الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة سبأ
تفسيرُ سورةِ سبأ كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 142 دقيقة قراءة﷽ (*) تفسيُر سورةِ سبأ القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: الشكرُ الكاملُ والحمدُ التامُّ كلُّه، للمعبودِ الذي هو مالكُ جميعِ ما في السماواتِ السبعِ، وما في الأرَضين السبعِ، دونَ كلِّ ما [يُعبَدُ مِن دونِه] (١)، ودونَ كلِّ شيءٍ سواه، لا مالكَ لشيءٍ من ذلك غيرُه، بالمعنى (٢) الذي هو به مالكٌ جميعَه.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾.
يقولُ: وله الشكرُ الكاملُ في الآخرةِ، كالذى هو له (٣) في الدنيا العاجلةِ؛ لأن منه النعمَ كلَّها، على كلِّ مَنْ في السماواتِ والأرضِ في الدنيا، ومنه يكونُ ذلك في الآخرةِ، فالحمدُ للهِ خالصًا، دونَ [كلِّ أحدٍ] (٤) سواه، في عاجلِ الدنيا، وآجلِ الآخرةِ؛ لأن النعمَ كلَّها من قِبَلِه، لا يَشرَكُه فيها أحدٌ من دونِه، وهو الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه وصرفِه إياهم في تقديرِه، خبيرٌ بهم، وبما يُصلحُهم، وبما عمِلوا، وما هم عاملوه، محيطٌ بجميعِ ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾: حكيمٌ في أمرِه، خبيرٌ بخلقِه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يعلم ما يدخُلُ في الأرضِ وما يغيبُ (٢) فيها من شيءٍ.
من قولِهم: وَلَجْتُ في كذا.
إذا دخلتَ فيه، وكما قال الشاعرُ (٣): رأَيْتُ القَوَافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا … تَضَايَقُ عَنْهَا (٤) أَنْ تَوَلَّجَها (٥) الإبَرْ يعنى بقولِه: يتَّلجن موالجا: يدخلن مداخلَ.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾.
يقولُ: وما يخرجُ من الأرضِ، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾.
يعنى: وما يَصعَدُ في السماءِ، وذلك خبرٌ من اللَّهِ أنه العالمُ الذي لا يخفَى عليه (٦) شيءٌ في السماواتِ والأرضِ، مما ظهَر فيها وما بطَن، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.
يقولُ: وهو الرحيمُ بأهلِ التوبةِ مِن عبادِه أن يعذِّبَهم بعدَ توبتِهم، الغفورُ لذنوبِهم إذا تابوا منها.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ويستعجلُك يا محمدُ الذين جحَدوا قُدرةَ اللَّهِ على إعادةِ خلقِه بعدَ فنائِهم، لهيئتِهم (١) التي كانوا بها مِن قبلِ فنائِهم، مِن قومِك، بقيامِ الساعةِ، [فقالوا لك: لا تأتينا الساعةُ] (٢).
استهزاءً بوعدَك إياهم ذلك، وتكذيبًا لخبرِك، قُلْ لهم: بلى لتأتينَّكم (٣) وربِّي، قسمًا به لتأتينَّكم الساعةُ.
ثم عادَ ﷻ [إلى الثناءِ] (٤) على نفسِه وتمجيدِها، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾.
واختلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: (عالمُ الغيبِ) على مثالِ "فاعل"، بالرفعِ على الاستئنافِ (٥)، إذ دخَل بينَ قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾ وبينَ قولِه: (عالمُ الغيبِ) كلامٌ حائلٌ بينَه وبينَه.
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ (٦)﴾ [على مثالِ "فاعل"، غيرَ أنهم خفَضوا ﴿عَالِمِ﴾] (٧) ردًّا منهم له على قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾ إذ كان مِن صفتِه (٨).
وقرَأ ذلك بعدُ (٩) عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (علَّامِ الغيبِ) على مثالِ "فَعَّال"، وبالخفضِ ردًّا لإعرابِه على إعرابِ قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾.
إذ كان مِن نَعْتِه (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ قراءاتٌ مشهورةٌ في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارباتُ المعانى، فبأيَّتِهن قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَ القراءاتِ إليَّ في ذلك إليَّ أن أقرأَ بها: (علَّامِ الغيبِ) على القراءةِ التي ذكرناها عن عامةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ.
فأما اختياري (علَّامِ الغيبِ (٢)) على ﴿عَالِمِ﴾؛ فلأنها أبلغُ في المدحِ، وأما الخفضُ فيها؛ فلأنها مِن نعتِ الربِّ، وهو في موضعِ الجرِّ، وعَنى بقولِه: (علَّامِ الغَيْبِ): علَّامِ ما يغيبُ عن أبصارِ الخلقِ، فلا يَراه أحدٌ؛ إمَّا مما (٣) لم يُكوِّنْه مما سيكوِّنُه، أو مما (٤) قد كوَّنه، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ (٥) غيرُه، وإنما وصَف جلّ وعزّ في هذا الموضعِ نفسَه بعلمِه الغيبَ؛ إعلامًا منه خلقَه أن الساعةَ لا يعلمُ وقتَ مجيئها أحدٌ سِواه، وإن كانت جائيةً، فقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ للذين كفَروا بربِّهم: بلى وربِّي لتأتينَّكم الساعةُ، ولكنه لا يعلمُ وقتَ [[إتيانِها غيرُ علَّامِ] (٦) الغيوبِ، الذي] (٧) لا يعرُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: لا يغيبُ عنه، ولكنه ظاهرٌ له.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾.
يقولُ: لا يغيبُ عنه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾.
قال: لا يغيبُ عنهِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾.
أي: لا يغيبُ عنه (٣).
وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
وقولُه: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾.
يعنى: زِنَةَ ذَرَّةٍ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لا يغيبُ عنه شيءٌ، مِن زِنَةِ ذَرَّةٍ فما فوقَها وما دونَها، أين كان ذلك؛ في السماواتِ، ولا في الأرضِ، ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾.
يقولُ: ولا يعزُبُ عنه أصغرُ مِن مثقالِ ذَرَّةٍ ولا أَكْبَرُ منه، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: هو مثبَتٌ في كتابٍ، يَبِينُ للناظرِ فيه أن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قد أثبَته وأحْصاه وعلِمه، فلم يعزُبْ عنه (٥) علمُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ، رحمةُ اللَّهِ عليه: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتَ ذلك في الكتابِ المبينِ، كي يُثِيبَ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولَه، وعمِلوا بما أمَرهم اللَّهُ ورسولُه به، وانَتَهوا عما نَهاهم عنه - على طاعتَهم ربَّهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: لهؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةٌ مِن ربِّهم لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
يقولُ: وعيشٌ هنئٌ يومَ القيامةِ في الجنةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجنةِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبَتَ ذلك في الكتابِ، ليَجْزِيَ [الذين آمنوا] (٢) ما وصَف، وليَجْزىَ الذين سَعَوا في آياتِنا مُعاجِزين.
يقولُ: وكى يُثيبَ (٣) الذين عمِلوا في إبطالِ أدلَّتِنا وحُجَجِنا مُفاوِتينَ (٤) ويحسَبون أنهم يَسْبِقوننا بأنفسِهم، فلا نقدرُ عليهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾.
يقولُ: هؤلاء لهم عذابٌ مِن شديدِ العذابِ الأليمِ.
ويعنى بالأليمِ المُوجِعَ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾.
أي: لا يُعْجزون، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
قال: الرِّجْزُ سوءُ العذابِ، الأليمُ المُوجِعُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾.
قال: جاهدِين ليُهْبِطوها أو يُبْطِلوها.
قال: هم المشركون.
وقرَأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢) [فصلت: ٢٦].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتُّ ذلك في كتابٍ مبينٍ ليُجْزَى الذين آمنوا، والذين سعَوْا في آياتِنا، ما قد بُيِّن لكم (٣)، وليَرى الذين أُوتوا العلمَ.
فـ "يرى" في موضعِ نصبٍ عطفًا به على قولِه: "يَجْزِى".
في قولِه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وعنَى بالذين أُوتوا العلمَ مُسْلِمةَ أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، ونُظَرائِه الذين قد قَرءوا كتبَ اللَّهِ التي أنزلها قبلَ الفرقانِ، يقولُ تعالى ذكرُه: وليَرى هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ بكتابِ اللَّهِ، الذي هو التوراةُ، الكتابَ الذي أُنزل إليك يا محمدُ مِن ربِّك هو الحقَّ.
وقيل: عنَى بالذين أُوتوا العلم [أصحاب رسول الله ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾.
قال] (١): أصحابُ محمدٍ (٢).
وقولُه: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
يقولُ: ويُرْشِدُ مَن اتَّبَعَه، وعمل بما فيه إلى سبيل الله، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الْحَمِيدِ﴾ عند خلقه؛ بأيَاديه عندَهم، ونِعَمِه لدَيهم.
وإنما يعنى أن الكتاب الذي أُنزل إلى (٣) محمدٍ يَهْدى إلى الإسلامِ.
القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا بالله وبرسولِه محمدٍ ﷺ، مُتَعجِّبين من وعدِه إيَّاهم البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، و ﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
يقولُ: يخبرُكم أنكم بعدَ تَقَطُّعِكم في الأرضِ بِلًى (٤)، وبعدَ مصيركم في الترابِ رُفاتًا، عائدون كهيئتكم (٥) قبل المماتِ خلقًا جديدًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
قال: ذلك مُشركو قريش والمشركون من الناسِ، ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: إذا أكلتكم الأرضُ، وصِرْتُم رُفاتًا وعظامًا، وقطَّعَتكم السباع والطيرُ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ستُحْيون وتُبْعَثون (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ إلى: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾.
قال: يقولُ: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا بَليتُم وكنتم عظامًا وترابًا ورُفاتًا، ذلك ﴿كُلَّ مُمَزَّق﴾، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وقال: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ﴾ فكسر "إن" ولم يُعملْ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ فيها، ولكن ابتدأ بها (٢)؛ لأن النبأَ خبرٌ وقولٌ، فالكسرُ في (إن) لمعنى الحكاية في قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾.
دونَ لفظه، كأنه قيل: يقول لكم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
[ويجوز كسرها لدخول اللامِ في الخبر، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]؛ لأن اللام إذا دخَلتْ في الخبر كسَرتِ المفتوح] (٣).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاء الذين كفَروا به، وأنكروا البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعضٍ، مُعْجَمِين مِن رسول الله ﷺ في وعده إيَّاهم ذلك: أفْتَرى هذا الرجلُ الذي يَعِدُنا [أنا بعدَ] (١) أَن تُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ في خلق جديدٍ، على الله كذبًا، فتَخَلَّقَ عليه بذلك باطلًا مِن القولِ، وتَخَرَّصَ عليه قول الزور، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟
يقول: أم هو مجنونٌ، فيتكلَّمَ بما لا معنى له؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قالوا تكْذيبًا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟
قال: قالوا: إمَّا أن يكونَ يكذب على الله، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟
وإما أن يكون مجنونًا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: ثم قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أرجل (٣) مجنون فيتكلَّم بما لا يعقِلُ؟
فقال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ما الأمرُ كما قال هؤلاء المشركون في محمد ﷺ وظَنُّوه به، من أنه افتَرى على الله كذبًا، أو أن به جنَّةٌ، لكن الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من هؤلاء المشركين في عذاب الله في الآخرة، وفى الذهاب البعيد عن طريق الحقِّ وقصدِ السبيل، فهم من أجلِ ذلك يقولون فيه ما يقولون.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال الله ﷿: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، وأمره أن يحلف [لهم ليعتبروا] (١)، وقرأ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] الآيةَ كلَّها، وقرأ أيضًا: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
وقطعت "الألفُ" من قوله: ﴿أَفْتَرَى﴾ في القطع والوصل، ففتحت؛ لأنها ألفُ استفهام.
فأما "الألفُ" التي بعدها، التي هي ألفُ "افتعل" (٢) فإنها ذهبت؛ لأنها خفيفةٌ زائدة تسقُطُ في اتصال الكلام، ونظيرها: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: ٧٥]، و ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]، وما أشبه ذلك، [ولا يجوز كسر الألفِ في شيءٍ من ذلك؛ لأن دلالة الاستفهام تسقطُ من الكلام إذا كَسَرْتَ وخالفت هيئتَه.
قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] وما أشبه ذلك] (٣)، وطُوَّلَتْ هذه، ولم تُطَوَّلْ تلك؛ لأن ألفَ (٤) ﴿آلْآنَ﴾ و ﴿الذَّاكِرِينَ﴾ كانت مفتوحةً، فلو أسقطت لم يكن بين الاستفهام والخبر فرقٌ، فجعل التطويلُ فيها فرقًا بين الاستفهام والخبر، [والألفُ من ﴿أَفْتَرَى﴾ كانت مكسورة] (٥) وألفُ الاستفهام مفتوحةٌ، فكانتا مفترقتين بذلك، فأغنى ذلك دلالةً على الفرقِ، من التطويل.
القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: أفلم يَنظُرْ هؤلاء المكذِّبون بالمَعادِ.
الجاحدون البعث بعد المماتِ، القائلون لرسولِنا محمد ﷺ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ - إلى ما بيَن أيديهم وما خلفَهم من السماءِ والأرضِ، فيعلَموا أنهم حيثُ كانوا، فإنَّ أرضى وسمائى محيطةٌ بهم؛ مِن بين أيديهم ومن خلفِهم، وعن أيمانهم، وعن شمائِلهم، فيرتدِعوا عن جهلِهم، وينزجِروا عن تكذيبهم بآياتنا حِذَارًا أن نأمرَ الأرضَ فتُخْسَفَ بهم، أو السماء فتُسْقِطَ عليهم قِطَعًا؟!
فَإِنَّا إِن نَشَأْ أن نَفعلَ ذلك فعَلنا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
قال: لينظُروا (١) عن أيمانهم، وعن شمائِلِهم، كيف السماء قد أحاطت بهم!
﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسَفْنا بَمَن كان قبلهم، ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي قِطعًا مِن السماءِ (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ في إحاطة السماء والأرض بعبادِ اللهِ ﴿لَآيَةً﴾.
يقول: لدَلالَةٌ، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يقولُ: لكلِّ عبدٍ أناب إلى ربِّه بالتوبة، ورجَع إلى معرفةِ توحيده، والإقرار بربوبيته، [والاعتراف بوحدانيته] (١)، والإذعان لطاعته، على أنَّ فاعلَ ذلك لا يَمتنِعُ عليه فعلُ شيءٍ أراد فِعْلَه، ولا يتعذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ شاءَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
والمنيبُ: المقبل التائب (٢).
القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾: ولقد أعطَينا داودَ منا، فضلًا، وقلنا للجبال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾: سبِّحى معه إذا سبَّح.
والتأويبُ عندَ العرب: الرجوعُ ومَبِيتُ الرجل في منزِلِه وأهلِه، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): يَوْمَانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأَنْدِيَةٍ … ويَوْمُ سَيْرٍ إِلى الأَعْداءِ تَأْوِيبِ أي رجوعٍ.
وقد كان بعضُهم يقرؤُه (٤): (اوبِى مَعَهُ).
من آبَ يئوبُ، بمعنى: تصرَّفى معه.
وتلك قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءةَ الحُجَّةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، وحدثنا محمد بن سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا الحسينُ (١) بن الحسن الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدينة، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه (٢).
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
يقولُ: سَبِّحي معه.
حدَّثنا أبو عبد الرحمن العلائيُّ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
قال: سَبِّحى (٣).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرة: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
قال: سَبِّحى معه.
بلسان الحبشةِ (٤).
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
قال: سَبِّحى معه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه (١).
حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
أي: سبِّحى معه إذا سبَّح (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾.
قال: سبِّحى معه.
قال: والطيرُ أيضًا (٣).
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
يقولُ: سبِّحى معه (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
قال: سبِّحى معه.
وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾.
وفى نصب الطير وجهانِ؛ أحدُهما على ما قاله ابن زيدٍ، من أن الطيرَ نُودِيت كما نُوديت الجبالُ، فتكونُ منصوبةً من أجل أنَّها معطوفةٌ على مرفوعٍ، بما لا يَحسُنُ إعادة رافعه عليه (٥)، فيكون كالمصروفِ (٦) عن جهتِه.
والآخَرُ: على (١) ضميرٍ (٢) متروكٍ استِغْناءَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، فيكونُ معنى الكلام: فقلنا: يا جبالُ أوِّبى معه وسخَّرنا له الطيرَ.
وإن رُفِع ردًّا على ما في قولِه: سبِّحى.
من ذكر الجبال كان جائزًا، وقد يجوز رَفْعُ الطير وهو معطوفٌ على الجبال، وإن لم يَحسُنْ نداؤُها بالذي نُودِيت به الجبالُ، فيكون ذلك كما قال الشاعر (٣): ألا يا عمْرُو والضَّحَّاكَ سيرًا … فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ (٤) الطَّرِيقِ وقولُه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.
ذكر أنَّ الحديد كان في يديه كالطين المبلولِ يُصرِّفُه في يديه كيف شاء بغير إدخالِ نارٍ ولا ضربٍ بحديدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: سخَّر الله له الحديد بغيرِ نارٍ (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بن بشيرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: كان يُسوِّيها بيدِه؛ لا يُدخِلُها نارًا، ولا يَضرِبُها بحديدةٍ (٦).
وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾.
يقولُ: وعهدنا إليه أن اعمل سابغاتٍ، وهى التوامُّ الكَوامِلُ مِن الدروعِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾.
قال: دروعٌ، وكان أوَّلَ مَن صنَعها داودُ، إنما كان قبلَ ذلك صفائِحُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾.
قال: السابغاتُ: الدروعُ من الحديدِ.
وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
اختلَف أهل التأويل في السَّرْدِ؛ فقال بعضُهم: السَّرْدُ: هو مِسمارُ حَلَقِ الدِّرْعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
قال: كان يجعَلُها بغيرِ نارٍ، ولا يَقْرَعُها بحديد، ثم يَسْرُدُها، والسَّرْدُ: المساميرُ التي في الحَلَقِ (٢).
وقال آخرون: بل هو الحَلَق بعينها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
قال: والسَّرْدُ: حَلَقه.
أي: قدِّرْ تلك الحَلَق.
قال: وقال الشاعرُ (١): * أجاد المُسَدِّي سَرْدَها وأذَالها* قال: يقولُ: وسَّعها، وأجاد حَلَقَها (٢).
[حدثني عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
يقولُ: حَلَقِ الحديدِ] (٣).
وقال بعض أهل العلم بكلام العربٍ: يقالُ: دِرْعُ مَسْرودَةٌ.
إذا كانت مسمورةَ الحَلَقِ، واستَشهد لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٤): وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُما … دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابِغَ تُبَّعُ وقيل: إن الله ﷿ إنما قال لداودَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
لأنها كانت قبل ذلك صفائحَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قَيْسٍ، عن قتادة: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
قال: كانت صفائِحَ، فأُمِر أَن يَسْرُدَها حَلَقًا (٥).
وعنَى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدِّرِ المساميرَ في حَلَقِ الدِّرْعِ حتى يكونَ بمقدار؛ لا تُغلِّظ المسمار وتُضَيِّقِ الحَلَقة فتُفصَمَ الحَلَقةُ، ولا تُوسِّع الحَلَقةً وتُصَغِّرِ المسمار وتُدِقَّه فيَسْلَسَ (١) في الحَلَقَةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
يعنى بالسردِ ثقبَ الدروع حينَ يَشُدُّ قَتيرها (٢).
وعنى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدر المسامير (٣).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
قال: قدِّر المساميرَ والحَلَقَ، لا تُدقَّ المساميرَ فتسْلسَ، ولا تُجِلَّها.
قال محمدُ بنُ عمرٍو: فتُقْصَمَ (٤).
وقال الحارثُ: فتُفصَمَ (٥) (٦).
حدَّثني عليُّ بن سهل، قال: ثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
قال: لا تُصغِّرِ المِسمارَ، وتُعَظِّمِ الحَلَقَةَ فيَسْلَسَ، ولا تُعَظِّمِ المِسمارَ وتُصَغِّرِ الحَلَقَةَ [فتَفْصَمَ الحَلَقَةُ] (١).
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: ثنا أبي، عن الحكم في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
قال: لا تُغلِّظ المسمار فيَفْصِمَ الحَلَقَةَ، ولا تُدِقَّه فيَقْلَقَ (٢).
وقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾.
يقول تعالى ذكرُه: واعمَلْ يا داودُ أنت وآلك (٣) بطاعة اللهِ، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يقول جلَّ ثناؤُه: إِنِّي بما تَعملُ أنت وأتباعُك ذو بصرٍ، لا يَخفَى عليَّ (٤) منه شيءٌ، وأنا مُجازيك وإياهم على جميعِ ذلك.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: اختلفت القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة (٥) الأمصارِ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ بنصب "الريح"، بمعنى: ولقد آتينا داود منا فضلًا، وسخَّرْنا لسليمانَ الريحَ.
وقرأ ذلك عاصمٌ: (ولِسُلَيْمانَ الريحُ) رفعًا بحرفِ الصفةِ، إذ لم يَظهرِ الناصبُ.
والصوابُ مِن القراءة في ذلك عندَنا النصبُ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه.
وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا لسليمانَ الريحَ، غدوُّها إلى انتصافِ النهارِ مَسيرةُ شهرٍ، ورَواحُها من انتصافِ النهارِ إلى الليل مسيرةُ شهرٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قال: تغدو مسيرةَ شهرٍ، وتروح مسيرةَ شهرٍ.
قال: مسيرة شهرين في يومٍ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهب بن منبِّهٍ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قال: ذُكِر لى أن مَنزِلًا بناحية دِجلَةَ مَكتوبٌ فيه كتابٌ كتبه بعضُ صحابة سليمانَ؛ إما من الجنِّ، وإما من الإنس: نحنُ نزلناه وما بَنيناه، ومبنيًّا وجَدْناه، غدَونا من إصْطَخْرَ فقِلْناه، ونحنُ رائحون منه إن شاء الله، فبائتونَ بالشام (٢).
حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قال: كان له مَرْكَبُ مِن خشَبٍ، وكان فيه ألفُ ركن، في كلِّ ركنٍ ألفُ بيتٍ يركب معه فيه الجنُّ والإنسُ، تحتَ كلِّ ركنٍ ألفُ شيطانٍ، يرفعون ذلك المركب هم والعصارُ؛ فإذا ارتفع أقبلتِ الرِّيحُ الرُّخاءُ، فسارت به، وساروا معه، يَقِيلُ عند قوم بينَه وبينهم شهرٌ، ويُمسى عندَ قومٍ بينَه وبينَهم شهرٌ، ولا يَدرى القوم إلا وقد أظلَّهم معه الجيوشُ والجنود.
[والعِصَارُ: الريح العاصفة] (١).
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر (٢)، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قال: كان يَغدو فيَقِيلُ بِإِصْطَخْرَ، ثم يَروحُ منها، فيكونُ رواحُها بكابُلَ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا قرَّةُ، عن الحسن بمثلِه.
وقولُه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾.
يقولُ: وأَذَبْنا له عينَ النُّحاسِ وأَجْرَيناها له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: عينَ النُّحاس، كانت بأرض اليمنِ، وإنما يَنتفِعُ النَّاسُ اليوم مما أخرج اللهُ لسليمان (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾.
قال: الصُّفْرُ سال كما يَسيلُ الماءُ، كان يَعمَلُ به كما يَعملُ العجين في اللينِ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾.
يقولُ: النحاسِ (٢).
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾.
يعنى: عين النحاس أُسِيلَت له (٣).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾.
يقول تعالى ذكره: ومن الجنِّ مَن يُطيعُه، ويأتمرُ لأمرِه، وينتَهِى لنهيِه، فيعملُ بينَ يدَيه ما يأْمُرُه به، طاعةً له، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾.
يقولُ: بأمر الله له بذلك، وتسخيره إياه له، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا﴾.
يقولُ: ومَن يَزُلْ وَيَعدِلْ مِن الجنِّ عن أمرنا الذي أمَرْناه به من طاعة سليمانَ، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، وذلك عذاب نارِ جهنم المُتوقِّدةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا﴾.
أي: يعدِلُ منهم عن أمرِنا، عما أمَره به سليمانُ، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (١) القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذِكرُه: يعملُ الجنُّ لسليمانَ ما يشاءُ؛ مِن مَحاريبَ، وهي جَمعُ مِحْرابٍ، والمحرابُ: مقدَّمُ كلِّ مسجدٍ وبيتٍ ومصلَّى، ومنه قول عديِّ بن زيدٍ (٢): كَدُمَى العاج في المَحَارِيبِ … أوْ كالْبَيضِ في الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
قال: بُنيان دونَ القصورِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
قال: قصورٌ ومساجدُ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
قال: المحاريب: المساكنُ.
وقرأ قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (١) [آل عمران: ٣٩].
حدَّثني عمرُو بنُ عبد الحميد الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قول الله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
قال: المحاريبُ: المساجد (٢).
وقوله: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾.
يعنى أنهم يعملون له تماثيل من نُحاسٍ وزجاجٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾.
قال: مِن نحاسٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾.
قال: مِن زجاج وشَبَهٍ (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبد الحميدِ، قال: ثنا مروانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قول الله جلَّ ثناؤُه ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾.
قال: الصُّورُ (٥).
وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾.
يقولُ: ويَنْحتون له ما يشاءُ مِن جِفانٍ كالجَوابِ، وهي جمعُ جابِيَةٍ، والجابِيَةُ: الحَوْضُ الذي يُجْبَى فيه الماءُ، كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيسٍ (١): [تروح على] (٢) آلِ (٣) المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ … كجابية السَّيْحِ (٤) العراقيِّ تَفْهَقُ (٥) وكما قال الراجزُ (٦): فَصَبَّحَتْ جابيَةً صُهارِجا كأنه (٧) جِلْدُ السَّماءِ خارِجا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾.
يقولُ: كالجَوْبَةِ مِن الأَرضِ (٨).
[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾ يعنى بالجواب الحياض] (١).
وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾.
قال (٢): كالحياضٍ (٣).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾.
قال: كحياض الإبلِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾.
[أي: كالحِياض (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾] (٦).
قال: جفانٌ كجَوْبَةِ الأرضِ من العِظَمِ.
والجَوْبةُ مِن الأرضِ: يُستنقَعُ فيها الماءُ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ قال: [سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال] (٧): سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: كالحياضِ (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال ثنا جُويبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾.
قال: كحياضِ الإبل من العِظَمِ.
وقوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾.
يقولُ: وقدورٍ ثابتاتٍ، لا يُحَرَّكْنَ عن أماكنِهنَّ، ولا يُحَوَّلْنَ (٢) لِعِظَمِهِنَّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾.
قال: عِظامٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾.
[أي: ثابتاتٍ لا يَزُلْنَ عن أماكنِهنَّ، كنَّ (٤) يُرَيْنَ بأرض اليمنِ (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: قدورٍ] (٦) عِظامٍ ثابتاتٍ في الأرضِ لا يَزُلْنَ عن أمْكِنَتِهن (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾.
قال: أمثال الجبالِ من عِظَمِهِنَّ، يُعْمَلُ فيها الطعامُ من الكِبَرِ والعِظَمِ، لا تُحَرَّكُ ولا تُنْقَلُ، كما قال للجبال: راسياتٌ.
وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْنا لهم: اعمَلوا بطاعةِ اللهِ يا آلَ داودَ، شكرًا له على ما أنعَم عليكم من النعمِ التي خصَّكم بها دونَ (٢) سائرِ خلقِه، مع الشكرِ له على سائرِ نعمِه، التي عمَّكم بها مع سائر خلقِه، وترَك ذكرَ: "وقلْنا لهم"، اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ [عليه، كما ترَك ذِكرَ: "وسخّرنا" في قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾.
استغناءً بدَلالة ما ذُكرَ من الكلام] (٣) على ما تُرك ذكره منه، وأخرج قوله: ﴿شُكْرًا﴾ مصدرًا من قولِه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾؛ لأن معنى قوله: ﴿اعْمَلُوا﴾: اشكُروا ربَّكم بطاعتِكم إياه، وأن العملَ بالذي يُرْضى الله للهِ شكرٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ (٤)، عن محمد بن كعبٍ قولَه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
قال: الشكرُ: تَقْوى اللهِ، والعمل بطاعته (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال (٢): أخبرني حَيْوَةُ، عن زُهْرَةَ بن معْبَدٍ، أنه سمِع أبا عبدِ الرحمنِ الحُبُلِّيَّ يقولُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: [الصلاةُ شكرٌ، والصيامُ شكرٌ، وكلُّ خير تعملُه لله شكرٌ] (٣)، وأفضلُ الشكرِ الحمدُ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
قال: فيما (٥) أعطاكم وعلَّمكم، وسخَّر لكم ما لم يُسَخِّرْ لغيركم، وعلَّمكم منطقَ الطيرِ، اشكُروا له يا آل داودَ.
قال: الحمدُ طرفٌ من الشكرِ.
وقولُه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقليلٌ من عبادىَ المخلصو توحيدي، والمفردو طاعتى وشُكْرى على نِعْمَتى عليهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾.
يقولُ: قليلٌ من عبادي الموحِّدون توحيدَهم (١).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: فلما أمْضَيْنا قضاءَنا على سليمانَ بالموت فمات، ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾.
يقولُ: لم يَدُلُّ الجنَّ على موتِ سليمانَ، ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وهى الأرضَةُ وقعت في عصاه التي كان مُتَّكِئًا عليها فأكلتها.
فذلك قولُ الله ﷿: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ والمُثنى، قالا: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
يقولُ: الأَرَضَةُ تَأْكُلُ عصاه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال: عصاه.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾.
قال: الأَرضَةُ، ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال: عصاه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (٢) الله بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال: عصاه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
[قال: عصاه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال:] (٤).
أكَلت عصاه حتى خرَّ (٥).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: المِنْسأَةُ: العصا، بلسانِ الحبشةِ (٦).
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المِنْسأةُ: العصا (٧).
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةٍ أهل المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (منساتَهُ) (٨) غيرَ مهموزة، وزعم من اعتلَّ لقارئ ذلك كذلك من أهلِ البصرةِ (١) "، أن المنسَاةَ العصا، وأن أصلَها من: نَسَأْتُ بها الغنمَ.
قال: وهى من الهمزِ الذي ترَكته العربُ، كما ترَكوا همزَ: "النبيِّ" و"البريةِ" و "الخابيةِ".
وأنشَد لتركِ الهمزِ في ذلك بيتًا لبعض الشعراءِ.
إذا دَبَيْتَ على المِنْساةِ من كِبَرٍ (٢) … فقد تباعَدَ عنكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ وذكر الفرَّاءُ عن أبي جعفرٍ الرُّؤَاسيِّ، أنه سأل عنها أبا عمرٍو، فقال: (مِنْساتَه) بغير همزٍ (٣).
وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفة: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾.
بالهمز (٤)، وكأنهم وجَّهوا ذلك إلى أنها مِفْعَلةٌ، من: نَسَأْتُ البعيرَ.
إذا زَجَرْتَه ليزدادَ سيرُه، كما يُقالُ: نسَأْتُ اللبنَ.
إذا صَبَبْتَ عليه الماءَ، وهو النَّسِيءُ، وكما يقالُ: نَسَأَ الله في أجلِك.
أي زاد (٥) الله في أيامِ حياتِك.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرَأ القارى فمُصيبٌ، وإن كنتُ أخْتارُ الهمز فيها (٦)؛ لأنه الأصلُ.
وقولُه: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾.
يقولُ ﷿: فلما خرَّ سليمانُ ساقطًا بانكسارِ مِنْسأتِه، تبيَّنت الجنُّ أن لو كانوا يَعلَمون الغيبَ الذي كانوا يَدَّعون عِلْمَه، ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
يعني: المُذلِّ [مَن عُذِّب به، وكان العذابَ الذي عُذِّبوا به مُكثُهم في الخِدمةِ] (١) حَوْلًا كاملًا بعدَ موتِ سليمانَ، وهم يَحْسَبون أن سليمانَ حَيٌّ.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل وجاءت الآثارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك والروايةِ بذلك حدَّثنا أحمد بنُ منصورٍ، قال: ثنا موسى بنُ مسعودٍ (٢) أبو حذيفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "كان سليمانُ نبيُّ الله إذا صلَّى رأى شجرةً نابتَةً بينَ يديه، فيقولُ لها: ما اسمُكِ؟
فتقولُ: كذا [وكذا] (١).
فيقولُ: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟
فإن كانت لغَرْسٍ (٣) غُرست، وإن كانت لدواءٍ كُتبت، فبينما هو يُصَلِّي ذاتَ يومٍ، إذ رأَى شجرةً بينَ يديه، فقال لها: ما اسمُك؟
قالت: الخرُّوبُ.
قال: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟
قالت: لخرابِ هذا البيتِ.
فقال سليمانُ: اللهم عَمِّ على الجنِّ مَوْتى حتى يَعْلَمَ الإنس أن الجنَّ لا يَعْلَمون الغيبَ.
فنحَتها عصًا، فتوَكَّأ عليها حولًا مَيِّتًا، والجنُّ تَعْمَلُ، فأكَلتها الأَرَضَةُ فسقَط، فتبيَّنت الإنسُ أن الجنَّ (لو كانوا يَعْلَمون الغيبَ ما لبثوا حولًا في العذاب المهين) ".
قال: وكان ابن عباس يقرؤُها كذلك.
قال: "فشكَرت الجنُّ للأرْضَةِ، فكانت تَأْتيها بالماءِ" (٤).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في حديثٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ قال: كان سليمانُ يَتَجَرَّدُ في بيت المقدسِ السنةَ والسنتين، والشهرَ والشهرين، وأقلَّ من ذلك وأكثرَ، يُدْخِلُ طعامه وشرابَه، فأدخَله في المرةِ التي مات فيها، [فكان بَدْءُ] (١) ذلك أنه لم يَكُنْ يومٌ يُصْبحُ فيه إلا [نَبَتَت في بيتِ المقدسِ] (٢) شجرةٌ، فيأتيها (٣) فيَسْألُها: ما اسمُكِ؟
فتقولُ الشجرةُ: اسمى كذا وكذا.
فيقولُ لها: لأيِّ شيءٍ نَبَتِّ؟
فتقولُ: نَبَتُّ لكذا وكذا.
فيَأْمُرُ بها فتَقْطَعُ، فإن كانت نبَتت لغرسٍ غرَسها، وإن كانت نبتَت لدواءٍ قالت: نَبَتُّ دواءً لكذا وكذا.
فيَجْعَلُها لذلك، حتى نبتَت شجرةٌ يقالُ لها: الخرُّوبةُ.
فسألها: ما اسمُك؟
فقالت: أنا الخرُّوبةُ.
قال: ولأيِّ شيءٍ نبَتِّ؟
قالت: لخرابِ هذا المسجدِ.
قال سليمانُ: ما كان الله ليُخْرِبه وأنا حيٌّ، أنتِ التي على وَجْهك هلاكى وخرابُ بيت المقدسِ.
فنزَعها وغرَسها في حائطٍ له، ثم دخَل المحرابَ، فقام يُصَلِّي مُتَّكِئًا على عصاه، فمات ولا تَعْلَمُ به الشياطينُ في ذلك، وهم يَعْمَلُون له، يَخافون أن يَخْرُجَ فيُعاقِبَهم.
وكانت الشياطينُ تَجْتَمِعُ حولَ المحرابِ، وكان المحرابُ له كُوًى بينَ يديه وخلفَه، فكان الشيطانُ الذي يُرِيدُ أن يَخْلَعَ، يَقولُ: ألستُ جَلِيدًا (٤) إن دخَلتُ فخرَجتُ مِن ذلك الجانب، [فيدخُلُ حتى يخرج من الجانب] (٥) الآخَرِ، فدخَل شيطانٌ مِن أولئك فمرَّ، ولم يَكُنْ شيطانٌ يَنظُرُ إلى سليمانَ في المحرابِ إلا احترَق، فمرَّ ولم يَسْمَع صوتَ سليمانَ ﵇، ثم رجَع فلم يَسْمَعْ، ثم رجَع فوقَع في البيتِ فلم يَحْتَرِق، ونظَر إلى سليمانَ قد سقَط مَيِّتًا، فخرَج فأخبَر الناسَ أن سليمانَ قد مات، ففتَحوا (١) عنه، فأخرَجوه، ووجَدوا مِنْسَأتَه، وهى العصا بلسانِ الحبشةِ، قد أكَلتها الأرَضَةُ، ولم يَعْلَموا منذُ كم مات، فوضَعوا الأرَضَةَ على العصا، فأكَلت منها يومًا وليلةً، ثم حسَبوا على ذلك النحو، فوجَدوه قد مات منذ سنةٍ.
وهى في قراءةِ ابن مسعودٍ: (فمكَثوا يَدْأبون (٢) له من بعدِ موتِه حولًا كاملًا) (٣).
فأيْقَن الناسُ عندَ ذلك أن الجنَّ كانوا يَكْذِبونهم، ولو أنهم علِموا الغيبَ لعلِموا بموتِ سليمانَ، ولم يَلْبَثوا في العذابِ سنةً يَعْمَلون له، وذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
يقولُ: تَبَيَّنُ أمرُهم للناسِ أنهم كانوا يَكْذبونهم.
ثم إن الشياطينَ قالوا للأرضَةِ: لو كنتِ تَأْكُلين الطعامَ أتَيْناكِ بأطيبِ الطعامِ، ولو كنتِ تَشْرَبين الشرابَ سَقَيْناكِ أطيبَ الشرابِ، ولكنَّا سَنَنْقُلُ إليكِ الماءَ والطِّينَ، قال: فهم ينقُلون ذلك حيثُ كانت.
قال: ألم تَرَ إلى الطين الذي يكونُ في جوفِ الخشبِ فهو ما يأْتيها به الشياطينُ شكرًا لها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الجنُّ تُخْبِرُ الإنسَ أنهم كانوا يَعْلَمون من الغيبِ أشياءَ، وأنهم يَعْلَمون ما في غدٍ، فابتُلوا بموتِ سليمانَ، فمات فلبث سنةً على عصاه، وهم لا يَشْعُرون بموته، وهم مُسَخَّرون تلك السنةَ يَعْمَلُون دائبِين، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، [وفى بعض القراءة (فلما خرَّ تَبَيَّنتِ الإنسُ أَنَّ الجنَّ] (١) لَوْ كَانُوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب المهين)، ولقد لبثوا يَدْأَبون ويَعْمَلون له حولًا (٢) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال: قال سليمانُ لملَكِ الموتِ: يا ملكَ الموتِ، إذا أُمِرتَ بي فَأَعْلِمْنى.
قال: فأتاه فقال: يا سليمانُ، قد أُمِرْتُ بك، قد بقِيَت لك سُوَيعَةٌ.
فدعا الشياطين، فبنَوا عليه صَرْحًا من قواريرَ، ليس له بابٌ، فقام يُصَلِّي، واتَّكَأ على عَصاه، قال: فدخَل عليه مَلَكُ الموتِ، فقبض رُوحَه وهو مُتَّكِيُّ على عَصاه، ولم يَصْنَعْ ذلك فرارًا مِن مَلكِ الموتِ.
قال: والجنُّ تَعْمَلُ بين يديه، ويَنْظُرون إليه، يحسَبون أنه حيٌّ.
قال: فبعَث اللهُ دابةَ الأرضِ - قال: دابةٌ تَأْكُلُ العِيدانَ يقالُ لها: القادِحُ - فدخَلت فيها فأكَلتها، حتى إذا أكَلت جوفَ العصا ضعُفت وثقُل عليها، فخرَّ مَيِّتًا.
قال: فلما رأَت الجنُّ ذلك، انفَضُّوا وذهَبوا.
قال: فذلك قولُه: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال: والمِنْسَأَةُ: العصا (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ يُصَلِّي فمات وهو قائمٌ يُصَلِّي، والجنُّ يَعْمَلون، لا يَعْلَمون بموته، حتى أكَلت الأَرَضَةُ عصاه فخَرَّ.
و "أَنْ" في قوله: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في موضعِ رفعٍ بـ "تَبَيَّنَ"؛ لأن معنى الكلامِ: فلما خرَّ تَبَيَّنَ وانكشَف، أن لو كان الجنُّ يَعْلَمُون الغيبَ ما لبِثوا في العذابِ المهينِ.
وأما على التأويلِ الذي تأوَّله ابن عباسٍ؛ مِن أن معناه: تبيَّنت الإنسُ الجنَّ.
فإنه يَنْبَغى أن تكونَ ﴿أَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ بتكريرِها على ﴿الْجِنُّ﴾، وكذلك يَجِبُ على هذه القراءةِ أن تكونَ ﴿الْجِنُّ﴾ منصوبةً.
غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن قرَأةِ الأمصارِ يَقْرَأُ ذلك بنصبِ ﴿الْجِنُّ﴾، ولو نُصِبَت، كان في قولِه: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ ضميرٌ من ذكرِ الإنسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ (١) آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾.
أي لولدِ سبإِ في مساكنِهم (٢) علامةٌ بينةٌ وحجةٌ واضحةٌ، على أنه لا ربَّ لهم إلا اللهُ الذي أنعَم عليهم النعمَ التي كانوا فيها.
وسبأٌ [فيما روى] (٣) عن رسولِ اللهِ اسمُ أبي اليَمَنِ.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جَنَابٍ (٤) الكلبيِّ، عن يحيى بن هانئِ بن (١) عروةَ المراديِّ، عن رجلٍ منهم يُقالُ له: فَرْوَةُ بنُ مُسَيْكٍ.
قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني عن سبإِ ما كان، رجلًا كان أو امرأةً، أو جبلًا، أو واديًا (٢)؟
فقال: "لا، كان رجلًا من العربِ، وله عَشَرَةٌ، فتيمَّن منهم ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ؛ منهم؛ فأما الذين تَيَمَّنوا منهم؛ فكنْدَةُ، وحِمْيرٌ، والأَزْدُ، والأشعرِيُّون ومَذْحِجٌ، وأنْمارٌ الذين منها خَثْعَمٌ وبَجيلَةُ، وأما الذين تشاءَموا؛ فعامِلةٌ، وجُذَامٌ، ولَخْمٌ، وغَسَّانُ" (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني الحسنُ بنُ الحكَمِ، قال: ثنا أبو سَبْرَةَ النَّخَعِيُّ، عن فروةَ بن مُسَيْكٍ القطيعيِّ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني عن سبإِ ما هو؛ أرضٌ أو امرأةٌ؟
قال: "ليس بأرضٍ ولا امرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولَد (٤) عَشَرةً من الولدِ، فتيامَن ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ، فأما الذين تشاءَموا؛ فَلَخْمٌ، وجُذَامٌ، وعامِلةُ، وغَسَّانُ، وأما الذين تيامَنوا؛ فكِندةُ والأشعريُّون والأزْدُ ومَذْحِجٌ وحِمْيَرٌ وأنْمارٌ".
فقال رجلٌ: ما أنمارٌ؟
قال: "الذين منهم خَثْعَمٌ وبجيلةُ" (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا العَنْقَرِيُّ، قال: أخبَرني أسباطُ بنُ نَصِرٍ، عن يَحيى بن هانئِ المراديِّ، عن أبيه أو عن عمِّه - أسباطُ شكَّ فيه - قال: قدِم فَرُوةُ بنُ مُسَيكٍ على رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أخْبِرْني عن سبإِ؛ أجبلًا كان أو أرضًا؟
فقال: "لم يَكُنْ جبلًا ولا أرضًا، ولكنه كان رجلًا من العربِ وُلِد له عشْرةُ قبائلَ".
ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "وأنمارٌ الذين يقولون، منهم بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ" (١).
فإذ (٢) كان الأمرُ كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ، من أن سبأً رجلٌ، فإنَّ الإجراءَ فيه وغيرَ الإجراءِ معتدِلان؛ أما الإجراءُ، فعلى أنه اسمُ رجلٍ معروفٍ، وأما تركُ الإجراءِ فعلى أنه اسمُ قبيلةٍ أو أرضٍ.
وقد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من أهلِ القراءةِ (٣).
واختلفَت القرَأةُ في قراءةِ قوله: (في مساكنِهم)؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (في مساكنهم) على الجِماعِ، بمعنى منازلِ آلِ سبأ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ على التوحيدِ وبكسرِ الكافِ، وهى لغةٌ لأهلِ اليمنِ فيما ذُكِر لى.
وقرَأ حمزةُ: (مَسْكَنِهم) على التوحيدِ وفتحِ الكافِ (٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ ذلك قراءاتٌ مشهوراتٌ (٥) متقارباتُ المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿آيَةٌ﴾: قد بيَّنا معناها قبلُ (٦).
وأما قولُه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾.
فإنه يعنى: بستانان كانا بينَ جبلين، عن يمينِ مَن أتاهما وشمالِه.
وكان من صفتِهما فيما ذُكِر لنا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾.
قال: كانت جنتان بينَ جبلين، فكانت المرأةُ تَخْرُجُ، بمِكْتَلِها على رأسِها، فتَمْشى بينَ جبلين (١)، فيَمْتَلِئُ مِكْتَلُها، وما مسَّت بيدِها، فلما طَغَوا بعَث اللهُ عليهم دابةً، يُقالُ لها: جُرَذٌ (٢).
فنقَّبت عليهم، فغرَّقتهم، فما بقى لهم إلا أثلٌ وشيءٌ من سِدْرٍ قليلٍ (٣).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
قال: ولم يَكُنْ يُرَى في قريتِهم بَعوضةٌ قطُّ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغوثٌ ولا عقربٌ ولا حيةٌ، وإن كان الركبُ ليَأْتون وفى ثيابِهم القَمْلُ والدوابُّ، فما هم إلَّا أن يَنْظروا إلى بيوتِهم، فتَمُوتَ الدوابُّ.
قال: وإن كان الإنسانُ ليَدْخُلُ الجنتَين، فيُمْسِكُ القُفَّةَ على رأسِه، فيَخْرُجُ حينَ يَخْرُجُ وقد امتلأت تلك القُفَّةُ (٤) من أنواعِ الفاكهةِ، ولم يتَنَاولْ منها شيئًا بيدِه.
قال: والسَّدُّ يَسْقيها (٥).
ورُفعِت الجنتان في قولِه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾.
ترجمةً عن الآيةِ؛ لأن معنى الكلامِ: لقد كان لسبأ في مسكنِهم آيةٌ، هي جنتان عن أيمانِهم وشمائلِهم.
وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾.
[يقولُ: وقيل لهم: كُلوا من رزقِ ربِّكم] (١) الذي رزقكم مِن هاتين الجنتين؛ مِن زُروعِهما وأثمارِهما، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعمَ به عليكم من رزقِه ذلك.
وإلى هذا منتهى الخبرِ، ثم ابتدَأ الخبرَ عن البلدةِ.
فقال (٢): هذه بلدةٌ طيبةٌ.
أي: ليست بسَبْخةٍ، ولكنها كما ذكَرْنا من صفتِها عن عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ أن كانت كما وصَفها (٣) به ابن زيدٍ، من أنه لم يكنْ فيها شيءٌ مؤْذٍ من الهَمَجِ (٤) والدَّبِيبِ والهوامِّ، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
يقولُ: وربُّكم (٥) غفورٌ لذنوبِكم إن أنتم أطَعتموه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾.
[قال: هذه بلدةٌ طيبةٌ] (٦)، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: وربُّكم ربٌّ غفورٌ لذنوبِكم؛ قومٌ أعطاهم اللهُ نِعمَه، وأمَرهم بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي (١) إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فأعرَضت سبأٌ عن طاعةِ ربِّها، وصدَّت عن اتباعِ ما دعتها إليه رُسُلُها، من أمرِ (٢) خالقِها.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لقد بعَث اللهُ إلى سبأ ثلاثةَ عَشَرَ نبيًّا فكذَّبوهم (٣).
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فثقَبنا (٤) عليهم حينَ أعرَضوا عن تصديقِ رسلِنا سدَّهم الذي كان يَحْبِسُ عنهم السيولَ.
والعَرِمُ: المُسنَّاةُ التي تَحْبِسُ الماءَ، واحدُها عَرِمةٌ، وإياه عَنَى الأَعْشَى بقولِه (٥): ففي ذاك للمُؤْتَسِى أُسْوَةٌ … ومَأْرِبُ قَفَّى (٦) عليه العَرِمْ رِجَامٌ (٧) بَنَتْه لهم حِمْيَرٌ … إذا جاء ماؤُهُمُ لم يَرِمْ وكان العَرِمُ، فيما ذُكِر، مما بنَتْه بِلْقيسُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ حكيمٍ، قال: لما ملَكت بِلْقِيسُ جعَل قومُها يَقْتَتِلون على ماءِ وادِيهم.
قال: فجعَلت تَنْهاهم فلا يُطيعونها، فترَكت مُلْكَها، وانطَلَقت إلى قصرٍ لها وترَكتهم، فلما كثرُ الشرُّ بينَهم وندِموا أتَوها، فأرادوها على أن تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فأبَت، فقالوا: لتَرْجِعِنَّ أو لنَقْتُلَنَّك.
فقالت: إنكم لا تُطيعونني، وليست لكم عقولٌ (١).
قالوا: فإنَّا نُطيعُكِ، وإنَّا لم نَجِدْ فينا خيرًا بعدَكِ.
فجاءت فأمَرت بوادِيهم فسُدَّ بالعَرمِ (٢).
قال أحمدُ: قال وهبٌ: قال أبي: فسألتُ المغيرةَ بنَ حَكِيمٍ عن العَرِمِ، فقال: هو بكلامِ حِمْيَرٍ: المُسَنَّاةُ.
فسَدَّت ما بينَ الجبلين، فحبَست الماءَ من وراءِ السدِّ، وجعَلت له أبوابًا، بعضُها فوقَ بعضٍ، وبنَت من دونِه بِركةً ضخمةً، فجعَلت فيها اثنى عشَرَ مَخْرَجًا، على عدةِ أنهارِهم، فلما جاء المطرُ احتبَس السيلُ من وراءِ السدِّ.
فأمَرت بالبابِ الأعلى ففُتِح، فجرَى ماؤُه في البِرْكةِ، وأمَرت بالبَعْرِ فأُلقى فيها، فجعَل بعضُ البعرِ يخرُجُ أسرعَ مِن بعضٍ، فلم تَزَلْ تُضَيِّقُ تلك الأنهارَ، وتُرْسِلُ البَعْرَ في الماءِ، حتى خرَج جميعًا معًا، فكانت تَقْسِمُه بينَهم على ذلك، حتى كان مِن أمْرِها وأمْرِ سليمانَ ما كان (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا صالحُ (٤) بنُ رُزيقٍ (٥)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
قال: المُسَنَّاةِ بلحنِ اليمنِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال: سَدٌّ (٢).
وقيل: إن العرِمَ اسمُ وادٍ كان لهؤلاء القومِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
قال: وادٍ كان باليمنِ، كان يَسِيلُ إلى مكةَ، وكانوا يُسْقَونَ ويَنتَهى سَيلُهم إليه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: ذُكِر لنا أن سَيْلَ العرمِ [وادى سبأ] (٤)، كانت تَجْتَمِعُ إليه مَسايِلُ مِن أوديةٍ شتَّى، فعمَدوا فسدُّوا ما بينَ الجبلين بالقيرِ والحجارةِ، وجعَلوا عليه أبوابًا، وكانوا يَأْخُذون من مائِه ما احتاجوا إليه، ويَسُدُّون عنهم ما لم يُعْنَوا به من مائِه (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
[وادٍ في] (٦) سبإِ يُدْعَى العرِمَ، وكان إذا مُطِرَ سالَت أوديةٌ باليَمنِ إلى العَرِمِ، واجتمَع إليه الماءُ، فعمَدت سبأٌ إلى العَرِمِ فسدُّوا ما بينَ الجبلين، فحجَزوه بالصخرِ والقارِ، فاستدَّ زمانًا من الدهرِ، لا يَرْجون الماءَ.
يقولُ: لا يَخافون.
وقال آخرون: العَرِمُ: صفةٌ للمُسَنَّاةِ التي كانت لهم وليس باسمٍ لها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
يقولُ: الشديدِ (١).
وكان السببُ الذي سبَّب اللهُ لإرسالِ ذلك السيلِ عليهم - فيما ذُكِر لى - جُرَذًا ابتعَثه اللهُ على سدِّهم، [فنقَب فيه نَقْبًا] (٢).
ثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ ما حدَث عن ذلك النَّقْبِ مما كان به خَرابُ جَنَّتَيْهم؛ فقال بعضُهم: كان صفةُ ذلك أن السيلَ لما وجَد عملًا في السدِّ عمِل فيه فخرَّبه (٣)، ثم فاض الماءُ على جناتِهم فغرَّقها وخرَّب أرضَهم وديارَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ اليمانيِّ، قال: كان لهم، يعنى لسبأ، سَدٌّ قد كانوا بَنَوه بنيانًا أيِّدًا (٤)، وهو الذي كان يَرُدُّ عنهم السيلَ إذا جاء، أن يَغْشَى أموالَهم.
وكان فيما يَزْعُمون في علمِهم من كهانتِهم، أنه إنما يُخَرِّبُ عليهم (١) سدَّهم ذلك فأرةٌ، فلم يَتْرُكوا فُرْجَةً بينَ حَجَرين، إلا رَبَطوا عندَها هِرَّةً، فلما جاء زمانُه، وما أراد اللهُ بهم من التغريقِ، أقبَلت فيما يَذْكرون فأرةٌ حمراءُ إلى هرةٍ من تلك الهررِ فساوَرتْها حتى استأخَرت عنها الهرةُ، فدخَلت في الفُرجةِ التي كانت عندَها، فتغَلْغَلت في السدِّ فحفَرت فيه، حتى وهَّنته للسيلِ وهم لا يَدْرون، فلما جاء السيلُ وجَد خللًا (٢)، فدخَل فيه حتى قلَع السدَّ، وفاض على الأموالِ، فاحتمَلها، فلم يُبْقِ منها إلا ما ذكَره اللهُ في كتابِه، فلما تفرَّقوا نزَلوا على كهانةِ عِمرانَ بن عامرٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: لما [نزَل بالقومِ] (٤) أمرُ اللهِ، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا يُسَمَّى الخُلْدَ، فنَقَبَه من أسفلِه، حتى غرَّق اللهُ به جَنَّاتِهم، وخرَّب به أرضَهم؛ عقوبةً بأعمالِهم (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: لما طغَوا وبغَوا، يعنى سبأً، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا، فخرَّق عليهم السَّدَّ، فأغرَقهم (٦) اللهُ (٧).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: بعَث اللهُ عليهم (٨) جُرَذًا، وسلَّطه على الذي كان يَحْبِسُ الماءَ الذي يَسْقِيهما (١)، فأخرَب في أجوافِ (٢) تلك الحجارة وكلِّ شيءٍ منها مِن رَصاصٍ وغيرِه، حتى ترَكها حجارةً، ثم بعَث اللهُ عليها سيلَ العَرمِ، فاقتَلعَ ذلك السدَّ وما كان يَحْبِسُ، واقتلَع تلك الجنتين فذهَب بهما، وقرَأ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾.
قال: ذهَب بتلك القُرَى والجنتين.
وقال آخرون: كانت صفةُ ذلك أن الماءَ الذي كانوا يَعْمُرون به جناتِهم سال إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذي كانوا يَنْتَفِعون به، فبذلك خرِبت جناتُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث اللهُ عليه (٣)، يعنى على العرمِ، دابةً من الأرضِ، فنقَبت فيه نَقْبًا، فسال ذلك الماءُ إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذي كانوا يَنْتَفِعون به، وأبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنتَيْن ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ، وذلك حينَ عَصَوا، وبَطِروا المعيشةَ (٤).
والقولُ الأولُ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه أرسَل عليهم سيلَ العَرِمِ، ولا يكونُ إرسالُ ذلك عليهم إلا بإسالتِه عليهم، أو على جناتِهم وأرضِهم، لا بصرفِه (٥) عنهم.
وقولُه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلْنا لهم مكانَ بساتينِهم من الفواكِه والثمارِ، بساتينَ من جَنَى ثمَرِ الأراكِ، والأراكُ: هو الخَمْطُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ [قولُه: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
يقولُ: الأراكِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ] (٢)، قال: أبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنَّتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خمْطٍ، والخَمْطُ الأراكُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
قال: أُراه قال: الخَمْطُ الأراكُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
قال: الخَمْطُ الأراكُ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
قال: الأراكِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾: والخَمْطُ الأراكُ، وأُكُلُه بَرِيرُه (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
قال: بدَّلهم اللهُ بجنانِ الفواكهِ والأعنابِ، إذ أصبَحت جناتُهم خَمْطًا، وهو الأراكُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾.
قال: ذهَب بتلك القرى والجنتين، وبدَّلهم الذي أخبَرك ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ.
قال: والخَمْطُ الأراكُ.
قال: جعَل مكانَ العنبِ أراكًا، والفاكهةِ أثْلًا، و [بَقِيَ لهم] (٣) شيءٌ من سدرٍ قليلٍ.
واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بتنوينِ ﴿أُكُلٍ﴾ غيرَ أبي عمرٍو، فإنه يُضِيفُها إلى "الخَمْطِ"، بمعنى: ذَوَاتَيْ ثَمَرِ خَمْطٍ، وأما الذين لم يُضِيفوا ذلك إلى "الخَمْطِ"، ونَوَّنُوا "الأُكُلَ"، فإنهم جعَلوا "الخَمْطَ" هو "الأُكُلَ"، فردُّوه عليه في إعرابِه.
وبضمِّ الألفِ والكافِ من "الأُكُلِ" قرَأت قرَأةُ الأمصارِ غيرَ نافعٍ، فإنه كان يُخَفِّفُ الكافَ منها (١).
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ من قرَأه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضمِّ الألفِ والكافِ (٢)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، وتنوينِ ﴿أُكُلٍ﴾؛ لاستفاضةِ القراءة بذلك في قرَأةِ الأمصارِ، من غيرِ أن أرَى خطأَ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بإضافتِه إلى "الخَمْطِ"، وذلك في إضافتِه وتركِ إضافتِه نظيرُ قول العربِ: في بستانِ فلانٍ أعنابُ كَرْمٍ، وأعنابٌ كَرْمٌ.
فتُضِيفُ أحيانًا الأعنابَ إلى الكَرْمِ؛ لأنها منه، وتُنَوِّنُ أحيانًا، ثم تُتَرْجِمُ بالكَرمِ عنها؛ إذ كانت الأعنابُ ثمرَ الكَرْم.
وأما "الأَثْلُ" فإنه يُقالُ: إنه الطَّرْفاءُ.
وقيل: إنه شجرٌ شبيهٌ بالطَّرْفاءِ (٣).
غيرَ أنه أعظمُ منها.
وقيل: إنه السَّمُرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال: الأَثْلُ الطَّرْفَاءُ (٤).
وقولُه: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾.
يقولُ: ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خمطٍ وأَثْلٍ وشيءٍ قليلٍ مِن سدرٍ.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، قتادةَ: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾.
قال: بينَما شجرُ القومِ مِن خيرِ الشجرِ، إذ صيَّره اللهُ من شرِّ الشجرِ بأعمالِهم (١).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَلْنا بهؤلاءِ القومِ مِن سبأ؛ من إرسالِنا عليهم سيلَ العرمِ حتى هلَكت أموالُهم، وخرِبت جناتُهم - جزاءٌ منَّا لهم على كفرِهم بنا وتكذيبِهم رسلَنا، ﴿ذَلِكَ﴾ مِن قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾.
في موضعِ نصبٍ بوقوعِ جزَيْناهم عليه، ومعنى الكلامِ جزَيْناهم ذلك بما كفَروا.
وقولُه: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: (وَهَلْ يُجازَى) بالياءِ وبفتحِ الزايِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، (إِلَّا الكَفُورُ) رفعًا.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ بالنونِ وبكسرِ الزايِ، ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنصبِ (٢).
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مَشْهُورَتانِ في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
ومعنى الكلامِ: كذلك كافَأْناهم على كفرِهم باللهِ، وهل يُكافَأُ (٣) إلا الكفورَ لنعمةِ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: أو ما يَجْزِى اللهُ أهلَ الإيمانِ به على أعمالِهم الصالحةِ، فيَخُصَّ أهلَ الكفرِ بالجزاءِ، فيُقالُ: (وهل يُجَازَى إلا الكفورُ)؟
قيل: إن المجازاةَ في هذا الموضعِ المكافأةُ، واللهُ تعالى ذكرُه وعَد أهلَ الإيمانِ به التَّفَضُّلَ عليهم، وأن يَجْعَلَ لهم بالواحدةِ من أعمالِهم الصالحةِ عَشْرَ أمثالِها إلى ما لا نهايةَ له من التضعيفِ، ووعَد المسيءَ من عبادِه أن يَجْعَلَ له بالواحدةِ من سيئاتِه مثلَها، مكافأةً به (١) على جُرْمِه، والمكافأةُ لأهلِ الكبائرِ والكفرِ، والجزاءُ لأهلِ الإيمانِ مع التفضُّلِ؛ فلذلك قال جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ: (وَهَلْ يُجازَى إِلَّا الكَفُورُ)؛ [لأنه كما قال ﷻ] (٢) لا يُكافِئُ على عملِه إلا الكفورَ.
إذا كانت المكافأةُ مثلَ المكافَإِ عليه، وأنه لا يُغْفَرُ له من ذنوبِه شيءٌ، ولا يُمحَّصُ مِن (٣) شيءٍ منها في الدنيا، وأما المؤمنُ فإنه يَتَفَضَّلُ عليه على ما وصَفتُ (٤).
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (وهَلْ يُجازَى).
[قال: يُعاقَبُ] (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يُجازى إلا الكَفُورُ): إن الله إذا أراد بعبدِه كرامةً تقبَّل حسناتِه، وإذا أراد بعبدِه هوانًا أمسَك عليه ذنوبَه، حتى يُوَافَى بها (١) يومَ القيامةِ (٢).
قال: وذُكِر لنا أن رجلًا بينما هو في طريقٍ من طرقِ المدينةِ، إذ مرَّت به امرأةٌ، فأتْبَعها بصرَه، حتى أتَى على حائطٍ، فشجَّ وجهَه، فأتى نبيَّ اللهِ ووجهُه يَسِيلُ دمًا، فقال: يا نبيَّ اللهِ، فعَلتُ كذا وكذا.
فقال له نبيُّ اللهِ: "إن الله إذا أراد بعبدٍ كرامةً، عجَّل له عقوبةَ ذنبِه في الدنيا، وإذا أراد اللهُ بعبدٍ هوَانًا، أمسَك عليه ذنْبَه حتى يُوَافَى به يومَ القيامةِ، كأنه عَيْرٌ (٣) أبترُ" (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن نعمتِه التي كان أنعَمها على هؤلاءِ القومِ الذين ظلَموا أنفسَهم: وجعَلنا بينَ بلدِهم وبينَ القرَى التي بارَكْنا فيها، وهى الشامُ، قُرًى ظاهرةً.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
قال: الشامِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
قال: الشامِ (٢).
[حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
قال: الشامِ] (٣).
وقيل: عنَى بالقُرَى التي بُورِك فيها بيتَ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
قال: الأرضُ التي بارَكْنا فيها هي الأرضُ المقدَّسةُ (٤).
وقولُه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
يعنى قُرًى مُتَّصِلةٌ، وهي قُرًى عربيةٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
قال: قُرًى مُتواصِلةً.
قال: كان أحدُهم يَغْدُو فيَقيلُ في قريةٍ، ويَرُوحُ فيَأْوى إلى قريةٍ أخرَى.
قال: وكانت المرأةُ تَضَعُ زِنْبِيلَها (١) على رأسِها، ثم تَمْتَهِنُ بِمِغْزَلها، فلا تَأْتى بيتَها حتى يَمْتَلئَ من كلِّ الثمارِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: أي مُتَواصِلةً (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
يعنى قرًى عربيةً بينَ المدينةِ والشامِ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
قال: السَّرَواتِ (٥).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
يَعْنى قرًى عربيةً، وهي بينَ المدينةِ والشامِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
قال: كان بينَ قريتِهم وبينَ الشامِ قرًى ظاهرةٌ.
قال: إن كانت المرأةُ لَتخرُجُ معها مغزَلُها، ومِكْتَلُها على رأسِها، تَرُوحُ مِن قريةٍ وتَغْدُو (١) وتَبِيتُ في قريةٍ، لا تَحْمِلُ زادًا ولا ماءً؛ لما (٢) بينَها وبينَ الشامِ.
وقولُه: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْنا السيرَ بينَ قراهم والقرى التي بارَكْنا فيها سيرًا مقدَّرًا مِن منزلٍ إلى منزلٍ، وقريةٍ إلى قريةٍ، لا يَنْزِلون إلَّا في قريةٍ، ولا يَغْدون إلا من قريةٍ.
وقولُه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
يقولُ: وقلْنا لهم: سِيروا في هذه القرى - ما بينَ قراكم والقُرى التي بارَكْنا فيها - لياليَ وأيامًا آمنين، لا تَخافون جُوعًا ولا عَطَشًا، ولا من أحدٍ ظُلْمًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: لا تَخافون ظلمًا ولا جوعًا، إنما تَغْدون فتَقِيلون في قريةٍ، وتَرُوحون فَتَبِيتون في قريةٍ، أهلُ جنةٍ ونَهَرٍ، حتى لقد ذُكِر لنا أن المرأةَ كانت تَضَعُ مِكْتَلَها على رأسِها، وتَمْتَهِنُ بيدِها، فيَمْتَلئُ مِكْتَلُها من الثمرِ (٣) قبلَ أن تَرْجِعَ إلى أهلِها، من غيرِ أن تَخْتَرِفَ (١) بيدِها (٢) شيئًا، وكان الرجلُ يُسَافِرُ لا يَحْمِلُ معه زادًا ولا سِقاءً، مما بُسِط للقومِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
قال: ليس فيها خوفٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾.
على وجهِ الدعاءِ والمسألةِ بالألفِ.
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (بعِّد)، بتشديدِ العينِ، على الدعاءِ أيضًا.
وذُكِر عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان يقرؤه: (رَبُّنا باعَدَ بينَ أسفارِنا) على وجهِ الخبرِ عن (٤) اللهِ، أن الله فعل ذلك بهم (٥).
وحكى عن آخرَ أنه قرَأه: (ربَّنا بَعُدَ) على وجهِ الخبرِ أيضًا، غيرَ أن الربَّ منادًى (٦).
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ و (بَعِّدْ)؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرَأةِ الأمصارِ (١)، وما عداهما فغيرُ معروفٍ فيهم، على أن التأويلَ من أهلِ التأويلِ أيضًا يُحَقِّقُ قراءةَ من قرَأه على وجهِ الدعاءِ والمسألةِ، وذلك أيضًا مما يزيدُ القراءةَ الأخرى بُعدًا من الصوابِ.
فإذا كان ذلك كذلك وهو الصوابُ من القراءةِ، فتأويلُ الكلامِ: فقالوا: يا ربَّنا، باعدْ بينَ أسفارِنا، فاجعَلْ بينَنا وبينَ الشامِ فَلَواتٍ ومفاوزَ؛ لنَرْكَبَ فيها الرواحلَ، ونتَزَوَّدَ معنا فيها الأزوادَ.
وهذا من الدَّلالةِ على بَطَرِ القومِ نعمةَ اللهِ عليهم وإحسانَه إليهم، وجهلِهم بمقدارِ العافيةِ، ولقد عجَّل لهم ربُّهم الإجابةَ، كما عجَّل للقائلين: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]: أعطاهم ما رغِبوا إليه فيه وطلَبوا من المسألةِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو حُصَينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾.
قال: كانت لهم قُرًى متصلةٌ باليمنِ، كان بعضُها يَنْظُرُ إلى بعضٍ، فبَطِروا ذلك وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾.
قال: فأرسَلَ اللهُ عليهم سيلَ العرمِ، وجعَل طعامَهم أَثْلًا وخَمْطًا وشيئًا من سدرٍ قليل (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: فإنهم بطِروا عيشَهم، وقالوا: لو كان جَنَى جناتِنا أبعدَ مما هي، كان أجدرَ أن نشتهيَه.
فمُزِّقوا بينَ الشامِ وسبإِ، وبُدِّلوا بجنتَيْهم جنتين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: بطِر القومُ نعمةَ اللهِ، وغَمِطوا (١) كرامةَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ حتى نَبِيتَ في الفَلواتِ والصحارَى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
وقولُه: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: وكان ظلمُهم إيَّاها عَمَلَهم بما يُسْخِطُ الله عليهم مِن معاصيه؛ مما يُوجِبُ [لها عذابَ] (٣) اللهِ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾.
يقولُ: صيَّرناهم أحاديثَ للناسِ، يَضْرِبون بهم المثلَ في التَّشْتِيتِ (٤)، فيُقالُ: تَمزَّق (٥) القومُ أَيادِيَ سَبَا، وأيْديَ سَبَا.
إذا تفرَّقوا وتقطَّعوا (٦).
وقولُه: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
يقولُ: قطَّعناهم في البلادِ كلَّ تَقَطُّعٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
قال قتادةُ: قال عامرٌ الشَّعْبيُّ: أما غسَّانُ فقد لحِقوا بالشامِ، وأما الأنصارُ فلِحقوا بيَثْرِبَ، وأما خزاعةُ فلحِقوا بتِهامةَ، وأما الأزدُ فلحِقوا بعُمانَ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: يَزْعُمون أن عمرَو (٢) ابنَ عامرٍ، وهو عمُّ القومِ، كان كاهنًا، فرأَى في كَهانتِه أن قومَه سيُمَزَّقون [ويُباعدُ بينَ أسفارِهم] (٣)، فقال لهم: إنى قد علِمتُ أنكم سَتُمَزَّقون، فمَن كان منكم ذا همٍّ بعيدٍ، وجملٍ شديدٍ، ومَزادٍ جديدٍ، فليَلْحَقْ بكأسٍ أو كرود.
قال: فكانت وادعةُ بنُ عمرٍو.
ومَن كان منكم ذا همٍّ مُدْنٍ، [وأَمْرٍ ذُعْرٍ] (٤)، فَليَلْحَقْ بأرضِ شنٍّ (٥)، فكانت عوفُ بنُ عمرٍو، وهم الذين يُقالُ لهم: بارقٌ.
ومَن كان منكم يُريدُ عيشًا آينًا (٦)، وحَرَمًا آمنًا، فليَلْحَقْ بالأَرْزِينِ (٧)، فكانت خزاعةُ، ومَن كان يُريدُ الراسياتِ في الوَحْلِ، المُطْعِماتِ في المَحْلِ (٨)، فَليَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النخلِ، فكانت الأوسُ والخَزرجُ، وهما هذان الحيَّانِ من الأنصارِ، ومن كان منكم يُريدُ خَمْرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلْكًا وتأميرًا، فليَلْحَقْ بِكُوثَى (٩) وبُصرَى، فكانت غسَّانُ بنو جَفْنَةَ (١) ملوكُ الشامِ ومَن كان منهم بالعراقِ.
قال ابن إسحاقَ: وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: إنما قالت هذه المقالةَ طُرَيْفةُ امرأةُ عمرو (٢) بن عامرٍ، وكانت كاهنةً فرأَت في كهانتِها ذلك، فاللهُ أعلمُ أَيَّ ذلك كان.
قال: فلما تفرَّقوا، نزَلوا على كهانةِ عمرِو (٢) بن عامرٍ (٣).
وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تمزيقِناهم كلَّ ممزَّقٍ، ﴿لَآيَاتٍ﴾.
يقولُ: لعظةً وعِبْرةً ودَلالةً على واجبِ حقِّ اللهِ على عبدِه من الشكرِ على نِعمِه إذا أنعمَ عليه، وحقِّه من الصبرِ على محنتِه إذا امتحَنه بيلاءٍ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ [على مِحَنِه] (٤) ﴿شَكُورٍ﴾ على نعمِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
قال: كان مُطرِّفٌ يقولُ: نِعم العبدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الذي إذا أُعطِى شكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيين: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ بتشديدِ الدالِ من ﴿صَدَّقَ﴾، بمعنى أنه قال ظنًّا منه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾.
[ص: ٨٢، ٨٣] ثم صدَّق ظنَّه ذلك فيهم، [فحقَّقه بفعلِه] (١) ذلك بهم، واتِّباعهم إياه.
وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (ولقد صَدَق عليهم) بتخفيفِ الدالِ، بمعنى: ولقد صدَق عليهم في ظنِّه (٢).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، وذلك أن إبليسَ قد صدَّق على كفَرةِ بني آدمَ في ظنِّه، وصدَق عليهم ظنُّه الذي ظنَّ حينَ قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
وحينَ قال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] الآية، قال ذلك عدوُّ اللهِ، ظنًّا منه أنه يفعلُ ذلك لا علمًا، فصار ذلك حقًّا باتباعِهم إياه.
فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ من قرَأ بتشديدِ الدالِ: ولقد ظنَّ إبليسُ بهؤلاء الذين بدَّلناهم بجنتَيهم جنتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، عقوبةً منَّا لهم - ظنًّا غيرَ يقينٍ؛ عَلِم أنهم يَتَّبعونه ويُطِيعونه في معصيةِ اللهِ، فصدَّق ظنَّه عليهم، بإغوائِه إياهم، حينَ (٣) أطاعُوه وعَصَوا ربَّهم، إلا فريقًا من المؤمنين باللهِ، فإنهم ثبتوا على طاعة اللهِ ومعصيةِ إبليسَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنى عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ مُشدَّدةً، وقال: ظنَّ ظنًّا، فصدَّق ظنَّه (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.
قال: ظنَّ ظَنًّا، فاتبَعوا ظنَّه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.
قال: واللهِ ما كان إلا ظنًّا ظنَّه، وإنَّ الله لا يُصدِّقُ كاذبًا، ولا يُكذِّبُ صادقًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.
قال: أرأيتَ هؤلاء الذين كرّمتَهم عليَّ، وفضَّلتَهم وشرَّفتَهم؟
لا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين.
وكان ذلك ظنًّا منه بغيرِ علمٍ، فقال اللهُ: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان لإبليسَ على هؤلاء القومِ الذين وصَف جلَّ ثناؤه صفتَهم من حُجةٍ يُضِلُّهم بها، إلا بتسليطِناه عليهم، [لنَعْلَمَ حزبَنا وأولياءَنا] (١)، ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾.
يقولُ: مَن يُصَدِّقُ بالبعثِ والثوابِ والعقابِ، ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾.
[يقولُ: ممن هو مِن الآخرةِ في شكٍّ] (٢) فلا يُؤْمِنُ (٣) بالمعادِ، ولا يُصَدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾.
قال: قال الحسنُ: واللهِ ما ضرَبهم بعضًا ولا سيفٍ ولا سوطٍ، إلا أمانيَّ وغرورًا دعاهم إليها (٤).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ] (٥)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾.
قال: وإنما كان بلاءً (٦)؛ ليعلمَ اللهُ الكافرَ مِن المؤمنِ (٧).
وقيل: عُنِى بقولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾: إلا لنَعْلَمَ ذلك موجودًا ظاهرًا، ليُسْتَحقَّ به الثوابُ أو العقابُ.
وقولُه: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ على أعمالِ هؤلاءِ الكفرةِ به، وغير ذلك مِن الأشياءِ كلِّها ﴿حَفِيظٌ﴾، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو مجازٍ جميعَهم يومَ القيامةِ، بما كسَبوا في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا فعلُنا بوليِّنا ومن أطاعَنا داودَ وسليمانَ الذي (١) فعَلنا بهما؛ مِن إنعامِنا عليهما النعمَ التي لا كِفاءَ لها إذ شكَرانا، وذاك فِعْلُنا بسبأ الذي (٢) فعلنا بهم، إذ بطروا نعمتَنا، وكذَّبوا رسلَنا، وكفَروا أياديَنا، فقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن قومِك، الجاحدين نعمَنا عندَهم: ادعوا أيُّها القومُ الذين زعَمتم أنهم للهِ شريكٌ من دونِه، فسلوهم أن يَفْعَلوا بكم بعضَ أفعالِنا بالذين وصَفنا أمرَهم؛ مِن إنعامٍ أو إياسٍ، فإن لم يقدِروا على ذلك، فاعْلَموا أنكم مُبْطِلون؛ لأن الشركةَ في الربوبيةِ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ.
ثم وصَف الذين يَدْعون مِن دونِ اللهِ، فقال: إنهم لا يَمْلِكون ميزانَ (٣) ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ؛ من خيرٍ ولا شرٍّ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ، فكيف يكونُ إلهًا من كان كذلك؟!
وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا هم إذ لم يَكُونوا يَمْلِكون مثقالَ ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ منفردين بملكِه مِن دونِ اللهِ، يملكونه على وجهِ الشَّرِكةِ؛ لأن الأملاكَ في المملوكاتِ، لا تكونُ لمالكيها (١) إلا على أحدِ وجهين؛ إما مقسومًا، وإما مُشَاعًا.
يقولُ: فآلهتُهم التي يَدْعون من دونِ اللهِ لا يَمْلِكون وزنَ ذَرَّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، لا مُشَاعًا ولا مقسومًا، فكيف يكونُ مَن كان هكذا شريكًا لمن له ملكُ جميعِ ذلك؟
وقولُه: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، يقولُ: وما للهِ مِن الآلهةِ التي يَدْعُون مِن دونِه مُعِينٌ على خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا على حفظِه، إذ لم يَكُنْ لها ملكُ شيءٍ منه مُشاعًا ولا مقسومًا، فيقالَ: هو له (٢) شريكٌ مِن أجلِ أنه أعان، وإن لم يَكُنْ له ملكُ شيءٍ منه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾.
يقولُ: ما للهِ من شريكٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾: من الذين يَدْعون من دونِ اللهِ، ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾.
مِن عونٍ بشيءٍ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ولا تَنْفَعُ شفاعة شافع [عندَ اللهِ] (١) كائنا من كان الشافع، لمن شَفَع له، إلا أن يَشْفَعَ لمن أذن الله في الشفاعة له (٢).
يقول تعالى: فإذا كانت الشفاعة (٣) لا تَنْفَعُ عند الله أحدًا، إلا لمن أذن الله (٤) في الشفاعة له، والله لا يأذَنُ لأحدٍ من أوليائه في الشفاعةِ لأحدٍ من [أهل الكفر] (٥) به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تَعْبُدون مَن تَعْبُدونه مِن دونِ الله، زعما منكم أنكم تعبدونه ليقرِّبكم إلى اللهِ زُلْفَى، وليَشْفَعَ لكم عند ربِّكم؟
فـ "مَن" - إذ كان هذا معنى الكلام - التي في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للمشفوع (٦) له.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة القرأة بضمِّ الألف من: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على وجه ما لم يسمَّ فاعله (٧).
وقرأه بعضُ الكوفيين: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على اختلاف أيضًا عنه فيه (٨)، بمعنى أذن الله له.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
يقول: حتى إذا جُلِى عن قلوبِهم، وكُشِف عنها الفزَعُ وذهَب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
يعنى: جُلى (١).
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
قال: كُشِف عنها الغطاءُ يومَ القيامةِ (٢).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، قال: إذا جُلِى عن قلوبهم (٣).
واختلَف أهل التأويل في الموصوفين بهذه الصفة؛ من هم؟
وما السببُ الذي مِن أجلِه فُزِّع عن (٤) قلوبهم؟
فقال بعضُهم: الذين (٥) فزِّع عن قلوبهم الملائكة.
قالوا: وإنما يُفزَّعُ عن قلوبهم مِن غَشْيةٍ تصيبُهم عند سماعهم كلام (٦) الله بالوحي.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن داودَ، عن الشَّعبى، قال: قال ابن مسعود في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
قال: إذا حدث أمرٌ عندَ ذى العرشِ، سَمِع مَن دونَه مِن الملائكة صوتًا كجرِّ السلسلة على الصفا، فيُغْشى عليهم، فإذا ذهَب الفزع عن قلوبهم تنادَوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟
قال: فيقولُ مَن شاء الله: قال الحق، وهو العلى الكبيرُ (١).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامرٍ، عن مسروق، قال: إذا حدث عندَ ذى العرش أمرٌ، سمِعت الملائكة له (٢) صوتًا، كجرِّ السلسلة على الصفا، قال: فيُغْشَى عليهم، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربُّكم؟
قال: فيقولُ مَن شاء الله: الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ، أنه قال: إذا حدث أمرٌ (٣) عند ذى العرش.
ثم ذكر نحو معناه، إلا أنه قال: فيُغْشَى عليهم من الفزع، حتى إذا ذهَب ذلك عنهم، تنادوا: ماذا قال ربُّكم؟
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: يُنَزَّلُ الأمرُ من عندِ ربِّ العزّةِ إلى السماء الدنيا، [فيَسْمعون مثلَ وقعِ الحديد على الصفا] (٤)، فيفْزَعُ أهل السماءِ الدنيا، حتى يَسْتَبِينَ لهم الأمر الذي نُزِّل فيه، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ماذا قال ربُّكم؟
فيقولون: قال الحقَّ، وهو العليُّ الكبير.
فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: ثنا أبو هريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال: "إن الله إذا قضَى أمرًا في السماءِ ضَرَبتِ الملائكة بأجْنِحَتِها خُضْعانًا (١)، لقوله صوتٌ كصوت السلسلة على الصَّفا الصَّفْوانِ".
فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ (٢).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
قال: إن الوحى إذا أُلقى سمع أهلُ السماواتِ صَلْصَلةٌ كصَلْصَلة السلسلة على الصَّفْوانِ، قال: فيتنادون في السماواتِ: ماذا قال ربكم؟
قال: فيتنادون: الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضُّحَى عن مسروق، عن عبدِ اللهِ مثله (٣).
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن هشام، عن (٤) عُرْوةَ قال: قال الحارث بن هشامٍ لرسول ﷺ هل الله: كيف يأتيك الوحيُ؟
قال: "يَأْتينى في صَلْصَلةٍ كصَلْصَلَةِ الجَرَسِ، فيَفْصِمُ عنى حينَ يَفْصِمُ وقد وَعَيْتُه، ويأتيني (١) أحيانًا في مِثْلِ صورة الرجل، فيُكَلِّمُنى به كلامًا، وهو أهون عليَّ" (٢).
حدثني زكريا بن [يحيى بن] (٣) أبان المصريُّ، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الوليد بنُ مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن ابن أبي زكريا، عن رجاءِ (٤) بن حَيْوَةَ، عن النَّوَّاس بن سمعانَ، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أرادَ الله أن يُوحَى بالأمرِ، تَكَلَّمَ بالوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاواتِ منه رَجْفَةٌ - أو قال: رِعْدَةٌ - شديدةٌ؛ [خَوْفًا مِن] (٥) الله، فإذا سَمِع بذلك (٦) أهل السماواتِ صَعِقوا، وخَرُّوا للهِ سُجَّدًا، فيكونُ أول مَن يَرْفَعُ رأسه جبريلُ، فيُكَلِّمُهُ اللهُ [مِن وَحْيِه بما] (٧) (٨) أرادَ، ثم يمرُّ جبريلُ على الملائكةِ، كُلَّما مَرَّ بسماءٍ سأله (٩) ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريلُ؟
فيقولُ جبريلُ: قال الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ.
قال: فيقولون كلُّهم مثل ما قال جبريل، فينتهى جبريلُ بالوحي حيثُ أمره الله" (١٠).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.
قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: إن الله لما أراد أن يُوحِيَ إلى محمدٍ، دعا جبريل، فلما تكلَّمَ ربُّنا بالوَحْيِ، كان صوته كصوت الحديد على الصَّفا، فلما سمع أهل السماواتِ صوت الحديدِ، خَرُّوا سُجَّدًا، فلما أتى عليهم جبريلُ بالرسالة، رفعوا رُءُوسهم، فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وهذا قولُ الملائكة.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الكَبِيرُ﴾.
قال: لمَّا أوحى الله ﵎ إلى محمد ﷺ، دعا الرسول من الملائكةِ، فبعث بالوَحْي، سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ الجَبَّارِ يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم، سألوا عما قال الله، فقالوا: الحقَّ.
وعلموا أن الله لا يقولُ إلا حقًّا، وأنَّه مُنجزٌ ما وعد، قال ابن عباس: وصوت الوحيِ كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خرُوا سُجَّدًا، فلما رفعوا رءوسهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
ثم أمر الله نبيه أن يسأل الناسَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَوَاتِ [وَالْأَرْضِ﴾ إِلى ﴿أَوْ] (١) فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢).
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبد الله بن القاسم في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية (٣).
قال: الوحى ينزل (٤) من السماء، فإذا قَضاه، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ، عن عبد الله في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
قال: إن الوحى إذا قُضِي في زَوَايا (١) السماءِ، كان (٢) مثل وقع الفولاذِ على الصخرة (٣)، قال: فيُشْفِقُون، لا يَدْرُون ما حدث، فيفزَعون، فإذا مَرَّت بهم الرسلُ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وقال آخرون ممن قال: المَوصوفون بذلك الملائكةُ: إنما يُفَزِّعُ عن قلوبهم فَزَعُهم من قضاءِ اللهِ الذي يَقْضِيه؛ حَذَرًا أن يكون ذلك قيام الساعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية، قال: يُوحِى الله إلى جبريلَ، فتَفرَّقُ الملائكة، أو تَفَزَّعُ؛ مخافة أن يكونَ شيءٌ مِن أمر الساعة، فإذا جلى عن قلوبهم، وعلموا أن ذلك ليس من أمر الساعة ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٤).
وقال آخرون: بل ذلك من فعل ملائكة السماواتِ إذا مَرَّت بها المُعَقِّباتُ؛ فَزَعًا أن يكون حدث أمرُ الساعة.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات، الذين يختلفون إلى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الربُّ فانحدروا، سمع لهم صوتٌ شديدٌ، فيحسبُ الذين هم أسفل منهم من الملائكة، أنه من أمر الساعة، فيَخِرُّوا سُجَّدًا، وهذا كلما مَرُّوا عليهم، ويفعلون ذلك من خوفِ ربِّهم (١).
وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا: وإنما يُفَزِّعُ الشيطانُ عن قلوبهم.
قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟
عند نزول المنيَّةِ بهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فَزَّع الشيطانُ عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم، وما كان يُضِلُّهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدمَ، وهذا عند الموتِ، أقرُّوا به حين لم ينفعهم الإقرارُ (٢).
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب [وأشبهُها بظاهر التنزيل] (٣)، القولُ الذي ذكره الشَّعْبيُّ، عن ابن مسعودٍ؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بتأييده.
فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: ولا تنفعُ الشفاعة عنده، إلا لمن أذِن له أن يشفع عنده (١)، فإذا أذن (٢) اللهُ لَمَن أذن له أن يشفعَ، فزِع لسماعه إِذْنَه، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ فَجُلىَ عنها، وكُشِف الفزع عنهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [قَالُوا الْحَقَّ] (٣)﴾.
قالت الملائكةُ: الحقَّ.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كلِّ شيءٍ، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي لا شيء إلا هو دونه.
والعرب تستعمل "فزِّع" في معنيين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمورُ التي يُفزَعُ منها: هو مُفَزَّعٌ.
وتقولُ للجبانِ الذي يفزَعُ مِن كُلِّ شيءٍ: إنه لمُفَزَّعٌ.
وكذلك تقول للرجل الذي يقضى له الناسُ في الأمور بالغَلَبَةِ على من نازله فيها: هو مُغَلَّبٌ.
وإذا أُريد به هذا المعنى كان غالبًا، وتقول للرجل أيضا الذي هو مغلوبٌ أبدًا: مُغَلَّبٌ (٤).
وقد اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ الأمصار أجمعون: ﴿فُزِّعَ﴾ بالزايِ والعينِ.
على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعودٍ، ومن قال نحو قوله في ذلك.
وروى عن الحسن البصرى أنه قرأ ذلك: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عن قُلُوبهم) بالراءِ والغين (٥).
على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد.
وقد يُحتمل توجيه معنى قراءة الحسنِ ذلك كذلك، إلى: حتى إذا فُزِّغ عن قُلُوبهم، فصارت فارغةً مِن الفزع الذي كان حَلَّ بها.
وذُكر عن مجاهد أنه قرَأ ذلك: (فَزَّع) بمعنى: كشَف اللهُ الفَزَعَ عنها (٦).
والصوابُ من القراءةِ في ذلك القراءة بالزاي والعين؛ لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل عليها، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ بتأييدها، والدلالة على صحتها.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربِّهم الأوثان والأصنام: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَاوَاتِ﴾ (١)، بإنزاله الغيث عليكم منها، حياةً لحروثِكم، وصلاحًا لمعايشكم، وتَسْخيرِه الشمسَ والقمرَ والنجوم لمنافعكم، ومنافع أقواتِكم، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بإخراجه منها أقواتَكم وأقواتَ أنعامكم.
وترك الخبر عن جواب القوم استغناءً بدلالة الكلام عليه، ثم (٢) ذكره وهو: فإن قالوا: لا نَدْرِى.
فقُل: الذي يرزقكم ذلك الله.
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَاكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: قُلْ لهم: إنا لعلى هُدًى أو في ضلالٍ (٣)، أو إنكم على ضلالٍ أو هُدًى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، [قال: ثنا يزيد] (٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله (٥): ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين: والله ما نحن (١) وأنتم على أمرٍ واحدٍ، إِنَّ أحد الفريقين مُهْتَدٍ (٢).
وقد قال قوم: معنى ذلك: وإنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلالٍ مبينٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني إسحاق بن إبراهيمَ الشَّهيدي، قال: ثنا عَتَّابُ (٣) بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة وزياد [بن أبي مريم] (٤) في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال: إنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلال مبين (٥).
واختلف أهل العربية في وَجْهِ دخول "أو" في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ليس ذلك لأنَّه شكٌّ، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدِى.
قال: وقد يقولُ الرجلُ لعبده: أحدُنا ضارب صاحبَه.
ولا يكون فيه إشكال على السامع، أن المولى هو الضارب.
وقال آخر (٦) منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هُدًى، وإنكم إياكم في ضلالٍ مبين؛ لأن العرب تضعُ "أو" في موضع "واوِ" الموالاة.
قال جريرٌ (٧): أثَعْلَبَةَ الفوارسِ أو رياحا … عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا قال: يعنى: أثعلبة ورياحًا.
قال: وقد [قال قوم: قد يتكلم] (١) بهذا من لا يَشُكُّ في دينه، وقد علموا أنهم على هُدًى وأولئك في ضلال (٢)، فيقالُ هذا وإن كان كلاما واحدا، على جهة الاستهزاء، يقال هذا لهم.
وقال (٣): فإن يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ … ولستُ بُمُخْطِئُ إن كان غَيّا وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى "أو" معنى "الواوِ" في هذا الموضع (٤)، غيرَ أن العربية (٥) على غير ذلك؛ لا تكونُ "أو" بمنزلة "الواوِ"، ولكنها تكون في الأمر المُفَوَّض (٦)، كما تقولُ: إن شئتَ فخُذْ درهمًا أو اثنين.
فله أن يأخُذَ اثنين أو واحدا، وليس له أن يأخذَ ثلاثة.
قال: وهو في قولِ مَن لا يبصرُ العربية ويجعلُ "أو" بمنزلة "الواو" (٧)، يجوز له أن يأخذ ثلاثةً؛ لأنَّه في قولهم بمنزلة قولك: خُذْ درهما واثنين.
قال: والمعنى في: ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضًا لضالون [أو مهتدون] (٨)، وهو يعلم أن رسوله المُهْتَدِى، وأن غيره الضالُّ.
قال: وأنت تقولُ في الكلام للرجل يُكَذِّبُك: والله إن أحدنا لكاذبٌ.
وأنت تَعْنِيه، وكذَّبْتَه تَكذيبًا غير مكشوف (١)، وهو في القرآن وكلام العرب كثيرٌ؛ أن يُوجَّهَ الكلامُ إلى أحسن مذاهبه إذا عُرِف (٢)، كقول القائل (٣): والله لقد قدم فلان.
وهو كاذبٌ، فيقولُ: قُلْ: إن شاء الله.
أو قل: فيما أَظُنُّ.
فَيُكَذِّبُه بِأَحْسَنَ من (٤) تَصْرِيحِ التَّكذيب، قال: ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله الله.
ثم يستقبحُ فيقولون: قاتَعه (٥) الله، وكاتَعه الله.
قال: ومن ذلك: وَيْحَكَ، ووَيْسَك.
إنما هي في معنى: وَيْلَك.
إلا أنها دونَها (٦).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى (٧)، أن ذلك أمرٌ مِن الله نبيَّه بتكذيب مَن أمره بخطابه بهذا القول، بأحسن (٨) التكذيب، كما يقولُ الرجلُ لصاحبٍ له يخاطبه، وهو يريدُ تَكْذيبه في خبر له: أحدنا كاذب.
وقائلُ ذلك يعنى صاحبه لا نفسه؛ فلهذا المعنى صَيَّر الكلامَ بـ "أو" (٩).
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قُلْ لهؤلاء المشركين: أحد فريقينا على هُدًى، والآخرُ على ضلال، لا تُسألون أنتم عما أَجْرَمْنا نحنُ مِن جُرْمٍ وركبنا (١) مِن إثمٍ، ولا نُسألُ نحن عما تعملون أنتم من عملٍ.
قُلْ لهم: يجمعُ بيننا ربنا يومَ القيامة عندَه، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾.
يقولُ: ثم يَقْضِي بيننا بالعدل، فيتبين عند ذلك المهتدِى مِنَّا مِن الضالِّ، ﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾.
يقولُ: والله القاضي، العَلِيمُ بالقضاءِ بين خلقه؛ لأنَّه لا تَخْفَى عليه (٢) خافيةٌ، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المُحِقَّ مِن المُبطلِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يومَ القيامةِ، ﴿ثُمَّ يفتحُ بَيْنَنَا﴾، أي: يَقْضِي بيننا (٣).
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾.
يقولُ: القاضي (٤).
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاة كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
الله قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الآلهة والأصنامَ: أروني، أَيُّها القومُ، الَّذين ألْحَقْتُموهم باللهِ، فصَيَّرْتموهم له شركاء في عبادَتِكم إياهم، ماذا خَلَقُوا مِن الأرضِ، أم لهم شِرك في السماواتِ، ﴿كَلَّا﴾.
يقول تعالى ذكره: كذبوا، ليس الأمرُ كما وصفوا ولا كما جَعَلوا وقالوا، مِن أنَّ للهِ شَريكًا، بل هو المعبود الذي لا شريك له، ولا يَصْلُحُ أن يكونَ له شَريكٌ في مُلْكِه، العزيز في انتقامِه مِمَّنْ أَشْرَك به معه مِن خَلْقِه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما أَرْسَلْناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصةً، ولَكِنَّا أرسلناك كافَّة للناس أجمعين؛ العرب منهم والعجمُ، والأحمر والأسودُ، بَشِيرًا مَن أطاعَك، ونذيرا من كذَّبَك، ولكن أكثر النَّاسِ لا يعلمون أن الله أرْسَلَك كذلك إلى جميع البشر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: أَرْسَل الله محمدًا إلى العرب والعجم، فأكرمهم على اللهِ أطْوَعُهم له.
ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: "أنا سابِقُ العَرَبِ، وصُهَيبٌ سابِقُ الرُّومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشِ (١)، وسَلْمانُ سابِقُ فارِسَ" (٢).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون بالله، إذا سمعوا وعيد الله للكفار وما هو فاعِلٌ بهم في مَعادِهم مما أَنْزَلَه في كتابه: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ جائيًا، وفى أي وقت هو كائن ﴿إِن كُنتُمْ﴾ فيما تَعِدُوننا من ذلك ﴿صَادِقِينَ﴾ أنه كائن.
قال الله لنبيه: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لَّكُمْ﴾ أيُّها القوم ﴿مِيعَادُ يَومٍ﴾ هو آتِيكُم، ﴿لا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ﴾ إذا جاءَكم ﴿سَاعَةً﴾ فتُنْظُرُوا للتوبةِ والإنابة، ﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبله بالعذاب؛ لأن الله جعل [لكم ذلك] (١) أجَلًا.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مُشْرِكى العرب: ﴿لَن نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ الذي جاء (٢) به محمد ﷺ، ولا بالكتاب الذي جاء به [مِنْ قَبْلِه] (٣) غيرُه مِن بين يَدَيْهِ.
كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَن نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَينَ يَدَيْهِ﴾.
قال: قال المشركون: لن نُؤْمِنَ بهذا القرآن، ولا بالذي بينَ يَدَيْهِ مِن الكُتُبِ والأنبياءِ (١).
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبَّهِمْ﴾.
[يقولُ تعالى ذكره: ولو تَرَى يا محمد الظالمين إذ هم موْقوفون عندَ رَبِّهِم] (٢) يَتَلاوَمُون؛ يُحاوِرُ بعضُهم بعضًا، يقولُ المُسْتَضْعَفون الذين كانوا في الدنيا، للذين كانوا عليهم فيها يَسْتَكْبِرون: لولا أنتم أيُّها الرُّؤساء والكُبَراءُ في الدنيا، لَكُنَّا مؤمنين بالله وآياته.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ في الدنيا، فتَرَأَّسُوا (٣) في الضلالة والكفر بالله، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ فيها فكانوا أتباعًا لأهل الضلالة منهم - إذ قالوا لهم: لولا أنتم لكنَّا مؤمنين -: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ ومَنَعْناكم (٤) مِن اتِّباع الحقِّ [بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ من عندِ اللهِ فَتَبَيَّنَ (٥) لكم، ﴿بَلْ كُنتُم مُجْرِمِينَ﴾ فمنعكم إيثاركم الكفر بالله على الإيمانِ، مِن اتِّباع الهدى والإيمان بالله ورسوله.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِن الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعًا لرؤسائهم في الضلالة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ فيها فكانوا لهم (١) رؤساء: بل مكرُكم بنا (٢) بالليل والنهارِ صَدَّنا عن الهدى، [﴿وإِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ باللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: أمثالًا وأشباها] (٣) في العبادةِ والألوهية.
[وأُضيف] (٤) المكرُ إلى الليل والنهارِ، والمعنى ما ذَكَرْنا مِن مكرِ المُسْتَكْبِرين بالمُسْتَضْعَفِين في الليل والنهار، على اتِّساع العرب في الذي قد عُرف معناها فيه (٥) مِن مَنْطِقِها؛ مِن نَقْلِ صفة الشيء إلى غيره، فتقولُ للرجل: يا فلان، نهارُك صائمٌ، وليلك قائمٌ.
وكما قال الشاعرُ (٦): * ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ (٧) بنائمِ * وما أشبَه ذلك، مما قد مضى تِبْيانُنا له في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كتابنا هذا (٨).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾.
قال: يقولُ: بل مكركم بنا في الليل والنهار، أيُّها العُظَماءُ الرُّؤَسَاءُ، حتى أَزَلْتُمونا عن عبادة الله (١).
وقد ذُكر في تأويله عن سعيد بن جُبيرٍ، ما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
قال: مرُّ (٢) الليل والنهار (٣).
وقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾.
يقولُ: حينَ تَأْمُرُونَنا أن نكفرَ باللهِ.
وقوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾.
يقولُ: شُركاءَ.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: شُركاءَ.
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ﴾.
يقولُ: ونَدِموا على ما فَرَّطوا فيه (٤) من طاعة الله في الدنيا، حين عايَنوا عذابَ الله الذي أعَدَّه لهم.
كما حدثنا بشرٌ، [قال: حدثنا يزيد] (٥)، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ بينَهم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقولُ (١): غُلَّتْ أَيْدِى الكافرين بالله [في جهنم إلى أعناقهم، في جَوامِعَ مِن نار جهنم؛ جَزاء بما كانوا بالله] (٢) في الدنيا يَكْفُرون.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم إلَّا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة، التي كانوا في الدنيا يَعْمَلونها، ومُكافَأَةً لهم عليها.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما بَعَثْنا إلى أهل قريةٍ نَذِيرًا، يُنْذِرُهم بَأْسَنا أَن يَنْزِلَ بهم، على مَعْصِيَتِهم إيانا، إلا قال مُتْرَفوها (٣)، كُبَرَاؤُها ورؤساؤُها في الضَّلالة، كما قال قوم محمدٍ (٤) من المشركين له: إِنَّا بما أُرْسِلْتُم به مِن النِّذارَةِ، وبُعِثْتُم به من توحيدِ اللهِ، والبَرَاءَةِ مِن الآلهة والأنْدادِ، كافرون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾.
قال: هم رُءُوسُهم وقادَتُهم في الشَّرِّ (٥).
القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وقال أهلُ الاسْتِكْبار على الله من كلِّ قرية أرْسَلْنا فيها نذيرًا؛ [لأنبيائها ورُسُلِها] (١): نحن أكثر منكم (٢) أموالًا وأولادًا، وما نحنُ في الآخرةِ بمُعَذَّبِينَ؛ لأن الله لو لم يَكُن راضيًا ما نحن عليه من المِلَّةِ والعملِ، لم يُحَوِّلنا الأموال والأولاد، ولم يبسُطْ لنا في الرِّزْقِ، وإنما أعطانا ما أعطانا ذلك؛ لرضاه أعمالنا، وآثرنا بما آثرنا على غيرنا؛ لفَضْلِنا، من وزُلْفَةً لنا عِندَه.
يقول الله لنبيِّه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد لهم: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ مِن المَعَاشِ والرِّياش في الدنيا ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ مِن خَلْقِه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ فيُضَيقُ على من يشاءُ، لا لفَضْلٍ (٣) فيمَن يَبْسُطُ ذلك له ولا خير فيه، ولا زُلْفَةٍ له اسْتَحَقَّ بها منه، ولا لبُغْضٍ (٤) منه لَمَنْ قدر عليه ذلك، ولا مَقْتٍ، ولكنَّه يَفْعَلُ ذلك مِحَنا (٥) لعباده وابتلاءً، وأكثر الناس لا يَعْلَمون أن الله يَفْعَلُ ذلك اختبارًا لعباده، ولكنَّهم يَظُنُّون أن ذلك منه محبةٌ لَمَنْ يَبْسُطُ له، ومَقْتُ منه (٦) لمن قدر عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ إلى آخر الآيةِ، قال: قالوا: [نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا].
فأَخْبَرَهم الله أنه ليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقَرِّبُكم عندَنا زُلْفَى، ﴿إلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
قال: هذا (١) قولُ المشركين لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ قالوا: لو لم يكن الله عنا راضيا، لم يُعْطِنا هذا، كما قال قارونُ: لولا أن اللَّهَ رَضِى بى وبحالى، ما أعطانى هذا.
قال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨].
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما أموالكم التي تَفْتَخِرون بها، أيُّها القومُ، على الناسِ، ولا أولادكم الذين تتكبَّرون (٢) بهم، بالتي تُقَرِّبُكم منا قُرْبَةً.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿عِندَنَا زُلْفَى﴾، قال: قُرْبَى (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾.
لا يُعْتَبَرُ (٢) الناسُ بِكَثْرَةِ المال أو (٣) الولد؛ فإن الكافرَ (٤) يُعْطَى المال، وربما حُبِس عن المؤمن (٥).
وقال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾.
ولم يَقُلْ: "باللَّتَيْن".
وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نَوْعان مُخْتَلِفَانِ؛ لأنَّه ذُكِر مِن كلِّ نوعٍ منهما جمع يَصْلُحُ فيه "التي"، ولو قال قائل: أُريد (٦) بذلك أحد النَّوْعَيْن.
لم يُبْعِدْ في قوله، وكان ذلك كقول الشاعر (٧): نحن بما عندنا، وأنت بما … عندكَ راضٍ والرَّأْى مُخْتَلِفُ ولم يَقُلْ: راضيانِ.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلفى، إلا من آمن وعمل صالحًا، فإنه تُقَرِّبُهم أموالهم وأولادهم، بطاعتهم الله في ذلك وأدائهم فيه حَقَّه، إِلى اللَّهِ زُلْفَى، دُونَ أهل الكفرِ بالله.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾.
قال: لم تَضُرَّهم (١) أموالهم ولا أولادهم في الدنيا؛ للمؤمنين.
وقرَأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة.
والزِّيادةُ: ما أعْطاهم الله في الدنيا؛ لم يُحاسبهم به، كما حاسب الآخرين.
فـ ﴿مَنْ﴾ (٢) على هذا التأويلِ نَصْبٌ بوقوعِ "تُقَرِّبُ" عليه.
وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، فيكون كأنه قيل: وما هو إلا من آمن وعمل صالحًا.
وقوله: ﴿فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾.
يقولُ: فهؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة، الضِّعْفُ مِن الثوابِ؛ بالواحدة عَشْرٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾.
قال: بأعمالهم؛ [قال: بالواحدة] (٣) عشرٌ، وفي سبيل الله بالواحدة (١) سبعمائةٍ.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
يقولُ: وهم في غرفات الجنات آمنون من عذابِ اللَّهِ.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: والذين يعملون في آياتِنا.
يَعْني: في حُجَجنا وآي كتابنا، يبتغون إبطاله، ويريدون إطفاء نورِه مُفَاوِتِينَ (٢)، يَحْسَبون أنهم يَفُوتُونَنا بأنفسهم ويُعْجِزونَنَا، ﴿أَوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
يَعْنِي: في عذابِ جهنم مُحْضَرون يومَ القيامةِ.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قُلْ يا محمد: إن ربى يَبْسُطُ الرزق لمن يشاءُ مِن خَلْقِه، فيُوَسِّعُه عليه، تَكْرِمَةً له وغير تكرمةٍ، ويَقْدِرُ على من يشاءُ منهم فيُضَيِّقُه ويُقَتِّرُه، إهانةً له وغيرَ إهانة، بل مِحْنَةً واختبارًا.
﴿وَمَا أَنفَقْتُم مَّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.
يقولُ: وما أنفقتم أيُّها الناسُ مِن نفقة في طاعة الله، فإن اللَّهَ يُخْلِفُها عليكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، [عن عمرِو بن قيسٍ] (٣)، عن المِنْهالِ بن عمرو عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مَّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ﴾.
قال: ما كان في غير إسرافٍ ولا تَقْتِيرٍ (١).
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
يقولُ: وهو خيرُ مَن قيل: إنه يَرْزُقُ.
ووُصِف به، وذلك أنه قد يُوصَفُ بذلك من دُونَه، فيُقالُ: فلانٌ يَرْزُقُ أهله وعياله.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (٢) جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفارَ باللهِ جميعًا، ثم نقول للملائكةِ: أهؤلاء كانوا يَعْبُدونَكُم مِن دُونِنا؟
فتَتَبَرَّأُ منهم الملائكةُ، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ رَبَّنَا، تَنْزِيهًا لك وتَبْرِئةً مما أضاف إليك هؤلاء من الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ لا نَتَّخِذُ وَلِيًّا دونَك، ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنِّ﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ويومَ نَحْشُرُهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إيَّاكم كانوا يَعْبُدونَ)؟
استفهامٌ، كقوله لعيسى: أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (١) [المائدة: ١١٦].
وقوله: ﴿أَكْثَرُهُم بِهِم تُؤْمِنُونَ﴾.
يقول: أكثرهم بالجنِّ مُصَدِّقون، فزَعَموا (٢) أنهم بناتُ اللَّهِ، [تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا] (٣).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ﴾، أيُّها الملائكةُ، للذين كانوا في الدنيا يَعْبُدونكم، [ولا الذين كانوا يَعْبُدونكم لكم] (٤)، نفعًا يَنْفَعونكم به، ولا ضَرًّا يَنالُونكم به، أو تَنالونهم به.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
يقولُ: ونقول للذين عَبدوا غيرَ اللَّهِ، فوَضَعوا العبادةَ في غيرِ مَوْضِعِها، وجَعَلوها لغيرِ مَن تَنْبَغى أن تكونَ له: ذُوقُوا عذاب النار التي كنتم بها في الدنيا تُكَذِّبون، فقد وَرَدْتُموها.
القول في تأويل قوله جل وعزّ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وإذا تُتْلى على هؤلاء المشركين آيات كتابنا ﴿بَيِّنَاتٍ﴾.
يقولُ: واضحاتٍ أَنَّهُنَّ حَقٌّ مِن عندنا، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾.
يقولُ: قالوا عند ذلك: لا تَتَّبعوا محمدًا، فما هو إلا رجلٌ يريد أن يَصُدَّكم عما كان يَعْبُدُ آبَاؤُكُم مِن الأوثان، ويُغَيِّرَ دينَكم ودين آبائكم، ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾.
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي [يَتْلوا علينا محمدٌ] (١).
يَعْنُونَ القرآن.
﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾.
يقولُ: إِلا كَذِبٌ.
﴿مُفْتَرًى﴾.
يقولُ: مُخْتَلَقٌ، مُتَخَرَّصٌ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
يقول جلَّ ثناؤُه: وقال الكفارُ ﴿لِلْحَقِّ﴾، يعنى محمدًا ﷺ، ﴿لَمَّا جَاءَهُم﴾.
يقولُ (٢): لَمَّا بعثه الله نبيًّا: هذا سحر مبين.
[يقولُ: قالوا لِمَا أَتاهم به من الآياتِ والحُجَجِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٣).
يقول: ما هذا إلا سحرٌ مُبِينٌ؛ يُبِينُ لِمَنْ رَآهُ وتَأمَّله أنه سحرٌ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وما أنزلنا على هؤلاء المشركين، القائلين لمحمد لمَّا جاءَهم بآياتِنا: هذا سحرٌ مبينٌ، بما يقولون من ذلك، كُتُبًا ﴿يَدْرُسُونَها﴾.
يقولُ: يَقْرَءُونَها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: أَي يَقْرَءُونها (٤).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾.
يقول: وما بعثنا (٥) إلى هؤلاء المشركين من قومك، يا محمد، فيما يقولون ويَعْمَلون، قَبْلَكَ مِن نبيٍّ يُنذِرُهم بَأْسَنا عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾.
قال (١): ما أَنْزَل الله على العرب كتابًا قَبْلَ القرآنِ، ولا بَعث إليهم نبيًّا قبل محمدٍ ﷺ (٢).
وقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
يقولُ: وكذَّب الذين من قبلهم من الأمَمِ، رُسُلَنَا وَتَنْزِيلَنا.
﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
يقولُ: ولم يَبْلُغْ قومُك يا محمد المُكَذِّبوك (٣)، عُشْرَ ما أَعْطَيْنا الذين مِن قَبْلِهِم مِن الأُممِ؛ مِن القُوَّةِ والأَيْدِ والبَطْشِ، وغير ذلك من النِّعمِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
يقولُ (٤): مِن القُوَّةِ في الدُّنيا (٥).
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
يقولُ: ما جاوَزوا معشارَ ما أنعَمْنا عليهم.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: يُخيرُكم أنه أَعْطَى القومَ ما لم يُعْطِكُم مِن القُوَّةِ وغير ذلك (١).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
قال: ما بلغ هؤلاء؛ أُمَّةُ محمد ﷺ، ﴿مِعْشَارَ مَا [آتَيْنَاهُمْ﴾.
يَعْنى] يعني] (٢): الذين مِن قَبْلِهم، وما أعطَيْناهم مِن الدنيا، وبَسطنا عليهم، ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾.
[قولُه: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾] (٣).
يقول: فكَذَّبوا رُسُلى فيما أَتَوْهم به من رسالتي، فعاقَبْناهم بتَغييرنا بهم ما كُنَّا آتَيْناهم مِن النِّعمِ، فانْظُرْ، يا محمدُ ﴿كَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
يقولُ (٤): كيف كان تَغْييرى بهم وعُقُوبتي إياهم (٥).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: قُلْ، يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: إنما أَعِظُكم أيُّها القومُ بواحدةٍ، وهى طاعة الله ﷿.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾.
قال: بطاعةِ اللهِ (١).
وقولُه: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.
يقولُ: وتلك الواحدةُ التي أعِظُكم بها؛ هي أن تقوموا (٢) للهِ اثْنَيْن اثنين، [وفَرْدًا فَرْدًا] (٣)، فـ ﴿أَنْ﴾ في موضعِ خفضٍ، تَرْجَمَةً [عن الواحدةِ] (٤).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمِ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.
قال: واحدًا واثْنَيْنِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [قال: هذه الواحدةُ التي وَعَظْتُكم بها؛ أن تقوموا للهِ] (٥) رَجُلًا ورَجُلَيْنِ (٦).
وقيلَ: إنما قِيل: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ وتلك الواحدةُ أن تقوموا للهِ بالنَّصيحة وتَرْكِ الهَوَى، ﴿مَثْنَى﴾.
يقولُ (١): يقومُ الرجلُ منكم مع آخَرَ، فيَتَصادَقانِ (٢) على المناظرة؛ هل عَلِمْتم بمحمدٍ (٣) ﷺ جنونًا قَطُّ؟
ثم يَنْفَرِدُ كُلُّ واحدٍ منكم، فيَتَفَكَّرُ ويَعْتَبِرُ فَرْدًا (٤)؛ هل كان ذلك به (٥)؟
فتَعْلَموا حينَئذٍ أنه نذيرٌ لكم.
وقولُه: [﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
يقولُ] (٦): [ثم تتفكَّروا في أنفُسِكم، فتعلموا ما بمحمدٍ من جُنونٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
يقولُ: [إن صاحبَكم] (٧) (٨) ليس بمجنونٍ.
وقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
يقولُ: ما محمدٌ إلا نذيرٌ لكم.
[﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
يقولُ] (٩): يُنذِرُكم على كفرِكم باللهِ عِقابَه، أمامَ عذابِ جهنمَ، قَبْلَ أَن تَصْلَوْها.
وقوله: ﴿هُوَ﴾، كِنايةُ اسمِ محمدٍ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك المُكَذِّبِيكَ، الرَّادِّينَ عليك ما أتَيْتَهم به مِن عندِ ربِّك: ما أسْأَلُكم مِن جُعْلٍ على إنذارِكم عذابَ اللهِ، وتَخْويفكم (١) بأسَه، ونَصِيحتى لكم في أمرى إياكم بالإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه، فهو لكم لا حاجةَ لى به.
وإنما معنى الكلامِ: قُلْ لهم: إنى لم أسْأَلُكم على ذلك جُعْلًا فتَتَّهِمونى، وتَظُنُّوا أَنِي إِنما دَعَوْتُكُم إلى اتِّباعي لمالٍ آخُذُه منكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي جُعْلٍ، ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾.
يقولُ: لم أسْأَلْكم على الإسلامِ جُعْلًا (٢).
وقولُه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.
يقولُ: ما ثوابى على دُعائِكم إلى الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه، وتبليغِكم رسالَتَه، إلا على اللهِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: واللهُ على حقيقةِ ما أقولُ لكم، شهيدٌ يَشْهَدُ لى به، وعلى غيرِ ذلك مِن الأشياءِ كُلِّها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ وهو الوَحْي.
يقولُ: يُنْزِلُه من السماءِ، فيَقْذِفُه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
يقولُ: علامُ ما يَغيبُ عن الأبصارِ، [فلا يُظْهرُها] (١)، وما لم يَكُنْ مما هو كائِنٌ.
وذلك مِن صِفَةِ الرَّبِّ ﵎، غيرَ أنه رُفِع لمجيئِه بعدَ الخبرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا وقع النَّعْتُ بعدَ الخبرِ في "إِنَّ" (٢)؛ أتْبَعوا النعتَ إعرابَ ما في الخبرِ، فقالوا: إن أباك يَقومُ الكريمُ.
فيُرْفَعُ (٣) الكريمُ على ما وَصَفْتُ، والنصبُ فيه جائزٌ؛ لأنه نعتٌ للأبِ، فيَتْبَعُ إعرابَه (٤).
وقولُه: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾.
يقولُ: قُلْ لهم يا محمدُ: جاء القرآنُ ووَحْى اللهِ ﷿.
﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾.
يقولُ: وما يُنْشِئُ الباطلُ خَلْقًا.
والباطلُ هو فيما فَسَّر أهلُ التأويلِ: إبليسُ.
﴿وَمَا يُعِيدُ﴾.
يقولُ: ولا يُعيدُه حَيًّا بعدَ فَنائِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: أي بالوَحيِ، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي القرآنُ، ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، والباطلُ: إبليسُ؛ أي ما يَخْلُقُ إبليسُ أحدًا، ولا يَبعْثُه (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
فقرأ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
قال: يُزْهِقُ اللهُ الباطِلَ، ويُثَبِّتُ اللهُ الحقَّ الذي دمَغ به الباطلَ، فيَدْمَغُ (١) بالحقِّ على الباطلِ، فيُهْلِكُ الباطلَ، ويُثَبِّتُ الحقَّ، فذلك قولُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك: إن ضَلَلْتُ عن الهُدَى، فسَلَكْتُ غيرَ طريقِ الحقِّ، فإنما ضلالي عن الصوابِ على نفسى.
يقولُ: فإن ضلالي عن الهُدَى على نفسي ضُرُّهُ (٢).
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾.
يقولُ: وإِن اسْتَقَمْتُ على الحقِّ، ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾.
يقولُ: فَبِوَحْيِ اللهِ الذي يُوحِي إِليَّ، وتوفيقِه لى (٣) للاستقامةِ على مَحَجَّةِ [الطريق؛ طريق الحقِّ و] (٤) الهُدَى.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾.
يقولُ: إن ربي سميعٌ لِمَا أقولُ لكم، حافِظٌ له، وهو المُجازى لى (٥) على صِدْقى في ذلك، قريبٌ (٦) منى، غيرُ بعيدٍ فيتَعذَّرَ عليه سَماعُ ما أقولُ لكم، وما تقولون، وما يقولُه غيرُنا، ولكنَّه قريبٌ من كلِّ مُتكلِّمٍ، يَسْمَعُ كلَّ ما يَنْطِقُ به، [وهو] (٧) أقربُ إليه مِن حبلِ الوريدِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولو تَرَى يا محمدُ إذ فزِعوا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّينَ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بها هؤلاء المشركين (١) الذين وَصَفهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾.
قالوا (٢): وعَنَى بقولِه: ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: عندَ نزولِ نِقْمةِ اللهِ بهم في الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: هذا مِن عذابِ الدنيا (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
قال: هذا عذابُ الدنيا (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ إلى آخرِ السورةِ.
قال: هؤلاء قَتْلَى المشركين من أهلِ بدرٍ، نَزَلَتْ فيهم هذه الآيةُ.
قال: وهم الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا، وأَحَلُّوا قومَهم دارَ البَوَارِ جهنمَ (٥)، أهلُ بدرٍ مِن المشركين (٦).
وقال آخرون: عُنِى بذلك جيشٌ يُخْسَفُ به (١) ببَيْداءَ من الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾.
قال: هم الجيشُ الذين (٢) يُخْسَفُ بهم بالبَيْدَاءِ، يَبْقَى منهم رجلٌ يُخْبِرُ الناس بما لَقِيَ أصحابُه (٣).
حدَّثنا عصامُ بنُ رَوَّادِ بن الجَرَّاحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنى منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ، قال: سَمِعتُ حُذَيفةَ بنَ اليَمانِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ، وذكر فتنةً تكونُ بينَ أهلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قال: "فبينما هم كذلك، إذ خرَج عليهم السُّفْيانيُّ من الوادى اليابِسِ، في فَوْرِه ذلك، حتى يَنْزِلَ دمشقَ، فيُبْعَثَ جيشَيْن؛ جيشًا إلى المَشْرِقِ، وجيشًا إلى المدينةِ، حتى يَنْزِلوا بأرضِ بابِلَ في المدينةِ الملعونة والبقْعَةِ الخَبيثةِ، فيَقْتُلون أكثرَ مِن ثلاثةِ آلافٍ، ويَبْقُرون بها أكثرَ مِن مائةِ امرأةٍ، ويَقْتُلون بها ثلاثمائةِ كَبْشٍ (٤) مِن بنى العباسِ، ثم يَنْحَدِرون إلى الكوفةِ فيُخَرِّبون ما حولَها، ثم يَخْرُجون مُتَوَجِّهين إلى الشأمِ، فتَخْرُجُ رايةُ هدًى (٥) من الكوفةِ، فتَلْحَقُ ذلك الجيشَ منها على لَيْلَتَيْن (٦) فيَقْتُلُونهم، لا يُفْلِتُ منهم مخبرٌ، ويَسْتَنْقِذون ما في أيديهم من السَّبْيِ والغنائمِ، ويَحُلُّ (١) جيشُه الثاني (٢) بالمدينةِ، فيَنْتَهبونَها (٣) ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَها، ثم يَخْرُجون مُتَوَجِّهين إلى مكةَ، حتى إذا كانوا بالبَيْداءِ، بَعَث اللهُ جبريلَ، فيقولُ: يا جبريلُ، اذْهَبْ فَأَبِدهم.
فيَضْرِبُها بِرِجْلِهِ ضَرْبَةً، يَحْسِفُ اللهُ بهم.
فذلك قولُه في سورةِ سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
فلا يَنْفَلِتُ منهم إلا رَجُلان؛ أَحَدُهما بَشيرٌ، والآخَرُ نَذِيرٌ، وهما مِن جُهَيْنَةَ".
فلذلك جاءَ القولُ: *وعندَ جُهَيْنةَ الخبرُ اليَقينُ (٤) * حدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: سألتُ رَوَّادَ بنَ الجَرَّاحِ، عن الحديثِ الذي حُدِّث (٥) به عنه، عن سفيانَ الثَّوْرِيِّ، عن منصورٍ، عن ربعِيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ، في (٦) قصةٍ ذكَرها في الفِتَنِ (٧)، فقلتُ له: أخْبِرْني عن هذا الحديثِ، سَمِعْتَه مِن سفيانَ الثَّوْرِيِّ؟
قال: لا.
قلتُ له (٨): فقَرَأْتُه عليه؟
قال: لا.
قلتُ له (٨): فقُرِئَ عليه وأنت حاضِرٌ؟
قال: لا.
قلتُ له (١): فما قصتُه؟
فما خبرُه؟
قال: جاءَنى قومٌ، فقالوا: معنا حديثٌ عَجيبٌ - أو كلامٌ هذا معناه - [نَقْرَؤُه وتَسْمَعُه] (٢).
قلتُ لهم: هاتوه.
فقَرَءُوه عليَّ، ثم ذَهَبوا به (١)، فحَدَّثوا به عنى.
أو كلامٌ هذا معناه.
قال أبو جعفرٍ: وقد حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ ببعضِ هذا الحديثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أَبانٍ، عن سفيانَ الثَّوْرِيَّ، عن منصورٍ، عن ربعيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ، حديثًا طويلًا] (٣).
[قال: رأيتُه] (٤) في كتابِ الحسينِ بن عليٍّ الصُّدَائيِّ، عن شيخٍ له (١)، عن رَوَّادٍ، عن سفيانَ الثوريِّ بطولِه.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك المشركون، إذا فزِعوا عند خُرُوجهم مِن قبورِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾.
قال: فزِعوا يومَ القيامةِ، حينَ خَرَجوا مِن قبورِهم (٥).
وقال قتادةُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: حينَ عايَنوا عذابَ اللهِ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقِلٍ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾.
قال: أَفْزَعَهم يومُ القيامةِ فلم يَفُوتوا (٢).
والذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك، وأَشْبَهُ بما دَلَّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ذلك (٣) وعيدُ اللهِ المشركين الذين كَذَّبوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن قومِه؛ لأن الآيات قبلَ هذه الآيةِ، بالإخبارِ عنهم، [وعن إساءَتِهم] (٤)، وبوعيدِ اللهِ إياهم، مَضَتْ (٥)، وهذه الآيةُ في سياقِ تلك الآياتِ، فَلأَنْ يكونَ ذلك خبرًا عن حالِهم، أشْبَهُ منه بأن يكونَ خبرًا عمَّا لم يَجْرِ له ذِكرٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولو تَرَى، يا محمدُ، هؤلاء المشركين مِن قومِك، فتُعايِنُهم حينَ فزِعوا مِن مُعايَنَتِهم عذابَ اللهِ.
﴿فَلَا فَوْتَ﴾.
يقولُ: فلا سبيلَ [لهم حينَئذٍ إلى] (٦) أن يَفُوتونا (٧) بأنفسِهم، أو يُعْجِزونا هَرَبًا، أو (٨) يَنْجُوا مِن عذابِنا.
كما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾.
يقولُ: فلا نجاةَ (٩).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾.
قال: لا هَرَبَ.
وقولُه: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
يقولُ: وأخَذهم اللهُ بعذابِه من مَوْضِعٍ (١) قريبٍ؛ لأنهم حيثُ كانوا فهم مِن اللهِ قريبٌ، لا يَبْعُدُون عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون حينَ عاينوا عذابَ اللهِ: آمَنَّا به.
يَعْنى: آمنَّا باللهِ وبكتابِه ورسولِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾.
قال (٢): باللهِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ عندَ ذلك.
يعنى حينَ عايَنوا عذابَ اللهِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا (١) بِهِ﴾ بعدَ القتلِ.
وقولُه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
يقولُ: ومِن أيِّ وجهٍ لهم التَّناوُشُ.
واخْتَلَفَتْ قرَأةُ الأمصارِ في ذلك؛ فقَرَأَتْه عامةُ قَرَأَةِ المدينةِ: ﴿التَّنَاوُشُ﴾، بغيرِ هَمْزٍ (٢)، بمعنى التَّناوُلِ.
وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ (التَّناؤُشُ) بالهمزِ (٣)، بمعنى النَّئِيشِ (٤)، وهو الإبْطاءُ.
يُقالُ: انْتَأَشْتُ (٥) الشيءَ.
إذا (٦) أخذتَه مِن بعيدٍ.
ونُشْتُه.
إذا (٦) أخذتَه مِن قريبٍ.
ومن النَّئِيشِ (٧) قولُ الشاعرِ (٨): تَمَنَّى نَئِيشًا أن يكونَ أطاعَني … وقد حَدَثَتْ بعدَ الأُمُورِ أمورُ ومِن النَّوْشِ قولُ الراجِزِ (٩): * فَهْىَ تَنوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلَا (١٠) * * نَوْشًا به تَقْطَعُ (١) أَجْوازَ الفَلَا * ويُقالُ للقومِ في الحربِ، إذا دَنا بعضُهم مِن (٢) بعضٍ بالرِّماحِ ولم يَتَلاقَوْا: قد تَناوَشَ القومُ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إنهما قِراءتان مَعْروفَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتَقارِبَتا المعنى.
وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنَّا بالله (٣).
في حين لا يَنْفَعُهم قِيلُ ذلك.
فقال اللهُ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
وأَنَّى (٤) لهم التوبةُ والرَّجْعَةُ التي (٥) قد بَعُدَتْ [منهم، وصاروا] (٦) منها بموضعٍ (٧) بعيدٍ أن يَتَناوَلوها، وإنما وَصَف (٨) ذلك [المكان بالبُعدِ] (٩)؛ لأنهم قالوا ذلك في القيامةِ، فقال اللهُ: أَنَّى لهم بالتوبةِ المقبولةِ؟
والتوبةُ المقبولةُ إنما كانتْ في الدنيا، وقد ذهَبت الدنيا، فصارتْ بعيدًا مِن الآخرةِ، فبأيةِ القراءتَيْن اللتَيْن ذكرتُ قرَأ القارئُ، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.
وقد يجوزُ أن يكونَ الذين قَرَءُوا ذلك بالهمزِ، هَمَزوا وهم يُريدون مَعْنَى مَن لم يَهْمِزْ، ولكنَّهم هَمَزوه؛ لانْضِمامِ الواوِ، فقَلَبوها، كما قِيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١].
فجُعِلَتِ الواو مِن "وُقِّتَتْ"؛ إذ كانتْ مضمومةً - همزةً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيمِيِّ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
قال: يَسْأَلُون الرَّدَّ، وليس بحينِ رَدٍّ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ نحوَه.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
يقولُ: فكيف لهم بالرَّدِّ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
قال (٣): الرَّدُ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [عن قتادةَ] (٥): ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
قال: التَّناوُلُ (١) ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
قال: هؤلاء قَتْلَى أهلُ بدرٍ، مَن قُتِل منهم.
وقرَأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ [وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ] (٣)﴾.
قال: التَّناوُشُ، التَّناوُلُ، أَنَّى لهم تناولُ التوبةِ مِن مكانٍ بعيدٍ، وقد ترَكوها في الدنيا.
قال: وهذا بعدَ الموتِ في الآخرةِ.
قال: وقال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ (٤): بعدَ القتلِ، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
وقرَأ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].
قال: ليس لهم توبةٌ.
وقال: عرَض اللهُ عليهم أن يَتُوبوا مَرَّةً واحدةً، فيَقْبَلَها اللهُ منهم، فأَبَوْا، و (٥) يَعْرِضون التوبةَ بعد الموتِ (٦).
قال: فهم يَعْرِضونها في الآخرةِ خمسَ عَرَضاتٍ، فيَأبى اللهُ أَن (٧) يَقْبَلَها منهم.
قال: والتائبُ عندَ الموتِ ليست له توبةٌ.
[وقَرَأ] (٨): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ الآية [الأنعام: ٢٧].
وقرَأ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحّاكِ في قولِه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
قال: وأنى لهم الرَّجْعَةُ (١).
وقولُه: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
يقولُ: مِن آخِرَتِهم إلى الدنيا كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: مِن الآخرةِ إلى الدنيا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾.
يقولُ: وقد كفَروا بما يَسْأَلُونه ربَّهم عندَ نزولِ العذابِ بهم، ومُعايَنَتِهم إياه، من الإقالةِ له (٣)، وذلك الإيمانُ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ، وبما جاءَهم به من عندِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾.
أي: بالإيمانِ في الدنيا (٤).
وقولُه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
يقولُ: وهم اليوم يَقْذِفون بالغيبِ محمدًا من مكانٍ بعيدٍ.
يعنى: أنهم يَرْجُمُونه وما أتاهم مِن كتابِ اللهِ، بالظُّنُونِ والأَوْهامِ، فيقولُ بعضُهم: هو ساحِرٌ.
ويقولُ بعضُهم: هو شاعرٌ.
وغيرَ ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال: قولُهم: ساحِرٌ، بل هو كاهِنٌ، بل هو شاعِرٌ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
أي: يَرْجُمون بالظَّنِّ، يقولون: لا بَعْثَ [ولا نُشُورَ] (٢)، ولا جنةَ ولا نارَ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
قال: بالقرآنِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وحِيلَ بينَ هؤلاء المشركين - حينَ فَزِعوا فلا فَوْتَ، وأُخِذوا من مكانٍ قريبٍ، فقالوا: آمَنَّا به - وبين ما يَشْتَهون حينَئدٍ من الإيمانِ بما كانوا به في الدنيا، قبلَ ذلك، يَكْفُرون، فلا (١) سبيلَ لهم إليه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسماعيلُ بنُ حَفْصِ الأُبُليُّ (٢)، قال: ثنا المُعْتَمِرُ [بن سليمانَ] (٣)، عن أبي الْأَشْهَبِ، عن الحسنُ في قولِه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمان باللهِ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الصمدِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ، وسُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمانِ (٥).
حدَّثني ابن أبي زيادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمانِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الصمدِ الأنصاريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: مِن الرُّجوعِ إلى الدنيا ليَتُوبوا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: كان القومُ يَشْتَهون طاعةَ اللهِ أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حينَ عايَنوا ما عايَنوا (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حَبيبٍ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمانِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وحِيلَ بينَهم وبينَ ما يَشْتَهون، مِن مالٍ وولدٍ وزَهْرَةِ الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني] (٢) الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال: مِن مالٍ أو ولدٍ أو زَهْرةٍ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
قال (١): الدنيا التي كانوا فيها والحياةِ.
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخترْناه في ذلك؛ لأن القومَ إِنما تَمَنَّوْا حِينَ عايَنوا من عذابِ اللهِ ما عايَنوا، ما أخبَر اللهُ عنهم أنهم تَمنَّوه، وقالوا: آمَنّا به.
فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: وأَنَّى لهم تَناوُشُ (٢) ذلك من مكانٍ بعيدٍ، وقد كفروا مِن قَبْلِ ذلك في الدنيا.
فإذ (٣) كان ذلك كذلك، فلأَنْ يكون قولُه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
خبرًا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تَمَنَّوْهِ، أَوْلَى مِن أن يكونَ خبرًا عن غيرِه.
وقولُه: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ: كما (٤) فَعَلْنا بهؤلاء المشركين، فحُلْنا (٥) بينَهم وبينَ ما يَشْتَهون من الإيمانِ باللهِ عندَ نُزولِ سَخَطِ اللهِ بهم، ومُعايَنَتِهم بَأْسَهُ (٦)، فَعَلْنا بأشياعِهم على كفرِهم باللهِ مِن قَبْلِهم، من كفارِ الأُمَمِ، فلم يُقْبَلْ (٧) منهم إيمانُهم في ذلك الوقتِ، كما لم يُقْبَلْ (٧) في مثلِ ذلك الوقتِ مِن ضُرَبائهم.
والأشْياعُ: جمعُ شِيَعٍ، وشِيَعٌ: جمعُ شِيعَةٍ، فأشياعٌ جمعُ الجمعِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١) (٢): ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: الكفارِ مِن قبلِهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
أي: في الدنيا، كانوا إذا عايَنوا العذابَ لم يُقْبَلُ منهم إيمانٌ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وحِيلَ بين هؤلاء المشركين، حين عايَنوا بأسَ اللهِ، وبينَ الإيمانِ، إنهم كانوا قبلَ ذلك في الدنيا في شَكٍّ مِن نزولِ العذابِ الذي نزَل بهم وعايَنوه، وقد أَخْبَرَهم نبيُّهم أنهم إن لم يُنِيبوا مما هم عليه مُقيمون؛ من الكفرِ باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ، أن الله مُهلِكُهم ومُحِلٌّ بهم [نِقْمَتَه و] (٤) عقوبتَه، في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ، قبلَ نزولِه بهم.
﴿مُرِيبٍ﴾.
يقولُ: موجِبٍ لصاحبِه الذي هو به ما يُرِيبُه من مكروهٍ، من قولِهم: قد أراب الرَّجُلُ.
إذا أتى رِيبَةً، وركب فاحشةً.
كما قال الراجزُ (٥): *يا قومِ ما لى وأبا ذُوَّيْبِ* *كنتُ إِذا أَتَوْتُه (١) من غَيْبِ* *يَشْتَمُّ (٢) عِطْفِى ويَبُزُّ (٣) ثَوْبى * *كأنَّما أَرَبْتُه بَرَيْبٍ* يقولُ: كأنما أتَيْتُ إليه ريبةً (٤).
آخِرُ تفسيرِ سورةِ سبأٍ