تفسير الكشاف سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الواقعة

تفسيرُ سورةِ الواقعة كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 29 دقيقة قراءة

تفسير سورة الواقعة كاملةً (جار الله الزمخشري)

إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ١ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢ خَافِضَةٌۭ رَّافِعَةٌ ٣ إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّۭا ٤ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّۭا ٥ فَكَانَتْ هَبَآءًۭ مُّنۢبَثًّۭا ٦ وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًۭا ثَلَـٰثَةًۭ ٧

﴿ وَقَعَتِ الواقعة ﴾ كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد القيامة: وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت التي لابد من وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه، أي: نزل ما كنت أترقب نزوله.

فإن قلت: بم انتصب إذا؟

قلت: بليس.

كقولك يوم الجمعة ليس لي شغل.

أو بمحذوف، يعني: إذا وقعت كان كيت وكيت، أو بإضمار اذكر ﴿ كَاذِبَةٌ ﴾ نفس كاذبة، أي: لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب؛ لأنّ كل نفس حينئذٍ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ ﴾ [غافر: 84] ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم ﴾ [الشعراء: 201] ، ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً ﴾ [الحج: 55] واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ﴾ [الفجر: 24] أو: ليس لها نفس تكذبها وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها، يقلن لها: لن تكوني.

أو هي من قولهم: كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا شجعته على مباشرته وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه فتعرّض له ولا تبال به، على معنى: أنها وقعة لا تطاق شدّة وفظاعة.

وأن لا نفس حينئذٍ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها، لأنهم يومئذٍ أضعف من ذلك وأذل.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ كالفراش المبثوث ﴾ [القارعة: 4] والفراش مثل في الضعف.

وقيل: ﴿ كَاذِبَةٌ ﴾ مصدر كالعاقبة بمعنى التكذيب، من قولك: حمل على قرنه فما كذب، أي: فما جبن وماتثبط.

وحقيقته: فما كذب نفسه فيما حدثته به.

من إطاقته له وإقدامه عليه.

قال زهير: ..................

إذَا ** مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا أي: إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) ﴾ على: هي خافضة رافعة، ترفع أقواماً وتضع آخرين: إما وصفاً لها بالشدّة؛ لأنّ الواقعات العظام كذلك، يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس، وإما لأنّ الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات؛ وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارّها، فتخفض بعضاً وترفع بعضاً: حيث تسقط السماء كسفاً وتنتثر الكواكب وتنكدر وتسير الجبال فتمرّ في الجوّ مرّ السحاب، وقرئ: ﴿ خافضة رافعة ﴾ بالنصب على الحال ﴿ رُجَّتِ ﴾ حرّكت تحريكاً شديداً حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء ﴿ وَبُسَّتِ الجبال ﴾ وفتت حتى تعود كالسويق، أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها.

كقوله: ﴿ وَسُيّرَتِ الجبال ﴾ [النبأ: 20] ، ﴿ منبثاً ﴾ متفرقاً.

وقرئ بالتاء أي: منقطعاً.

وقرئ: ﴿ رجت وبست ﴾ أي: ارتجت وذهبت.

وفي كلام بنت الخس: عينها هاج، وصلاها راج.

وهي تمشي تفاج.

فإن قلت: بم انتصب إذا رجت؟

قلت: هو بدل من إذا وقعت.

ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة.

أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض ﴿ أزواجا ﴾ أصنافاً، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض أزواج.

<div class="verse-tafsir"

فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ ٩

﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم ﴿ وأصحاب المشئمة ﴾ الذي يؤتونها بشمائلهم.

أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية، من قولك: وفلان مني باليمين، فلان مني بالشمال: إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة؛ وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، ولتفاؤلهم بالسانح وتطيّرهم من البارح، ولذلك اشتقوا لليمين الاسم من اليمن، وسموا الشمائل الشؤمى.

وقيل: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: أصحاب اليمن والشؤم؛ لأنّ السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم.

وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ ١٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ١١ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ١٢ ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٌۭ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٤ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّوْضُونَةٍۢ ١٥ مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيْهَا مُتَقَـٰبِلِينَ ١٦ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌۭ مُّخَلَّدُونَ ١٧ بِأَكْوَابٍۢ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۢ ١٨ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩ وَفَـٰكِهَةٍۢ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحْمِ طَيْرٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ٢١ وَحُورٌ عِينٌۭ ٢٢ كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ٢٣ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا تَأْثِيمًا ٢٥ إِلَّا قِيلًۭا سَلَـٰمًۭا سَلَـٰمًۭا ٢٦

﴿ والسابقون ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل وقيل: الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا السابق المقرَّب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبة؛ فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب الشمال (ما أصحاب الميمنة).

(ما أصحاب المشأمة) تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة.

والمعنى: أي شيء هم؟

والسابقون السابقون، يريد: والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله وعبد الله عبد الله.

وقول أبي النجم: وشعري شعري كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون تأكيداً.

وأولئك المقرّبون: خبراً وليس بذاك: ووقف بعضهم على: والسابقون؛ وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة: ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة ﴿ المقربون فِي جنات النعيم (12) ﴾ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم.

وقرئ: ﴿ في جنة النعيم ﴾ والثلة: الأمة من الناس الكثيرة.

قال: وَجَاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خِنْدِفِيَّة ** بِجَيْشٍ كَتَيَّارٍ مِن السَّيّلِ مُزْبِدِ وقوله عز وجل: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ كفى به دليلاً على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.

والمعنى: أنّ السابقين من الأوّلين كثير، وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: ﴿ مِّنَ الأولين ﴾ من متقدّمي هذه الأمة، و ﴿ مِّنَ الأخرين ﴾ من متأخريها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلتان جميعاً من أمّتي» فإن قلت: كيف قال: ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مّنَ الأخرين (40) ﴾ ؟

قلت: هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين؛ وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً.

فإن قلت: فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثَلة من الأولين وثلة من الأخرين ﴾ [الواقعة: 39- 40].

قلت: هذا لا يصح لأمرين، أحدهما: أنّ هذه الآية واردة في السابقين وروداً ظاهراً، وكذلك الثانية في أصحاب اليمين.

ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني: أنّ النسخ في الأخبار غير جائز وعن الحسن رضي الله عنه: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة.

وثلة: خبر مبتدإ محذوف، أي: هم ثلة ﴿ مَّوْضُونَةٍ ﴾ مرمولة بالذهب، مشبكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع.

قال الأعشى: وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ مَوْضُونَة وقيل: متواصلة، أدنى بعضها من بعض.

﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حال من الضمير في على، وهو العامل فيها، أي: استقرّوا عليها متكئين ﴿ متقابلين ﴾ لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض.

وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ مبقون أبداً على شكل الولدان وحدّ الوصافة لا يتحوّلون عنه.

وقيل: مقرّطون، والخلدة: القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا: لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

روى عن علي رضي الله عنه وعن الحسن.

وفي الحديث: «أولاد الكفار خدّام أهل الجنة» الأكواب: أوان بلا عرى وخراطيم، والأباريق، ذوات الخراطيم ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ﴾ أي بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها.

أو لا يفرّقون عنها.

وقرأ مجاهد: ﴿ لا يصدعون ﴾ ، بمعنى: لا يتصدعون لا يتفرقون، كقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم: 43] ويصدعون، أي: لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرّقونهم ﴿ يَتَخَيَّرُونَ ﴾ يأخذون خيره وأفضله ﴿ يَشْتَهُونَ ﴾ يتمنون.

وقرئ: ﴿ ولحوم طير ﴾ قرئ: ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع على: وفيها حور عين، كبيت الكتاب: إِلاَّ رَوَاكِدُ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ** وَمُشَجَّجٌ............

أو للعطف على ولدان، وبالجر: عطفاً على جنات النعيم، كأنه قال: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور.

أو على أكواب، لأن معنى ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ ﴾ ينعمون بأكواب، وبالنصب على: ويؤتون حورا ﴿ جَزَآءً ﴾ مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم ﴿ سلاما سلاما ﴾ إما بدل من ﴿ قِيلاً ﴾ بدليل قوله ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سلاما ﴾ [مريم: 62] وإما مفعول به لقيلا، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما.

والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاماً بعد سلام.

وقرئ: ﴿ سلام سلام ﴾ ، على الحكاية.

<div class="verse-tafsir"

وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ ٢٧ فِى سِدْرٍۢ مَّخْضُودٍۢ ٢٨ وَطَلْحٍۢ مَّنضُودٍۢ ٢٩ وَظِلٍّۢ مَّمْدُودٍۢ ٣٠ وَمَآءٍۢ مَّسْكُوبٍۢ ٣١ وَفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ ٣٢ لَّا مَقْطُوعَةٍۢ وَلَا مَمْنُوعَةٍۢ ٣٣ وَفُرُشٍۢ مَّرْفُوعَةٍ ٣٤ إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءًۭ ٣٥ فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا ٣٦ عُرُبًا أَتْرَابًۭا ٣٧ لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٣٨ ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ٣٩ وَثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ ٤٠

السدر: شجر النبق.

والمخضود: الذي لا شوك له، كأنما خضد شوكه.

وعن مجاهد: الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب.

والطلح: شجر الموز.

وقيل: هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة.

وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ: ﴿ وطلع ﴾ (فقال)، وما شأن الطلح، وقرأ قوله: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ [ق: 10] فقيل له: أَوَ تُحوِّلها؟

فقال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحوّل.

وعن ابن عباس نحوه.

والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه؛ فليست له ساق بارزة ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) ﴾ ممتدّ منبسط لا يتقلص، كظلّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ﴿ مَّسْكُوبٍ ﴾ يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا لا يتعنون فيه.

وقيل: دائم الجرية لا ينقطع.

وقيل: مصبوب يجري على الأرض في غير أخدود ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا ﴿ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ لا تمنع عن متناولها بوجه، ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا.

وقرئ: ﴿ فاكهة كثيرة ﴾ ، بالرفع على: وهناك فاكهة، كقوله: ﴿ وحور عين ﴾ [الواقعة: 22] ﴿ وَفُرُشٍ ﴾ جمع فراش.

وقرئ: ﴿ وفرش ﴾ بالتخفيف ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ نضدت حتى ارتفعت.

أو مرفوعة على الأسرة.

وقيل: هي النساء، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك.

قال الله تعالى: ﴿ هُمْ وأزواجهم فِي ظلال عَلَى الارائك مُتَّكِئُونَ ﴾ [يس: 56] ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن إِنشآءَ (35) ﴾ وعلى التفسير الأول أضمر لهنّ، لأنّ ذكر الفرش وهي المضاجع دلّ عليهن ﴿ أنشأناهن إِنشَاء ﴾ أي ابتدأنا خلقهن ابتداء جديداً من غير ولادة، فإما أن يراد.

اللاتي ابتدئ إنشاؤهن؛ أو اللاتي أعيد إنشاؤهن.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها سألته عن قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن ﴾ فقال: «يا أم سلمة هنّ اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا، جعلهنّ الله بعد الكبر» ﴿ أَتْرَاباً ﴾ على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهنَّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا؛ فلما سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: واوجعاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك وجع» وقالت عجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: «إنّ الجنة لا تدخلها العجائز» ، فولت وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروها أنها ليست يومئذٍ بعجوز» وقرأ الآية ﴿ عُرُباً ﴾ وقرئ: ﴿ عربا ﴾ بالتخفيف جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أَتْرَاباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهنّ أيضاً كذلك.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً جعاداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين» واللام في ﴿ لأصحاب اليمين (38) ﴾ من صلة أنشأنا وجعلنا.

<div class="verse-tafsir"

وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١ فِى سَمُومٍۢ وَحَمِيمٍۢ ٤٢ وَظِلٍّۢ مِّن يَحْمُومٍۢ ٤٣ لَّا بَارِدٍۢ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ٤٥ وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ٤٦ وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٤٧ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ٤٨ قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ ٤٩ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٥٠ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ٥١ لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍۢ مِّن زَقُّومٍۢ ٥٢ فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ٥٣ فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ ٥٤ فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ٥٥ هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ ٥٦

﴿ فِى سَمُومٍ ﴾ في حر نار ينفذ في المسام ﴿ وَحَمِيمٍ ﴾ وماء حار متناه في الحرارة ﴿ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ ﴾ من دخان أسود بهيم ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ (44) ﴾ نفي لصفتي الظل عنه، يريد: أنه ظل، ولكن لا كسائر الظلال: سماه ظلاً، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه.

والمعنى أنه ظلّ حارّ ضارّ إلا أنّ للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات.

وفيه تهكم بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة.

وقرئ: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ بالرفع، أي: لا هو كذلك و ﴿ الحنث ﴾ الذنب العظيم.

ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي: الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم.

ومنه: حنث في يمينه، خلاف برّ فيها.

ويقال: تحنث إذا تأثم وتحرج ﴿ أَوَ ءَابَآؤُنَا ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف.

فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في ﴿ لَمَبْعُوثُونَ ﴾ من غير تأكيد بنحن؟

قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة، كما حسن في قوله تعالى: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ لفصل (لا) المؤكدة للنفي.

وقرئ: ﴿ أو آباؤنا ﴾ وقرئ: ﴿ لمجمعون ﴾ ﴿ إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم والإضافة بمعنى من، كخاتم فضة.

والميقات: ماوقت به الشيء، أي: حدّ.

ومنه مواقيت الإحرام: وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرماً ﴿ أَيُّهَا الضآلون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث، وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم ﴿ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ ﴾ من الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره.

وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في قوله: (منها) و(عليه) ومن قرأ: ﴿ من شجرة من زقوم ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه ﴿ شرب الهيم ﴾ وقرئ: بالحركات الثلاث، فالفتح والضم مصدران.

وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أيام أكل وشرب، بفتح الشين.

وأما المكسور فبمعنى المشروب، أي: ما يشربه الهيم وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء تشرب منه فلا تروى: جمع أهيم وهيماء.

قال ذو الرمّة: فَأَصْبَحْتُ كَالْهَيْمَاءِ لاَ المَاءُ مُبْرِدٌ ** صَدَاهَا وَلاَ يَقْضِي عَلَيْهَا هُيَامُهَا وقيل الهيم: الرمال.

ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك، جمع على فعل كسحاب وسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض.

والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل؛ فإذا ملؤا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم.

فإن قلت: كيف صحّ عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟

قلت: ليستا بمتفقتين، من حيث إنّ كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه: من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين.

النزل: الرزق الذي يعدّ للنازل تكرماً له.

وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] وكقول أبي الشعر الضبي.

وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا ** جَعَلْنَا الْقَنَا وَالمُرْهِفَاتِ لَهُ نُزْلاَ وقرئ: ﴿ نزلهم ﴾ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ٥٨ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ ٥٩ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦١ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢

﴿ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ ﴾ تحضيض على التصديق: إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدّقين به، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذبون به.

وإما بالبعث؛ لأنّ من خلق أولاً لم يمتنع عليه أن يخلق ثانياً ﴿ ما تمنون ﴾ ما تمنونه، أي: تقذفونه في الأرحام من النطف وقرأ أبو السّمّال بفتح التاء يقال: أمنى النطفة ومناها.

قال الله تعالى: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى ﴾ [النجم: 46] .

﴿ تَخْلُقُونَهُ ﴾ تقدرونه تصوّرونه ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت ﴾ تقديراً وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط.

وقرئ: ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف.

سبقته على الشيء: إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه، فمعنى قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أمثالكم ﴾ أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه، وأمثالكم جمع مثل: أي على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق، وعلى أن (ننشأكم) في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني: أنا نقدر على الأمرين جميعاً: على خلق ما يماثلكم، وما لا يماثلكم؛ فكيف نعجز عن إعادتكم.

ويجوز أن يكون ﴿ أمثالكم ﴾ جمع مثل، أي: على أن نبدّل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها.

قرئ: ﴿ النشأة ﴾ والنشاءة.

وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهَّلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ٦٣ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًۭا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ٦٥ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ٦٦ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٦٧

(أفرأيتم ما تحرثون) ه من الطعام، أي: تبذرون حبه وتعملون في أرضه ﴿ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ ﴾ تنبتونه وتردونه نباتاً، يرف وينمي إلى أن يبلغ الغاية.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت» قال أبو هريرة: أرأيتم إلى قوله: ﴿ أَفَرَءَيْتُم...

﴾ الآية.

والحطام: من حطم، كالفتات والجذاذ من فت وجذ: وهو ما صار هشيماً وتحطم ﴿ فَظَلْتُمْ ﴾ وقرئ بالكسر (فظللتم) على الأصل ﴿ تَفَكَّهُونَ ﴾ تعجبون.

وعن الحسن رضي الله عنه: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه.

أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم بذلك من أجلها.

وقرئ: ﴿ تفكنون ﴾ ومنه الحديث: «مثل العالم كمثل الحمة يأيتها البعدآء ويتركها القرباء فبيناهم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون» أي: يتندمون ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) ﴾ لملزمون غرامة ما أنفقنا.

أومهلكون لهلاك رزقنا، من الغرام: وهو الهلاك ﴿ بَلْ نَحْنُ ﴾ قوم ﴿ مَحْرُومُونَ ﴾ محارفون محدودون، لا حظ لنا ولا بخت لنا؛ ولو كنا مجدودين، لما جرى علينا هذا.

وقرئ: ﴿ أئنا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ٦٩ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًۭا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ٧٠

﴿ المآء الذى تَشْرَبُونَ ﴾ يريد: الماء العذب الصالح للشرب.

و ﴿ المزن ﴾ السحاب: الواحدة مزنة.

وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء ﴿ أُجَاجاً ﴾ ملحاً زعاقاً لا يقدر على شربه.

فإن قلت: لم أدخلت اللام على جواب (لو) في قوله: ﴿ لَجَعَلْنَاهُ حطاما ﴾ [الواقعة: 65] ونزعت منه ههنا؟

قلت: إنّ (لو) لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضموني جملتيها أنّ الثاني امتنع لامتناع الأوّل افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علماً مشهوراً مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفاً ومأنوساً به: لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء بمعرفة السامع.

ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟

فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه.

وتساوي حالي حذفه وإثباته لشهرة أمره.

وناهيك بقول أوس: حَتى إذَا الْكلاَّبُ قَالَ لَهَا ** كَالْيَوْمِ مَطْلُوباً وَلاَ طَلَبَا وحذفه (لم أر) فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما؛ على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه.

ويجوز أن يقال: إنّ هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم.

ألا ترى أنك إنما تسقى ضيفك بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء: إذَا سُقِيَتْ ضُيُوفُ النَّاسِ مَحْضاً ** سَقَوْا أَضْيَافَهُمْ شَبَماً زَلاَلاَ وسقى بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة؛ ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب.

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ ٧١ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ ٧٢ نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةًۭ وَمَتَـٰعًۭا لِّلْمُقْوِينَ ٧٣ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٧٤

﴿ تُورُونَ ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الزناد والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والأسفل: الزندة؛ شبهوهما بالفحل والطروقة ﴿ شَجَرَتَهَآ ﴾ التي منها الزناد ﴿ تَذْكِرَةً ﴾ تذكيراً لنار جهنهم، حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها، وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به.

أو جعلناها تذكرة وأنموذجاً من جهنم، لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزأ من حرّ جهنم» ﴿ ومتاعا ﴾ ومنفعة ﴿ لّلْمُقْوِينَ ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر.

أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام.

يقال: أقويت من أيام، أي لم آكل شيئاً ﴿ فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ ﴾ فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، أو أراد بالاسم: الذكر، أي: بذكر ربك.

و ﴿ العظيم ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه.

والمعنى: أنه لما ذكر ما دل على قدرته وإنعامه على عباده قال: فأحدث التسبيح وهو أن يقول: سبحان الله، إمّا تنزيهاً له عما يقول الظالمون الذين يجحدون وحدانيته ويكفرون نعمته، وإما تعجباً من أمرهم في غمط آلائه وأياديه الظاهرة، وإما شكراً لله على النعم التي عدّها ونبه عليها.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌۭ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌۭ كَرِيمٌۭ ٧٧ فِى كِتَـٰبٍۢ مَّكْنُونٍۢ ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنزِيلٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٠

﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ معناه فأقسم.

ولا مزيدة مؤكدة مثلها في قوله: ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾ [الحديد: 29] وقرأ الحسن: ﴿ فلأقسم ﴾ .

ومعناه: فلأنا أقسم: اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، وهي: أنا أقسم، كقولك: (لزيد منطلق) ثم حذف المبتدأ، ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين، أحدهما: أن حقها أن يقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح.

والثاني: أن (لأفعلن) في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال ﴿ بمواقع النجوم ﴾ بمساقطها ومغاربها، لعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً مخصوصة عظيمة، أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين، ونزول الرحمة والرضوان عليهم؛ فلذلك أقسم بمواقعها، واستعظم ذلك بقوله ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾ أو أراد بمواقعها: منازلها ومسايرها، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾ اعتراض في اعتراض؛ لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم عليه، وهو قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (77) ﴾ واعترض ب ﴿ لَّوْ تَعْلَمُونَ ﴾ بين الموصوف وصفته.

وقيل: مواقع النجوم: أوقات وقوع نجوم القرآن، أي: أوقات نزولها كريم حسن مرضي في جنسه من الكتب.

أو نفاع جم المنافع.

أو كريم على الله ﴿ فِى كتاب مَّكْنُونٍ (78) ﴾ مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهم المطهرون من جميع الأدناس أدناس الذنوب وما سواها: إن جعلت الجملة صفة لكتاب مكنون وهو اللوح.

وإن جعلتها صفة للقرآن؛ فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، يعني مس المكتوب منه، ومن الناس من حمله على القراءة أيضاً، وعن ابن عمر أحب إليَّ أن لا يقرأ إلا وهو طاهر، وعن ابن عباس في رواية أنه كان يبيح القراءة للجنب، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» أي لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه.

وقرئ: ﴿ المتطهرون ﴾ و ﴿ المطهرون ﴾ بالإدغام.

و ﴿ المطهرون ﴾ ، من أطهره بمعنى طهره.

والمطهرون بمعنى: يطهرون أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والوحي الذي ينزلونه ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ صفة رابعة للقرآن، أي: منزل من رب العالمين.

أو وصف بالمصدر؛ لأنه نزل نجوماً من بين سائر كتب الله تعالى، فكأنه في نفسه تنزيل؛ ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه، فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل.

أو هو تنزيل على المبتدأ.

وقرئ: ﴿ تنزيلاً ﴾ على: نزل تنزيلاً.

<div class="verse-tafsir"

أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ٨١ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢

﴿ أفبهذا الحديث ﴾ يعني القرآن ﴿ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ أي: متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾ على حذف المضاف، يعني: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر.

وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ﴾ وقيل: هي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به.

وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها.

والرزق: المطر، يعني: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم.

وقرئ: ﴿ تكذبون ﴾ وهو قولهم في القرآن: شعر وسحر وافتراء.

وفي المطر: وهو من الأنواء، ولأنّ كل مكذب بالحق كاذب.

<div class="verse-tafsir"

فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٨٧ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌۭ وَرَيْحَانٌۭ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ ٨٩ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩٠ فَسَلَـٰمٌۭ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩١ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢ فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ٩٥ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٩٦

ترتيب الآية: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين.

و(فلولا) الثانية مكررة للتوكيد، والضمير في ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ للنفس وهي الروح، وفي ﴿ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ للمحتضر ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ غير مربوبين، من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت.

والمعنى: إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء إن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم: سحر وافتراء.

وإن أرسل إليكم رسولاً قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ ﴾ المتوفى ﴿ مِنَ المقربين ﴾ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أوّل السورة ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ فله استراحة.

وروت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَرُوح ﴾ ، بالضم.

وقرأ به الحسن وقال: الروح الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم.

وقيل: البقاء، أي: فهذان له معاً، وهو الخلود مع الرزق والنعيم.

والريحان: الرزق ﴿ فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين (91) ﴾ فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك.

كقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما ﴾ [الواقعة: 26] ﴿ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) ﴾ كقوله تعالى: ﴿ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين ﴾ [الواقعة: 56] وقرئ بالتخفيف ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) ﴾ قرئت بالرفع والجر عطفاً على نزل وحميم ﴿ إِنَّ هذا ﴾ الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين.

عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد