الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة التحريم
تفسيرُ سورةِ التحريم كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 23 دقيقة قراءةروي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي عليّ، وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتيّ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.
وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه؛ ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية» وروى: أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة.
وروي: «أنه شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل، فحرّم العسل» ، فمعناه ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ من ملك اليمين أو العسل.
و ﴿ تَبْتَغِى ﴾ إما تفسير لتحرم.
أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة ﴿ والله غَفُورٌ ﴾ قد غفر لك ما زللت فيه ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ قد رحمك فلم يؤاخذك به ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها.
ومنه: حلا أبيت اللعن، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها؛ وذلك أن يقول: (إن شاء الله) عقيبها، حتى لا يحنث.
والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» وقول ذي الرمّة: قَلِيلاً كَتَحْلِيلِ الأُلِيِّ فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟
قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه؛ فإذا حرّم طعاماً فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية؛ وإن نوى الظهار فظهار؛ وإن نوى الطلاق فطلاق بائن وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثاً فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديِّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء.
وإن قال: كل حلال عليّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يميناً.
ولكن سبباً في الكفارة في النساء وحده وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده.
وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم: أنّ الحرام يمين وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.
وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.
وعن زيد: واحدة بائنة.
وعن عثمان: ظهار.
وكان مسروق لا يراه شيئاً ويقول: ما أبالي أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجاً بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ ﴾ [النحل: 116] وقوله تعالى: ﴿ لا تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ [المائدة: 87] وما لم يحرمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله: هو حرام عليّ، وإن امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ أي لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ وحرّمنا عليه المراضع ﴾ [القصص: 12] أي؛ منعناه منها.
وظاهر قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ أنه كانت منه يمين.
فإن قلت: هل كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك؟
قلت: عن الحسن: أنه لم يُكَفِّر؛ لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين.
وعن مقاتل: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية ﴿ والله مولاكم ﴾ سيدكم ومتولي أموركم ﴿ وَهُوَ العليم ﴾ بما يصلحكم فيشرعه لكم ﴿ الحكيم ﴾ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة.
وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَعْضِ أزواجه ﴾ حفصة.
والحديث الذي أسر إليها: حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ أفشته إلى عائشة.
وقرئ: ﴿ أنبأت ﴾ به ﴿ وَأَظْهَرَهُ ﴾ وأطلع النبي عليه السلام ﴿ عَلَيْهِ ﴾ على الحديث، أي: على إفشائه على لسان جبريل.
وقيل: أظهر الله الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم من الظهور ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ أعلم ببعض الحديث تكرماً.
قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.
وقرئ: ﴿ عرف بعضه ﴾ ، أي: جاز عليه، من قولك للمسيء: لأعرفن لك ذلك، وقد عرفت ما صنعت.
ومنه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وهو كثير في القرآن؛ وكان جزاؤه تطليقه إياها.
وقيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية: وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ، قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أباها.
فإن قلت: هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن وعرفها بعضه؟
قلت: ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرمه وحلمه، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه، وهو حديث الإمامة.
ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا ﴾ ذكر المنبأ.
كيف أتى بضميره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن تَتُوبَا ﴾ خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما.
وعن ابن عباس: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟
فقال: عجباً يا ابن عباس كأنه كره ما سألته عنه ثم قال: هما حفصة وعائشة ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ فقد زاغت ﴾ ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا ﴾ وإن تعاونا ﴿ عَلَيْهِ ﴾ بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعدم المظاهر من الله ﴿ مولاه ﴾ أي وليه وناصره؛ وزيادة ﴿ هُوَ ﴾ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ رأس الكروبيين؛ وقرن ذكره بذكره مفرداً له من بين الملائكة تعظيماً له وإظهاراً لمكانته عنده ﴿ وصالح اْلمُؤْمِنِينَ ﴾ ومن صلح من المؤمنين، يعني: كل من آمن وعمل صالحاً.
وعن سعيد بن جبير: من برئ منهم من النفاق.
وقيل: الأنبياء وقيل: الصحابة.
وقيل: الخلفاء منهم.
فإن قلت: صالح المؤمنين واحد أم جمع؟
قلت: هو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، كقولك: لا يفعله من صلح منهم.
ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر.
ويجوز أن يكون أصله: صالحوا المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ؛ لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط ﴿ والملئكة ﴾ على تكاثر عددهم، وامتلاء السموات من جموعهم ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فما يبلغ تظاهر امرأتين علي من هؤلاء ظهراؤه؟
فإن قلت: قوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم.
وقد تقدّمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم.
قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه.
وقرئ: ﴿ تظاهرا ﴾ وتتظاهرا.
وتظهرا.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يبدله ﴾ ، بالتخفيف والتشديد للكثرة ﴿ مسلمات مؤمنات ﴾ مقرّات مخلصات ﴿ سائحات ﴾ صائمات.
وقرئ: ﴿ سيحات ﴾ ، وهي أبلغ.
وقيل للصائم: سائح؛ لأنّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره.
وقيل: سائحات مهاجرات، وعن زيد بن أسلم: لم تكن في هذه الأمّة سياحة إلى الهجرة.
فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمّهات المؤمنين؟
قلت: إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هواه ورضاه خيراً منهن، وقد عرض بذلك في قوله: ﴿ قانتات ﴾ لأنّ القنوت هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله.
فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؟
قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بدّ من الواو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ بترك المعاصي وفعل الطاعات ﴿ وَأَهْلِيكُمْ ﴾ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم.
وفي الحديث: «رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» وقيل: إنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهله.
وقرئ: ﴿ وأهلوكم ﴾ ، عطفاً على واو ﴿ قوا ﴾ وحسن العطف للفاصل.
فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟
قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب ﴿ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ نوعاً من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حراً إذا أوقد عليها.
وقرئ: ﴿ وقودها ﴾ بالضم، أي ذو وقودها ﴿ عليها ﴾ يلي أمرها وتعذيب أهلها ﴿ ملائكة ﴾ يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ﴿ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ في أجرامهم غلظة وشدّة، أي: جفاء وقوّة.
أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه ﴿ مَا أَمَرَهُمْ ﴾ في محل النصب على البدل، أي: لا يعصون ما أمر الله.
أي: أمره، كقوله تعالى: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ [طه: 93] أو لا يعصونه فيما أمرهم.
فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟
قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثافلون عنه ولا يتوانون فيه.
فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ [البقرة: 24] وقال: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ [البقرة: 24] فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به بالمؤمنين؟
قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة.
ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون؛ ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره ﴿ ياأيها الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7) ﴾ أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم.
أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى؛ والنصح: صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك: أن يتوبوا عن القبائح لقبحها، نادمين عليها، مغتمين أشدّ الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك.
وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنه سمع أعرابياً يقول: اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين.
قال: وما التوبة؟
قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب: الندامة، وللفرائض: الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي.
وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه.
وعن شهر بن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار.
وعن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك.
وقيل: توبة لا يتاب منها.
وعن السدي: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله.
وقيل: نصوحاً من نصاحة الثوب، أي: توبة ترفو خروقك في دينك، وترمّ خَلّك.
وقيل: خالصة، من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع.
ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أي: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها.
وقرأ زيد بن علي ﴿ توبا نصوحا ﴾ وقرئ: ﴿ نصوحا ﴾ بالضم، وهو مصدر نصح.
والنصح والنصوح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور أي: ذات نصوح.
أو تنصح نصوحاً.
أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل.
ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت.
والثاني: أن يجيء به تعليماً للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت: قراءة ابن أبي عبلة: ﴿ ويدخلكم ﴾ بالجزم، عطفاً على محل (عسى أن يكفر) كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيآتكم ويدخلكم ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله ﴾ نصب بيدخلكم، ولا يخزي: تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم ﴿ يسعىنورهم ﴾ على الصراط ﴿ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقاً.
وعن الحسن: الله متممه لهم ولكنهم يدعون تقرباً إلى الله، كقوله تعالى: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ [غافر: 55] وهو مغفور له.
وقيل: يقوله أدناهم منزلة، لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم، لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً.
وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفاً؛ فأولئك الذين يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، ﴿ أم من يأتي آمنا يوم القيامة ﴾ [فصلت: 40] .
﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ [يونس: 62] ، ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر ﴾ [الأنبياء: 103] أو كيف يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟
قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن.
وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقرّبا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جاهد الكفار ﴾ بالسيف ﴿ والمنافقين ﴾ بالاحتجاج؛ واستعمل الغلظة والخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة.
وعن قتادة: مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم.
وعن مجاهد: بالوعيد.
وقيل: بإفشاء أسرارهم.
<div class="verse-tafsir"
مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر؛ لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله بحال امرأة نوح وامرأة لوط: لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء ما من عذاب الله ﴿ وَقِيلَ ﴾ لهما عند موتهما أو يوم القيامة: ﴿ ادخلا النار مَعَ ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء.
أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط.
ومثل حال المؤمنين في أنّ وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئاً من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أنّ قومها كانوا كفاراً.
وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأميّ المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشد، لما في التمثيل من ذكر الكفر.
ونحوه في التغليظ قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره.
فإن قلت، ما فائدة قوله: ﴿ مِّنْ عِبَادِنَا ﴾ ؟
قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائناً من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله: قال عبدين من عبادنا صالحين، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده إظهاراً وإبانة، لأن عبداً من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده.
فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟
قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.
ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقاً، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما بغت امرأة نبي قط.
<div class="verse-tafsir"
وامرأة فرعون: آسية بنت مزاحم.
وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون.
عن أبي هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس؛ وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها.
وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقي بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.
وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة؛ فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها.
وقيل: لما قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة: أريت بيتها في الجنة يبنى.
وقيل: إنه من درة.
وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟
قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها: ﴿ فِى الجنة ﴾ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها: ﴿ عِندَكَ ﴾ .
﴿ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ من عمل فرعون.
أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصاً من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم ﴿ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين ﴾ من القبط كلهم.
وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل: من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين: ﴿ فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ المؤمنين ﴾ ، [الشعراء: 118] ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين ﴾ [يونس: 86] .
﴿ فِيهِ ﴾ في الفرج.
وقرأ ابن مسعود: فيها، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام.
ومن بدع التفاسير: أنّ الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته: منعته جبربل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييباً لأنفسهنّ ﴿ وَصَدَّقَتْ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعني: وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه.
فإن قلت: فما في كلمات الله وكتبه؟
قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها، وبكتبه: الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره.
وقرئ: ﴿ بكلمة الله وكتابه ﴾ ، أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل.
فإن قلت: لم قيل ﴿ مِنَ القانتين ﴾ على التذكير؟
قلت: لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه.
و ﴿ مِنَ ﴾ للتبعيض ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنهاولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هرون أخي موسى صلوات الله عليهما.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وأما ما روي أنّ عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف سمى الله المسلمة؟
تعني مريم، ولم يسم الكافرة؟
فقال: بغضاً لها: قالت: وما اسمها؟
قال: اسم امرأة نوح (واعلة) واسم امرأة لوط (واهلة) فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها للبغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكم وأسلم من ذلك.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحاً» .