الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة فاطر
تفسيرُ سورةِ فاطر كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ فاطرِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: الشكرُ الكاملُ للمعبودِ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، ولا ينبَغى أن تكونَ لغيرِه، خالقِ السماواتِ السبعِ والأرضِ، ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ إلى مَن يشاءُ مِن عبادِه، وفيما شاء من أمرِه ونهيِه، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
يقولُ: أصحابُ أجنحةٍ.
يعنى ملائكةً.
فمنهم مَن له اثنانِ مِن الأجنحةِ، ومنهم مَن له ثلاثةُ أجنحةٍ، ومنهم مَن له أربعةٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
قال: بعضُهم له جناحانِ، و (١) بعضُهم ثلاثةٌ، و (١) بعضُهم أربعةٌ (٢).
واختلَف أهلُ العربيةِ في علةِ تركِ إجراءِ مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ، وهى ترجمةٌ عن أجنحةٍ، وأجنحةٌ نكرةٌ، فقال بعضُ نحويِّ البصرةِ: تُرِك إجراؤهنَّ؛ لأنهنَّ مصروفاتٌ عن وجوهِهنَّ، وذلك أن ﴿مَثْنَى﴾ مصروفٌ عن اثنين، ﴿وَثُلَاثَ﴾ عن ثلاثةٍ، ﴿وَرُبَاعَ﴾ عن أربعةٍ، فصِرْن (٣) نظيرَ عُمَرَ، وزُفَرَ، إذ صُرِف هذا عن عامرٍ، إلى عمرَ، وهذا عن زافرٍ إلى زُفرَ، وأنشَد بعضُهم في ذلك (١): ولقد قتَلتُكمُ ثُناءَ وَمَوْحَدًا … وتركتُ مُرَّةَ مثلَ أمسِ المُدْبِرِ وقال آخرُ منهم: لم يصرفْ ذلك؛ لأنه يوهَمُ به الثلاثةُ والأربعةُ.
قال: وهذا لا يُستعملُ إلا في حال العددِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هنَّ مصروفاتٌ عن المعارفِ؛ لأن الألفَ واللامَ لا تدخلُها، والإضافةُ لا تدخُلُها.
قال: ولو دخَلتْها الإضافةُ والألفُ واللامُ، لكانت نكرةً، وهى ترجمةٌ (٢) عن النكرةِ (٣).
قال: وكذلك ما كان في القرآنِ، بمثلِه (٤): ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.
[سبأ: ٤٦].
وكذلك وُحادَ وأُحادَ، وما أشبَهه من مصروفِ العددِ.
وقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾.
وذلك زيادتُه ﵎ في خلقِ هذا المَلكِ من الأجنحةِ على الآخرِ ما يشاءُ، ونقصانُه [ذلك من هذا] (٥) الآخرِ ما أحبَّ، وكذلك ذلك في جميعِ خلقِه، يزيدُ ما يشاءُ في خَلقِ ما شاء منه، ويَنقُصُ ما شاء من خَلقِ ما شاء، له الخلقُ والأمرُ، وله القدرةُ والسلطانُ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه قديرٌ على زيادةِ ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصانِ ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلِّها، لا يمتنِعُ عليه فعلُ شيءٍ أراده ﷾.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: مفاتِحُ الخيرِ ومغالِقُه كلُّها بيدِه، فما يفتَحِ اللهُ للناسِ من خيرٍ، فلا مُغلِقَ له، ولا مُمسِكَ عنهم؛ لأن ذلك أمرُه (١)، ولا يستطيع ردَّ (١) أمرِه أحدٌ، وكذلك ما يُغْلِقْ من خيرٍ عنهم، فلا يبسُطْه عليهم، ولا يفتحْه لهم، فلا فاتحَ له سواه؛ لأن الأمورَ كلَّها إليه وله.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾.
أي: من خيرٍ، ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فلا يستطيعُ أحدٌ حبسَها (٢).
﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
وقال تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.
فأنَّث ﴿مَا﴾ لذكرِ الرحمةِ من بعدِه، وقال: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
فذكَّر للفظ ﴿ما﴾؛ لأن (٣) لفظَه لفظٌ مذكرٌ، ولو أنَّث في موضعِ التذكيرِ للمعنى، وذكَّر في موضعِ التأنيثِ للَّفظِ جاز، ولكنَّ الأفصحَ من الكلامِ التأنيثُ، إذا ظهَر بعدُ ما يدلُّ على تأنيثِها، والتذكيرُ إذا لم يظهرْ ذلك وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
يقولُ: وهو العزيزُ في نقمتِه ممن انتقَم منه من خلقِه، بحبسِ رحمتِه عنه وخَيراتِه، الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه، وفتحِه لهم الرحمةَ إذا كان فتحُ ذلك صلاحًا، وإمساكِه إياه عنهم إذا كان إمساكُه حكمةً.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به من قومِ رسولِ اللهِ ﷺ من قُرَيشٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ التي أنعمَها، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بفتحِه لكم من من خيرِ نعمِه (١) ما فتَح، وبسْطِه لكم من العيشِ ما بسَط، وفكِّروا فانظُروا ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ لكم سِواىَ (٢) فاطرِ السماواتِ والأرضِ، الذي بيدِه مفاتحُ أرزاقِكم ومغالقُها، ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فتعبدوه دونَه، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
يقولُ: لا معبودَ تنبغى له العبادةُ، إلا الذي فطَر السماواتِ والأرضَ، القادرُ على كلِّ شيءٍ، الذي بيده مفاتحُ الأشياءِ وخزائنُها، ومغالقُ ذلك كلِّه، فلا تعبدوا أيُّها الناسُ شيئًا سواه، فإنه لا يقدِرُ على نفعِكم وضرِّكم سواه، فله فأخلِصوا العبادةَ، وإياه فأفرِدوا بالأُلوهةِ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
يقولُ: فأَيُّ وجهٍ عن خالقِكم ورازقِكم الذي بيدِه نفعُكم وضرُّكم تُصرَفون؟
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
يقولُ الرجلُ: إنه ليُؤْفَكُ عنِّى كذا وكذا.
وقد بيَّنتُ معنى الإفكِ، وتأويلَ قولِه: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾.
فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن تكريرِه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن يكذِّبْك يا محمدُ، هؤلاء المشركون باللهِ مِن قومِك، فلا يحزنَنَّك ذلك، ولا يَعْظُمنَّ (١) عليك، فإن ذلك سنةُ أمثالِهم من كفرةِ الأممِ باللهِ من قبلهم، في (٢) تكذيبِهم رسلَ اللهِ التي أرسَلها إليهم من قبلِك، ولن يعدوَ مشركو قومِك أن يكونوا مثلَهم، فيتبِعوا في تكذيبِك منهاجَهم، ويسلُكوا سبيلَهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى اللهِ مرجِعُ أمرِك وأمرِهم، فيُحِلُّ بهم مِن (٣) العقوبةِ - إن هم لم يُنيبوا إلى طاعتِنا في اتباعِك، والإقرارِ بنُبَّوتِك، وقَبولِ ما دعوتَهم إليه من النصيحة - نظيرَ ما أحللنا بنظرائهم من الأممِ المكذِّبةِ رسلَها قبلَك، ومنجِّيك وأتباعَك من ذلك؛ سنتَنا بمَن قبلَك في رسلِنا وأوليائِنا.
[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
يُعزِّى نبيَّه كما تسمعون (٥).
وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لمشركِي قريشٍ، المكذِّبي رسولَ اللهِ ﷺ: يا أيُّها الناسُ إن وعدَ اللهِ إياكم بأسَه - على إصرارِكم على الكفرِ به، وتكذيبِ رسولِه محمدٍ ﷺ وتحذيرَكم نزولَ سطوتِه بكم على ذلك - حقٌّ، فأيقِنوا بذلك، وبادِروا حلولَ عقوبتِه بكم بالتوبةِ والإنابةِ إلى طاعةِ اللهِ، والإيمانِ به وبرسولِه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
يقولُ: فلا يغرَّنكم ما أنتم فيه من العيشِ في هذه الدنيا، ورياساتِكم التي تترأسون بها على ضعفائِكم فيها، عن اتباعِ محمدٍ ﷺ والإيمانِ به (١)، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
يقولُ: ولا يخدَعنَّكم باللهِ الشيطانُ، فيمنِّيَكم الأمانيَّ، ويعدَكم مِن اللهِ العِداتِ الكاذبةَ، ويحملَكم على الإصرارِ على كفرِكم باللهِ.
كما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
يقولُ: الشيطانُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ الذي نهيتُكم أيُّها الناسُ أن تغترُّوا بغُرورِه إياكم باللهِ، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
يقولُ: فأنزِلوه من أنفسِكم مُنزلَ العدوِّ منكم، واحذَروه (٣) - بطاعةِ اللهِ واستغشاشِكم إياه - حِذْرَكم من عدوّكم الذي تخافون غائلتَه على أنفسِكم، فلا تطيعوه ولا تتَّبعوا خطواتِه، فإنه ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾.
يعنى شيعتَه، ومن أطاعه إلى طاعتِه والقبولِ منه والكفرِ باللهِ، ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
يقولُ: ليكونوا من المخلَّدين في نار جهنمَ، التي تتوقَّدُ على أهلِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
فإنه يحقُّ (١) على كلِّ مسلمٍ عداوتُه.
وعداوتُه: أن تعاديَه بطاعةِ اللهِ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ وحزبُه: أولياؤُه.
﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
أي: ليسوقَهم إلى النارِ، فهذه عداوتُه (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، [قال: يقولُ: يدعو حزبَه إلى معاصى اللهِ.
وأهلُ معاصى اللهِ أصحابُ السعيرِ] (٣).
وقال: هؤلاء حزبُه من الإنسِ.
يقولُ: أولئك حزبُ الشيطانِ.
قال (٤): والحزبُ ولاتُه الذين يتولَّاهم ويتولَّونه (٥).
وقرَأ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (٦) [الأعراف: ١٩٦].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ ورسولِه، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ من اللهِ، ﴿شَدِيدٌ﴾، وذلك عذابُ النارِ.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
يقولُ: والذين صدَّقوا الله ورسولَه، وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ، وانتَهَوا عما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من اللهِ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وذلك الجنةُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: وهى الجنةُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفمَن حسَّن له الشيطانُ أعمالَه السيئةَ؛ من معاصى اللهِ والكفرِ به، وعبادةِ ما دونَه من الآلهةِ والأوثانِ، ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ فحَسِب سَيِّئَ ذلك حسنًا، وظن أن قبيحه (٢) جميلٌ؛ لتزيين الشيطانِ ذلك له - ذهَبت نفسُك عليهم حَسَراتٍ؟!
[وحُذِف من الكلامِ: ذهبَت نفسُك عليهم حسراتٍ] (٣)؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ عليه (٤) منه.
وقولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: فإِن الله يَخذُلُ من يشاءُ عن الإيمانِ به، واتباعِك وتصديقِك، فيُضِلُّه عن الرشادِ إلى الحقِّ [في ذلك] (٥)، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: ويوفِّقُ [مَن يشاءُ] (٥) للإيمانِ به واتباعِك والقَبولِ منك، فيهديه (٦) إلى سبيلِ الرشادِ، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
يقولُ: فلا تُهلِك نفسك حُزْنًا على ضلالتهم وكفرهم باللهِ، وتكذيبِهم لك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال قتادةُ والحسنُ: الشيطانُ زيَّن لهم.
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
أي: لا يَحْزُنْكَ ذلك عليهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
قال: الحَسَراتُ: الحُزنُ.
وقرَأ قولَ الله: [﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠].
قال: يقولُ: نالتهم حسرةً.
وقرأ قولَ اللَّهِ] (٢) ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] [قال: هذا كلُّه الحُزنُ إلا أنه أشدُّ (٣)] (٢).
ووقَع قولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
موقِعَ (٤) الجوابِ، وإنما هو مُتَّبَعُ (٥) الجوابِ؛ لأن الجوابَ هو المتروكُ الذي ذكَرتُ، فاكتُفى به من الجوابِ لدَلالتِه على الجوابِ [ومعنى الكلام] (٦).
واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾؛ فقرَأتْه قرأةُ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ المدنيِّ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾.
بفتحِ التاءِ من ﴿تَذْهَبْ﴾ و ﴿نَفْسُكَ﴾ برفعها.
وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (فَلَا تُذْهِبْ) بضمِّ التاءِ من (تُذهب)، و (نَفْسَكَ) بنصبها، بمعنى: لا تُذهب أنت يا محمدُ نفسك (١).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يا محمدُ ذو علمٍ بما يصنعُ هؤلاءِ الذين زيَّن لهم الشيطانُ سوءَ أعمالِهم، وهو مُحصِيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم.
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ [سَحَابًا﴾.
يقولُ: فتنشِيء سحابًا] (٢) للحَيا (٣) والغيثِ، ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾.
يقولُ: فسُقْناه إلى بلدٍ [مُجْدِبة الأرضِ، مُخْلَى الأهلِ (٤)، دائرٍ لا نبتَ فيه ولا زرعَ، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
يقولُ: فأخصَبْنا بغَيثِ ذلك السحابِ الأرضَ، التي سُقْناه إليها بعدَ جُدُوبها، وأنبَتْنا فيها الزرعَ بعدَ المَحْلِ، ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُنشِرُ الله الموتى بعد بِلائِهم في قبورِهم، فيُحْيِيهم بعدَ فنائِهم، كما أحْيَينا هذه الأرضَ بالغَيْثِ بعدَ مَماتِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّغْراءِ، عن عبدِ اللهِ، قال: يكونُ بينَ النَّفْخَتَين ما شاء اللهُ أن يكونَ، فليس مِن بنى آدمَ خلقٌ (١) إلا وفى الأرضِ منه شيءٌ.
قال: فيرسلُ الله ماءً من تحتِ العرشِ، مَنِيًّا كَمِنيِّ الرجلِ، فتنبُتُ أجسادُهم ولُحمانُهم مِن ذلك، كما تنبُتُ الأرضُ مِن الثَّرَى، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ قال: ثم يقومُ مَلَكُ الصُّورِ (٢) بينَ السماءِ والأرضِ، فينفُخُ فيه، فتنطلقُ كلُّ نفسٍ إلى جسدِها، فتدخُلُ فيه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾.
قال: يرسلُ الرياحَ فتسوقُ السحابَ، فأَحْيَا اللهُ به هذه الأرضَ الميتةَ بهذا الماءِ، فكذلك يبعثُه يومَ القيامةِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: من كان يريدُ العزَّةَ بعبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، فإن العزّةَ لله جميعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٌو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾.
يقولُ: مَن كان يريدُ العزةَ بعبادته الآلهة فإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جميعًا (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: مَن كان يريدُ العزة فليتَعزَّزْ بطاعةِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
يقولُ: فليتعزَّزْ بطاعةِ اللهِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريدُ علمَ العزةِ لمن هي؟
فإنها للهِ جميعًا كلَّها، أي: كلُّ وجهٍ من العزةِ فللهِ.
والذي هو أولى الأقوال بالصوابِ عندى قولُ من قال: مَن كان يريدُ العزةَ، فباللهِ فليتعزَّزْ، فللهِ العزةُ جميعًا، دونَ كلِّ ما دونه من الآلهةِ والأندادِ (٣) والأوثانِ.
وإنما قلتُ: ذلك أَولى بالصوابِ؛ لأن الآياتِ التي قبلَ هذه الآيةِ، جَرَت بتَقْريعِ الله المشركين على عبادِتهم الأوثانَ، وتوبيخِه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأُولَى بهذه أيضًا أن تكونَ مِن جنسِ الحَثِّ على [فِراقِ ذلك، فكانت] (١) بقصتُها شبيهةً بقصتِها، وكانت في سياقها.
وقولُه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إلى اللهِ يصعدُ ذكرُ العبدِ إياه، وثناؤُه عليه، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
يقولُ: ويرفع ذكرَ العبدِ ربَّه إليه عملُه الصالحُ، وهو العملُ بطاعتِه، وأداءُ فرائضه، والانتهاءُ إلى ما أمَره به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمُسِيُّ، قال: أخبَرني جعفرُ بنُ عَونٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ المسعوديِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُخارِقِ، عن (٢) أبيه المُخارقِ بن سُلَيمٍ، قال: قال لنا عبدُ اللَّهِ: إذا حدَّثناكم بحديثٍ أتيناكم بتَصْديقِ ذلك مِن كتابِ اللهِ؛ إن العبدَ المسلمَ إذا قال: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، الحمدُ للهِ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، تبارَك اللهُ.
أَخَذَهنَّ مَلَكٌ، فجعَلهن تحتَ جَناحَيْه، ثم صعِد بهنَّ إلى السماءِ، فلا يمرُّ بهن على جمعٍ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهنَّ حتى يجيءَ بهنَّ إلى (٣) وجهِ الرحمنِ، ثم قرَأ عبدُ اللَّهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا سعيدٌ الجُرَيريُّ، عن عبدِ اللهِ بن شقيقٍ، قال: قال (١) كعبٌ: إن لسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، لدَوِيًّا [حولَ العرشِ] (٢)، كدويِّ النحلِ، يُذكِّرنَ (٣) بصاحبِهنَّ، والعملُ يرفعه (٤) في الخزائنِ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثِ بن أبي سُلَيم، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ الأشعريِّ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
قال: العملُ الصالحُ يرفعُ الكَلِمَ الطيب (٦).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
قال: الكلامُ الطيبُ: ذكرُ اللَّهِ، والعملُ الصالحُ: أداءُ فرائضِه، فمَن ذكَر الله سبحانَه في أداءِ فرائضِه، حمَل عملُه (٧) ذكرَ اللهِ، فصعدِ به إلى اللهِ، ومَن ذَكَر الله، ولم يؤدِّ فرائضَه، رُدَّ كلامُه على عملِه، فكان أولَى به (٨).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
قال: العملُ الصالحُ يرفعُ الكلامَ الطيبَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
قال: قال الحسنُ وقتادةُ: لا يقبلُ اللهُ قولًا إلا بعملٍ، من قال وأحسَن العملَ، قبل الله منه (٢).
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يكسِبون السيئاتِ [ويعملون بها، أولئك ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بمعنى أن] (٣) لهم عذابَ جهنمَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.
[أي: يعملون السيئاتِ] (٣)، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٤).
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
قال: هؤلاء أهلُ الشركِ (٥).
وقولُه: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
يقولُ: وعملُ هؤلاءِ المشركين يَبورُ، فيبطُل فيذهَبُ؛ لأنه لم يكنْ للهِ، فلم ينفعْ عاملَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
أي: يفسُدُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن ليثِ بن أَبِي سُلَيْمٍ، عَن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
قال: هم أصحابُ الرياءِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمارة، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا جعفرٌ الأحمرُ عن ليثٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ في قولِه: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
قال: هم أصحابِ الرياءِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
قال: بَارَ فلم ينفعهْم، ولم ينتفعوا به، وضرَّهم (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيها الناسُ، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾.
يَعْنى بذلك أنه خلَق أباهم آدمَ مِن ترابٍ، فجعَل خلقَ أبيهم منه لهم خلًقا، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾.
يقولُ: ثم خلَقكم من نطفةِ الرجلِ والمرأةِ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
يعنى أنه زوَّج منهم الأنثى مِن الذكرِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾.
يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾.
يعني ذرَّيته، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾، فزوَّج بعضكم (١) بعضًا (٢).
وقولُه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما تحملُ مِن أنثى منكم أيُّها الناسُ مِن حمل، ولا تضعُ (٣) إلا وهو عالمٌ بحملها إياه (٤).
ووضعِها، وما هو ذكرٌ أو أنثى، لا يخفَى عليه شيءٌ مِن ذلك.
وقولُه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وما يُعمَّرُ مِن معمرٍ فيطولُ عمره، ولا يُنقصُ من عمرٍ آخرَ غيرِه عن عمر هذا الذي عُمِّر عمرًا طويلًا، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ عندَه مكتوبٍ قبلَ أن تحِملَ به أمُّه، وقبلَ أن تضَعَه، قد أحصَى ذلك كلَّه، وعلمه قبلَ أن يخلُقَه، لا يُزادُ فيما كتَب له ولا يُنقَصُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلى ﴿يَسِيرٌ﴾.
يقولُ: ليس أحدٌ قضيتُ له طولَ العمرِ والحياةِ إلا وهو بالغٌ ما قدَّرتُ له مِن العمرِ، وقد قضَيتُ ذلك له، فإنما (١) ينتهى إلى الكتابِ الذي قدَّرت له، لا يُزادُ عليه، وليس أحدٌ قضَيتُ له أنه قصيرُ العمرِ والحياةِ ببالغٍ العمرَ، ولكن ينتهى إلى الكتابِ الذي كُتِب (٢) له، [لا يزادُ عليه] (٣)، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
يقولُ: كلُّ ذلك في كتابٍ عندَه (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ الآيةَ، يقولُ] (٥): مَن قضيتُ له أن يُعمَّرَ حتى يُدركَه الكبرُ، أو يُعَمَّرَ أنْقَصَ من ذلك، فكلٌّ بالغٌ أجلَه الذي قد قُضِى له، كلُّ ذلك في كتابٍ (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
قال: ألا ترى الناسَ (١)؛ الإنسانُ يعيشُ مائة سنةٍ، وآخرُ يموتُ حين يولدُ؟!
فهذا هذا (٢).
فالهاءُ التي في قولِه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على هذا التأويلِ، وإن كانت في الظاهرِ أنَّها كنايةٌ عن اسمِ المُعمَّرِ الأَوَّلِ، فهي كنايهُ اسمٍ آخرَ غيرِه، وإنما حسُن ذلك؛ لأن صاحبَها لو أظهِر أظهِر (٣) بلفظِ الأوَّل، وذلك كقولِهم: عندى ثوبٌ ونصفُه، والمعنى: ونصفُ الآخرِ وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّرُ مِن معمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عمره، بفناءِ ما فنِى من أيامِ حياتهِ، فذلك هو نقصانُ عمرِه.
والهاءُ على هذا التأويلِ للمُعَمَّرِ الأَوَّلِ؛ لأن معنى الكلامِ: ما يُطوَّلُ عمرُ أحدٍ، ولا يذهبُ من عمرِه شيءٌ فيُنْقَصَ، إلا وهو في كتابٍ عندَ اللهِ مكتوبٍ، قد [أحصاه وعلمهٍ] (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو حَصينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسُ، قال: ثنا عبثْرٌ (٥)، قال: ثنا حصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
قال: ما يُنقصُ (٦) مِن أيامِه التي عددتُ له إلا في كتابٍ (٧).
[حدَّثني [ابن سنانٍ القزازُ] (١)، قال: حدَّثني الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: حدَّثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾.
قال: يُكتبُ نقَص شهرٌ، نقَص شهران، نقَص ثلاثة أشهر، نقَص سنةٌ، نقَص سنتان، نقَص ثلاثُ سنين، حتى يأتىَ على أجلِه فيموت] (٢) (٣).
وأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ التأويلِ الأوّلُ، وذلك أن ذلك هو أظهرُ معنييه، وأشبهُهما بظاهرِ التنزيلِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن إحصاءَ أعمارِ خَلْقِه عليه يسيرٌ سهلٌ، طويلُ ذلك وقصيرُه، لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ منه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما يعتدِلُ البحرانِ فيستويان؛ أحدُهما ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، [والفراتُ هو أعذبُ العذْبِ، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: يقولُ] (٤): والآخرُ منهما ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، وذلك هو ماءُ البحرِ الأخضرِ، والأجاجُ: المر، وهو أشدُّ المياهِ ملوحةً.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.
والأُجاجُ: المرُّ (١).
وقولُه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.
يقولُ: ومِن كلِّ البحارِ تأكلون لحمًا طَرِيًّا، وذلك السمكُ؛ من عذبِهما الفراتِ، ومِلْحِهما الأُجاجِ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعنى: الدرَّ والمَرْجانَ، تستخرجونها من الملحِ الأُجاجِ.
وقد بيَّنا قبلُ وجهَ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾، وإنما يُستخرَجُ مِن المِلحِ، فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه (٢).
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِر﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وترى السفنَ في كلِّ تلك البحارِ مواخرَ، تمخُرُ الماءَ بصدورِها، وذلك خرقُها إياه إذا مرَّت، واحدتُها ماخرةٌ، يقالُ.
منه: مَخَرت تمخُرُ وتمخَرُ مَخْرًا، وذلك إذا شقَّت الماء بصدورِها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [أي: منهما جميعًا] (٣)، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: هذا اللؤلؤُ، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾: فيه السفنُ مُقبلة ومُدْبِرةً بريحٍ واحدةٍ (٤).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾.
يقولُ: جَوارِىَ (١).
وقولُه: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
يقولُ: لتطلُبوا برُكْوبِكم في هذه البحارِ في الفلكِ مِن معايشِكم، ولتتصرَّفوا فيها في تجاراتِكم، وتشكُروا (٢) الله على تَسْخيرِه ذلك لكم، وما رزَقكم منه مِن طيباتِ الرزقِ، وفاخرِ الحُليِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يُدْخِلُ الليل في النهار؛ وذلك ما نقَص من الليلِ أدخَله في النهارِ فزادَه فيه، ويولجُ النهارِ في الليلِ؛ وذلك ما نقَص مِن أجزاءِ النهارِ، زادَ في أجزاء الليلِ فأدخَله فيها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: زيادةُ هذا في نُقْصَانِ هذا، ونقصانُ هذا في زيادةِ هذا (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.
يقولُ: هو انتقاصُ أحدهما مِن الآخرِ (٤).
وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ [وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
يقولُ: وأَجْرَى لكم الشمسَ] (١) والقمر؛ نعمةً منه عليكم، ورحمةً منه بكم، لتَعْلَموا عددَ السنينَ والحسابَ، وتعرِفوا الليلَ من النهارِ.
وقولُه: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
يقولُ: كلُّ ذلك يجرى لوقتٍ معلومٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أجلٍ معلومٍ، وحدٍّ لا يَقْصُرُ دونَه ولا يتعدَّاه (٢).
وقولُه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
يقولُ: الذي يفعلُ هذه الأفعالَ معبودُكم، أيُّها الناسُ، الذي لا تصلحُ العبادةُ إلا له، وهو اللهُ ربُّكم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾.
أي: هو الذي يفعلُ هذا (٣).
وقولُه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: له الملكُ التامُّ الذي لا ينبغى (٤) إلا وهو في مُلْكِه وسلطانِه.
وقولُه (١): ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين تعبُدون أيُّها الناسُ مِن دونِ ربِّكم الذي هذه الصفةُ - التي ذكَرها في هذه الآياتِ؛ الذي له المُلْكُ الكامل الذي لا يُشْبِهُه مُلْكُ - صفتُه (٢)، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
يقولُ: ما يملكون قِشْرَةَ نواةٍ فما فوقَها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عمن حدَّثه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
قال: هو [جلدُ النواةِ] (٣).
[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولِه: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
يقولُ: الجلد الذي يكونُ على ظهرِ النواةِ] (٤) (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
يعنى: قِشرِ النواةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال: لِفافَةِ النواةِ كسَحاةِ (١) البيضةِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
والقِطْمِيرُ: القشرة التي على رأسِ النواةِ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن بعضِ أصحابِه في قولِه: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
قال: هو القَمْعُ الذي يكونُ على التمرةِ (٤).
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطية، قال: القِطْمِيرُ: قشرُ النواةِ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن تَدْعوا أيُّها الناسُ هؤلاء الآلهةَ التي تعبُدونها مِن دونِ اللهِ، لا يسمَعوا دعاءَكم؛ لأنها جمادٌ لا تفهَمُ عنكم ما تقولون، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾.
يقولُ: ولو سمِعوا دعاءَكم إيَّاهم، وفهِموا عنكم أيضًا (٦) قولَكم، بأن جعَل لهم سمعًا (٧) يسمَعون به، ما استَجابوا لكم؛ لأنها ليست ناطقةً، وليس كلُّ سامعٍ قولًا مُتَيَسِّرًا له الجوابُ عنه.
يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به الآلهةَ والأوثانَ: فكيف تعبُدون مِن [دونى ما كانت] (١) هذه صفته، وهو لا نفعَ لكم عندَه، ولا قُدْرةَ له على ضَرِّكم، وتَدعون عبادةَ الذي بيدِه نفعُكم وضَرُّكم، وهو الذي خلَقكم وأنعَم عليكم؟!
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾.
أي: ما قَبِلوا ذلك عنكم، ولا نفَعوكم فيه (٢).
وقولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين مِن عَبَدةٍ الأوثانِ: ويومَ القيامةِ تَتَبرَّأُ آلهتُكم التي تعبُدونها مِن دونِ اللَّهِ، مِن أن تكونَ كانت للهِ شريكًا في الدنيا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إيَّاهم ولا يرضَون (٣)، ولا يُقِرُّون به (٢).
وقولُه: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُخبرك يا محمدُ عن آلهةِ هؤلاء المشركين، وما يكونُ مِن أمرِها وأمرِ عَبَدَتِها يومَ القيامةِ، مِن تَبَرُّئِها منهم وكفرِها بهم - مثلُ ذى خِبْرةٍ بأمرها وأمرِهم، وذلك الخبيرُ هو الله الذي لا يَخْفى عليه شيءُ كان أو يكونُ، سبحانَه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: واللهُ هو الخبيرُ أنه سيكونُ هذا [مِن أمرِهم] (١) يومَ القيامةِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الناسُ أنتم أُولو الحاجةِ والفقرِ إلى ربِّكم، فإيَّاه فاعبُدوا، وفى رِضاه فسارِعوا، يُغْنِكُم مِن فقركم، ويُنْجِحْ لدَيه حوائجَكم، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم إيَّاه، وعن خدمتِكم، وعن غيرِ ذلك مِن الأشياء منكم ومِن غيرِكم، ﴿الْحَمِيدُ﴾.
يعني: المحمودُ على نِعَمِه؛ فإن كلَّ نعمةٍ بكم وبغيركِم فمنه؛ فله الحمدُ والشكرُ بكلِّ حالٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.
يقولُ الله تعالى ذكرُه: إن يشأ يُهْلِكُكم أيُّها الناسُ رَبُّكم؛ لأنه أنشَأكم مِن غيرِ ما حاجةٍ به إليكم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
يقولُ: ويأتِ بخلقٍ سواكم يُطِيعونه، ويَأْتَمرون لأمرِه، ويَنْتَهون عما نَهاهم عنه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
أي: ويأتِ بغيرِكم (١).
وقولُه: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يقولُ: وما إذهابُكم والإتيانُ بخلقٍ سِواكم على اللهِ بشديدٍ، بل ذلك عليه يسيرٌ سهلٌ، يقولُ: فاتَّقوا اللَّهَ أَيُّها الناسُ، وأطِيعوه (٢) قبلَ أن يفعلَ بكم (٣) ذلك.
وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تحمِلُ آثمةٌ إثمَ أخرى غيرِها، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تسألْ ذاتُ ثِقْلٍ مِن الذنوبِ مَن يحملُ عنها ذنوبَها وتطلب ذلك، لم تَجِدْ مَن يحمِلُ عنها شيئًا منها، ولو كان الذي سألَتْه ذلك ذا قَرابةٍ له مِن أبٍ أو [ابنٍ أو] (٤) أخٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
يقولُ: يكون عليه وزْرٌ، لا يجد أحدًا يحمل عنه مِن وزرِه شيئًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنوبًا (٢) ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾: كنحوِ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾: [إلى ذنوبِها] (٤)، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ [وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
أي] (٥): قريبَ القرابةِ منها، لا يَحملُ مِن ذنوبه (٦)، ولا تحملُ على غيرِها مِن ذنوبها شيئًا قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٧).
ونصبُ ﴿ذَا قُرْبَى﴾ على تمامِ كان؛ لأن معنى الكلامِ: ولو كان الذي تسألُه أن يحملَ عنها ذنوبها ذا قُرْبى لها.
وأُنِّثت ﴿مُثْقَلَةٌ﴾؛ لأنه ذهَب بالكلامِ إلى النَّفْسِ، كأنه قيل: وإن تَدْعُ نفسٌ مثقلةٌ مِن الذنوبِ إلى حملِ ذنوبِها.
وإنما قيل كذلك؛ لأن النفسَ تؤدِّى عن الذكرِ والأنثى، كما قيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
يعنى بذلك كلَّ (٨) ذكرٍ وأنثى (٩).
وقولُه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: إنما تنذِرُ يا محمدُ الذين يخافون عذابَ (١) اللهِ يومَ القيامةِ، مِن غيرِ مُعاينةٍ منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتَهم به، وتَصْديقِهم لك (٢) فيما أنبَأتَهم عن اللهِ، فهؤلاء الذين ينفعُهم إنذارُك، ويَتَّعِظون بمَواعظِك، لا الذين طَبَعَ اللهُ على قلوبِهم فهم لا يَفْقَهون.
كما (٣) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾.
أي: يَخْشَوْن النارَ والحسابَ (٤).
وقولُه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
يقولُ: وأدَّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها، على ما فرَضها الله عليهم (٥).
وقولُه: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتَطهَّرْ مِن دَنَسِ الكفر والذنوبِ، بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته، فإنما يتطهَّرُ لنفسه، وذلك أنه يُكسبُها (٦) به رضا اللهِ، والفوزَ بجِنانِه، والنجاةَ مِن عقابِه الذي أعَدَّه لأهلِ الكفرِ به.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
أي: مَن يعملْ صالحًا فإنما يعملُه لنفسِه (١).
وقولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
يقولُ: وإلى اللهِ مصيرُ كلِّ عاملٍ منكم أيُّها الناسُ؛ مؤمنكم وكافرِكم، وبَرِّكم وفاجرِكم، وهو مُجازٍ جميعَكم بما قدَّم مِن خيرٍ أو شرٍّ على ما هو (٢) أهلٌ، منه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾، عن دينِ اللَّهِ الذي به ابتَعث نبيِّه محمدًا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ به (٣)، الذي قد أبصَر فيه رُشْدَه، واتَّبَع محمدًا وصدَّقه، وقَبِل عن اللهِ ما ابتَعثه به، ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾.
يقولُ: وما يَستوِى ظلماتُ الكفرِ، ونورُ الإيمانِ، ﴿وَلَا الظِّلُّ﴾.
قيل: ولا الجنةُ.
﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾.
قيل: النارُ.
كأن معناه عندَهم: ولا تَسْتوى الجنةُ ولا النارُ.
والحرُورُ بمنزلةِ السَّموم، وهى الرياحُ الحارَّةُ.
وذكَر أبو عبيدةَ، مَعْمَرُ بنُ المُثَنَّى (٤)، عن رُؤْبةَ بن العَجَّاجِ، أنه كان يقولُ: الحرورُ بالليلِ والسَّمومُ بالنهارِ.
وأما أبو عبيدةَ فإنه قال: الحَرورُ في هذا الموضعِ بالنهارِ مع الشمسِ.
وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: الحرورُ يكونُ بالليلِ والنهارِ والسَّموم لا يكونُ بالليلِ، إنما يكونُ بالنهارِ.
والصوابُ في ذلك عندنا، أن الحرورَ يكونُ بالليلِ والنهارِ، غيرَ أنه يكونُ (١) في هذا الموضعِ بأن يكونَ كما قال أبو عُبَيدةَ، أشبهَ، مع الشمسِ؛ لأن الظلَّ إنما يكونُ في يومِ شمسٍ، فذلك يدلُّ على أنه أُريدَ بالحَرورِ: الذي يوجدُ في حالِ وجودِ الظلِّ.
وقولُه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾.
يقولُ: وما يَسْتوى الأحياءُ القلوبِ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، ومعرفةِ تنزيلِ اللهِ، ولا (١) الأمواتُ القلوبِ لغَلَبةِ الكفرِ عليها، حتى صارت لا تعقلُ عن اللهِ أمرَه ونهيَه، ولا تعرفُ الهُدى مِن الضلالِ.
وكلُّ هذه أمثالٌ ضرَبها الله للمؤمنِ والإيمانِ، والكافرِ والكفرِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: هو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لأهلِ الطاعةِ وأهلِ المعصيةِ، يقولُ: وما يَسْتوى الأعمى والظلماتُ، والحرورُ ولا الأمواتُ، فهو مَثَلُ أهلِ المعصيةِ، ولا يَسْتوى البصيرُ ولا النورُ، ولا الظلُّ والأحياء، فهو مَثَلُ أهلِ الطاعةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي﴾ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الآية: خَلْقًا فُضِّل بعضُه (١) على بعض؛ فأما المؤمنُ فعبدٌ (٢) حيُّ الأثَرِ، حيُّ البصرِ، حيُّ النيةِ، حيُّ العمل (٣)، وأما الكافرُ فعبدٌ ميتٌ؛ ميتُ البصرِ: ميتُ القلبِ، ميتُ العملِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾.
قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ؛ فالمؤمنُ بصيرٌ في دينِ اللهِ، والكافرُ أعمى، كما لا يَسْتوى الظلُّ ولا (٥) الحرورُ، ولا الأحياءُ ولا الأمواتُ، فكذلك لا يَسْتوى هذا المؤمنُ الذي يُبْصِرُ دينه، ولا هذا الأعمى.
وقرَأ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢].
قال: الهُدى الذي هداه اللهُ به، ونوَّره (٦) له، هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لهذا المؤمنِ الذي يُبْصِرُ دينَه، وهذا الكافرِ الأعمى (٧)، فجعَل المؤمنَ حَيًّا، وجعَل الكافرَ ميتًا؛ ميتَ القلبِ، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
قال: هَديناه إلى الإسلامِ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
أعمى القلبِ، وهو في الظلماتِ، [أهذا وهذا سواءٌ] (٨)؟!
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ "لا" مع حروفِ (٩) العطفِ في قولِه: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.
فقال بعضُ نحويِّي البصرة: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾، فيُشْبِهُ أن تكونَ "لا" زائدةٌ؛ لأنك لو قلت: لا يَسْتوى عمرٌو ولا زيدٌ.
في هذا المعنى، [لم يكنْ] (١) إلا أن تكونَ (٢) زائدةً، وكان غيرُه يقولُ: إذا لم تدخل "لا" مع "الواو"، فإنما لم تدخل اكتفاءً بدخولها في أولِ الكلامِ، وإذا أُدخِلت فإنه يرادُ بالكلامِ أن كلَّ واحدٍ منهما لا يُساوى صاحبَه.
فكان معنى الكلامِ إذا أُعيدت "لا" مع "الواو "عندَ صاحبِ هذا القولِ: لا يُساوى الأعمى البصيرَ، ولا (٣) البصير الأعمى، فكلُّ واحدٍ منهما لا يُساوى صاحبَه.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: [إن الله يعظُ بكتابِه وتنزيلِهَ مِن يشاءُ مِن خلقه؛ حتى يتعظَ به ويعتبرَ وينقاد للحقِّ ويؤمنَ به، وما أنت يا محمدُ بمُسمِعٍ] (٤) مِن في القبورِ، كتابَ اللهِ فتهديَهم به إلى سبيلِ الرشادِ، فكذلك لا تقدرُ أن تنفعَ بمواعظِ كتابِ (٥) اللهِ، وبيناتِ (٦) حُجَجه، مَن كان ميتَ القلبِ مِن أحياءِ عبادِه، عن معرفةِ اللَّهِ، وفَهْمِ كتابه وتنزيله، وأوضحِ (٧) حُجَجِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ﴾ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: [كما لا يسمع مِن في القبورِ] (١)، كذلك الكافر لا يسمعُ ولا ينتفع بما يسمعُ (٢).
وقولُه: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما أنت إلا نذيرٌ، تُنْذِرُ هؤلاء المشركين باللهِ، الذين طبَع اللهُ على قلوبِهم، ولم يُرْسِلك ربُّك إليهم إلا لتُبَلِّغ (٣) رسالتَه، ولم يُكلِّفْك مِن الأمرِ ما لا سبيلَ لك إليه، فأما اهتداؤُهم وقَبولُهم منك ما جئتَهم به، فإن ذلك بيدِ اللهِ لا بيدِك، ولا بيدِ غيرِك مِن الناسِ، فلا تَذهبْ نفسُك عليهم حَسَراتٍ، إن هم لم يَسْتَجيبوا لك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾.
[يعني: بالدِّينِ الحقِّ] (٤)، وهو الإيمانُ باللهِ، وشرائعِ الدينِ التي افترَضها على عبادِه، ﴿بَشِيرًا﴾.
يقولُ: مُبَشِّرًا بالجنةِ مَن صدَّقك، وقَبل منك ما جئتَه (٥) به مِن عندِ اللهِ مِن النصيحةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾: تُنذِرُ النارَ (٦) مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما جئتَه (٥) به مِن عندِ اللَّهِ مِن النصيحةِ؛ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).
يقولُ: وما مِن أمةٍ مِن الأممِ الحاليةِ (٢) الدائنةِ بمِلَّةِ، إلا خَلا فيها مِن قبلك [نذيرٌ، ينذرُهم] (٣) بأسَنا على كفرِهم باللهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: كلُّ أمةٍ كان لها رسولٌ (٤).
وقولُه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه، مُسَلَّيًا نبيِّه صلى للهُ عليه وسلم فيما يَلْقَى مِن مُشرِكى قومِه مِن التكذيبِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمدُ، مُشرِكو قومِك، ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأم الذين (٥) ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ رسلُنا (٦)، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
يقولُ: بحُجَجٍ مِن اللهِ واضحةٍ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾.
يقولُ: وجاءتْهم بالكتبِ مِن عندِ اللَّهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾.
أي: الكتبِ.
وقولُه: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
يقولُ: وجاءهم مِن اللهِ الكتابُ المنيرُ لمَن تأمَّله وتدبرَّه، أنه الحقُّ.
كما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: يُضَعِّفُ (٧) الشيءَ وهو واحد.
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أَهْلَكْنا الذين جَحَدوا رسالةَ (١) رُسُلنا، وحقيقةَ ما دعَوهم إليه مِن آياتِنا، وأصرُّوا على جُحُودِهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
يقولُ: فانظُرْ (٢) يا محمدُ كيف كان تَغْيِيرى لهم (٣) وحلولُ عُقوبتى بهم (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تر يا محمد أن الله أَنْزَلَ مِن السماءِ ﴿مَاءً﴾ (٥): غيثًا، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾.
يقولُ: فسقيناه أشجارًا في الأرضِ، فأخرَجْنا به مِن تلك الأشجارِ ثمراتٍ مختلفًا ألوانها؛ منها الأحمرُ، ومنها الأسودُ، والأصفرُ، وغيرُ ذلك مِن ألوانها.
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن الجبالِ طرائقُ، وهى الجُدَدُ؛ وهى الخُطَطُ (٦) تكونُ في الجبالِ، بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، كالطرقِ، واحدتُها جُدَّةٌ، ومنه قوُل امرئ القيسِ (٧) في صفةِ حمارٍ: كأنَّ سَرَاتَهُ وَجُدَّةَ مَتْنِهِ … كَنائِنُ يَجْرى فَوْقَهُنَّ دَلِيصُ (١).
يعنى بالجُدَّة: الخُطَّةَ السوداءَ تكونُ في متنِ الحمارِ.
وقولُه: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾.
يعني: مختلفٌ ألوانُ الجُدَدِ، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾، وذلك مِن المقدَّمِ الذي هو بمعنى التأخيرِ، وذلك أن العربَ تقول: هو أسودُ غربيبٌ.
إذا وصَفوه بشدةِ السوادِ، وجُعل ههنا السواد صفةً للغرابيبِ.
وقولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ [كَذَلِكَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الناسِ والدوابِّ والأنعامِ مختلفٌ ألوانُه] (٢)، كما مِن الثمراتِ والجبالِ مختلِفٌ ألوانُه؛ بالحمرةِ والبياضِ والسوادِ والصفرةِ، وغيرِ ذلا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: أحمرُ وأَخضرُ وأصفرُ، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: أي طرائق بيضٌ، ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: أي جبالٌ حمرٌ (٣)، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: هو الأسودُ، يعنى لونَه، كما اختلَف ألوانُ هذه و (٤) اختلَف ألوانُ الناسِ والدوابِّ والأنعامِ كذلك (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: طرائقُ؛ بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، وكذلك الناسُ مختلفٌ ألوانُهم.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ (١)، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾.
قال: هي طرائقُ؛ حمرٌ وسودٌ.
وقولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يخافُ اللَّهَ فيَتَّقِى عقابَه بطاعتِه، العلماءُ؛ بقدرتِه على ما يشاءُ مِن شيءٍ، وأنه يفعلُ ما يريدُ؛ لأن مَن علم ذلك، أيقَن بعقابِه على معصيتِه، فخافه ورهِبه؛ خشيةً منه أن يُعاقِبَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
قال: الذين يَعْلَمون أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
قال: كان يقالُ: كفى بالرهبةِ علمًا (٣).
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه ممن كفَر به، ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن آمَن به وأطاعَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يقرَءون كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
يقولُ: وأدَّوا (١) الصلاةَ المفروضةَ لمواقيتِها بحدودِها.
وقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
بمعنى: ويقيمون (٢) الصلاةَ.
وقولُه: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
يقولُ: وتصدَّقوا بما أعطيناهم من الأموالِ، ﴿سِرًّا﴾: في خفاءٍ، ﴿وَعَلَانِيَةً﴾: جهارًا.
وإنما معنى ذلك أنهم يؤدُّون زكاةَ ذلك (٣) المفروضةَ، ويتطوَّعون أيضًا بالصدقةِ منه بعد أداءِ الفرضِ الواجبِ عليهم فيه.
وقولُه: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يرجون بفعلِهم (٤) ذلك تجارةً لن تبورَ.
يعنى: لن تكْسُدَ ولن تَهْلِكَ، من قولِهم: بارتِ السوقُ.
إذا كسَدتْ، وبار الطعامُ.
وقولُه: [﴿تِجَارَةً﴾.
جوابٌ لأوَّلِ الكلامِ.
وقولُه] (٥) ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾.
يقولُ: ويوفيهم اللهُ على فعلِهم ذلك، ثوابَ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
يقولُ: وكى يزيدَهم على الوفاءِ مِن فضلِه، ما هو له أهلٌ.
وكان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ يقولُ: هذه آيةُ القراءِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: كان مطرفٌ إذا مرَّ بهذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: هذه آيةُ القراءِ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ، عن مُطَرِّفُ بن عبدِ اللهِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذه آيةُ القراءِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ يقولُ: هذه آيةُ القراءِ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
يقولُ: إن الله غَفُورٌ لذنوبِ هؤلاء القومِ الذين هذه صفتُهم، شَكُورٌ لحسناتِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
إنه غفورٌ لذنوبهِم، شَكُورٌ لحسناتِهم (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يا محمدُ، وهو هذا القرآنُ الذي أنْزَله اللهُ عليه، ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾.
يقولُ: هو الحقُّ، عليك وعلى أمتِك أن تَعْمَلَ به، وتَتَّبعَ ما فيه دونَ غيِره مِن الكتبِ التي أُوحِيَت إلى غيرِك، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
يقولُ: هو يُصَدِّقُ ما مضَى بين يديْه فصار أمامَه، من الكتبِ التي أنْزَلْتُها إلى مَن قبلَك مِن الرسلِ.
كما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
للكتبِ التي خلَتْ قبلَه (١).
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله بعبادِه لَذو علمٍ وخبرةٍ بما يَعْمَلون، بصيرٌ بما يُصْلِحُهم مِن التدبيرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكتابِ الذي ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ أنه أَوْرَثه الذين اصْطَفاهم مِن عبادِه، ومَن المُصْطَفَوْنَ (٢) مِن عبادِه، والظالمُ لنفسِه؛ فقال بعضُهم: الكتابُ هو الكتبُ التي أنْزَلها اللهُ مِن قبلِ الفُرقانِ، والمصطَفَوْنَ مِن عبادِه أمةُ محمدٍ، والظالمُ لنفسِه أهلُ الإجرامِ منهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: [ثني معاويةُ، عن] (١) عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
هم أمةُ محمدٍ ﷺ ورَّثهم اللهُ كلَّ كتابٍ أنْزَله؛ فظالِمُهم يُغفَرُ له، ومُقْتَصِدُهم يُحاسَبُ (٢) حسابًا يسيرًا، وسابِقُهم يَدْخُلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن عبدِ اللهِ بن عيسى، عن يزيدَ بن الحارثِ، عن شَقيقٍ (٤) أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قال: هذه الأُمَّةُ ثلاثةُ أثلاثٍ يومَ القيامةِ؛ ثُلُثٌ يَدْخُلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ، وثلُثٌ يُحاسَبون حسابًا يسيرًا، وثُلُثٌ يَجِيئون بذنوبٍ عِظامٍ، حتى يقولَ: ما هؤلاء؟
وهو أعلمُ ﵎، فتقولُ الملائكةُ: هؤلاء جاءوا بذنوبٍ عِظامٍ، إلا أنهم لم يُشْرِكوا بك.
فيقولُ الربُّ: أدْخِلوا هؤلاء في سَعةِ رحمتى.
وتلا عبدُ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٥).
حدَّثنا [حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ] (٦)، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا عوفٌ (٧)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلٍ، قال: ثنا كعبُ الأخبارِ أن الظالمَ لنفسِه مِن هذه الأمةِ، والمُقْتَصِدَ، والسابقَ بالخيراتِ كلُّهم في الجنةِ، ألم تَرَ أن الله قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾ (١).
حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ (٢) الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن عوفٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن نوفلٍ، قال: سمِعْتُ كعبًا يقولُ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال: كلُّهم في الجنةِ.
وتلا هذه الآيةَ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن عوفِ بن أبى جَميلةَ (٣)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلٍ، قال: ثنا كعبٌ، أن الظالمَ مِن هذه الأمةِ، والمقتصدَ، والسابقَ بالخيراتِ كلُّهم في الجنةِ، ألم تَرَ أن الله قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قولِه: ﴿لُغُوبٌ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾.
قال: قال كعبٌ: فهؤلاء أهلُ النارِ (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن عوفٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارثِ يقولُ: قال كعبٌ: إن الظالمَ لنفسِه، والمقتصدَ، والسابقَ بالخيراتِ مِن هذه الأمةِ كلُّهم في الجنةِ، ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾.
حتى بلَغ قولَه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا حميدٌ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، أن ابنَ عباسٍ سأَل كعبًا عن قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قولِه: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فقال: تَماسَّت مناكبُهم وربِّ الكعبةِ (١)، ثم أُعْطُوا الفضلَ بأعمالِهم (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، في هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾.
قال: قال أبو إسحاقَ: أمَّا ما سمِعْتُ منذُ ستين سنةً، فكلُّهم ناجٍ (٣).
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا الحكمُ] (٤)، قال: ثنا عمرٌو، عن محمدِ ابن الحَنَفيةِ، قال: إنها أُمَّةٌ مرحومةٌ؛ الظالمُ مغفورٌ له، والمقتصدُ في الجِنانِ (٥) عندَ اللهِ، والسابقُ بالخيراتِ في الدرجاتِ عندَ اللهِ (٦).
وقال آخرون: الكتابُ الذي أوْرَث هؤلاء القومَ، هو شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، والمُصْطَفَوْنَ هم أمةُ محمدٍ ﷺ، والظالمُ لنفسِه منهم هو المنافقُ، وهو في النارِ، والمقتصدُ والسابقُ بالخيراتِ في الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو عمارٍ الحسينُ بنُ حُرَيْثٍ (١) المَرْوزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن حسينِ بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
قال: اثنان في الجنةِ، وواحدٌ في النارِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: جعَل أهلَ الإيمانِ على ثلاثةِ منازلَ، كقولِه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠، ١١].
فهم على [هذا المثال] (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [الحسينُ، عن] (٣) يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية، قال: الاثنان في الجنةِ، وواحدٌ في النارِ، وهى بمنزلةِ التي في الواقعةِ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤).
حدَّثنا سهلُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ المَجيدِ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
قال: هم أصحابُ المَشْأَمةِ.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.
قال: هم أصحابُ المَيْمَنةِ.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
قال: هم السابقون مِن الناسِ كلِّهم.
حدَّثنا الحسنُ (١) بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: قال عوفٌ، قال الحسنُ: أما الظالمُ لنفسِه فإنه هو المنافقُ، سقَط هذا، وأما المقتصدُ والسابقُ بالخيراتِ فهما صاحبا الجنةِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، قال: قال الحسنُ: الظالمُ لنفسِه المنافقُ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: شهادةَ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: هذا المنافقُ - في قولِ قتادةَ والحسنِ - ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.
قال: هذا صاحبُ اليمينِ، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
قال: هذا المُقَرَّبُ.
قال قتادةُ: كان الناسُ ثلاثةَ منازلَ في الدنيا، وثلاثةَ منازلَ عندَ الموتِ، وثلاثةَ منازلَ في الآخرةِ، أما الدنيا، فكانوا: مؤمنٌ، ومنافقٌ، ومشركٌ، وأما عندَ الموتِ، فإن الله قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤].
وأما في الآخرة فكانوا أزواجًا ثلاثة، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١) [الواقعة: ٨ - ١١].
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
قال: هم أصحابُ المشْامةِ، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.
قال: أصحابُ الميمنةِ.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
قال: فهم السابقون مِن الناسِ كلِّهم (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا [قُرَّةُ، عن الضحاكِ في قولِه] (٣): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
قال: سقط هذا.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال: سَبَق هذا بالخيراتِ، وهذا مُقْتَصِدٌ على أَثَرِه.
وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ: تأويلُ مَن قال: عُنى بقولهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
الكُتُبُ التي أُنزِلَت مِن قَبْلِ الفُرْقانِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وأمَّةُ محمد ﷺ لا يَتْلُون غير كتابِهم، ولا يَعْمَلُون إلا بما فيه مِن الأحكامِ والشرائعِ؟
قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: ثم أَوْرَثْنا الإيمانَ بالكتابِ، الذين اصْطفَيْنا؛ فمنهم مؤمِنون بكلِّ كتابٍ أنزَله اللهُ مِن السماءِ قبْلَ كتابِهم وعامِلون به؛ لأن كلَّ كتابٍ أُنْزِل مِن السماءِ قبْلَ الفُرْقانِ، فإنه يأْمرُ بالعملِ بالفُرْقانِ عندَ نُزُولِه، وباتِّباع مَن جاء به، وذلك عملُ مَن أقرَّ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، وعَمِل بما دعاه إليه، بما في الفرقانِ وبما في غيرِه من الكُتُبِ التي أُنْزِلت قَبْلَه.
وإنما قلنا (١): عُنى بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾.
الكُتُبُ التي ذكَرْنا؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
ثم أَتْبَع ذلك قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾.
فكان معلُومًا - إذ كان معنى الميراثِ إنما هو انْتِقالُ معنىً مِن قومٍ إلى آخرين، ولم تكن أُمَّةٌ على عَهْدِ نبيِّنا ﷺ انْتَقل إليهم كتابٌ مِن قومٍ كان (٢) قَبْلَهم غيَر أُمَّتِه - أن ذلك معناه.
وإذ كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ أن المصطفَيْنَ مِن عبادِه هم مؤمِنو أُمَّتِه، وأمَّا الظالمُ لنفْسِه، فإنه لأن يكونَ مِن (٣) أهلِ الذُّنوبِ والمعاصِي، التي هي دونَ النفاقِ والشِّرْكِ عندِى، أشبَهُ بمعنى الآيةِ، مِن أن يكونَ المنافقَ أو الكافرَ، وذلك أن الله تعالى ذكْرُه أَتْبَع هذه الآيةَ قولَه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
فعمَّ بدُخُولِ الجنَّةِ جميعَ الأصنافِ الثلاثةِ.
فإن قال قائلٌ: فإن قولَه: ﴿ويَدْخُلُونَهَا﴾.
إنما عُنى به: المُقتصدُ والسابقُ.
قِيل له: وما بُرْهانُك على أن ذلك كذلك مِن خبرٍ أو عقلٍ؟
فإن قال: قيامُ الحُجَّةِ، بأن الظالمَ مِن هذه الأمَّةِ سيدخلُ (٤) النارَ، ولو لم يَدْخُلِ النارَ من هذه الأصنافِ الثلاثةِ أحدٌ، وجَب ألا يكونَ لأهلِ الإيمانِ وَعيدٌ.
قيل: إنه ليس في الآيةِ خبرٌ أنهم لا يَدْخُلون النارَ، وإنما فيها إخبارٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه، أنهم يَدْخُلُون جناتِ عَدْنٍ، وجائزٌ أن يَدْخُلَها الظالمُ لنفسِه بعدَ عقوبةِ اللهِ إياه على ذنوبه التي أصابَها في الدنيا، وظلمِه نفسَه فيها، بالنارِ، أو بما شاء مِن عقابِه، ثم يُدْخِلُه الجنةَ، فيكونُ ممن عمَّه خبرُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولهِ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي قلنا مِن ذلك أخبارٌ، وإن كان في أسانيدِها نظرٌ، مع دليلِ الكتابِ على صحتِه، على النحوِ الذي بيَّنتُ.
ذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ (١)، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ قال: ذكَر أبو ثابتٍ [قال: دخَل رجلٌ المسجدَ] (٢)، فجلَس إلى جنبِ أبي الدرداءِ، فقال: اللهم آنِسْ وَحْشَتى، وارْحَمْ غُرْبتي، ويسِّرْ لي جليسًا صالحًا.
فقال أبو الدرداءِ: لئن كنتَ صادقًا لأنا أسعدُ به منك، سأُحَدِّثُك حديثًا سمِعْتُه من رسولِ اللهِ ﷺ، لم أُحَدِّثْ به منذُ سمِعْتُه ذكَر هذه الآية، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾، فأما السابقُ بالخيراتِ فيَدْخُلُها بغيرِ حسابٍ، وأما المُقْتَصِدُ فيُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، وأما الظالمُ لنفسِه فيُصِيبُه في ذلك المكانِ من الغمِّ والحزنِ، فذلك قولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الوليدِ بن العَيزَارِ (٢)، أنه سمِع رجلًا مِن ثَقِيفٍ، حدَّث عن رجلٍ مِن كنِانةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
قال: "هؤلاء كلُّهم بمنزلةٍ واحدةٍ، وكلُّهم في الجنةِ" (٣).
وعُنِى بقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: الذين اخْتَرْناهم لطاعتِنا واجْتَبَيْناهم.
وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
يقولُ: فمِن هؤلاء الذين اصْطَفَيْنا مِن عبادِنا، مَن يَظْلِمُ نفسَه؛ بركوبِه المآثمَ، واجترامِه المعاصىَ، واقترافِه الفواحشَ، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.
وهو غيرُ المُبالِغ في طاعةِ ربِّه، وغيرُ المجتهدِ [فيها لربِّه مِن خدمتِه] (٤)، حتى يكونَ عملُه في ذلك قصدًا، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
وهو المُبَرِّزُ [في طاعة اللهِ] (٥) الذي قد تقَدَّم المجتهدين في (٦) خدمةِ ربِّه، وأداءِ ما ألزَمه (٧) مِن فرائضِه، فسبَقَهم بصالحاتِ (٨) الأعمالِ، وهى الخيراتُ التي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: بتوفيقِ اللهِ إياه لذلك.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: سبوقُ هذا السابقِ مَن سبَقه بالخيراتِ بإذنِ اللَّهِ؛ هو الفضلُ الكبيرُ الذي فضَل به مَن كان مُقَصِّرًا عن منزلتِه في طاعةِ اللهِ؛ مِن المقتصدِ والظالمِ لنفسِه.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: بَساتينُ إقامةٍ، يدخلُها هؤلاء الذين أوْرَثْناهم الكتابَ؛ الذين اصْطَفَيْنا مِن عبادِنا يومَ القيامةِ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: يُلْبَسون في جناتِ عدنٍ أَسْوِرةً مِن ذهبٍ ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
يقولُ: ولباسُهم في الجنةِ حريرٌ.
وقولُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الحَزَنِ الذي حَمِد الله على إذهابهِ عنهم هؤلاء القومُ، فقال بعضُهم: ذلك الحزَنُ الذي كانوا فيه قبلَ دخولِهم الجنةَ مِن خوفِ النارِ، إذ كانوا خائفين أن يَدْخُلوها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني قتادةُ بنُ سعيدِ بن قتادةَ السَّدوسيُّ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ صاحبُ الدَّسْتُوائيِّ، قال: حدثنى أبي، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
قال: حَزَنَ النارِ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يحيى بن المختارِ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
قال: إن المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذلَّت واللهِ الأسماعُ والأبصارُ والجوارحُ، حتى يَحْسَبَهم الجاهلُ مَرْضَى، وما بالقومِ مِن مرضٍ، وإنهم لأصِحَّةُ القلوبِ، ولكن دخَلَهم مِن الخوفِ ما لم يَدْخُلْ غيرَهم، ومنَعَهم من الدنيا علمُهم بالآخرةِ، فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
واللهِ ما حزَنهم حزَنُ الدنيا، ولا تَعاظَم في أنفسِهم ما طلَبوا به الجنةَ، أبكاهم الخوفُ مِن النارِ، وإنه مَن لا يَتَعَزَّ بعزاءِ اللَّهِ يَقْطَعْ نفسَه على الدنيا حَسَراتٍ، ومَن لم يَرَ للهِ عليه نعمةً إلا في مَطْعَمٍ أو مَشْرَبٍ، فقد قلَّ علمُه، وحضَر عذابُه (١).
وقال آخرون: عُنِى به الموتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ في قولهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
قال: الموتَ (٢).
وقال آخرون: عُنِى به حَزَنُ الخُبْزِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ - يعني ابنَ حميدٍ - عن شِمْرٍ قال: لما أدْخَل اللهُ أهلَ الجنةِ الجنةَ، قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
قال: حَزَنَ الخُبْزِ (٣).
وقال آخرون: عنَى بذلك الحَزَنَ مِن التعبِ الذي كانوا فيه في الدنيا.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
قال: كانوا في الدنيا يعمَلون وينصَبون، وهم في خوفٍ أو يحزنون (١).
وقال آخرون: بل عنَى بذلك الحَزَنَ الذي ينالُ الظالمَ لنفْسِه في موقفِ القيامةِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، قال: ذكَر أبو ثابتٍ أن أبا الدرداءِ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "أمَّا الظَّالِمُ لِنفْسِه، فَيُصيبُه في ذلك المكانِ مِن الغمِّ والحزَنِ، فذلك قولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ " (٢).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكْرُه أخبَر عن هؤلاء القومِ الذين أكرَمهم بما أكرَمهم به، أنهم قالوا حينَ دخَلوا الجنةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
وخوفُ دخولِ النارِ مِن الحزَنِ، والجزَعُ مِن الموتِ مِن الحَزَنِ، والجزَعُ مِن الحاجةِ إلى المطْعمِ مِن الحزَنِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ إِذ أَخبَر عنهم أنهم حمِدوه على إِذْهَابِه الحَزَنَ عنهم، نوعًا (٣) دونَ نوعٍ، بل أخبَر عنهم أنهم عمُّوا جميعَ أنواعِ الحزَنِ بقولِهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن مَن دخَل الجنةَ فلا حَزَنَ عليه بعدَ ذلك، فحمْدُهم الله على إِذْهَابِه عنهم جميعَ معاني الحزَنِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه مخبرًا عن قيلِ هذه الأصنافِ الذين أخبَر أنه اصْطَفاهم مِن عبادِه عندَ دخولِهم الجنةَ: إن ربّنا لغفورٌ لذُنوبِ عبادِه الذين تابوا مِن ذُنوبِهم، فساتِرُها عليهم بعفْوِه لهم عنها، شكورٌ لهم على طاعتِهم إياه، وصالحِ ما قدَّموا في الدنيا مِن الأعمالِ.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
لحسَناتِهم (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾: غفَر لهم ما كان مِن ذنبٍ، وشكَر لهم ما كان مِنهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه مخبرًا عن قيلِ الذين أُدْخِلوا الجنةَ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾.
أي: ربَّنا الذي أنزَلنا هذه الدارَ، يَعْنون الجنةَ، فـ "دَارُ المقامةِ" دارُ الإقامةِ التي لا نُقْلَةَ معها عنها ولا تحوُّلَ.
والميمُ إذا ضُمَّت من ﴿الْمُقَامَةِ﴾، فهى مِن الإقامةِ، وإذا فُتِحت فهى مِن المَجْلسِ والمكانِ الذي يُقامُ فيه، قال الشاعرُ (٣): يومان يومُ مَقاماتٍ وأنْدِيةٍ … ويومُ سَيْرٍ إلى الأعداءِ تَأْويبِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أقاموا فلا يَتَحَوَّلون (١).
وقولُه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾.
يقولُ: لا يُصِيبُنا فيها تعبٌ (٢) ولا وَجَعٌ، ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
يعنى باللُّغوبِ: العَناءَ والإعْياءَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
قال: [اللَّغوبُ العناء] (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾.
أي: وَجَعٌ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ ورسولِه، ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾.
يقولُ: لهم نارُ جهنمَ مخلَّدين فيها، لا حظَّ لهم في الجنةِ ولا نعيمِها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموتِ فيمُوتوا؛ لأنهم لو ماتوا لاسْتَراحوا، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.
يقولُ: ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عذابِ نارِ جهنمَ بإماتتِهم، فيُخَفِّفَ ذلك عنهم.
كما حدَّثني مُطَرْفُ بنُ محمدٍ (١) الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ الراسبيُّ، عن قتادةَ، عن أبي السوداءِ، قال: مساكينُ أهلُ النارِ!
لا يموتون، لو ماتوا لاسْتَراحوا.
حدَّثني عقبةُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ (٢)، قال: ثنا غَسَّانُ (٣) بنُ مُضَرَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ يزيدَ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن يزيدَ، وحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أبو مَسْلَمةَ (٤)، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "أما أهلُ النارِ الذين هم أهلُها، فإنهم لا يَموتون فيها ولا يَحْيَوْن، لكنَّ ناسًا - أو كما قال - تُصِيبُهم النارُ بذنوبِهم - أو قال: بخَطاياهم - فتُمِيتُهم (١) إماتةً، حتى إذا صاروا فَحْمًا أُذِن في الشفاعةِ، فجِيءَ بهم ضَبائرَ ضَبائرَ (٢)، فبُثُّوا على أنهارِ (٣) الجنةِ، فيقالُ: يا أهلَ الجنةِ، أفِيضوا عليهم.
فيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ (٤) ".
فقال رجلٌ مِن القومِ حينَئذٍ: كأن رسولَ اللهِ ﷺ قد كان بالباديةِ (٥).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، وقد قيل في موضعٍ آخرَ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]؟
قيل: معنى ذلك: ولا يُخَفَّفُ عنهم من هذا النوعِ مِن العذابِ.
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي (٦) كُلَّ كَفُورٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا نُكافِئُ كلَّ جَحودٍ لنعمِ ربِّه يومَ القيامةِ؛ بأن نُدْخِلَه (٧) نارَ جهنمَ بسيئاتِهم التي قدَّموها في الدنيا.
وقولُه: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الكفارُ يَسْتَغِيثون، ويَضِجُّون في النارِ، يقولون: يا ربَّنا، أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالحًا، أي: نعمَلْ (٨) بطاعتِك غيرَ الذي كنا نعمَلُ قبلُ مِن مَعاصِيك.
وقولُه: ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾: يَفْتَعِلون، مِن الصُّراخِ، حُوِّلَت تاؤُها طاءً؛ لقربِ مخرجِها مِن الصادِ لمَّا ثَقُلَت.
وقولُه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك أربعون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْم، عن مجاهدٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: العُمُرُ الذي أَعْذَر اللَّهُ إلى ابن آدمَ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنةً (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ (٢)، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، أنه كان يقولُ: إذا بلَغ أحدُكم أربعين سنةً، فَلْيَأْخُذُ حِذْرَه مِن اللهِ (٣).
وقال آخرون: بل ذلك ستون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن خُثَيْمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾.
قال: ستون سنةً (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: العُمُرُ الذي أعْذَر اللَّهُ فيه لابنِ آدمَ ستون سنةً (٢).
حدَّثنا عليُّ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن أبي فُدَيْكٍ، عن إبراهيمَ بن الفضلِ، عن ابن (٣) أبى حسينٍ المكيِّ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إذا كان يومُ القيامةِ نُودِى: أين أبناءُ الستين؟
".
وهو العمرُ الذي قال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ الفرجِ الحِمْصيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ مازنٍ الكِنانيُّ (٥)، قال: ثنى معمرُ بنُ راشدٍ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ الغِفاريَّ يقولُ: سمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ: "لقد أعْذَر اللهُ إلى صاحبِ الستين سنةً والسبعين" (١).
حدَّثنا أبو صالحٍ الفَزاريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عبدٍ (٢) القارِيُّ الإسْكَنْدَرانيُّ، قال: ثنا أبو حازمٍ، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن عمَّره اللهُ ستين سنةً فقد أعْذَر إليه في العمرِ" (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا النضرُ (٤) بنُ حميدٍ، عن سعدِ (٥) بن طريفٍ، عن الأصبغِ بن نُباتةَ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.
قال: العمُرُ الذي عمَّرهم (٦) اللهُ به ستون سنةً (٧).
وأشبهُ القولين بتأويلِ الآيةِ، إذ كان الخبرُ الذي ذكَرْناه عن رسولِ اللهِ ﷺ خبرًا في إسنادِه بعضُ مَن يَجِبُ التثَبُّتُ في نقلِه (١) - قولُ مَن قال: ذلك أربعون سنةً؛ لأن في الأربعين يَتَناهى عقلُ الإنسانِ وفهمُه، وما قبلَ ذلك وما بعدَه، مُنْتَقَصٌ عن كمالِه في حالِ الأربعين.
وقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى النذيرِ (٢)؛ فقال بعضُهم: عنَى به محمدًا ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.
قال: النذيرُ: النبيُّ.
وقرَأ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ (٣) [النجم: ٥٦].
وقيل: عنَى به الشيبَ.
فتأويلُ الكلامِ إذًا: أولم نُعَمِّرُكم يا معشرَ المشركين باللهِ مِن قريشٍ مِن السنين، ما يَتَذَكَّرُ فيه مَن تذَكَّر، مِن ذَوِى الألبابِ والعقولِ، واتَّعَظ منهم مَن اتَّعَظ، وتاب مَن تاب، وجاءكم من اللهِ منذِرٌ يُنْذِرُكم ما أنتم فيه اليومَ مِن عذابِ اللهِ، فلم تَتَذَكَّروا مَواعظَ اللهِ، ولم تَقْبلوا مِن نذيرِ اللهِ الذي جاءكم، ما أتاكم به مِن عندِ ربِّكم.
القولُ في تأويلِ قولهِ ﷿: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَذُوقُوا﴾ عذابَ نارِ جهنمَ الذي قد صَلِيتُموه أيُّها الكافرون باللَّهِ، ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
يقولُ: فما للكافرين الذين ظلَموا أنفسَهم، فأَكْسَبُوها غضبَ اللهِ بكفرِهم باللهِ في الدنيا، من نصيرٍ يَنْصُرُهم اليومَ مِن اللَّهِ فيَسْتنقِذُهم مِن عقابِه.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله عالمُ ما تُخْفُون أيُّها الناسُ في أنفسِكم وتُضْمِرونه، وما لم تُضْمِروه ولم تَنْوُوه مما ستَنْؤونه، وما هو غائبٌ عن أبصارِكم في السماواتِ والأرضِ، فاتَّقُوه أن يَطَّلِعَ عليكم وأنتم تُضْمِرون في أنفسِكم مِن الشكِّ في وَحْدانيةِ اللهِ، أو في نبوةِ محمدٍ، غيرَ الذي تُبْدونه بألسنتِكم، فإنَّه عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُورِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: [اللهُ الذي جعَلكم أيُّها الناسُ خَلائِفَ] (١) في الأرضِ مِن بعدِ عادٍ وثمودَ، ومَن مضَى قبلَكم مِن الأممِ، فجعَلكم تَخْلُفونهم في ديارِهم ومساكنِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أمةً بعدَ أمةٍ، وقرنًا بعدَ قرنٍ (١).
وقولُه: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن كفَر باللهِ منكم أيُّها الناسُ، فعلى نفسِه ضُرُّ كفرِه، لا يَضُرُّ بذلك غيرَ نفسِه؛ لأنه المُعاقَبُ عليه دونَ غيرِه.
وقولُه: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾.
يقولُ تعالى: ولا يزيدُ الكافرين كفرُهم عندَ ربِّهم إلا بُعْدًا مِن رحمةِ اللهِ، ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾.
يقولُ: ولا يَزِيدُ الكافرين كفرُهم باللهِ إلا هلاكًا.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (٢) مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ (٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، [أي: تعبدون مِن دونِ اللهِ] (٤)، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: أَرُونى أَيَّ شيءٍ خلَقوا مِن الأرضِ، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
يقولُ: أم لشركائِكم شِرْكٌ مع اللهِ في السماواتِ، إن لم يكونوا خَلَقوا مِن الأرضِ شيئًا؟!
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (١) مِنْهُ﴾.
يقولُ: أم آتَيْنا هؤلاء المشركين كتابًا أنْزَلْناه عليهم من السماءِ، بأن يُشْرِكوا باللهِ الأوثانَ والأصنامَ؟!
﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (١) مِنْهُ﴾.
يقولُ: فهم على برهانٍ مما أمَرْتُهم فيه مِن الإشراكِ بي.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: لا شيءَ واللَّهِ خَلقوا منها، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: لا واللهِ ما لهم فيها مِن شركٍ، ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾.
يقولُ: أم آتَيْناهم كتابًا فهو يَأْمُرُهم أن يُشْرِكوا (٢).
وقولُه: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾.
[يقول تعالى ذكرُه: ليس من هذه الخلالِ شيءٌ، ولكنْ ما يعِدُ الكافرون باللهِ بعضُهم بعضًا إلا غرورًا (٣)، وذلك قولُ بعضِهم لبعضٍ: ما نعْبُدُ الهتنَا إلا لِيُقَرِّبونا إلى اللَّهِ زُلْفَى.
خِداعًا مِن بعضِهم لبعضٍ وغُرورًا، وإنما تُزْلِفُهم آلهتُهم إلى النارِ، وتُقْصِيهم مِن اللهِ ورحمتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يُمْسِكُ السماواتِ والأرضَ؛ لئلا تَزُولا مِن أماكنِهما، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾.
يقولُ: ولو زالتا، ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
يقولُ: ما أمْسَكهما أحدٌ سواه.
ووُضِعت "لَئِن" في قولِه: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾، في موضعِ "لو"؛ لأنهما يُجابان بجوابٍ واحدٍ، فيَتَشابهان في المعنى، ونظيرُ ذلك قولُه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١].
بمعنى: ولو أرْسَلْنا ريحًا.
وكما قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
بمعنى: ولو أتَيْتَ.
وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: مِن مكانِهما (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ، فقال: مِن أين جئتَ؟
قال: من الشام.
قال: مَن لقِيتَ؟
قال: لقِيتُ كعبًا.
فقال: ما حدَّثك كعبٌ؟
قال: حدَّثني أن السماواتِ (٣) تَدورُ على مَنْكِبِ مَلَكٍ.
قال: فصدَّقْتَه أو كذَّبْتَه؟
قال: ما صدَّقْتُه ولا كذَّبْتُه.
قال: لَودِدْتُ أنك افْتَدَيْتَ مِن رحلتِك إليه براحلتِك ورَحْلِها، كذَب كعبٌ؛ إن الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤).
حدَّثنا [ابن حميدٍ، قال: ثنا] (١) جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ذهَب جُنْدَبُ البَجَليُّ إلى كعبِ الأحبارِ، فقدِم عليه، ثم رجَع، فقال له عبدُ اللَّهِ: حدِّثْنا ما حدَّثَك.
فقال: حدَّثني أن السماءَ في قُطْبٍ كقُطْبِ الرَّحَى، والقُطْبُ عمودٌ على مَنْكِبِ مَلَكٍ.
قال عبدُ اللهِ: لودِدْتُ أنك افْتَدَيْتَ رحلتَك (٢) بمثلِ راحلتِك.
ثم قال: ما سكَنتِ (٣) اليهوديةُ في قلبِ عبدٍ، فكادَت أن تُفارِقَه.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، وكفَى بها زوالًا أن تَدورَ (٤).
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ﴿حَلِيمًا﴾ عمَّن أَشْرَك وكفَر به مِن خلقِه، في تركِه تعجيلَ عذابِه له، ﴿غَفُورًا﴾ لذنوبِ مَن تاب منهم وأناب إلى الإيمانِ به والعملِ بما يُرْضِيه.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأَقْسَم هؤلاء المشركون باللهِ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
يقولُ: أشدَّ الأيْمانِ، فبالَغوا فيها، لئن جاءهم مِن اللهِ مُنْذِرٌ يُنذِرُهم بأسَ اللهِ، ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾.
يقولُ: ليَكونُنَّ أسلكَ لطريقِ الحقِّ، وأشدَّ قَبولًا لما يَأْتيهم به النذيرُ مِن عندِ اللهِ، مِن إحدى الأممِ التي قد خلَت قبلَهم، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾.
يعنى بالنذيرِ محمدًا ﷺ، يقولُ: فلما جاءهم محمدٌ يُنْذِرُهم عقابَ اللهِ على كفرِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾.
وهو محمدٌ ﷺ (١).
وقولُه: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
يقولُ: ما زادهم مَجئُ النذيرِ مِن الإيمانِ باللهِ واتِّباعِ الحقِّ وسلوكِ هدى الطريقِ، إلا نفورًا وهربًا.
وقولُه: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: نفَروا استكبارًا في الأرضِ [وأنفَةً أن يُقرُّوا بنبوَّةِ محمدٍ ﵇ ويَدْعوا باتِّباعِه، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾.
يقولُ: فعَلوا ذلك استكبارًا في الأرضِ (٢)، وخُدْعةً سيئةً، وذلك أنهم صدُّوا الضعفاءَ عن اتِّباعِه، مع كفرِهم به.
والمكرُ هاهنا هو الشركُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾: وهو الشركُ (١).
وأُضِيف المكرُ إلى السيئَ، والسيئُ مِن نعتِ المكرِ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥].
وقيل: إن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَمَكْرًا سَيِّئًا) (٣).
وفى ذلك تحقيقُ القولِ الذي قلْناه من أن السيئَ في المعنى مِن نعتِ المكرِ.
وقرَأ ذلك قرأةُ الأمصارِ غيرَ الأعمشِ وحمزةَ [بهمزِ السيئِ وخفضِه.
وقرَأه الأعمشُ وحمزةُ بهمزِه (٤) وتسكينِ الهمزةِ، اعْتِلالًا منهما بأن الحركاتِ لما كثُرَت في ذلك ثَقُل، فسكَّنا الهمزةَ (١)، كما قال الشاعرُ (٢): إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوَّمِ فسكَّن الباءَ؛ لكثرةِ الحركاتِ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، من تحريكِ الهمزةِ فيه إلى الخفضِ (٣).
وغير جائزٍ في القرآنِ أن يُقْرَأَ بكلِّ ما جاز في العربيةِ؛ لأن القراءةَ إنما هي ما قرَأَت به الأئمةُ الماضيةُ، وجاء به السلفُ على النحوِ الذي أخَذوا عمن قبلَهم.
وقولُه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
يقولُ: ولا يَنْزِلُ المكرُ السيئُ إلا بأهلِه، يعني: بالذين يَمْكُرونه.
وإنما عنَى أنه لا يحِلُّ مكروهُ ذلك المكرِ الذي مكَره هؤلاء المشركون إلا بهم.
وقال قتادةُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: وهو الشركُ (٤).
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فهل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون من قومك يا محمدُ إلا سنةَ اللهِ [في الأولين الذين مضَوْا قبلَهم، وذلك إحلالُ اللهِ] (٥) بهم في عاجلِ الدنيا على كفرهم به، أليمَ العقابِ.
يقولُ: فهل يَنْتَظِرُ هؤلاء إلا أن أُحِلَّ بهم من نِقْمتى على شركِهم بي، وتكذيبِهم رسولى، مثلَ الذي أحْلَلْتُ بمَن قبلَهم مِن أشكالِهم مِن الأممِ؟!
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾.
أي: عقوبةَ الأولين (١).
وقولُه (٢): ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
يقولُ: فلن تَجِدَ يا محمد لسنةِ اللَّهِ تغييرًا.
وقولُه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
يقولُ: ولن تَجِدَ لسنةِ اللهِ في خلقِه تبديلًا (٣).
يقولُ: لن يُغَيِّرَ ذلك ولن يُبَدِّلَه؛ لأنه لا مَرَدَّ لقضائِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَسرْ يا محمدُ هؤلاء المشركون باللهِ، في الأرضِ التي أهْلَكْنا أهلَها بكفرِهم بنا، وتكذيبِهم رسلَنا؛ فإنهم تُجَّارٌ يَسْلُكون طريقَ الشامِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأممِ التي كانوا بها، ألم نُهْلِكْهم، ونُخْرِبْ مساكنَهم، ونَجْعَلْهم مثلًا لمن بعدَهم، فيتَّعِظوا بهم، ويَنزَجِروا عما هم عليه من عبادة الآلهةِ والشركِ باللهِ، ويَعْلَموا أن الذي فعل بأولئك ما فعَل، وكانوا أشدَّ منهم قوَّةً وبطشًا، لن يَتَعَذَّرَ عليه أن يَفْعَلَ بهم مثلَ الذي فعَل بأولئك، مِن تعجيلِ النِّقْمةِ والعذابِ لهم.
وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: يُخْبِرُكم أنه أَعْطَى القومَ ما لم يُعْطِكم.
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ولن يُعْجِزَنا هؤلاء المشركون باللهِ من عَبَدةِ الأوثانِ (١)، المكذِّبون محمدًا، فيَسْبِقونا هَرَبًا في الأرضِ، إذا نحن أرَدْنا هلاكهم؛ لأن الله لم يَكُنْ لِيُعْجِزَه شيءٌ يُرِيدُه في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولن يَقْدِرَ هؤلاء المشركون أن يَنْفُذوا أقطارَ السماواتِ والأرضِ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان عليمًا بخلقِه، وما هو كائنٌ، ومَن المستحِقُّ منهم تعجيلَ العقوبةِ، ومَن هو عن ضلالتِه منهم راجعٌ، وإلى الهدى آيبٌ، قديرًا (٢) على الانتقامِ ممن شاء منهم، وتوفيقِ من أراد منهم للإيمانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾.
يقولُ: ولو يُعاقِبُ اللهُ الناسَ ويُكافِئُهم بما عمِلوا مِن الذنوبِ والمعاصى واجْتَرَحوا من الآثامِ، ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٣) يعني: على ظهرِ الأرضِ من دابةٍ تَدِبُّ عليها، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
يقولُ: ولكن يُؤَخِّرُ عقابَهم ومُؤاخَذْتَهم بما كسَبوا، إلى أجلٍ معلومٍ عنده محدودٍ، لا يَقْصُرون دونَه، ولا يُجاوِزونه إذا بلَغوه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
[قال: قد فَعَل ذلك بهم (١) في زمانِ نوحٍ فأَهلَك ما على ظهرِها من دابَّةٍ] (٢)، إلا ما حمَل نوحٌ في السفينة (٣).
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا جاء أجلُ عقابِهم، فإن الله كان بعبادِه بصيرًا؛ مَن الذي يستحقُّ أن يُعاقَبَ منهم، ومَن الذي يستوجبُ الكرامةَ، ومَن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعًا، ومن كان منهم فيها به مشركًا، لا يخفَى عليه أحدٌ منهم، ولا يعزُبُ عليه (٤) علمُ شيءٍ من أمرِهم.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "فاطر"