الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الليل
تفسيرُ سورةِ الليل كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 31 دقيقة قراءة﷽ تفسيُر سورةِ "والليلِ إذا يغشَى" القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُقسِمًا بالليلِ إذا غشَّى النهارَ ظُلْمتُه فأذهَب ضوءَه وجاءت ظُلمتُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ النهارَ، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾.
وهذا أيضًا قسمٌ؛ أقسَم بالنهارِ إذا هو أضاء فأنار، وظهَر للأبصارِ ما كانت ظلمةُ الليلِ قد حالت بينَها وبينَ رؤيتِه وإتيانِه إياه (١) عِيانًا.
وكان قتادةُ يذهبُ فيما أقسَم اللهُ به من الأشياءِ أنه إنما أقسَم به لعِظَمِ شأنِه عندَه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾.
قال: آيتان عظيمتان يكرِّرُهما (٢) اللهُ على الخلائقِ (٣).
وقولُه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
مُحْتَمِلٌ الوجهَين اللذَين وصفتُ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٥، ٦].
وهو أن تُجعلَ "ما" بمعنى "مَنْ"، فيكونُ ذلك قسمًا من اللهِ جلَّ ثناؤُه بخالقِ الذكرِ والأنثى، وهو ذلك (١) الخالقُ، وأن تُجعلَ "ما" مع ما بعدَها بمعنى المصدرِ، ويكونُ قسمًا بخلقِه الذكرَ والأنثى.
وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبى الدرداءِ أنهما كانا يقرَآن ذلك: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
ويأثُرُه أبو الدرداءِ عن رسولِ اللهِ ﷺ.
ذكرُ الخبرِ بذلك (٢) حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا هشامُ بنُ عبد الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى المغيرةُ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: أتى علقمةُ الشامَ، فقعَد إلى أبى الدرداءِ، فقال: ممن أنت؟
فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ.
فقال: كيف كان عبدُ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟
فقلتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
فقال: فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضِلُّوننى، وقد سمِعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ (٤).
حدَّثنا محمدُ (١) بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: أتيتُ الشامَ، فدخَلتُ على أبى الدرداءِ، فسأَلنى فقال: كيف سمِعتَ ابنَ مسعودٍ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟
قال: قلتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
قال: كذاك (٢) سمِعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ يقرؤُها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، وحدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ بن قَيسٍ، قال: قَدِمتُ الشامَ، فلَقِيتُ أبا الدرداءِ، فقال: من أينَ أنت؟
فقلتُ: من أهلِ العراقِ.
قال: من أيِّها؟
قلتُ: من أهلِ الكوفةِ.
قال: هل تقرأُ (٣) قراءةَ ابن (٤) أمِّ عبدٍ؟
قلتُ: نعم.
قال: اقرَأْ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
قال: فقرَأتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
قال: فضحِك، ثم قال: هكذا سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ (٥).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: أخبَرنا داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٦).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: قدِمنا الشامَ، فأَتانا أبو الدرداءِ، فقال: أفيكم أحدٌ يقرأُ عليَّ قراءةَ عبدِ اللهِ؟
قال: فأشاروا إليَّ.
قال: قلتُ: أنا.
قال: فكيف سمعتَ عبدَ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟
[قلتُ: سمِعتُه يقرأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ - ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾] (١).
قال: وأنا هكذا سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ (٢)، فهؤلاء يُريدوننى (٣) على أنْ أقرأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ (٤).
فلا (٥) أتابعُهم (٦).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
قال: في بعضِ الحروفِ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٧).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤُها: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٨).
يقولُ: والذي خلق [الذكر] (٩) [والأنثى] (١٠).
قال هارونُ: قال أبو عمرٍو: وأهلُ مكةَ يقولون للرعدِ: سبحانَ ما سبَّحْتَ له!
(١١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن [المغيرةِ بن مِقْسَم] (١) الضَّبِّيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعِيِّ أبى عمرانَ، عن علقمةَ بن قيسٍ أبى شبلٍ أنه أتى الشامَ، فدخَل المسجدَ فصلَّى فيه، ثم قام إلى حَلْقَةٍ فجلَس فيها، قال: فجاء رجلٌ.
قال (٢): فعرَفتُ فيه (٣) تَحوُّشَ (٤) القومِ وهَيْئَتِهم (٥) له، فجلَس إلى جَنْبِى، فقلتُ: الحمدُ للهِ، إنى لأرجو أن يكونَ اللهُ قد استجاب دعوتى.
فإذا ذلك الرجلُ أبو الدرداءِ، فقال: وما ذاك؟
فقال علقمةُ: دعوتُ الله أن يرزُقَنى جليسًا صالحًا، فأرجو أن تكونَ أنت.
قال: مِن أين أنت؟
فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ - أو (٦): من أهلِ العراقِ [ثَمَّ؟
قال: من أهلِ الكوفة] (٧) - فقال أبو الدرداءِ: ألم يكنْ فيكم صاحبُ النعلينِ والوِسادِ والمِطْهَرَةِ؟
يعنى عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ.
أو لم يكنْ فيكم الذي أُجِير على لسانِ النبيِّ ﷺ مِن الشيطانِ؟
يعنى عمارَ بنَ ياسرٍ.
أو لم يكنْ فيكم صاحبُ السرِّ الذي لا يعلمُه غيرُه، أو أحدٌ غيرُه؟
يعنى حُذيفةَ بنَ اليمانِ.
ثم قال: أيُّكم يحفَظُ كما كان عبدُ اللهِ يقرأُ؟
قال: فقلتُ: أنا.
قال: اقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾.
قال علقمةُ: [فقرأتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٨).
فقال أبو الدرداءِ: والذي لا إلهَ إلا هو، لهكذا أقرأنِيها رسول الله ﷺ فوهُ إلى في، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردُّوننى عنها (١).
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.
يقول: إنَّ عملَكم لمختلفٌ أيُّها الناسُ؛ لأن منكم الكافر بربِّه، والعاصى له في أمره ونهيه، والمؤمنَ به، والمطيع له في أمرِه ونهيه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.
يقولُ: مختلِفٌ (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.
جوابُ القسمِ، والكلامُ: والليل إذا يغشى، إن سعيَكم لشتَّى.
وكذلك قال أهلُ العلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ ههنا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٢).
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أَعْطى منكم أيُّها الناسُ في سبيل الله، ومَن أمَره الله بإعطائِه من مالِه، وما وهَب له من فضلِه، واتقَى الله واجتنَب محارمَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بن مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ (٣)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.
قال: أَعْطَى ما عندَه، ﴿وَاتَّقَى﴾.
قال: اتقَى ربَّه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾.
قال: مِن الفضلِ، ﴿وَاتَّقَى﴾: اتقَى ربَّه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: حقَّ الله، ﴿وَاتَّقَى﴾: محارمَ اللهِ التي نهَى عنها (٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.
يقولُ: مَن زَكَّى (٣) واتقَى الله.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه ﷿: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله على إعطائِه ما أَعْطى مِن مالِه فيما أَعْطَى فيه مما أمَره الله بإعطائِه فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله.
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
يقولُ: وصدَّق بالخَلَفِ مِنَ اللهِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بالخَلَفِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى السديُّ، قال: أخبَرنا بشرُ بنُ الحكم الأَحْمَسيُّ، عن سعيد بن الصلتِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: أيقَن بالخَلَفِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ (٣)، عن قيس بن مسلمٍ، عن عكرمة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بالخَلَفِ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن عكرمة: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بأنَّ الله سيُخلِفُ له.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن أبي هاشمٍ (٥) المكيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بالخَلفِ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن شَهْرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بالخَلَفِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نَضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: بالخَلَفِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق (١) بأنَّ الله واحدٌ لا شريكَ له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أشعثُ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا مِسعَرٌ، وحدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي (٢) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بلا إله إلا الله (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي (٢) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمن مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ مثلَه.
[حدَّثني المَرْوزيُّ] (٤)، عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا الله (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
يقولُ: صدَّق بلا إله إلا الله (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق بالجنة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بالجنة (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ مُحبَّبٍ (٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن سفيان] (٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: بل معناه: وصدَّق بموعودِ الله.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: [وصدَّق] (٦) بموعودِ الله على نفسه، فعمِل لذلك (٧) الموعودِ الذي وعَده الله.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: صدَّق المؤمنُ [بموعود الله الحسن] (٨).
وأشبهُ هذه الأقوال بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل، وأولاها بالصواب عندى قولُ من قال: عُنى به التصديقُ بالخَلَفِ مِن الله على نفقته.
وإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك؛ لأنَّ الله جَلَّ ثناؤُه ذكَر قبله مُنْفِقًا أنفَق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعانى به أنْ يكون الذي عَقيبَه الخبرُ عن تصديقِه بوعدِ اللهِ إيَّاه بالخَلَفِ، إذ كانت نفقتُه على الوجْهِ الذي يَرْضاه، مع أنَّ الخبر عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك ورَد.
ذكرُ الخبر الواردِ بذلك حدَّثني الحسينُ (١) بنُ (٢) سلمةَ بن أبي كبشةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عبَّاد بن راشدٍ، عن قتادةَ، قال: ثنى خُليدٌ العَصَريُّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من يوم غرَبت فيه شمسُه، إلا وبجَنْبَيْها ملَكان يُنادِيان، يَسمعُه خَلْقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلين: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".
وأنزل الله في ذلك في القرآنِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٣).
وذُكر أنَّ هذه الآية نزَلت في أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁.
ذكرُ الخبر بذلك حدَّثني هارونُ بن إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن عبد (١) الله [بن محمد] (٢) بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، عن عامرِ بن عبد الله بن الزبيرِ، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيقُ يُعْتِقُ على الإسلام بمكةَ، فكان يُعْتِقُ عجائز ونساءً إذا أَسْلَمْن، فقال له أبوه: أي بُنَيَّ، أراك تُعْتِقُ أُناسًا ضعفاءَ، فلو أنك أعتقْتَ رجالًا جُلْدًا يقومون معك ويمنعونك ويدْفعون عنك.
فقال: أي أبتِ، إنما أُريدُ - أظنُّه قال -: [ما عند الله.
قال: فحدَّثني بعضُ أهل بيتى] (٣) أنَّ هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٤).
وقولُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
يقولُ: فسنهيِّئُه للخَلَّةِ اليُسْرَى.
وهى العملُ بما يَرْضاه الله منه في الدنيا، ليُوجِبَ له به في الآخرةِ الجنةَ.
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾.
يقولُ جلَّ وعزَّ: وأَما مَن بَخِل بالنفقة في سبيلِ اللهِ، ومنع ما وهَب اللهُ له مِن فضلِه، من صرفِه في الوجوه التي أمَره اللهُ بصَرْفِه فيها، واستَغْنى عن ربِّه، فلم يَرْغَبْ إليه بالعمل له بطاعته، [في الزيادة] (٥) فيما خوَّله مِن ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾.
قال: بَخِل بما عندَه، واستغنى في نفسِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾: وأما من بَخِل بالفضلِ، واستَغْنى عن ربِّه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾.
يقولُ: مَن أغناه الله فبَخِل بالزكاةٍ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾.
يقولُ: وأَما مَن بَخِل بحقِّ الله عليه، واستَغْنى في نفسِه عن ربِّه (٣).
وأما قولُه: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾.
فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه نحوَ اختلافِهم في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
وأما نحنُ فنقولُ: معناه: وكذَّب بالخَلَفِ.
كما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكَذَّب بالخَلَفِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: بالخَلَفِ مِنَ اللهِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكذَّب بموعودِ الله الذي وعَد، قال الله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكذَّب الكافرُ بموعودِ الله الحسنِ (٢).
وقال آخرون: بل معناه: وكذَّب بتوحيدِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: [وكذَّب] (٣) بلا إله إلا الله.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذَّب بالجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾.
قال: بالجنة (١).
وقولُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فسنُهيِّئُه في الدنيا للخَلَّةِ العُسْرَى، وهو من قولِهم: قد يَسَرتْ غنمُ فلان.
إذا ولدت و (٢) تهيَّأت للولادة.
وكما قال الشاعرُ (٣): هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وإِنَّما … يَسُودَانِنا أَن يَسَّرَتْ غَنَمَاهُمَا وقيل: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
ولا تَيَسُّرَ (٤) في العُسْرَى؛ للذى تقدَّم في أوَّلِ الكلام من قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
وإذا جُمع بينَ كلامين أحدُهما ذِكرُ الخيرِ والآخرُ ذكرُ الشرِّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعًا.
و "العُسرى" التي (٥) أخبَر الله جل ثناؤُه أنه يُيسِّرُه لها: العملُ بما يكرَهُه ولا يَرْضاه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ.
ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثني واصلُ بن عبد الأعلى و (٦) أبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن سعدِ (٧) بن عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ، فنكَت الأرضَ، ثم رفَع رأسَه فقال: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب مَقعدُه من الجنةِ ومَقعدُه من النارِ".
قلنا: يا رسولَ اللهِ، أفلا نتَّكِلُ؟
قال: "لا، اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ".
ثم قرأ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ " (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ بن قُدامةَ، عن منصورٍ، عن سعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا في جنازةٍ في البقيع، فأتانا رسول الله ﷺ فجلَس وجلسنا معه، ومعه عودٌ يَنْكُتُ في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: "ما منكم مِن نَفْسٍ مَنْفوسةٍ إلا قد كُتب مَدْخلُها".
فقال القومُ: يا رسول الله، ألا نتكِلُ على كتابنا، فمن كان من أهلِ السعادة فإنه يعملُ للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعملُ للشقاء.
فقال: "بل اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، فأما من كان من أهل السعادة فإنه يُيَسَّرُ لعمل السعادة، وأما مَن كان من أهل الشقاءِ فإنه يُيَسَّرُ للشقاء".
ثم قرأ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ " (٢).
حدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ والأعمشِ، أنهما سمِعا سعدَ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان في جنازةٍ، فأخَذ عودًا، فجعَل يَنكُتُ في الأرض، فقال: "ما من أحدٍ إلا وقد كُتِب مَقْعدُه من النارِ أو من الجنة".
فقالوا: يا رسولَ الله، أفلا نتكِلُ؟
قال: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ " (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: كنا جلوسًا مع النبيِّ ﷺ، فتناول شيئًا من الأرض بيده، فقال: "ما مِنكم من أحدٍ إلا وقد عُلِم مقعدُه من الجنة والنار".
قالوا: يا نبيَّ الله، أفلا نتكلُ؟
قال: "لا، اعْمَلُوا فكلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له".
ثم قرأ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ " الآيتين.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ، عن عبد الملك بن [سمرة أبي] (٢) زيد (٣)، عن النَّزَّالِ بن سَبْرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: "ما من نفسٍ مَنْفُوسةٍ إلا قد كتَب الله عليها ما هي لاقيتُه".
وأعرابيٌّ عند النبيِّ ﷺ مُرْتادٌ، فقال الأعرابيُّ: [فما جاء بى] (٤) أَضْرِبُ من وادى كذا وكذا إن كان قد فُرغ من الأمرِ؟!
فنكَت النبيُّ ﷺ في الأرض، حتى ظنَّ القومُ أنه ودَّ أنه لم يكنْ تكلَّم بشيءٍ منه، فقال النبيُّ ﷺ: "كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له؛ فمن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يَسَّرَه لسبيل الخيرِ، ومَن يُرِدْ به شرًّا يَسَّرَه لسبيل الشرَّ".
فَلَقِيتُ عمرو بنَ مُرَّةَ، فعرَضْتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبيُّ ﷺ، وزاد (١) فيه: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ".
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
قال رجلٌ: يا رسول الله، ففيم العملُ؛ أفى شيءٍ نستأنفه، أو في شيءٍ قد فُرغ منه؟
قال: فقال رسولُ الله ﷺ: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ؛ سنُيسِّرُه لليُسْرى، وسنُيسِّرُه للعُسْرَى" (٢).
حدَّثني عمرُ (٣) بن عبد الملك الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدة، قال: ثنا الجرَّاحُ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الحميد، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق الهمدانيِّ، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب ﵁، أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم جالسًا وبيده عودٌ ينكُتُ به الأرضَ، فرفع رأسه فقال: "ما منكم من أحدٍ ولا من الناس، إلا وقد عُلم مَقْعدُه من الجنَّةِ أو النَّارِ".
قلنا: يا رسول الله، أفلا نتوكَّلُ؟
قال لهم: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له".
ثم قال: "أما سَمِعتم الله في كتابه يقولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾؟
".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾: للشرِّ من الله (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدِ اللهِ أنه قال: يا رسول الله، أنعملُ (٢) لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفُه؟
فقال ﷺ: "كلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعملِه" (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن بُشَيرِ بن كعبٍ، قال: سأل غلامانِ شابَّانِ النبيَّ ﷺ، فقالا: يا رسول الله، أنعملُ (٢) فيما جفَّت به الأقلامُ وجرَت به المقاديرُ، أو في شيءٍ يُستأنَفُ؟
فقال: "بل فيما جفَّت به الأقلام وجرَت به المقاديرُ".
قالا: ففيم العمل إذن؟
قال: "اعْمَلُوا، فكلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعمله الذي خُلِق له".
قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونعملُ (٤).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾: أَيُّ شيءٍ يَدفعُ عن هذا الذي بخل بمالِه، واستَغْنى عن ربِّه، مالُه يوم القيامة إذا هو تَردَّى؟
ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إذا تردَّى في جهنم.
أي: سقَط فيها فهَوَى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.
قال: في جهنم.
قال أبو كريبٍ: قد سَمِع الأشجعيُّ من إسماعيل ذلك (١).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾.
قال: إذا تردَّى في النارِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.
قال: إذا مات.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾.
قال: إذا مات (١).
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا مات] (٢).
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: إذا تردَّى في جهنم.
لأنَّ ذلك هو المعروفُ من التردِّى، فأما إذا أُريد معنى الموتِ، فإنه يقالُ: رَدِى فلانٌ.
وقلَّما يقالُ: تَردَّى.
وقولُه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾.
يقولُ تعالى ذكره: إنَّ علينا لبيانَ الحقِّ مِن الباطلِ، والطاعة من المعصية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾.
يقولُ: على الله البيانُ؛ بيانُ حلالِه وحرامه، وطاعته ومعصيتِه (٣).
وكان بعضُ أهل العربية (٤) يتأوَّلُه بمعنى: أنه مَن سلَك الهدى فعلى الله سبيلُه، ويقولُ: وهو مثْلُ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
ويقولُ: معنى ذلك: من أراد الله فهو على السبيل القاصدِ.
وقال: يقالُ: معناه: إن علينا للهدى والإضلال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١].
وهى تَقي الحرَّ والبرد.
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.
يقولُ: وإنَّ لنا مِلْكَ ما في الدنيا والآخرة، نُعطِى منهما (١) مَن أردْنا مِن خَلقِنا، ونَحْرِمُه مَن شئنا.
وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه يُوفِّقُ لطاعته من أحبُّ مِن خَلْقِه، فيُكرِمُه بها في الدنيا، ويهيِّئُ (٢) له الكرامةَ والثوابَ في الآخرةِ، ويَخْذُلُ مَن شَاءَ خِذلانَه مِن خَلْقِه عن طاعته، فيُهينُه بمعصيتِه في الدنيا، ويُخزيه بعقوبته عليها في الآخرة.
ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنذَرْتُكم أيُّها الناسُ نارًا تتوهَّجُ وهى نارُ جهنم.
يقولُ: احْذَروا أن تعصُوا ربَّكم في الدنيا، وتكفروا به، فتَصْلَوها في الآخرة.
وقيل: ﴿تَلَظَّى﴾.
وإنما هي "تَتَلظَّى".
وهي في موضع رفع؛ لأنه فعلٌ مستقبَلٌ، ولو كان فعلًا ماضيًا لقيل: فأَنذَرْتُكم نارًا تلظَّت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قول الله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾.
قال: تَوَهَّجُ (٣).
وقولُه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يدخُلُها فيَصْلَى بسعيرها إلا الأشقى، [﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
يقولُ] (١): الذي كذَّب بآياتِ رَبِّه وأعرَض عنها ولم يُصدِّق بها.
وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا هشامُ بن الغاز، عن مكحولٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لَتَدْخُلُنَّ الجنةَ إلا مَن يأبى.
قالوا: يا أبا هريرةَ، ومَن يأبى أن يدخُلَ الجنة؟
قال: فقرأ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢).
حدَّثني الحسنُ بن ناصحٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبٍ ومعاذُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا الأشعثُ، عن الحسن في قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ - قال معاذٌ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
ولم يقُله (٣) الحسنُ - قال: المشرِكُ.
كان بعضُ أهل العربية (٤) يقولُ: لم يكن كذَّب بردٍّ ظاهرٍ، ولكن قصَّر عما أمر به من الطاعةِ، فجُعل تكذيبًا، كما تقولُ: لَقِي فلانٌ العدوَّ فكذَّب، إذا نكَل ورجع.
وذَكَر أنه سمِع بعض العرب يقولُ: ليس لجَدِّهم (٥) مكذوبةٌ.
بمعنى أنَّهم إذا لَقُوا صدَقوا القتال ولم يَرْجِعوا.
قال: وكذلك قولُ اللهِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢].
وقولُه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾.
يقولُ: وسيُوَقَّى صِلِيَّ النار التي تلظَّى التقيُّ.
ووُضِع "أفعل" موضع "فعيل"، كما قال طرفةُ (١): تمنَّى رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أَمَتْ … فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بِأَوْحَدِ وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾.
يقولُ: الذي يُعطى ماله في الدنيا في حقوقِ اللهِ التي ألزمه إيَّاها، ﴿يَتَزَكَّى﴾.
يعنى: يتطهَّرُ - بإعطائه ذلك - من ذنوبه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.
كان بعض أهل العربية (٢) يوجِّهُ تأويل ذلك إلى: وما لأحدٍ من خلقِ اللهِ عند هذا الذي يُؤتى ماله في سبيل الله يتزكَّى، ﴿مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾.
يعنى: من يد يكافِئُه عليها.
يقولُ: ليس يُنفِقُ ما يُنْفِقُ من ذلك، ويُعطى ما يُعطى، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأة له على نعمةٍ سلَفت منه إليه أنعَمها عليه، ولكن يُؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجه الله.
قال: و ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضع بمعنى "لكن".
وقال: يجوزُ أن يكون الفعلُ في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً مِن أحدٍ.
ويكون موقعُ اللام التي في "أحد" في الهاء التي خفَضَتْها ﴿عِنْدَهُ﴾.
فكأنك قلت: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمة يلتمسُ ثوابَها.
قال: وقد تضَعُ العربُ الحرف في غير موضعه إذا كان معروفًا.
واستشهدوا لذلك ببيت النابغة (٣): وقَدْ خِفْتُ حتى ما تَزِيدُ مَخافَتِي … على وَعِلٍ في ذِي المَطَارَةِ عاقِل والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافةُ وَعِلٍ على مخافتى.
وهذا الذي قاله الذي حكَيْنا قولَه مِن أهل العربية، وزعم أنه مما يجوزُ - هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثارُ عن أهل التأويل، وقالوا: نزَلت في أبي بكر بعِتْقِه من أعتق [من المماليكِ ابتغاء وجه الله] (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.
يقولُ: ليس به مثابهُ الناس ولا مجازاتُهم، إنما عطيَّتُه للهِ (٢).
حدَّثني محمدُ بن إبراهيم الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بن السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه، قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصدِّيق: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٣).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، [قال: أُخْبِرْتُ عن سعيد] (٤) في قولِه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾.
قال: نزلت في أبي بكرٍ، أعتق ناسًا لم يلتمِسْ منهم جزاءً ولا شكورًا، ستةً أو سبعةً؛ منهم بلالٌ، وعامرُ بنُ فُهيرة (١).
وعلى هذا التأويل الذي ذكَرْناه عن هؤلاء يَنْبغِي أن يكون قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
نصبًا على الاستثناء من معنى قولِه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾.
لأنَّ معنى الكلام: وما يُؤتى الذي يُؤتى من ماله ملتمِسًا من أحدٍ ثوابَه، إلا ابتغاءَ وجه ربِّه.
وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعده "إلا" ما قبلها، كما قال النابغةُ (٢): ........................
… ومَا بالرَّبْعِ مِن أحدٍ إلَّا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُها … ........................
وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.
يقولُ: ولسوف يَرْضَى هذا المُؤْتِى ماله في حقوقِ الله ﷿ يتزكَّى، بما يُثيبُه الله في الآخرةِ عِوَضًا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربَّه.
آخر تفسير سورة "والليل إذا يغشى"