الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الصافات
تفسيرُ سورةِ الصافات كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 113 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: الصافات هي الطير إذا صفت أجنحتها بين السماء والأرض.
وذكر عن ابن مسعود قال: الصافات والزاجرات والتاليات كلهم الملائكة، قال: الملائكة الصافات اصطفت الملائكة صفّاً لعبادة الله - عز وجل -: وتسبيحه، وكذلك ذكر عن ابن عباس وغيره إلا أن غيره يفسر الزاجرات والتاليات أي ملائكة هم؟
ولسنا نذكر عن ابن مسعود وابن عباس التفسير.
وقال بعضهم: ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ ﴾ : هم الملائكة الذين يزجرون السحاب والأمطار، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الملائكة يتلون القرآن والوحي على الرسل والأنبياء، عليهم السلام.
وقال قتادة: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا ﴾ أقسم الله - عز وجل - بخلق ممن خلق، قال: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ ﴾ : الملائكة صفوف في السماء، ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ : ما ذكر الله في القرآن من زواجر عن المعاصي والمساوي، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ قال: ما يتلى عليكم في القرآن من أخبار الرسل - عليهم السلام - وأنباء الأمم التي كانت قبلكم.
وجائز أن يكون ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ ﴾ : هم الملائكة الذي يصلون لله - عز وجل - صفوفاً على ما ذكروا، ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ : هم الملائكة الموكلون بأرزاق الخلق وسوقها إليهم يسوقون إليهم سوقاً، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ : هم الملائكة الموكلون بالتسبيح والتحميد وجميع الأذكار.
ثم وجه القسم بالملائكة الذين ذكر - والله أعلم -: أنه عز وجل قد عظم شأن الملائكة وأمرهم في قلوب أولئك الكفرة حتى قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ، وقول فرعون: ﴿ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ ، وما وصفهم الله - عز وجل -: أنهم ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...
﴾ الآية [التحريم: 6]، ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ الآية [الأعراف: 206]، وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 20]، عظم الله - عز وجل - أمر الملائكة عليهم و[عظم] شأنهم في قلوب أولئك الكفرة وصدقهم عندهم؛ لذلك أقسم بهم على وحدانيته بقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴾ على هذا وقع القسم.
ثم أخبر عن صنع ذلك الواحد الذي هو إلهكم وإله الخلق جميعاً، وذكر نعته، فقال - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ ﴾ .
يخبر عن وحدانيته وتفرده حيث أنشأ السماوات وأنشأ الأرض وما ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ومنافع المشارق متصلة بمنافع المغارب على بعد ما بينهما، ولو كان فعل عدد لمنع اتصال منافع بعض ببعض على ما يكون من فعل ذوي عدد وغلبة بعض على بعض، فإذا لم يمتنع ذلك، بل اتصل بعض ببعض؛ دل أنه فعل واحد لا شريك له.
ثم تخصيص ذكر السماوات والأرض وما ذكر دون غيره من الخلائق؛ لما عظم قدر السماء في قلوبهم؛ لنزول ما ينزل منها من الأمطار والبركات وغيرها، والأرض بخروج ما يخرج منها من الأنزال والأرزاق؛ ولذلك يخرج ذكرهما - والله أعلم - فيما ذكر حيث قال فيهما: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ فلعظم قدرهما في قلوبهم ودوامهما عندهم خرج ذكرهما، وإن كانتا تفنيان ولا تدومان أبداً، والله أعلم.
ثم قال - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ قال بعض المعتزلة - وهو جعفر بن حرب -: فإن قال لنا قائل من قوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ : إنه رب أعمالنا وأفعالنا، فنقول له: إن أردت أنه رب أعمالنا وأفعالنا فبلى، ثم قال: فيقال لهم: أتقولون: إنه خالق الكفر وخالق الشر ونحوه، وفي أفعال الخلق الكفر والشر ونحوه؟!
قيل له: لا يقال ذلك على الإطلاق: إنه خالق الكفر وخالق شر، وإن كان يقال في الجملة: خالق أفعال الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء؛ لأن ذكره على الجملة يخرج على تعظيم ذلك الشيء؛ نحو ما يقال: رب محمد، ورب البيت، إنما هو لتعظيم محمد وتعظيم ذلك البيت خاصة؛ فعلى ذلك وصفنا إياه بالجملة أنه خالق أفعال العباد وخالق كل شيء يخرج على وصف البيت بالعظمة والجلال، وعلى الإشارة التي تبني منها، والتخصيص على تعظيم ذلك الشيء خاصة؛ لذلك جاز أن يوصف أنه خالق أفعال العباد جملة؛ لما ذكرنا أنه يخرج على المدح والتعظيم وعلى الإشارة على المنة له في تعظيم ذلك الشيء؛ لذلك افترقا، والله الموفق.
ثم يقال لهم: قولكم: إنه مالك لها وليس بخالق هل يقال لأحد: إنه مالك كذا إلا لما ينشئ ذلك أو لتمليك من يملكه، فإذا ثبت أنه مالك الأعمال والأفعال ثبت أنه خالقها؛ إذ لا يقال: مالك كذا إلا للقدرة على ذلك أو لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن للشمس ثلاثمائة وستين مشرقاً تطلع كل يوم من كوة، وكذلك يقولون في المغارب: إنها تغرب كل يوم من كوة، لكن يشبه أن يكون أراد بالمشارق والمغارب كل شيء يشرق وكل شيء غارب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها؛ [وعلى ذلك] يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ .
وأما أهل التأويل فإنهم يقولون: مشرق الشتاء والصيف وكذلك مغربهما.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴾ ليس أن هذه السماء التي نراها ونعاينها هي سماء الدنيا وغيرها سماء الآخرة، ولكن سماها سماء الدنيا لدنوّها من أهل الأرض وقربها منهم، وأهل الأرض هم الجن والإنس، ولهما جرى الخطاب في ذلك وفي غيره؛ وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنها إنما سميت: سماء الدنيا؛ لدنوها من أهلها، ولقربها منهم، والله أعلم.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴾ أخبر أنه - عز وجل - زينها بزينة الكواكب، وزينة الكواكب نفسها أضافها إلى نفسها وهي الزينة لها لا غير، فهو - والله أعلم - كأنه قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ﴾ وهي الكواكب، أو قال: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ﴾ فسئل ما هي؟
فقال الكواكب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴾ .
قال - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ، وحفظه إياها ما ذكر في قوله - عز وجل: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً ﴾ ، قال ابن عباس وغيره: قوله: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ كانوا يَسَّمَّعُون ولا يَسْمَعُون.
وقال بعضهم: كانوا لا يسمعون أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون بينهم من أمر الله وهم الملأ الأعلى.
ومن يقول: إنهم كانوا لا يسمعون يذهب إلى ما ذكر في سورة الجن حيث قالوا: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ أخبروا أن من يستمع الآن يجد له ما ذكر؛ دل أنهم كانوا يستمعون.
فإن قيل: كيف يوفق بين هذه الآية وبين قوله - عز وجل -: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً...
* إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ استثنى الخطفة، وقال هاهنا: ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ...
﴾ كذا ثم الخطفة إلا أن يكون على التمثيل، أي: موضع يخطف، أو على حقيقة الخطفة وهي الاستلاب والأخذ على السرعة، والله أعلم.
لكن يشبه أن يكون الآية التي [قال] - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ في المؤمنين منهم؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، وأما ما ذكر في سورة الصافات فهو في الكفار منهم والمردة ﴿ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ ﴾ من الشياطين الذين يستمعون، والله أعلم.
ثم [في] قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ...
﴾ الآية [الجن: 9] دلالة إثبات الرسالة لمحمد ؛ لأنه كان يخبرهم أن الجن يصعدون إلى السماء الدنيا ويستمعون من أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون فيما بينهم من أمر الله في الأرض، ثم يخبرون الكهنة بذلك، فيخبر الكهنة أهل الأرض عن ذلك أنه يكون غداً كذا وفي يوم كذا وكذا وأنه انقطع ذلك بالوحي ويمنعون، فقالت الجن ذلك وأخبرت عن أنفسهم أنهم كذلك كانوا يفعلون، فصدقوه على ما أخبر من صنيعهم.
فإن قيل: كيف صار ذلك آية له، وإنما أخبر عن قول الجن هم، وبه ظهر ذلك ومنه عرف؟!
قيل: هكذا لكن انقطاع الكهنة من بعد وحديثهم يدل على أن ذلك قد كان، ثم انقطع ذلك بالرسالة والوحي، والله أعلم.
فإن قيل: فإذا ولوا الملائكة حفظ السماء وحرسها كيف أغفلوا عما ولوا من حفظها وحرسها وامتحنوا حتى أمكن أولئك من الاستماع والاختطاف وما ذكر؟
قيل: جائز أن يشتغلوا هم بأعمال ويمتحنون بأمور أخر سوى ذلك، فيمكن ذلك لهم ما ذكر، والله أعلم.
فإن قيل: كيف كانت صنعة الشياطين من الاستماع منهم والخطف، وقد رأت وعاينت ما أصاب من فعل ذلك من القذف والرمي والاحتراق؟
قيل: إن الشياطين عادتهم طلب الغفلة في كل وقت، فجائز أن يكونوا فعلوا ذلك لما كانوا يظنون ويقع عندهم أنهم في غفلة وسهو من أمورهم، وإن كانوا يعلمون ما يصيب من فعل ذلك، والله أعلم.
ثم جائز أن يستدل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ...
﴾ الآية [الجن: 9]، يقول علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم فلاناً، فناداه من حيث لا يستمع: لا يحنث، وإذا ناداه من حيث يسمع حنث وإن لم يسمع؛ لما ذكر ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ﴾ ، ومعلوم أنهم كانوا يقصدون من الأرض إلى الملأ الأعلى، لكن لا يسمعون، ثم لم يذكر ذلك منهم إلا في المكان الذي يسمع؛ دل أنه على ما ذكرنا من الدلالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
الأشراف منهم وأهل المنزلة والكرامة، ويحتمل الجماعة؛ لأن الملأ هو اسم للشيئين: للجماعة منهم، واسم لأهل الشرف والمنزلة.
ثم لا ندري كيف سماع الجن من الملائكة؟
وما سبب ذلك؟
أن تكون تلك الأخبار وما يريد الله - عز جل - إحداثه في الأرض مكتوباً في كتاب ينظرون فيه فيعلمونه، أو ليتحدث الملائكة فيما بينهم بذلك فيستمع هؤلاء منهم ذلك، أو كيف جهة سماعهم ذلك منهم؟
وما يشبه ذلك، والله أعلم.
وفيه أن الجن تفهم كلام الملائكة وإن اختلفت جواهرهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ .
قيل: هي السماوات والأرض والجبال، وقيل: الملائكة، وأكثرهم قالوا: قوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ ، أي: السماوات والأرض؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ...
﴾ الآية [غافر: 57]، يقول - والله أعلم -: سلهم أن خلقهم وإعادتهم أشدّ وأكبر وأعظم من خلق السماوات والأرض؟
وإذا أقررتم أنتم بقدرته على خلق السماوات والأرض كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم بعد ما متم، وكنتم تراباً ورفاتاً؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ ﴾ و ﴿ سَلْهُمْ ﴾ ونحو ذلك مما أمر الله - عز وجل - رسوله أن يسألهم ويستفتيهم يخرج من الله - عز وجل - على وجوه: أحدها: على التقرير عندهم والتنبيه لهم.
أو على التعيير لهم والتوبيخ.
أو على التعليم حجة الحجاج والمناظرة فيما بينهم وبين خصومهم، وهكذا كل سؤال واستفتاء كان من خبير عليم لمن دونه يخرج على هذه الوجوه، وكل سؤال واستفتاء كان من الجهّال لخبير عليم يخرج على استرشاد وطلب الصواب.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ ﴾ و ﴿ سَلْهُمْ ﴾ ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...
﴾ الآية [الزخرف: 45]، و ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، و ﴿ قُلْ...
﴾ كذا - هذا كله يخرج على التقرير والتنبيه، وعلى تعليم الكل حجة الحجاج والمناظرة لا على الأمر؛ لأنه لو كان [على] الأمر، لكان لا يقول ذلك المأمور بالتبليغ: سل، ولا قل، ولا شيء من ذلك، ولكن يبلغ إليه رسالته وأمره أنه يقول لكم: أن افعلوا كذا ولا تفعلوا؛ فدل أن ذلك الأمر للكل في أمر أنفسهم: أن قولوا لهم، وأن افعلوا بهم كذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً...
﴾ الآية.
أمره أن يستفتيهم، ولم يذكر أنهم ما أفتوه؟
ولا أجابوه أو لا؟
ولا قال لهم: إنهم لو أجابوك وأفتوك بكذا فقل لهم كذا أو أجبهم بكذا؛ فجائز أن يكون الجواب ما ذكرنا: أنكم لو لم تشاهدوا خلق ما ذكر من السماوات والأرض وغيرها سوى خلق أنفسكم ثم شاهدتم خلقنا أعني ما ذكرنا من السماوات والأرض والجبال وغيرها - هل تنكرون قدرته على خلق ما شهدتم وعاينتم: أنه لم يخلقها إلا هو، كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم وبعثكم؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ .
فذكر - والله أعلم - ضعفهم وشدة ما خلق من سواهم أنكم تعلمون ضعف أنفسكم وعجزها، وشدة من سواكم وقوتها وصلابتها، ثم إنها مع شدتها وقوتها وصلابتها أخضع لله وأطوع منكم نحو ما ذكر من طاعتها له وخضوعها؛ حيث قال: - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ ونحو ذلك مما يكثر، والله أعلم.
أو أن يذكر لقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ بدء خلقهم وأصله الذي خلقوا هم منه، إنكم إنما عرفتم ابتداء خلقكم وأصلكم الذي منه خلقتم أنه تراب أو طين بإخبار الرسل، ويقول لهم: وأنتم يا أهل مكة ممن لا يؤمنون بالرسل، فكيف صدقتم الرسل بما أخبروا من أصلهم وبدء خلقكم، ولم تصدقوهم بما يخبرونكم من إعادتكم وبعثكم بعد موتكم؟!
فإذا صدقتموهم في ذلك لزمكم التصديق لهم في كل ما يخبرون ويقولون، والله أعلم.
أو يقول: إنه أنشأ من تلك النفس الواحدة التي خلقها من تراب من الخلق ما لو تركهم جميعاً لم يفنهم ولم يمتهم، لامتلأت الدنيا منها، فمن قدر على إنشاء ما تمتلئ الدنيا منه من نفس واحدة لا يحتمل أن يعجزه شيء من البعث والإعادة وغير ذلك، والله أعلم.
أو أن يقول في قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ ، أي: قد أنشأ من تلك النفس ومن ذلك الأصل قرناً وقرنا بعد قرن بعد إفناء كل قرن أنشأ قرناً آخر؛ فلا يحتمل أن يكون المقصود من إنشائهم الإنشاء ثم الإفناء والنقض، خاصة لا عاقبة تقصد بالإنشاء والإفناء؛ إذ في الشاهد من كان مقصوده في البناء الفناء والنقض خاصة كان غير حكيم، فإذا عرفتم الله - عز وجل - أنه حكيم؛ فلا يحتمل أن يكون مراده من إنشائكم وإفنائكم ذلك خاصة لا غير وذلك مزيل الحكمة، ويوجب السفه، الله عن ذلك وجميع ما يصفه الملاحدة علوّاً كبيراً.
أو أن يقول: إنكم عرفتم أنه إنما أنشأكم من تلك النفس التي أنشأها من تراب أو طين على اتفاق منكم، فإذا متم وفنيتم صرتم تراباً أو طيناً، فكيف أنكرتم إعادته إياكم من تراب أو طين، وقد أقررتم أن أصلكم تراب أو طين - والله أعلم - على الوجوه التي ذكرنا يجوز أن يخرج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ .
بالنصب يحتمل وجوهاً: أحدها: عجبت منهم إنكارهم ما أنكروا بعد كثرة قيام الآيات والحجج عليهم في ذلك وهم ينكرون ويسخرون.
أو يقول: عجبت ويسخرون؛ لما أنك بزعمهم لعظيم ما ينزل بهم من العذاب والشدائد وما يستقبلهم من الأمور المهمة وهم يسخرون، والله أعلم.
أو يقول: بل عجبت لما تدعوهم أنت إلى ما به نجاتهم وفلاحهم وهم يسخرون، ونحو ذلك يحتمل، والله أعلم بما كان يعجِّبه.
وفي بعض الحروف: ﴿ بل عجبتُ ﴾ بالرفع، وكذلك ذكر عن ابن مسعود - - أنه كان يقرؤه بالرفع: ﴿ بل عجبتُ ﴾ فإن ثبت ذلك وصح إضافة العجب إلى الله فهو في الشاهد وإن كان لظهور عظيم مما قالوا خفيّاً عليهم مستتراً، عند ذلك يقع لهم العجبُ فهو في الله عز وجل، وإن كان لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، فذلك لعظيم ما كان منهم من الإنكار من قدرته على الإنشاء والجحود في ذلك؛ فيكون ما ذكر من حرف العجب منه كناية عن الإنكار والدفع لقولهم، وذلك كما أضاف الامتحان إلى نفسه وإن كان في الشاهد لا يستعمل إلا في استظهار ما خفي عليهم واستتر منهم، فهو من الله يخرج على الأمر والنهي - أعني الامتحان - وإن كان في الشاهد بين الخلق لا يكون إلا لما ذكرنا، فعلى ذلك جائز إضافة العجب إلى الله على إرادة الإنكار منه عليهم والدفع لقولهم، والله أعلم.
ومن الناس من أنكر هذه القراءة وقال: لا يجوز إضافة التعجب إلى الله - عز وجل - لما هو لم يزل عالماً بما كان ويكون، وهو في الشاهد إنما يكون لظهور عظيم من الأمر قد جهلوه، لكن هذا وإن كان في الخلق ما ذكر فهو من الله على غير ذلك، على ما ذكرنا من إضافة الامتحان إليه والابتلاء وإن كان بين الخلق لما ذكرنا، وقد ظهرت إضافته إليه بقوله: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ وهو يخرج على الإنكار عليهم والرد على تعظيم إنكار ما قالوا وأنكروا، والله أعلم.
ومن الناس من قال في قوله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ فيما أضافه إلى رسول الله : أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أولئك الكفرة.
ويحتمل معنى [آخر]، وهو أن يقال: إن قوله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ أي: جعلت ما أنزلت عليك من القرآن والوحي أمراً عجباً، أو أن يقال: كان إنكارهم رسالتك وتكذيبهم الآيات أمراً عجباً وهم يسخرون، ونحوه، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ ﴾ .
ابن عباس يقول: وإذا وُعِظوا لا يتعظون، والموعظة والتذكير واحد.
وقتادة يقول: ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ ﴾ أي: [لا] ينتفعون بالموعظة على ما ذكرنا في قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ أي: لا ينتفعون بتلك الحواس، وإن كانت لهم تلك، كمن لا حاسة له.
فعلى ذلك قول قتادة.
وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج، يقول: إنهم وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ هذه الآيات وأمثالها ذكرها - والله أعلم - لقوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً [ ] ﴿ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ يخبر عن عنادهم ومكابرتهم ...
الآيات، ويذكر سفههم.
ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم، وجعله آيات من القرآن تتلى أبداً وجهان من الحكمة: أحدهما: صيَّر ذلك آية لرسالته لأنه معلوم أنهم كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحيه علم، والله أعلم.
والثاني: يخبر - والله أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أولئك وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من تسفه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال، بل يجب علينا أن نتأسى بسلفنا ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسفه، وإن عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك، واحتملوا منهم ما كرهوا، فنحمل عن سفهائنا مثله - والله أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم.
وجائز أن يكون الشيء سفهاً باطلاً في نفسه ويكون حكمة ودليلاً لغيره - والله أعلم - على ما قال بعض الناس: إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق، وكلام السفه والباطل دليل الصدق والحكمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ أي: وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم يستسخرون ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون سؤال استرشاد ولكن سؤال عناد وهزء؛ كقوله عز وجل : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
وقالوا: ﴿ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كان هذا تلقيناً لأولئك الكفرة الرؤساء من الشيطان اللعين حتى يموِّهوا على أتباعهم عندما ظهر، وكثير من الآيات؛ لما كانوا يعلمون أن لا كل أحد يعرف السحر ويتهيأ إتيانه وفعله؛ يلبسون بذلك على أتباعهم ليقع عندهم أنها السحر لا الآية، والله أعلم.
ولو كان ذلك سحراً حقيقة لكان من آيات الرسالة، فكيف إذا كان آية لما كانوا يعلمون أنه لم يختلف إلى أحد ممن له معرفة بالسحر قط؟!
فدل أنه بالله عرف ذلك، على ما ذكرنا: أن ما أنبأ وأخبر عن أنباء الأمم الخالية وأخبارهم يدل على رسالته؛ لما علموا أنه لم يختلف إلى أحد ممن له المعرفة بتلك الأنباء والأخبار ولا ينظر في كتبهم ليعرف ذلك، ثم أخبر على ما كان في كتبهم، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحى منه إليه علم، فعلى ذلك لو كان سحراً فكيف إذا كانت آية عظيمة معجزة؟!
وقال الزجاج: حرف العجب إنما يكون عند ظهور العجب من الأمر وعبرة عظيمة، فأما ما أضيف إلى الله فهو على الإنكار منه والرد على من أنكر عظيماً من الأمر ظاهراً، أو كلام نحوه، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ قيل: دائم؛ كقوله عز وجل: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ أي دائماً، وقيل: ﴿ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ أي: شديد.
وقوله عز وجل: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ قيل: ملتزق، وقيل ملتصق الذي يلتصق باليد إذا لمس.
وقوله: ﴿ دُحُوراً ﴾ قيل: طرداً، وهو مطرود.
وقوله: ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ قيل: مضيء، وقيل: هوى بضوئه.
ثم قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قال بعضهم: يسخرون، وقال بعضهم: ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ : يطلبون من أتباعهم السخرية - يعني: القادة - على الآية.
والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ : قد ذكرنا: أنهم يقولون ذلك وما تقدم على العناد والتعنت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً وإن بين لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم؛ لذلك اكتفى بقوله: ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ، قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئاً من الحجاج سوى قوله: ﴿ نَعَمْ ﴾ .
أي: صاغرون ذليلون؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ .
يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن سرعة قيامها ومرورها.
ويحتمل على حقيقة الزجرة، لكن يخبر عن خفة ذلك وهوانه عليه؛ كقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من غير أن كان منه كاف ونون أو شيء من ذلك، لكنه أخفّ كلام على الألسن يؤدى به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ إخباراً عن خفة ذلك عليه وهوانه، من غير أن جعل الزجرة سبب الإحياء أو سبباً من ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ إلى ماذا يؤمرون؟
وعن ماذا ينهون؟
لأن الذي أصابهم في الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا، فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في الدنيا بتركهم الأمر عنه ينظرون إلى ماذا يؤمرون وينهون عنه؟
والله أعلم.
أو ينظرون كالمتحيرين؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ويكذبونه، فإذا عاينوا تحيروا وتاهوا وضجروا، وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئاً أو كذبه، ثم أخبر به وأعلم حتى تيقن عنده ما أنكر تحير وضجر؛ فعلى ذلك هؤلاء لما أنكروا في الدنيا وكذبوه ثم عاينوا ذلك وتيقنوا به - تحيروا وضجروا به، ينظرون نظر المتحير الضجر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ .
هذا كلام يقال عند الوقوع في الهلاك.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وكذلك قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .
ويحتمل: هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدين دينه، والدين المطلق هو دين الله، وكذلك السبيل المطلق هو سبيل الله، أي: هذا يوم الدين الذي ينفع من كان معه دين الله، وكذا السبيل المطلق هو سبيل الله.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ ﴾ أي: يقضي بينهم ﴿ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يفصل ويفرق بينهم، أي: بين الكفار وأهل الإيمان، وبين الخبيث والطيب؛ كقوله - -: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً...
﴾ الآية [الأنفال: 38]، وقوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ .
فالزوج: هو اسم لشكله واسم لضده اسم لهما جميعاً.
يحتمل قوله: ﴿ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أولئك وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقال قتادة وغيره: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: يدان لبعض الناس من بعض في المظالم والحقوق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾ .
يحتمل الوقف للحساب.
ويحتمل ﴿ مَّسْئُولُونَ ﴾ أي: محاسبون.
وعن ابن عباس قال: "إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفاً، في كل موقف يوقفون مقدار كذا عاماً، ثم تلا هذه الآية".
ويحتمل [ليس] السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا؟
ويحتمل الوقوف فتنوا إلى بعضهم بعضاً، والمخاصمة فيما بينهم والمراجعة؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ...
﴾ كذا، و ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ...
﴾ كذا؛ على ما أخبر أنه يجري فيما بينهم من الخصومة ومراجعة القول واللائمة.
وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ﴾ .
أي: ما لكم لا تنصرون؟
أي: ما لكم لا ينصركم الأصنام التي عبدتموها في الدنيا رجاء النصر والشفاعة؛ كقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُون ﴾ ، أي: خاضعون ذليلون لله، لما علموا ألا يكون النصر والعون إلا منه، فعند ذلك يستسلمون له.
وقال بعضهم: يستسلمون في عذابه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .
قال بعضهم: أقبلت الإنس على الجن.
وقال بعضهم: أقبلت الإنس على الشياطين، فقالوا لهم: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴾ ، قال بعضهم: من قبل الخير والطاعة؛ فتسهوننا وتشغلوننا.
وقال بعضهم: من قبل الدين والتوحيد من حيث يحترس، وهو الأوّل.
وقال بعضهم: من قبل الحق ونحوه.
فرد عليهم أولئك: ﴿ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
يقولون: إنكم تركتم الإيمان بأنفسكم وباختياركم لا إنا منعناكم منعا عنه.
وقالوا: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ ﴾ .
أي: ما كان لنا عليكم من حجة أو برهان ألزمناكم به، بل أطعتمونا طوعاً واستجبتم لنا فيما دعوناكم، فهذه المناظرة والمجادلة فيما بينهم كمناظرة إبليس في موضع آخر حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ موعدي ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: دعوتكم بلا حجة ولا برهان فاستجبتم لي؛ فعلى ذلك يقول هؤلاء: ﴿ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ باختياركم ترك الإيمان بلا سلطان ولا حجة كان عليكم، وكمناظرة القادة مع الأتباع حيث قال: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴾ أي: من جهة القوة، أي: إنكم على الحق وإنكم مؤمنون ونحو ذلك.
ويحتمل لا على حقيقة اليمين، ولكن تأتوننا من كل جهة؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ...
﴾ الآية [الأعراف: 17]، أي: من كل جهة لا على حقيقة ما ذكرنا، والله أعلم.
وقد ذكرنا أن قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ أن قوله: ﴿ سُلْطَانٍ ﴾ أي: لم يكن لاتباعكم إيانا وطاعتكم لنا حجة أو برهان أقمناه عليكم فيما دعوناكم إليه، [وإنما كان] اتباعاً من غير أن ألزمناكم؛ فلا تلومونا ولكن لوموا أنفسكم.
﴿ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ ﴾ .
أي: بطغيانكم اتبعتمونا لا بما ذكرتم، والله أعلم.
ثم قالوا: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا قول الأكابر منهم والمتبوعين للأصاغر والأتباع منهم: أن حق علينا قول ربنا؛ قال بعضهم: أي: وجب علينا وعليكم عذاب ربنا.
ويشبه أن يكون القول الذي أخبروا أنه حق عليهم هو قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ﴾ .
يحتمل أن تكون هذه المعاتبة التي ذكرت كانت بين الأتباع والمتبوعين من الإنس؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ كذا [سبأ: 33]، ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ...
﴾ كذا [سبأ: 32]؛ وكقوله: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ...
﴾ كذا [الأعراف: 38].
ويشبه أن يكون بين الإنس والشياطين.
ثم قوله: ﴿ فَأَغْوَيْنَاكُمْ ﴾ .
حين اخترتم الغواية والضلال، أو عرفتم أنا لسنا على الهدى ولم نقم عليكم الحجة، فاتبعتمونا على علم منكم أنا على الغواية فأغويناكم حينئذ، والإغواء: الإضلال، والغواية: الضلال.
وقوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ .
أخبر أنهم جميعاً: الأتباع، والمتبوعين يشتركون في العذاب، ليس أن يشتركوا في نوع من العذاب، ولكن يجمعون جميعاً، ثم لهم العذاب على قدر عصيانهم وجرمهم.
وقوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: المجرم: هو الوثاب في المعصية، القادح فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
أي: كانوا إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله يستكبرون.
ثم يحتمل قوله: ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ لا على هذه الكلمة، ولكن يستكبرون على اتباع القائلين لهم: لا إله إلا الله؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ؛ وكقولهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ كانوا يأنفون ويستكبرون على اتباع رسول الله ، لذلك قالوا ما قالوا.
وجائز أن يكون ما ذكر من استكبارهم استكباراً على هذه الكلمة حقيقة، فيخرج استكبارهم عليها؛ إنكاراً لهذه الكلمة وجحوداً لها بقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ ، والله أعلم.
ويقولون: ﴿ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴾ .
يشبه أن يكون على الإنكار لها؛ لما ذكر من قولهم على أثر ذلك وهو ما قال: ﴿ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴾ .
ثم جمعوا في هذا متضادين؛ لأن الشاعر هو الذي [يبلغ] في العلم غايته، والمجنون هو الذي يبلغ في الجهل غايته، ثم جمعوا بينهما في رسول الله وكذلك قولهم: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ الساحر هو الذي يبلغ في علم الأشياء غايته، والجنون في الجهل؛ دل أنهم إنما يقولون عن عناد وتعنت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
الحق: قال بعضهم: بالحق الذي لله عليهم وما لبعضهم على بعض، وأصل الحق: أنه كل ما يحمد على فعله، وكل ما يذم عليه فهو باطل.
﴿ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : أخبر أنه صدق إخوانه من المرسلين، والله أعلم.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ ﴾ : هي الطيور التي صفت بين السماء والأرض، ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ من الزجر يقال: زجرت الإبل زجرا إن صحت بها؛ فهو اسم الصياح، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ﴾ كما تقول: تلوت القرآن، أي: قرأت، وتلوت: تبعت، والتالي: التابع، والقذف والرمي ﴿ وَيُقْذَفُونَ ﴾ أي: يرمون، و ﴿ دُحُوراً ﴾ : أي مباعدة؛ دحرته، أي: باعدته وطردته، ﴿ وَاصِبٌ ﴾ ، أي: ذائب، ﴿ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ ﴾ أي: استلب الشيء، والخطفة: الاستلاب السريع، ﴿ فَأَتْبَعَهُ ﴾ ، أي: اتبعه، ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ : الشهاب: الكوكب، والثاقب: الشديد الضوء والحر؛ يقال: ثقبت النار، أي: التهبت واشتد حرها، وأثقبتها، أي: أوقدتها، سخرت واستسخرت كقولهم: قر واستقر؛ واحد، وسخر به وسخَّر به بالتشديد وسَخَّرْتُ فلاناً، أي: استعملته بغير أجر، ﴿ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ ، أي: قد ذلوا وأعطوا بأيديهم؛ يقال: استسلم الرجل إذا أعطى بيده، وأسلمته: تركته لم أعنه ولم أنصره، ﴿ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ : أشكالهم، تقول العرب: زوجت، أي: إذا قرنت واحدا بآخر، وهم قرناؤهم من الشياطين، ﴿ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴾ ، أي: تخادعوننا وتمنعوننا عن طاعة الله، والله أعلم.
وزوج الشيء: شكله، ويقال لضده؛ فهو اسم لهما جميعاً.
وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
يحتمل ما ذكرنا: أنه على الإضمار: أنه إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله يستكبرون.
ويحتمل وجهاً آخر: أنهم إذا قيل لهم: اتركوا عبادة الأصنام، واصرفوا عبادتكم إلى الإله الذي هو في الحقيقة إله، وهو المالك لجر النفع ولدفع الضر، وهو الله جل وعلا؛ ويدل لهذا قولهم: ﴿ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴾ أي: نترك عبادة آلهتنا لقول شاعر مجنون، والله أعلم.
ذكر "أن نفراً من رؤساء قريش أتوا إلى أبي طالب فقالوا: ما يريد منا ابن أخيك محمد؟
فدعا به فقال: ما تريد منهم يابن أخي؟
فقال له: يا عم، إنما أريد منهم كلمة يملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وفي بعض القصة أنه قال لهم: أريد منكم كلمة يدين لكم بها العرب ويؤدي إليكم بها العجم الجزية، فقالوا: وما هي؟
فقال: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ ، وذكر أنهم قالوا: ﴿ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴾ " .
ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.
والآية فيمن يقر بالصانع ليس فيمن ينكر الصانع رأساً من نحو الدهرية وغيرها؛ حيث نفى الألوهية لمن دونه وأثبتها لله - عز وجل - بقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ولو كان ذلك مع أهل الدهر، لكان لا معنى لنفي الألوهية لغيره، بل يحتاج إلى تثبيتها فحسب؛ فدل أن الآية فيمن يقر بالصانع، لكنه يشرك غيره فيها وهم مشركو العرب وغيرهم، والله أعلم.
ثم أخبر عن رسوله وصدقه حيث قال - عز وجل -: ﴿ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ ﴾ وهو كل آياته: من التوحيد، والإسلام، والرسالة، وكل فعل يحمد فاعله عليه ولا يذم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
الذين كانوا قبله في جميع ما جاءوا به من الحق.
﴿ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ ﴾ .
بالتكذيب والرد لذلك كله.
﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ ؛ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: ﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم.
ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، وبين قوله: ﴿ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ ؟!
قال بعضهم من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون به.
ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم محدود.
أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلوماً معروفاً عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعوداً، فإذا وصلوا إليه، صار معلوماً محدوداً.
وقوله: ﴿ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ .
أي: معظمون مشرفون.
وقوله: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .
يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه شراب فهو كأس.
وقوله: ﴿ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ .
المعين قال بعضهم: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في الأنهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ﴾ أي: ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .
ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء؛ لأن البياض يظهر كل ما فيه من الأذى والآفة ويرى، فأما في غيره من الألوان فإنه قلما يظهر وقلما يرى إلا يجهد، أو ذكر أنها بيضاء لأن البيضاء من الألوان المستحسن الطباع كلها؛ وهو المختار عندنا.
قال الزجاج: إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية؛ ألا ترى أن الخمر يشربها الناس وتظهر كراهة ذلك في وجوههم من العبوسة وغيرها، ثم مع هذا يعودون ويشربون دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية، ولكن للنفس الروحانية أو كلام نحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ .
و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ بنصب الياء وكسر الزاء، ورفعها ونصب الزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا آفة ولا صد ولا أذى، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ من قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ برفع الياء ونصب الزاء يقول: لا تنزف الخمر عقولهم، أي: لا تذهب بها، أي: لا يسكرون كما يسكر بشرب خمور الدنيا.
ومن قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ أي يعني شرابهم.
وتأويل هذا الكلام: أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشراب لا يتركون شربهم إلا لإحدى الخلتين: إما لذهاب عقولهم وذلك عند شدة سكرهم، وإما لفناء الشراب، لإحدى هاتين الخلتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا يذهب عقولهم الخمر ولا يُفْنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: طاهر لا تحرك، ويقال: الجاري، ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: سكر ولا ضرر، ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة والقتل في الأولاد، [و]هي أن ترضع المرأة ولدها وفي بطنها آخر، والغلول: التلوُّن، وكذلك سميت الغول غولا؛ لأنها تتلوَّن، والغيلان: جميع، ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ قال: النزيف: السكران.
وقال القتبي: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا تغتال عقولهم فيذهب بها، يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول: العدو، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يذهب خمرهم وينقطع و[لا] يذهب عقولهم، والخمر التي جعلها الله لأهل الجنة في الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا ولم يتناول منها ولا تلذذ بها، والله أعلم.
وقيل: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ ، أي: غائلة لها، أي: الصداع، أي: لا يتجع منها الرأس، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يسكرون بنزف عقولهم فتذهب.
وفي قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ بنصب اللام دلالة: أنه قد كان من الله - جل وعلا - لطف به استوجبوا الإخلاص والخصوصية، وهو ينقض على المعتزلة قولهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .
أي: لا ينظرن إلى غير أزواجهن، جبل الله - عز وجل - البشر على الغيرة، ولا يستحب الرجال أن ينظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا النساء أن ينظر أزواجهن إلى غيرهن، فأخبر - عز وجل -: عن أزواجهم في الجنة: أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ حبّاً لأزواجهن وطلباً لمرضاتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ عِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: واسعات العيون في الجمال؛ لأن السعة في العين إذا جاوز الحد فحش ولا يكون فيه جمال، ولكن يكون فيه قبح، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ عِينٌ ﴾ ، أي: حسان العيون، والعين جماعة: العيناء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .
أي: مستور، لا يصيبه مطر ولا ريح ولا غبار ولا شمس ولا شيء مما يصيب في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .
أي: قد خبى وكن من الحر والبرد والمطر فلم يتغير؛ وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : هو كبيض النعام الذي يكنه الريش من الريح وغيره، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه ينزف؛ فذاك المكنون.
وقال بعضهم: شبهن بالبياض الذي يكون بين القشر وبين اللحا وهو أبيض شيء يكون، والله أعلم بذلك، لكن فيه وصفهن بالجمال والبهاء والحب لأزواجهن.
وقال بعضهم: البيض المكنون: هو المصون، هو وصفهن بالصون والصيانة؛ كقوله: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: في بعض القصة: أن رجلين شريكين كان لهما ثمانون ألف دينار، وذكر أنهما كانا أخوين ورثا ثمانين ألف دينار فاقتسما - وذكر أربعون ألف درهم - فعمد أحدهما إلى ماله فاشترى به قصوراً وبستاناً وفرشاً وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله فأنفقه في طاعة الله، وطلب مرضاته، وطلب بعمده [الحياة] الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن والآخر كافر طاغ، ثم أصاب الذي أنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله أن ينال منه بمعروف، فأتاه فسأله، فأبى أن يعطيه شيئاً، وقال له: ما شأنك وما فعلت بمالك؟
فأخبره بما فعله به، فقال له: ﴿ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ أي: محاسبون، فرجع فقضى لهما أن توفيا فنزلت فيهما: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ ، أي: لمحاسبون ﴿ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ ، كأنه قال لأصحابه: هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله؟
ثم أخبر أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه؛ فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه: أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: وسط الجحيم، وإن كانوا جميعاً مطلعين إليه فيها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ ، وإن كان خاطب إنساناً فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ إنما أخبر عن اطلاع كل منهم - والله أعلم - وكانوا جميعاً مطلعين.
ثم في الآية شيئان عجيبان: أحدهما: ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض فيرون.
أو تكون بعيدة منها، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في الدنيا، فجائز أن يجعل الله - عز وجل - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحد؛ حتى لا يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم.
والثاني: أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه وسيماه، لكن جائز أن يكون الله - عز وجل - يعرفه بأعلام تجعل له؛ فيعرفه بتلك الأعلام، وذلك على الله - عز وجل - يسير هين.
وأهل التأويل يقولون: يجعل الله - عز وجل - لأهل الجنة كوى منها إذا أرادوا أن ينظر أحدهم إلى من في النار، فتح الله له كوة ينظر إلى من شاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: في وسط الجحيم؛ كقوله: - عز وجل -: ﴿ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، أي: وسطه.
فقال: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ ، أي: هممت لتغوين، وكذلك في حرف ابن مسعود: [مكان] ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ : ﴿ لتُغْوِيَن ﴾ .
وقال الكسائي: تالله، وبالله، ووالله، والله - بغير واو - لغات.
يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاه يقول: لولا أن الله أنعم على الهدى، ولولا أن الله رحمني فهداني؛ المعنى واحد.
يقول له: اترك دينك واتبعني، وقال: ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: لتهلكني، يقال: رديت فلاناً، أي: أهلكته، والردى: الموت والهلاك؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ .
قال بعضهم: لمحاسبون.
وقال أبو عوسجة والقتبي: لمجزيون، والدين: الجزاء.
وقال: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ.
وقوله: ﴿ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: هممت، وأردت [أن] تهلكني وتغويني لو أجبتك واتبعتك فيما [دعوتني] إليه وسألتني.
ثم أخبر أنه ﴿ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴾ معه، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن عليه هداية كل أحد ما لو منعه عنه كان جائرا في منع ذلك، وهذا الرجل أخبر أنه بنعمته ورحمته اهتدى ما اهتدى، وأنه لو لم يكن منه إليه نعمة، لكان من المحضرين فيها، فهو أعرف بربه من المعتزلة، وكذلك الشيطان وجميع الكفرة أعرف بنعمة ربهم من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ ، ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ومثله كثير في القرآن: أنهم جميعاً رأوا الهداية لهم من الله نعمة ورحمة ولم يعط الكفرة ذلك، والمعتزلة يقولون: بل هدى كل كافر ومشرك لكنه لم يهتد، وأهل الجنة قالوا أيضاً: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ ، وقالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا ﴾ ، ومثله كثير في القرآن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ على الإيجاب والإلزام، ليس على الاستفهام، وسؤال بعضهم بعضاً: ألا نموت فيها ولا نعذب، وإذ لم نمت ولم نعذب فيها، فإذن كان ذلك فوزاً عظيماً؛ ولذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي: أن هذا استفهام تعيين وفي القرآن كثير مثله، وقال: قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون على التعيين، ويكون على الجهالة، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: بعد موتتنا الأولى؛ لأنه بعد إذاقتهم الموتة الأولى؛ فإنهم لا يذوقون ثانياً.
وقوله: ﴿ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ ﴾ .
أي: لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن وظفرنا بها، فليعمل العاملون، لا لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ من النزل والمقام، أي: المقام الذي نزلنا فيه نحن خير أم شجرة الزقوم.
ويحتمل قوله: - عز وجل -: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ أن يكون من الأنزال، أي: ما لنا من [النعم] العظام والمأكل والمشرب خير أم شجرة الزقوم؟
قال بعضهم - أعني: بعض الكفار - عندما خوفوا بها: هل تدرون ما الزقوم؟
هو التمر والزبد، فقالوا: هذا الذي يخوفنا به محمد.
وقال بعضهم: إن محمداً يدعي أن تكون الشجرة في النار، والنار من طبعها أن تحرق الشجر وتأكله، فكيف يكون في النار الشجرة؟!
تكذيباً منهم وإنكاراً لذلك، فأخبرهم الله - عز وجل - عن تلك الشجرة وعن حالها فقال: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ ، أخبر أن تلك الشجرة خرجت من أصل الجحيم وأنشئت منها، والشجرة التي أنشئت من النار لا تأكلها النار ولا تحرقها وإنما تأكل غيرها من الأشجار التي لم تنشأ منها، ومثل هذا جائز أن يكون الشيء الذي يكون نشوءه وبدؤه من كل شيء ألا يهلكه كونه في ذلك؛ كالسمك الذي يكون أصل نشوئه في الماء، لا يهلكه الماء وكذلك جميع دواب البحر وإن كان غيرها من الدواب في البرية يهلك فيه ويتلف؛ فعلى ذلك الشجرة المنشأة منها لا تهلكها النار ولا تحرقها، وإن كان غيرها من الأشجار تأكلها وتحرقها، والله أعلم.
والجحيم: قيل: هو معظم النار وغلظها، يقال: أجحمت النار، أي: أعظمتها، يقال: نار جحيمة، أي: عظيمة.
وقوله: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: إن نوعاً من الحيّات يسمين: شياطين، لها رءوس سود قباح، لها عرف كعرف الفرس، و[شبه] طلع تلك الشجرة وثمرتها لقبحها وسوادها برءوس من تلك الحيات، والله أعلم.
وقال بعضهم: هو نوع من النبات بالبادية يستقبحه الناس أشد الاستقباح، شبه طلع تلك الشجرة وثمرتها بذلك النبات.
وقال بعضهم: إن جبالا بمكة سود قباح يستقبحها أهل مكة سموها: شياطين، شبه ثمار تلك الشجرة وطلعها برءوس تلك الجبال، والله أعلم.
وقال بعضهم: لا ولكن حقيقة رءوس الشياطين؛ لأن الله - عز وجل - جعل للشياطين في قلوب أولئك الكفرة فضل بغض وقبح والنفار منها وإن لم يروها ولم يعاينوها، فشبه طلع تلك الشجرة برءوس الشياطين؛ لفضل إنكارهم وبغضهم إياها حقيقة، وفي ذلك آية عظيمة لرسالته ؛ لأنهم لم يروا الشياطين ببصرهم ولا عرفوهم معاينة، وإنما عرفوهم بأخبار الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وبها استنكروها واستقبحوها وهم قوم لا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - فإذا قبلوا أخبار رسل الله فيهم، لزمهم أن يقبلوا قولهم في الرسالة وفي جميع ما أخبروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فِتْنَةً ﴾ ، يعني به: الشجرة التي أنشئت من أصل الجحيم، وهي شجرة الزقوم [جعلها] عذاباً للظالمين، يعني به: الشجرة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ أي: يعذبون، ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ أي: عذابكم، ﴿ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلْنَاهَا ﴾ ، أي: تلك الشجرة: الزقوم، ﴿ فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ﴾ في الدنيا وجهة القصة بها لهم: هو إنكارهم إياها من الجهة التي ذكروا: أن النار تحرق وتأكل الشجر، فكيف يكون فيها شجر؟!
إنكاراً لها وتكذيباً بها.
والثاني: ما ذكر بعضهم: أن الزقوم هو الزبد والتمر، صار ذلك فتنة لهم؛ لما ذكرنا وسبباً لعذابهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ﴾ .
أي: من الشجرة الزقوم، ذكر أنها تخرج من أصل الجحيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴾ .
جائز أن يشدد الله عليهم الجوع حتى يأكلوا منها فيملئون بطونهم منها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ﴾ وهي الإبل التي تملأ بطونها من المسايم، لا يغني ذلك الشرب وهو الحميم، ولا يدفع عنهم العطش الذي يكون بهم؛ فعلى ذلك ما جعل طعامهم من تلك الشجرة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ الآية [الدخان: 43-44]، إنهم وإن ملئوا بطونهم فإن ذلك لا يدفع عنهم الجوع؛ كقوله: ﴿ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ ﴾ ، والله أعلم.
﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا ﴾ .
وفي حرف عبد الله بن مسعود - -: ﴿ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ .
أي: ثم إن لهم على تلك الشجرة التي جعل طعامهم منها خلطاً من حميم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴾ .
أي: ثم إن مردهم، أي: ثم إنهم يردون إلى الجحيم لا أنهم يرجعون بأنفسهم، ولكن يردون فيها؛ كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾ هم لا يدخلون فيها ولكن يدفعون فيها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، والجحيم: هو معظم النار على ما ذكرنا، يقال: نار جاحمة، أي: عظيمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ﴾ .
أي: وجدوا آباءهم ضالين.
﴿ فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ .
فيه أن ما ذكر من العذاب للأتباع منهم لا للمتبوعين، ولم يذكر عذاب المتبوعين في الآية حيث قال: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ .
قال بعضهم: يسرعون وهو شبه الهرولة، والإهراع: هو الإسراع؛ وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ أي: يسعون؛ وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: ولقد ضل قبل قومك يا محمد من الأولين أكثرهم من الأمم الخالية من لدن آدم فهلم جرّاً إلى محمد وعلى آدم [و] من بينهما من النبيين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ ﴾ .
أي: لقد أرسلنا في الذين ضلوا قبل قومك منذرين ينذرونهم، ما من قوم إلا بعث إليهم نذير كما أرسلناك إلى قومك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: انظر كيف صنعنا بمن أنذرنا بالعاقبة فلم يؤمن ولم يقبل ولم ينفعه النذارة.
﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .
استثنى المخلصين منهم، وهم الذين نفعتهم النذارة وقبلوها؛ فنجوا مما ذكر من عذابهم، والله أعلم.
ويحتمل: أنه سماهم المخلصين؛ لما اصطفاهم الله وأخلصهم لعبادته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ...
﴾ الآية.
قال بعضهم: حين دعا ربّه فقال - -: ﴿ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾ ، فكأنه إنما دعا ربه بالهلاك على قومه، فأجاب الله دعاءه، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
ثمة أمران الرسل - عليهم السلام - هم مخصوصون بهما من بين غيرهم من الناس: أحدهما: أن ليس لهم الدعاء على قومهم بالهلاك وسؤال العذاب عليهم إلا بعد مجيء الإذن لهم من الله - عز وجل - بالدعاء عليهم، فنوح - - إنما دعا ربه بإنزال الهلاك عليهم بالإذن من ربه.
والثاني: لم يكن لهم الخروج من بين أظهرهم عند نزول العذاب بهم إلا بإذن من الله - عز وجل - على ذلك؛ ولذلك جاء العتاب ليونس - - والتعيير لما خرج من بينهم عند نزول العذاب بلا إذن كان من ربه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 87]، هما خصلتان لهم خاصة صلوات الله عليهم، وأما لغيرهم من أهل الدين فلهم أن يدعوا على الفجرة والفسقة منهم باللعن والهلاك، فلهم أن يفروا منهم، وأن يخرجوا من بين أظهرهم؛ لفسقهم وفجورهم، وكان هذا يعد من صالح الأعمال لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ﴾ .
وهو الرب - تبارك وتعالى - ذكر المجيب على الجماعة: إنا نفعل كذا، وفعلنا كذا، وهو كلام الملوك فيما بينهم، ثم كل فعل يضاف إلى الله - - [يشاركه] فيه غيره أو ينسب يزاد فيه شيء يكون فاصلاً، وذلك بينه وبين فعل غيره؛ نحو ما قال - عز وجل - في موضع آخر: ﴿ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ ، ونحو قوله: ﴿ عَالِمُ ﴾ لا كالعلماء ونحوه مما يكثر ذلك؛ لأنه قادر على وفاء ما وعد وأخبر وإنجاز ذلك لا يعجزه شيء، وغيره من الخلائق لعلهم لا يقدرون على وفاء ذلك والقيام بإنجاز ما وعدوا؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .
يحتمل نجاته من الكرب العظيم هو دعاؤه قومه إلى توحيد الله - عز وجل - تسعمائة وخمسين سنة، وما قاساه منهم من أنواع الأذى من التكذيب وغيره، فأنجاه الله من كرب ذلك حين أهلكهم.
ويحتمل: ﴿ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ هو القول الشديد وهو الغرق، أغرق قومه وأنجاه منه، سماه: عظيماً، لشدة ما أصابهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ﴾ .
أي: جعلنا ذرية نوح - - من بين سائر ولد آدم وذريتهم [هم الباقين] وأهلكنا غيرهم؛ ولذلك كان بقاء نسله إلى يومنا هذا وهلك نسل غيره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ .
يشبه أن يكون ما ذكر أنه ترك في الآخرين ما ذكر على أثره من السلام حيث قال - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: أبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين حتى يثنوا عليه جميعاً ويصدقوه ويقولوا فيه خيراً وحسناً، والله أعلم.
ويحتمل ما قال بعضهم: سلام الله على نوح في العالمين، وسلم إليه جميع العالمين في جميع الأوقات، كما سلم عيسى على نفسه حيث قال: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ ، وما سلم على يحيى - - حيث قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ ذكر السلام عليهما في أوقات ثلاثة وفي نوح في الأوقات كلها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
أي: إنا هكذا نجزي كل محسن، فجزاه الله بإحسانه إلينا الحسن في العالمين، رغب الناس في الإحسان: إما إلى الخلق، وإما إلى أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وليس في ذكره أنه من المؤمنين كثير منفعة له وهو من أولي العزم من الرسل، لكن يحتمل ذكره إياه أنه من المؤمنين وجوهاً: أحدها: أنه من عبادنا المؤمنين قبل الرسالة وقبل أن يبعث رسولا، أي: لم يصر مؤمناً وقت الرسالة، ولكن كان لم يزل مؤمناً قبل الرسالة.
والثاني: أنه من عبادنا المؤمنين بك يا محمد؛ يذكر هذا ليسر به ويفرح عليه، والرسل - عليهم السلام - جميعاً يؤمن بعضهم ببعض.
والثالث: أنه كان من عبادنا المؤمنين المحققين الموفين، أي: وفاء ما اعتقد بلسانه، وهكذا كان الرسل كلهم موفين ما اعتقدوا [و]أعطوا بلسانهم، وهكذا يعتقد كل مؤمن في أصل إيمانه واعتقاده ألا يعصي ربه، وألا يخالفه في شيء من أموره ونواهيه، لكنه لا يفي ما اعتقده فعلا بل يقع - ربما - في معاصيه وفي مخالفة أمره ونهيه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴾ .
أي: إبراهيم - - من شيعة نبينا محمد يقول على دينه ومنهاجه.
وقال بعضهم: من شيعة نوح، أي: إبراهيم من شيعة نوح - عليهما السلام - على ما تقدم ذكر نوح - عليه الصلاة والسلام - حيث قال: ﴿ نَادَانَا نُوحٌ...
﴾ إلى آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه.
وقيل: لذكرها ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ : عن جميع ما يمنعه من الإجابة لربه فيما دعاه، والصبر على ما امتحنه وابتلاه، والله أعلم.
وعلى ذلك سماه الله - عز وجل - في كتابه الكريم: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ ﴾ جميع ما أمر به وامتحن به، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك في الآخرة يقول: ﴿ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أخبر أنه في الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قلبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ ﴾ .
قد اختلف سؤال إبراهيم - صلوات الله عليه - بقوله مرة: قال لهم ﴿ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، ثم ذكر في غير هذا الموضع إجابتهم إياه حيث قالوا: ﴿ نَعْبُدُ أَصْنَاماً ﴾ ، وما قالوا: ﴿ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ ، ولم يذكر هاهنا شيئاً قالوه له، ثم معلوم أنه لا بهذا اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليعلم أن تغيير الحروف والألفاظ لا يغير المعنى، وكذلك جميع القصص التي ذكرت في القرآن يذكرها مكررة معادة مختلفة الألفاظ والحروف والقصة واحدة؛ ليدل أن المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: إفكا أي: كذباً تمسككم بالأصنام التي تعبدونها من دونه، يقول: كذباً ذلك، ليست بآلهة دون الله [و]عبادته.
أو يقول: إفكا، أي: كذباً الآلهة التي اتخذتموها آلهة دون الله، يريدون أن يتخذوا آلهة وهو قريب [من] الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم إذا اتخذتم دونه آلهة، وصرفتم العبادة والشكر عنه إلى من دونه، وقد تعلمون أنه هو المنعم عليكم هذه [النعم] وهو أسدى إليكم هذا الإحسان وهو أداها إليكم.
أو يقول: فما ظنكم برب العالمين أنه يرحمكم ويفعل بكم خيراً في الآخرة بعد تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها دون الله، بعد علمكم: أنه هو خالقكم، وهو سخر لكم جميع ما في الدنيا وهو أنشأها لكم، فما تظنون به أن يفعل بكم: أن يرحمكم ويسوق إليكم خيراً؟!
أي: لا تظنوا به ذلك، ولكن ظنوا جزاء صنيعكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ .
أي: سأسقم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ للحال؛ فعلى ذلك قول إبراهيم -: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ أي: سأسقم.
أو يقول: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ وهو صادق؛ إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض وإن قل، فعلى ذلك قول إبراهيم، .
وقول من قال: إن إبراهيم - - كذب ثلاثاً: أحدها: هذا ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ فذلك وحش من القول سمج، لا جائز أن ينسب الكذب إلى رسول الله وهو من أنبيائه لا يقع قط في وجه من الوجوه، ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ ليخلفوه ويتركوه؛ ليكسر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت، ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم؛ لأن قومه كانوا يعملون بالنجوم ويستعملونها وعلم النجوم، فإن كان ذلك، فهو - والله أعلم - أراد أن يرى من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحجة عند ذلك وهو ما ذكر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ و ﴿ هَـٰذَآ أَكْبَرُ ﴾ ونحوه، قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه؛ ليكون إلزام الحجة عليهم والصرف عما هم عليه أهون وأيسر؛ إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخلق أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين أنه إذا أظهر من نفسه الموافقة له [كان ذلك أهون عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ ﴾ ] عليهم ضرباً باليمين أي: ضربهم ضرباً باليمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ .
أي: فراغ إلى ما اتخذوا هم، وسموها آلهة، ذكرها على ما عندهم وعلى ما اتخذوها هم وإلا لم يكونوا آلهة، وكذلك قول موسى: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ أي: انظر إلى إلهك الذي هو عندك، وإلا لم يكن هو إلهاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ .
كأن طعاماً [كان] موضوعاً بين يديها؛ لذلك قال: ألا تأكلون؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ .
بحوائجكم، أو يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ : أنه من فعل بها ما فعل؛ كقوله: ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ عمن فعل بهم هذا، سفه قومه في عبادتهم الأصنام، وهي لا تأكل ولا تنطق ولا تملك دفع من قصد بها ضررا، فكيف تطمعون شفاعتها لكم في الآخرة وهي لا تملك ما ذكر؟!
والله أعلم؛ وهو كقوله: ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ .
أي: مال ورجع عليهم.
وقوله: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ضرباً مألوفاً ليمينه التي كانت منه حيث قال: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ بالقوة، وقد يعبر باليمين عن القوة كما يعبر باليد عن القوة.
وقال بعضهم: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ ، أي: بيده اليمنى نفسها، على ما يعمل المرء أكثر أعماله باليمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ .
ظاهر هذا أنهم أقبلوا إليه وقت ما كسرها وفعل بها ما فعل، لكن في آية أخرى ما يدل أن إقبالهم إليه كان بعد ما خرج من عندها وغاب وكان بعد ذلك بزمان؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ...
﴾ الآية [الأنبياء: 59-60]، ولو كانوا أقبلوا إليه مزفين وهو عندها حاضر لم يحتاجوا إلى أن يقولوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ ﴾ ، بل يقولون: إن إبراهيم فعل ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ .
قال بعضهم: يمشون إليه.
وقال بعضهم: يسرعون؛ وهو قول أبي عوسجة.
وأصل التزفيف: كأنه المشي فيه سرعة، على ما يسرع المرء في المشي إذا أصابه شيء أو فعل به أمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ .
يسفههم بعبادتهم ما ينحتون بأيديهم ويتخذونها بأنفسهم، على علم منهم أنها لا تملك نفعاً ولا ضرّاً، والذي نحتها أولى بالعبادة له [أي:] أولى بأن يعبد - إن كان يجوز العبادة لمن دونه - من ذلك المنحوت؛ إذ هو يملك شيئاً من النفع والضر والمنحوت لا، فإذا لم تعبدوا الناحت لها والمتخذ وهو أقرب وأنفع، فكيف تعبدون ذلك المنحوت الذي لا يملك شيئاً وتركتم عبادة الذي خلقكم وخلق أعمالكم؟!
ثم من أصحابنا من احتج على المعتزلة بهذه الآية في خلق أفعال العباد؛ يقولون: أخبر - - عن خلق أنفسهم وعن خلق أعمالهم حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
لكنهم يقولون: ليس فيه دلالة خلق أفعالهم؛ ألا ترى أنه قال : ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ وهم لا يعبدون النحت إنما يعبدون ذلك المنحوت؛ فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم، ولكن خلق ذلك المعمول نفسه، والله أعلم.
لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى وهو أن صير ذلك المعمول خلقا لله بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ؛ لأنهم إنما يعبدون ذلك المعمول [وهو] مخلوق لله دل أن عملهم الذي عملوا به مخلوق؛ لذلك قلنا: إن فيه دلالة خلق أعمالهم، والله أعلم.
وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ إنما صار التواب والمتطهر محبوباً لحبه التوبة والتطهر، وصار المعتدي غير محبوب لبغضه الاعتداء، فعلى ذلك المعمول صار مخلوقاً بخلقه عمله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً ﴾ .
كأنه قال بعضهم لبعض: ابنوا له بنياناً ليجمع فيه الحطب فتعظم فيه النار فيصير جحيماً، ثم ألقوا إبراهيم في الجحيم، والجحيم قد ذكرنا أنه معظم النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .
أي: هالكين، يقولون: ما تأخر الله بعد ذلك حتى أهلكهم.
ويشبه أن يكون ما ذكرنا والله أعلم، فإذا أرادوا إهلاك إبراهيم - - فصاروا من الهالكين، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .
قال بعضهم: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة.
ويحتمل: ذاهب إلى ما أمرني ربي، أو إلى ما أذن لي، أي: وقد أمر بالهجرة إلى الأم من مكة.
أو ذاهب إلى ما فيه رضاء ربي، أو طاعة ربي ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: سينجيني مما رأيت من قومي.
وقال بعضهم: سيهديني الطريق، وذلك جائز نحو قول موسى - -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ لما توجه إلى مدين؛ فعلى ذلك جائز قول إبراهيم: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي ﴾ أي: ذاهب إلى أمر ربي، أي: متوجه إلى ما أمرني ربي أن أتوجه سيهديني ذلك الطريق، والله أعلم.
وقال بعضهم: سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق، أي: ليعلم دينه، وقد ذكر في حرف حفصة: ﴿ إني مهاجر إلى ربي سيهدين ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
كأنه قال: رب هب لي غلاماً واجعله من الصالحين، دليل ذلك ما ذكر له من البشارة بالغلام، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك [على أن] سؤاله كان سؤال الغلام.
ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربَّه، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقال زكريا - -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، وما ذكر وحكي عنهم مدحاً لهم وثناء عليهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ يجب على من يسأل ربه الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سألته الأنبياء - عليهم السلام - فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عز وجل - وما يصلح لقيامه لأمره وعبادته، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسروراً له في الدنيا فلا.
ثم يحتمل قوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيينا.
أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا - - حيث قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .
ثم فيه دلالة أن الولد هبة الله لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴾ ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - والله أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من الله.
وقوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ .
يصير حليماً إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغاً يمتحن فيه، قال قتادة: "إن الله - عز وجل - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به"، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ .
أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي الهجرة.
وقال بعضهم: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ ، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا.
قال له: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾ .
وترى بالنصب والرفع جميعاً - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ترى أنه لما قال له: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم قال له ولده: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ولو لم يكن أمراً لم يقل: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، ولا قال له إبراهيم: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه، والله أعلم.
ثم [في] قوله لأبيه: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ دلالة أن لا كل مأمور بأمر من الله شاء الله أن يفعل ما أمره؛ حيث أخبر [أنه] سيجده من الصابرين إن شاء الله، وقد ذكرنا أن إبراهيم - - كان مأموراً بالذبح، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع، ثم أخبر أنه يصبر إن شاء الله دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك، ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل؛ وكذلك قول موسى - -: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً ﴾ ، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن الله إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه تركه لما لم يشأ هو، والله أعلم.
وقد بينا فساد قولهم في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَسْلَمَا ﴾ أي: استسلما لأمر الله فيما أمرهما: هذا بالذبح، وهذا بالبذل والطاعة في ذلك.
أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عز وجل - وأصله: أسلما أنفسهما لأمر الله وإطاعته في ذلك.
وقوله: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ، أي: صرعه، وكبه على وجهه، فيه أنه لم يضجعه كما يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها، ولكنه أضجعه على وجهه، فهو - والله أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر الله ويقدر على أداء ما أمر به، فلعله لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل واحد منهما إلى وجه الآخر، فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في وجهه في جزع ويترك طاعته.
أو على ما قال أهل التأويل: إنّ ولده قال لإبراهيم - -: كذا، ففعل ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم: إن الله - عز وجل - إذا أمر أحداً بأمر يجوز ذلك الفعل منه وأراد أن يفعل ما أمره به، ونحن نقول: يجوز أن يريد غير الذي أمره به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه ويختاره حيث قال - عز وجل -: ﴿ يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ ، ولم يكن منه حقيقة ذبح الولد وقد أمره بذبحه، فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به، لكان لا يصدقه في الوفاء بالرؤيا، ولم يكن ذلك منه حقيقة.
لكنهم يقولون: إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ذلك أراد فكان ما أراد، ومذاهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا.
لكن نقول: إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش؛ دليله وجوه: أحدها: قول إبراهيم حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقول ولده - عليهما السلام -: ﴿ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، لو لم يجعل الأمر من الله له بالذبح أمراً بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكان يجهلهما في قولهما: أمر الله، وفي تسميتهما ما سميا، ولم يجهلهما في ذلك، فدل أن الأمر كان على حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، والله أعلم.
والثاني: أن إبراهيم وولده - عليهما السلام - قد مدحا وأثنى عليهما بالصنيع الذي صنعا: هذا بإضجاعه إياه للذبح، وهذا لبذله نفسه له والطاعة له في ذلك، فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك لم يكن لهما في ذلك الصنيع فضل مدح ولا فضل ثناء ومنقبة؛ إذ لكل أحد إضجاع الولد لذلك وللآخر البذل له، فإذا مُدحا وأُثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا وصار لهما منقبة عظيمة إلى يوم القيامة، حتى سمي هذا: ذبيح الله، وهذا: فداء الله؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ ، فلو كان الأمر بالذبح ذبح الكبش لا ذبح الولد لم يكن الكبش فداء منه؛ إذ لا يسمى الفداء إلا بعد إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه، دل على ما ذكرنا، والله أعلم.
لكنه إذا أضجعه وتله للجبين على [ما] ذكر صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير تاركين أمر الله - عز وجل - على ما ذكر في القصة: أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها فلم تقطع، فمن أمر بأمر ثم منع عمّا أمره به وحيل بينه وبين ما أمر به، لم يصر تاركاً للأمر، ولا كان موصوفاً بالترك له، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية لمسائل لأصحابنا: إحداها: في المرأة إذا أسلمت [نفسها للزوج وهناك] ما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها والجماع صارت موفية مسلمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت بذلك كمال الصداق ولزمتها العدة؛ إذ لا تملك سوى ما فعلت وإن لم يجامعها زوجها.
وفيمن عنده أمانة إذا سلمها إلى صاحبها وصيرها بحال يقدر على أخذها وقبضها يصير مسلماً إليه مؤدياً خارجاً منها موفيا، وإن لم يقبض الآخر ولم تقع في يده.
وفي البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري وخلى بينه وبين ذلك يصير مسلماً إليه خارجاً من ضمان ذلك وعهدته وإن لم يقبضه المشتري، ونحوه من المسائل مما يكثر إحصاؤها؛ إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ .
لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حيث قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش؛ لما أخبر أنه قد صدق الرؤيا بذبح الكبش؛ فعلى ذلك يصير هذا موجباً على نفسه ذبح كبش لا غير، والله أعلم، وإن كان قوله: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ قبل ذبح الكبش بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك، ففيه ما ذكرنا أنه بذل تسليمهما نفسه منزلة إتيان عين ذلك؛ إذ منع عن ذلك لا أنه ترك ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
إن الأمر بذبح الولد الذي أمر به إبراهيم محنة عظيمة.
ويقول بعض أهل التأويل: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: النعمة العظيمة، أي: في الفداء الذي فدى لإبراهيم - - نعمة عظيمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وهو الكبش، قال بعض أهل التأويل: سماه: عظيماً؛ لأنه كان يرعى في الجنة أربعين خريفاً.
ويقول بعضهم: كان ذلك الكبش في نفسه عظيماً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل: أي: تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ ذلك السلام الذي ذكر على أثره حيث قال - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ترك ذلك فينا؛ لنسلم عليه وعلى جميع المرسلين؛ كقوله: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ قد أمرنا أن نثني ونسلم على جميع الأنبياء والمرسلين؛ وكقوله: "اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد" ويكون [سلام] الأنبياء - عليهم السلام - بعضهم إلى بعض كما كان بعضهم من شيعة البعض.
أو أن يكون ذلك السلام من الله لهم أمناً من كل خوف وسلامة عن كل خبث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل محسن أن يترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يُوحى إليه وقبل أن يبعث رسولا.
ويحتمل أنه من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان في قوله وفعله ووفاء ما عليه.
أو أنه كان من عبادنا المؤمنين بمحمد والأنبياء جميعاً بعضهم يصدق بعضا ويؤمن به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
كان سأل ربه الولد يقول: ﴿ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ فاستجاب الله دعاءه وبشره بما ذكر، ثم أخبر أنه نبي من الصالحين.
يحتمل قوله - -: ﴿ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: نبيّاً من السلف؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: نبيّاً نصيره ونجعله من الأنبياء؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ ﴾ .
ويحتمل أن تكون البشارة في الولادة [أي: في] الولد الذي سأل ربه.
ويحتمل أن بشر له بنبوته، أو بشر لهما بهما بالولادة وبالنبوة جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ﴾ .
البركة هي اسم كل خير لا يزال على الزيادة والنماء.
أو يقول: إن البركة شيء من أعطى كان لا تبعة عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ .
﴿ مُحْسِنٌ ﴾ أي: مؤمن مصدق ﴿ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ ، أي: كافر، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ ، فقال إبراهيم - -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أخبر أن في ذريته من لا ينال عهده كما ذكر هاهنا: أن في ذريته محسناً وهو مؤمن وظالم لنفسه مبين، أي: كافر ظاهر مبين.
أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ إلى نفسه، أو محسن إلى الناس، وهو إسحاق، و[إن ثبت] ما روي "أن رجلا سأل فقال: يا رسول الله، أي الناس أكرمهم حسباً؟
قال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله" فهو ذلك، وإلا فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه فلان أو فلان؛ إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال واختلاف الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف؛ إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على أن لا حاجة إلى ذلك، والله أعلم.
وقال أبو عوسجة والقتبي: الذِّبح: الكبش واسم ما يذبح، والذَّبح بنصب الذال مصدر ذبحت؛ هذا قول القتبي.
وقال أبو عوسجة: الذَّبح بالنصب هو الفعل وهما واحد.
وقال القتبي: البلاء المبين: الإحسان المبين العظيم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴾ .
يحتمل ما ذكر من المنة عليهما الرسالة والنبوة التي أعطاهما، والآيات والحجج التي أعطاهما وخصهما بهما [و] الذي أبقى لهما الذكر والثناء الحسن عليهم في الآخرين؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴾ ، وإنما أوجب عليهم ذكر المنن والنعم التي خصهم بها وفضلهم من بين غيرهم، وأما أن يوجب عليهم ذكر كل ما من عليهم وأنعم عليهم، فذلك ليس في وسع أحد القيام بذكر جميع ما من عليهم وأنعم والشكر لها، وإنما يجب القيام بذكر ما خصوا بها ظاهراً وإن كان في الجملة أخذ عليهم أن يروا جعل النعم والمنن من الله جل وعز فضلا منه وإنعاماً لا حقا عليه بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴾ ما خصوا به من الرسالة والنبوة والآيات والحجج التي وقعت لهم الخصوص، فأما في كل ما من عليهم وأنعم فلا على ما ذكرنا: أن ليس في وسع أحد القيام بشكر أحد نعمه في عمره وإن طال، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ، أي: من الغرق، ولكن جائز أن يكون ﴿ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ الذي نجاهم منه ما ذكر من قتل الرجال واستحياء النساء، حيث قال: ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...
﴾ الآية [الأعراف: 141]، وما استعبدوهم واستخدموهم، أنجاهم الله من ذلك الذل وأنواع البلايا والشدائد التي كانت عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ...
﴾ أخبر أنهم كانوا مستضعفين، فأنجاهم الله من ذلك كله، وهو الكرب العظيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَنَصَرْنَاهُمْ ﴾ بالحجج والآيات التي أعطاهم.
أو ﴿ وَنَصَرْنَاهُمْ ﴾ حيث أنجاهم وأهلك فرعون والقبط، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ ﴾ : التوراة.
ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: استبان لكل من عقل ونظر أنه من عند الله نزل؛ لأن التوراة نزلت ظاهراً في الألواح ليست كالقرآن لا يعرف أنه من عند الله نزل إلا بعد التأمل والنظر؛ لأنه نزل في الأوقات الخالية التي [لم] يطلع عليه أحد سرّاً عن ظهر القلب.
والثاني: أنه استبان لكل من نظر فيها ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتقى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .
يحتمل الصراط الذي من سلكه أفضاه إلى مقصوده، وبلغه إلى الصراط المستقيم؛ لما بالحجج والبراهين قام لا بهوى الأنفس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴾ .
هو ما ذكرنا فيما تقدم: أنه أبقى لهما الثناء الحسن في الآخرين، وهو السلام الذي ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
أي: إنا كذلك نبقي ونترك لكل محسن الثناء الحسن في الآخرين كما تركنا لهؤلاء، وهو المعروف في الناس: أن كل محسن صالح وإن مات فإنه يذكر بالخير بعده ويثنون عليه بالثناء الحسن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يحتمل الوجوه التي ذكرنا فيما تقدم.
من عبادنا المؤمنين قبل الرسالة.
أو من عبادنا المؤمنين بمحمد .
أو من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان قولا وفعلا، والقيام بوفاء ما وجب بعقد الإيمان وعهدته، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
هذا ينقض على الباطنية مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسل - عليهم السلام - ستة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم - وما سواهم أئمة، وفي الآية إخبار أن إلياس كان من المرسلين، هذا كله ينقض قولهم ويرد مذهبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ ، عبادة غير الله.
أو يقول: ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ : ألا تخشون ولا تخافونه في ترككم عبادته واشتغالكم بعبادة غيره.
أو ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ نقمة الله في مخالفتكم أمره ونهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: البعل هاهنا الرب بلسان قومه، وذكر عن ابن عباس - ما -: "أنه سئل عن قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً ﴾ قال: فقال رجل: من يعرف الآثار، فقال أعرابي: بعلها، أي: ربها، فقال ابن عباس: كفاني الأعرابي جوابها".
لكن لا يحتمل أن يكون المراد من قوله: ﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً ﴾ أي: ربا، إلا أن يكون ذكر أنه بلسان قومه، في قول: ﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً ﴾ : ربا تعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتذرون عبادة من تعلمون أنه يضر وينفع، أو تختارون عبادة من تعلمون أنه لا يملك الضر ولا النفع على عبادة من تعلمون أنه يملك ذلك.
وقال بعضهم: البعل: السيد هاهنا، وكذلك يقول في قوله: ﴿ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ أي: سيدي.
وقال بعضهم: البعل: هو اسم الصنم هاهنا، يقول: أتعبدون صنماً وتذرون أحسن الخالقين، وأصل البعل: الزوج، كأنه يقول لهم: أتدعون من له أزواج وأشكال، وتذرون عبادة من لا زوج له ولا أشكال، والله الموفق.
وقال ابن عباس - -: أول هذه يماني وآخرها مضري وهو قوله: ﴿ وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ يسمون كل صانع: خالقاً، والخلق: هو التقدير في اللغة يضاف إلى الخلق على المجاز وإن كان حقيقة التقدير لله - عز وجل - ذكر على ما عندهم لا على حقيقة الخلق، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ ، أي: أحكم وأتقن؛ على ما ذكر: وهو ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ ، أي: جعل في كل شيء أثر شهادة وحدانية الله وربوبيته.
أو ﴿ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ لما ذكر أنه خلقهم وخلق آباءهم الأولين، وأنه ربهم ورب الخلائق، فقالوا: من أحسن الخالقين؟
فعند ذلك [ذكر] ما ذكر ونعته: ﴿ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم أخبر عنهم أنهم كذبوه مع ما ذكر لهم، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ ، ولم يذكر في ماذا؟
لكن فيه بيان أنهم لمحضرون النار والعذاب؛ لأن أهل اللذات هم المحضرون أنفسهم و[أهل] العذاب يحضرون كرهاً لا بأنفسهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَصْلَىٰ سَعِيراً ﴾ ونحوه، ثم استثنى العباد المخلصين منهم أنهم لا يحضرون النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه أبقى لهم الثناء الحسن [ومن أهلك] إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم وإياكم وتكذيب محمد فينزل بكم كما نزل بأولئك.
<div class="verse-tafsir"
قال - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون أنهم إنما أهلكوا بالتكذيب للرسل.
وقوله - عز جل -: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .
وتعتبرون وتمتنعون عن تكذيبه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
هذا ينقض على الباطنية قولهم حين قالوا: إن الرسل ليس إلا ستة لا يعدون يونس ولوطا - عليهم السلام - منهم فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ، وهم يقولون: ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ .
ذكر هاهنا الإباق، وفي سورة الأنبياء الذهاب، وهو قوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ .
فمن الناس من يجعل هذا غير الأول - يعني: إباقه الذي ذكر وذهابه - لكن جائز أن يكون ذكر الإباق وذكر الذهاب وإن كان في رأى العين في ظاهر اللفظ مختلفاً فهما في المعنى واحد، فيكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَبَقَ ﴾ من قومه بدينه؛ ليسلم له، أو أبق لخوف على نفسه من قومه، أو أبق على ما أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به، وكان الرسل - صلوات الله عليهم - يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم؛ إلا أن يونس خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله - عز وجل - بالخروج من بينهم؛ لذلك جاء العتاب له والتعيير، لا لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات التي يذكرونها وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه وأخسهم، فضلا أن يجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴾ .
ذكر في القصة أنه - - لما أبق إلى سفينة فركبها أراد أن يعبر البحر، فجعلت تكفو وتقف وكادت أن تغرق، فقال القوم بعضهم لبعض: إن فيكم لرجلاً مذنباً [ذنباً] عظيماً، وكانوا يعرفون ذلك من عادتها من قبل كانت إذا ركبها مذنب تغرق وتتسرب في الماء، فلم يعرفوا من هو ذلك؟
فاستهموا مرارا فساهم يونس في كل مرة، فلما رأى ذلك يونس - - قال لهم: يا قوم ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعاً، فأبوا وقالوا: لا نلقي نبيّاً من أنبياء الله في البحر، فألقى هو نفسه فيه، فالتقمه الحوت على ما أخبر الله - عز وجل - حيث قال: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴾ قال: فكان من المغلوبين في القرعة والاستهام، أي: خرجت القرعة عليه، و ﴿ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴾ : هو الذي لا حجة له فيما يريد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ أي: عجيب.
وقال بعضهم: مليم من الملامة، أي: كان يلوم نفسه فيما صنع من الخروج من بينهم بلا إذن من الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴾ لربه قبل ذلك ومن المصلين له، وإلا للبث في بطنه إلى ما ذكر؛ ولذلك قيل: من عمل لله - - في حال الرخاء، نفعه الله بذلك في حال الشدة ويرفعه إذا عثر، والله أعلم.
قيل في الحكمة: إن العمل الصالح رفع صاحبه إذا عثر وإذا صرع وجد متكئاً، والله أعلم.
ويحتمل ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴾ ، أي: صار من المسبحين في بطن الحوت؛ وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ .
العراء: قيل: هي الأرض الصحراء التي لا شجر فيها ولا نبت ولا ركز.
وقال أبو عوسجة: العراء: الأرض التي لا ظل فيها، والمدحض: المغلوب، ومليم: أي: أتى أمراً يلام عليه.
وقال القتبي: العراء: هي الأرض التي لا يواري فيها شجر ولا غيره، كأنه من عري الشيء، والله أعلم.
البعل: الزوج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ .
ذكر أن الحوت لما نبذه بالعراء لم يكن به شعر ولا جلد ولا ظفر ولا سن سقيم من السقم وهو المرض، أي: مريض لما مسه بطن الحوت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ﴾ .
قال بعضهم: هي شجرة القرع، أنبت عليه ليأكل منها، ويستظل بها.
وقال بعضهم: كل شجرة تنبسط على وجه الأرض مما يتسع أطرافه إذا مد [و] أصله واحد، فهو يقطين، من نحو البطيخ والعرجون وغيرهما.
والأشبه أن تكون شجرة القرع؛ لأنها أسرع الأشجار نبتاً وامتداداً وارتفاعاً في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب، والوصول إلى الانتفاع بها أكلا واستظلالا لها ما لا يكون مثل ذلك [في] مثل تلك المدة من الأشجار، والله أعلم.
وعلى ذلك "روي أنه قيل: يا رسول الله، إنك لتحب القرع؟
قال: أجل هى شجرة أخي يونس، وهو تزيد في العقل" فهذا يدل إن ثبت: أنها كانت شجرة القرع، والله أعلم.
ثم فيه لطف من الله - عز جل -: حيث أنبت عليه شجرة في وقت لطيف، لا ينبت مثلها إلا بعد مدة [غير] لطيفة ووقت مديد، وأبقى عليه الضعف وقتاً طويلا مما يرتفع ذلك ويزول في وقت يسير في العرف؛ ليذكره ما أنعم عليه ويقوم بشكره، وهو كما ذكر في قصة صاحب الحمار حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ ﴾ أبقى طعامه وشرابه وحفظه وقتاً طويلا غير متغير مما طعبه التغير في وقت يسير وغير ما طبعه البقاء لطفاً منه، فعلى ذلك أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا في وقت طويل، وأبقى ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفاً منه؛ لتذكير ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا أن حرف الاستفهام إذا أضيف إلى الله فهو على التقدير والإيجاب ليس على حقيقة الاستفهام، فعلى ذلك حرف الشك: أي: مائة ألف بل يزيدون، أو يقول: ويزيدون؛ لما يتعالى عن الشك.
والثاني: قوله: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ حتى يزيدوا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، أي: حتى يسلموا.
أو كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف، ثم ازدادوا بعد ذلك، والله أعلم.
والثالث: يزيدون مائة ألف أو يزيدون عند الناس، فمعناه: أن من نظر إليهم لا يظن دون مائة ألف، ولكن يظن مائة ألف وزيادة، والله أعلم.
قال - عز وجل -: ﴿ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .
قيل: آمنوا به فلم يهلكوا، ولكن أخر عنهم إلى وقت موت حتفهم.
وقال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ ﴾ أخبر هاهنا أنه لم ينفع قوماً إيمانهم عند معاينتهم العذاب إلا قوم يونس، وكذلك ذكر - عز وجل -: في آية أخرى: أنه لم ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حيث قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ثم لا يدرآ أنه إنما يقبل إيمان قوم يونس؛ لأنهم آمنوا عند خروج يونس - - من بين أظهرهم قبل أن يقبل العذاب عليهم، لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم لا محالة، فآمنوا به، وإن لم يعاينوا.
أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم فعاينوه عند معاينتهم فعند ذلك آمنوا.
فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم فهو مستقيم قبل إيمانهم؛ لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك.
وإن كان الثاني، فجائز أن يكون قبل إيمانهم ونفعهم إيمانهم وإن عاينوا العذاب؛ لما عرف - جل وعلا - أن إيمانهم كان حقا وهم صادقون في ذلك محققون، لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بإيمان حقيقة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ﴾ .
الاستفتاء والسؤال يخرج على أربعة أوجه: إن كان الاستفتاء والسؤال من عليم خبير لأهل الجهل يكون تقريراً وتنبيهاً إذا لم يكونوا أهل عناد، وإذا كانوا أهل عناد فهو تسفيه وتوبيخ لهم.
وإذا كان الاستفتاء من جاهل مصدق طالب رشد لعليم خبير، يكون استرشاداً وطلب الصواب.
وإذا كان من معاند مكابر، فهو يخرج على الاستهزاء به والسخرية؛ كقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ إنما قالوا ذلك استهزاء به.
ثم ما ذكر من الاستفتاء لهؤلاء إنما يكون تسفيها منه لهم في قولهم: لله - عز وجل - ولد، والملائكة بنات الله ونحوه من الفرية العظيمة التي لا فرية أعظم منها ولا كذب أكبر منه؛ لأن درك الأشياء ومعرفتها إنما يكون في الشاهد بأحد وجوه ثلاثة: أحدها: المشاهدة.
والثاني: الخبر.
والثالث: الاستدلال بما شاهدوا وعاينوا على ما غاب عنهم.
ثم معلوم عندهم - أي: عند هؤلاء - أنهم لم يشاهدوا الله حتى عرفوا له الولد، ولا كانوا يؤمنون بالرسل حتى يكون عندهم الخبر بما قالوا ونسبوا إليه من الولد وغيره؛ إذ الخبر إنما يوصل إليه بالرسل، وهم لا يؤمنون بهم، ولا كانوا شاهدوا ما يستدلون على ما قالوا فيه ونسبوا إليه حتى دلهم ذلك على ذلك، فسفههم في قولهم الذي قالوا فيه وما نسبوا إليه، [و]إنهم كَذَبةٌ في ذلك؛ إذ أسباب العلم بالأشياء ما ذكرنا، ولم يكن لهم شيء من ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ ﴾ يقول: أأختار لنفسي ما تأنفون أنتم عنه، وتنسبون إليه ما تستنكفون أنتم عنه، يسفههم في قولهم ونسبتهم إلى الله ما قالوا فيه ونسبوا إليه إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وفيه تصبير رسول الله على أذاهم وتركهم الإيمان به والاتباع؛ لأنه علمهم أنه خالقهم ورازقهم وقديم الإحسان إليهم [و]قالوا فيه ما قالوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ، أي: ما لكم تحكمون بلا حجة ولا علم؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أن هذا الحكم جور وظلم عظيم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ ﴾ .
أي: لكم حجة وبيان على ما تزعمون وتقولون في الله .
وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: ائتوا بكتاب من عند الله فيه ما تذكرون من الولد وغيره.
وقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إن الجنة هم الملائكة؛ لقول أولئك الكفرة: إن الملائكة بنات الله، وما قالوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ ، أي: علمت الجن الذي وصفوا له بنين إنهم لمحضرون النار وعذاب الله، ويحاسبون، على قول مجاهد وغيره، والذين أولئك - أعني الأتباع - أنهم ملائكة الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ نزه نفسه عما وصفه الذين تقدم ذكرهم، وتبرأ عن جميع ما قالوا فيه، ثم استثنى عز وجل: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ ، فلسنا ندري ما موضع الثنيا هاهنا على أثر ما ذكر من التنزيه لنفسه، يحتمل الاستثناء وجهين: أحدهما: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أولئك الكفرة من الولد وغيره إلا عبادنا المخلصين.
والثاني: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ، أي: من أخلص منهم وآمن فإنه غير برىء مما يصفه؛ لما يجوز أن يسلم منهم نفر فيصفونه بما يليق به؛ لأن المؤمن والمخلص لا يصف ربه إلا بما يليق به، والله أعلم.
وقال بعضهم: "إلا عبادنا المخلصين" استثنى من قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ للنار ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ فإنهم لا يحضرون النار والعذاب على سبق استثناء هؤلاء الذين أخلصوا ممن يحضر فيما تقدم - والله أعلم - وهو على التقديم والتأخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ : يقول - والله أعلم -: إنكم وما تعبدون لا تملكون أن تفتنوهم وأن تضلوهم، إلا من هو في علم الله أنه يختار الضلالة؛ مما يصليه النار، على حق المعونة لهم لا حقيقة الإضلال، وهو ما ذكر - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ ، وما أخبر أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : إلا من كتب عليه في اللوح: أنه يصلى الجحيم.
وقال بعضهم: إلا من قضي عليه أنه يصلى النار.
وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وما يعبدون: الجنّ الذين عبدوا الجن، أو الملائكة، ويحتمل الأصنام التي عبدت؛ إذ قد ينسب إليهن الإضلال؛ لقوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
يحتمل هذا منهم - أعني: الملائكة - وجهين: أحدهما: قالوا ذلك لتبرئة أنفسهم عن أن يأمروا بالعبادة لهم، أي: لم نتفرغ نحن بعبادة هؤلاء طرفة عين فكيف نأمر هؤلاء بعبادتنا؛ كقولهم: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ أي: نحن في طلب ولايتك فكيف نتفرغ لذلك، أو أن يقولوا: إن ولايتك التي واليتنا شغلتنا عن جميع ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴾ أي ما أنتم بمضلين أحداً من عبادي بإلهكم هذا الذي تعبدون إلا من تولاكم بعمل أهل النار، وذكر عن عمر بن عبد العزيز [و] عن الحسن أيضاً أنهما قالا في قوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ يقول: ما أنتم بمضلين بآلهتكم أحداً إلا من قدر أنه يصلى الجحيم، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.
﴿ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
يحتمل مكان معلوم محدود لا يبرح عنه ولا يفارق.
ويحتمل ﴿ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي: عبادة معلومة نحو ما ذكر حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله ولا بما نحن فيه ولكن أمر آخر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم قوله: ﴿ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ بنصب اللام على ظاهر ما قالوا، يخبر أن يكون من المخلصين بكسر اللام، أي: لو كان كذا، فنحن نخلص له التوحيد والعبادة، لكن المخلص أن يخلصنا الله لو كان كذا، والله أعلم.
ثم أخبر أنهم كفروا ما آتاهم البيان وأن أولئك المتقدمين إنما أهلكوا لما ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام - لكنهم عاندوه وكابروه وكفروا به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
علم عيان ومشاهدة؛ إذ عرفوا علم خبر بالحجة والآيات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إن الرسل - عليهم السلام - كانوا منصورين لم يغلب رسول قط فإنما قتل: الأنبياء ورسل المرسلين الذين يبلغون رسالة الرسل إلى قومهم ويخبرون عنهم، فأما الرسل أنفسهم فهم لم يقتلوا ولا قتل أحد منهم؛ عصمهم الله عن الناس وعما هموا بهم.
وقال بعضهم: إنهم منصورون لما نصر العاقبة لهم؛ إذ لم يكن رسول إلا وقد كانت العاقبة له وإن غلب في الابتداء.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ بالحجج والآيات والبراهين أنهم يغلبون بحججهم وآياتهم ويرفعون بها الشبه والتمويهات، والله أعلم.
ويستدل صاحب التأويل الأول بقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ ، وفي بعض القراءات: ﴿ قُتِلَ معه ربيون كثير ﴾ ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ﴾ أخبر أنهم وإن قتلوا فإنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، ثم أخبر أنه آتاهم الله ذلك حيث قال: ﴿ فَآتَاهُمُ...
﴾ كذا، والله أعلم؛ دل [أنه] وإن غلبوا وقتلوا فهم المنصورون.
ثم قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ ذكر ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ﴾ بحرفين ومعناهما واحد على التأكيد؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ ﴾ ، وإن كان الواحد [كافياً] كما في قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ أي: رسلنا أو أتباعنا وأولياؤنا هم الغالبون على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .
يحتمل أي: لا تكافئهم بأذاهم إياك إلى حين أو لا تقاتلهم، فكيفما كان ففيه وجهان من الدليل: أحدهما: دليل على رسالته حيث أخبر أنهم يكونون على الكفر إلى الحين الذي ذكر ويهلكون على ذلك حيث قال: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .
والثاني: فيه دليل حفظه إياه وعصمته عما كانوا يهمون به من القتل والإهلاك؛ حيث منعه من مقاتلتهم ونهاه عن التعرض لهم إلى وقت، على المعلوم ما كان منهم من الهم بقتله وإهلاكه لو وجدوا السبيل إليه؛ فدل أن الله - عز وجل - قد عصمه وحفظه عنهم حين قال لهم ما قال حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ .
عياناً ومشاهدة.
وقال بعضهم: وأبصرهم العذاب إذا نزل بهم خير فسوف يبصرون وقوعاً.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَبْصِرْهُمْ ﴾ أي: عرفهم أن العذاب ينزل بهم فسوف يعرفون إذا نزل بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ .
دل هذا أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب بهم - والله أعلم - إنما يستعجلون العذاب استهزاء بالرسول - - وتكذيباً له فيما يوعدهم أن العذاب ينزل بهم.
ثم قوله: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ هو حرف التعجب أن كيف يستعجلون عذابي؟!
ألم يعرفوا قدري وسلطاني في إنزال العذاب والإهلاك إذا أردت تعذيب قوم وإهلاكهم؟!
أي: قدرت ذلك وملكت عليه.
ثم أخبر أنه إذا نزل العذاب بساحتهم يساء صباحهم، حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ .
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ ﴾ يحتمل النزول بالساحة، أي: بقربهم.
ويحتمل النزول بالساحة: النزول بهم والوقوع عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ حتى يأتي وعد الله في نزوله بهم - والله أعلم - يحتمل نزوله بساحتهم ما ذكرنا من نزوله بقربهم ووقوعه عليهم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ ساء صباحهم؛ لأن ذلك العذاب إذا حل بهم صيرهم معذبين في النار أبد الآبدين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ويقول بعضهم: أي: انظر فسوف ينظرون، لكن الوجه فيه ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وهذه الأحرف الثلاثة جميع ما بينه من الحق على الخلق من التوحيد، وجميع ما عليهم من التفويض إليه في الأمور كلها، وجميع ما عليهم من الثناء الحسن، والحمد له فيما أنعم عليهم وما ألزمهم من الثناء الحسن على جميع المرسلين: أما حرف التوحيد فهو قوله: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ نزه نفسه وبرأه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد والشريك والصاحبة وغير ذلك، فيرجى أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله - عز وجل - بالبراءة له والتنزيه عن ذلك كله.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ ﴾ وصف بالعزة والقوة وتفويض الأمر إليه، فيرجى أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله بالعز له والقوة.
وأما الثناء الحسن على المرسلين فهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ أمر الله - عز وجل - عباده أن يثنوا على المرسلين جملة؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله أنه قال: "إذا سلمتم فسلموا على إخواني المرسلين، فإما أنا رسول من المرسلين" أما الثناء الحسن على الله بكل ما أنعم عليهم وأحسن إليهم فهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ فيرجى أن يثاب قائل هذا وتاليه على المعرفة به مما فيه ثواب جميع القائلين به والتالين، والله أعلم.
وذكر عن علي بن أبي طالب - - قال: "من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين"، والله أعلم.
ورب العزة: قال بعضهم: هو رب النعمة والقوة.
ويحتمل رب العزة، أي: به يتعزز كل من يتعزز، وإليه يرجع كل عزيز؛ وكذلك كل من حمد أو أثنى على شيء فحقيقة ذلك الحمد والثناء راجع إليه ، والله أعلم بحقيقة مراده.