سنةُ اللهِ في الذين خلَوْا مِن قبل محمدٍ مِن الرسل، الذين يُبَلِّغون رسالاتِ اللَّهِ إلى مَن أُرْسلوا إليه، ويخافون الله في تركِهم تبليغَ ذلك إيَّاهم.

ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إيَّاه يَرْهَبون، إن هم قصَّروا عن تبليغِهم رسالةَ اللهِ إلى مَن أُرْسِلوا إليه.

يقولُ لنبيِّه محمدٍ: فمِن أولئك الرسلِ الذين هذه صفتُهم، فكُنْ ولا تَخْشَ أحدًا إلا الله، فإنَّ الله يَمْنَعُك مِن جميعِ خلقِه، ولا يَمْنَعُك أحدٌ مِن خلقِه منه، إن أراد بك سوءًا.

و "الذين" مِن قوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾.

خفضٌ ردًّا على "الذين" التي في قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾.

وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكفاك يا محمدُ باللهِ حافظُا لأعمالِ خلقِه، ومُحاسِبًا لهم عليها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما كان أيُّها النَّاسُ محمدٌ أبا زيدَ بنَ حارثةَ، ولا أبا أحدٍ مِن رجالِكم الذين لم يَلِدْه محمدٌ - فيحرُمَ عليه نكاحُ زوجتِه بعد فِراقِه إياها؛ ولكنه رسولُ الله وخاتمُ النبِيِّين، الذي ختَم النُّبوَّةَ فطبَع عليها، فلا تُفْتحُ لأحدٍ بعدَه إلى قيامِ الساعةِ، وكان اللهُ بكلِّ شيءٍ مِن أعمالِكم ومقالِكم وغيرِ ذلك، ذا علمٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.

قال: نزَلت في زيدٍ؛ إنه لم يكنْ بابْنِه، ولعَمْرِى ولقد وُلِد له ذكورٌ، إنه لأبو القاسمِ وإبراهيمَ والطَّيِّبِ والمطهَّرِ، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

أي: آخرَهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرِ (٢) ابن ذُعْلُوقٍ، عن عليٍّ بن الحسينِ في قولِه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.

قال: نزلت في زيدَ بنَ حارثةَ (٣).

والنَّصْبُ في رسولُ اللهِ ﷺ بمعنى تكريرِ: كان (٤) رسولُ اللهِ ﷺ، والرَّفعُ يعنى الاسْتِئنافَ؛ ولكن هو رسولُ اللهِ، والقراءةُ النَّصْبُ عندَنا (٥).

واختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

فقرَأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ سِوى الحسنِ وعاصمٍ، بكسرِ التاء مِن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

بمعنى أنه خَتَمَ النَّبِيِّين، ذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (لكنَّ نبيًّا ختَم النبيين) (٦).

فذلك دليل على صحةِ قراءةِ مِن قرأَه بكسرِ التاءِ، بمعنى أنه الذي خَتَم الأنبياءَ ﷺ وعليهم.

وقرَأ ذلك - فيما يُذْكَرُ - الحسنُ وعاصمٌ: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

بفتحِ التاء، بمعنى: أنه آخرُ النبِيِّين، كما قرَأ: (مختومٍ.

خاتَمُه مِسْكٌ).

بمعنى: آخرُه مِسكٌ، مَن قرأ ذلك كذلك (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يَأَيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اذْكُروا الله بقلوبكم وألسنتِكم وجوارِحِكم ذكرًا كثيرًا، فلا تخلو أبدانكم مِن ذكرُه في حالٍ مِن أحوالِ طاقتِكم ذلك.

﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.

يقولُ: صلوا له عُدْوةً صلاةَ الصبحِ، وعشيًّا صلاة العصر.

وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ربُّكم الذي تذْكُرونه الذِّكْرَ الكثير، وتسبِّحونه بُكرةً وأصيلًا، إذ أنتم فعَلْتُم ذلك، الذي (٢) يرحمُكم، ويُثْنى عليكم هو، ويدْعو لكم (٣) ملائكتُه.

وقيل: إن معنى قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾.

يُشِيعُ عنكم (٤) الذِّكر الجميلَ في عبادِ اللَّهِ.

وقولُه: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

يقولُ: تدْعو ملائكةُ اللهِ لكم، فيُخْرجُكم اللهُ مِن الضَّلالةِ إلى الهُدى، ومِن الكفرِ إلى الإسلامِ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.

يقولُ: لا يَفرِضُ على عبادِه فريضةً إلا جعَل لها حدًّا معلومًا، ثم عذَر أهلَها في حالِ عُذرٍ غيرَ الذِّكْرِ، فإن الله لم يَجْعَلْ له حدًّا يُنْتَهى إليه، ولم يَعْذِرْ أحدًا في تَرْكِه إلا مغلوبًا على عقلِه؛ فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].

بالليلِ والنهارِ في البرِّ والبحرِ، وفي السفرِ والحضرِ، والغِنى والفقرِ، والسَّقمِ والصحةِ، والسرِّ والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.

فإذا فعلتُم ذلك صلَّى عليكم هو وملائكتُه، قال اللهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: صلاةَ الغَداة، وصلاةَ العصرِ (٢).

وقولُه: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

أي: من الضَّلالات إلى الهُدى.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

قال: مِن الضَّلالة إلى الهدى، قال: والضَّلالةُ الظُّلمات، والنورُ الهدى.

وقولُه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه: وكان بالمؤمنين به ورسوله ذا رحمةٍ أن يعذِّبَهم وهم له مطيعون، ولأمره مُتَّبعون.

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.

يقولُ جلّ ثناؤُه: تحيةُ هؤلاء المؤمنين يومَ القيامةِ في الجنةِ سلامٌ، يقولُ بعضُهم لبعضٍ: أَمَنَةٌ لنا ولكم بدُخولِنا هذا المَدْخَلَ مِن اللهِ أن يعذِّبَنا بالنار أبدًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.

قال: تحيةُ أهلِ الجنةِ السلامُ (١).

وقولُه: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.

يقولُ: وأعدَّ لهؤلاء المؤمنين ثوابًا لهم على طاعتِهم إياه في الدنيا كريمًا، وذلك هو الجنةُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أي الجنةَ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، إنا أرسَلناك شاهدًا على أمتِك، بإبلاغِك إياهم ما أرسَلناك به من الرسالةِ، ومبشِّرَهم بالجنةِ إن صدَّقوك، وعمِلوا بِما جئَتهم به من عندِ ربِّك، ونذيرًا مِن النارِ أن يَدْخلوها، فيُعذَّبوا بها إن هم كذَّبوك، وخالَفوا ما جئتَهم به مِن عندِ اللهِ.

وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ (١) على أمتِك بالبلاغِ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنارِ (٢).

وقولُه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.

يقولُ: وداعيًا إلى توحيدِ اللهِ، وإفرادِ الألوهةِ له، وإخلاصِ الطاعةِ لوجهِه، دونَ كلِّ مَن سواه مِن الآلهةِ والأوثانِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ (٢).

وقولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.

يقولُ: بأمرِه إياك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.

يقولُ: وضياءً لخلقِه، يَسْتَضِيءُ بالنورِ الذي أتيتَهم به مِن عندِ اللَّهِ، عباده، ﴿مُنِيرًا﴾.

يقولُ: ضياءً يُنيرُ لمن استضاء بضوئِه، وعمِل بما أمَره.

وإنما يَعْنى بذلك: أنه يَهْدِى به مَن اتبعه مِن أَمتِه.

وقولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وبشِّرْ أهلَ الإيمانِ باللهِ يا محمدُ بأن لهم مِن اللهِ فضلًا كبيرًا.

يقولُ: بأن لهم مِن ثوابِ اللهِ (٣) على طاعتهم إياه تضعيفًا كثيرًا (٤)، وذلك هو الفضلُ الكبيرُ من اللهِ لهم.

وقولُه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.

يقولُ: ولا تُطِع لقولِ كافرٍ ولا منافقٍ، فتسمعَ منه دعاءَه إياك إلى التقصيرِ في تبليغِ رسالاتِ اللهِ إلى مَن أرسَلك بها إليه مِن خلقِه ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.

يقولُ: وأعرِض عن أذاهم لك، واصبِرْ عليه، ولا يُثْنِك (١) ذلك عن القيامِ بأمرِ اللهِ في عبادِه، والنفوذِ لما كلَّفك.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.

قال: أعرِض عنهم (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾: أي اصبِرْ على أذاهم (٣).

وقولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

يقولُ: وفوِّض إلى اللهِ أمورَك، وثِق به، فإن الله كافيك جميعَ مِن دونه، حتى يأتيَك أمرُه وقضاؤه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

يقولُ: وحسبُك باللهِ قَيِّمًا بأمورِك، وحافظًا لك وكالئًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقُوا الله ورسولهَ، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، يَعْنى: مِن قبلِ أن تجامِعوهن، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، يعنى: مِن إحصاء أقْراءٍ ولا أشهرٍ تحصُونها عليهنَّ، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.

يقولُ: أعطُوهنّ ما يَسْتَمْتِعن به مِن عرَضٍ أو عينِ مالٍ.

وقولُه: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

يقولُ: وخَلُّوا سبيلَهنّ تخليةً بالمعروفِ، وهو التسريحُ الجميلُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.

فهذا في الرجل يتزوج المرأةَ، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلِ أن يمسَّها، فإذا طلَّقها واحدةً بانت منه، ولا عدّةَ عليها، تتزوّجُ مَن شاءَت، ثم قرأ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

يقولُ: إن كان سَمَّى لها صداقًا، فليس لها إلا النصفُ، فإِنْ لم يَكُنْ سَمَّى لها صداقًا، متَّعها على قدرِ عسرِه ويُسْرِه، وهو السراحُ الجميلُ (١).

وقال بعضُهم: المتعةُ في هذا الموضعِ منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قولِه: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

قال: قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: ثم نَسَخ هذا الحرفُ المُتَعَةَ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن سعيد بن المسيب، قال: نُسخت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٢).

قال: نَسَخت هذه الآيةُ التي في "البقرة" (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾.

يعنى: اللاتي تزوَّجْتَهنَّ بِصَدَاقٍ مُسَمًّى.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾.

قال: صَدُقاتِهنَّ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾.

قال: كان كلُّ امرأةٍ آتاما مهرًا، فقد أَحَلَّها اللَّهُ له.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

فما كان مِن هذه التسميةِ ما شاء كثيرًا أو قليلًا.

وقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾.

يقولُ: وأَحْلَلْنا لك إماءَك اللَّواتي سبَيَتْهَن، فملَكْتَهن بالسِّباءِ، وصِرْنَ لك بفتحِ اللهِ عليك مِن الفَيْءِ، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، فأحلَّ اللهُ له ﷺ مِن بنات عمِّه وعماتِه وخالِه وخالاتِه، المهاجراتِ معه منهن، دونَ مِن لم يهاجِرْ منهن معه.

كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبيدُ (٢) اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ عن أمِّ هانئ، قالت: خطَبني رسولُ اللهِ ﷺ، فاعتذرتُ إليه (٣) فعذَرني (٤)، ثم أنزَل اللهُ عليه: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾.

قالت: فلم أحلَّ له (١)، لم أُهَا جِرْ معه، كنتُ مِن الطُّلَقاءِ (٢).

وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وبَنَاتِ حَالاتِكَ وَاللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) بواوٍ (٣)، وذلك وإن كان كذلك في قراءته، محتملٌ أن يكونَ بمعنى قراءِتنا بغيرِ الواوِ، وذلك أن العربَ تدخلُ الواوَ في نعتِ مَن قد تقدَّم ذكْرُه أحيانًا، كما قال الشاعرُ (٤): فإِنَّ رُشَيدًا وابنَ مَرْوانَ لم يَكُنْ … لِيَفْعَلَ حتى يُصْدِرَ الأمرَ مُصْدَرَا ورشيدٌ هو ابن مرْوانَ.

وكان الضحاكُ بنُ مُزاحمٍ يتأوَّلُ قراءةَ عبد اللهِ هذه أنهن نوعٌ غيرُ بناتِ خالاتِه، وأنهنَّ كُلُّ مُهاجرةٍ هاجَرت مع النبيِّ ﷺ.

ذكرُ الخبر عنه بذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في حرفِ ابن مسعودٍ: (وَاللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ).

يعنى بذلك: كلَّ شيءٍ هاجَر معه ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، ولا مِن بناتِ الخالِ والخالةِ.

وقولُه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.

يقولُ: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً إن وَهَبَت نفسها للنبيِّ بغير صَداقٍ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ بغيرِ صداقٍ، فلم يَكُنْ يُفْعَلُ ذلك وأَحِلَّ له خاصةً مِن دونِ المؤمنين (١).

وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِيِّ) (٢).

بغيرِ "إن"، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها "إن" واحدٌ، وذلك كقول القائلِ في الكلامِ: لا بأسَ أن يَطَأَ جاريةً مملوكةً إن ملكها، وجاريةً مملوكةً ملكها.

وقولُه: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾.

يقولُ: إن أراد أن ينكحَها، فحلالٌ له أن ينكحَها إذا وهبَت نفسَها له بغيرِ مهرٍ، ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، يقولُ: لا يَحِلُّ لأحدٍ مِن أُمَّتِك أن يقربَ امرأةً وهبَت نفسَها له، وإنما ذلك لك يا محمدُ خالصةً أُخلِصَت لك مِن دونِ سائرِ أُمتِك.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: ليس لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ أُمرِ وليٍّ ولا مهرٍ، إلا للنبيِّ، كانت له خالصةً (٣) مِن دونِ الناسِ، ويزعُمون أنها نزلَت في ميمونةَ بنتِ الحارثِ، أنها التي وهبَت نفسها للنبيِّ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: كان كلُّ امرأةٍ أتاها مهرًا، فقد أحلَّها اللهُ له إلى أن وهَب هؤلاء أنفسَهنَّ له، فأُحْلِلْنَ له دونَ المؤمنين بغير مَهْرٍ، خالصةً لك مِن دونِ المؤمنين، إلا امرأةً لها زوجٌ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن صالحِ بن مسلمٍ، قال: سألتُ الشعبيِّ عن امرأةٍ وهبَت نفسَها لرجلٍ، قال: لا يكونُ، لا تحِلُّ له، إنما كانت للنبيِّ ﷺ (١).

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾؛ فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بكسرِ الألفِ على وَجْهِ الجزاء، بمعنى: إن تَهَبْ.

وذُكر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ: (أنْ وَهَبَتْ).

بفتحِ الألفِ (٢)، بمعنى: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً أن ينكحَها؛ لهبَتِها له نفسَها.

والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها في ذلك كسرُ الألفِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه.

وأما قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ليس ذلك للمؤمنين.

وذُكر أن رسولَ اللهِ ﷺ قبلَ أن تنزَل عليه هذه الآيةُ يتزوَّجُ أيَّ النساءِ شاء، فقصَر اللهُ على هؤلاء، فلم يَعْدُهُنَّ وقصَر سائرَ أمَّتِه على مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ؛ رجلٍ مِن الأنصار، عن أُبيِّ بن كعبٍ أن التي أحلَّ اللهُ للنبيِّ ﷺ مِن النساءِ، هؤلاء اللاتى ذكَر اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾.

وإنما أحلَّ اللهُ للمؤمنين مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ.

وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قال: حَرَّم اللَّهُ عليه ما سِوى ذلك مِن النساءِ، وكان قبلَ ذلك ينكحُ في أيِّ النساءِ شاء، لم يُحَرِّمْ ذلك عليه، فكان نساؤُه يَجِدْنَ مِن ذلك وَجْدًا شديدًا، أن ينكح في أيِّ الناسِ أحبَّ، فلما أنزل اللهُ أنى قد حرَّمتُ عليك مِن النساءِ سوى ما قَصَصْتُ عليك، أعجَب ذلك نساءَه (١).

واختلَف أهلُ العلمِ في التي وهَبت نفسَها لرسولِ اللهُ ﷺ مِن المؤمناتِ، وهل كانت عندَ رسول اللهِ ﷺ امرأةٌ كذلك؟

فقال بعضُهم: لم يَكُنْ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ إلا بعقدِ نكاحٍ، أو مِلْكِ يمينٍ، فأما بالهِبَةِ فلم يَكُنْ عندَه منهنَّ أحدٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بن بُكَيرٍ، عن عَنْبسةَ بن الأَزهرِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لم يَكُنْ عند رسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ وهبَت نفسَها (١).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.

قال: أَن تَهَبَ (٢).

وأما الذين قالوا: قد كان عندَه منهن؛ فإن بعضُهم قال: كانت ميمونةَ بنتَ الحارثِ.

وقال بعضُهم: هي أمُّ شَرِيكٍ.

وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمةَ.

ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.

قال: هي ميمونةُ بنتُ الحارثُ (٣).

وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمةَ، أم المساكينِ، امرأةٌ مِن الأنصارِ (٤).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى الحكمُ، قال: كتَب عبدُ الملكِ إلى أهلِ المدينةِ يسألُهم، قال: فكتَب إليه عليٌّ - قال شعبةُ: وهو ظَنِّي عليَّ بنَ حُسينٍ، قال: وقد أخبَرنى به أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكم، أنه عليُّ بن الحسينِ الذي كتَب إليه - قال: هي امرأةٌ مِن الأَزدِ (١)، يقالُ لها: أَمُّ شَرِيكٍ.

وهَبَت نفسها للنبيِّ (٢).

قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبى السَّفَرِ، عن الشعبيِّ، أنها امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهَبَت نفسها للنبيِّ، وهى ممن أَرْجَأ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني سعيدٌ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، أن (٤) خَوْلةَ بنتَ حكيمِ بن الأوقصِ من بني سُلَيمٍ، كانت مِن اللاتي وَهَبْنَ أنفسَهنَّ الرسول اللهِ ﷺ (٥).

قال: ثنى سعيدٌ، [وابنُ] (٦) أبي الزنادِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أمَّ شَرِيكٍ كانت وهَبت نفسَها للنبيِّ ﷺ، وكانت امرأةً صالحةً (٧).

وقولُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه: قد عَلِمنا ما فرَضْنا على المؤمنين في أزواجِهم إذا أرادوا نكاحَهنَّ، مما لم نفرِضْه عليك، وما خَصَصْناهم به مِن الحكمِ في ذلك دونَك، وهو أنا فرَضْنا عليهم ألا يَحِلَّ لهم عقدُ نكاحٍ على حرةٍ مؤمنةٍ (١) إلا بوليٍّ عَصَبةٍ وشهودٍ عدولٍ، ولا يَحِلُّ لهم منهنَّ أكثرُ مِن أربعٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد اللهُ بن أحمد شَبُّويَه، قال: ثنا مُطَهَّرٌ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أبي، عن مَطَرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾.

قال: إن مما فرَض اللهُ عليهم ألا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدَين.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾.

قال: في الأربعِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ?.

قال: كان مما فرَض اللهُ عليهم ألا تُزَوَّجَ امرأَةٌ إلا بوليٍّ وصَداقٍ عند شاهدَىْ عدلٍ، ولا يحلُّ لهم مِن النساءِ إلا أربعٌ، وما ملَكت أيمانُهم (٣).

وقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه: قد علِمنا ما فرَضنا على المؤمنين في أزواجِهم؛ لأنه لا يَحِلُّ لهم منهن أكثرُ مِن أربعٍ، وما ملكَت أيمانُهم؛ فإن جميعهَن إذا كُنَّ مؤمناتٍ أو كتابياتٍ، لهم حلالٌ بالسِّبَاءِ والتَّسَرِّي وغيرِ ذلك مِن أسبابِ المِلْكِ.

وقولُه: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

يقولُ تعالى ذكْرُه: إنا أحلَلْنا لك يا محمدُ أزواجَك اللَّواتى ذكَرنا في هذه الآيةِ، وامرأةً مؤمنةً إن وهَبَت نفسَها للنبيِّ، إن أرادَ النبيُّ أن يستنكحَها؛ لكيلا يكونَ عليك إثمٌ وضيقٌ في نكاحِ مِن نكحتَ مِن هؤلاء الأصنافِ، التي أبحتُ لك نكاحهنَّ، مِن المسمَّياتِ في هذه الآيةِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لك ولأهلِ الإيمانِ بك، ﴿رَحِيمًا﴾ بك وبهم، أن يعاقبَهم على سالفِ ذنبٍ منهم، سَلَف بعدَ توبتِهم منه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بقولِه: ﴿تُرْجِي﴾: تؤخِّرُ، وبقولِه: ﴿وَتُؤْوِي﴾: تَضُمُّ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾.

يقولُ: تُؤخِّرُ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾.

قال: تعزلُ بغيرِ طلاقٍ مِن أزواجِكَ مَن تشاءُ: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.

قال: تَرُدُّها إليك (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.

قال: فجعله اللهُ في حِلٍّ مِن ذلك؛ أَن يَدَعَ مَن يَشَاءُ منهنَّ، ويأتِيَ (٢) مِن يشاءُ منهنَّ بغيرِ قَسْمٍ، وكان نبيُّ اللَّهِ يَقْسِمُ (٣).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.

قال: لما أَشْفَقْنَ أَن يُطلقهنَّ، قُلْنَ: يا نبيَّ اللَّهِ، اجعلْ لنا مِن مالِك ونفسِك ما شئتَ.

فكان ممن أَرْجَى منهنَّ؛ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ، وجُوَيرية، وصَفيةُ، وأمُّ حبيبة، وميمونةُ، وكان ممن آوَى إليه؛ عائشةُ، وأمُّ سَلَمَةَ، وحَفْصةُ، وزينبُ (٤).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: فما شاء صنَع في القِسْمةِ بينَ النساءِ، أحَلَّ اللَّه له ذلك (٥).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزيِنٍ في قولِه ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: وكان ممن آوَى ﵇؛ عائشةُ، وحَفْصةُ، وزينبُ، وأمُّ سَلَمَةَ، فكان قَسْمُه مِن نفسه لهنَّ سَواءَ قَسْمِه، وكان ممن أَرْجَى؛ سَوْدةُ، وجُوَيرية، وصفيةُ، وأمُّ حبيبةَ، وميمونةُ، فكان يَقْسِمُ لهنَّ ما شاء، وكان أرادَ أن يُفارِقَهن؛ فقلن: اقْسِمْ لنا مِن نفسِك ما شئتَ، ودَعْنا نكونُ على حالِنا (١).

وقال آخرون: معنى ذلك: تُطلِّقُ وتُخَلِّي سبيلَ مَن شئتَ مِن نسائك، وتُمْسِكُ مَن شئتَ منهنَّ، فلا تُطلِّقُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: أمهاتِ المؤمنين، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: يعني: نساءَ النبيِّ ﷺ، ويعنى بالإرجاء: يقولُ: مَن شئتَ خَلَّيتَ سبيله منهنَّ، ويعنى بالإيواءِ، يقولُ: مَن أحببتَ أمسكتَ منهنَّ (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تَتْرُكُ نكاحَ مَن شَئتَ، وتَنْكِحُ مَن شَئتَ مِن نساءِ أُمَّتِك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.

قال: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ إذا خطَب امرأةٌ لم يَكُنْ لرجلٍ أن يخطبَها، حتى يتزوجَها أو يتركَها (١).

وقيل: إن ذلك إنما جعَل اللهُ لنبيِّه حينَ غارَ بعضُهن على النبيِّ ﷺ، وطلَب بعضُهن مِن النفقة زيادةً على الذي كان يُعْطِيها، فأمَره اللهُ أن يُخيِّرَهن بين الدارِ الدنيا والآخرةِ، وأن يُخلِّيَ سبيلَ مَن اختارَ الحياةَ الدنيا وزينتَها، ويمسكَ مَن اختارَ الله ورسولَه، فلما اخترنَ اللَّهَ ورسولَه قيل لهنَّ: اقْرَرْنَ الآنَ على الرِّضا باللَّهِ وبرسولِه، قَسَم لكُنَّ رسول الله ﷺ أو لم يَقْسِمُ، أو قسَم لبعضِكن ولم يقسِمْ لبعضِكن، وفضَّل بعضَكن على بعضٍ في النفقةِ أو لم يُفَضِّلْ، سَوَّى بينَكن أو لم يُسَوِّ، فإن الأمرَ في ذلك إلى رسول اللهِ ﷺ، ليس لكُنَّ مِن ذلك شيء، وكان رسولُ اللهِ ﷺ، فيما ذُكر، مع ما جعَل اللهُ له مِن ذلك، يُسَوِّي بينَهن في القَسْم إلا امرأةً منهن أرادَ طلاقَها، فرضِيَت بتَرْكِ القَسْمِ لها.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: لما أرادَ النبيُّ ﷺ أن يُطلِّقَ أزواجَه، قُلْنَ له: افرِضْ لنا مِن نفسِك ومالِك ما شئتَ، فأمَره اللهُ فآوَى أربعًا، وأَرْجَى خمسًا (٢).

حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدة (٣) بن سليمانَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عائشة أنها قالت: أما تَسْتَحْيِي المرأةُ أَن تَهَبَ نفسَها للرجل؟

حتى أنزل اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.

فقلتُ: إن ربَّك ليُسارعُ في هَواك (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٌ، يعنى العَبْدِي، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعيرُ النساءِ اللاتى وهَبْنَ أَنفسَهنَّ لرسولِ الله ﷺ وقالت: أما تَسْتَحْيى امرأةٌ أن تعرض نفسَها بغيرِ صداقٍ؟

فنزلَت - أو فأنزَل اللهُ -: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾.

فقلتُ: إنى لأرى ربَّك يُسارِعُ لك في هَواك (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية.

قال: كان أزواجُه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ، فهجرهنَّ شهرًا، ثم نزَل التخييرُ مِن اللهِ له فيهن، فقَرأ حتى بلَغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

فخيرهنَّ بينَ أن يخترنَ أن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهن، وبينَ أن يَقُمْنَ إن أردنَ اللهُ ورسولَه على أنهنَّ أمهاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤْوِى إليه مَن يشاءُ منهنَّ، ممن وهَب نفسَه له، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغى ممن هي عندَه وعَزَلَ، فلا جناحَ عليه، ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُهنَّ ولا يحزنَّ، ويَرْضَين إذا عَلِمن أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ، ذلك أدْنَى أَنْ يرضَينْ قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾.

مَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه، فخيَّرهن بينَ أن يرضَين بهذا أو يُفارقَهن، فاختَرْنَ الله ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً بدويةً ذهبَتَ، وكان على ذلك، صلواتُ اللهِ عليه، وقد شرَط اللهُ له هذا الشرطَ، ما زال يَعْدِلُ بينَهن حتى لَقِىَ الله (١).

وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكْرُه جعَل لنبيِّه أن يُرْجىَ مِن النساءِ اللواتى أحَلَّهن له مَن يشاءُ، ويُؤْوِيَ إليه منهن مَن يَشَاءُ، وذلك أنه لم يَحْضُرُ معنى الإرجاءِ والإيواءِ على المنكوحاتِ اللواتي كُنَّ في حباله - ثمَّ (٢) نزلت هذه الآيةُ - دونَ غيرهنَّ ممن يَسْتَحْدِثُ إيواءَها أو إرجاءَها منهنّ.

وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ: تؤخِّرُ مَن تشاءُ ممن وهَبَت نفسَها لك، وأحللتُ لك نكاحَها، فلا تَقْبَلْها ولا تَنْكِحْها، [وممن هي] (٣) في حبالِك، فلا تقربْها، وتضمَّ إليك مِن تشاءُ، ممن وهَبَت نفسَها لك، أو أردتَ مِن النساءِ التي أحللتُ لك نكاحَهن، فتقبلُها أو تنكحها، وممن هي في جبالك، فتُجامِعُها إذا شئتَ، وتتركُها إذا شئتَ بغيرِ قَسْم.

وقولُه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومَن نكحتَ مِن نسائِك فجامَعْتَ، ممن لم تنكحْ، فعزلتَه عن الجماعِ، فلا جناحَ عليك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾.

قالا (١) جميعًا: هذه في نسائِه، إن شاء أَتَى مَن شاء منهنَّ ولا جناحَ عليه (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾.

قال: ومَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن استبدلتَ ممن أرجيتَ، فخليتَ سبيلَه؛ مِن نسائِك أو ممن مات منهن، ممن أحللتُ لك، فلا جناحَ عليك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.

يعنى بذلك: النساءِ اللاتى أحلَّ اللهُ له، مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، والخالِ والخالةِ ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، يقولُ: إن مات مِن نسائِك اللاتى عندك أحدٌ، أو خَلَّيتَ سبيلَه، فقد أحللتُ لك أن تستبدلَ مِن اللاتى أحللتُ لك مكانَ مَن مات مِن نسائِك اللاتى كنَّ (٣) عندك، أو خَلَّيتَ سبيلَه منهن، ولا يصلحُ لك أن تزدادَ على عِدَّةِ نسائِك اللاتي عندَك شيئا (٤).

وأَولى التأويلَين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: ومَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك ممن عَزَلْتَ عن ذلك منهنَّ، فلا جناحَ عليك لدلالةِ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ على صحةِ ذلك؛ لأنه لا معنَى لأن تَقَرُّ أعينُهن إذا هو ﷺ استَبدَل بالميتةِ أو المطلقةِ منهنَّ، إلا أن يَعْنِيَ بذلك: ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُ المَنْكوحةِ منهن، وذلك مما يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيل، بعيدٌ.

وقولُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾، يقولُ: هذا الذي جعلتُ لك يا محمدُ مِن إذنى لك أن تَرْجِيَ مَن تشاءُ مِن النساءِ اللَّواتي جعلتُ لك إرجاءَهنَّ، وتُؤْوِيَ مَن تشاءُ مِنهنَّ، ووَضْعِى عنك الحَرَجَ في ابتغائِك إصابةَ مَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك، وعَزْلِك عن ذلك مِن عزَلتَ منهنَّ - أقربُ لنسائِك ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ (١) بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ مِن تَفْضِيل مَن فضَّلتَ مِن قَسْم، أو نفقةٍ، وإيثارِ مِن آثَرت منهن بذلك على غيرِه مِن نسائِك إذا هنَّ علِمْنَ أَنه مِن رِضايَ منك بذلك، وإِذْنى لك به، وإطلاقٍ منى لا مِن قِبَلِك.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إِذا عَلِمن أن هذا جاء مِن اللهِ الرخصةٍ، كان أطيبَ لأنفسهنّ، وأقلَّ لحُزنهنَّ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله ذلك، نحوَه.

والصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ الرفعُ، غير جائزٍ غيره عندَنا، وذلك أن ﴿كُلُّهُنَّ﴾ ليس بنعتٍ للهاءِ في قولِه: ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾.

وإنما معنى الكلامِ: ويَرْضَيْن كلُّهن، فإنما هو توكيدٌ لما في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ مِن ذكرِ النساءِ، فإذا جُعِل توكيدًا للهاءِ التي في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ يَكُنْ له معنًى، والقراءةُ بنصبه غيرُ جائزةٍ لذلك، ولإجماعِ الحجة مِن القرأةِ على تخطِئِة قارئِه كذلك.

وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾.

يقولُ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قلوبِ الرجالِ مِن ميلِها إلى بعضِ مِن عندَه مِن النساءِ دونَ بعضٍ، بالهوى والمحبةِ؛ يقولُ: فلذلك وضَع عنك الحرجَ يا محمدُ فيما وَضِع عنك مِن ابتغاءِ مِن ابْتَغَيْتَ منهنَّ ممن عَزَلتَ؛ تفضُّلًا منه عليك بذلك وتكرمةً.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾.

يقولُ: وكان اللهُ ذا علمٍ بأعمالِ عبادِه، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿حَلِيمًا﴾.

يقولُ: ذا حِلْمٍ على عبادِه، أن يُعاجِلَ أهلَ الذنوبِ منهم بالعقوبةِ، ولكنه ذو حِلْمٍ وأَناةٍ عنهم؛ ليتوبَ مَن تاب منهم، ويُنيبَ مِن ذنوبه مَن أناب منهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ نسائِك اللاتي خَيَّرْتهنَّ، فاختَرن الله ورسولَه والدارَ الآخرةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية إلى: ﴿رَقِيبًا﴾.

قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يتزوجَ بعدَ نسائِه الأوَلِ شيئًا (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾.

قال: لما خيَّرهن، فاخترْنَ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ قصَره عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾.

وهُنَّ التسعُ اللاتى اخترْنَ اللَّهَ ورسولَه (٢).

وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ بعدَ التي أَحْلَلْنا لك بقولِنا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.

وكأن قائلى هذه المقالة وجَّهوا الكلامَ إلى أن معناه: لا يحِلُّ لك مِن النساءِ إلا التي أَحْلَلْناها لك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ، قال لأبي بن كعبٍ: هل كان للنبيِّ ﷺ لو مات أزواجُه أن يتزوَّج؟

قال: ما كان يحرِّمُ عليه ذلك؟

فقرأتُ عليه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾.

قال: فقال: أحلَّ له ضربًا مِن النساءِ، وحرَّم عليه ما سواهن، أحلَّ له كلَّ امرأةٍ أتى أجرها، وما ملكت يمينُه مما أفاء اللهُ عليه، وبناتِ عمِّه، وبناتِ عمّاتِه، وبناتِ خاله، وبناتِ خالاتِه، وكلَّ امرأةٍ وهَبت نفسَها له، إن أراد أن يستنكحها، خالصةً له مِن دونِ المؤمنين.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، عن زيادٍ الأنصاريِّ، قال: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: أرأيت لو مات نساءُ النبيِّ ﷺ، أكان يحلُّ له أن يتزوَّجَ؟

قال: وما يحرِّمُ ذلك عليه؟

قال: قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.

قال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي موسى، عن زيادٍ، رجلٍ مِن الأنصارِ، قال: قلت لأبي بن كعبٍ: أرأيتَ لو أن أزواجَ النبيِّ ﷺ تُوُفِّين، أما كان له أن يتزوَّجَ؟

فقال: وما يمنَعُه مِن ذلك؟

- وربما قال داودُ: وما يحرِّمُ عليه ذلك؟

- قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.

فقال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.

ثم قيل له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢).

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامُ بن سَلْمٍ، عَن عَنْبسَةَ، عَمِن ذَكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.

قال: أُمِر أن لا يتزوَّجَ أعرابيةً ولا عربيَّةً (٣)، ويتزوَّجَ بعدُ مِن نساءِ تهامةَ، ومن شاء مِن بناتِ العمِّ والعمَّةِ، والخالِ والخالةِ، إن شاء ثلاثمائةٍ (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمة: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [قال: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ] (١) هؤلاء اللاتى سمَّى اللَّهُ إلا ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ الآية (٢).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.

يعنى: مِن بعدِ التسميةِ.

يقولُ: لا يحِلُّ لك امرأةٌ إلا ابنةُ عمٍّ أو ابنةُ عمةٍ، أو ابنةُ خالٍ أو ابنه خالةٍ، أو امرأةٌ وهبت نفسَها لك، مِن كان منهن هاجَر مع نبيِّ اللهِ ﷺ، وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (وَاللَّاتِى هاجَرْنَ مَعَكَ) (٣).

يعنى بذلك: كلِّ شيءٍ هاجَر معه، ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، ولا من بناتِ الخالِ والخالةِ (٤).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءِ مِن غيرِ المسلماتِ، فأما اليهوديَّاتُ والنصرانيَّاتُ والمشركاتُ فحرامٌ عليك.

ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يهوديَّةٌ، ولا نصرانيَّةٌ، ولا كافرةٌ (٥).

وأولى الأقوالِ عندى بالصحة قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ مِن بعدِ اللواتي أحللتُهن لك بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.

وإنما قلت ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ عَقِيبَ قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا﴾.

وغيرُ جائز أن يقولُ: قد أَحْلَلتُ لك هؤلاء، ولا يحلُلْنَ لك، إلَّا بنسخِ أحدِهما صاحبَه، وعلى أن يكونَ وقتَ فرض إحدى الآيتين، فعَلَ (١) الأخرى منهما.

فإذ كان ذلك كذلك، ولا برهانَ ولا دلالةَ على نسخِ حكمِ إحدى الآيتين حكمَ الأخرى، ولا تقدُّم تنزيل إحداهما قبلَ صاحبتها، وكان غيرَ مستحيلٍ مخرجُهما على الصحةِ، لم يجْز أن يقالَ: إحداهما ناسخةٌ الأخرى.

وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ لقول مِن قال: معنى ذلك: لا يحلُّ مِن بعدِ المسلمات، يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، معنًى مفهومٌ؛ إذ كان قولُه: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ إنما معناه: مِن بعدِ المسمَّيات المتقدِّمِ ذكرُهن في الآيةِ قبلَ هذه الآيةِ، ولم يكنْ في الآيةِ المتقدِّمِ فيها ذكرُ المسمَّياتِ بالتحليلِ لرسول الله ﷺ ذكرُ إباحةِ المسلمات كلِّهن، بل كان فيها ذكرُ أزواجهِ وملكِ يمينهِ الذي يُفيءُ اللَّهُ عليه، وبناتِ عمِّه وبناتِ عماتهِ، وبناتِ خالِه وبناتِ خالاتِه، اللاتى هاجرْنَ، معه، وامرأةٍ مؤمنةٍ إن وهبَت نفسَها للنبيِّ - فتكونَ الكوافر مخصوصاتٍ بالتحريمِ - صحَّ ما قلْنا في ذلك دونَ قولِ مَن خالف قولنَا فيه.

واختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ ﴿يَحِلُّ﴾ بالياء (٢)، بمعنى: لا يحلُّ لك شيءٌ مِن النساءِ بعدُ.

وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل البصرةِ: (لا تَحِلُّ لَكَ النَّسَاءُ) بالتاءِ (١)، توجيهًا منه إلى أنه فعلٌ للنساءِ، والنساءُ جمعٌ للكثيرِ منهن.

وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك: قراءةُ مِن قرأه بالياءِ (٢)؛ للعلة التي ذكرتُ لهم، ولإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على القراءةِ بها، وشذوذِ مِن خالفهم في ذلك.

وقولُه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءِ مِن بعدِ المسلماتِ، لا يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن مِن الكوافرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾: ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن مِن النصارى واليهودِ والمشركين، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (٣).

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رزينٍ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾.

قال: لا يحلُّ لك أن تتزوَّجَ مِن المشركاتِ إلا مِن سَبَيْتَ، فملَكَتْه يمينُك منهن (٤).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبدَّلَ بأزواجِك اللواتي هن في حبالِك أزواجًا غيرهَن، بأن تطلِّقَهن وتنكِحَ غيرَهن.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.

يقولُ: لا يصلُحُ لك أن تطلِّقَ شيئًا مِن أزواجِك ليس يعجبُك، فلم يكنْ يصلُحُ ذلك له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبادلَ مِن أزواجك غيرَك، بأن تعطيَه زوجتك، وتأخُذَ زوجتَه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.

قال: كانت العربُ في الجاهليةِ يتبادلون بأزواجِهم، يعطى هذا امرأتَه هذا، ويأخُذُ امرأتَه، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: لا بأسَ أن تبادِلَ بجاريتِك ما شئتَ أن تُبادِلَ، فأما الحرائرُ فلا، قال: وكان ذلك مِن أعمالِهم في الجاهليةِ (١).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معنى ذلك: ولا أن تُطلِّقَ أزواجَك، فتستبدلَ بهن غيرَهن أزواجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لما قد بيَّنا قبلُ مِن أن قولَ الذي قال معنى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يحِلُّ لك اليهوديةُ و (١) النصرانيةُ والكافرةُ - قولٌ لا وجهَ له.

فإذ كان ذلك كذلك، فكذلك قولُه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ كافرةً لا معنَى له؛ إذ كان من المسلمات مِن قد حُرِّم عليه بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ بالذي (٢) دللَّنا عليه قبلُ.

وأما الذي قاله ابن زيدٍ في ذلك أيضًا، فقولٌ لا معنَى له؛ لأنه لو كان بمعنى المبادلة، لكانت القراءةُ والتنزيلُ: ولا أن تُبادِل بهن مِن أزواج، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بهن، بضمِّ التاءِ، ولكنَّ القراءةَ المجمعَ عليها: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدلَ بهن.

مع أن الذي ذكرُ ابن زيدٍ مِن فعل الجاهليةِ غيرُ معروفٍ في أمةٍ نعلمه الأممِ، أن يبادِلَ الرجلُ آخرَ [امرأته الحرَّةَ] (٣) بامرأته الحرَّةِ، فيقالَ: كان ذلك مِن فعلهم، فنُهى رسولُ اللهِ ﷺ عن فعلِ مثلهِ.

فإن قال قائلٌ: أفلم يكنْ الرسول اللهِ ﷺ أن يتزوَّجَ امرأةً على نسائِه اللواتي كنَّ عندَه، فيكونَ موجهًا تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ إلى ما تأوَّلتَ؟

أو قال: وأينَ ذكرُ أزواجه اللواتى كنَّ عندَه في هذا الموضعِ، فتكونَ الهاءُ مِن قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ مِن ذكرِهن وتوهَّمَ أن الهاءَ في ذلك عائدةٌ على ﴿النِّسَاءُ﴾ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؟

قيل: قد كان لرسولِ اللهِ ﷺ أن يتزوَّجَ مِن شاء مِن النساءِ اللواتي كان اللهُ أحلَّهن له، على نسائه اللاتى كن عنده يوم نزلت هذه الآيةُ، وإنما نُهى ﷺ بهذه الآية أن يفارق كان عنده بطلاقٍ أراد به استبدال غيرها بها؛ لإعجاب حسن المستبدَلة بها إيَّاه؛ إذ كان الله قد جعَلهن أمهات المؤمنين، وخيَّرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرةِ والرضا بالله ورسوله، فاخَتَرن الله ورسوله والدار الآخرة، فحُرِّمن على غيره بذلك، ومُنع من فراقهن بطلاقٍ، فأما نكاح غيرهن فلم يُمنع منه، بل أحلَّ الله له ذلك، على ما بيَّن في كتابه.

وقد روى عن عائشة أن النبي ﷺ لم يُقبض حتى أحلَّ اللَّهُ له نساءَ أهل الأرض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحِلَّ له النساءُ.

يعنى أهل الأرضِ.

حدَّثني عبيد بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، قالت: ما مات رسولُ الله ﷺ حتى أُحِلَّ له النساءُ (١).

حدَّثنا العباس بن أبى طالب، قال: ثنا مُعَلى، قال: ثنا وهيبٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيد بن عُمير الليثيِّ، عن عائشةَ، قالت: ما تُوفِّى رسولُ الله ﷺ حتى أُحِلَّ له أن يتزوَّجَ من النساءِ ما شاء (٢).

حدَّثني أبو زيد عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أحسَبُ عبيد بن عُمير حدَّثنى - قال أبو زيد: وقال أبو عاصمٍ مرة - عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له النساءَ.

قال: وقال أبو الزُّبير: شهدتُ رجلًا يحدِّثه عطاءٌ (١).

حدثنا أحمدُ بن منصورٍ، قال: ثنا، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا همامٌ، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى حلَّ له النساءُ.

فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر على ما وصفت، من أن اللَّهَ حَرَّم على نبيِّه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتى خيَّرهن فاخْتَرْنَه، فما وجه الخبر الذي رُوى عنه، أنه طلَّق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سَوْدةً، حتى صالحته على ترك طلاقه إيَّاها، ووهَبَت يومَها لعائشة؟

قيل: كان ذلك قبل نزول هذه الآية.

والدليل على صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبل تحريم الله على نبيِّه طلاقهن، الروايةُ الواردةُ أن عمر دخل على حفصة معاتبها (٢)، حين اعتزل رسولُ اللهِ ﷺ نساءه، كان من قيله لها: قد كان رسولُ اللهِ طلقك (*)، فكلّمته فراجعك، فوالله لئن طلقك - أو لو كان طلَّقك - لا كلَّمتُه فيك (٣).

وذلك لا شكَّ قبل نزولِ آية التخيير؛ لأن آيةَ التخيير إنما نزلت حين انقضى وقت يمين رسول الله ﷺ على اعتزالهن.

وأما أمرُ الدلالة على أن أمرَ سَوْدةَ كان قبل نزول هذه الآية، أن اللَّهَ إنما أمر نبيَّه بتخيير نسائه بين فراقه والمُقام معه على الرضا بأن لا قَسْمَ لهن، وأنه يُرْجِى من يشاءُ منهن، ويُؤوى منهن من يشاءُ، ويُؤْثِرُ من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له تعالى ذكره: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.

ومن المحال أن يكون الصلحُ بينها وبين رسول الله ﷺ جرى على تركها يومها لعائشةَ في حالِ لا يومَ لها منه.

وغيرُ جائزٍ أن يكونَ كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يومٌ، هو لها حقٌّ، كان واجبًا على رسول الله ﷺ أداؤه إليها، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير؛ لما قد وصفتُ قبلُ فيما مضى من كتابنا هذا (١).

فتأويلُ الكلام: لا يحلُّ لك يا محمدُ النساءُ من بعدِ اللواتى أَحْلَلْتُهن لك في الآية قبلُ، ولا أن تُطلِّق نساءَك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدل بهن من أزواجٍ، ولو أَعْجَبك حسنُ من أردتَ أن تبدَّل به منهن، إلا ما ملكت يمينُك.

و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾.

رفعٌ؛ لأن معناها: لا يحلُّ لك النساءُ من بعدُ، ولا الاستبدالُ بأزواجك.

و ﴿إِلَّا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾.

استثناءٌ من النساء.

ومعنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ من بعدِ اللواتى أَحْلَلْتُهن لك، إلا ما ملكت يمينُك من الإماء، فإن لك أن تملك من أي أجناس الناسِ شئت من الإماء.

وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.

يقولُ: وكان الله على كلِّ شيءٍ، ما أحل لك وحرَّم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلِّها، حفيظًا لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كلِّه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.

أي: حفيظًا في قول الحسن وقتادة (١).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾.

يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوتَ نبيِّ الله إلا أن تُدْعَوْا إلى طعام تَطْعَمُونه، ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

يعنى: غير مُنتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدرٌ من قولهم: قد قد أَنَى هذا الشيءُ يَأنِي إنًى وَأَنْيًا وَأَنَاء.

قال الحُطَيئةُ (٢): وآنيْتُ العَشاء إلى سُهَيْلٍ … أو الشِّعْرَى فَطال بى الأناءُ وفيه لغةٌ أُخرى، يقالُ: قد آن لك؛ [أي: يَئينُ لك] (١) أَيْنا، ونال لك، وأنالَ لك.

ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العَجّاجِ (٢).

هاجَتْ وَمِثْلِى نَوْلُه أَن يَرْبَعا (٣) … حمامةٌ هاجَتْ (٤) حمامًا سُجَّعًا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

قال: مُتَحَيِّنين نُضْجَه (٥).

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه: عن ابن عباس: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

يقولُ: غير ناظرين الطعامَ أَن يُصْنَعَ (٦).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

قال: غير مُتحَيِّنين طعامه.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة مثله (٧).

ونصْبُ ﴿غَيْرَ﴾ في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.

لأن الكافَ والميمَ معرفةٌ، و"غيرَ" نكرةٌ، وهي من صفةِ الكافِ، والميمِ.

وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: لا يجوزُ في "غيرُ" الجرُّ على الطعامِ، إلا أن تقولَ: أنتم.

ويقولُ: ألا ترى أنك لو قلت: أبدَى لعبدِ اللَّهِ على امرأةٍ مُبغضًا لها.

لم يكَنْ فيه إلا النصبُ، إلا أن تقولَ: مُبْغِضٍ لها هو.

لأنك إذا أجريتَ صفتَه عليها، ولم تُظهرِ الضميرَ الذي يدُلُّ على أن الصفةَ له، لم يكنْ كلامًا، لو قلتَ: هذا رجلٌ مع امرأةٍ مُلازمِها.

كان لحنًا، حتى ترفَعَ فتقولَ: ملازِمُها.

أو تقولَ: مُلازمِها هو.

فنجُر.

وَكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقول (١): لو جعَلتَ "غيرَ" في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

خَفْضًا كان صوابًا؛ لأن قبلَها الطعامَ وهو نكرةٌ، فيُجعَلُ فعلُهم تابعًا للطعامِ، لرجوعِ ذكرِ الطعامِ في "إناهُ"، كما تقولُ العربُ: رأيتُ زيدًا مع امرأةٍ مُحسِنًا إليها، ومُحسنِ إليها.

فمن قال: محسنًا، جعَله من صفةِ زيدٍ، ومَن خفَضه فكأنه قال: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسِنُ إليها.

فإذا صارت الصلةُ للنكرةِ أتبعَتْها، وإن كانت فعلًا لغيرِ النكرةِ، كما قال الأعشى (٢): فَقُلْتُ له هذه هاتِها … إِلَيْنَا بِأَدْمَاءَ مُقْتَادِها فجعَل المقتادَ تابعًا لإعرابِ "بأدماءَ"؛ لأنه بمنزلةِ قولِك: بأدماءَ تقتادُها.

فخفَضَه؛ لأنه صلةٌ لها.

قال: وقد يُنْشَدُ: "بأدماءِ مقتادِها".

بخفضِ الأدماءِ، لإضافتِها إلى المقتادِ، قال: ومعناه: هاتِها على يَدَى مَن اقتادَها.

وأنشَد أيضًا (١): وإنَّ امْرَأً أَهْدَى إِلَيْكِ ودُونَه … مِن الأَرْضِ مَوْمَاةٌ وبَيْداءُ فَيْهَقُ لمَحَقْوقَةٌ أَنْ تَسْتَجيبى لِصَوْتِه … وأن تَعْلَمى أَنَّ المُعَانَ مُوَفَّقُ وحُكِى عن بعضِ العربِ سماعًا يُنْشِدُ: أرأيْتِ إِذْ أَعْطَيْتُكِ الوُدَّ كُلَّه … ولمْ يَكُ عِنْدِى إِنْ أَبَيْتِ إباءُ أمُسْلِمَتِى لِلْمَوْتِ أَنْتِ فَمَيِّتٌ … وَهَل لِلنُّفُوسِ المُسْلَماتِ بَقاءُ ولم يُقلْ: فميِّتٌ أنا.

وقال الكسائيُّ: سمِعتُ العربَ تقولُ: يدُكَ باسِطُها.

يريدونَ أنت، وهو كثيرٌ في الكلامِ، قال: فعلَى هذا يجوزُ خفضُ "غيرُ".

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا القولُ بإجازةِ جرِّ ﴿غَيْرَ﴾ في: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ في الكلامِ، لا في القراءةِ؛ لما ذكَرنا من الأبياتِ التي حكَيْناها، فأما في القراءةِ فغيرُ جائزٍ في: ﴿غَيْرَ﴾ غيرُ النصبِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على نصبِها.

وقولُه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾.

يقولُ: ولكن إذا دعاكم رسولُ الله ﷺ فادخُلوا البيتَ الذي أذِن لكم بدخولِه، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾.

يقولُ: فإذا أكَلتُم الطعامَ الذي دُعِيتُم لأكْلِه فانتشِروا، يعنى فتَفرَّقوا واخرُجوا من منزلِهِ، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾.

[يقولُ تعالى ذكرُه: لا تدخُلوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرين إناهُ وغيرَ مستأنسينَ لحديثٍ] (٢).

وقولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾.

في موضعِ خَفْضٍ عطفًا به على ﴿نَاظِرِينَ﴾، كما يقالُ في الكلامِ: أنت غيرُ ساكتٍ ولا ناطقٍ.

وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾.

في موضعِ نَصْبٍ عطفًا على معنى ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ لأن معناه: إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ، فيكونَ قولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾.

نصبًا حينئذٍ.

والعربُ تفعَلُ ذلك إذا حالت بينَ الأوّلِ والثاني، فترُدُّ الثانيَ (١) أحيانًا على لفظِ الأوّلِ، وأحيانًا على معناه، وقد ذكَر الفرَّاءُ أن أبا القمقامِ أنشدَه (٢): أجِدَّك لَسْت الدَّهْرَ رَائِىَ رَامَةٍ (٣) … ولا عاقِلٍ (٤) إِلَّا وأَنْتَ جَنِيبُ (٥) ولَا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ (٦) … ولا هابطٍ (٧) ما عشْتَ هَضْبَ شَطِيبٍ (٨) فردَّ مُصعِدٍ على أن رائىَ فيه باءٌ خافضةٌ، إذ حال بينَه وبينَ المُصْعِدِ بما حالَ بينَهما من الكلامِ.

ومعنى قولِه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: ولا مُتحَدِّثين بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ؛ إيناسًا من بعضِكم لبعضٍ به.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا (٩).

واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي نزَلت هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: نزلت بسببِ قومٍ طَعِموا عندَ رسولِ الله ﷺ في وليمةِ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ثم جلَسوا يتحدَّثون في منزلِ رسول الله ﷺ، وبرسول الله ﷺ إلى أهلِه حاجةٌ، فمنَعه الحياءُ من أمْرِهم بالخروجِ من منزلِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَنى رسولُ الله ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ، فَبُعِثْتُ داعيًا إلى الطعامِ، فدعوتُ، فيجئُ القومُ يأكلون ويخرُجون، ثم يجِيءُ القومُ يأكلون ويخرُجون، فقلتُ: يا نبيَّ الله قد دَعوتُ حتى ما أجِدُ أحدًا أَدْعُوه.

قال: "ارفَعوا طعامَكم".

وإن زينبَ الجالسةٌ في ناحيةِ البيتِ، وكانت قد أُعطِيتْ جمالًا، وبقِىَ ثلاثةُ نفَرٍ يتحدَّثون في البيتِ، وخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ مُنطلِقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ".

فقالوا: وعليك السلامُ يا رسولَ اللَّهِ، كيف وجَدتَ أهلَك؟

قال: فأتى حُجَرَ نسائِه، فقالوا مثَل ما قالت عائشةُ، فرجَع النبي ﷺ، فإذا الثلاثةُ يتحدَّثون في البيتِ، وكان النبيُّ ﷺ شديدَ الحياءِ، فخرَج النبيُّ ﷺ مُنطلقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فلا أدرِى أخبَرتْه، أو أُخبِر أن الرهطَ قد خرَجوا، فرجَع حتى وضَع رجلَه في أُسْكُفَّةٍ (١) داخلَ البيتِ، والأخرَى خارِجَه، إِذ أَرْخَى السَّترَ بينى وبينَه، وأُنزِلت آيةُ الحجابِ (٢).

حدَّثني أبو معاويةَ بشرُ بنُ دِحيةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سأَلنى أُبيُّ بنُ كَعْبٍ عن الحجابِ، فقلتُ: أنا أعلَمُ الناسِ به، نزَلت في شأنِ زينبَ؛ أَوْلَم النبيُّ ﷺ عليها بتمرٍ وسَوِيقٍ، فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.

إلى قولِه: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١).

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمى، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى أنسُ بنُ مالكٍ، أنه كان ابنَ عشْرِ سنينَ مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ إلى المدينةِ، فكنتُ أعلَمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حينَ أُنزِلَ، [لقد كان أي: أبيُّ بنُ كعبٍ يسألُنى عنه.

قال: وكان أولَ ما أُنزِلَ] (٢) فِي مُبْتَنَى رسولِ اللَّهِ ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ؛ أصبَح رسولُ الله ﷺ بها عَرُوسًا، فدعا القومَ، فأَصابوا من الطعامِ ثم (٣) خرَجوا، وبَقِيَ منهم رَهْطٌ عندَ رسولِ الله ﷺ، فأطالوا المُكْثَ، فقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فخرَج، وخرَجتُ معه، لكي يخرُجوا، فمشَى رسولُ اللهِ ﷺ ومشَيْتُ معه، حتى جاء عَتَبةَ حجرةِ عائشةَ زَوْحِ النبيِّ ﷺ، ثم ظَنَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنهم قد خرَجوا، فرجَع ورَجَعْتُ معه، حتى دخَل على زينبَ، فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجَع رسولُ اللهِ ﷺ، ورجَعْتُ معه، فإذا هم قد خرَجوا، فضرَب بينى وبينَه سِترًا، وأُنزِل الحجابُ (٤).

حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: دعوتُ المسلمينَ إلى وليمة رسول الله ﷺ، صبيحةَ بنَى بزينبَ بنتِ جَحْشٍ، فأوسَعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجَع كما كان يصنَعُ، فأَتَى حُجَرَ نسائِه فسلَّم عليهنَّ، فَدَعَوْن له، ورجَع إلى بيتِه وأنا معه، فلما انتهَيْنا إلى البابِ إذا رجلان قد جرَى بهما الحديثُ في ناحيةِ البيتِ، فلما أبصَرهما ولَّى راجعًا، فلما رأيا النبيَّ ﷺ ولَّى عن بيتِه، ولَّيا مُسْرِعَين، فلا أَدْرِى أنا أخبَرتُه، أو أُخبِر، فرجَع إلى بيتِه، فأرخَى السِّتْرَ بينى وبينَه، ونزَلت آيةُ الحجابِ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ لرسولِ الله ﷺ: لو حَجَبْتَ عن أمهاتِ المؤمنين.

فإنه يدخُلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فنزَلت آيةُ الحجابِ (٢).

حدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ بن معروفٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أنا أعلَمُ الناسِ بهذه الآيةِ؛ آيةِ الحجابِ، لمّا أُهدِيَتْ زينبُ إلى رسولِ الله ﷺ صنَع طعامًا، ودَعا القومَ، فجاءوا فدخَلوا، وزينبُ مع رسولِ الله ﷺ في البيتِ، وجعَلوا يتحدَّثون، وجعَل رسولُ الله ﷺ يخرُجُ ثم يدخُلُ وهم قعودٌ، قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.

قال: فقامَ القومُ، وضُرِب الحجابُ (٣).

حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا أَبي، عن بيانٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بنَى رسول الله ﷺ بامرأةٍ من نسائِه، فأرسَلَني، فدعوتُ قومًا إلى الطعامِ، فلما أكَلوا وخرَجوا، قامَ رسولُ الله ﷺ مُنطلقًا قبَلَ بيتِ عائشةَ، فرأى رَجُلَيْن جالِسَيْن، فانصَرف راجعًا، فأنزَل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (١).

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال: ثنا [أبو نَهْشَلٍ] (٢)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أمَر عمرُ نساءَ النبيِّ ﷺ بالحجابِ، فقالت زينَبُ: يا بنَ الخطابِ، إنك لتَغارُ علينا والوحْىُ ينزِل في بيوتِنا.

فأنزَل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ مَرزوقٍ، قال: ثنا أَشْهَلُ بنُ حاتمٍ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ، عن أنسٍ، قال: وكنتُ مع النبيِّ ﷺ، وكان يَمرُّ على نسائِه.

قال: فأُتِى بامرأةٍ عَروسٍ، ثم جاءَ وعندَها قومٌ، فانْطلَق فقضَى حاجتَه واحتَبَس، وعادَ وقد خرَجوا، قال: فدخَل، فأَرْخَى بينى وبينَه سِترًا.

قال: فحدَّثتُ أبا طلحةَ، فقال: إن كان كما تقولُ، لينزِلَنَّ في هذا شيءٌ، قال: ونزَلت آيةُ الحجابِ (٤).

وقال آخرون: كان ذلك في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾.

قال: كان هذا في بيتِ أَمِّ سَلَمَةَ، قال: أكَلوا، ثم أَطالُوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ ﷺ يدخُلُ ويخرُجُ، ويستَحْيى منهم، والله لا يستَحْيى من الحقِّ (١).

قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.

قال: بلَغنا أنهنَّ أُمِرن بالحجابِ عندَ ذلك (١).

وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾.

يقولُ: إن دخولَكم بيوتَ النبيِّ، من غيرِ أن يؤذَنَ لكم، وجلوسَكم فيها مُستأنِسين للحديثِ، بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ الذي دُعيتم له - كان يؤذِى النبيَّ، فيستَحْيى منكم أن يُخرجَكم منها، إذا قعَدتُم فيها للحديثِ، بعدَ الفراغِ من الطعامِ، أو يمنعَكم من الدخولِ إذا دخَلتم بغيرِ إذنٍ، مع كراهيتِه لذلك منكم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ﴾ أَن يَتَبَيَّنَ لكم، وإن استَحْيا نبيُّكم (٢)، فلم يُبَيَّنْ لكم كراهيتَه (٣) ذلك؛ حياءً منكم، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.

يقولُ: وإذا سألتم أزواجَ رسولِ الله ﷺ ونساءَ المؤمنين اللواتي لَسْنَ (٤) لكم بأزواجٍ، متاعًا، ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.

يقولُ: من وراءِ سِترٍ بينَكم وبينَهن، ولا تدخُلوا عليهن بيوتَهن؛ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: سؤالُكم إياهن المتاع، إذا سألتموهن ذلك من وراء حجابٍ - أطهرُ لقلوبكم وقلوبِهن من عوارضِ العين فيها، التي تعرضُ في صدور الرجال من أَمْرِ النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحْرى من أن لا يكونَ للشيطان عليكم وعليهنَّ سبيلٌ.

وقد قيل: إن سبب أمرِ اللهِ النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلًا كان يأكُلُ مع رسولِ الله وعائشةُ معهما، فأصابت يدُها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله ﷺ.

[ذكر من قال ذلك] حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: أن رسول الله ﷺ كان يَطعَمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ منهم يدَ عائشةَ، فكره ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فنزلت آيةُ الحجاب (١).

وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيب ويعقوبُ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ.

عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن نساءك يدخُلُ عليهنَّ البرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرتَهن أن يحتَجِبْنَ؟

قال: فنزلت آيةُ الحجاب (٢).

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليَّةَ، قال: ثنا حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّي (١) عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: ثنى يونسُ، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشةَ، قالت: إن أزواج النبيِّ ﷺ كُنَّ يَخرُجن بالليل إذا تبرّزْنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمر يقولُ لرسول الله ﷺ: احجب نساءَك.

فلم يكُن رسولُ الله ﷺ، يفعَلُ، فخرَجتْ سَوْدة بنت زمعةَ، زوجُ النبيَّ ﷺ، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناكِ يا سودةُ.

حرصًا أن ينزِلَ الحجاب، قالت (٢): فأنزل الله الحجاب (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرجت سَوْدةُ لحاجتها، بعد ما ضُرِب علينا الحجابُ، وكانت امرأةً تَفْرَعُ النساء طولًا، فأبصرها عمرُ، فناداها: يا سوْدَةُ، إنك والله ما تخفين علينا، فانظُرى كيف تخرُجين، أو كيف تصنعين؟

فانكفأت، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وإنه ليتعَشَّى، فأخبرته بما كان، وما قال لها، وإن في يدِه لَعَرْقًا (٤)، فأُوحِى إليه، ثم رفع عنه، وإن العَرْقَ لفى يده، فقال: "قد أُذِن لكنَّ أن تخرُجنَ لحاجتكنَّ" (٥).

حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عطاءُ بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمرُ نساء النبيِّ ﷺ بالحجاب، فقالت زينبُ: يا بن الخطاب، إنك لتغارُ علينا والوحى ينزِلُ في بيوتنا؟

فأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١).

حدَّثني أبو أيوبَ البَهْرانيُّ (٢) سليمانُ بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه، قال: ثنى ابن حربٍ، عن الزُّبَيْديِّ، عن الزهريِّ، عن عروة، عن عائشة: أن أزواج النبيِّ ﷺ، كُنَّ يخرُجن بالليل إذا تَبرَّزنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمرُ بن الخطاب يقولُ لرسول الله ﷺ: احجُب نساءَك، فلم يكُن رسولُ اللهِ ﷺ يفعلُ، فخرجت سَوْدةُ بنتُ زَمعة زوج النبيِّ ﷺ ليلةً من الليالى عشاءً، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سوْدَةُ.

حرصًا على أن ينزل الحجابُ، قالت عائشةُ: فأنزل الله الحجاب، قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (٣).

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: وما ينبغى لكم أن تُؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم، ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾.

يقولُ: وما ينبغى لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا؛ لأنهنَّ أمهاتُكم، ولا يحلُّ للرجُل أن يتزوَّج أُمَّه.

وذُكر أن ذلك نزل في رجُلٍ كان يدخُلُ قبل الحجاب (٤)، قال: لئن مات محمدٌ لأتزوَّجَنَّ امرأةٌ من نسائه سمَّاها، فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.

قال: رُبَّما بلغ النبيَّ ﷺ أن الرجُل يقول: لو أن له النبيَّ ﷺ تُوفِّي، تَزوَّجتُ فلانةَ من بعده، قال: فكان ذلك يُؤذِى النبيَّ ﷺ، فنزل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية (١).

حدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن النبيَّ ﷺ مات وقد ملك قيلة (٢) بنت الأشعَثِ، فتزوَّجها عكرمةُ بن أبي جهلٍ بعد ذلك، فشقَّ على أبى بكرٍ مشقةً شديدةً، فقال له عمرُ: يا خليفة رسولِ اللَّهِ، إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيِّرها رسول الله ﷺ ولم يَحجُبها، وقدَ برَّأَها منه بالردَّةِ التي ارتدَّت مع قومها، فاطمَأَنَّ أبو بكرٍ وسكن (٣).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رسول الله ﷺ تُوفِّى وقد ملك (٤) بنتَ الأشعث بن قيسٍ، ولم يجامعها.

فذكر نحوه (٣).

وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.

يقول: إن أذاكُم رسول الله ﷺ، ونكاحكم أزواجه من بعده، عندَ اللَّهِ عظيم من الإثم.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾.

يقول تعالى ذكره: إن تُظهروا بألسنتكم شيئًا أيُّها الناسُ من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما قد (١) نَهاكم عنه، أو أذى لرسول الله ﷺ بقوله (٢): لأتزوَّجنَّ زوجته بعد وفاته.

﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾.

يقولُ: أو تُخْفُوا ذلك في أنفُسِكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.

يقولُ: فإن الله بكلِّ ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليمٌ لا يخفى عليه شيءٌ، وهو يُجازيكم على جميع ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لا حرج على أزواج رسول الله ﷺ في آبائهنَّ ولا إثمَ.

ثم اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي وضَع عنهنَّ الجُناحَ في هؤلاء؛ فقال بعضُهم: وضَع عنهنَّ الجناحَ في وَضْعِ جلابيبهنَّ عندَهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآيةِ كُلِّها، قال: أن تضَعَ الجلباب (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾.

ومَن ذكر معه أن يَرَوْهِنَّ (١).

وقال آخرون: وضَع عنهنَّ الجناحَ فيهم (٢) في تَرْكِ الاحتجاب [منهم.

ذكرُ مَن قال ذلك] (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ إلى: ﴿شَهِيدًا﴾: فرخَّص لهؤلاء أن لا يحتجِبْنَ منهم (٤).

وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: ذلك وضعُ الجناح عنهنَّ في هؤلاءِ المسمَّيْنَ أَن لا يَحْتَجِبْنَ منهم، وذلك أن هذه الآية عقيب آية الحجاب، وبعد قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.

فلأنْ (٥) يكونَ قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾.

استثناءً من جملة الذين أمروا بسؤالِهِنَّ المتاع من وراء الحجاب، إذا سألوهنَّ ذلك - أولى وأشبه من أن يكون خبرًا مبتدأ عن غير ذلك المعنى.

فتأويل الكلام إذن: لا إثم على نساء النبيِّ ﷺ، وأَمَّهاتِ المؤمنين، في إِذْنِهِنَّ لآبائِهِنَّ، وتَرْكِ الحجاب منهنَّ، ولا لأبنائهنَّ، ولا لإخوانهنَّ، ولا لأبناء إخوانهنَّ، وعَنَى بإخوانهنَّ وأبناء إخوانِهِنَّ إخوتهنَّ وأبناءَ إخوتهنَّ - وخرَجَ جَمْعُهم (٦) كذلك مخرج جمع فتى إذا جُمِعَ فتيانٌ، فكذلك جَمْعُ أخٍ إذا جُمِعَ إخوانٌ.

وأما إذا جُمِعَ إخوةٌ، فذلك نظيرُ جَمْعِ فتًى إذا جُمِعَ فتيةٌ - ولا أبناء أخَواتِهِنَّ (١)، ولم يذكر في ذلك العمَّ، على ما قال الشعبيُّ؛ حِذارًا من أن يصِفَهنَّ لأبنائه.

حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المنهال، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ وعكرمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.

قلتُ: ما شأن العمِّ والخالِ لم يُذْكَرا؟

قالا (٢): لأنهما يَنْعَتانِها لأبنائهما.

وكَرِها أن تضَعَ خِمارها عند خالها وعمِّها (٣).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حمادٌ، عن داود، عن عكرمة والشعبيِّ نحوه، غير أنه لم يذكُر يَنعَتانها.

وقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾.

يقولُ: ولا جُناح عليهنَّ أيضًا في أن لا يحتجِبْنَ من نساء المؤمنين.

كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾.

قال: نساء المؤمناتِ الحرائر، ليس عليهنَّ جناحٌ أن يَريْنَ تلك الزينة.

قال: وإنما هذا كلُّه في الزينة، قال: ولا يجوزُ للمرأة أن تنظُر إلى شيءٍ من عورة المرأة.

قال: ولو نظر الرجلُ إلى فَخِذِ الرجل، لم أرَ به بأسًا.

قال: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.

فليس ينبغى لها أن تكشِفَ قُرْطَها للرجُل.

قال: وأما الكُحْلُ والخاتمُ والخضابُ.

فلا بأس به.

قال: والزوج له فَضْلٌ، والآباءٌ من وراء الرجُل لهم فَضْلٌ، قال: والآخرون يتفاضلون، قال: وهذا كلُّه يجمعُه ما ظهر من الزينة.

قال: وكان أزواج النبيِّ ﷺ لا يحتجِبْنَ من المماليك (١).

وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الرجال والنساء.

وقال آخرون: من النساء.

وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾.

يقولُ: وخِفْنَ اللَّهَ أَيها النساءُ أن تتعدَيْنَ ما حَدَّ اللَّهُ لكُنَّ، فتُبْدِين من زينتكُنَّ ما ليس لكُنَّ أن تبدِينَه، أو تَترُكن الحجاب الذي أمَرَكُنَّ اللَّه بلزومه، إلا فيما أباح لكُنَّ تركه، والْزَمْنَ طاعته.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.

يقول تعالى ذكره: إن الله شاهدٌ على ما تفعَلْنَه من احتجابِكُنَّ، وترككُنَّ الحجاب لمن أَبَحْتُ لكُنَّ ترك ذلك له، وغير ذلك من أمورِكُنَّ، يقولُ: فاتَّقِينَ اللَّهَ في أَنفُسِكُنَّ؛ لا تلقينَ اللَّهَ وهو شاهد عليكم بمعصيته، وخلافِ أمرِه، ونَهيِه، فتَهْلِكنَ، فإنه شاهدٌ على كلِّ شيءٍ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.

يقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يُبرِّكون على النبيِّ محمدٍ ﷺ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾.

يقولُ: يُبَرِّكون (٢) على النبي (٣).

وقد يحتَمِلُ أن يقال: إن معنى ذلك: إن الله يرحَمُ النبيَّ، ويدعو له ملائكتُه ويستغفرون.

وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاءٌ.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته (١).

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: يقول تعالى ذكره: يأيها الذين آمنوا ادعوا لنبيِّ الله محمد ﷺ، وسلِّموا عليه ﴿تَسْلِيمًا﴾.

يقولُ: وحَيُّوه تحية الإسلام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك (٢)، جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسة، عن عثمانَ بن مَوْهَبٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبيه، قال: أتى رجُلٌ النبيَّ ﷺ، فقال: سمعتُ الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، فكيف الصلاة عليك؟

فقال: "قُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على (٣) إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (٤).

حدَّثني جعفر بن محمدٍ الكوفيُّ، قال: ثنا يعلى بنُ الأجلحِ، عن الحكم بن عُتيبة (١)، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن كعب بن عُجْرةً، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قمتُ إليه، فقلتُ: السلام عليك قد عَرَفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟

قال: "قُل: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (٢).

حدَّثنا أبو كُريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خَبَّابٍ (٣)، قال: خطَبَنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية.

فقال: أنبأنى من سمع ابن عباسٍ يقولُ: هكذا أُنزِل، فقلنا أو قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟

فقال: "اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجِيدٌ" (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زياد، عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيفَ الصلاةُ عليك؟

فقال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ عَبْدِكَ ورَسولِك وأَهْلِ بَيْتِه، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ [وبارك عليه وعلى آل بيته، كما باركت على إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ] (١) " (٢).

حدثني يعقوبُ الدَّورقيُّ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشرِ بن مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

قالوا: يا رسولَ اللهِ هذا السلامُ قد عرفناه، فكيف الصلاةُ، وقد غفَر اللَّهُ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟

قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيم، اللهم بارك على محمدٍ، كما بارَكْتَ على آل إبراهيم" (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيفَ الصلاة عليك؟

قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، كما باركت على إبراهيم".

وقال الحسنُ: "اللهم اجعَلْ صلواتك وبركاتك على آل محمدٍ كما جعلتها على إبراهيم، إنكَ حَميدٌ مجيدٌ".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.

يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: إن الذين يُؤذون رَبَّهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرَّم عليهم.

وقد قيل: إنه عنى بذلك أصحاب التصاوير، وذلك أنهم يرومُون تكوين خَلْقٍ مثلَ خَلْقِ اللَّهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني [محمد بنُ سعدٍ] (١) القرشيُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سلمة بن الحجاج، عن عكرمةَ، قال: الذين يُؤذون الله ورسوله، هم أصحابُ التصاوير (٢).

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

قال: يا سبحان الله، ما زالَ أُناسٌ ما زالَ أُناسٌ من جهَلَةِ بني آدم حتى تَعاطَوْا أَذَى رَبِّهم، وأمَّا أَذاهم رسول الله ﷺ فهو طَعْنُهم عليه في نكاحه صفية بنتَ حُيَيٍّ، فيما ذُكِرَ.

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ حين اتخذ صفية بنتَ حُيَيّ بن أَخطَبَ (١).

وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

يقولُ تعالى ذكره: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة، وأعد لهم في الآخرة عذابًا يُهينُهم فيه بالخلودِ فيه.

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كان مجاهدٌ يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿يُؤْذُونَ﴾ إلى يَقْفُونَ (٢).

ذكرُ الرواية بذلك عنه حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾.

قال: يَقْفُونَ (٣).

فمعنى الكلام على ما قال مجاهدٌ: والذين يَقْفُون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم؛ طلبًا لشَيْنهم.

﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾.

يقولُ: بغير ما عملوا.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾.

قال: عملوا (١).

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: قرأ ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

قال: فكيف إذا أُوذى بالمعروف، فذلك يُضاعَفُ له العذابُ (٢).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن ثورٍ، عن ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾.

قال: كيف بالذي يأتي إليهم المعروف.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فإيَّاكم وأذَى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضَبُ له (٣).

وقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

يقولُ: فقد احتملوا زُورًا وكَذِبًا وفريةً شنيعةً.

والبهتانُ (٤): أفحَشُ الكذِبِ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

يقولُ: وإِثْمًا يَبِينُ لسامعه أنه إثمٌ وزُورٌ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: يأيُّها النبيُّ قُلْ لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا يتشَبَّهْنَ بالإماء في لباسِهِنَّ، إِذا هُنَّ خَرَجنَ من بيوتهنَّ لحَاجَتِهِنَّ، فكشَفْنَ شُعورَهنَّ ووُجوهَهُنَّ، ولكن ليُدنين عليهنَّ من جَلَابِيبِهِنَّ.

لئلا يَعرِضَ لهنَّ فاسِقٌ، إذا علم أنهنَّ حرائرُ، بأذًى من قولٍ.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمَرَهُنَّ اللَّهُ به؛ فقال بعضُهم: هو أن يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ ورُءُوسَهنَّ، فلا يُبْدِينَ منهنَّ إلا عينًا واحدةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: أمَر اللَّهُ نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنَّ في حاجةٍ، أن يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ من فوقِ رُءُوسِهِنَّ بالجلابيب، ويُبدِينَ عينًا واحدةً (١).

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن عبيدة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.

فَلَبِسَها عندَنا ابن عونٍ، قال: ولبسها عندنا محمدٌ، قال محمدٌ: ولَبِسَها عندِى عَبيدةُ.

قال ابن عون بردائه، فتقنَّع به، فغطَّى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدْنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب (٢).

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرين، قال: سألتُ عَبيدة عن قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.

قال: فقال بثوبه، فغطَّى رأسه ووجْهَه، وأبرز ثوبه عن إحْدَى عينيه (١).

وقال آخرون: بل أُمرن أن يَشدُدْنَ جلابيبهنَّ على جباههنَّ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الله.

إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

قال: كانت الحُرَّةُ تلبسُ لباسَ الأَمَةِ، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ، وإدناء الجلباب: أن تَقَنَّعَ وتَشُدَّ على جبينها (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

أَخَذَ اللَّهُ عليهِنَّ إِذا خَرَجْنَ أَن يَقَنَّعْنَ على الحواجب؛ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، وقد كانت المملوكة إذا مَرَّت تناولوها بالإيذاء، فنهَى اللَّهُ الحرائرَ أن يتشَبَّهنَ بالإماءِ (٣).

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يتجَلْبَيْنَ، فيُعلَمُ أَنهنَّ حرائرُ، فَلا يَعْرِضُ لهنَّ فاسقٌ بأذى، من قول ولا ريبة (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عمَّن حدَّثه، عن أبي صالحٍ، قال: قدم النبيُّ ﷺ المدينة على غيرِ منزلٍ، فكان نساء النبي ﷺ وغيرهنَّ إذا كان الليلُ خَرَجْنَ يقضينَ حوائجهنَّ، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يَقَنَّعْنَ بالجلباب، حتى تُعرَفَ الأمةُ من الحرَّةِ (٢).

وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.

يقول تعالى ذكره: إدناؤُهُنَّ جلابيبَهنَّ إذا أدنَيْنَها عليهنَّ أَقرَبُ وأحرى أن يُعْرَفنَ ممن مَرَرن به، ويعلموا أنهنَّ لَسْنَ بإماءٍ، فيتنكَّبوا عن أذاهنَّ بقول مكروهٍ، أو تَعرُّضٍ بريبةٍ.

﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهنَّ؛ من تركهنَّ إدناءَهُنَّ الجلابيب عليهنَّ، ﴿رَحِيمًا﴾ بهنَّ أن يُعاقِبَهنَّ بعدَ توبتهنَّ، بإدناء الجلابيب عليهنَّ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.

يقول تعالى ذكره: لئن لم ينتهِ أهلُ النفاقِ، الذين يَسْتَسِرُّون الكفر ويُظهرون الإيمانَ، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

يعني: ريبةٌ من شهوة الزِّنا، وحبِّ الفجور.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن عليٍّ، قال: ثنا أبو عبدِ الصمدِ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

قال: هم الزُّناةُ (١) (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ] (٣)، عن قتادةَ (٤): ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

قال: شهوةُ الزِّنا.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا [أبو صالحٍ] (٥) الثمارُ، قال: سمِعتُ عكرِمةَ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

قال: شهوةُ الزِّنا (٦).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ عمن حدَّثه، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.

قال: الزُّناةُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، قال: هؤلاءِ صنفٌ من المنافقين، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أصحابُ الزِّنا، قال: أهلُ الزِّنا مِن أهلِ النفاقِ الذين يَطلبونَ النساءَ، فيبتَغون الزِّنا، وقرَأ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].

قال: والمنافقون أصنافٌ عشَرةٌ في "براءةَ"، قال: فالذين في قلوبِهم مرضٌ صِنفٌ منهم؛ مرَضٌ من أمرِ النساءِ.

وقولُه: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾.

يقولُ: وأهلُ الإرجافِ في المدينةِ بالكذبِ والباطلِ.

وكان إرجافُهم فيما ذُكِر، كالذى حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية، الإرجافُ: الكذبُ الذي كان نافَقَه أهلُ النفاقِ، وكانوا يقولون: أتاكم عَدَدٌ وعُدَّةٌ.

وذُكِر لنا أن المنافقين أرادوا أن يُظهِروا ما في قلوبِهم من النفاقِ، فأوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ؛ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية.

فلما أوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ، كتَموا ذلك وأسرُّوه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: هم أهلُ النفاقِ أيضًا الذين يُرْجِفون برسولِ اللهِ ﷺ وبالمؤمنين.

وقولُه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.

يقولُ: لتُسلِّطنَّك عليهم، ولتُحَرِّشَنَّك بهم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.

يقولُ: لنُسلِّطنَّك عليهم (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.

أي: لنحمِلَنَّك عليهم، لنُحرِّشَنَّك بهم (١).

قولُه: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.

يقولُ: ثم لننفِيَنَّهم عن مدينتِك فلا يَسْكنون معك فيها إلا قليلًا من المدةِ والأجلِ، حتى ننفيَهم عنها، فنُخرِجَهم منها.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي بالمدينةِ (١).

وقولُه: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: مَطرودِينَ مَنْفِيِّين، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾.

يقولُ: حيثُما لُقُوا من الأرضِ.

﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ لكفرِهم باللَّهِ ﴿تَقْتِيلًا﴾.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَلْعُونِينَ﴾: على كلَّ حالٍ، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ إذا هم أظهَروا النفاقَ (١).

ونصْبُ قولِه: ﴿مَلْعُونِينَ﴾.

على الشتْمِ (٢)، وقد يجوزُ أن يكونَ القليلُ من صفةِ الملعونين، فيكونَ قولُه: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مردودًا على القليلِ، فيكونُ معناه: ثم لا يُجاوِرُونك فيها إلا أقلَّاءَ، مَلْعونين، يُقَتَّلون حيثُ أُصِيبوا (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذين خَلَوْا (١) قَبْلَ هؤلاء المنافقين الذين في مدينةِ رسولِ اللَّهِ معه، من ضُرَباءِ هؤلاء المنافقين، إذا هم أظهَروا نفاقَهم، أن يُقَتِّلَهم تَقْتِيلًا، ويلعنَهم لعنًا كثيرًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية.

يقولُ: هكذا سنةُ اللَّهِ فيهم، إذا أظهَروا النفاقَ (٢).

وقولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولن تجدَ يا محمدُ لسنةِ اللَّهِ التي سَنَّها في خلْقِه تغييرًا، فأيقِنْ أنه غيرُ مغيِّرٍ في هؤلاء المنافقين سنَّتَه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُك الناسُ (٣)، يا محمدُ، عن الساعةِ؛ متى هي قائمةٌ؟

قلْ لهم: إنما علمُ الساعةِ عندَ اللَّهِ، لا يعلمُ وقتَ قيامِها غيرُه.

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.

يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدُ، لعلَّ قيامَ الساعةِ يكونُ منك قريبًا، قد قَرُبَ وقتُ قيامِها، ودنا حينُ مجيئِها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ اللَّهَ أَبعَدَ الكافرين به من كلِّ خيرٍ، وأقصاهم عنه.

﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾.

يقولُ: وأعدَّ لهم (١) في الآخرةِ نارًا تَتَّقِدُ وتَتَسَعَّرُ، ليُصْلِيَهموها.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

يقولُ: ماكثين في السعيرِ أبدًا، إلى غيرِ نهايةٍ.

﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولاهم، فيَسْتنقذَهم من السعيرِ التي أصلاهموها اللَّهُ ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ لم ينصرُهم، فينجِّيَهم من عقابِ اللَّهِ إياهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لا يجدُ هؤلاء الكافرون وليًّا ولا نصيرًا في يوم تُقَلَّبُ وجوهُهم في النارِ، حالًا بعدَ حالٍ، يقُولونَ، وتلك حالُهم في النارِ: يا ليتَنا كنَّا (٢) أطَعْنا اللَّهَ في الدنيا، وأطعْنا رسولَه فيما جاءنا به عنه من أمرِه ونهيِه؛ فكنَّا مع أهلِ الجنةِ في الجنةِ، يا لها حسرةً ونَدامةً، ما أعظمَها وأجلَّها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الكافرون يومَ القيامةِ في جهنمَ: ربَّنا إِنا أَطَعْنا أئمَّتَنَا في الضلالةِ وكبراءَنا في الشركِ، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.

يقولُ: فأزَالونا (٣) عن محَجَّةِ الحقِّ، وطريقِ الهُدى، والإيمانِ بك، والإقرارِ بوحدانيتِك، وإخلاصِ طاعتِك في الدنيا، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.

يقولُ: عَذِّبْهُم مِن العذابِ مِثْلَى عذابِنا الذي تُعذِّبُنا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.

يقولُ: وأَخْزِهم خِزْيًا كبيرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾.

أي: رُءُوسَنا في الشرِّ والشركِ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾.

قال: هم رءوسُ الأممِ الذين أضَلُّوهم.

قال: هو ﴿سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ واحدٌ.

وقرأتْ عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿سَادَتَنَا﴾ (٢).

ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ: (سادَاتِنا) على الجماعِ (٣).

والتوحيدُ في ذلك هي القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.

واختَلفوا في قراءةِ قولِه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ بالثاءِ: (كَثِيرًا) مِن الكثرةِ (٤)، سِوى عاصمٍ؛ فإنه قرَأه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾.

مِن الكِبَرِ (١).

والقراءةُ في ذلك عندَنا بالثاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه، لا تُؤذوا رسولَ اللَّهِ بقولٍ يكرهُه منكم، ولا بفعلٍ لا يحبُّه منكم، ولا تكونوا أمثالَ الذين آذَوا موسى نبيَّ اللَّهِ، فرَمَوه بعيبٍ كذبًا وباطلًا، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا فيه مِن الكذبِ والزُّورِ، بما أظهَر مِن البرهانِ على كذبِهم، ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.

يقولُ: وكان موسى عند اللَّهِ مُشَفَّعًا فيما يسألُ، ذا وجهٍ ومنزلةٍ عندَه، بطاعتِه إياه.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الأذَى الذي أُوذِى به موسى، الذي ذكَره اللَّهِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رَمَوه بأنه آدَرُ (٣).

ورُوِى بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ.

ذكرُ الروايةِ التي رُوِيت عنه، ومَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾.

قال: قال له قومُه: إنك آدَرُ.

قال: فخرَج ذاتَ يومٍ يغتسلُ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ، فخرَجت الصخرةُ تشتدُّ بثيابِه، وخرَج يتبَعُها عُرْيانًا، حتى انتهَت به إلى مجالسِ بني إسرائيلَ، قال: فرَأَوه ليس بآدَرَ، قال: فذلك قولُه: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (١).

حدَّثني يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ الأزرقُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾.

قال: "قالُوا: هو آدَرُ.

قال: فذهَب موسى يغتسلُ، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ، فمرَّ الحجرُ بثيابِه، فتَبِع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجرُ.

فمرَّ بمجلسِ بنى إسرائيلَ، فرَأَوه، فبرَّأه اللَّهِ مما قالوا، وكان عندَ اللَّهِ وجيهًا" (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ إلى: ﴿وَجِيهًا﴾.

قال: كان أذَاهم موسى [أنهم قالوا: واللَّهِ ما يمنعُ موسى أن يضَعَ ثيابَه عندَنا إلا أنه آدَرُ.

فَآذَى ذلك موسى] (٣)، فبينَما هو ذاتَ يومٍ يغتسلُ وثوبُه على صخرةٍ، فلما قضَى موسى غُسْلَه وذهَب إلى ثوبِه ليأخذَه، انطلقَت الصخرةُ تَسْعى بثوبِه، وانطلَق يَسْعى في أثَرِها، حتى مَرَّتْ على مجلسِ بني إسرائيلَ وهو يطلبُها، فلما رأَوْا موسى ﷺ مُتَجردًا لا ثوبَ عليه، قالوا: واللهِ ما نَرى بموسى بأسًا، وإنه لبرئٌ مما كُنَّا نقولُ له.

فقال اللَّهُ: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية.

قال: كان موسى رجلًا شديدَ المحافظة على فَرْجِه وثيابِه.

قال: فكانوا يقولون ما يحمِلُه على ذلك إلا عيبٌ في فرجِه، يكرَهُ أن يُرَى.

فقام يومًا يغتسلُ في الصحْراءِ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ، فاشتدَّت بثيابِه، قال: وجاء يطلُبُها عُرْيانًا، حتى اطَّلَع عليهم عُرْيانًا، فرَأَوه بريئًا مما قالوا: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.

قال: والوجيهُ في كلامِ العربِ: المُحَبُّ المقبولُ (١).

وقال آخرون: بل وصَفوه بأنه أبرصُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قال بنو إسرائيلَ: إن موسى آدَرُ.

وقالت طائفةٌ: هو أبرصُ.

مِن شدةِ تَسَتُّرِه، وكان يأتى كلَّ يوم عَيْنًا، فيغتسلُ ويضعُ ثيابَه على صخرةٍ عندَها، فعدَتِ الصخْرةُ بثيابِه حتى انتهتْ إلى مجلسِ بني إسرائيلَ، وجاء موسى يطلبُها، فلما رَأَوه عُرْيانًا ليس به شيءٌ مما قالوا، لَبِس ثيابَه، ثم أقبَل على الصخرةِ يضربُها بعصاه، فأَثَّرَتِ العصا في الصخرةِ.

حدَّثنا بحرُ بنُ حبيبِ بن عربيٍّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية.

قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إن موسى كان رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا، لا يَكادُ يُرَى مِن جِلده شيءٌ، اسْتِحْياءً منه، فآذَاه مَن آذاه من بني إسرائيلَ، وقالوا: ما يَسْتَتِرُ (٢) هذا التَّسَتُّرَ إلا مِن عيبٍ في جلدِه؛ إما بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وإما آفَةٍ، وإن اللَّهَ أرادَ أن يُبَرِّئَه مما قالوا، وإن موسى خَلا يومًا وحدَه، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ، ثم اغْتَسَل، فلما فرَغ مِن غُسْلِه، أقبَل على ثوبِه ليأخُذَه، وإِن الحَجَرَ عَدَا بثوبِه، فأَخَذَ موسى عَصاه، وطَلَب الحجرَ، وجَعَل يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، [ثوبي حَجَرُ] (١).

حتى انْتَهَى إلى ملأُ مِن بنى إسرائيلَ، فرَأَوه عُرْيَانًا كَأَحْسَنِ الناسِ خَلْقًا، وبَرَّأه اللَّهِ مما قالوا، وإن الحَجَرَ قامَ، فأخَذ ثوبَه ولَبِسَه، فطَفِقَ بالحجرِ ضَرْبًا بذلك، فواللهِ إن في الحجرِ لَنَدَبًا مِن أَثَرِ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كان موسى رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا".

ثم ذكَر نحوًا منه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّث الحسنُ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إن بني إسرائيلَ كانوا يَغْتَسلون وهُمْ عُرَاةٌ، وكان نبيُّ اللَّهِ موسى [منه الحياءُ والسَّتْرُ، فكان يستترُ] (٤) إذا اغْتَسَل، فطَعَنوا فيه بعورةٍ.

قال: فبَيْنَا نبيُّ اللَّهِ موسى يغتسلُ يومًا، إذ وَضَع ثيابَه على صخرةٍ، فانطلَقت الصخرةُ، واتَّبَعَها نبيُّ اللَّهِ ضَرْبًا بعَصاه: ثَوْبى يا حجرُ، ثَوْبي يا حجرُ.

حتى انتَهَت إلى مَلأُ مِن بني إسرائيلَ، و (٥) تَوَسَّطَتْهم (٦)، فقامَت، فأَخَذ نبيُّ اللَّهِ ثيابَه، فنَظَروا إلى أحسنِ الناسِ خَلْقًا، وأعْدَ لِه صورةً (١)، فقال الملأُ: قاتَل اللَّهُ أفَّاكِى (٢) بني إسرائيلَ.

فكانت بَراءَتَه التي بَرَّأَه اللَّهُ منها" (٣).

وقال آخرون: بل كان أَذاهم إياه ادَّعاءَهم (٤) عليه قتلَ هارونَ أخيه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حسينٍ (٥)، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ ﵁ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية.

قال: صَعِد موسى وهارونُ الجبل، فمات هارونُ، فقالت بنو إسرائيلَ: أنت قتلتَه، وكان أشدَّ حبًّا لنا منك، وألينَ لنا منك.

فآذَوه بذلك، فأمَر اللَّهُ الملائكةَ فحمَلَتْه،، حتى مَرُّوا به على بني إسرائيلَ، وتكلَّمت الملائكةُ بموتِه، حتى عرَف بنو إسرائيلَ أنه قد مات، فبَرَّأه اللَّهُ من ذلك، فانطلَقوا به فدفَنوه، فلم يطَّلِعْ على قبرِه أحدٌ مِن خلقِ اللَّهِ إلا الرَّخَمُ (٦)، فجعَله اللَّهُ أصمَّ أبكمَ (٧).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن بني إسرائيلَ آذَوا نبيَّ اللَّهِ ببعضِ ما كان يكرهُ أن يُؤْذَى به، فبَرَّأَه اللَّهِ مما آذَوه به.

وجائزٌ أن يكونَ ذلك [ما ذُكر أنَّهم قالوا: إنه آدَرُ.

وجائزٌ أن يكونَ] (١) كان قيلَهم: إنه أبرصُ.

وجائزٌ أن يكونَ كان ادّعاءَهم (٢) عليه قتلَ أخيه هارونَ.

وجائزٌ أن يكونَ كلَّ ذلك؛ لأنه قد ذُكر كلُّ ذلك أنهم قد آذَوه به، ولا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ مما قال اللَّهُ أنهم آذَوا موسى، فبَرَّأه اللَّهِ مما قالوا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اتَّقوا اللَّهَ أن تَعْصُوه، فتستحِقُّوا بذلك عقوبتَه.

وقولُه: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

يقولُ: قُولوا في رسولِ اللَّهِ والمؤمنين قَوْلًا قاصدًا غيرَ جائرٍ، حقًّا غيرَ باطلٍ.

كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٣)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

يقولُ: سَدادًا (٤).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا عنبسةُ، عن الكلبيِّ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

قال: صدقًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

أي: عَدْلًا.

قال قتادةُ: يعني به في مَنْطِقِه، وفي عملِه كلِّه، والسَّديدُ: الصدقُ (١).

حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

قولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٢).

وقولُه: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: اتَّقوا اللَّهَ وقُولوا السَّدادَ من القولِ، يوفِّقْكم لصالحِ الأعمالِ، فيُصلِحْ أعمالَكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.

[يقولُ: ويَعْفُ لكم عن ذنوبِكمِ] (٣)، فلا يُعاقِبْكم عليها، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيعملَ بما أمرَه به ربُّه، وينتهىَ عما نَهاه، ويقولَ السَّديدَ، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

يقولُ: فقد ظَفِر بالكرامةِ العُظْمى مِن اللَّهِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إن اللَّهَ عرَض طاعتَه وفرائضَه على السماواتِ والأرضِ والجبالِ؛ على أنها إن أحسَنت أُثيبت وجُوزِيت، وإن ضَيَّعت عُوقِبت، فأبَت حَمْلَها، شَفَقًا منها ألَّا تقومَ بالواجبِ عليها للهِ (٤)، وحمَلها آدمُ (٥)، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ لنفسِه، ﴿جَهُولًا﴾ بالذي فيه الحَظُّ له.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾.

قال: الأمانةُ الفرائضُ التي افتَرضها اللَّهُ على العبادِ (١).

قال: ثنا هشيمٌ، عن العوَّامِ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾.

قال: الأمانةُ: الفرائضُ التي افتَرضها اللَّهُ على عبادِه (٢).

قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوامُ بنُ حَوْشَبٍ وجُوَيبرٌ، كلاهما عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿جَهُولًا﴾.

قال: الأمانةُ، الفرائضُ.

قال جويبرٌ في حديثِه: فلما عُرضت على آدمَ قال: أي ربِّ، وما الأمانةُ؟

قال: قيل: إن أدَّيتَها جُزِيتَ، وإِن ضَيَّعتَها عوقبتَ.

قال: أي ربِّ، حملتُها بما فيها.

قال: فما مكَث في الجنةِ إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ حتى عمِل بالمعصيةِ، فأُخرج منها (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾.

قال: عُرِضَت على آدمَ، فقال: خُذْها بما فيها، فإن أطعتَ غفرتُ لك، وإن عصيتَ عذَّبتُك.

قال: قد قبِلتُ.

فما كان إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى الليلِ مِن ذلك اليومِ حتى أصابَ الخطيئةَ (٣).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إن أدَّوها أثابَهم، وإن ضَيَّعوها عذَّبَهم، فكرِهوا ذلك، وأشفَقوا مِن غيرِ معصيةٍ، ولكن تعظيمًا لدينِ اللَّهِ ألَّا يقوموا بها، ثم عرَضها على آدمَ، فقبِلها بما فيها، وهو قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ غِرًّا بأمرِ اللَّهِ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ [عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلى: ﴿جَهُولًا﴾.

يعنى بالأمانةِ] (٢) الطاعةَ عرَضها عليهم (٣) قبلَ أن يعرِضَها على آدمَ فلم تُطِقْها، فقال لآدمَ: يا آدمُ، إنى قد عرَضتُ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ فلم تُطِقْها، فهل أنت آخِذُها بما فيها؟

فقال: يا ربِّ، وما فيها؟

قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقبتَ.

فأخَذها آدمُ فتَحمَّلَها، فذلك قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٤).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ (٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ: عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

قال: آدمُ.

قيل له: خُذْها بحقِّها.

قال: وما حَقُّها؟

قيل: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقِبتَ.

فما لَبِثْ إِلَّا (٦) ما بيَن الظهرِ والعصرِ حتى أُخْرج منها (٧).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ فلم يُطِقْنَ حَمْلَها، فهل أنت يا آدمُ آخِذُها بما فيها؟

قال آدمُ: وما فيها يا ربِّ؟

قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقبتَ.

فقال: تحمَّلتُها.

فقال اللَّهُ ﵎: قد حمَّلتُكَها.

فما مكَث آدمُ إلا مقدارَ ما بينَ الأولى إلى العصرِ، حتى أخرَجه إبليسُ، لعَنه اللَّهُ، مِن الجنةِ.

والأمانةُ: الطاعةُ.

حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثني عيسى بنُ إبراهيمَ، عن موسى بن أبي حبيبٍ، عن الحَكَمِ بن عميرٍ (١)، وكان مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: قال النبيُّ ﷺ: "إنَّ الأمانةَ والوفاءَ نَزَلا على ابن آدمَ مع الأنبياءِ، فأُرْسِلوا به؛ فمِنهم رسولُ اللَّهِ، [ومنهم نبيُّ] (٢)، ومنهم نبيٌّ رسولٌ، ونزَل القرآنُ وهو كلامُ اللَّهِ، ونزلَت العربيةُ والعجميةُ، فعلِموا أمرَ القرآنِ، وعلِموا أمرَ السننِ بألسنتِهم، ولم يَدَعِ اللَّهُ شيئًا مِن أمرِه مما [يأتون ومما يَجْتَنِبون] (٣)، وهي الحُجَجُ عليهم، إلا بَيَّنه لهم، فليس أهلُ لسانٍ إلَّا وهم يعرِفون الحسنَ مِن القبيحِ، ثم الأمانةُ أوَّلُ شيءٍ يُرْفَعُ، ويَبْقى أثَرُها في جذورِ قلوبِ الناسِ، ثم يُرْفَعُ الوفاءُ والعهدُ والذِّمَمُ، وتَبْقَى الكتبُ، فعالِمٌ يعملُ، وجاهلٌ يعرِفُها ويُنْكِرُها [ولا يحمِلُها] (٤)، حتى وصَل إليَّ وإلى أُمتى، فلا يَهْلِكُ على اللَّهِ إلَّا هالكٌ، ولا يُغْفِلُه إلَّا تاركٌ، والحذرَ أيُّها الناسُ، وإيَّاكم والوَسواسَ الخناسَ، فإنما يَبْلُوكم أيُّكم أحسنُ عملًا" (١).

حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ المجيدِ الحنفيُّ، قال: ثنا [أبو العَوَّامِ القطانُ] (٢)، قال: ثنا قتادةُ وأبانُ بنُ أَبي عيَّاشٍ، عن خُلَيدٍ العَصَرِيِّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "خمسٌ مَن جاء بهنَّ يومَ القيامةِ مع إيمانٍ دخَل الجنةَ؛ مَن حافَظ على الصلواتِ الخمسِ؛ على وُضُوئِهن ورُكُوعِهن وسُجُودِهن ومَواقيتِهن، وأعطَى الزكاةَ مِن مالِه طَيَّبَ النفسِ بها".

وكان يقولُ: "وايمُ اللَّهِ، لا يفعلُ ذلك إلا مؤمنٌ، وصامَ رمضانَ، وحجَّ البيتَ إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأدَّى الأمانةَ".

قالوا: يا أبا الدرداءِ، وما الأمانةُ؟

قال: الغُسْلُ مِن الجنابةِ؛ فإن اللَّهَ لم يأمَنِ ابن آدمَ على شيءٍ من دينِه غيرَه (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، قال: مِن الأمانةِ أن المرأةَ اؤتُمِنت على فَرْجِها (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾.

قال: إن الله عَرَض عليهن الأمانةَ؛ أن يفترضَ عليهن الدينَ، ويجعلَ لهن ثوابًا وعقابًا، ويَسْتأمنَهنَّ على الدينِ، فقلنَ: لا، نحن مسخَّراتٌ لأمرِك، لا نريدُ ثوابًا ولا عقابًا.

قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "وعَرَضَها اللَّهُ على آدمَ، فقال: بينَ أُذُنى وعاتِقى".

قال ابن زيدٍ: فقال اللَّهُ له: أمَّا إذا تَحَمَّلتَ هذا، فسأُعِينُك؛ أجعلُ لبصرِك حجابًا، فإذا خشيتَ أن تنظرَ إلى ما لا يحلُّ لك، فأَرْخِ عليه حجابَه، وأجعلُ للسانِك بابًا وغَلَقًا، فإذا خَشِيتَ فأغِلقْ، وأجعلُ لفَرْجِك لباسًا، فلا تَكْشِفْه إلَّا على ما أحللتُ لك (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾.

يعني به الدينَ [والفرائضَ] (٢) والحدودَ: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾.

قيل لهن: احمِلْنَها تُؤَدِّين حقَّها، فقُلْنَ: لا نُطِيقُ ذلك، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

[قيل له: أتحمِلُها؟

قال: نعم.

قيل: أتؤدِّى حقَّها؟

قال: نعم.

قال اللَّهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾] (٢) عن حقَّها (٣).

وقال آخرون: بل عنَى بالأمانةِ في هذا الموضعِ أماناتِ الناسِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن عبد اللَّهِ بن السائبِ، عن زاذانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "القَتْلُ في سبيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ الذنوبَ كلَّها، أو قال: يكفِّرُ كلَّ شيءٍ إلا الأمانةَ، يُؤْتَى بصاحبِ الأمانةِ، فيُقال له: أدِّ أمانتَك.

فيقولُ: أي ربِّ، وقد ذهَبَت الدنيا؟

ثلاثًا.

فيقالُ: اذهَبوا به إلى الهاويةِ.

فيُذْهَبُ به إليها، فيَهْوِى فيها حتى ينتهىَ إلى قعْرِها، فيَجِدُها هناك كهيئتِها، فيَحْمِلُها، فيَضَعُها على عاتقِه، فيَصْعَدُ بها إلى شَفِيرِ جهنمَ، حتى إذا رأى أنه قد خرَج، زَلَّت، فهَوَى في أَثَرِها أبدَ الآبِدين".

قالوا: والأمانةُ في الصلاةِ، والأمانةُ في الصومِ، [والأمانةُ في الوضوءِ] (١)، والأمانةُ في الحديثِ، وأشدُّ ذلك الودائعُ، فلَقِيتُ البَرَاءَ فقلتُ: ألا تسمعُ إلى ما يقولُ أخوك عبدُ اللَّهِ؟

فقال: صَدَق (٢).

قال شَرِيكٌ: وثنى عياشٌ العامِريُّ، عن زاذانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه، ولم يذكرِ الأمانةَ في الصلاةِ، وفي كلِّ شيءٍ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إن اللَّهَ عرَض الأمانةَ على سماءِ الدنيا، فأبَت، ثم التي تَليها، حتى فرَغ منها، ثم الأَرَضين ثم الجبالِ، ثم عرَضها على آدمَ، فقال: نعم، بينَ أُذُنى وعاتِقى.

فثلاتٌ آمُرُك بهن، فإنهنَّ لك عونٌ؛ [إنى جعلتُ لك بصرًا وجعلتُ لك شُفْرين (٣) فغُضَّهما] (٤) عن [كلِّ شيءٍ نهيتُك عنه] (٥)، وجعلتُ لك [لسانًا بينَ لَحْيَين، فكُفَّه عن كلِّ شيءٍ نَهَيتُك عنه] (١)، وجعلتُ لك فَرْجًا وَواريتُه، فلا تكشِفْه إلى ما حرَّمتُ عليك (٢).

وقال آخرون: بل ذلك إنما عُنى به ائتمانُ آدمَ ابنَه قابيلَ على أهلِه وولدِه، وخيانةُ قابيلَ إياه في قتلِه أخاه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، قال: ["كان لا يولَدُ لآدمَ مولودٌ إلا وُلِد معة جاريةٌ، فكان يزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا] (١) البطنِ الآخرِ، ويزوِّجُ جاريةَ هذا البطنِ غلامَ هذا البطنِ الآخرِ، حتى وُلِد له ابنانِ، يقالُ لهما: قابيلُ، وهابيلُ.

وكان قابيلُ صاحب زَرْعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكان له أختٌ أحسنُ من أختِ هابيلَ، وإن هابيل طلَب أن يَنْكِحَ أختَ قابيلَ، فأبَى عليه، وقال: هي أختى وُلِدتْ معى، وهى أحسنُ من أختِك، وأنا أحقُّ بأختى أن أتزوجَها.

فأمَره أبوه أن يزوِّجَها هابيلَ، فأبَى عليه، وإنهما قرَّبا قُربانًا إلى اللَّهِ أيُّهما أحقُّ بالجاريةِ، وكان آدمُ يومَئذٍ قد غاب عنهما، [أتى لمكةَ] (٣) ينظرُ إليها، قال اللَّهُ لآدمَ: يا آدمُ، هل تعلمُ أن لي بيتًا في الأرضِ؟

قال: اللهم لا.

قال: إن لى بيتًا بمكةَ فأْتِه.

فقال آدمُ للسماءِ: احفَظى ولَدِى بالأمانةِ.

فأبَت، وقال للأرضِ، فأبَت، فقال للجبالِ، فأبَت، فقال لقابيلَ، فقال: نعم.

تذهبُ وترجعُ، وتجدُ أهلَك كما يسُرُّك.

فلما انطلَق آدمُ وقرَّبا قربانًا، وكان قابيلُ يفخرُ عليه فيقولُ: أنا أحقُّ بها منك، هي أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا وصيُّ والدى.

فلما قرَّبا، قرَّب هابيلُ جَذَعَةً سمينةً، وقرَّب قابيلُ (١) حُزْمةً سُنْبلٍ، فوجَد فيها سُنْبلةً عظيمةً، ففَرَكها فأكَلها، فنزلَت النارُ، فأكَلَت قُرْبَانَ هابيلَ، وتركَت قُربانَ قابيلَ، فغضِب وقال: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ حتى لا تنكحَ أختى.

فقال هابيلُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٠].

فطلَبه ليقتُلَه، فراغَ الغلامُ منه في رءوسِ الجبالِ، وأتاه (٢) يومًا مِن الأيامِ، وهو يَرْعَى غنمَه في جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةً، فشَدَخ بها رأسَه فمات، وترَكه بالعَراءِ، ولا يعلمُ كيف يُدْفَنُ، فبعَث اللَّهُ غُرابَين أخَوين (٣)، فاقْتَتلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، فحفَر له، ثم حَثَا عليه، فلما رَآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١].

فهو قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١].

فرجَع آدمُ، فوجَد ابنَه قد قتَل أخاه، فذلك حينَ يقولُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤).

وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِى بالأمانةِ في هذا الموضعِ جميعُ معاني الأماناتِ في الدينِ، وأماناتِ الناسِ.

وذلك أن اللَّهَ لم يَخُصُّ بقولِه: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾.

بعضَ معاني الأماناتِ لِما وصَفنا.

وبنحوِ قولِنا قال أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

يعنى قابيلَ حينَ حمَل أمانةَ آدمَ لم يحفَظْ له أهلَه (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾.

قال: آدمُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

قال: ظلومًا لنفسِه، جهولًا فيما احتَمل فيما بينَه وبينَ ربِّه.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾: غِرًّا (٢) بأمرِ اللَّهِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

قال: ظلومًا لها - يعنى للأمانةِ - جهولًا عن حقِّها (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وحَمَل الإنسانُ الأمانةَ كيما يعذِّبَ اللَّهُ المنافقين فيها، الذين يُظهِرون أنهم يؤدُّون فرائضَ اللَّهِ، مؤمنين بها، وهم مستسِرُّون الكفرَ بها، والمنافقاتِ، والمشرِكين باللَّهِ في عبادتِهم إيَّاه الآلهةَ والأوثانَ، والمشركاتِ، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فيرجِعَ بهم إلى طاعتِه، وأداءِ الأماناتِ التي ألزَمهم إياها حتى يؤدُّوها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوبِ المؤمنين والمؤمِناتِ، بسترِه عليها وتركِه عقابَهم عليها، ﴿رَحِيمًا﴾ أن يعذِّبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ أنه كان يقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾.

حتى ينتهىَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾.

فيقولُ: [اللذانِ خاناها، اللذانِ] (١) ظلَماها؛ المنافقُ والمشركُ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: هذانِ اللذانِ خاناها، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: هذانِ اللذانِ أدَّياها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣).

آخرُ تفسيرِ سورةِ الأحزابِ، وللهِ الحمدُ والمنةُ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله