الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الرحمن
تفسيرُ سورةِ الرحمن كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 22 دقيقة قراءةعدّد الله عز وعلا آلاءه، فأراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها: وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه: ليعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علماً بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدّماً عليه وسابقاً له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟
﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب معلوم وتقدير سويّ ﴿ يجريان ﴾ في بروجهما ومنازلهما.
وفي ذلك منافع للناس عظيمة: منها علم السنين والحساب ﴿ والنجم ﴾ والنبات الذي لا ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول ﴿ والشجر ﴾ الذي له ساق.
وسجودهما: انقيادههما لله فيما خلقا له، وأنهما لا يمتنعان، تشبيهاً بالساجد من المكلفين في انقياده.
فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟
قلت: استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، فإن قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟
قلت: بَكَّت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التمديد، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدّمته، ثم ردّ الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف.
فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟
قلت: إنّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأنّ السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر وقيل: ﴿ عَلَّمَ القرءان (2) ﴾ جعله علامة وآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الإنسان آدم.
وعنه أيضاً: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن مجاهد النجم: نجوم السماء ﴿ والسمآء رَفَعَهَا ﴾ خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ومتنزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه؛ ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه ﴿ وَوَضَعَ الميزان ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ وخفض الميزان ﴾ .
وأراد به كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أي خلقه موضوعاً مخفوضاً على الأرض: حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ ﴾ لئلا تطغوا.
أو هي أن المفسرة.
وقرأ عبد الله ﴿ لا تطغوا ﴾ بغير أن، على إرادة القول ﴿ وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط ﴾ وقوّموا وزنكم بالعدل ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان ﴾ ولا تنقصوه: أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان.
وكرّر لفظ الميزان: تشديداً للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه.
وقرئ: ﴿ والسماء ﴾ بالرفع.
﴿ ولا تخسروا ﴾ بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها.
يقال: خسر الميزان يخسره ويخسره، وأمّا الفتح فعلى أن الأصل: ولا تخسروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل.
﴿ وَضَعَهَا ﴾ خفضها مدحوّة على الماء ﴿ لِلأَنَامِ ﴾ للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة.
وعن الحسن: الإنس والجنّ، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها ﴿ فاكهة ﴾ ضروب مما يتفكه به، و ﴿ الأكمام ﴾ كل ما يكم أي يغطى من ليفة وسعفة وكفّراة وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه.
وقيل الأكمام أوعية التمر- الواحد كِم بكسر الكاف و ﴿ العصف ﴾ ورق الزرع وقيل التبن ﴿ والريحان ﴾ الرزق وهو اللب: أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب.
وقرئ: ﴿ والريحان ﴾ ، بالكسر.
ومعناه: والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام، والريحان الذي هو مطعم الناس.
وبالضم على، وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقيل: معناه وفيها الريحان الذي يشم، وفي مصاحف أهل الشأم: (والحب ذو العصف والريحان) أي: وخلق الحب والريحان، أو وأخص الحب والريحان.
ويجوز أن يراد: وذا الريحان، فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، والخطاب في ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عليهما.
وقوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ [الرحمن: 31] .
<div class="verse-tafsir"
الصلصال: الطين اليابس له صلصلة.
والفخار: الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف.
فإن قلت: قد اختلف التنزيل في هذا، وذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿ مّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ ﴾ [الحجر: 26- 28- 33]، ﴿ مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ [الصافات: 11] ﴿ مّن تُرَابٍ ﴾ [آل عمران: 59] .
قلت: هو متفق في المعنى، ومفيد أنه خلقه من تراب: جعله طيناً، ثم حمأ مسنون، ثم صلصالا.
و ﴿ الجآن ﴾ أبو الجن.
وقيل: هو إبليس.
والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه.
وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ ؟
قلت: هو بيان لمارج، كأنه قيل: من صاف من نار.
أو مختلط من نار أو أراد من نار مخصوصة، كقوله تعالى: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ﴾ [الليل: 14] .
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾ بالجر بدلاً من (ربكما) وأراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَرَجَ البحرين ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ لا يتجاوزان حدّيهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة.
قرئ: ﴿ يُخرَج ﴾ ويَخْرُج من أُخرج.
وخرج.
ويُخرِج: أي الله عز وجل اللؤلؤَ والمرجانَ بالنصب.
ونخرج بالنون.
واللؤلؤ: الدرّ.
والمرجان: هذا الخرز الأحمر وهو البسذ.
وقيل: اللؤلؤ كبار الدرّ.
والمرجان: صغاره.
فإن قلت: لم قال: (منهما) وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا وصارا كالشيء الواحد: جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه.
وتقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من دوره.
وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الجوار ﴾ السفن.
وقرئ: ﴿ الجوار ﴾ بحذف الياء ورفع الراء، ونحوه: لَهَا ثَنَايَا أَرْبَعٌ حِسَانٌ ** وَأَرْبَعٌ فَكُلُّهَا ثَمَانُ و ﴿ المنشئات ﴾ المرفوعات الشُّرّع.
وقرئ: بكسر الشين: وهي الرافعات الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهنّ.
والأعلام: جمع علم، وهو الجبل الطويل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَلَيْهَا ﴾ على الأرض ﴿ وَجْهُ رَبّكَ ﴾ ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون: أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان، و ﴿ ذُو الجلال والإكرام ﴾ صفة الوجه.
وقرأ عبد الله: ﴿ ذي ﴾ على: صفة ربك.
ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم.
أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك.
أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهذه الصفة من عظيم صفات الله؛ ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» وعنه عليه الصلاة والسلام: أنه مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك» فإن قلت: ما النعمة في ذلك؟
قلت: أعظم النعمة وهي مجيء وقت الجزاء عقيب ذلك.
<div class="verse-tafsir"
كل من أهل السموات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السموات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدّد أحوالاً، كما روى: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟
فقال: «من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوماً ويضع آخرين» وعن ابن عيينه: الدهر عند الله تعالى يومان، أحدهما: اليوم الذي هو مدّة عمر الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب.
وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إنّ الله لا يقضي يوم السبت شيئاً.
وسأل بعض الملوك وزيره عنها فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يفكر فيها، فقال غلام له أسود: يا مولاي، أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي، فأخبره فقال له: أنا أفسرها للملك فأعلمه، فقال: أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً، ويبتلى معافاً ويعافى مبتلى، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً ويفقر غنياً ويغني فقيراً؛ فقال الأمير: أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال: يا مولاي هذا من شأن الله.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت على ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ [المائدة: 31] وقد صح أنّ الندم توبة وقوله تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ وقد صح أنّ القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ [النجم: 39] فما بال الأضعاف؟
فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمّة.
ويكون توبة في هذه الأمّة؛ لأنّ الله تعالى خص هذه الأمّة بخصائص لم يشاركهم فيها الأمم، وقيل إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، وأما قوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً، وأما قوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها، فقام عبد الله وقبل رأسه وسوّغ خراجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد: سأتجرّد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد: التوفر على النكاية فيه والانتقام منه، ويجوز أن يراد: ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل، وقرئ: ﴿ سيفرغ لكم ﴾ ، أي: الله تعالى، ﴿ وسأفرغ لكم ﴾ و ﴿ سنفرغ ﴾ بالنون، مفتوحاً مكسوراً وفتح الراء، و ﴿ سيفرَغ ﴾ بالياء مفتوحاً ومضموماً مع فتح الراء، وفي قراءة أبيّ ﴿ سنفرغ إليكم ﴾ بمعنى: سنقصد إليكم، والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يامعشر الجن والإنس ﴾ كالترجمة لقوله: أيها الثقلان ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي، فافعلوا، ثم قال: لا تقدرون على النفوذ ﴿ إِلاَّ بسلطان ﴾ يعني بقوّة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه: ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ [العنكبوت: 22] وروى: أنّ الملائكة عليهم السلام تنزل فتحيط بجميع الخلائق، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به.
قرئ: ﴿ شواظ ونحاس ﴾ ، كلاهما بالضم والكسر؛ والشواظ: اللهب الخالص.
والنحاس: الدخان؛ وأنشد: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ ** لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا وقيل: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر.
وقرئ: ﴿ ونحاس ﴾ ، مرفوعاً عطفاً على شواظ.
ومجروراً عطفاً على نار.
وقرئ: ﴿ ونحس ﴾ جمع نحاس، وهو الدخان، نحو لحاف ولحف.
وقرئ: ﴿ ونحس ﴾ أي: ونقتل بالعذاب.
وقرئ: ﴿ نرسل عليكم شواظاً من نار ونحاساً ﴾ ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ فلا تمتنعان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرْدَةً ﴾ حمراء ﴿ كالدهان ﴾ كدهن الزيت، كما قال: (كالمهل)، وهو درديّ الزيت، وهو جمع دهن.
أو اسم ما يدهن به كالخزام والإدام.
قال: كَأَنَّهُمَا مَزَادَتَا مُتَعَجِّل ** فَرِيَّانِ لَمَّا تُدْهَنَا بِدِهَانِ وقيل: الدهان الأديم الأحمر.
وقرأ عمرو بن عبيد ﴿ وردة ﴾ بالرفع، بمعنى: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التجريد، كقوله: فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَة ** تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَو يَمْوتَ كَرِيمُ ﴿ إِنسٌ ﴾ بعض من الإنس ﴿ وَلاَ جَانٌّ ﴾ أريد به: ولا جن: أي: ولا بعض من الجن، فوضع الجانّ الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال: هاشم، ويراد ولده.
وإنما وحد ضمير الإنس في قوله: ﴿ عَن ذَنبِهِ ﴾ لكونه في معنى البعض.
والمعنى: لا يسألون لأنهم يعرفون بسيما المجرمين وهي سواد الوجوه وزرقة العيون.
فإن قلت: هذا خلاف قوله تعالى: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 92] وقوله: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤلون ﴾ [الصافات: 24] .
قلت: ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر: قال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
وقيل لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن يسأل سؤال توبيخ.
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد ﴿ ولا جأَنٌّ ﴾ فراراً من التقاء الساكنين، وإن كان على حده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام ﴾ عن الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره وقيل تسحبهم الملائكة: تارة تأخذ بالنواصي؛ وتارة تأخذ بالأقدام ﴿ حَمِيمٍ ءانٍ ﴾ ماء حار قد انتهى حرّه ونضجه، أي: يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم.
وقيل: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم.
وقيل: إن وادياً من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال، فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم؛ ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً.
وقرئ: ﴿ يطوّفون ﴾ من التطويف.
ويطوّفون، أي: يتطوّفون ويطافون.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليان لا تموتان فيها ولا تحييان يطوفون بينهما ﴾ ونعمة الله فيما ذكره من هول العذاب: نجاة الناجي منه برحمته وفضله، وما في الإنذار به من اللطف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [المطففين: 6] ونحوه: ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ [إبراهيم: 14] ويجوز أن يراد بمقام ربه: أن الله قائم عليه؛ أي: حافظ مهيمن من قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33] فهو يراقب ذلك فلا يجسر على معصيته.
وقيل: هو مقحم كما تقول: أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك.
وأنشد: ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ** مَقَامَ الذئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ يريد: ونفيت عنه الذئب.
فإن قلت: لم قال: ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ؟
قلت: الخطاب للثقلين؛ فكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني.
ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي؛ لأن التكليف دائر عليهما وأن يقال: جنة يثاب بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] خص الأفنان بالذكر: وهي الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة: لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار.
وقيل: الأفنان ألوان النعم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
قال: وَمِنْ كُلِّ أَفْنَانِ اللَّذَاذَةِ وَالصَّبَا ** لَهَوْتُ لَهَوْتُ بِهِ وَالْعَيْشُ أَخْضَرُ نَاضِرُ ﴿ عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ حيث شاءوا في الأعالي والأسافل.
وقيل: تجريان من جبل من مسك.
وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال: إحداهما التسنيم، والأخرى: السلسبيل ﴿ زَوْجَانِ ﴾ صنفان: قيل: صنف معروف وصنف غريب ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نصب على المدح للخائفين.
أو حال منهم، لأنّ من خاف في معنى الجمع ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الإستبرق، فما ظنك بالظهائر؟
وقيل: ظهائرها من سندس.
وقيل: من نور ﴿ دَانٍ ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.
وقرئ: ﴿ وجنى ﴾ ، بكسر الجيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِيهِنَّ ﴾ في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.
أو في الجنتين، لاشتمالها على أماكن وقصور ومجالس ﴿ قاصرات الطرف ﴾ نساء قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ: لا ينظرن إلى غيرهم.
لم يطمث الإنسيات منهنّ أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن وهذا دليل عى أنّ الجن يطمثون كما يطمث الإنس، وقرئ: ﴿ لم يطمثهنّ ﴾ بضم الميم.
قيل: هنّ في صفاء الياقوت وبياض المرجان وصغار الدر: أنصع بياضاً.
قيل: إنّ الحوراء تلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء ﴿ هَلْ جَزَآءُ الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إِلاَّ الإحسان ﴾ في الثواب.
وعن محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر.
أي: مرسلة، يعني: أنّ كل من أحسن أُحسن إليه، وكل من أَساء أسيء إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ لمن دونهم من أصحاب اليمين ﴿ مُدْهَامَّتَانِ (64) ﴾ قد ادهامّتا من شدّة الخضرة ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ فوّارتان بالماء.
والنضخ أكثر من النضح، لأنّ النضح غير معجمة مثل الرش، فإن قلت: لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟
قلت: اختصاصاً لهما وبياناً لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] أو لأنّ النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه.
ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباً: لم يحنث، وخالفه صاحباه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خيرات ﴾ خيرات فخففت، كقوله عليه السلام: «هينون لينون» وأما ﴿ خير ﴾ الذي هو بمعنى أخير، فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات.
وقرئ: ﴿ خيرات ﴾ على الأصل.
والمعنى: فاضلات الأخلاق حسان الخلق ﴿ مقصورات ﴾ قصرن في خدورهنّ.
يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة مخدرة.
وقيل: إنّ الخيمة من خيامهنّ درّة مجوّفة ﴿ قَبْلَهُمْ ﴾ قبل أصحاب الجنتين، دل عليهم ذكر الجنتين ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نصب على الاختصاص.
والرفرف: ضرب من البسط.
وقيل البسط وقيل الوسائد، وقيل كل ثوب عريض رفرف.
ويقال لأطراف البسط فضول الفسطاط: رفارف.
ورفرف السحاب: هيدبه والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن؛ فينسبون إليه كل شيء عجيب.
وقرئ: ﴿ رفارف خضر ﴾ بضمتين.
وعباقرى، كمدائني: نسبة إلى عباقري في اسم البلد: وروى أبو حاتم: عباقرى، بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته.
فإن قلت: كيف تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: ومن دونهما؟
قلت: مدهامّتان، دون ذواتا أفنان.
ونضاختان دون: تجريان.
وفاكهة دون: كل فاكهة.
وكذلك صفة الحور والمتكأ.
وقرئ: ﴿ ذو الجلال ﴾ صفة، للاسم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الرحمن أدّى شكر ما أنعم الله عليه» .