تفسير الكشاف سورة الضحى

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الضحى

تفسيرُ سورةِ الضحى كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

تفسير سورة الضحى كاملةً (جار الله الزمخشري)

وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣

المراد بالضحى: وقت الضحى، وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي شعاعها.

وقيل: إنما خصّ وقت الضحى بالقسم، لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام، وألقي فيها السحرة سجداً، لقوله: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى ﴾ [طه: 59] وقيل: أريد بالضحى: النهار، بيانه قوله: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى ﴾ [الأعراف: 98] في مقابلة (بياتاً).

﴿ سجى ﴾ سكون وركد ظلامه.

وقيل: ليلة ساجية ساكنة الريح.

وقيل معناه: سكن الناس والأصوات فيه.

وسجا البحر: سكنت أمواجه.

وطرف ساج: ساكن فاتر ﴿ ما ودّعك ﴾ جواب القسم.

ومعناه: ما قطعك قطع المودع.

وقرئ بالتخفيف، يعني: ما تركك.

قال: وَثَمَّ وَدَعْنَا آلَ عَمْرٍو وَعَامِرٍ ** فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ والتوديع: مبالغة في الودع؛ لأنّ من ودّعك مفارقاً فقد بالغ في تركك.

روى: أنّ الوحي قد تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً، فقال المشركون: إنّ محمداً ودعه ربه وقلاه.

وقيل: إنّ أم جميل امرأة أبي لهب قالت له: يا محمد، ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك، فنزلت.

حذف الضمير من ﴿ قلى ﴾ كحذفه من (الذاكرات) في قوله: ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات ﴾ [الأحزاب: 35] يريد: والذاكراته ونحوه: (فآوى...

فهدى...

فأغنى) وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف.

<div class="verse-tafsir"

وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ ٥

فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿ وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى (4) ﴾ بما قبله؟

قلت: لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي: أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجلّ منه: أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ موعد شامل لما أعطاه الله في الدنيا من الفلج والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبثّ عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين، ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلاّ الله.

قال ابن عباس رضي لله عنهما: له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك.

فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟

قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف.

تقديره: ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في: لا أقسم، أن المعنى: لأنا أقسم؛ وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء فلام القسم لا تدخل على المضارع إلاّ مع نون التأكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاّ على الجملة من المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدإ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك.

فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟

قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخّر، لما في التأخير من المصلحة.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلًّۭا فَهَدَىٰ ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ ٨

عدّد عليه نعمه وأياديه، وأنه لم يخله منها من أوّل تربيه وابتداء نشئه، ترشيحاً لما أراد به؛ ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا يتوقع إلاّ الحسنى وزيادة الخير والكرامة: ولا يضيق صدره ولا يقل صبره.

و ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ ﴾ من الوجود الذي بمعنى العلم: والمنصوبان مفعولاً وجد.

والمعنى: ألم تكن يتيماً، وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمّه، وهو ابن ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، وعطّفه الله عليه فأحسن تربيته.

ومن بدع التفاسير: أنه من قولهم: (درّة يتيمة) وأن المعنى: ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك.

وقرئ: ﴿ فآوى ﴾ وهو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه.

سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة وإما من أوى له: إذا رحمه ﴿ ضَآلاًّ ﴾ معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع، كقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب ﴾ [الشورى: 52] .

وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب.

وقيل: أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب.

وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، فهداك: فعرفك القرآن والشرائع.

أو فأزال ضلالك عن جدك وعمك.

ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة، فإن أراد أنه كان على خلوّهم عن العلوم السمعية، فنعم؛ وإن أراد أنه كان على دينهم وكفرهم، فمعاذ الله؛ والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوّة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْء ﴾ [يوسف: 38] وكفى بالنبي نقيصه عند الكفار أن يسبق له كفر ﴿ عَآئِلاً ﴾ فقيراً.

وقرئ: ﴿ عيلاً ﴾ كما قرئ: سيحات.

وعديماً ﴿ فأغنى ﴾ فأغناك بمال خديجة.

أو بما أفاء عليك من الغنائم.

قال عليه الصلاة السلام: «جعل رزقي تحت ظلّ رمحي» وقيل: قنعك وأغنى قلبك.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١

﴿ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ فلا تكهر ﴾ وهو أن يعبس في وجهه.

وفلان ذو كهرورة: عابس الوجه.

ومنه الحديث: «فبأبي وأمي هو، ما كهرني» النهر، والنهم: الزجر.

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رردت السائل ثلاثاً فلا يرجع، فلا عليك أن تزبره» وقيل: أما إنه ليس بالسائل المستجدي، ولكن طالب العلم: إذا جاء فلا تنهره.

التحديث بنعمة الله: شكرها وإشاعتها، يريد: ما ذكره من نعمة الإيواء والهداية والإغناء وما عدا ذلك.

وعن مجاهد: بالقرآن، فحدّث: أقرئه، وبلغ ما أرسلت به.

وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح يقول: رزقني الله البارحة خيراً: قرأت كذا وصليت كذا، فإذا قيل له: يا أبا فراس مثلك يقول مثل هذا؟

قال: يقول الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ ﴾ وأنتم تقولون: لا تحدث بنعمة الله.

وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف، وأن يقتدي به غيره، وأمن على نفسه الفتنة.

والستر أفضل.

ولو لم يكن فيه إلاّ التشبه بأهل الرياء والسمعة: لكفي به.

وفي قراءة علي رضي الله عنه: ﴿ فخبر ﴾ والمعنى: أنك كنت يتيماً، وضالاً وعائلاً، فآواك الله، وهداك: وأغناك؛ فمهما يكن من شيء وعلى ما خيلت فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث.

واقتد بالله، فتعطف على اليتيم وآوه، فقد ذقت اليتم وهوانه، ورأيت كيف فعل الله بك؛ وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك، كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر؛ وحدّث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتدياً بالله في أن هداه من الضلال.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرإ سورة الضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل