تأويلات أهل السنة سورة ص

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة ص

تفسيرُ سورةِ ص كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 114 دقيقة قراءة

تفسير سورة ص كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ ٢ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ ٣ وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌ ٤ أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ ٥ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ ٦ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَـٰقٌ ٧ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ٨

قوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ صۤ ﴾ لنا هو اسم تلك السورة التي ذكر، وكذلك قوله: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ  ﴾ وكذلك جميع الحروف المقطعات، ولله أن يسمي ما شاء بما شاء وبأي اسم شاء.

وقال بعضهم لنا: هو أسماء الرب، تبارك وتعالى.

وقال بعضهم لنا: هو فواتح السورة، وقد ذكرنا أنه يفسره ما ذكر على أثره، وقد ذكرنا في غير موضع ما قيل في الحروف المقطعة.

وقال بعضهم: صاد، أي: عارض بالقرآن.

قال أبو عبيدة: صاد: من المصاداة.

وقال الزجاج: صاد بالقرآن، أي: قاتل به، وحارب بالقرآن.

وقال بعضهم: صاد بالقرآن، أي: ناد بالقرآن.

وقيل: أقبل بالقرآن ونحوه، والله أعلم.

وقال بعضهم: هو قسم أقسم بقوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

يحتمل ذي الشرف، سماه ذكرا؛ لأن كل شريف يذكر في كل ملأ من الخلق، أو سماه: ذكراً؛ لما يذكرهم كل ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يذر، والله أعلم.

وقال بعضهم: ذي البيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

"ذكر أن أبا طالب كان مريضاً فجاءه النبي  يعوده وعند رأسه مقعد رجل، فقال أبو جهل، فجلس فيه وعنده ملأ من قريش، فشكوا النبي  إلى أبي طالب، فقالوا: إنه يقع في آلهتنا، قال: يا بن أخي، ما تريد منهم؟

قال: يا عم، إني أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب ويؤدي إليهم بها العجم الجزية، قال: وما هي؟

قال: لا إله إلا الله، فقال أبو جهل: أجعل الآلهة إلهاً واحداً" ، بذلك أخبرهم "العزة" التي ذكر حيث قال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: منعة معاندين ممتنعين.

وقال بعضهم: ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ في حمية واعتزاز، والحمية هي التي تحمل على الخلاف والمعصية، والله أعلم.

ثم اختلف في موضع القسم هاهنا: قال بعضهم: القسم في قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ قيل: في قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ بوجهين: أحدهما: أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا...

﴾ \[المؤمنون: 99-100\] ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ الآية [المنافقون: 10] ونحوه، لكن لم ينفع ذلك النداء والغوث والسؤال التأخير على ما أخبر أنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

ومنهم من يقول: هذا في الجملة في الأمم التي أهلكت من قبل واستؤصلت بالتكذيب والعناد، كانوا ينادون عند نزول ذلك بهم ووقوعه عليهم، ويسألون الغوث ويظهرون الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت على ما أخبر الله - عز وجل - لأنه إيمان دفع العذاب واضطرار لا إيمان اختيار، يخوف بهذا أهل مكة أن ينزل بهم ما نزل بأولئك ويندمون على صنيعهم كما ندم أولئك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ هو في الأصل (ولاه)، فإذا وصل بـ (حين) صارت (ولات) كأنه يمين، أي: والله، وهو قول الكسائي.

وقال بعضهم: هو (ولا) وليس هنالك تاء وإنما التاء في (حين)، أي: (تحين)، وربما يزاد التاء في (حين) و(لا).

وقال بعضهم: (ولات) بالتاء، وقد قرئ بالتاء والوقف عليها.

[و] قوله: ﴿ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ ابن عباس -  - يقول: "ليس بحين تزور ولا فرار".

وقال بعضهم: ليس بحين مغاث.

وقيل: ليس بحين جزع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من بشر مثلهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\]، وقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ كانوا ينكرون الرسالة في البشر ويقولون: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ  ﴾ .

والثاني: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ أي: من دونهم في أمر الدنيا، لما رأوا أنفسهم قد فضلوا في أمر الدنيا دونه، فقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ لم يروا من دونهم في أمر الدنيا [أهلاً لذلك] على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ .

دل هذا القول منهم: أنه قد كان من رسول الله  أنه معجزة أتى بها حتى قالوا: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ ، علموا أنه رسول الله، لكنهم عاندوا وأرادوا بقولهم: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ أن يغووا أتباعهم عليه، كما أغوى فرعون قومه على موسى -  - حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ وهو -  - لم يرد أن يخرجهم من أرضهم، إنما يريد الإسلام منهم؛ فعلى ذلك هؤلاء الرؤساء عرفوا أنه ليس بساحر ولكنه رسول الله  ، ولكن أرادوا أن يغووا قومهم وأتباعهم عليه ولبسوا أمره عليهم؛ لئلا يتبعوه، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ هذا القول من الرؤساء والمتبوعين منهم إغواء عليه لما عرفوا من خبر عبادة الأصنام والأوثان في قلوبهم، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ قال بعضهم: إن الملأ منهم والأتباع، أتوا أبا طالب يشكون رسول الله  فيما يذكر آلهتهم بسوء، فلما كلموه في ذلك لم يلتئم أمرهم فيما طمعوا منه ولم يجبهم إلى ما دعوه إليه وسألوه، فقال الملأ وهو أشرافهم للأتباع: امشوا من عنده واصبروا على عبادة آلهتكم.

أو أن يقال: أن قال الملأ للأتباع: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى آلهتكم ﴿ وَاْصْبِرُواْ ﴾ على عبادتها.

أو أن يكون قولهم لهم: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى أبي طالب وقولوا له كذا ﴿ وَاْصْبِرُواْ ﴾ على كذا.

أو يقولون: امشوا إلى رسول الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ .

لسنا ندري ما أرادوا بقولهم: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ ، فجائز أن يكونوا أرادوا بذلك أن محمداً  وإن دعاكم إلى ترك عبادة الأصنام لا يترككم كذلك، ولكن يدعوكم إلى عبادة غيرها، أو يطلب منكم أشياء أحوالا، أو أشياء أرادوا لسنا نعرف ما أرادوا بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

قال بعضهم: الملة الآخرة: هي ملة عيسى -  - قالوا ذلك؛ لأن النصارى اختلفوا في عيسى -  - منهم من اتخذه إلهاً، ومنهم من اتخذه ولداً لله - عز وجل - فيقولون: عبادة الواحد الذي يدعو إليه محمد  في الملة الآخرة وهي النصرانية إذ من صيره إلها عنده ومن قال: إنه صيره بحيث يحتمل الشريك؟!

فيقولون: ظهرت عبادة العدد من الملة الآخرة فكيف يمنعنا محمد - عليه الصلاة والسلام - عن عبادة العدد ويدعونا إلى عبادة الواحد؟!

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : هي الحال التي كانوا عليها يقولون: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ التي نحن عليها وكان آباؤنا عليها لا على عبادة الواحد، يقولون: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ من عند محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ .

يدل على أنهم قد رأوا أن من أنزل عليه الذكر من السماء إنما ينزل لفضل وخصوصية، لكن إنما رأوا الفضل والخصوصية لأنفسهم؛ لما لهم الفضل في الدنيا؛ فلم يروا ذلك لرسول الله  ؛ لذلك أنكروا إنزال الذكر عليه دونهم؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ .

ثم أخبر - عز وجل - أنهم شاكون في ذكره، حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ .

وتأويل هذا - والله أعلم -: أن الشك هو الذي لا يوجب القطع على شيء بل يوجب الوقف فبطل القطع على شيء، فكيف قطعتم علي الرد والإنكار دون أن تقفوا فيه؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون هذا على الإخبار عن الإياس من إيمانهم أنهم لا [يؤمنون حتى] يذوقوا العذاب؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ  ﴾ .

وقال مقاتل: اللام زائدة كأنه قال: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ يذكر سفههم في ردهم الذكر وتكذيبهم إياه على الشك منهم، والشك يوجب الوقف في الشيء لا القطع في الرد والتكذيب له.

ثم فيه الدلالة على أن الحجج والبراهين قد تلزم من جهلها ولم تتحقق عنده إذا كانت يسهل التحقق منها والوقوف عليها بالتأمل والنظر فيها وإن كانت لم تتحقق عنده بالبديهة وعند قرعها سمعه؛ فهو حجة لقول علمائنا: إن من أسلم في دار الإسلام ولم يعلم أن عليه الشرائع والأحكام كان مأخوذاً بها غير معذور في جهله فيها؛ لأنها يسهل ما يوصل إليها بالسؤال والبحث عنها والفحص منها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ٩ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ١٠ جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ١١ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ ١٢ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍۢ وَأَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ ١٣ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤ وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ ١٥ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ١٦ ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ ١٨ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ١٩ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ٢٠ ۞ وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ٢١ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢ إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ٢٣ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًۭا وَأَنَابَ ۩ ٢٤ فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ٢٥ يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ٢٦

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف الاستفهام من الله  يخرج على الإيجاب والإلزام مما لو كان ذلك من مستفهم حقيقة يتضمن الجواب له، فقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ فجوابه لهم ليس عندهم رحمة ربك حتى يختاروا الرسالة والنبوة لأنفسهم أو لمن شاءوا هم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ كانوا لا يرون وضع الرسالة إلا فيمان كانت له أموال وله سعة في الدنيا وفضل مال، فيذكر أن [ليس] عندهم خزائن ربك حتى يجعلوا الرسالة والنبوة فيمن شاءوا هم واختاروا لذلك، قال الله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ  ﴾ ، أي: لا يملكون قسمة رحمة ربك، بل ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...

﴾ الآية [الزخرف: 32] يخبر أنهم على ما لا يملكون توسيع المعيشة على من ضيق عليه ورفع من وضع؛ فعلى ذلك ليس إليهم اختيار النبوة والرسالة لمن شاءوا واختاروا، بل اختيار ذلك إلى الله - عز وجل - فقالوا: أئذا كنا أحق بهذا في الدنيا فنحن أيضاً أحق بالرسالة والنبوة على ما [نحن] أحق في الدنيا بالسعة والفضل فيها، بل لو عرفوا أن ما نالوا من السعة في الدنيا وفضل الأموال إنما نالوا ذلك برحمة الله وفضله لا بحق كان لهم على الله، فلو عرفوا، كانوا لا ينكرون وضع الرسالة فيمن اختار الله - عز وجل - وضعها فيمن شاء، وعلى ذلك قول المعتزلة: إنهم لا يريدون لله أن يفعل بأحد شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، وأنه لو فعل ما ليس بأصلح له في الدين، كان جائراً ظالماً، فيرون حفظ الأصلح له حقّاً كما رأى أولئك الكفرة السعة والأموال حقّاً على الله، فرأوا أنفسهم أحق أيضاً بالرسالة والنبوة من رسول الله  .

ثم إن المعتزلة يقولون في ألم الصغار: إن ليس لله أن يؤلمهم إلا بعوض يجعل لهم بإزاء ذلك الألم عوضاً يرضون هم بذلك؛ إذ جعلوا أنفسهم له حقيقة حيث لم يجعلوا لله الإيلام إلا بالعوض، ومن أخذ حقّاً لغير لا يأخذه إلا ببدل وعوض برضاء ذلك الغير، فهذا تناقض في قولهم: إن على الله حفظ الأصلح للخلق في دينهم حيث لم يجعلوا له ذلك إلا بعوض يجعل لهم، والله أعلم.

ودل اتفاق القول، إنه وهاب، على أن ما ينال من خير أو سعة أو فضل إنما ينال برحمة وفضل لا بحق عليه؛ لأن من أدى حقا عليه لا يقال: إنه وهاب، ولا يسمى: وهاباً، على ما أعطى من أعطى، إنما أعطاه تفضلا منه ورحمة لا حقّاً كان عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

هو مثل الأول، أي: لهم ملك السماوات والأرض؛ ليملكوا ما شاءوا من الأمور ويختاروا وضع الرسالة فيمن شاءوا هم، أي: ليس لهم ملك السماوات والأرض؛ فيملكوا ما يذكرون ويختارون [ما] قالوا، بل نملك ذلك، وإلينا ذلك، فعند ذلك يقال: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ ﴾ .

ثم اختلف في الأسباب التي ذكر: قال بعضهم: السبب ما بين السماء والأرض، وكذلك ما بين كل سماءين سبب، والأسباب جماعة.

وقال بعضهم: الأسباب: طرق السماء.

وقال بعضهم: هي الأبواب التي في السماء تفتح للوحي.

ومعناه - والله أعلم - أي: فليرتقوا في الأسباب إن كانوا صادقين بأن محمداً  كذاب، وأنه ساحر، وأنه اختلقه من تلقاء نفسه، أي: يفتح له أبواب السماء فليستمعوا إلى الوحي حتى يوحي الله - عز وجل - للنبي  ؛ لقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ .

أو أن يكون معناه - والله أعلم -: أن يرتقوا [إلى] ملك فينزل فيخبر أن محمداً  كاذب فيما يدعى لقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

قال بعضهم: حرف ﴿ مَّا هُنَالِكَ ﴾ صلة كأنه قال - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

وقال بعضهم: جند بل هنالك مهزوم من الأحزاب.

وجائز أن يكون على تحقيق ﴿ مَّا ﴾ فيه، أي: جند ما يهزم هنالك من الأحزاب، لا كل الأجناد، وهو الجند الذين خرجوا عليه بالمباهلة، وهم الذين قالوا: اللهم انصر أينا أوصل رحما وأنفع مالا وأخير للخلق فغلبوا هم وقهروا.

وقال عامة أهل التأويل: هو الجند الذي قتل ببدر، والله أعلم.

ثم في الآية وجوه ثلاثة من الدلالة: أحدها: الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الآحاد والأفراد؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ .

وفيه الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الجمع والاجتماع عليه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ  ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم يهزمون جميعاً.

وفيه بشارة له أنهم يهزمون في ضعفه وقلة أعوانه وأنصاره مع كثرة أولئك وعدتهم.

ففي الوجوه الثلاثة التي ذكرنا دلالة رسالته  حيث أخبر بما ذكر؛ فكان على ما أخبر دل أنه  بالله  عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

حيث تحزبوا عليه قال بعضهم: إنه ساحر، وقال بعضهم: إنه كذاب، وإنه مفتر، وإنه مجنون على ما تحزبوا عليه، وتفرقت قلوبهم فيه وتلونت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ ﴾ أي: الفرق.

وقوله: ﴿ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ .

يذكر هؤلاء الأحزاب الذين كادوا لرسول الله، ويخبرهم عن صنيعهم ومعاملتهم الرسل لوجهين: أحدهما: كيفية معاملة الرسل - عليهم السلام - أولئك الكفرة مع تكذيبهم إياهم وسوء معاملتهم وصنيعهم مع الرسل وأنواع البلايا التي كانت منهم إليهم أن كيف عاملوهم وصبروا على أذاهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم قومهم، ويصبر على أذاهم كما صبر أولئك على أذى قومهم، مثل معاملتهم قومهم وسوء صنيعهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: يذكر هذا لأهل مكة ويحذرهم ما نزل بالأمم المتقدمة بتكذيبهم الرسل وعنادهم وتمردهم معهم؛ ليحذروا تكذيبهم محمداً  وألا يعاملوه كما عامل أولئك رسلهم، فينزل بهم كما نزل بأولئك من العذاب والإهلاك، والله أعلم.

﴿ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: وجب عليهم عقاب، لكن قوله - عز وجل -: ﴿ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ أي: نزل بهم العقاب ووقع عليهم، وإلا كان العذاب واجباً على الكفار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ ﴾ .

قال بعضهم: إن فرعون كان إذا غضب على أحد من قومه مده بأوتاد فيعاقبه بها ويعذبه، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ ﴾ ، أي: ذي البناء المحكم.

وقال بعضهم: كانت له أوتاد وأرسان، أي: جبال وتلاعيب يلاعبون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .

يخبر - عز وجل - رسوله صلى عليه وسلم ويؤيسه عن إيمانهم أنهم لا يؤمنون إلا عند وقوع العذاب بهم حتى لا ينفعهم الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ  ﴾ .

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ يحتمل أن يكون سمى نفس العذاب: صيحة.

وجائز أن يكون ذكر صيحة؛ لما أن العذاب إذا نزل بهم ووقع عليهم يصيحون، فسمى ذلك: صيحة؛ لصياحهم.

أو أن يكون ذلك إذا نزل بهم كان فيه صياح، وصوت الشيء الهائل العظيم الشديد إذا هو وقع ومال إلى الأرض، كان فيه صياح وصوت حتى يفزع الناس منه؛ فعلى ذلك الصيحة التي ذكر يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .

قال أبو عبيدة: من فتحها أراد: ما لها من راحة ولا إقامة، كأنه ذهب إلى إفاقة المريض من علته.

ومن ضمها جعلها من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، ويريد ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ : انتظار ومكث.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ، أي: من انقطاع؛ إذ هي دائمة أبداً لا تنقطع به.

وقال الكسائي: الفواق: بالنصب والرفع لغتان، وهو من فواق الناقة بين الحلبتين والرضعتين.

وقال عامة أهل التأويل: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ، أي: من مرد ومرجع وقرار.

وقال بعضهم: هو مد البصر، يقول: هي أقرب من ذلك، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ ، والله أعلم.

وأصل الفواق: كأنه من العود والرجوع كعود اللبن إلى الضرع بعد ما حلب مرة، والله أعلم.

ذكر عن الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ  ﴾ يقول: حارث القرآن بقلبك وهو من قول العرب: صادته الدابة إذا كانت امتنعت فأطعمها حتى ذلت ولانت.

وقال أبو عوسجة: ﴿ صۤ ﴾ : هو أشد كلام وهو شبه قسم، والصاد في غير هذا الموضع العطشان، وقوم صادون.

ثم اختلف في موضع القسم على ما ذكر: قال الكسائي: من القسم في القرآن ما هو ظاهر لا يخفى، ومنه غامض: فمن ظاهره قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ  ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ  ﴾ ، وجوابه قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ﴾ .

ومن غامضه: ﴿ صۤ ﴾ قال بعض الناس: موضع قسمه قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ  ﴾ ، والله أعلم.

لا أراه شيئاً لحال الكلام ولما قص من القصص ما لا يكون ذلك قسمه.

ولكن قسمه - والله أعلم - عندي: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ ، ثم اعترض: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ القسم هاهنا بـ ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ ، ولكن لما اعترض: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ صار قوله ردا عليه وجواباً له؛ وهو غريب ظريف غامض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

قال بعضهم: ذي الشرف، أي: من أوتيه شرف، وقيل: ذي الشأن، وقيل: ذي الذكر، فيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وذكر من كان قبله من الأمم الخالية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

قيل: في تكبر وتكذيب، وقيل: في حمية وخلاف، وقيل: في غفلة، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ .

قال بعضهم: أي: هربهم في غير وقت الهرب، و ﴿ مَنَاصٍ ﴾ : مهرب، وناص ينوص نوصاً: وهو المنجى والغوث.

وقال القتبي: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ أي: لا حين هرب؛ على ما قال أبو عوسجة، وقال: النوص: التأخر في الكلام، والنوص: المتقدم، وأصله ما ذكرنا: أن ذلك الوقت ليس هو وقت المهرب، ولا وقت المنجى ولا وقت الغوث على ما تقدم ذكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ عُجَابٌ ﴾ بلغة قوم: عجب.

وقال الكسائي: العُجَاب والعِجَاب والعجيب والعجب كلها لغات واحدة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ عُجَابٌ ﴾ هو يكثر للعجب كما يقال: كبار وكبار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ ﴾ .

أي: الأشراف منهم، وقالوا: للأتباع على ما ذكرنا ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى أبي طالب واثبتوا على عبادة آلهتكم ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ : قال بعضهم: بقبول إسلام وذلك كان حين أسلم عمر -  - بشيء أي لأمر يراد، فمشوا إلى أبي طالب، وقالوا له ما ذكرنا فيما تقدم والقصة طويلة.

وقال بعضهم: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ أي: امضوا وارجعوا إلى عبادة آلهتكم واصبروا عليها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ من عند محمد  واصبروا على عبادة آلهتكم ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ بأهل مكة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

يعنون.

عبادة إله واحد وترك عبادة آلهة في الملة الآخرة.

قال عامة أهل التأويل: ﴿ ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : النصرانية واليهودية كليهما.

وقال بعضهم: يعنون: ﴿ ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ الملة التي هم عليها، وآثارهم، يقولون: ما سمعنا عبادة إله واحد وترك عبادة الآلهة في الدين [الذى] نحن وآباؤنا عليه ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ أي: ما هذا ﴿ إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ من نفسه، وقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ يعنون: النبوة والكتاب والوحي، وهو أفقرنا وأصغرنا ونحن أكثر سنا وأعظم شرفاً، يقول الله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ بأنه لم ينزل عليه ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ ؛ وهو قول مقاتل، ثم قال: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ ، أي: يحتمل نعمة ربك، أي: بأيديهم مفاتيح الرحمة والنبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: ليست تلك بأيديهم ولكنها بيد الله، العزيز في ملكه الوهاب يهب النبوة والرسالة لمن يشاء ويضعها فيمن يشاء.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ ، أي: ليس لهم ذلك، ولكن - عز وجل - يوحي الرسالة إلى من يشاء ويختار لها من يشاء.

ثم قال: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ ﴾ ، أي: الأبواب التي في السماء إن كانوا صادقين بأن محمدا  اختلقه من تلقاء نفسه، أي: فليستمعوا إلى الوحي حين يوحي الله إلى النبي محمد  بقول أولئك.

وقال بعضهم: السبب: ما بين السماء والأرض أصلب من الحديد وأدق من الشعر يعرج به الملائكة وهو المعراج يبصره الميت إذا خرجت روحه.

وقال بعضهم: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ ﴾ أي: فليصعدوا في طرقها؛ فيعلموا علم ذلك أنزل عليه الذكر أو لم ينزل؟

والله أعلم.

والارتقاء: الصعود.

أو أن يقول: ارتقوا أنتم السبب الذي ارتقى محمد  وأتوا بمثل الذي أتى به محمد أنه ليس برسول.

أو أن يقول: ائتوا أنتم بالذي أتى به محمد  من الدين والأسباب؛ حتى تختصوا بالنبوة والرسالة كما اختص محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

قال: وعد الله - عز وجل -: نبيه  أنه سيهزم جند المشركين، فقال عامة أهل التأويل: جاء تأويلها يوم بدر، وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم، والله أعلم.

والأحزاب: الذين تحزبوا عليه، أي: تفرقوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: كتابنا؛ وذلك أن النبي  كان يوعدهم أنهم يؤتون كتابهم بشمالهم فيه أعمالهم التي عملوها في الدنيا في الآخرة، فعند ذلك قالوا له: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ ؛ أي: كتابنا الذي توعدنا أنه يعطى بشمالنا، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له.

وقال بعضهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: نصيبنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به وتحذرنا يوم الحساب قبل يوم الحساب، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له؛ ولذلك قال له على أثر ذلك: ﴿ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ يصبره ويعزيه على ما يقولون؛ ليصبر على ذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ ليس على سؤال العذاب والكتاب الذي حمله عامة أهل التأويل عليه، ولكنه سؤال السعة والنصيب في الدنيا، ويكون ذلك في قوم لا يؤمنون بالآخرة سألوا ما وعدوا من النعيم في الآخرة والسعة في الدنيا، وذلك أشبه لأنهم سألوا ربهم أن يجعل ذلك لهم، فلو كان على ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب والكتاب على الاستهزاء بالرسول والتكذيب له، لسألوا الرسول ذلك، ولم يسألوا ربهم ذلك؛ فدل ذلك على أنه أشبه وأقرب، والله أعلم.

ويكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ على ما تقدم من قولهم: إنه ساحر [و] إنه كذاب، وإنه اختلق هذا القرآن من ذات نفسه ونحوه، ويؤيد ذلك قول سعيد بن جبير قال: ذكرت لهم الجنة فاشتهوا ما فيها، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: نصيبنا من الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل - لرسوله  : ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن اذكر نبأ داود، ونبأ من ذكر في هذه السورة من قوله: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ ﴾ ﴿ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ ، ومن ذكرهم - عليهم السلام - وعلى محمد في هذه السورة، أي: اذكر نبأهم الذي لم يكن لتعرفه أنت ولا قومك من قبل هذا، لعلهم يصدقونك ويؤمنون بك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: قوله - عز جل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ ، أي: اذكر صبر هؤلاء على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لتصبر على أذى قومك وتكذيبهم إياك كما صبر أولئك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثالث: اذكر داود ومن ذكر من الأنبياء، أي: اذكر لهم المصدقين وما يكون لهم من الكرامات والثواب، كما ذكرت لهم المكذبين وما نزل بهم من العذاب، لعلهم يرجعون ويصدقونك؛ ليعلموا من هلك منهم بم هلك؟

أو ليعلموا أن في أوائلهم المصدقين له والمؤمنين، فكيف اتبعتم المكذبين منهم دون المصدقين؟!

والله أعلم.

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا ﴾ ، أي: اذكر جهد داود وجهد من ذكر من هؤلاء في العبادة والدين وأمثال ذلك يحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ ﴾ ، أي: القوة على العبادة.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ ﴾ في أمر الله، [أو] في أمر الدين؛ لأنه ألين له الحديد حتى كان يتخذ منه الدروع وغيرها من الأسلحة، وسخر له الطير والجبال حتى كان يسبح معهم بالعشي والإشراق، وحتى كان يستعمل ما اتخذ الحديد فيمن شاء من أمر الدين من المحاربة مع الأعداء والدرء عن أهل الإسلام والدفع عنهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ مطيع لله، مقبل على طاعته.

وقال بعضهم: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: مسبح لله، ذكر أنه كان كثير التسبيح؛ وكذلك قال - عز وجل - ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، أي: سبحي معه، هذا محتمل.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: رَجَّاع إلى الله، يرجع إليه في كل أمر وإليه يفزع في كل نائبة وحادثة.

وقال بعضهم: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: ذا الإحسان والعمل الصالح ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: تواب.

وقتادة يقول: ذا القوة في العبادة، وذا الفقه في الإسلام، وذا البصر في الدين.

وقال أبو عوسجة: ﴿ قِطَّنَا ﴾ ، أي: كتابنا، يقال: قططت - أي: كتبت - أقط قطا، فأنا قاط، والكتاب مقطوط، والقط - أيضاً -: القطع، يقال: قططت أظفارى، والقط: الدهر، ويقال: قطي: أي: حسبي، وقطك أي: [حسبك].

قال القتبي: القط: الصحيفة المكتوبة، وهي الصك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ .

هو على التقديم والتـأخير كأنه قال - عز وجل -: ﴿ إنا سخرنا الجبال يسبحن ﴾ ، أخبر أنه سخر الجبال والطير وما ذكر لداود كي يطعنه ويسبحن معه، وفيه لطف من الله - عز وجل -: في هذه الأشياء والخصوصية لداود في ذلك؛ حيث صير الجبال والطير بحيث يقفن وقت تسبيح داود معه على ما أخبر عز وجل.

وفيه أن الله - عز وجل - حيث صير الجبال مع شدتها وصلابتها بحيث تعرف وقت تسبيح داود، وتعرف تسبيحه وتسمعه وتلين له، فجائز أن يجعل قلب الكافر بحيث يلين ويخضع لله بلطفه؛ إذ قلبه ليس أشد قسوة وصلابة من الجبال، فإذا جعل لطفه فيها لانت وخضعت؛ فعلى ذلك إذا جعل ذلك اللطف في قلب الكافر لا يحتمل ألا بلين ولا يخضع؛ إذ هو ليس بأصلب وأشد من الجبال التي ذكرنا، والله أعلم.

وأما الخصوصية له: فإن الله - عز وجل - جعل بكل من الرسل خصوصية في شيء، لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه، وخصوصية داود: ما ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه، وما ذكر من إلانة الحديد له وغير ذلك من الأشياء، وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية، حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  ﴾ ، وما ذكر من فهم نطق الطير والنطق معه وفهمه تسبيحا ونحو ذلك كثير، ومثل هذا ما قد جعل لرسول الله  حيث ذكر أنه أخذ أحجارا فسبحن في يده حتى سمع ذلك من حضره، وما ذكر أن أصابعه يسبحن ونحوه كثير، فلكل منهم خصوصية في شيء ليست تلك لغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴾ .

أي: مجموعة مسخرة، أي: سخرت له الطير أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

قال بعضهم: كل له مطيع.

وقال بعضهم: كل له مسبح، فإن كان قوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: مطيع، فهو يحتمل مطيع لداود، وإن كان الأواب هو المسبح، فهو لا يحتمل لداود، لكن لله تبارك وتعالى، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ جائز أن يكون لا على إرادة حقيقة العشي والإشراق، ولكن على إرادة التسبيح معه في كل وقت؛ فيكون العشي كناية عن الليل والإشراق كناية عن النهار، يخبر أنهن يسبحن في كل وقت من الليل والنهار، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون يسبحن في العشيات والغدوات خاصة؛ كقوله - عز وجل - لرسول الله  حيث قال: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ  ﴾ ، والله أعلم.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من تسبيح هذه الأشياء صلاة ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ أي: يصلين لله؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  ﴾ دل أن لها صلاة، والله أعلم.

ومن الناس من يقول: تسبيح هذه الأشياء التي ذكر هو تسبيح خلقة لا تسبيح نطق وكلام، لكن لو كان على هذا، لكان لا معنى لذكر تسبيحهن مع داود -  - إذ ذا مع داود وغيره في كل وقت؛ دل أنه على تسبيح النطق، وإن كان على الصلاة، فهو ألا يجوز الصلاة لأحد حتى تشرق الشمس وترتفع؛ حيث ذكر إشراق الشمس، والله أعلم.

ثم من الناس من حمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ على صلاة الضحى، وهو قول ابن عباس -  ما - ذكر عنه أنه سأل أم هانئ عن صلاة الضحى: هل كان رسول الله  فعل في بيتها؟

فأخبرته أنه فعل، قال ابن عباس -  ما -: وقلت: أي: صلاة الإشراق، وهذه صلاة الإشراق، يعني: صلاة الضحى، والله أعلم.

وسميت صلاة الضحى: صلاة الأوابين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل في قوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴾ : لأنه كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً من بني إسرائيل، لكن ليس فيما ذكروا كثير شد الملك وتقويته إنما هو وصف ضعف إلا أن يعنوا بما ذكروا: كثرة أعوانه وأنصاره وفضل أتباعه وحواشيه؛ فعند ذلك يحتمل ما ذكروا، فأما في نفس ما ذكروا من الحرس له والحفظ، فليس فيه كثير شد ولا فضل منقبة.

وجائز أن يكون غير هذا أشبه له وأولى بما ذكر ملكه، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: شد ملكه بما ذكر من إلانة الحديد، حتى كان يتخذ منه لباساً من الدروع وغيرها منه أسباب الحرب والتأهب لها وما يصلح للقتال ما لم يعط مثله لأحد سواه، فينقطع بذلك طمع المنازعين له في ذلك والراغبين في ملكه، ويأمن هو بذلك ذهابه، فهو شد ملكه، والله أعلم.

والثاني: شد ملكه بما ذكر من تسخير الجبال له والطير والتسبيح معه، وما ذكر من طاعة هذه الأشياء له والخضوع لأمره، فمن بلغ أمر ملكه هذا المبلغ الذي وصف من طاعة من ذكره والتسخير له وعبادته لله  وطاعته لربه في نفسه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ لم يقصد أحد من ملوك الأرض قصده ولا طمع في زوال ملكه إليه بحال، وهذا أشبه أن يجعل تأويل شد ملكه الذي ذكر - والله أعلم - مما قاله أهل التأويل.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ أي: النبوة ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، لكن ليس فيما ذكروا من جعل البينة على المدعي وجعل اليمين على المنكر كثير منقبة وخصوصية؛ إذ قد أعطينا نحن مثله، وقد ذكر على الخصوصية له.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من الحكمة أنه آتاها له: إحكام أمره فيما بينه وبين ربه: العبادة له - أي: لله  - والطاعة له في كل وقت؛ على ما وصفه حين قال: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: ذا القوة والجهد في العبادة لله والطاعة له فيهم، وإنزال كل منهم منزلة وتأليف قلوب بعضهم من بعض، وجمعهم على دين واحد، ومذهب واحد حتى لم يقع تنازع ولا خلاف في الدين، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: قطع الخصومات فيما بينهم على التأليف والتلطف وإيصال كل إلى حقه من غير أن يقع بينهم خشونة أو ضغينة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ .

قال بعضهم: ما ذكرنا من القضاء بين الخصوم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر، وليس في ذلك كثير منقبة ولا خصوصية.

وقال بعضهم: هو "أما بعد" وهذا أيضاً ليس بشيء، والأصل فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

والخطاب: هو الخصومة؛ قال أبو معاذ: الخطاب: كالجدال والخصام، تقول: خاطبته [خطاباً و] مخاطبة و[جادلته] جدالاً ومجادلة فكل "فاعل" له مصدران: فعال ومفاعلة.

وقال أبو عوسجة: الفصل: القضاء، والخطاب: الخصومة، تقول: خاطبت الرجل، أي: خاصمته.

والإشراق: هو طلوع الشمس ووقوعها في كل ناحية بنورها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله - عز وجل - يخرج على الإيجاب، أو على التقرير والتنبيه.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: قد أتاك نبأ الخصم فتفكر فيه كيف ابتلاه الله - عز وجل - وفتنه [على] ما ذكر؟!

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ أتاك وأرسل إليك نبأه وخبره: أن كيف ابتلاه وفتنه؟!

وعلى هذا يجوز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ ، أي: اذكر ما قربه هو، أو اذكر متقربه إياه، أو اذكر خصومة الخصمين إليه، أو اذكر ما أعطى هو من الحكمة والحكم وفصل الخطاب.

ثم قوله: ﴿ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ هو حرف التوحيد والوحدان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ .

حرف الجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ ﴾ ذكره بالجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ ذكر بحرف الجماعة، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ ، ثم ذكر بحرف التثنية حيث قال - عز وجل -: ﴿ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ذكر بعضه بحرف الوحدان والإفراد وبعضه بحرف التثنية وهي قصة واحدة.

وقال بعضهم: أما قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْخَصْمِ ﴾ فهو مصدر، والمصدر للجمع والفرد والتثنية واحد، وأما قوله -  -: ﴿ تَسَوَّرُواْ ﴾ و ﴿ دَخَلُواْ ﴾ و ﴿ قَالُواْ ﴾ ، ونحوه قد يقال للاثنين ذلك؛ لأن الاثنين جماعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ ، والقلوب جماعة، وإنما هو قلبان، وذلك كثير في القرآن، وذلك جائز في اللغة شائع فيها.

وعندنا جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ تَسَوَّرُواْ ﴾ و ﴿ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ ﴾ و ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ ونحوه: أن كان مع الخصمين الملكين ملائكة سواهم شهود على دعواهما وخصومتهما تسوروا معهما ودخلوا معهما عليه فلما فزع منهم ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ وإن كان الذي تخاصم بين يديه اثنان؛ لما لا يحتمل أن يقول داود لأحد الخصمين: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ﴾ ، ينسبه إلى الظلم ويصفه بالبغي بلا شهود يشهدون، إلا أن يكون من الآخر إقرار على ما يدعي عليه، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكون ما ذكرنا أنه كان مع الملكين ملائكة آخرون شهود يشهدون على ذلك، وأن حاصل الخصومة لاثنين منهم، وفيما أضيف الفعل إلى الجماعة كانوا جماعة في التسور والدخول عليه والقول منهم: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ ، وفيما أضيف إلى الاثنين اثنين كانا في الخصومة، والله أعلم.

ثم فيه من الكلام والقول حيث قالا: ﴿ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ ، ونحوه من الكلام والقول الذي كان منهما كيف حققا ذلك وقطعاه أنهما خصمان ولم يكونا في الحقيقة خصمين وإن لهذا كذا وكذا نعجة ولهذا واحدة، ولم يكن في الحقيقة ذلك، وأن هذا بغى على هذا ونحو ذلك من الخصومات التي جرت بينهما، ولم يكن ذلك كذلك في الحقيقة، كيف قالا ذلك وحققاه وهم ملائكة والملائكة لا يحتمل أن يكذبوا قط، أو يرسلهم الله ليكذبوا؟!

لكنه - والله أعلم - على التقرير والتمثيل، أي: لو كان لأحدهما كذا كذا نعجة وللآخر واحدة فغلب صاحب النعاج الكثيرة على صاحب النعجة الواحدة فأخذها، أليس يكون ظالماً أو يكون باغياً؟!

ليس على التحقيق، ولكن لما ذكرنا يقرران عنده الزلة ويمثلان به القضية، [لا] أن كانت له على ما يقوله أهل التـأويل ويقررونه، وقد ذكر الله - عز وجل - أشياء كثيرة على التمثيل والتقرير على تقرير أشياء غفلوا عنها وسهوا فيها ليتقرر ذلك عندهم؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون خصومة هؤلاء الملائكة عند داود -  - وما كان منهم من القول والخصومة ليتقرر ما كان منه من الهفوة والزلة ليعرف ذلك ويرجع عنه، والله أعلم.

ثم قول أهل التأويل: إن طائراً وقع بين يديه قريباً منه فنظر إليه وصار معجبا به، فهم أن يأخذه وارتفع إلى كوة المحراب فصعد ليأخذه فوقع بصره على امرأة فأعجبته، فإن هذا يحتمل أن يكون، وأما قولهم: أدام النظر أما هذا فإنه لا يحتمل أن يكون مثل داود أو نبي من الأنبياء - عليهم السلام - أنه يديم النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وأما الأول من الذهاب لطلب ذلك الطائر والنظر إليه أنه من أين؟

وإلى ماذا؟

فذلك يحتمل أن يكون، ثم هو يكون معذوراً في الصعود إلى الكوة والارتفاع للنظر إلى الطائر؛ لما كان الطيور حشرت له وسخرت في التسبيح معه والطاعة له، فجائز أن يكون له البحث والفحص عن حال ذلك الطائر على ما أخبر عن سليمان حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ  ﴾ فإذا كان ما ذكرنا: هو في الصعود إلى الكوة والارتفاع إلى ذلك معذوراً، لكن وقع بصره عليها بلا قصد منه ولا علم بحالها ومال قلبه إليها لحسنها وجمالها، وذلك ما يكون بلا تكلف ولا صنع، وذلك مما لا يملك دفعه؛ نحو ما كان من ميل قلب رسول الله  إلى امرأة زيد [و]وعد لها نكاحها حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا  ﴾ وما ذكر من بعث زوجها إلى القتال ليقتل فهذا أيضاً غير محتمل، لكن يحتمل بعثه إياه ليجاهد أعداء الله وكان ذلك فرضاً عليه، فصار مقتولا فيه من غير أن يتوهم منه أنه قصد قتله وإهلاكه، والله أعلم.

فإن قيل: كيف عوتب كل هذا العتاب، حتى بعث إليه الملائكة بالخصومة عنده والتمثيل لما ذكر وتقرير ذلك عنده، ثم أخبر أنه غفر له بعد طول المدة، إن كان معذوراً في ذلك غير مؤاخذ به؟!

قيل: إن الأنبياء - صلوات الله عليهم - أجمعين كانوا يؤاخذون بأدنى شيء كان منهم ما لا يؤاخذ غيرهم بذلك، بل يعدّ ذلك منهم من أرفع الخصال وأجلها نحو ما عوتب يونس -  - في خروجه من بين قومه؛ ليسلم دينه أو نفسه، لكنه خرج بلا إذن كان له من الله؛ فعوتب لذلك؛ فعلى ذلك داود -  - إنما فعل بلا إذن من الله عز وجل، والله أعلم.

ثم في بعث الملائكة إليه فيما ذكر وجوه من الحكمة وأنواع من الفائدة: أحدها: جواز الحجاب والحرس له، حيث دخلوا عليه من غير الباب.

والثاني: رفع الحجاب عن الخصوم لا على وقت حاجة نفسه حيث دخلوا من غير الباب للخصومة بلا إذن منه.

والثالث: قدرة الملائكة على التصور بصورة البشر مع كون النفس الكثيفة موجودة معهم، وذلك يرد على الفلاسفة مذهبهم أن النفس الروحانية خلقت منتشرة متحركة في كل حال، لكن الجسد الذي جعل يمنعها عن ذلك، فإذا نام ذلك الجسد أو مات ذهبت تلك النفس حيث شاءت إلى حاجتها؛ ألا ترى أن الملائكة قد تسوروا عليه بصورة البشر، واختصموا إليه خصومة البشر؟!

دل على أنه ليس على ما وصفوا هم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ .

قال بعضهم: صعدوا، وأصل التسور: هو الدخول من العلو والارتفاع وهو النزول من السور وهو الحائط المشرف المرتفع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ .

لما خاف دخول الوهن في ملكه؛ إذ دخلوا بلا إذن من غير الباب.

أو خاف؛ لما ظن أنهم لصوص مكابرون.

أو لما عرف أنهم ملائكة جاءوا بأمر عظيم ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ .

أي: لا تجر.

وقوله: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ .

قال بعضهم: أعطينيها.

وقال بعضهم يقال: أكفلته، أي: أعطيته؛ وهو قول أبي عوسجة.

وقال بعضهم: أي: ضمها إلى، واجعلني كافلها؛ وهو قول القتبي.

وقوله: ﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ .

قال بعضهم: غلبني في الخصومة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

ثم استثنى: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، أي: الذين آمنوا، واعتقدوا في إيمانهم الأعمال الصالحات، فإنهم لا يبغون بعضهم على بعض، ثم أخبر أن من آمن واعتقد في إيمانه العمل الصالح، أي: من اتقى من المؤمنين قليل و[من] ترك البغي قليل منهم، وهذه الآية شديدة صعبة على ما ذكرنا.

وفيه أن المؤمن الذي اعتقد في إيمانه العمل الصالح وترك البغي على غيره - قليل في كل زمان ودهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ .

أي: علم داود وأيقن أن خصومة الملكين عنده فيما اختصما فيه محنة له، هو الممتحن بها، لا أنهما كانا ممتحنين بذلك؛ فاستغفر ربه إذ أيقن بذلك أنه هو الممتحن بذلك لا غيره، والله أعلم.

ثم فسر أهل التأويل الظن هاهنا: الإيقان، أي: أيقن، وكأن الإيقان هو علم يستفاد بالأسباب، على ما استفاد داود -  - علما بخصومة الملكين عنده؛ ولذلك لا يضاف الإيقان إلى الله أنه أيقن كذا لأنه علم يستفاد بالأسباب، وهو عالم بذاته لا بسبب، وأما العلم فإنه قد يستفاد بسبب وبغير [سبب]؛ لذلك أضيف إليه حرف العلم ولم يضف حرف الإيقان، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر زلات الرسل - عليهم السلام - والأصفياء في الكتاب، وهو وصف نفسه أنه غفور وأنه ستور، وقد أمرنا لنستر على من ارتكب شيئاً من ذلك وبالغفران والعفو، فكيف ذكر هو زلات أنبيائه وأصفيائه حتى نقرأ زلاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم التناد، وما الحكمة في ذكر ذلك؟!

قال الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الفقيه -  -: يخرج ذكر زلات الأنبياء - عليهم السلام - في القرآن وترك الستر عليهم على وجوه: أحدها: ذكرها؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد  ؛ لأن قلوب الخلق وأنفسهم لا يحتمل ذكر مساوئ الآباء والأجداد، وكذلك لا تحتمل قلوبهم ذكر مساوئ أنفسهم، فإذا ذكر رسول الله  ذلك؛ دل أنه على أمر من الله - عز وجل - يذكر ذلك؛ ليعلم الناس أنه رسول الله  ، وأنه عن أمر منه ذكر ذلك، والله أعلم.

والثاني: ذكر زلاتهم امتحاناً منه عباده أن كيف يعاملون رسلهم بعد ما عرفوا منهم الزلات وأظهر عنهم العثرات؟

وكيف ينظرون بعين الرحمة والرأفة؟

يمتحنهم بذلك على ما امتحنهم بسائر أنواع المحن.

والثالث: ذكر زلاتهم ليعلموا - أعني: الخلق - كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم الزلات والعثرات؟

فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة على ذلك، والله أعلم.

أو أن يكون ذكرها؛ ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية ولا يخرجه من الإيمان، وذلك على الخوارج بقولهم: إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من الإيمان.

أو أن يكون ذلك؛ ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة، ولكن له أن يعذب عليها، وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحداً على الصغيرة، والله أعلم.

وزلات الأنبياء - عليهم السلام - في قلوب الناس، فخافوا عليها، فلولا أنهم عرفوا أن لله أن يعذبهم عليها وإلا لم يخافوا منها كل ما ذكر منهم، يذكر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لعباد بني إسرائيل: [يذكرهم] ويذكرونه، ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب به ذنباً؟

فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، قال: فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، فأكب على الزبور يقرأها فابتلي بما ذكروا، قال: ولذلك سمي: أواباً، والله أعلم.

وابن عباس وهؤلاء قالوا: "إنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان يكون عند كل امرأة يوماً فإذا كان رأس المائة يفرغ للعبادة، ففي ذلك اليوم أصابه ما أصابه".

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ أي: غالبني في الكلام، أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني، وإذا دعا ودعوت كان أكثر مني أو ما قلت أن يكون أعرض، على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ .

أي: زلته التي كانت منه وعثرته، وما يقول أهل التأويل: ربه أوحى إليه: أني قد غفرت لك، لكن لا بد أن يتعلق بك أوريَّا في رءوس الخلائق، ثم أستوهبك منه أو عوض كذا - فذلك مما لا نقول به ولا نعلم ذلك، ولا يصح ذلك، ولا يستقيم على ما ذكرنا نحن: أنه لم يكن منه أوريَّا ما يلحقه ما يذكرون، إنما أمره بمجاهدة أعداء الله وكان له أن يأمر، إلا أنه عوتب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون بأدنى شيء كان منهم، ويعيرون على ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وقد عرفنا أنه كان منه شيء عوتب عليه، ثم علمنا أن ربه غفر له بقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ ، فأما ما سوى ذلك الذي ذكره أهل التأويل فلا نعرفه، فإن صح شيء منه يقال به، وإلا الترك أولى به وأسلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ في باقي عمره، أي: له في باقي عمره ما يزلفه لدينا، ويقربه عندنا، والله أعلم.

أو أن يكون له زلفى عنده في الآخرة، أي: له كرامة ومنزلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل قوله: في جملة أهل الأرض من الرسل والأنبياء والملوك وغيرهم على الشريف والوضيع، والله أعلم.

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الرسل خاصة، وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد، إلا أن أحدهما يرجع إلى العامة منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ .

ثم لم ينهه عن هوى النفس، ولكن نهاه عن اتباع هواها أن النفس قد تهوى في الحكم بغير حق حيث قال: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ ؛ لأن النفس أنشئت على الهوى والميل إلى اللذات والشهوات وعلى ذلك طبعت وبنيت؛ فيكون في هواها إلى ما تهوى مدفوعاً غير مالك ولا قادر على دفعه؛ لذلك لم ينه عن هواها ولكن نهاه عن اتباع هواها، ويقدر على منعها بالعقل وردها إلى اتباع الحق؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

ذكر أنه لو اتبع هواها أضله عن سبيله، ولا كل هوى إذا اتبعه المرء، أضله عن سبيله، لكنه إذا اتبعه في شيء بعد شيء يحمله على الإضلال عن سبيله؛ إذ من ضل عن سبيله إنما يضل لاتباعه هواه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ : أخبر أن من اتخذ إلها دونه إنما اتخذه بهواه لا بحجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

أي: تركوا الأعمال التي تعمل ليوم الحساب.

أو ﴿ بِمَا نَسُواْ ﴾ أي: بما تركوا الإيمان به والإقرار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًۭا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ٢٨ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٢٩

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، الباطل: هو الفعل الذي يذم عليه [فاعله].

والحق: هو الفعل الذي يحمد عليه فاعله.

وقوله - عز جل -: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

لم يظن أحد من الكفرة أن الله خلق شيئاً باطلا، لكن يكون خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما من الأهل مخلوقا باطلا على ما عبد أولئك الكفرة وفي حسبانهم؛ لأن عندهم أن لا بعث ولا حياة بعد ما ماتوا، فكان خلق ذلك كله لو لم يكن بعث ولا نشور خلقاً باطلا لوجهين: أحدهما: أنه لو لم يكن بعث يحصل إنشاؤه إياهم للفناء خاصة، وإنشاء الشيء وبناؤه للفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل سفه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ إلى آخر الآية [المؤمنون: 115]، صير خلقه إياهم إذا لم يكن رجوع إليه عبثاً؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والثاني: أنه لو لم يكن بعث، لكان خلقهم غير حكمة؛ لأنه قد جمعهم جميعاً في نعيم هذه الدنيا ولذاتها: الولي، والعدو، وفي الحكمة التفريق والتمييز بينهما، فلو لم يكن دار أخرى ليفرق بينهما، لكان في خلقهم غير حكيم، وعندهم جميعاً أنه حكيم.

ثم يقول قتادة في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴾ يقول: لم يذكر الله - عز وجل - من شأن داود -  - ما ذكر إلا أن يكون داود قضى نحبه من الدنيا على طاعة الله والعمل له والعدل فيما ولاه الله عز وجل، ولكن الله  وعظ نبيه  والمؤمنين موعظة بليغة شافية، ليعلم من ولي [من] هذا الحكم شيئاً أنه ليس بين الله وبين العباد سبب يعطيهم خيراً ولا يدفع عنهم به شرّاً إلا بطاعة الله والعمل بما يرضى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: جعلنا لك الخلافة فيمن ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ﴾ .

هو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : كان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، فيقول - والله أعلم -: إنه لو كان على ما ظن أولئك الكفرة: أن لا بعث لكان في ذلك جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات في هذه الدنيا كالمفسدين في الأرض وجعل المتقين كالفجار؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدنيا وجمعهم في لذات هذه الدنيا وشهواتها وفي حسناتها وسيئاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز، وقد سوى بينهما في الدنيا على ما ذكرنا من جمعهم في المحنة بالخير والشر، فلو كان على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا حياة، لكان ذلك جمع وتسوية بين الولي والعدو، وفي الشاهد من سوى بين من عاداه وبين من والاه، وجمع بينهما في البر والجزاء كان سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك الله -  - لو لم يجعل داراً أخرى يفرق بينهما كان غير حكيم؛ إذ قد سوى بينهما وجمع،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثم من الناس من يقول: يجب أن يفرق بينهما في الدارين جميعاً في الدنيا والآخرة، وقد فعل حيث سمى هؤلاء: ضلالا وهؤلاء مؤمنين، وخذل الكفار، وأذلهم، ووفق المؤمنين وأعزهم؛ وهو قول المعتزلة.

ومنهم من يقول: لا يجب ذا في الآخرة؛ لأن الدنيا دار محنة وابتلاء يمتحن الفريقان جميعاً بالخير مرة والشر ثانياً، وبالحسنة تارة وبالسيئة أخرى على ما أخبر حيث قال - عز جل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ وما ذكر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 35]، أخبر - عز وجل - أنه يمتحنهم ويبتليهم بالخير والشر وبالسيئة والحسنة، وذلك للفريقين جميعاً على ما ذكرنا من جمعه إياهم جميعاً في الحالين، [وأما الآخرة] فإنما هي مجعولة للجزاء خاصة، فهنالك يقع التفريق والتمييز بينهما لا فيما فيه المحنة والابتلاء، والله أعلم.

وأما قولهم: إنه قد فرق بينهما؛ حيث سمى هؤلاء: ضلالا، وهؤلاء: مؤمنين، وخذل هؤلاء، ووفق أولئك فليس ذلك بتفريق بينهما؛ لأنه إنما سماهم: ضلالا كفرة بفعلهم الذي اختاروه وصنعوا، أو أمر آثروه على غيره فإنما هو تسمية فعلهم لا جزاء يجزون، والله أعلم.

ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ - دلالة لزوم الحجة والوعيد على الظن والجهل، وإن لم يتحقق لهم العلم بذلك إن مكنوا من العلم وجعل لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك، وإنما لزمهم ذلك الوعيد والحجة بما هم ضيعوا معرفة ذلك والعلم به؛ لأنهم لو تأملوا فيه ونظروا، لوقع لهم علم ذلك، لكنهم تركوا علم ذلك، وضيعوه؛ فلم يعذروا في ذلك، وعلى ذلك نقول في القدرة: إن من منع عنه القدرة، وحيل بينه وبينها كان غير مكلف بها ولا مخاطباً معذوراً، ومن لم تمنع عنه ومكن [من] ذلك إلا أنه ترك العمل به كان مكلفاً به غير معذور؛ لأنه هو الذي ضيع ذلك وتركه بالاختيار، والأول غير مضيع لها ولا تارك لذلك أمر؛ وذلك على المعتزلة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ ﴾ .

سماه: مباركاً؛ لأن من اتبعه وتمسك به وعمل بما فيه صار شريفاً مذكوراً عند الناس عظيما على أعينهم وقلوبهم، وذلك عمل المبارك أن ينال كل بر وخير يكون أبداً على الزيادة والنماء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أخبر أنه أنزله؛ ليدبروا في آياته؛ ليعرفوا ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتبع، إنما يعرف ذلك بالتأمل والتدبر والتفكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: ليتذكر وليتعظ أولو الألباب بما فيه من المواعظ والآداب وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ٣٣ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ٣٥ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ٣٦ وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ وَغَوَّاصٍۢ ٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ٣٨ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٣٩ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ٤٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

أثنى الله - عز وجل - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة إليه والرجوع، وهو ما قال - عز وجل - في داود -  -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ وقد فسرنا الأوّاب.

وقال في سليمان -  -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

دل ذكر قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ﴾ على أثر قوله: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ أنه إنما كان أواباً بالذي ذكر منه؛ لأن حرف ﴿ إِذْ ﴾ لا يذكر إلا عن شيء سبق، وسمى - عز وجل - داود -  -: أواباً بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق والفزع إليه بما هو به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ : قيل: الصافنات: هو الخيل.

وقال بعضهم: الصافنات: هي القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين على طرف الحافر.

وقال بعضهم: الصافنات: هن القائمات لا غير؛ وعلى ذلك ما روي عن رسول الله  أنه قال: "من تمنى أن يقوم له الرجال صفوناً - أي: قياماً - فليتبوأ مقعده من النار" أو كلام نحوه.

والجياد: قيل: السراع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴾ .

دل ما سبق من ذكر الصافنات الجياد بالعشي على أن قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴾ إنما أراد به تواري الشمس بالحجاب؛ إذ ليس شيء يتوارى بالحجاب في ذلك الوقت سوى الشمس.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ ﴾ حتى شغلني عن ذكر ربي؛ إذ المحبة يجوز أن يكنى بها عن الإيثار، والله أعلم.

والثاني: إني أحببت حب الخير حبا حتى شغلني عن ذكر ربي حتى توارت الشمس بالحجاب على التقديم والتأخير، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ حُبَّ ٱلْخَيْرِ ﴾ يجوز أن يكنى بالخير عن الخيل نفسه؛ على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ، سمى الخيل: خيراً؛ فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ ، والله أعلم.

وقال بعضهم: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أي: جعل يعقر سوق الخيل ويضرب أعناقها - والسوق: هو جماعة الساق - لما شغلته عن ذكر ربه وعن صلاة العصر حتى غفل عنها، فجعل يقطع سوقها ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه، ثم إن ثبت ما ذكروا من عقر السوق والأعناق أنه على الحقيقة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزاً، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ما ذكر عنه من تعذيب الهدهد وغيره جين تفقده ولم يجبه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ...

﴾ الآية [الأنفال: 20-21]، فمثله لا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكروا من عقر الخيل وضرب الأعناق له جائزاً في شريعته وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، والله أعلم.

أو أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك فحرج عليه ذلك وعلينا جميعاً.

وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر الساق وضرب الأعناق لكن ما ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ ﴾ كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالساق والأعناق كناية عن مسح وجهها ورأسها بعدما ردوها عليه، والتسليم إلى الناس من غير أن كان هناك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه.

قال الحسن: قال سليمان -  -: والله لا يشغلن عن عبادة ربي أحد ما عليك، لكن كشف عراقبها وضرب أعناقها.

ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر الله، ففعل ما ذكر: قال بعضهم: إنها خيول، أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان -  - لها أجنحة تعدو وتطير.

وقال بعضهم: لا، ولكن كانت خيلا ورثها من أبيه داود -  - وكان داود -  - أصابها من العمالقة، وقال: وما بقي في أيدي الناس من الخيل فمن نسل بقية تلك الخيل، والله أعلم.

وقال بعضهم: لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعاً لسليمان -  - فأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرض عليه الخيل حتى شغلته عن ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العراقيب وضرب الأعناق، والله أعلم.

وعن الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ قال كسر عراقيبها وضرب أعناقها، فأبدله الله خيراً منها، وأرسل الريح ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ...

﴾ الآية.

قال أبو معاذ: قوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ تقول العرب: مسح علاقة السيف مسحا، أي ضربها.

وقال القتبي: قوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً ﴾ ، أي: فأقبل يمسح يضرب سوقها وأعناقها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَفِقَ ﴾ ، أي: أخذ، وجعل يمسح، أي: يقطع؛ يقال: مسح عنقه، أي: قطعها.

وقال القتبي: ﴿ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ يقال: هي القائمة على ثلاث قوائم وقد قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو من رجل، والصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول الله  قال: "من سره أن يقوم [له] الرجال صفوناً فليتبوأ مقعده من النار" أي: يديمون له القيام.

وقال أبو عوسجة: الجياد من الخيل: السراع والواحد جواد، ورجل جواد، أي: سخي وقوم أجواد، ﴿ أَحْبَبْتُ ﴾ ، أي: آثرت ﴿ ٱلْخَيْرِ ﴾ أي: المال على ذكر ربي وفي حرف حفصة: أي ألهاني حب الخير عن ذكر ربي، أي: أشغلني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ﴾ .

اختلف أهل التأويل في سبب فتنة سليمان -  - الذي ذكر أنه - عز وجل - فتنه وأنه ألقى على كرسيه جسداً - اختلافاً كثيراً بيناً ما يطول الكتاب بذكر كل ما ذكروا، ولا ندري أكان ذلك سبب افتتانه أم لا؟

مع علمنا أن ذلك كله لم يكن سبب فتنة إن كان وإنما كان واحد منها ولا ندري ما هو؟

لذلك تركنا ذكر ما ذكر أولئك أنه كان سبب افتتانه.

ثم يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ﴾ على وجهين: أحدهما: أنه امتحن بأمر فكان منه في ذلك زلّة وغفلة، فعوقب بما ذكر وعوتب بنزع ملكه.

والثاني: أنه فتنه وامتحنه بنزع ملكه منه لا بزلة منه ولا عثرة، وصرفه إلى غيره لا بسبب كان منه وزلة ويجعله لغيره، ثم إن له أن ينزع الملك منه بأدنى سبب كان منه وزلة فعوقب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا مخصوصين بالعتاب والتعيير بأدنى شيء يكون منهم ما يعد ذلك الذي كان منهم من أفضل الأعمال على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم كان منهم من التوبة والتضرع إلى الله - عز وجل - بالذي كان منهم لما عرفوا لأنفسهم من الخصوصية لهم من الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها، فرأوا على أنفسهم بما أكرموا من أنواع الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها من التوبة لله وفضل التضرع والابتهال إلى الله؛ لما رأوا ما ارتكبوا كفرانا له فيما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فضل تضرع وابتهال ما لا يلزم ذلك غيرهم فيماثل ما كان منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ﴾ .

يحتمل أن يكون كرسيه ملكه؛ فيكون ما ذكر كناية عن نزع ملكه.

وجائز أن يكون ما ذكر من إلقاء الجسد على كرسيه حقيقة الكرسي ألقى عليه جسداً يشبه جسد سليمان في الجسمية، لا في العلم والمعرفة والبصر وما كان فيه من الكرامات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  ﴾ ، أي: عجلا مجسدا في الجسدية، لا أن جسد العجل الذي اتخذه هو جسد العجل المعروف؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ﴾ يشبه جسد سليمان في الظاهر في الجسدانية، لا في أن جسده كجسد سليمان فيما فيه من اللحم والبصر وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنَابَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: ثم أناب إلى الله  ورجع إليه بجميع أموره إن كان فيه زلة وعثرة وأناب ورجع وأقبل وتاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً ﴾ .

يحتمل سؤال المغفرة عند سؤاله الملك أمراً فيما بينه وبين ربه؛ لأن الملك مما يتلذذ به وفيه هوى النفس؛ وعلى ذلك خرج سؤال زكريا -  - لما سأل ربه - عز وجل - الولد سأل أمراً بينه وبين ربه في ذلك وهو ما قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ؛ ولذلك خرج سؤال الأنبياء فيما سألوا مما فيه اللذة وهوى النفس من الولد وغيره فرقوا في ذلك السؤال أمراً بينهم وبين ربهم، فعلى ذلك سؤال سليمان -  - والملك قربة بالمغفرة في ذلك.

ثم يحتمل سؤاله المغفرة نفسها عما يكون منه من التقصير في ذلك.

أو يكون سؤاله المغفرة سؤال الأسباب التي بها يكون المغفرة لا نفس المغفرة؛ نحو قول نوح -  - لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، وقول هود -  -: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ  ﴾ لا يحتمل أن يأمروا قومهم أن قولوا: نستغفر الله، ولكن أمروهم أن يأتوا بالأسباب التي بها يصيرون أهلا للمغفرة وبها يستوجبون التجاوز، فعلى ذلك يحتمل سؤال المغفرة ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم يحتمل سؤاله الملك - والله أعلم - أنه أراد أن يستسلم له الخلق في الإجابة إلى ما يدعو إليه من وحدانية الله  وجعل العبادة له؛ لما رأى أن إجابة الناس وإقبالهم إلى ما عنده من السعة والغناء أسرع ولقوله أقبل ورغبتهم فيه أكثر، وإذا كان ما ذكرنا وهو متعارف فيما بينهم أن إجابتهم - أعني: إجابة الناس - للملوك ولمن عنده السعة والغنى أسرع لهم وأطوع، فكان في سؤاله الملك له نجاة الخلق كلهم بما يستسلمون له ويجيبون إلى ما يدعوهم إليه، فينجون نجاة لا هلاك بعدها، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه سأله ملكاً لا ينزع عنه بعد إذ نزع مرة على ما يقوله أهل التأويل.

والثاني: سأل ربه ملكاً لا يكون لأحد ما بقي وهو حي، فيكون له آية لنبوته على ما ذكرنا [؛ إذ] لو كان مثله لأحد منهم، لم يكن له في ذلك آية لنبوته.

والثالث: سأله ملكاً ليبقى له الذكر والثناء الحسن؛ كقول الناس: "اللهم صل على محمد وعلى آلي محمد كما صليت على إبراهيم" ونحوه، فعلى ذلك جائز أن يكون سليمان -  - أراد أن يكون مذكوراً على ألسن الخلق بالثناء الحسن بالملك الذي يناله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ .

بين ما أعطاه من الملك بما ذكر من تسخير الريح له والجن والشياطين وغير ذلك ما لم يكن لأحد من ملوك الأرض سواه، وهذا يدل على أن تسخير هذه الأشياء التي ذكر أنه سخرها لسليمان -  - كان بلطف من الله - عز وجل - لا يكون ذلك بالحيل؛ إذ لا يملك أحد من الخلائق تسخير ما ذكر من الخلق لنفسه، ولو كان يملك ذلك بالحيل لكان يبغي لذلك مع العلم أن كل ملك لا يترك لنفسه من الحيل ما يزيد من ملكه ويبقيه إلى ما بقي وهو حي، فإذا لم يكن دل أنه إنما كان لسليمان ذلك بالله لطفاً منه؛ ليكون آية من آيات النبوة، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ .

وصف تلك الريح باللين والرخوة في هذا الموضع، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ  ﴾ وصفها بالشدة: فجائز أن تكون هي في أصل الخلقة شديدة، لكنها صارت لسليمان -  - لينة سهلة.

وقال قائلون: هي وقت الحمل شديدة، لكنها تصير بالسير لينة سهلة، والله أعلم.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَاصِفَةً ﴾ على أعداء الله رخاء لينة على أوليائه، والله أعلم.

ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد، لطف الله - عز وجل - بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان يستعملها فيما شاء، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر وتفهم هي منه، فذلك كله لطف منه به ورحمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ .

أي: سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء: بعضهم في البناء، وبعضهم في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال؛ ليتفرغ الناس لعبادة الله والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مؤنة أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ .

وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال جعلهم في الأصفاد - وهي الأغلال تجعل في الأعناق - ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة، وهو ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان -  - واللطف له حيث مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك؛ ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل، وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله.

وقال بعضهم: ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك يقول: إن شئت تمن فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئاً، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، والله أعلم.

وجائز أن يكون لا على التخيير، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، فيقول: ﴿ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ ﴾ أي: أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً  ﴾ أن ليس على التخيير، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عز وجل -: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ...

﴾ الآية [الكهف: 87]، ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.

وقال الحسن: قوله - عز وجل -: ﴿ عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يقول: هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول: أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت، لا تبعة عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين.

وقال قتادة: احبس منهم في وثاقك هذا وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب عليك في ذلك، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين: رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

أي أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ .

أي: القربة، ﴿ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أي: مرجع، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند الله؛ لأنه إنما سأله الملك - والله أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ .

أي: الأسباب التي تزلفه إلى الله وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة، والله أعلم.

وهذا من أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب ويستر له بالزلفى وحسن المرجع، والله أعلم.

ثم اختلف في سبب فتنة سليمان -  - وفي ذنبه: قال بعضهم: وذلك أن الله -  - أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل وجعل لها صنما فعبد في بيته كذا كذا يوماً، فابتلاه الله بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد من الصنم في بيته.

وقال بعضهم: كانت فتنة سليمان -  - التي ذكر في ناس من أهل الجرادة وكانت الجرادة امرأته وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يحنث أو يدخل الخلاء أعطاها خاتمه وأن ناسا من أهلها جاءوا يخاصمون قوماً إلى سليمان، قالوا: وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحداً؛ وهو قول ابن عباس.

وقد ذكرنا نحن أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه وما ذكر فتنة إياه بلا زلة ولا سبب كان منه ابتداء محنة وابتلاء، وذلك جائز، ولله أن يفعل ما يشاء بمن شاء وكيف شاء من نزع الملك وغيره، والله أعلم.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ رُخَآءً ﴾ أي: رخوة لينة، وهو من اللين، ويقال: رجل رخو، أي: ضعيف في عمله، وقوم رخاء، قال: والرخاء: الساكن، ويقال: استرخى، أي: سكن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

ومثله قوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ  ﴾ أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.

وقال الفراء: سمى العطاء: منا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَيْثُ أَصَابَ ﴾ .

أي: أراد، قال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب، والأصفاد: الأغلال التي يشد بها الأيدي إلى العنق.

دل قول سليمان -  - ودعاؤه ربه باستيهابه الملك قال: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ...

﴾ على أن الملك الذي أعطاه لم يكن حقّاً عليه؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه ولا يقول له: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ﴾ ، ولكن يقول له: أعطني حقي؛ إذ كل طالب حق له قِبَل آخر لا يوصف إذا أعطاه إياه أنه وهاب، ولكن يؤدي حقّاً عليه.

ويدل هذا أيضاً على أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين؛ إذ لو كان عليه حفظ الأصلح في الدين وأعطى الآخر لكان لا يستوهب الملك إذ كان الملك له أصلح في الدين، ولكن يقول: أعطني حقي، فدل استيهابه منه الملك على أن ليس عليه حفظ الأصلح في الدين ولا إعطاء الأخْيَر، وأن له ألا يعطيه، وأنَّ إعطاءه الملك له فضل منه ورحمة، والله أعلم.

فإن قيل: فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق؛ لما أن الله - عز وجل - جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه أفضل من الفقر؟

يقال لهم: إن الغنى والملك إنما جعله آية لرسالة نبي واحد، وأكثر الأنبياء - عليهم السلام - كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، فمع ما كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم نفذ قولهم وظهر ما دعوا الناس إلى ما دعوهم وهو التوحيد والإسلام، مع وجود رغبة الناس فيمن عنده السعة والغنى، ونفارهم، وقلة رغبتهم فيمن عنده الفقر والضيق؛ فدل اختيار أكثر الأنبياء الحال التي ينفر طباع الناس عنها على الحال التي يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدين - على أن الحال التي اختاروا هم أفضل وأخير من الحال الأخرى، والله أعلم.

وكذلك قوله - عز وجل - لرسول الله  : ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ  ﴾ نهاه أن يمد عينيه إلى ما متعوا هم، على العلم منه أن لو مد عينيه إلى ذلك ويختاره إنما يمد ويختار ليتبعه قومه وأصحابه في أبواب الشرف والخير، وأنه لا يختار ولا يأخذ إلا ما يحل ويطيب؛ فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ٤١ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ ٤٢ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٤٣ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ٤٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ .

ثم لا ندري ما الذي كان من الله من تمكين الشيطان عليه حتى أضاف ذلك إلى الشيطان، وليس لنا أن نقول: إنه مكن عليه كذا، وفعل كذا في كذا، وفعل به كذا، إلا أن يثبت عن الله.

ثم وجه الحكمة في تمكين الشيطان على أوليائه فيما مكن من أمر الدين؛ ليعلم جهة الفضل من جهة العدل وجهة الحكم من جهة الرحمة، وأن له أن يمتحن عباده بما شاء وكيف شاء من أنواع الشدائد والبلايا على أيدي من شاء، بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك، وله أن يجتبي إلى من شاء من أنواع الخير والنعم ابتداء بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك؛ فعلى ذلك بلاء أيوب -  - والشدائد التي أصابته جائز أن يكون بلا سبب كان منه يستوجب ذلك، ولكن ابتداء امتحانٍ منه إياه بذلك.

ثم قوله: ﴿ مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ إنه وإن أضاف إليه فهو في الحقيقة من الله لما أخبر أنه على يديه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ  ﴾ أخبر أن حقيقة العذاب منه وإن كان على أيديهم يجري ذلك؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ  ﴾ أي: ما يمس الإنسان من ضر يكون على يدي آخر ويكون من الله، وله في ذلك صنع وفعل لا على ما يقوله المعتزلة أن لا صنع [لله] في فعل العباد، وأخبر أنه لو أراد بأحد ضرا ومسه بذلك، فلا كاشف لذلك الضر ولا دافع، وأنه لو أراد خيرا بأحد فلا راد لذلك الفضل غيره، فهو على المعتزلة أيضاً.

وقوله: ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ ، ونُصُب: واحد وهو تعب؛ وكذلك يقول القتبي: النُّصب والنَّصب واحد من حُزن وحَزن وهو العناء والتعب.

وقال أبو عبيدة: النَّصَب: الشر، والنُّصْب: الإعياء.

ومنهم من يقول: إن أحدهما فيما يصيب ظاهراً من جسده، والآخر فيما يصيب باطنه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ .

جائز أن يكون لما قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ دعا عند ذلك أن يكشف عنه البلايا التي مسته، كأنه قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ  ﴾ فاكشف ذلك عني ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ يدلك على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ  ﴾ دل هذا على أن قد كان منه دعاء وسؤال في كشفه الضر عنه، فاستجاب الله دعاءه، فعند ذلك قال: ﴿ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ جائز أن يكون لما ضرب برجله الأرض وركضها نبع منها عينان: إحداهما للاغتسال فيها والأخرى للشرب منها، فكانت التي للشرب منها ماؤها بارد على ما يوافق الشرب ويختار ذلك، والأخرى ماؤها ما يوافق الاغتسال وهو دونه في النزول على ما قاله أهل التأويل عامة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ وإنما السكون فيما يسكن وهو الليل والابتغاء بالنهار.

وجائز أن يكون العين واحدة إلا أنه لما اغتسل منها كان ما يوافق الشرب.

قال بعض أهل التأويل: كان به البلاء بظاهر الجسد وبباطنه: فما كان بظاهره ذهب بالاغتسال، وما كان بباطنه ذهب بالشرب، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل - لرسوله  : ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ ﴾ .

أي: اذكر صبره كيف صبر على البلاء من الله - عز وجل - بأنواع الشدائد والبلايا، فاصبر أنت إذا ابتليت بشيء من البلايا، وعلى ذلك يخرج جميع ما ذكر في هذه السورة، وأمره أن يذكرهم بالذي ابتلاهم من الشدائد أن كيف صبروا له على ذلك، ومن امتحنهم بالسعة والملك يقول: أن اذكر لهم كيف شكروا ربهم وأطاعوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ﴾ .

اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ﴾ أي: أحيا من هلك من أهله وماله، وزاد له على ذلك ضعفهم في الدنيا؛ رحمة منه وفضلا.

والحسن يقول بهذا: إنه أحياهم له بأعيانهم وزاده مثلهم معهم.

وقال بعضهم: قيل له: يا أيوب إن أهلك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال: لا، بل اتركهم في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا، ولله أن يحيي من شاء بعد ما أماته، وله أن يؤجر على ذلك ما شاء؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾ على أن كشف الضر عن أيوب وإعطاء ما أعطاه رحمة منه وفضلا ونعمة، كان له ألا يكشف الضر عنه، وألا يرد عليه أهله ولا يزيد له، وهو على المعتزلة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أعطى وردّ عليه أصلح له، وقد أخبر أنه برحمته كان ذلك له وفضل منه، ولو كان عليه حفظ الأصلح له في الدين، كان في تركه ومنعه جائرا عندهم ظالماً.

أو أن يكون منعه ذلك عنه أصلح له فأعطاه وترك الأصلح له؛ فدل أن ليس على الله حفظ الأصلح لأحد في الدين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

أي: ذكرى وعظة لمن ينتفع باللب، ليعلم أن ليس التضييق لمقت منه وسخط على من ضَيَّق عليه ولا في التوسيع رضاء منه، ولكن محنتان: يمتحن من شاء بالشدة والبلاء، ومن شاء بالسعة والرخاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ .

اختلف في السبب الذي كان من أيوب -  - الحلف بضرب امرأته، ولكن لسنا ندري ما السبب الذي حمله على الحلف بضربها، ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك السبب، غير أنا نعلم أنه كان من المحلوف عليه معنى يستوجب بذلك الضرب حيث حلف هو بالضرب وأمره الله - عز وجل - بالضرب، ثم معلوم أن غضبه وحلفه لا يحتمل أن يكون لمنفعة نفسه ولكن لله عز وجل، ثم الغضب لا يخرج الأنبياء - عليهم السلام - عن أيدي أنفسهم على من كان غضبه لنفسه.

ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ ﴾ : قال بعضهم: قضبان وأغصان، ونحو ذلك، لأيوب خاصة.

وقال بعضهم: هو له ولسائر الناس أن من حلف أن يضرب كذا خشبة أو سوطاً، فجمع قضبانا أو أغصاناً فضرب بها، برّ في يمينه، وليس في الآية أنه ضرب به مرة أو مراراً حتى يخرج به المرء عن يمينه.

ثم الأصل عندنا أن من هم بضرب آخر كان بالضارب هيئة وإبداء يعرف أنه يزيد الضرب فيحرز بالمضروب هيئته وأثره وهو السالم، فجائز أن يكون المراد به تلك الهيئة والأثر الضرب نفسه ليس في يمينه، وأن الأفضل فيها ترك الضرب والكفارة عن الحنث.

ثم أثنى الله على أيوب -  - فقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾ .

بما ابتلاه الله في نفسه وأهله وماله.

﴿ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

أي: راجع إليه - عز وجل - في جميع أحواله: في حال الشدة والبلاء، وفي حال السعة والرخاء؛ والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ﴾ ، أي: اضرب بها الأرض، وكذلك ركض دابتك إذا ضربتها برجلك حتى تسرع؛ وكذلك قال القتبي، قال: والضغث: ملء الكف من الحشيش وغيره ومن كل شيء، وأضغاث جمع.

وقال القتبي: الضغث: الحزمة من الكلأ أو من العيدان وهو قريب من الأول.

وقال: المغتسل: الماء وهو الغسول أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ .

من الحِنْث، والحنث في الأصل: الإثم أي: لا يحنث بيمينه إذا صدق فيها ووفى.

<div class="verse-tafsir"

وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ٤٧ وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ٤٨ هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ٤٩ جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ٥٠ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ ٥١ ۞ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ٥٢ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ٥٣ إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ ﴾ من ذكر من الرسل - عليهم السلام - وأهل الصفوة، أي: اذكر هؤلاء بما لقوا من أعدائهم، فتستعين [به] أنت بما تلقى من أعدائك.

أو يقول: اذكر صبر هؤلاء على قومهم؛ لتصبر أنت على أذى قومك؛ وهو قريب من الأول [، أي:].

اذكر خبر هؤلاء في العبادة والدين ليحببك ذلك ويخرجك على الجهد فيها.

أو يقول: اذكر الأسباب التي بها صار هؤلاء أهل صفوة الله ومحل إحسانه؛ ليحملك ذلك على طلب تلك الأسباب؛ لتصير من أهل صفوة الله ونحوه يحتمل.

أو يقول: اذكر هؤلاء الصالحين لتتسلى بذكرهم عن بعض أمورك، وهمومك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ ﴾ .

قيل: أولي الأيدي، أي: أولي القوة في العبادة والبصر في الدين، ثم معلوم أن هؤلاء لم يكونوا أهل قوة في أنفسهم، وإنما كانوا أهل قوة في العبادة في الدين، ليعلم أن القوة في الدين غير القوة في النفس.

وقيل: أولي القوة في طاعة الله والبصر في الحق.

وقيل: في الفقه.

وقيل: أولي الفهم في كتاب الله، وهو واحد.

وفي قوله: ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ ﴾ دلالة أن قد يفهم بذكر الأيدي غير الجارحة وبذكر البصر غير العين؛ لأنه معلوم أنه لم يرد بذكر الأيدي الجوارح، ولا بذكر الأبصار الأعين ولا فهم منه ذلك، ولكن فهم باليد القوة وبذكر البصر الفهم أو ما فهم؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ ونحوه الجارحة على ما يفهم من الخلق، ولكن القوة أو غيرها لكن كنى باليد عن القوة لما باليد يقوى، وكنى بالبصر عن درك الأشياء حقيقة لما بالبصر يدرك الأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ﴾ .

أي: شرف الدار وذكرهم صاروا مذكورين مشرفين في الدار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ .

أي: هم عندنا أهل صفوة اصطفاهم الله - عز وجل - واختارهم لنفسه ولرسالته.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ اختارهم على علم الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ ﴾ وجوهاً على ما ذكرنا: صبر هؤلاء على ما لقوا من قومهم، فتستعين أنت على الصبر مما تلقى من قومك.

أو يقول: اذكر حسن معاملة هؤلاء ربهم وحسن سيرتهم فيما بينهم وبين الخلق؛ لتعامل أنت ربك مثل معاملتهم ومثل سيرتهم.

أو يقول: اذكر هؤلاء ومن ذكر، أي أكثر عليهم بحسن الثناء واذكرهم بخير ما أثنى عليهم، وأمر الناس أن يثنوا عليهم على ما تقدم ذكره؛ ليكونوا أبداً أحياء بحسن الثناء والذكر.

أو أن يقول: اذكر هؤلاء أن كيف عاملهم الله واختارهم لرسالته وما ذكر الله، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْيَسَعَ ﴾ قال بعضهم: هو إلياس، وقال بعضهم: هو غيره، وكان ابن عم إلياس، والله أعلم.

﴿ وَذَا ٱلْكِفْلِ ﴾ اختلف فيه أيضاً: قال بعضهم: كان إلياس في أربعمائة نبي - عليهم السلام - في زمن ملك، فقتل الملك ثلاثمائة منهم فكفل رجل إلياس في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده يطعمهم ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، وكان الكفل يمنزلة من الملك فلذلك سمي: ذا الكفل؛ لأنه خبأهم وكفلهم، والله أعلم.

وقال بعضهم: سمي: ذا الكفل؛ لأنه كفل لله - عز وجل - خوفاً لله به، فسمي: ذا الكفل.

وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيّاً، ولكن كان رجلا صالحاً فكفل بعمل رجل صالح عند موته كان يصلي لله - عز وجل - كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه لسابق كفالته.

وقال بعضهم: إن نبيّاً من الأنبياء قال لقومه: أيكم يكفل بتبليغ ما بعثت به إلى الناس بعدي لأضمن له الجنة والدرجة العليا، فقال شاب: إنا نكفل التبليغ على ذلك ووفى ما كفل، فسمي: ذا الكفل لذلك، والله أعلم.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة أنه لماذا؟

وأن اليسع كان فلاناً سوى أن نعرفهم أنهم من الأخيار على ما ذكر الله عز وجل، والله أعلم.

وبعد فإن معرفة ذلك بأخبار الآحاد يوجب علم العمل ولا يوجب علم الشهادة، وليس هاهنا سوى الشهادة على الله، والترك أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ ﴾ ، أي: شرف وذكر للذي تقدم ذكرهم من الأخيار؛ لأنهم يذكرون أبداً بخير وحسن الثناء عليهم بما كان منهم من حسن السيرة والعمل، فذلك شرفهم حيث صاروا مذكورين على ألسن الناس وهم أموات.

أو أن يكون ذكر هؤلاء ذكر[ى] وعظة لمن بعدهم.

أو ذكر[ى] لك وعظة لتعرف حسن معاملة الرب لهم.

أو هذا القرآن ذكر وعظة لمن آمن به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ .

جملة الاتقاء: هو أن يتقي المهالك، أي: اتقوا جميع ما يهلككم ﴿ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ، أي: مرجع، ثم بين ووصف حسن المرجع الذي يرجعون إليه حيث قال - عز وجل -: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ .

قوله - عز وجل -: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ .

أي: مقام، يقال: عدن في مكان كذا، أي: أقام، كأنه جنات يقام فيها لا يبغون عنها حولا ولا غَيْراً على ما أخبر الله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ عَدْنٍ ﴾ الذي هو وسط الشيء كأنه ذكر أن جنة عدن كانت وسط الجنان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ ﴾ أبواب الجنة، يقال له: ادخل أي باب من أبوابها شئت على ما يقوله بعض الناس.

وجائز أن يكون أبواب كل أحد منهم في الجنة تكون مفتحة؛ لأن إغلاق الأبواب إنما يكون في الدنيا إما لخوف السرقة أو نظر الناس إلى أهله وحرمه، وخوف نظر أهله إلى الناس؛ لهذا المعنى يتخذ الأبواب في الدنيا والغلق والإغلاق دونهم، وليس ذلك المعنى في الجنة؛ لما أخبر أن أزواجهم يكن قاصرات الطرف لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يكون فيها خوف السرقة؛ لذلك كان ما ذكر.

والأشبه ألا يكون فيها أبواب؛ لما ذكرنا أن الأبواب إنما تتخذ لخوف السرقة والنظر في حرمهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كأنه وصف حال اجتماعهم؛ لأنه لذلك يدعى بالفواكه والشراب في الدنيا، وأما في حال الانفراد قلما يدعون بالشراب.

ثم فيه إخبار أنهم يدعون في الجنة بالفواكه والشراب جميعاً وفي الدنيا العرف فيهم أن أهل الشراب قلما يجمعون بين الفواكه والشراب لوجهين: إما لخوف الضرر بهم إذا جمع، أو لما لا يوجدان، وليس هذان المعنيان في الجنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ .

كأن ذكر الكثرة كناية عن أنواع الفواكه وألوان مختلفة في كل نوع، ليس بعبارة عن الكثرة من نوع واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .

أي: طرفهن يقصرنه على أزواجهن، لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يرون غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتْرَابٌ ﴾ .

قالوا: مستويات الأسنان، أراد أن يكونوا جميعاً الأزواج والزوجات على سن واحد.

أو أن يخبر أنهم جميعاً يكونون على حال واحدة لا يتغيرون ولا يهرمون، كما يكون في الدنيا بعضهم أكثر سنّاً من بعض وأضعف حالا من الآخر، ولكن لا يهرمون ولا يكبرون ولا يضعفون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

كأنه يقول لهم الملائكة: هذا ما توعدون أهل الجنة في القرآن، ثم أتاهم من الله بشارة يبقى لهم ذلك أبداً وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ ، أي: انقطاع وذهاب، نفد الشيء: إذا فني وذهب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ ٥٥ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ٥٦ هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ ٥٧ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ٥٨ هَـٰذَا فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ ٥٩ قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ٦٠ قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا فِى ٱلنَّارِ ٦١ وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ٦٢ أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ ٦٣ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّۭ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ٦٤

قوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا ثواب المتقين وجزاء تقواهم.

ثم بين جزاء الطاغين، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ .

أي: لبئس المرجع [، ثم بَيَّن] ما هو فقال - عز وجل -: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: بئسما مهدوا لأنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا جزاء الطاغين والطغيان يرجع إلى وجوه إلا أن أصله هو الذي لا يجتنب المهالك ولا يتقي، والمتقي هو الذي يتقي المهالك ويجتنبها حقيقة التقى والطغيان ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ .

كان الملائكة تقول لهم إذا أدخلوا جهنم وألقوا فيها: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ ، والحميم: هو الشراب الذي قد انتهى حره غايته ونهايته، والغساق: اختلفوا فيه: قال بعضهم: هو ما يسيل من الصديد والقيح واللحم، جعل ذلك شرابهم في النار.

وقال بعضهم: الغساق: هو الزمهرير، والزمهرير: هو البرد الذي بلغ غايته ونهايته يحرق بشدة برده، كما يحرق الحميم الذي بلغ نهايته [و] شدة حره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ .

اتفق أهل التأويل - أو أكثرهم - على أن قوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ هو العذاب كأنه يقول: وآخر من شكل ما ذكر من العذاب له.

ثم اختلفوا في ذلك العذاب الذي قالوا: ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ : قال عبد الله بن مسعود -  -: هو الزمهرير، وروي عن عن الحسن: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ : ألوان من العذاب، [و]قال بعضهم: زوج من العذاب.

ويشبه أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ أي: قوم من شكل أولئك الذين ذكرهم يقربون إلى أولئك؛ فيجمعون في العذاب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ .

أو أن يكون فوج آخر يدخلون من شكل الأولين، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ﴾ .

يقول المتبوعون للأتباع لما أدخلوا النار ورأوهم: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ﴾ أي: لا سعة بهم وهو من الرحب وهو السعة، فأجابهم الأتباع: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ﴾ .

وقال بعضهم: قالت الخزنة لمن في النار: ﴿ هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ ﴾ فيردون على الخزنة: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ ﴾ فيرد عليهم القوم الذين اقتحموا النار بعدهم: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ .

وأصل هذا: أن هذا منهم لعن، يلعن بعضهم بعضاً؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

هذا كقوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، هذا قول الأتباع للقادة والرؤساء منهم، ثم ردت القادة على الأتباع، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ  ﴾ فعلى ذلك هذه المناظرة التي ذكرت هاهنا بين القادة والأتباع.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ أي: أنتم شرعتموه لنا في الدنيا وسننتموه، ولذلك قولهم: ﴿ مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ أي: من شرع لنا هذا وسن الذي كنا عليه وأمرنا به فزده عذاباً في النار وهو كما ذكر في سورة سبأ حيث قالوا: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً  ﴾ ، والله أعلم.

قال القتبي: الغساق: ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من الصديد، يقال: غسقت عنه، أي: سالت، ويقال: هو البارد المنتن؛ وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ : من مثله، الشكل: المثل، والشكل بنصب الشين الغنج، وشكلت المرأة إذا انغنجت، والتقحم الدخول واقتحمت كلمة واحدة وهو الدخول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ .

أي: لا سعة بهم، والرحيب والرحب: الواسع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر هذا يقول في الآخرة في النار هذا؛ ليلزمهم الحجة وألا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ ؛ لأن هذه السورة مكية، نزلت [في] محاجة أهل مكة في إثبات التوحيد وإثبات الرسالة، ومنهم من ينكر البعث، ذكر الأنباء المتقدمة لإثبات الرسالة فيما تقدم، وذكر حجج البعث في هذه الآيات وحجج التوحيد في آخره، ذكر ذلك كله لهم ليلزمهم الحجة وإن أنكروا ذلك؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

ثم في هذه الآية دلالة أن عقوبة الله قد تلزم وإن لم يحقق عنده الحق ولم يعرفه حقيقة؛ حيث أخبر أنهم يقولون في النار ما ذكر - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يعلموا حقيقة أن رسول الله  وأصحابه كانوا [على حق وإلا] ما تركوا اتباعه ولا سخروا منهم؛ وعلى ذلك يخرج مباهلة أبي جهل يوم بدر حيث قال: "اللهم أينا أوصل رحما وآثر ...

كذا على ما ذكروا - نصر عليه"، ومعلوم أنه لو كان يعلم أن رسول الله  على حق لكان لا يجترئ على المباهلة دل أنه لم يعلم حقيقة أنه على حق، فعوقبوا وإن لم يعلموا لما مكن لهم من العلم والمعرفة لو تأملوا وأحسنوا النظر في ذلك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنهم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم في دينهم وهم أصحاب رسول الله  الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ويسخرون منهم، يقولون: كنا نسخر منهم في الدنيا فأين هم؟

وما لنا لا نراهم ﴿ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار ﴾ ، أي: حارت وشغلت أبصارنا فلا نراهم.

لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل، ولكن يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم والسخرية منهم قد ظهر عندهم أن أولئك كانوا على حق - أعني: رسول الله  وأصحابه - وأنهم على باطل، فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على غير التلهف والتندم، وقد عرفوا بماذا عذبوا وجعلوا في النار؟

عرفوا أنهم [لا] يكونون في النار - يعني: أصحاب رسول الله  - إذ كانوا على خلاف ما كان أولئك الكفرة [عليه]، والله أعلم.

أو أن يقولوا ذلك على الاستغاثة بهم يقولون: أين أولئك الذين كانوا اتخذناهم سخريا في الدنيا لعلهم يشفعوننا فيعينوننا يطمعون النجاة إذا اتبعوهم في ذلك الوقت أو نحو ذلك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ  ﴾ وهذا الذي ذكرنا هو أشبه مما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ﴾ .

قال بعضهم: القسم بقوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ وقع على هذا على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: هذا على التقديم والتأخير، يقول: إن ذلك الذي ذكره من إحن بعض على بعض حيث قالوا: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا  ﴾ ، وقولهم: ﴿ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ  ﴾ وما ذكر في سورة الأعراف: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ...

 ﴾ كذا و ﴿ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ  ﴾ كذا، أي: ذلك التخاصم الذي ذكر الحق، أي: كائن فيما بينهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ٦٥ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ ٦٦ قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ ٦٧ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ٦٨ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٦٩ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٧٠ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن طِينٍۢ ٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ٧٢ فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٧٣ إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٧٤ قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ٧٥ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ٧٦ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ ٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ٧٨ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٧٩ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ٨٠ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ٨١ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ٨٣ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ٨٤ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٥

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ ﴾ .

ليس عليَّ مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم إنما عليَّ الإنذار لكم فقط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ما من إله عندي دونه بإله، إنما الإله هو الواحد القهار الذي تفرد وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

يخبر عن غنائه وسلطانه يقول - والله أعلم -: تعلمون أنه رب السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به وينهاكم عنه، إنما يأمركم لحاجة نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم.

أو يقول: تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله، وإنما الإله ما ذكر فتتركون عبادته وطاعته؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

أي: لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم، فأما الله -  وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول الله  نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون؛ لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين بالتكذيب والعناد، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا؟

وفيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم، فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا، لأدركوا كله ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا، والله أعلم.

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أي: البعث والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون.

فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ...

﴾ الآية.

اختلف في الملأ الأعلى: قال عامة أهل التأويل: الملأ الأعلى هم الملائكة الذين تكلموا في آدم -  - حين قال لهم الرب - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ ، فقالوا عند ذلك: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية [البقرة: 30].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا  ﴾ كأنها ليس على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم.

ومعناه: ما كان [لي] من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إليَّ فعلمت وإنما أنا نذير مبين.

وقال بعضهم: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموثقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إليّ وأعلمني ذلك، ويذكرون أن الكفارات هو إسباغ الوضوء في المكروهات وبذل الطعام عند الضيق والشدائد ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ أي: بالجمع الأعلى وهو جمع يوم القيامة، سماه: الجمع الأعلى؛ لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعاً، أي: ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ .

في ذلك اليوم تقع الخصومات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ وهو على حقيقة الخصومة.

وجائز أن يكون الملأ الأعلى هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق؛ يقول: ما كان لي من علم بهم وما نزل بهم أوحي إليّ فعلمت بالوحي، كأنهم سألوه عن ذلك فأخبر؛ أي: كنت كواحد منكم في ذلك حتى علمت ذلك بالوحي، ألا إنما أنا نذير مبين أمرني ربي وأوحى إليّ أن أنذركم بذلك حين أعلم بالوحي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون لا على القول منه لهم، ولكن على الخبر أنه كان ما ذكر، والله أعلم.

ثم ذكر الذي خلق منه آدم على أوصاف مختلفة: مرة ذكر أنه خلق من طين، ومرة من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة كالصلصال، ومرة كالفخار، ومرة لازب وغيره على اختلاف ما ذكر؛ فجائز أن يكون كل وصف من ذلك قد كان وصف عن حال، كان تراباً، ثم صار طيناً ثم ما ذكر [و]وصف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ .

إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .

لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا نصرفه لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عز وجل -: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ  ﴾ ، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم.

ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبي السجود، خذله ووكله إلى نفسه صار كافراً؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ما هو [عليه] وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبراً أو استخفافاً - خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافراً مخذولاً حقيراً، ليكونوا أبداً على حذر وفزع إلى الله - عز وجل - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند الله وجليل منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: كان في علم الله أنه يكفر.

أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبي السجود واستكبر؛ كقوله - عز وجل - لآدم: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ أي: تصيرا من الظالمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد؛ كقوله: بيت الله ومساجد الله ورسول الله وولي الله وأشباه ذلك، وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له على التعظيم لذلك؛ فعلى ذلك يخرج إضافة خلق آدم إلى نفسه مخرج تعظيم آدم حيث قال: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ وإن كان جميع الخلائق هو خلقهم، ويخرج إضافة كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق إليه مخرج تعظيم الربّ والمدح له؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ورزاق، يخلق منشأ العالم ومبدأه، وهو على كل شيء قدير، مالك الملك، وغير ذلك على ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِيَدَيَّ ﴾ .

قد تكلف أهل الكلام والتأويل في تأويل إضافة اليد إلى الله - عز وجل -: منهم من قال: القوة، ومنهم من قال: كذا، لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد يضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة ولا عضو، نحو [ما] قال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ لم يفهم أحد بذكر اليد له ولا الخلف ما يفهم من الخلق ولا ذهابهم، وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حيث قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ و ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه، لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق ولا فهم من ذكر اليد - لما ذكرنا من الأشياء - جارحة ولا عضو، فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق إلا لفساد اعتقادهم لربهم والجهل بتعاليه عن معنى الغير، وإلا لم يخطر بباله بذكر ذلك لله أو إضافته إليه ما يخطر بباله من الخلق ومعنى الخلق.

أو أن يكون ذكر ذلك لنفسه وإضافته إليه من اليد وما ذكر؛ لِمَا باليد يكون في الشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق، نحو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ وما كسبت يداك، ونحو ذلك مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن يكسب به حقيقة ولا عمله من نحو الكفر وغير ذلك من الأشياء، لكنه ذكر لما باليد يكتسب في الشاهد وبها يعمل أكثر الأعمال والأفعال.

أو أضاف ذلك إليها لما ذكرنا وإن لم يكن منها عمل حقيقة؛ فعلى ذلك إضافة اليد إلى الله فيما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد؛ على ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق، وأصل ذلك أنا عرفنا الله - عز وجل - متعاليا عن جميع معاني الغير [و] عن كل صفات يوصف بها الغير، على ما ذكر في كتابه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: أستكبرت للحال عندما أبيت السجود له، أم كنت في اعتقادك من العالين أي المستكبرين؟

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ كُنتَ ﴾ : أم صرت من العالين، أي: استكبرت وصرت من العالين على ما في قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: صار من الكافرين.

ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع كأنه قال: بلى كنت في [علم] الله أنك تكفر.

أو يقول: صرت من العالين، أي: ممن يطلب العلو؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .

ظن إبليس - عليه لعنة الله - أن النار لما كان من طبعها الارتفاع والعلو ومن طبع الطين التسفل والانحدار أن الذي طبعه الارتفاع والعلو خير من الذي طبعه التسفل والانحدار؛ لذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .

أو لما رأى أن إصلاح الأشياء كلها ونضجها بالنار فقال [هذا] عند ذلك.

لكن لو نظر الملعون وحقق النظر، لعلم أن الطين خير من النار؛ لأنه من الأرض، والأرض كالأصل والأم لغيرها؛ لأن الأشياء يكون صلاحها ونضجها بالنار [و] أول بدئها من الأرض، كالابن من الأم الوالدة على ما ذكرنا، والله الموفق.

ثم كفره بإبائه السجود له لما لم ير أمر الله له بسجود من هو خير وأعلى لمن دونه حكمة وحقّاً، فكفر لما رأى أنه وضع الأمر في غير موضع الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .

قال بعضهم: أي: اخرج من الجنة.

وقال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.

وقال بعضهم: أي: اخرج من الأرض إلى جزيرة البحر، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نتكلف القطع على القول فيه: أن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين أنه بماذا أمره بالخروج منها.

ثم ذكر مرة ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا  ﴾ ونحو ذلك من الألفاظ المختلفة؛ وكذلك ما ذكر مرة قال: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ و ﴿ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ  ﴾ ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة، فذلك كله يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على اختلاف الألفاظ مكررة معادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

أي: لعين، كأنه قال: فإنّك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

كانت اللعنة عليه إلى يوم الدين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه؛ لما علم أنه لا يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبداً، وإلا كان عليه لعنته في الدنيا والآخرة: فأما في الدنيا ما ذكرنا من خذلانه وتركه في العمر، وأما في الآخرة مطرود عن جنته، والله أعلم.

ثم سأل ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون فأجاب حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴾ وإنما أنظره - والله أعلم - لأنه يختار الكفر والخلاف له أبداً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

هو يوم اختلف فيه: [قال بعضهم:] ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو يوم البعث، إلى ذلك أنظره على ما سبق منه السؤال على النظرة إلى يوم البعث حيث قال: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو النفخة الأولى.

وقال بعضهم: لم يبين له ذلك الوقت؛ ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الوقت، ولكنه يأمن فدل خوفه أنه لم يبين له ذلك وهو معلوم عند الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان أن تغويهم إلا من كان في علمه أنه يختار الغواية ويؤثر اتباعه؛ فيكون له عليهم سلطان الإغواء، فأما من كان في علم الله أنه يختار الإيمان والتوحيد، فلا سبيل لك عليهم، والله أعلم.

ثم قال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ للتوحيد، فإن كان ذلك فيكون قوله  : ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ يكون كفرا.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من الهلاك، فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ ، أي: لأهلكنهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من كل ذنب وكل معصية، لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله [أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ .

قرئ بنصبهما جميعاً: ﴿ فالحقَّ والحق أقول ﴾ ، وقد قرئ أيضاً برفع الأول ونصب الثاني: ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ ﴾ .

فمن قرأه بالرفع فيكون معناه - والله أعلم - ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ أي: مني يكون الحق على هذا.

ومن قرأه على النصب فهو على التأكيد؛ تأكيداً على ما ذكر على أثره كأنه يقول: أقول الحق الحق، وهو يقول: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

ثم جائز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة فيقال لهم: أراد الله  أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره الذي أخبر أنه كان يكون، أو لم يرد أن ينجز ما وعد وألا يخرج خبره على الصدق.

فإن قالوا: لم يرد، أعظموا القول؛ لأنهم زعموا أنه أراد أن يخلف ما وعد، وأن يكذب في خبره، فذلك عظيم القول حيث وصفوا ربهم بالسفه؛ لأن من أراد أن يخلف وعده وأن يكذب في خبره، فهو سفيه على زعم من قال ذلك.

وإن قالوا: أراد أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره، فيقال لهم: أراد أن يتبعوا إبليس، أو أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوه؟

فإن قالوا: أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوا إبليس، فيقال: أراد أن يجور ويظلم على زعمكم، لأنه أراد أن يملأ جهنم ولم يرد ما يستوجبون ذلك؛ فدل على أن الله  علم أنه يكون منهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۢ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ٨٦ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ٨٧ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ٨٨

قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: لا أسألكم على ما أدعوكم من الشرف والذكر في الدنيا والآخرة من أجر، ولا أجد في الشاهد من يبذل للآخر من الشرف أو الذكر ولا يعطيه ذلك إلا بأجر، فكيف تتركون اتباعي ولا تقبلون ذلك مني؟!

أو يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وذلك الغرم عن إجابتي؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ أي: لست تسألهم أجراً حتى يمنعهم ثقل ذلك الغرم عن الإجابة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: وما أنا ممن تكلف ذلك من تلقاء نفسي، ولا أمرتكم بما آمركم إلا بالوحي، والمتكلف عند الناس في الظاهر: هو الذي يفعل ويقول بلا إذن.

وقال أبو عوسجة: المتكلف: هو الذي يتكلف ما لا يعنيه ويفعل ما لم يؤمر به.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ ، أي: ما أنا من المتحملين مما حملتم إذا خالفتموني، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ما هذا القرآن وهذا النبأ إلا عظة وذكر لمن انتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ﴾ .

يحتمل نبأ القرآن.

ويحتمل البعث والحساب، أي: يعلمون أن ذلك حق بعد حين.

ثم ذكر - عز وجل - في جهنم أنه يملؤها ولم يذكر في الجنة أنه يملؤها، فجائز أن يكون ما ذكر من الملء هو أن يضيقها عليهم، وفي التضييق زيادة في الألم.

أو أن يكون في سعة الجنة حكمة ولا يكون ذلك في جهنم؛ لأن السعة تطلب للنزهة والانتشار في البساتين وغير ذلك وليس ذلك في جهنم، والله أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله