تأويلات أهل السنة سورة يس

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة يس

تفسيرُ سورةِ يس كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 86 دقيقة قراءة

تفسير سورة يس كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

يسٓ ١ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٤ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ٦ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٧ إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ٨ وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ٩ وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ ١١ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ١٢

قوله - عز وجل -: ﴿ يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: يا إنسان، يعنى: يا محمد أقسم به: يا محمد، إن هذا القرآن من عند الله نزل، وهو بلسان الحبشة.

وقال بعضهم: وهو بلسان طيئ.

وقتادة يقول: قسم، أقسم بالقرآن: إنك لمن المرسلين، ويقول: كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.

وقال بعضهم: هو من فواتح السورة.

وقال بعضهم: فواتح يفتتح بها كلامه.

وقال بعضهم: اسم من أسماء الرب.

وعن معاذ بن جبل وكعب -  ما - قالا: ﴿ يسۤ ﴾ قسم أقسم الله به يا محمد، ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ دل أن الخطاب به على أثر قوله: ﴿ يسۤ ﴾ على أنه هو المراد بقوله: ﴿ يسۤ ﴾ ؛ إذ لا يستقيم الخطاب بقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ إلا على سبق خطاب له وذكر اسمه.

وقال عكرمة: هو حرف من الهجاء الذي افتتح به السور كسائر حروف الهجاء.

وقال بعضهم: هو من حروف الهجاء التي أقسم الله بها، بما يتلو تلك الحروف من القرآن والآيات والكتاب؛ إذ من عادة العرب القسم بكل ما عظم خطره وجل قدره.

فإن قيل: كيف أقسم بالقرآن وهم كانوا ينكرون القرآن أنه من عند الله؟!

قيل إنهم وإن كانوا ينكرونه، فقد عظم قدره وجل خطره عندهم بما عجزوا عن إتيان مثله بعد قرع أسماعهم بقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ...

﴾ الآية [الإسراء: 88] ونحوه.

والثاني: أقسم به وإن كانوا ينكرونه؛ لما أن قسمه به يحملهم على السؤال عنه؛ إذ كانوا لا يقسمون إلا بما عظم قدره وجل خطره، يقولون: ما هذا القرآن الذي أقسم ربنا به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، فكأنه على سؤال خرج على هذا أنه ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وأن يكون القسم به وبغيره من الأشياء التي عظم خطرها عندهم، على إضمار القسم برب هذه الأشياء وبإلهها؛ هذا على قول من يقول بأن القسم بالله حقيقة لا بتلك الأشياء - مستقيم، وعلى قول من يجعل القسم بها لا على الإضمار هو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

أي: المُحْكَم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ما وصف.

وقال بعضهم: المحكم بالحلال والحرام، والوعد والوعيد، من غير أن يكون فيه اختلاف.

وقال بعضهم: الحكيم؛ لأن من تمسك به وعمل بما فيه يصير حكيماً.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

ولم يقل: إنك لرسول الله، وكلاهما سواء، غير أن قوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ الذين آمنوا بهم من قبل وصدقوا بهم [ففيه] زيادة، ليس ذلك في قوله: (إنك لرسول)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

قال بعضهم: المستقيم: القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان والسبل.

وقال بعضهم: المستقيم: المستوي، أي: مستوٍ؛ على أن من يسلكه أفضاه - أي: الله - وبلغه إلى دار السلام.

وقال بعضهم: المستقيم، أي: استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيع فيه، ولا جور، ولا عدول، ولا اعوجاج.

ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها.

ويحتمل وصف الدين، وذلك عامة قول أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

أي: ذلك القرآن الذي أقسم به ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، أي: من عنده نزل وأحكم، سمّى نفسه: عزيزاً رحيماً عظيماً لطيفاً ظاهراً باطناً أولا آخراً، وفي الشاهد من وصف بالعزّ لا يوصف بالرحمة، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة، ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر؛ ليعلم أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الربّ - تبارك وتعالى - لأن من وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر، [فدل] أن ما وصف به الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق،  الله علوّاً كبيراً.

وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، فلم يقبلوها ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ أميون.

وقال بعضهم: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ ، أي: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم، يقول قائل: لم تكن النذارة للأميين من قبل، كأنه يقول: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من قبل؛ وكذلك قال: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ؛ وهو كقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ  ﴾ ، أي: لم نرسل إليهم قبلك نذيراً، وأصله: أنه يخبر أنه لا ينجع في هؤلاء النذارة كما لم ينجع في آبائهم، بل هم غافلون.

ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل الآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ .

قيل: هو قوله لإبليس حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ ، أي: حق ذلك القول ووجب.

ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل: أن نفراً هموا برسول الله قتله وأذاه، فأهلكهم الله يوم كذا إلا واحدا أو اثنين.

ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادّي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ .

ثم في قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عز وجل - أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؟

فإن قالوا: لم يرد، فيقال: أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك وحش من القول سرف.

وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي فعلوا فيلزمهم قولنا، وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ .

يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول الله  ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ  ﴾ نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفاً لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.

وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل - لعنه الله - حلف لئن رأى محمداً ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع به النبي  فيبست يده إلى عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ الحجر، فلما دنا منه طمس الله بصره، فلم ير النبي  ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله: ﴿ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ  فِي ٱلْحَمِيمِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ ، ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: سنجعل لهم في الآخرة ذلك.

ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول الله ما قصدوا، حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدّاً من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبداً، وذلك في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ .

إن الغل يكون طرفه في العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا ﴾ ، وفي بعض الحروف: ﴿ في أيديهم أغلالا ﴾ .

وقوله: ﴿ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: أقمحت، أي: رفعت رأسها.

وقال بعضهم: الإقماح: هو غض البصر.

وقال أبو عوسجة والقتبي: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاضّ طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعاً: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ومن قرأها بالخفض فهو على العنت؛ كقوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه.

وقوله: ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ .

بالغين والعين جميعاً: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو من قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ وهو من الإعراض.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ وجهان من الاستدلال على المعتزلة لقوله: ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ أضاف إلى نفسه وإن كان منهم صنع، ويجوز أن يستدل بخلق أفعالهم منهم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ : ومن لم يتبع، ﴿ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ ﴾ : ومن لم يخش.

أو إنما ينتفع بالذكر من اتبع الذكر وخشي الرحمن، فأما من لم يتبع الذكر ولم يخش الرحمن فلا ينتفع.

أو أن يكون فيه إخبار بإنذاره من اتبع الذكر، وليس فيه نفي عن إنذار من لم يتبع الذكر ولا تخصيص منه بالإنذار أحد الفريقين دون الآخر، والله أعلم.

والذكر يحتمل القرآن، ويحتمل غيره من الذكرى؛ كقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ ﴾ .

بالغيب: بالآثار والأخبار التي انتهت إليهم من غير مشاهدة وقعت لهم، أو بالغيب بما رأوه من آثار سلطانه وقدرته هابوه وخشوا عذابه ونقمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ .

يحتمل البشارة بالمغفرة عما سلف من الذنوب والإجرام إذا رجعوا عنها، أو عن تقصير كان منهم في الفعل في خلال ذلك، وإن اعتقدوا في الجملة ألا يخالفوا ربهم في فعل ولا في قول؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ترك مخالفة الرب في كل الأحوال، وإن تخلل في بعض أحواله تقصيراً ومخالفة الرب بغلبة شهوة أو طمع في عفوه ورحمته.

﴿ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ قيل: حسن، ويحتمل تسميته: كريماً؛ لما يكرم كل من نال ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

كأنه - والله أعلم - يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على الإخبار أنه هو محييهم إذا ماتوا.

وقوله: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: نكتب ما قدموا وآثارهم و[ما] أسلفوا في حياتهم وعملوه، ونكتب أيضاً آثارهم وهو ما سنوا من سنة من خير أو شر فاقْتُدي بهم من بعد موتهم، على ما ذكر في الخبر: "إن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يقوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ؛ وهو كقوله أيضاً: ﴿ يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾ أي: خطاهم التي خطوها في الخير والشر.

وقال قتادة: لو كان الله مغفلا شيئاً من شأنك يابن آدم، أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار، وروي على هذا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري -  ما - قالا: "إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد [فأرادوا] أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ ، فقال النبي  : إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا، فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول بالآثار: الخطا.

وقوله: ﴿ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: كل شيء من أعمالهم من خير أو شر محصى محفوظ ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في الكتاب الذي تكتب [فيه] أعمالهم في الدنيا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  ﴾ أي: بكتابهم الذي كتبت أعمالهم فيه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...

﴾ الآية [الحاقة: 19].

ويحتمل ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ١٣ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍۢ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ١٤ قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ١٥ قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ١٦ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ١٧ قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٨ قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ ١٩

قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

يحتمل الأمر لرسوله بضرب مثل أصحاب القرية لقومه وجهين: أحدهما: أن الخبر قد كان بلغ هؤلاء، أعني: خبر أصحاب القرية التي بعث إليهم الرسل، وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل وسوء معاملتهم إياهم، إلا أنهم قد نسوا ذلك وغفلوا عنه، فأمرهم بالتذكير لهم والتبيين؛ ليحذورا عن مثل صنيعهم وسوء معاملتهم رسولهم.

والثاني: يحتمل أن لم يكن بلغهم خبر أولئك وما نزل بهم بسوء معاملتهم الرسول، فأمره أن يعلم قومه ذلك ويبين لهم، فيسألون عن ذلك أهل الكتاب، فيخبرونهم بما كان في كتبهم؛ فيعرفون صدق رسول الله فيما يخبرهم، فيكونون على حذر عن مثل صنيعهم ومعاملتهم الرسل؛ وعلى ذلك تخرج هذه الأنباء والقصص المذكورة في الكتاب على هذين الوجهين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ .

أي: قوينا بثالث، اختلف فيه: قال بعضهم: إن عيسى بن مريم كان بعث إليهم أولا رسولا فأتاهم، فدعاهم إلى التوحيد، وأقام على ذلك حججاً وبراهين، فكذبوه وقالوا: ما نعرف ما تقول، ثم بعث من بعده رسولين فقال لهما ذلك الرسول: إنهم سيكذبونكما كما كذبوني قبلكما وسيقولون لكما إذا دعوتماهم إلى التوحيد: ماذا تحسنان؟

فإذا قلتما: نبرئ الأكمه والأبرص، قالوا: فينا من يحسن ذلك، فإن قلتما: نشفي المريض، قالوا: فينا من يحسن ذلك ونحوه، ولكن قولا أنتما: نحيي الموتى، وأنا أقول لهم: إني لا أحسن أنا؛ فهو قوله: ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ أي: قوّينا وشددنا بثالث، ففعلوا ذلك فقالوا عند ذلك: قد تواشيتم علينا بهذا الكلام، أو تواطأتم، أو كلام نحوه، فأخذوا وعذبوا وأهلكوا؛ وهو قول ابن عباس،  : ومنهم من يقول: بعث أوّلا رسولان فكذبوهما، فبعث ثالث بعد ذلك ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ ، أي: عززنا الرسولين بثالث، أي: قويناهما.

وقرأ بعضهم: ﴿ عَزَزْنا ﴾ بالتخفيف، أي: غلبنا.

لكن ذكر أنهم قتلوا جميعاً وأهلكوا - أعني: الرسل - فكيف يكون الغالب مقتولا مهلكاً؟!

ويجوز أن يكون المقتول مقوِّيا؛ دل أن قراءة من يقرأ بالتخفيف ضعيف والأول أقوى وأقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ ﴾ .

وكذلك قول أهل مكة لرسول الله: إنه ساحر وإنه مجنون وإنه مفتر مختلق، وقولهم: ﴿ وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾ .

لما أيسوا من إيمانهم وتصديقهم إياهم، فزعوا إلى الله، وتضرعوا إليه.

أو أن يقولوا بأن الله أعلم بما أطلعكم بأنا إليكم لمرسلون بالحجج والآيات.

وقوله: ﴿ وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

أي: ليس علينا من ترك إجابتكم لنا ورد الرسالة شيء، إنما ذلك عليكم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾ .

دل هذا القول منهم على أنه قد نزل شيء من العذاب والشدة حتى تشاءموا بهم ذلك ولم يزل عادة الكفرة التطير بالرسل عند نزول البلاء بهم؛ كقوله: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 131].

وقوله: ﴿ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: شؤمكم معكم حيثما كنتم ما دمتم على ما أنتم عليه من العناد والتكذيب، ويذكر أهل التأويل: أن القرية كانت أنطاكية وأن الذي بعث هؤلاء الرسل إليهم عيسى - صلوات الله عليهم أجمعين - ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تشاؤمكم معكم أين كنتم وحيثما كنتم، ما دمتم على ما أتنم عليه.

وقال بعضهم: طائركم معكم إذ ذكرتم فلم تقبلوا التذكير ونحوه.

ويحتمل وجهاً آخر: أن الذي أصابكم كان مكتوباً في أعناقكم، أئن وعظتم بالله تطيرتم بنا ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٢٠ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ ٢١ وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٢٤ إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ٢٧ ۞ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ ٢٩ يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٠ أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ٣١ وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٣٢

قوله: ﴿ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن هذا الرجل يسمّى: حبيب النجار، وهو من بني إسرائيل، كان في غار يعبد الله، فلما سمع بالرسل، نزل وجاء، فقال ذلك ما قال: لكن لا ندري من كان؟

وليس لنا إلى [معرفة] اسمه حاجة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ ﴾ رغبة في الرسل وفي دينهم فدعاهم إلى اتباع الرسل.

أو أن يكون كان مؤمناً مسلماً مختفياً، فلما بلغه خبر إهلاك الرسل، جاء يسعى؛ إشفاقاً عليهم؛ لئلا يهلكوا - أعني: الرسل - فقال: ﴿ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ أي: اتبعوا الهدى، والهدى مما يجب أن يتبع، ولا يسألكم على اتباع الهدى أجراً؛ فيمنعكم الأجر عن اتباع الهدى.

أو أن يقول: اتبعوا المرسلين، واعلموا أنهم مهتدون حيث لا يسألونكم أجراً وهم مهتدون في الدنيا ولا العز؛ إذ كل من لا يسأل هذا فهو مهتد، وكل مهتد متبع، وهذا يدل أن طلب الأجر في ذلك مما يجعل صاحبه معذوراً في ترك الاتباع؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ ، أي: لا يسألكم أجراً حتى يمنعكم ثقل الأجر عن إجابته واتباعه، وهذا ينقض ويبطل قول من يبيح أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه إذا كان له ألا يعلم إلا بالأجر كان له ألا يعلم بكل أجر، ففي ذلك إبطال الدّين وجعل الرخصة لهم في ترك ذلك، وذلك سمج قبيح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم بعد سؤال كان من أولئك له في الرجوع إلى عبادة من يعبدونه دون الله وترك عبادة الله، فقال: إنكم تعبدون هذه الأصنام رجاء أن يقربكم ذلك إلى الله زلفى، وما لي [لا] أعبد الذي ترجون أنتم الزلفى والقربة منه؟!

والثاني: على التذكير والتنبيه لهم: أنتم تعلمون أن الذي فطرنا وخلقنا هو المستحق للعبادة لا من لم يفطر ولم يخلق، ثم تعلمون أن الله هو فطرنا وخلقنا [لا] الأصنام التي تعبدونها، وما لي لا أعبد الذي فطرنا وأترك الذي لم يفطرنا؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ ﴾ .

يقول: أأتخذ من دون الله معبودا لو أراد الله بي ضرّاً لم يملك ذلك المعبود دفع ذلك عني، ولو نزل بي شدة أو بلاء منه، لم يقدر استنقاذي منه، ولو طلبت منه جرّ نفع لم يقدر على جلبه إلىّ، وأترك عبادة من أعلم أن ذلك كله منه، وهو المالك لذلك كله: من جرّ نفع، ودفع ضر وبلاء، وفي الحكمة: العبادة لمن يملك ذلك كله لا لمن لا يملك، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: لو فعلت ذلك فإذن كنت في ضلال مبين، فذكر أنه لما قال لهم ذلك أمر بقتله، فعند ذلك قال: ﴿ إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَٱسْمَعُونِ ﴾ أي: أجيبوني في قولي: ﴿ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱسْمَعُونِ ﴾ ، أي: اشهدوا لي.

ويحتمل قوله: ﴿ فَٱسْمَعُونِ ﴾ حقيقة السماع، أي: اسمعوا قولي وإيماني، لا يمنعني عنه ما تخوفونني، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قال بعضهم: أي: أوجبت له الجنة [و] ما ذكر للشهداء وأُري الثواب؛ فقال عند ذلك: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي...

﴾ الآية.

ويحتمل دخول الجنة ما ذكر للشهداء: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ ﴾ الآية [آل عمران: 169-170].

أو أن يكون قوله: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ﴾ أن يقال له في الآخرة كقوله لعيسى بن مريم: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي  ﴾ ، وإنما هو أن يقال له يومئذ؛ فعلى ذلك يحتمل الأول.

وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ .

قيل: إنه نصحهم حيّاً وميتاً، ولم يترك نصحهم لمكان ما عملوا وفعلوا به من السوء وأنواع التعذيب، ولكن تمنى أن ليت قومي أن يكونوا يعلمون ما أعطي هو بالإيمان بربه والتصديق برسله؛ ليعطوا مثل ما أعطي هو، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يترك النصيحة لجملة المؤمنين، وإنْ لحقه منهم أذى أو سوء.

وقال قتادة: ولا يلقى المؤمن إلا ناصحاً، ولا يلقى غاشّاً؛ لما عاين ما عاين من كرامة الله، قال: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ تمنّي والله أن يعلم قومه ذلك؛ ليعلموا أن أهل الإيمان ليسوا بأهل غش ولا نذالة لعباده.

وقال: قيل لروحه: ادخل الجنة، فتمنى روحه أن يعلموا إلى ما صار هو، ليؤمنوا بالرسل ولا يكذبوهم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أي: من بعد قتل ذلك الرجل ﴿ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ : من الملائكة، أي: لم ننزل على قومه في هلاكهم بعد صنيعهم بمكانه وإهلاكهم إياه - جندا من السماء، ولكن أهلكوا بصيحة واحدة، أي: لم نفعل بهم كما يفعل ملوك الأرض إذا قتل رسلهم وأهلك أولياؤهم، يبعثون بجنود في اسئصال من فعل ذلك بهم، ولكن أهلكهم بصيحة واحدة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: قدر صيحة واحدة، أي: أهلكوا بقدر صيحة واحدة في سرعتها.

ويحتمل الإهلاك بالصيحة، أي: أهلكوا بالصيحة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ .

قيل: موتى مثل النار إذا خمدت وطفئت، لا يسمع لها صوت.

وقوله: ﴿ يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ﴾ .

في تركهم الإيمان بالله وتكذيبهم الرسل واستهزائهم بهم، والحسرة: قال بعض أهل الأدب: هي الغاية من الندامة، إذا انتهت الندامة غايتها يقال: حسرة.

وقال بعضهم: الحسرة: الحزن والتحزن والتندم؛ وهو واحد.

ثم قال بعضهم في قوله: ﴿ يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ﴾ : أي: يا حسرة الرسل على ذلك المؤمن المقتول على الإيمان بهم.

وقال بعضهم: يا حسرة أولئك الكفرة على أنفسهم إذا عاينوا العذاب على ما كان منهم من الاستهزاء على الرسل؛ كقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

فإن قيل: كيف احتج عليهم بالرجوع إليهم وهم كانوا ينكرون البعث والرجوع بعد الموت؟!

فهو يخرج على وجوه: أحدها: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ أي: قد رأى أهل مكة هلاكهم في الدنيا وأنهم إليهم لا يرجعون أحياء، فيخبرونهم أنهم بم أهلكوا في هذه الدنيا؟

وبماذا عذبوا فيها؟

فهلا يعتبرون وينظرون أنهم إنما أهلكوا بتكذيب الرسل فيرتدعوا عن ذلك.

و ﴿ وَإِن كُلٌّ ﴾ يعني الأمم كلها، يقول - والله أعلم -: وما كل إلا جميع لدينا محضرون في الآخرة.

أو يقول: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ﴾ بالتكذيب للرسل من القرون أنهم إليهم لا يرجعون أبداً حتى يوم القيامة، وهما واحد.

أو أن يكون ذلك يخرج على إبطال قول أهل التناسخ حيث قالوا: إن الأرواح إذا خرجت من أبدان قوم دخلت في أخرى، فيقول - والله أعلم - ردّاً عليهم: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ ؛ إذ لم ير روحاً، أخبر أنه خرج من جسد هذا ودخل في آخر.

أو أن يكون ذلك يخرج على نقض قول قوم وهو ما ذكر عن ابن عباس -  - أنه سئل فقيل: إن ناساً يقولون: إن عليّا مبعوث قبل يوم القيامة، ثم قال: "بئس القوم نحن إذا كنا نكحنا نساءهم وقسمنا ميراثهم، ثم تلا: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ ".

أو أن يكون على إيجاب البعث أن من كذب الرسل ومن صدقهم ومن عمل ما يحمد عليه وما يذم، قد استووا جميعاً في هذه الدنيا، فلا بد من دار أخرى يميز بينهما، بين المصدّق وبين المكذب، وبين المحمود والمذموم، يؤيد ذلك قوله: ﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَّدَيْنَا ﴾ و ﴿ عِندَنَا ﴾ ونحوه من الظروف خصها بذلك الاسم وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا أن المقصود من إنشاء هذه تلك ومن هذا العالم الفاني ذلك العالم الباقي؛ إذ لو لم يكن تلك ولا ذلك العالم الباقي، لم يكن إنشاء هذه حكمة؛ لأنه يحصل الإنشاء والخلق على الإفناء خاصة وإحداث الشيء للإفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل.

<div class="verse-tafsir"

وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّۭا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ٣٣ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ٣٤ لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ٣٥ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ٣٦

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ﴾ أي: آية البعث لهم ما رأوا الأرض ميتة في وقت يابسة لا نبات فيها ولا شيء، ثم رأوها حيّة مخضرة متزينة بأنواع النبات، متلونة بألوان الخارج منها، فيخبر أنّ من قدر على هذا لقادر على إحياء الموتى بعد ما بليت أجسادهم وصاروا رماداً، وأن من قدر على هذا لا يعجزه شيء، ولا يصعب عليه شيء، فهذه آية ظاهرة على البعث مشاهدة محسوسة.

وفيه آية يحتاج إلى أن تستخرج منها بالحكمة وهو ما ذكر ﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ : أنه لما أخرج من الأرض حبّاً، وجعل غذاءهم فيه من غير أن يستوجبوا ذلك منه؛ دل أنه إنما جعل ذلك؛ ليمتحنهم بأنواع المحن على علم منه أنّ منهم من يشكر ومنهم من يكفر، وقد سوى بينهم في هذه بين الكافر منهم وبين الشاكر، فلابد من دار أخرى فيها يقع التمييز بينهم: الثواب للشاكر، والعقاب للكافر؛ إذ في الحكمة التفريق لا الجمع، وعلى ذلك ما ذكر من جعل الجنان لهم والنخيل والأعناب وتفجير العيون وغيره، وذكر في آخره: ﴿ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ﴾ رب هذه النعم كلها.

أو أن يكون وجه الدلالة فيه من وجه آخر: وهو أنه لما أنشأهم وعلم ما يصلح لهم من الغذاء وما لا يصلح لهم ما يكون لهم من غذاء، وما لا يكون قبل أن ينشئهم؛ دل أنه علم بذاته قادر لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

أو أن يكون لما أنشأ هذه الأشياء التي ذكر لهم لا يحتمل أن يتركهم سدى، لا يمتحنهم بشيء ولا يأمرهم بشيء ولا ينهى عن شيء، فإن ثبت المحنة ثبت البعث وظهر الثواب والعقاب.

وفي قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر من أنواع الفواكه والثمار وغيرها - آية الوحدانية له والألوهية، ودلالة الجود والكرم له؛ ليرغبوا فيه ويطمعوا منه، ودلالة العدل له والسلطان ليهابوه، ودلالة البعث؛ لما ذكرنا، ودلالة أن هذه النعم منه؛ ليشكروه حيث قال في آخره: ﴿ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

من الناس من يقول: إن الأزواج هي التي لها مقابل من الأشكال والأضداد مما للخلق فيه فعل ومما لا صنع لهم فيه، حيث قال: ﴿ مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويستدل بذلك على خلق أفعال العباد، وهو ما قال: ﴿ خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ﴾ ، ومن الأزواج ما يكون فعلا لهم، وقد أخبر أنه خلقها كلها دل أنه خالق أفعالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ٣٧ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٣٨ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ٣٩ لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ٤٠

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

في ذلك آيات من وجوه: أحدها: آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت.

والثاني: آية الوحدانية له والألوهية.

والثالث: آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي.

أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهاراً، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء؛ ومجيء الآخر وانتزاع هذا من هذا وإدخاله في الآخر دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، وله قدرة ذاتية لا مكتسبة مستفادة، فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت؛ إذ الإحياء بعد الموت ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلاً، والأعجوبة في هذا إن لم تكن أكثر - أعني: في جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلا وإدخال أحدهما في الآخر - ليست بدون الإحياء بعد الموت، فإذا كان كذلك دل أنه قادر بذاته لا بإقدار من غيره؛ فلا يعجزه شيء، ولا قوة إلا بالله.

وأما دلالة الوحدانية فهو إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي إليه، وإجراؤه على مجرى واحد وسنن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في هذا، وهذا في هذا - دلالة أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا أتى أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك وغلبه صاحبه وقهره، وكذلك منشئ النهار إذا غلب على منشئ الليل لهم به على إتيانه بالآخر وغلبه عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما أنشأه هو فيما أنشأه الآخر، فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد وهو ردّ على الثنوية.

وأما دلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي هو إجراء الدهر من أول ما أنشأه على تقدير حاجة أهله - أعني: حاجة أهل الدهر - وعلى تقدير منافعهم واتساقه على أمر واحد على غير تغيّر وتفاوت يقع في ذلك، أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه وينتهي حاجتهم ومنافعهم - دل أنه كان لم يزل عالماً بحوائجهم ومنافعهم حيث أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير منافعهم، وأن له علماً ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا علماً مكتسباً ومستفاداً، وأن له القدرة والسلطان حيث لم يقدر أحد أن يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا وقعت الحاجة في الليل، ولا [يقدر] أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت آخر؛ بل أظلم الليل والخلائق كلهم، وستر عليهم كل شيء شاءوا أو أبوا، وأضاء لهم النهار على كل مستور عليهم، وإداؤهم على كل مختلف شاءوا أو أبوا - دل أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك والسلطان الذاتي لا مكتسب مستفاد؛ إذ ذا علم كل ذاتي لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال، وهذا يبطل قول الفلاسفة: إن العقل دراك بنفسه كالنار حارة بطبعها، محرقة بذاتها، فلو كان يدرك بنفسه، لكان لا جائز أن يكون ولا درك هنالك، أو يشبه عليه شيء بوجه من الوجوه، فإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه دراك بغيره فيدرك على قدر ما تجلى له وانكشف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ أي: ننزع منه النهار.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

أي: داخلون في الظلمة، يقال: أظلم فلان: إذا دخل في الظلمة.

ثم سورة يس نزلت كلها بمكة محاجة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رماداً، وإنكارهم الرسالة، وهم كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة: منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها، فبين الله -  - في هذه السورة وذكر فيها الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري البعث وعلى منكري الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات، من ذلك قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ﴾ ، وفيه دلالة القدرة على البعث على [ما] بينا فيما تقدم.

وفي قوله: ﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ دلالة الوحدانية له؛ لأنه أخرج ما ذكر من النبات والجنات والأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض لمنافع من السماء تتصل بالأرض؛ فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما على أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ إذ لو كانا فعل عدد لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا فيما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع والتمانع في العرف، والله أعلم.

وما ذكر أيضاً من الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في رأي العين وسلخ أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي: أما دلالة الوحدانية فهو ما جمع في الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في منافع الخلق وحوائجهم وأنهما شكلان؛ فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد؛ [لأنه لو كان فعل عدد] لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره، فدل الدوام على ذلك واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد - أنه فعل واحد.

وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحداً من أوّل إلى آخر ما ينتهي ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، وأن له علما ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا مكتسباً مستفاداً، وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم وليلة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك لكه على أنه واحد لا شريك [له] قادر لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم [بها]؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوائج؛ فدل أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عالم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء، وبالله القوة.

ثم قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ .

وفي بعض الحروف: ﴿ والشمس تجري لا مستقر لها ﴾ فعلى هذا القول أي: تجري أبداً لا مستقر لها ولا قرار.

ومن قرأ: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ : أي: لنهاية لها وغاية.

ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ  ﴾ قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ وكذلك قال: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

ومنهم من يقول: نهايتها ما ذكر في الخبر: "أنها إذا غربت ترفع إلى السماء السابعة، تخرّ لله -  - ساجدة تحت العرش، ثم يؤذن لها بالطلوع" ؛ ذكر في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "لما أذن لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس، على مقدار ساعات من النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء، وما بين ذلك في الخريف والربيع، فتلبس تلك الحلة، كما يلبس أحدكم ثوبه" ، وذكر في القمر كذلك من الحبس والسجود لله، إلا أنه ذكر فيه: "أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش" ، وفي بعض الأخبار: "بكف من ضوء العرش، وبكفّ من نوره" ، فيلبس تلك الحلة - أي: ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه، فذلك قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ذكر للشمس ضياء، وللقمر نوراً كما ذكر في الخبر.

وقال بعضهم: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ ﴾ : جريانها في البحر الذي خلق الله دون السماء بحر مكفوف حار، فيه تجري الشمس والقمر، والجوار الكنس.

ويحتمل قوله: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ أي: تجري في مكان وتسير فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ويعزّ من أن يغلبه شيء، ﴿ ٱلْعَلِيمِ ﴾ : الذي يعزّ من أن يخفى عليه شيء.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي أظهر أثر الذل في غيره، لا ترى أحداً إلا وأثر الذل والحاجة فيه ظاهرة.

وأما دلالة الرسالة: فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، وعرفهم وأتاهم بحججه وبراهينه؛ دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

أي: قدرناه منازل يزيد ويستوي وينتقص، وكذلك جعل للشمس منازل أيضاً تزداد وتنتقص وتستوي، لكن جعل منازل القمر في تغييره في نفسه يتغير ويزداد ويستوي وينتقص، وأما الشمس فإنه جعل تغييرها في الزيادة والنقصان والاستواء في الأزمنة والأوقات، فأما في نفسها فليس فيها تغيير ولا نقصان ولا زيادة، فهو - والله أعلم - لما ذكر أنه جعل القمر سبباً للوصول إلى معرفة الأوقات والحساب والحجج بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ  ﴾ ، وعلى ذلك جعل طلوعه وغروبه مختلفاً في الليل والنهار، وفي كل وقت وكل ساعة، وأما الشمس فإنها في نفسها على حالة واحدة، لا زيادة فيها، ولا نقصان، ولا تغيير، إلا في الوقت الذي تنكسف، وكذلك طلوعها وغروبها في وقت واحد لا يختلف ولا يتغير إلا في أزمنتها وأوقاتها؛ فإنه يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، ويدخل في هذا هذا، ومن هذا في هذا، وأمّا الأيام فإنه لم يجعل فيها تغيير، فهو - والله أعلم - لما لم يشتد على الناس حفظها ولا جعل سببا لتعريف الأوقات والحساب.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴾ .

قيل: إنه عود الكباسة القديم الذي قد أتى عليه حول، فاستقوس ودق، شبه القمر آخر ليلة ليطلع به أو أول ليلة.

قال بعضهم: شبه القمر بالعرجون القديم، وهو العذق اليابس المنحني القديم الذي أتى عليه الحول؛ وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ .

جائز أن يكون ذكر الشمس هاهنا كناية عن النهار نفسه، والقمر كناية عن الليل؛ ألا ترى أنه ذكر الليل والنهار على أثر ذلك حيث قال: ﴿ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ يخبر أنه لا يدرك هذا هذا ولا سابقاً لهذا.

وجائز أن يكون ذكرهما كناية عن الليل والنهار، ولكن على بيان حقيقتهما ألا يدرك ضوء هذا هذا؛ ولا ضوء هذا هذا، فيغلبه، ولكن يكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، لا يجتمعان في وقت واحد.

أو يذكر أنه لا يغلبه هذا على هذا ما دام في سلطانه، ولا هذا على هذا ما دام سلطانه، فإنما يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: وأما قدرته: فهو ما ذكر من تقدير الشمس والقمر والليل والنهار، حفظهما حتى لا يغلب أحدهما صاحبه فيذهب به؛ دل حفظه إياهما وما ذكر، وتقديره إياهما على ما قدر أنه إنما كان بقدرة ذاتية، ودل إجراؤه إياهما على مجرى واحد وعلى سنن واحد منذ أنشأهما وقدرهما إلى آخر ما ينتهي إليه هذا العالم: أنه كان بعلم ذاتي وتدبير أزليّ، لا مستفاد مكتسب، وهذا ينقض على الثنوية مذهبهم أن منشئ الظلمة غير منشئ النور؛ لأنه لو كان اثنين على ما يقولون لكان إذا غلب هذا على هذا، وجار سلطانه منعه من أن يأتي الآخر، فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد لا عدد.

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .

يعني: الشمس والقمر، قال بعضهم: أي: في دورانه واستدارته يجرون على ما ذكرنا، لا يمنع هذا هذا، ولا هذا هذا؛ وعلى هذا التأويل هو الدوران الذي يدور عليه الشمس والقمر.

وقال بعضهم: إن تحت السماء في الهواء بحراً مكفوفاً، فيه تطلع الشمس وفيه تغرب، وكذلك القمر، فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ على حقيقة السباحة والعوامة، ويروى في ذلك خبر على ما ذكرنا.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ ، أي: نخرج، والعُرجون: عرجون النخلة، مثل العنقود من العنب، والعراجين جماعة، ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ : من السباحة.

<div class="verse-tafsir"

وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ٤١ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ٤٢ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ٤٣ إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ٤٤

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ .

اختلف في ذلك الفلك: قال بعضهم: هي السفينة التي حمل فيها نوح وأتباعه.

وقال بعضهم: أراد به السفن كلها التي يحمل عليها ويركب.

والفلك: يقال: هو واحد وجماعة، فإن كان المراد بالفلك السفينة المشار إليها وهي سفينة نوح، كان قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ غيرها من السفن التي اتخذت للركوب.

وإن كان المراد به غيرها من السفن، كان قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ إنما هي الأنعام التي يركبون عليها في المفاوز والبراري، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ  ﴾ ونحوه.

ثم إن كان المراد بقوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ السفن، كان في ذلك نقض قول المعتزلة في قولهم: أفعال العباد ليست بمخلوقة؛ حيث أخبر أنه خلق السفن، والسفن إنما سميت سفنا بعد ما اتخذت ونحتت، فأما قبل ذلك، فهي تسمى: خشباً، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ معنيين: أحدهما: أنا حملنا مَنْ أَنْتُم مِنْ ذريَّتِهم في الفلك المشحون، وهم الذين حملهم مع نوح في سفينته.

والثاني: أنا حملنا ذرية قومك في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم في الفلك، نسبهم إليهم لما أنهم أصل لهؤلاء؛ كقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، وإنما نسبنا إلى آدم؛ لأنه أصلنا وهو المخلوق من التراب فعلى ذلك هذا، لكن الفائدة في التأويل الأول غير الفائدة في التأويل الثاني إن كان المراد بقوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ﴾ من أنتم من ذريتهم هذا، ففائدته: أنكم من ذرية من نجا منهم من آبائكم، وهم الذين آمنوا برسولهم وصدقوه، لا من كذب به، فكيف لا اتبعتموهم؟!

لأن العرب من عادتهم لا يزالون محتجين: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ .

وإن كان المراد المعنى الثاني فيقول: إن في آبائكم من قد صدق الرسل، وآمن بهم، ومنهم من كذبهم، فكيف اتبعتم الذين كذبوهم دون الذين صدقوهم؟!

ثم جهة الآية في الفلك ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: إما في تذكير ما أنعم عليهم حيث سخر لهم ما في البحار والبراري حتى يصلوا إلى قضاء حوائجهم ومنافعهم في الأمكنة النائية البعيدة بالسفن التي أنشأها لهم والأنعام التي خلقها لهم.

أو يخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على تسخير هذا وإيصال هذا بهذا، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.

أو يخبر عن وحدانيته وربوبيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد لامتنع ولم يتصل، ولم يصلوا إلى قضاء حوائجهم.

أو يخبر عن سفههم بعبادتهم الأصنام التي عبدوها؛ حيث قال: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ...

﴾ الآية، يخبر أنا لو شئنا إغراقهم لا يملك الأصنام التي يعبدونها الإغاثة لهم والاستنقاذ من ذلك، بل هو المالك لذلك؛ كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾ ، أي: لو شاء لأهلكهم، واستأصلهم بالعناد والتكذيب للرسول كما فعل بأوائلهم، لكن برحمته أخر عن هؤلاء ذلك، وجعل لهم متاعاً إلى حين، وذلك منه رحمة، والذين كانوا من قبل عند رؤيتهم بأس الله، كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

﴾ الآية [غافر: 84]، ثم أخبر أنه لم ينفعهم ذلك حيث قال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ  ﴾ ، ولكن رحم هؤلاء؛ لمكان رسول الله؛ فقبل إيمانهم عند رؤيتهم بأس الله.

وفي قوله: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ...

﴾ الآية دلالة نقض قول المعتزلة لقولهم في الأصلح؛ لما لا يخلو: إما أن يكون إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين، أو إبقاؤه إياهم: فإن كان إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٤٥ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤٦ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٤٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤٨ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ٤٩ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ٥٠

قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ : قال قائلون: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ما كان من عقوبات الله ووقائعه فيمن كان قبلكم من عنادهم في آياته وتكذيبهم رسله، يقول: اتقوا ذلك واحذروا نزوله عليكم، فسمى: بين أيديهم؛ لأنه مضى بين أيديهم، وما خلفهم من أمر الساعة وعذابها سمى: خلفا؛ لأنه بعد ورائهم غير مأتي، يقول: احذروا ذلك.

وقال قائلون: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ﴾ هي عقوبات الآخرة هي بين أيديهم ستأتي بهم وستنزل، ﴿ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ ما مضى من العقوبات التي نزلت بمن كان قبلكم؛ فصار ذلك وراءً وخلفاً، يقول: احذروا ذلك.

وجائز أن يكون غير هذا يقول - والله أعلم -: احذروا ذنوبكم التي عملتم ومعاصيكم التي عصيتم في الدنيا، واحذروا أيضاً ما تسنون أيضاً لمن بعدكم؛ كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ : ما قدمت: ما عمل هو، وما أخرت ما سن لغيره من بعد.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .

أي: إذا فعلتم ذلك استوجبتم الرحمة بفضله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - في قوم خاصة اعتادوا العناد والمكابرة في رد الآيات والإعراض عنها؛ لما كان سؤالهم الآيات تعنتاً لا سؤال استرشاد، ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، لكان قد أنزل لهم من الآيات وأتاهم ما يلزمهم قبولها والتمسك بها.

ثم الإعراض والعناد يكون بوجهين: أحدهما: يعرض عنها؛ لما لم تقع له؛ لترك التأمل والنظر فيها.

والثاني: يعرض عنها إعراض عناد بعد التحقيق والتيقن والعلم بأنها آيات، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنفِقُواْ ﴾ أي: صلة الأرحام والقرابات على حقيقة الإنفاق.

ويحتمل: أن اقبلوا الإنفاق وهو الزكاة بقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ الآية [فصلت: 6-7] أي: لا يقبلون الإيتاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ .

بهذا قالت المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح له في الدين، يقولون: لو كان الإنفاق والرزق أصلح لهم في الدين لرزقهم الله على ما رزقنا.

فيقال للمعتزلة: أمره إياهم بالإنفاق على من ذكر لا يخلو من أن يكون النفقة لهم والرزق أصلح في الدين، ثم لم يرزقهم ولم يوسع عليهم، وإما أن يكون المنع أصلح لهم وترك الإنفاق: فإن كان الأول فقد ترك فعل ما هو أصلح في الدين، أو الثاني، فقد أمر هؤلاء بفعل ما هو ليس بأصلح، فكيفما كان، ففيه دلالة أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين، إنما عليه فعل ما توجبه الحكمة وحفظ ما يكون حكمة، وهؤلاء لم ينظروا إلى ما توجبه الحكمة، وفي الحكمة الامتحان والابتلاء: هذا بالسعة وهذا بالشدة والضيق؛ ثم أوجب على من وسع عليه في فضول ماله حقّاً لهذا الفقير والمضيق عليه، وبين ذلك الحق، وبيّن قدره وحدّه، ليتأدى بذلك شكره، وضيق على هذا، يطلب منه الصبر على ذلك إن منع هذا حقه، وإلا لم يسبق ممن وسع عليه ما يستوجب به تلك النعمة والسعة، ولا ممن ضيق عليه ما يستوجب ذلك، ولكن محنة يمتحنهم بها: هذا بالشدة والضيق، وهذا بالسعة والكثرة، هذا مأمور بالشكر وأداء ما أوجب عليه في ماله، وهذا بالصبر على حاجته إن منع حقه؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "لو شاء الله لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم، ولو شاء الله لجعلكم فقراء لا يغنى عنكم شيئاً، لكنه ابتلى بعضهم ببعض لينظر كيف عطف [الغني] وكيف صبر الفقير" وقوله: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قال بعضهم: هذا قول الكفرة للمؤمنين، لم يكتفوا بذلك القول الذي قالوه، ولكن نسبوهم إلى الضلال والجهل.

وقال بعضهم: هذا القول من الله جواب لهم، لقولهم: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ليس بصلة على ما تقدم من الكلام، كأنهم خوفوا بترك الإنفاق بالعذاب، فقالوا عند ذلك: ﴿ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .

أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا ذلك الوقت، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا بلغوا ذلك الوقت وعاينوا ذلك، فعند ذلك يؤمنون، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ لقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ .

يخبر عن سرعة قيام الساعة وغفلة أهلها عنها؛ كقوله: ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً  ﴾ أي: فجأة، وهم لا يشعرون، وعلى ذلك روي في بعض الأخبار عن نبي الله  قال: "تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب، فلا يقومانه حتى تقوم الساعة" وعن أبي هريرة -  - في قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فقال: "تقوم الساعة والناس في أسواقهم يحلبون اللقاح، ويذرعون الثياب، ويتبايعون وهم في حاجاتهم" ، وعن الزبير بن العوام -  -: "أن الرجلين ليتبايعان إذ نادى مناد: قد قامت الساعة" ونحوه.

وقوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴾ .

أي: وصية؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة وأبي، أي: فلا يستطيعون وصية.

وقوله: ﴿ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ .

يحتمل ما ذكرنا أن الساعة تقوم وهم على ما كانوا عليه من قبل في البياعات والخصومات والمنازعة وعلى ذلك جاءت.

ويحتمل ﴿ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ أي: يختصمون في الساعة والبعث أنها لا تقوم ولا تكون؛ لأنهم كانوا [ينكرونها]، ودل قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أن استطاعة الفعل تكون مع الفعل لا تتقدم الفعل؛ لأنها لو كانت تتقدم، لكانوا يستطيعون التوصية والرجوع إلى أهلهم إذا قامت بهم؛ دل هذا على أنها لا تتقدم الفعل، لكنها تقارنه وتجامعه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ٥١ قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ٥٢ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٥٣ فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٥٤ إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ ٥٥ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦ لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧ سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ ٥٨

قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ .

قد ذكرنا القول في الصور في غير موضع، واختلافهم في ذلك: قال قائلون: الصور: هو شبه القرن ينفخ فيه، وعلى ذلك روي عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي  عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه" ، فإن ثبت فقد كفينا مؤنة الاشتغال بغيره.

وقال قائلون: هو على التمثيل لا على التحقيق، لكنه ذكر النفخ؛ لسرعة أمرها وقيامها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذاً ولا أخف من النفخ، فهو عبارة عن سرعتها ونفاذها؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ ، وهو قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ينفخ في الصور ثلاثاً بين كل نفخة مهلة كذا كذا سنة، يقولون: في النفخة الأولى يصعق فيها كل شيء مما خلق الله؛ كقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، ثم ينفخ ثانياً فيحيون بها ويخرجون من قبورهم، وهو قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ ، وينفخ ثالثاً، فيجتمعون عند ربهم، وهو قوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ ، والله أعلم بذلك.

والنسل: هو سرعة الخروج، أي: يسرعون، قال أبو عوسجة: النسل: هو المشي ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ أي: يمشون، لكنه مشي مع سرعة، وهما واحد.

وقوله: ﴿ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ .

من الناس من ينكر عذاب القبر بهذه الآية يقول: المرقد: موضع الراحة، والراقد هو الذي يكون في راحة، فلو كان لهم عذاب، أو كانوا في عذاب، لم يكونوا في رقدة ولا راحة، دل أنه لا يكون.

ومنهم من يقول: يكون في القبر عذاب، إلا أنهم لما عاينوا عذاب الآخرة، صار عذاب القبر لهم كالرقاد عند عذاب الآخرة.

ومنهم من يقول: ينامون نومة قبل البعث، ثم يبعثون، ومثل هذا.

وجائز أن يكون النفس التي تخرج عند النوم تلك النفس في حال الموت، فتجد تلك ألم ذلك كما تجد النفس التي تخرج من النائم ألم عذاب يصيبه، وتجد لذة أيضاً إذا كانت لذة، وترى في النوم أهوالا وأفزاعاً وذلك معروف؛ فعلى ذلك هؤلاء الكفرة يعذبون بما ذكرنا، فإذا بعثوا قالوا عند ذلك: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ، والمرقد: هو الموضع الذي ينام فيه.

أو أن يكونوا في عذاب - أعني: في القبور - لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوالها، هان ذلك العذاب الذي كان لهم في القبر وسهل عند عذاب الآخرة؛ فصار ذلك كالرقاد لهم عند عذاب الآخرة فقالوا عند ذلك: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هذا قول الملائكة لهم عن قولهم: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ .

وقال بعضهم: قول المؤمنين لهم عند قولهم الذي قالوا.

وجائز أن يكون ذلك أيضاً قول أولئك الكفرة، يقرون بالبعث عند معاينتهم البعث، يقولون: هذا الذي وعد لنا المرسلون، وقد صدقوا في ذلك، ونحن كذبناهم فيه، لكن لا ينفعهم تصديقهم إياهم بذلك في ذلك الوقت، وهو كإيمانهم عند معاينتهم بأس الله، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هؤلاء، لكن لا ينفعهم.

وقوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .

يحتمل على حقيقة الصيحة، يجعل الله  الصيحة علماً للإحياء والبعث لا أن تكون الصيحة سبباً للإحياء والبعث.

ويتحمل لا على حقيقة الصيحة ولكن على قدر الصيحة؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ما كانت إلا قدر صيحة واحدة - أي: البعث - لكنه ذكر الصيحة؛ لأن الصيحة أسرع شيء وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ ذكر هذا؛ لأنه أخف شيء على الخلق، وأهونه عليهم؛ فيعبر به عنه ويكني بما ذكر، ليعلموا خفة ذلك على الله، وسهولته وهوانه، وأنه ليس يثقل عليه شيء.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ .

ذكر أن قوله -  -: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ في البعث، فإذا كان ذلك في البعث فعند ذلك إحضارهم عند الله، وأما الأول فإنما هو في الهلاك والموت.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ .

الظلم في اللغة: هو وضع الشيء في غير موضعه كأنه يقول - والله أعلم -: اليوم لا توضع نفس في غير موضعها، ولكن توضع على ما وضعها في الدنيا.

أو يكون الظلم عبارة عن النقصان، كأنه يقول - والله أعلم -: فاليوم لا تنقص نفس عما استوجبت وتوفى؛ كقوله: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم تنقص منه.

أو يقول: فاليوم لا يُحمل على نفس ذنب غيرها، ولا يوضع وزر غيرها، بل يَجْزي [الله] كل نفس جزاء عملها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ .

يخبر - والله أعلم -: عن شغل أهل الجنة أنهم وإن كانوا مشغولين في النعيم فإن ذلك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء، وكذلك جميع الخلائق أنهم إذا شغلوا في شيء حجبوا عن غيره ومنعوا، فأما الله -  - فيتعالى عن أن يشغله شيء أو يحجبه شيء عن شيء.

ثم الاشتغال في الدنيا مما يضر أهلها ويؤذي، فأخبر أن شغل أهل الجنة مما لا يضرهم ولا يؤذي؛ حيث قال: ﴿ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ ، قيل: ناعمون بما هم فيه، وقيل: معجبون في ذلك.

وقال القتبي: ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ : يتفكهون، ويقال للمزاح: فكاهة، وفاكهون: أراد ذوي فكاهة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ : من المفاكهة، وفكهون من السرور، والمفاكهة: الممازحة.

ثم قال بعضهم: شغلهم في افتضاض العذارى، وقيل: شغلهم في كل نعيم وفي كل كرامة على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ ﴾ .

يخبر أن أهل الجنة وإن كانوا لا يحجبون عن شيء، ولا يمنعون شيئاً، فإنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يقع عليهم بصر غيرهم فينتقض ذلك، وهو كما ذكر: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ يخبر أنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يطلع عليهم غيرهم، والله أعلم.

و ﴿ ظِلاَلٍ ﴾ جمع ظلة.

وقوله: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ .

الاتكاء على الأرائك إنما هو للراحة، فيخبر - والله أعلم - عن غاية راحتهم ونهاية كرامتهم، وإلا ليس في الاتكاء على الأرائك فضل كرامة ومنزلة، ولكن يذكر عن راحتهم وتنعمهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، واحدها: أريكة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسائد.

وعن الحسن قال: الأريكة: الحجلة، وهي بلغة أهل اليمن يسمون الحجلة: أريكة.

﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ .

قيل: الفاكهة هي التي تؤكل على الشهوة لا على الحاجة، يخبر - والله أعلم - أن أهل الجنة إنما يأكلون ما يأكلون على الشهوة لا على الحاجة.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ .

قيل: ما يتمنون، وقيل: ما يسألون.

وجائز أن يكون ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ من الدعوى، أي: يعطون جميع ما يدعون لأنفسهم ليس كالدنيا.

وقال أبو معاذ: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ أي: ما يشتهون ويتمنون في الجنة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يردون إليهم - أعني: الملائكة - سلام الله بحق التبليغ إليهم سلام الله نحو ما يبلغ بعضهم بعضاً سلام بعض: أقرئ فلاناً مني السلام؛ فعلى ذلك يقولون: إن الله قد أقرأ عليكم السلام.

والثاني: أن يسلم عليهم الملائكة بأمر ربهم، يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم.

والثالث: أن يكون القول من الله وعدا بالسلامة لهم فيها من كل آفة وبلاء يكون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ  ﴾ ، ونحوه.

وفي حرف أبيّ وابن مسعود: ﴿ سلاماً قولا ﴾ بالنصب، فهو - والله أعلم - كأنهما يجعلان تمام الكلام في قوله: ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ ثم يقطع ﴿ سلاماً قولا ﴾ منه، وأمّا قراءة هؤلاء برفع السلام، فمعناها - والله أعلم -: ولهم ما يدعون سلاماً، ثم الكلام قطع ﴿ قَوْلاً ﴾ منه.

<div class="verse-tafsir"

وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٥٩ ۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٦٠ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٦١ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ ٦٢ هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٦٣ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٦٤ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٦٥ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ٦٦ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ ٦٧

قوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ .

كأن أهل الجنة وأهل النار يكونون مختلطين، فيفرق هؤلاء؛ لأنهم يكونون في الابتداء مجموعين، وكذلك سمي: يوم الجمع، ويوم الحشر، ثم يفرق بينهم؛ كقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، وسمي: يوم الفصل.

وأصل قوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ ليس على الأمر في الحقيقة: أن افترقوا، ولكن على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ  ﴾ ، وأصل الامتياز: الافتراق والاعتزال؛ وبه يقول أبو عوسجة والقتبي: إن الامتياز هو التفرق والتنحي.

وقوله: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ .

يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: عهد خلقة وبنية؛ إذ قد جعل الله  في خلقة كل أحد وبنيته ما يشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له ويصرفها عمّن دونه، فنقضوا ذلك العهد وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية.

والثاني: ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر والنهي.

والثالث: ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه، وجعل الألوهية له، ويمنعهم صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله وتركوه.

فإن قيل: ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ولا يعبده، بل كل يفرّ عن عبادته ويهرب منه، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يريد بالشيطان: المردة من الكفرة والأئمة منهم الذين صرفوهم عن عبادة الله، سموا شيطاناً؛ لما بعدوا عن رحمة الله؛ شطن، أي: بعد، كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً  ﴾ .

والثاني: نسب تلك العبادة إلى الشيطان وأضافها إليه، وإن كانوا هم لا يقصدون بعبادتهم الشيطان؛ لِمَا بأمره يعبدون ما يعبدون من الأصنام؛ فنسب إليه بالأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

عداوته لنا ظاهرة بينة في كل شيء، حتى في المأكل والمشرب والمبلس؛ كقوله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا...

﴾ الآية [الأعراف: 20]؛ إذ هو يريد أن يوقعنا في المهالك فهو عدوّ لنا.

وقوله: ﴿ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ .

أي: اعبدوني فإن عبادتي هي الصراط المستقيم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَضَلَّ مِنْكُمْ ﴾ ، أي: أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو عاد وثمود وقروناً غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة.

ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقاً كثيراً بإبليس بما ضلوا به واستأصلهم لذلك؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك بضلالهم به - والله أعلم - ﴿ أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ ﴾ : أنه فعل ذلك بهم، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء النظر في أمر أولئك.

والثاني: قوله: ﴿ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ : قال بعضهم: جموعاً كثيرة.

وقال بعضهم: خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: أمماً كثيرة؛ وكله واحد، وأصله من قولك: جبلهم على كذا، أي: طبعهم، ويقرأ: ﴿ جُبلاًّ ﴾ و ﴿ جِبِلاًّ ﴾ برفع الجيم والتشديد وخفضها والتشديد.

قال أبو عوسجة: الجبلة والجبلة: الخلق.

وقوله: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا: ما هذا الذي نراه؟!

فعند ذلك قيل لهم: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ بها، ﴿ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ، أي: ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أي: نطبع على أفواههم، فلا يتكلمون ﴿ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

كأنهم - والله أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وأمثاله عند ذلك يأذن الله لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20]، ثم أنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس اللسان، ولكن للطف يجعل الله ذلك في اللسان فينطق، فيحثما جعل ذلك اللطف والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان، فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل فيه به ينطق ويتكلم، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم؛ وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفاً ومعنى به يسمع السمع، وبه يبصر البصر، وبه تأخذ وتقبض اليد، وبه تمشي وتذهب الرجل، فأينما جعل ذلك اللطف وذلك المعنى كان منه ذلك ما كان من السمع والبصر وغيره؛ وكذلك الأطعمة والمياه ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف جعل الله فيها لطفاً ومعنى يصير ذلك غذاء لهم؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من الغذاء؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لو نشاء لطمسنا أعين الضلال، فاستبقوا فلم يبصروا الطريق، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم.

وقال بعضهم: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فلو طمست: أي: حولت [عن] الكفر - لاستبقوا الصراط، يقول: لأبصروا طريق الهدى، ثم قال: ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ يقول: فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة؟!

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ .

أي: لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون.

ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: لو طمسنا أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ ، أي: لا يبصرون الطريق؛ فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها، فأنى يبصرون الهدى، أي: لا يبصرون.

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يقول [ذلك] - والله أعلم - على التمثيل، أي: لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة، فما استطاعوا مضيّاً ولا يرجعون؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما [لم] ينتفعوا بظواهر جواهرهم، على التمثيل لا على التحقيق.

وفي قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ دلالة أن لله في ذلك صنعاً؛ إذ لو لم يكن [له] فيما يختارون من الأفعال والأعمال صنع، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى، فدل أن له صنعاً في ذلك وفعلا.

قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ فتركناهم عميا يترددون ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ ﴾ : أي: لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر.

﴿ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ما استطاعوا أن يتقدموا ويتأخروا.

وابن عباس -  - يقول ما تقدم ذكره، أي: لو شاء غير أعين الضلال فلم يبصروا الطريق ﴿ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ أي: كيف يبصرون، أو نحوه من الكلام.

ومقاتل يقول: لو شاء طمس أعينهم ظاهره ﴿ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴾ ، أي: لا يبصرون، وهو قريب مما ذكر آنفاً.

وجائز أن يكون على التمثيل على ما ذكرنا بدءاً.

ويحتمل على التحقيق أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النكس، لا يعجزه شيء من البعث وغيره؛ إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة تقصد ليس بحكمة.

أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم ولمسخهم، لكنه تركهم فلم يطمسهم ولم يمسخهم؛ ليبقوا في النعمة؛ ليشكروا نعمه.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ٦٨ وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ ٦٩ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٧٠ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ ٧١ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ٧٢ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ٧٣ وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ٧٤ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ ٧٥ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٦

قوله: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ ﴾ .

أي: من نعمره حتى يدركه الهرم والضعف، يقول: نرده في الخلق الأول لا يعقل فيه كعقله الأول؛ كقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ  ﴾ .

﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: من فعل هذا، أو قدر على هذا، لا يعجزه شيء ويتأدى به شكره.

قال القتبي: المطموس: هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، ﴿ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ ﴾ أي: فتجوزوا.

[و]قال أبو عوسجة: ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ أي: أعميناهم، والمسخ: هو تغيير الصور والأبدان.

وقوله: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ ﴾ .

أي: نصيره ضعيفاً بعد أن كان قويّاً.

وقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ .

نزل هذا - والله أعلم - عند قولهم: إنه شاعر، وإنه كذاب؛ فأخبر أنه لم يعلمه الشعر، وما ينبغي له الشعر، تكذيباً لهم، وردّاً عليهم: أنه شاعر، وأن هذا القرآن شعر، جعل الله عجز رسوله عن القيام بإنشاد الشعر بعض آياته من آيات رسالته، كما جعل عجزه عن تلاوة الكتاب من قبل وكتابته وخطه بيمينه آية من آيات رسالته؛ ليعلم أولئك الذين قذفوه بالشعر والافتراء من نفسه والكذب على الله وبالسحر أنه إنما أخبر عن وحي عن الله، لا ما يقولون هم، وهم على يقين، وعلم: أنه ليس شاعراً ولا ساحراً ولا كذاباً؛ لما لم يروه اختلف إلى أحد منهم في تعلم ذلك، ولا كان عنده من كتبهم منها أخذ ذلك [ولا أخذ عليه] كذب قط، لكنهم نسبوه إلى ما نسبوه من الشعر والسحر والكذب؛ تعنتاً منهم وعناداً، يلبسون أمره بذلك على أتباعهم وسفلتهم؛ لئلا تذهب رياستهم ومنفعتهم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث أخبر أنه لم يعلمه الشعر، وقد أعطى له جميع أسباب الشعر، وقال في القرآن: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ  ﴾ و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ أنه كان من الله لطف سوى السبب فيما أخبر أنه قد علمه؛ دل أن التعليم له فيما كان منه تعليم له بلطف منه سوى السبب لا بنفس السبب؛ إذ نفس السبب قد كان له في الأمرين جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ .

أن يشتغل بشيء مما يتلهى به، والشعر في الأصل؛ إنما جعل للتلهي به والتلذذ؛ لذلك حيل بينه وبين طبعه إنشاد الشعر؛ ليكون أبداً مشتغلا بما هو حكمة وعلم، وفيما هو أمر الله، لا بما فيه التلهي واللهو، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴾ .

﴿ إِنْ هُوَ ﴾ أي: ما هذا القرآن إلا ذكر؛ لما نسوه من أمر الله ووعده ووعيده ومما لهم، ومما عليهم، يذكرهم ما نسوه وتركوه و ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : يبين لهم ما لهم وما عليهم، أو يبين لهم ما يؤتى وما يتقى، أو يبين لهم أنه من الله جاء ومن عنده نزل لا من عند المخلوقين.

أو ﴿ ذِكْرٌ ﴾ لأهل الكتاب، يذكرهم بما نسوه مما كان في كتبهم من نعته وصفته وما عليهم القيام به وما ليس، و ﴿ مُّبِينٌ ﴾ لمشركي العرب أنه رسول وأن هذا القرآن من عنده جاء به، وكل كتب الله ذكر ومبين ورحمة ونور وشفاء على ما أخبر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ ﴾ .

قال بعضهم: من كان عاقلا، يقول: لينذر القرآن من له عقل حيّ فيؤمن، ﴿ وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ ﴾ أي: السخطة على الكافرين في علم الله أنهم لا يؤمنون.

وقال بعضهم: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ ، أي: مؤمناً؛ لأن الله - تبارك وتعالى - سمى المؤمن: حيا في غير آية، والكافر ميتاً.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ أي: لتقع النذارة وتنفع من كان حيّا، أي: مؤمناً على ما ذكرنا، وإن كان ينذر الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ هو ينذر من اتبع الذكر، ومن لم يتبع الذكر، لكن النذارة إنما تقع وتنفع لمن اتبع الذكر وخشي الرحمن خاصة؛ وكقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، هو يذكر لهم جميعاً لكن المنفعة للمؤمنين فعلى ذلك الأول.

ويحتمل قوله: ﴿ مَن كَانَ ﴾ أي: من يطلب بحياته الفانية الحياة الدائمة، ﴿ وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ القول الذي قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ و ﴿ أَلَمْ تَرَ  ﴾ ، ونحوه أنه في الظاهر حرف استفهام، لكنه من الله على الإيجاب والإلزام؛ ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر أن قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام وما ذكر.

والثاني: على الأمر على الرؤية والنظر فيما ذكر، أي: فليروا.

فإن كان على الخبر أنهم قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام، فهلا تفكروا واعتبروا فيما خلق لهم من الأنعام وغيرها: أنه لم يخلق لهم ذلك عبثاً باطلا ولكن لحكمة، ولو لم يكن بعث على ما يقولون هم كان خلق ذلك عبثاً باطلا؟!

أو أن يقول: إن من قدر على تصوير ما ذكر من الأنعام وغيره في الأرحام وتركيب ما ركب فيها من الأعضاء والجوارح في الظلمات، لا يحتمل أن يخفى عليه شيء أو يعجزه، أو يفعل ذلك على التدبير الذي فعل بلا حكمة.

أو يذكر أنه خلق لهم من الأنعام وذللها لهم وجعل لهم فيها من المنافع ما ذكرنا بلا شكر يلزمهم، يتأدى على ذلك شكر ما أنعم عليهم على جهة ما لو كان على الأمر بالرؤية فيما خلق والنظر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً ﴾ .

يحتمل ما عملت أيدي الخلق من الزراعة والغرس وغير ذلك مما يعمله الخلق، نسب ذلك إلى نفسه.

ويحتمل ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ ﴾ ، أي: قوتنا؛ كقوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي: بقوة ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قادرون على الانتفاع بها والاستعمال لها، يقول الرجل فيما له فيه حقيقة الملك: أنا غير مالك عليه إذا كان غير قادر على الانتفاع به، ولا مالك على استعماله.

وقيل: ﴿ مَالِكُونَ ﴾ ، أي: ضابطون قادرون على إمساكها، يقال: فلان غير ضابط على إبله ودابته وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ﴾ .

يخبر عن أنواع ما جعل لهم من الأنعام وأنعم عليهم؛ ليتأدى بذلك شكره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ .

يخبر عن سفههم وقلة بصرهم وفهمهم؛ لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها؛ رجاء النصر لهم، وتركهم عبادة الله على وجود المعونة والنصر منه، وجعله كل شيء لهم، ثم يكون رجاؤهم بذلك ما قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وذلك في الآخرة.

ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا في دفع ما ينزل بهم من البلايا والشدائد؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

ثم أخبر أن الأصنام التي يعبدونها وما رجوا منها لا يستطيعون نصرهم وما رجوا من شفاعتهم والنصر لهم، وأخبر أن ما عبدوا دونه يصير أعداء لهم.

قال: ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ .

في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ ؛ هذا على تأويل بعضهم من أهل التأويل يجعل الأصنام جنداً عليهم وأعداء لهم على ما ذكرنا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ ، أي: المشركون جند للآلهة التي يعبدونها، أي: هم يقيضون لها ويقومون في دفع من همّ بها فساداً وإهلاكاً - أعني: أصنامهم التي كانوا يعبدونها - كقوله: ﴿ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ  ﴾ .

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الآخرة.

وقال بعضهم: ذلك في الدنيا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

كان من أولئك الكفرة لرسول الله أقوال مختلفة: مرة كان منهم ما ذكر: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30].

ومرة قالوا: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر.

ومرة قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

ومرة قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ .

ومرة طعنوا فيه وفيما أقام من الحجج، ولا ندري أي قول كان منهم له فيحزن عليه حتى قال له: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ، أي: لا تحزن على قولهم؛ فإنا نعلم ما يسرون وما يعلنون؛ فنحفظ عليهم ذلك ونكافئهم على ذلك.

أو نعلم ما يسرون وما يعلنون فننصرك عليهم ونعينك.

أو أن يكون حزنه عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ لما كان يعلم نزول العذاب بهم والهلاك لعنادهم ومكابرتهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ٧٧ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٧٩ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ٨٠ أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢ فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٣

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

هذا يخرج على الوجهين: إن كان على الأمر بالرؤية والنظر أي: فلير الإنسان ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة لقادر على إعادته؛ لأن إعادة الشيء في الشاهد أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ قد يحتذى ويصور بعد ما وقع البصر على الشيء ويرى ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا، ولا تصوير ما لم يعاينوا، احتج الله عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل أنه كذلك من غير تفكر ولا تأمل، وإلا الاحتجاج عليهم بالأشياء التي لم يذكر أبلغ وأكثر نحو خلق الإنسان من هذه النطفة على الصورة التي صورها والنسمة التي خلقها فيها ما لو اجتمع حكماء البشر كلهم أن يعرفوا كيفية خلقه منها من تركيب العظم والشعر والعين - البصر - والسمع والعقل وجميع الجوارح - ما قدروا على درك ذلك، أو لو اجتمعوا على أن يعرفوا كيفية غذائهم بالأطعمة والأشربة التي جعلها غذاء لهم، والقوة التي بها يتقوون على كل أمر أن كيف قدر وقسم على السواء في الجوارح كلها؟

والمواد التي ينمون ويزيدون على الاستواء ما لو زاد في بعضها من قوى ذلك الطعام والشراب دون بعض يزداد قوة على بعض، ونحو ذلك من العجائب ما لا سبيل إلى معرفة ذلك ألبتة بعد طول التفكر والتأمل، لكنه احتج بالشيء الظاهر؛ ليدركوه بالبديهة ولا يدركون الآخر إلا بعد التأمل والتدبر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

أي: جدل بين.

وقوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ : ما ذكر من ضرب المثل له: ﴿ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: غفل عن القدرة في خلق نفسه ما لو نظر وتفكر لعرف أنه قادر على الإعادة؟!

والثاني: غفل عن الحكمة في الإعادة؟.

والثالث: غفل عن الحكمة في ابتداء خلقه نفسه، ثم يخرج هذا على وجوه: أحدها: أنه لو نظر وتفكر في حق نفسه أنه خلق من نطفة، ثم حول النطفة علقة، وحول العلقة مضغة، وحول المضغة خلقاً وإنساناً تامّاً متقنا، ثم صيره بحيث يأخذ في النقصان بعد ما كان تامّاً، ثم من فعل هذا في الشاهد أن يحكم الشيء ويتقنه ويتمه ثم يهدمه بلا عاقبة تقصد به، كان غير حكيم فعلى ذلك كان ما أحكم الله من الخلق وأتقنه وتممه، ثم جعل ينقض منه ويوهنه، فلو لم يكن إعادته وخلقه ثانياً، كان خارجاً عن الحكمة، فلو نظر في ابتداء خلق نفسه، لعرف أنه يعيده وينشئه ثانياً.

والثاني: لو نظر وتفكر في ابتداء خلق نفسه: أنه كيف دبره في تلك الظلمات الثلاث، وقدره على أحسن تقدير في ذلك، فلو نظر وتفكر أن من قدر على تدبيره وتقديره في الظلمات الثلاث على ما دبره وقدره - قادر على إعادته؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي: هو أهون في عقولكم وتقديركم أهون من ابتدائه، فإذا قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر وأملك؛ إذ ذلك في عقولكم أهون وأيسر، وإلا ليس في وصف الله  أن شيئاً أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها تحت قوله: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه عبر به؛ لأنه أخف حروف على الألسن وأيسره وأقصر كلام وأوجزه يؤدى به المعنى ويفهم منه المراد.

والثالث: أنه خلق هذه الأشياء والجواهر كلها سوى البشر للبشر ولمنافعهم، فلو لم يكن بعث ولا نشأة أخرى، كان خلق هذه الأشياء لهم عبثاً باطلا.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أي: غفل عن بدء خلقه إذ بدأ خلقه، إما أن كان من ماء أو تراب؛ فعلى ذلك إذا أفناه يصير ماء أو تراباً فيعيده منه على ما أنشأه منه بدءاً.

ثم في قوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ - دلالة نقض قول الباطنية وفساد مذاهبهم؛ حيث قالوا: إن إعادة الخلق وإنشاءه ليس على هذه البنية والصورة التي أنشأها بدءاً، ولكن ينشئ نفساً روحانية على خلاف ما شاهدوها وعاينوها، فالآية تكذبهم وتنقض قولهم؛ حيث قال: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أخبر أنه يحيي العظام التي أنكروا هم إحياءها واستبعدوا ذلك، وعلى ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ  ﴾ احتج عليهم بعلمهم النشأة الأولى؛ لإنكارهم النشأة الأخرى، فلو كان على خلاف ذلك لم يكن للاحتجاج عليهم بذلك معنى؛ فدل أنه ينشئهم ويعيدهم على الهيئة الأولى.

والثاني: ينقض عليهم قولهم أيضاً حيث قالوا: يوصل إلى معرفة ذلك من الذي يعلمه الرسول ويخبره دون النظر والتفكر والتدبر، فلو كان على ما يقولون، لم يكن لقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ ، ولا لقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ - معنى؛ فدل أنه قد يوصل إلى معرفة ذلك بالتفكر والنظر، كما يوصل بخبر الرسول الذي قد أظهر صدقه للخلق، فتلزمه الحجة في هذا كما تلزمه في ذلك.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: هو نوع من الشجر يقال: المرخ، كانوا يوقدون منه النار، ويورون منه، وقيل: هو الزيتون الذي يسرج منه.

وتأويله: أن الشجر الأخضر خضرته إنما تكون من الماء، والماء يطفئ النار، والنار تأكل الحطب والخشب، فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع - لقادر على البعث، وأنه لا يعجزه شيء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ هو ما أنشأ لهم من الشجر يتنزهون به ويتلذذون ما دام أخضر، فإذا أدرك وبلغ ينتفعون بثماره وفواكهه، ثم يصير حطباً يوقدون منه النار ويصطلون، فمن قدر على ما ذكرنا لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن يفعله عبثاً باطلا، فلو كان على ما قاله أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور، كان فعل ذلك عبثاً باطلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ ﴾ .

يذكر - والله أعلم - أو ليس من قدر على إنشاء السماوات والأرض مبتدأ لا من شيء ولا أصل لا يحتمل أن يعجزه إعادة الخلق وبعثهم.

أو يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيها قادر على أن يخلق مثلهم، وخلق المثل إعادة؛ لأنه إنما يكون بعد هلاك الذين أنشأهم وبعد إماتتهم، ويخلق مثلهم مع بقائهم سواهم، وفي ذلك ابتداء خلق وإعادة؛ فيلزمهم الإقرار بالبعث والقدرة على الإعادة.

ثم أخبر عن قدرته فقال: ﴿ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

أي: هو خلق كل شيء من جواهر الأشياء وأفعالهم.

أو هو الخلاق في الدنيا والآخرة، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل العليم ببعثهم، أو العليم بمصالحهم ومعاشهم وما لا يصلح.

أو العليم بأحوالهم وأنفسهم ما ظهر منهم وما بطن وما أسروا وما أعلنوا.

وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل: إنما حاله إذا أراد شيئاً ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ، قد ذكرنا معنى هذه الآية فيما تقدم أن كل ما كان ويكون أبدً الآبدين إنما يكون بـ ﴿ كُن ﴾ الذي كان من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، إنما هو إخبار عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته، أو إخبار عن خفة ذلك عليه؛ يقول؛ - والله أعلم -: كما لا يثقل عليكم قول: "كُن"؛ فعلى ذلك لا يثقل على الله ابتداء خلق ولا إعادته ولا شيء من ذلك.

ثم نزه نفسه وبرأها وذكر تعاليه عما ظن أولئك من البعث في خلق شيء وبطلانه، فقال: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

أي:  وتبرأ عن أن يكون خلقه على ما ظن أولئك حيث قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، ذلك ظن الذين كفروا؛ فكان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، ثم أخبر أنه لو لم يكن ذلك، لكان خلق ما ذكر عبثاً باطلا، فقال:  عن أن يلحقه في خلق شيء عبث أو فساد، وكذلك قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115]، صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً باطلا.

أو أن يقول: يتعالى أن يثقل عليه إعادة الخلق أو ابتداؤهم، أو يتعالى عن أن يعجزه شيء، والله أعلم.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ رَمِيمٌ ﴾ أي: بالية، يقال: رم العظم إذا بلي، فهو رميم ورمام؛ كما يقال: رفيت ورفات.

وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً ﴾ قالا: أراد الوقود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفارة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله