الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الشمس
تفسيرُ سورةِ الشمس كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 23 دقيقة قراءة﷽ تفسيرُ سورةِ "والشمسِ وضحاها" القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه ﷿: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.
قسمٌ، أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بالشمسِ وضحاها.
ومعنى الكلامِ: أُقْسِمُ بالشمسِ وضُحى الشمسِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَضُحَاهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والشمسِ والنهارِ.
وكان يقولُ: الضُّحى هو النهارُ كلُّه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.
قال: هذا النهارُ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: وضَوئِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.
قال: ضوئِها (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: أقسَم جلَّ ثناؤه بالشمسِ ونهارِها؛ لأنَّ ضوءَ الشمسِ الظاهرةِ هو النهارُ.
وقولُه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والقمرِ إذا تَبِع الشمسَ، وذلك في النصفِ الأوَّلِ مِن الشهرِ، إذا غَرَبتِ الشمسُ تلاها القمرُ طالعًا.
[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
قال: يتلو النهارَ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: يعنى الشمسَ إذا اتَّبعها القمرُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
قال: تبِعَها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: يتلوها صبيحةَ الهلالِ، فإذا سقَطتِ الشمسُ رُئى الهلالُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
قال: إذا تلا (١) ليلةَ الهلالِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
قال: هذا قسمٌ، والقمرُ يتلو الشمسَ نصفَ الشهرِ الأوَّلَ، وتتلوه (٣) النصفَ الآخرَ، فأما النصفُ الأوَّلُ فهو يَتلوها وتكونُ أمامَه وهو وراءَها، فإذا كان النصفُ الآخَرُ كان هو أمامَها ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾.
وتَقدَّمها، وتليه هي (٤).
وقولُه: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾.
يقولُ: [والنهارِ إذا جلَّى الشمسَ بإضاءتِها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنى أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٥): ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾.
قال: إذا أضاء (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾.
إذا غَشِيها النهارُ (١).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يتأوَّلُ ذلك بمعنى: (٣) والنهارِ إذا جَلَّى الظلمةَ.
ويجعلُ الهاءَ والألفَ مِن ﴿جَلَّاهَا﴾ كنايةً عن الظلمةِ، ويقولُ: إنما جاز الكنايةُ عنها، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ؛ لأنَّ معناها معروفٌ، كما يُعرفُ معنى قولِ القائلِ: أصبَحت باردةً، وأمسَت باردةً، وهبَّت شَمالًا.
فكنَّى (٤) عن مؤنَّثاتٍ لم يَجْرِ لها ذكرٌ، إذ كان معروفًا معناهنَّ.
والصوابُ عندى في ذلك ما قال أهلُ العلمِ الذين حكَينا قولَهم؛ لأنهم أعلمُ بذلك، وإن كان للذى (٥) قاله مَن ذكَرنا قولَه من أهلَ العربيةِ وجهٌ.
وقولُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والليلِ إذا يغشى الشمسَ حتى تغيبَ فتُظلِمَ الآفاقُ.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾: إِذا غَشِيَها (٦) الليلُ (١).
وقولُه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: والسماءِ ومَنْ بناها.
يعنى: ومَنْ خلَقها.
وبناؤُه إياها [تصييرُه إياها] (٧) للأرضِ سقفًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾: وبناؤها خلقُها (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾.
قال: اللهُ بنَى السماءَ (٢).
وقيل: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾.
وهو جلَّ ثناؤُه بانيها، [فوضَع "ما"] (٣) موضعَ "مَنْ"، كما قال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣].
[فوضَع "ما"] (٤) في موضعِ "مَنْ"، ومعناه: ومَن ولَد؛ لأنه قَسَمٌ، أقسَم بآدمَ وولدِه، وكذلك قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
وقولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وإنما هو: فانكِحوا مَنْ طاب لكم.
وجائزٌ توجيهُ ذلك إلى معنى المصدرِ، كأنه قيل (٥): والسماءِ وبنائِها (٦)، ووالدٍ وولادتِه.
وقولُه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
وهذه أيضًا نظيرُ التي قبلَها، ومعنى الكلامِ: والأرضِ ومَنْ طحاها.
ومعنى قولِه: ﴿طَحَاهَا﴾: بسَطها يمينًا وشمالًا ومن كلِّ جانبٍ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ضُحَاهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والأرضِ وما خلَق فيها (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: يقولُ: وما خلَق فيها (٢).
وقال آخرون: يعنى بذلك: وما بسَطها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، [قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
قال: بسَطها (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ] (٤)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
قال: دحاها (٥).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
قال: بسَطها (٦).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما قسَمها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
يقولُ: قسَمها (١).
وقولُه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٢).
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ نفسَه جلَّ وعلَا؛ لأنه هو الذي سوَّى النفوسَ (٣) وخلَقها فعدَّل خلقَها، فوضَع "ما" موضعَ "مَنْ".
وقد يَحتملُ أن يكونَ معنى ذلك أيضًا المصدرَ، فيكونُ تأويلُه: ونفسٍ وتسويتِها.
فيكونُ القسَمُ بالنفسِ وبتسويتِها.
وقولُه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فبيَّن لها ما ينبغِى لها أن تأتىَ أو تذرَ؛ من خيرٍ أو شرٍّ، و (٤) طاعةٍ أو معصيةٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال عامةُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
يقولُ: بيَّن الخيرَ والشرَّ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
قال: علَّمها الطاعةَ والمعصيةَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
قال: عرَّفها (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: فبيَّن لها فجورَها وتقواها (٣).
وحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
قال: بيَّن لها الطاعةَ والمعصيةَ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
قال: أعلَمها المعصيةَ والطاعةَ (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
قال: الطاعةَ والمعصيةَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله ﷿ جعَل فيها ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
قال: جعَل فيها فجورَها وتقواها (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى وأبو عاصمٍ النبيلُ، قالا: ثنا عَزْرَةُ (٢) بنُ ثابتٍ، قال: ثنى يحيى بنُ عُقَيلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: قال لى عمرانُ بنُ حُصينٍ: أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون فيه، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضَى عليهم؛ من قَدَرٍ قد سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، ﷺ وأُكِّدت عليهم الحجةُ؟
قلتُ: بل شيءٌ قُضِىَ عليهم.
قال: فهل يكونُ ذلك ظلمًا؟
قال: ففزِعتُ منه فزعًا شديدًا.
قال: قلتُ له: ليس شيءٌ إلا وهو خَلْقُه ومِلْكُ يدِه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قال: سدَّدك اللهُ، إنما سأَلتُك - [قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه قال] (٣) -: لأخْبُرَ عقلَك؛ إن رجلًا من مُزَينةَ - أو جُهَينةَ - أَتَى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضى عليهم؛ من قَدَرٍ سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، وأُكِّدت به عليهم الحجةُ؟
قال: "في شيءٍ قد قُضِىَ عليهم".
قال: ففيمَ نعملُ؟
قال: "مَن كان اللهُ خلقه لإحدَى المنزِلتَين يُهيِّئُه لها، وتصديقُ ذلك في كتاب اللهِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
يقولُ: قد أفلَح مَن نَمَّى (١) اللهُ نفسَه [فكثَّرها بتطهيرِها] (٢) مِن الكفرِ والمعاصى، وأصلَحها بالصالحاتِ من الأعمالِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسُه (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ [وعكرمةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
قالوا: مَن أصلَحها (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدٍ بن جبيرٍ] (٥).
ولم يذكُرْ عكرمةَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾: [مَن عمِل خيرًا زكَّاها بطاعةِ اللهِ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾].
(٢) قال: قد أفلَح من زكَّى نفسَه بعملٍ صالحٍ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسَه.
وهذا هو موضعُ القسَمِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسَمُ ههنا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٢).
وقد ذكَرتُ ما يقولُ أهلُ العربيةِ في ذلك فيما مضَى من نظائرِه قبلُ (٤).
وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقد خاب في طَلِبتِه، فلم يُدرِكْ ما طلَب والتمَس لنفسِه مِن الصلاحِ، ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾.
يعنى: مَن دَسَّس اللهُ نفسَه فأَخْمَلها (٥)، ووضَع منها بخِذلانِه إياها عن الهُدى، حتى ركِب المعاصىَ وترَك طاعةَ اللهِ.
وقيل: ﴿دَسَّاهَا﴾ وهى "دَسَّسها"، فقُلِبت إحدى سيناتِها ياءً، كما قال العجَّاجُ (٦): تَقَضِّىَ البازِى إذا البازِى كسَرْ يريدُ: تَقَضُّضَ.
وتظنَّيتُ هذا الأمرَ، بمعنى: تظنَّنْتُ.
والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا، فتُبدلُ في الحرفِ المشددِ بعضَ حروفِه؛ أحيانًا ياءً، وأحيانًا واوًا، ومنه قولُ الآخَرِ (١): يذهبُ بى في الشِّعرِ كلَّ فنِّ حتى يردِّ عنِّىَ التظنِّى يريدُ: التظنُّنَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
يقولُ: وقد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه فأضلَّه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: يعنى تكذيبَها (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
قال أحدُهما: أغواها.
وقال الآخَرُ: أضلَّها.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
قال: مَن أضلَّها.
وقال سعيدٌ: مَن أغواها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾.
قال: مَن أغواها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
قال: أثَّمها وأفجَرها.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
يقولُ: قد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه.
وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
يقولُ: كذَّبت ثمودُ بطغيانِها.
يعنى: بعذابِها الذي وعَدهموه صالحٌ، فكان ذلك العذابُ طاغيًا طغَى عليهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن] (٣) أهلِ التأويلِ، وإن كان فيه اختلافٌ بين أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال القولَ الذي قلناه في ذلك حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمَةَ الفِلَسْطينيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ سَمُرةَ المَذْحِجِيُّ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
قال: اسمُ العذابِ الذي جاءها الطَّغْوَى، فقال: كذَّبت ثمودُ بعذابِها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
أي: بالطغيانِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كذَّبت ثمودُ بمعصيتِهم الله.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
قال: معصيتها (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
قال: بطغيانِهم (٤) وبمعصيتِهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بأجمَعِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ وابنُ لَهِيعةَ، عن عُمارةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
قال: بأجمعِها (١).
حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى عُمارةُ بنُ غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ مثلَه.
وقيل: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾.
بمعنى طغيانِهم، وهما مصدران؛ للتوفيقِ بينَ رءوسِ الآى، إذ كانت الطَّغْوَى أشبهَ بسائرِ رءوسِ الآياتِ في هذه السورةِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ١٠].
بمعنى: وآخِرُ دعائِهم.
وقولُه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾.
يقولُ: إذ ثار أشقَى ثمودَ، وهو قُدَارُ بنُ سالفَ.
كما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الطُّفاويُّ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن زَمعةَ، قال: خطَب رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر في خُطبتِه الناقةَ والذي عقَرها، فقال: " ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعَث لها رجلٌ عزيزٌ [عارمٌ، منيعٌ] (٢) في رهطِهِ، مثلَ أبى (٣) زمعة" (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾.
يقولُ: أُحَيْمِرُ (١) ثمودَ (٢).
وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه صالحًا رسولَه ﷺ، فقال لثمودَ صالحٌ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: احذَروا ناقةَ اللهِ وسُقياها.
وإنما حذَّرهم سُقْيا الناقةِ؛ لأنه كان تقدَّم إليهم عن أمرِ اللهِ أن للناقةِ شِرْبَ يومٍ، ولهم شِرْبَ يومٍ آخرَ غيرِ يومِ الناقةِ، على ما قد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ (٣).
وكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: قَسْمُ اللهِ الذي قسَم لها من هذا الماءِ (٢).
وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.
يقول: فكذَّبوا صالحًا في خبرِه الذي أخبَرهم به، من أن الله جعَل شِرْبَ الناقةِ يومًا، ولهم شِربَ يومٍ معلومٍ، وأن الله يُحِلَّ بهم نقمتَه إن هم عقَروها، كما وصَفهم جلَّ ثناؤُه فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤].
وقد يَحتملُ أن يكونَ التكذيبُ بالعَقْرِ، وإذا كان ذلك كذلك، جاز تقديمُ التكذيبِ قبلَ العقرِ، والعقرِ قبلَ التكذيبِ، وذلك أن كلَّ فعلٍ وقَع عن سببٍ، حسُن ابتداؤُه قبلَ السببِ وبعدَه، كقولِ القائلِ: أعطَيتَ فأحسَنتَ، وأحسَنتَ فأعطَيتَ.
لأن الإعطاءَ هو الإحسانُ، ومن الإحسانِ الإعطاءُ، فكذلك لو كان العَقْرُ هو سببَ التكذيبِ، جاز تقديمُ أيِّ ذلك شاء المتكلمُ، وقد زعَم بعضُهم (٤) أن قولَه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ كلمةٌ مكتفيةٌ بنفسِها، وأن قولَه: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾.
فكأنه قيل: إذ انبعَث أشقاها فعقَرها.
[وإن أَشكَل على مُشْكَلٍ عليه معنى قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾] (١).
فقال: وكيف قيل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.
وقد كان القومُ قبلَ قتلِ الناقةِ مُسلِّمين لها شِرْبَ يومٍ ولهم شربَ يومٍ آخرَ؟
قيل: جاء الخبرُ أنهم بعدَ تسليمِهم ذلك أجمَعوا على منعِها الشِّرْبَ ورضُوا بقتلِها، وعن رضا جميعِهم قَتَلها قاتلَها وعقَرها مَن عقَرها؛ ولذلك نُسِب التكذيبُ والعَقْرُ إلى جميعِهم، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.
وقولُه: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فدمَّر (٢) عليهم ربُّهم، [وذلك] (٣) بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولهَ صالحًا، وعَقْرِهم ناقتَه، ﴿فَسَوَّاهَا﴾.
يقولُ: فسوَّى الدَّمْدَمةَ عليهم جميعًا، فلم يُفْلِتْ منهم أحدٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾: ذُكِر لنا أن أُحَيمِرَ ثمودَ أبَى أن يعقِرَها حتى تابِعه (٤) صغيرُهم وكبيرُهم، [وذكَرُهم] (٥) وأنثاهم، فلما اشترَك القومُ في عَقْرِها دَمْدَمَ اللهُ عليهم بذنبِهم فسوَّاها (٦).
حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو (٧) قُتيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: لما عقَروا الناقةَ طلَبوا فَصِيلَها، فصار في قارَةِ الجبلِ، فقطَع اللهُ قلوبَهم (١).
وقولُه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يخافُ اللهُ تَبعةَ دمدمتِه عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال: لا يخافُ اللهُ من أحدٍ تَبِعةً (٢).
حدَّثني إبراهيمُ بنُ المستمرِّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ (٣)، قال: ثنا عمرُ بنُ مزيدٍ (٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال: ذاك ربُّنا ﵎، لا يخافُ منهم (٥) تَبِعةً بما (٦) صنَع بهم (٧).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمَرَ (٨) بن منبِّهٍ - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: هكذا هو في كتابى - قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال: ذلك الربُّ، صنَع ذلك بهم ولم يخَفْ تَبِعَةً.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال: لا يخافُ تَبِعتَهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
يقولُ: لا يخافُ أَن يُتْبَعَ بشيءٍ مما صنَع بهم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها.
وقال الحارثُ في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا [رزِينُ بنُ سليمانَ] (٣)، قال: سمِعتُ بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال: لا يخافُ اللهُ التَّبِعةَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخَفِ الذي عقَرها عُقباها.
أي: عُقبَى فَعْلَتِه التي فعَل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، قال: ثنا الضحاكُ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال: لم يخَفِ الذي عقَرها عُقْباها (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
قال (١): لا يخافُ الذي صنَع عقبى ما صنَع (٢).
واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والشامِ: (فلا يخافُ عُقْباها) بالفاءِ (٣)، وكذلك ذلك في مصاحفِهم (٤).
وقرَأته عامةُ قرأةِ العراقِ في المِصرَين بالواوِ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (٥).
وكذلك هو في مصاحفِهم (٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان غيرُ مختلِفتى المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
واختلَفت القرأةُ في إمالةِ ما كان من ذواتِ الواوِ في هذه السورةِ وغيرِها؛ وذلك كقولِه ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
ونحوِ ذلك؛ فكان يَفتحُ ذلك كلَّه عامةُ قرأةِ الكوفِة، ويُميلون ما كان من ذواتِ الياءِ، غيرَ عاصمٍ والكسائيِّ؛ فإن عاصمًا كان يفتَحُ جميعَ ذلك، ما كان منه من ذواتِ الواوِ وذواتِ الياءِ، لا يُضْحِعُ (٦) شيئًا منه.
وكان الكسائيُّ يكسِرُ ذلك كلَّه (٧).
وكان أبو عمرِو ينظُرُ إلى اتساقِ رءوسِ الآى، فإن كانت متسقةً على شيءٍ واحدٍ أمال جميعَها.
وأما عامةُ قرأة المدينةِ، فإنهم لا يُميلون شيئًا من ذلك الإمالةَ الشديدةَ، ولا يفتَحونه الفتحَ الشديدَ، ولكن بينَ ذلك (٨).
وأفصحُ ذلك وأحسنُه أن يُنظرَ إلى ابتداءِ السورةِ؛ فإن كانت رُءوسُ آيِها بالياءِ أُجْرِىَ جميعُها بالإمالةِ غيرِ الفاحشةِ (١)، وإن كانت رءوسُ آيِها بالواوِ فُتِحت وأُجرِى جميعُها بالفتحِ غيرِ الفاحشِ، وإذا انفرَد نوعٌ مِن ذلك في موضعٍ، أُمِيلَ (٢) ذواتُ الياءِ الإمالةَ المعتدلةَ، وفُتِح ذواتُ الواوِ الفتحَ المتوسِّطَ، وإن أُمِيلت هذه وفُتِحت الأخرى لم يكنْ لحنًا، غيرَ أن الفصيحَ (٣) من الكلامِ هو الذي وصَفنا صفتَه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والشمسِ وضحاها".