تفسير الكشاف سورة الليل

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الليل

تفسيرُ سورةِ الليل كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

تفسير سورة الليل كاملةً (جار الله الزمخشري)

وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ١ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ٤

المغشي: إما الشمس من قوله: ﴿ واليل إِذَا يغشاها ﴾ [الشمس: 4] وإما النهار من قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ [الرعد: 3] وإما كلّ شيء يواريه بظلامه من قوله: ﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ [الفلق: 3] .

﴿ تجلى ﴾ ظهر بزوال ظلمة الليل.

أو تبين وتكشف بطلوع الشمس ﴿ وَمَا خَلَقَ ﴾ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، وقيل: هما آدم عليه السلام وحواء.

وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ والذكر والأنثى ﴾ .

وقرأ ابن مسعود: ﴿ والذي خلق الذكر والأنثى ﴾ .

وعن الكسائي: ﴿ وما خلق الذكر والأنثى ﴾ بالجرّ على أنه بدل من محل ﴿ مَا خَلَقَ ﴾ بمعنى: وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى.

وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق.

إذ لا خالق سواه.

وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقاً من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى.

والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة؛ فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكراً ولا أنثى، وقد لقى خنثى مشكلاً: كان حانثاً؛ لأنه في الحقيقة إمّا ذكراً أو أنثى، وإن كان مشكلاً عندنا ﴿ شتى ﴾ جمع شتيت، أي: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ٦ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ ٧

﴿ أعطى ﴾ يعني حقوق ماله ﴿ واتقى ﴾ الله فلم يعصه ﴿ وَصَدَّقَ بالحسنى (6) ﴾ بالخصلة الحسنى: وهي الإيمان.

أو بالملة الحسنى: وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى (7) ﴾ فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها.

ومنه قوله عليه السلام: «كل ميسر لما خلق له» والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها، من قوله: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ [الأنعام: 125] .

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ ٨ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ ٩ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْرَىٰ ١٠ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١

﴿ واستغنى ﴾ وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه.

أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة ﴿ واتقى ﴾ .

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى ﴾ فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه، من قوله: ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء ﴾ [الأنعام: 125] أو سمى طريقة الخير باليسرى، لأنّ عاقبتها اليسر؛ وطريقة الشرّ العسرى، لأن عاقبتها العسر.

أو أراد بهما طريقي الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين.

وقيل: نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه، وفي أبي سفيان بن حرب ﴿ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ ﴾ استفهام في معنى الإنكار.

أو نفي ﴿ تردى ﴾ تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت.

أو تردّى في الحفرة إذا قبر، أو تردّى في قعر جهنم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ ١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلْـَٔاخِرَةَ وَٱلْأُولَىٰ ١٣

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا للهدى ﴾ إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلاَّخِرَةَ والأولى ﴾ أي: ثواب الدّارين للمهتدي، كقوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] .

<div class="verse-tafsir"

فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًۭا تَلَظَّىٰ ١٤ لَا يَصْلَىٰهَآ إِلَّا ٱلْأَشْقَى ١٥ ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ١٧ ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍۢ تُجْزَىٰٓ ١٩ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ٢١

وقرأ أبو الزبير: ﴿ تتلظى ﴾ فإن قلت: كيف قال: ﴿ لاَ يصلاها إِلاَّ الاشقى......

وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى (17) ﴾ ؟

وقد علم أنّ كل شقيّ يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى (17) ﴾ ؟

فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟

قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصاً بالصلي، كأن النار لم تخلق إلاّ له.

وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلاّ له.

وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضي الله عنه ﴿ يتزكى ﴾ من الزكاء.

أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يريد به رياء ولا سمعة.

أو يتفعل من الزكاة.

فإن قلت: ما محل يتزكى؟

قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلاً من ﴿ يُؤْتِى ﴾ فلا محل له؛ لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالاً من الضمير من ﴿ يُؤْتِى ﴾ فمحله النصب ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِ ﴾ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي: ما لأحد عنده نعمة إلاّ ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلاّ حماراً.

وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه ﴾ بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد ألا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي حازم: أَضْحَتْ خَلاءً قِفَاراً لاَ أَنِيسَ بِهَا ** إلاّ الْجَآذِرُ وَالظّلْمَانُ تَخْتَلِفُ وقول القائل: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ** إلاَّ الْيَعَافِيرُ وَإلاَّ الْعَيسُ ويجوز أن يكون ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِ ﴾ مفعولاً له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتي ماله إلاّ ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة ﴿ وَلَسَوْفَ يرضى (21) ﴾ موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.

وعن رسول صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله