تفسير سورة النساء الآيات ٧٨-٧٩ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآيات ٧٨-٧٩

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا ٧٨ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا ٧٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

قيل: لما استشهد من استشهد يوم أحد، قال المنافقون: لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

ويحتمل: أن يكون جواباً لما سبق من القول قولهم: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ يقول: من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة، قاتل أو لم يقاتل؛ كقوله -  -: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ...

 ﴾ الآية.

ويحتمل: أن يكون قوله -  -: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ : إذا كان الموت نازلا بكم لا محالة فالقتل أنفع لكم؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب الجزيل، ولا يكون ذلك لكم إذا متم حتف أنفكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

قال الفراء: المُشَيَّد والمَشِيد واحد، غير أن المُشَيَّد - بالتشديد - فيما يكثر الفعل، والمَشِيد فيما لا يكثر الفعل.

وقيل: المُشَيَّد: هو المجصَّص، والشيد هو الجِصّ.

وقال بعضهم: ﴿ بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ \[أي\]: حصينة.

وقيل: قصور محصنة طوال.

وقوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ معلوم أنهم لم يريدوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدين وسيئة في دينهم، ولكن إنما أرادوا بالحسنة والسيئة في الدنيا من المنافع والبلايا والشدائد؛ وذلك أنهم [ما كانوا يحزنون] لما يصيبهم من السيئة في الدين، ولا كانوا يفرحون بالحسنة والخير في الدين، ولكن فرحهم بما كانوا يصيبون في الدنيا من الخصب والسعة، وحزنهم بما يصيبهم من الضيق والشدة، وكانوا يتطيرون برسول الله  ، وهكذا كان دأب الكفرة من قبل، كانوا يتطيرون بالأنبياء والرسل - عليهم السلام - كقوله - عز وجل - إخباراً عن قوم موسى  : ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ  ﴾ ، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ ؛ تطيراً منهم برسول الله  ؛ فقال -  -: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: بتقديره كان وقضائه، فضلا؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ وجزاءً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ أي: ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنيعهم برسل الله صلى الله عليهم وسلم وتكذيبهم إياهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ أي: لا يفقهون ما لهم وما عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ وروي في حرف ابن مسعود -  - قال: "وأنا قدرتها عليك".

يحتمل: أن يكون قوله -  -: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ يرجع إلى ما ذكرت من السعة والعافية ونحوها ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ من البلاء، والشدة ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي: من جناية نفسك؛ جزاء.

وفي الأول قال: ﴿ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ في ذلك بعينه بحق الجزاء، وفي الثاني: ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ بحق الجناية على الآية التي ذكرت من قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ويحتمل: أن تكون الآية الأولى في أمر الدنيا، والأخرى في أمر الدين؛ إذ اختلفت الإضافة في هذه واتفقت في الأولى؛ إذ الأولى على ما عليه أمر المحنة من قوله -  -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ، جعل الله -  - بمختلف أحوال للعباد لا منفع لهم في ذلك، وكذلك قوله -  -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...

﴾ الآية [الأنعام: 17]، وقوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ...

﴾ الآية [الرعد: 26].

والثانية: في حق الأفعال، فيضاف إلى الله ما صلح منها؛ شكراً وحمداً بما أنعم الله عليه، وذلك قوله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ...

﴾ الآية [الحجرات: 7]، وغير ذلك؛ فيضاف إليه بما منه في ذلك من الفضل والنعمة؛ شكراً، والثاني في زله وضلاله لا تجوز الإضافة إليه لما شبه الاعتذار، ولا عذر لأحد في ذلك، ويقبح في الإضافة، وذلك نحو القول بأنه: رب السماوات والأرض، ولا يقال: هو رب الخنازير والأقذار، ونحو ذلك؛ لما يقبح في السمع، وإن كان من حيث الخلق والتقدير واحداً، فمثله أمر الأفعال، والله الموفق.

ونفي الإضافة عنه لا يدل على نفي أن يكون خلقه؛ لما بينا من الأشياء؛ الإضافة إليه كالتخصيص، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا إله الأقذار والخبائث، ويا رب الشرور والمصائب، وإن كان كل ذلك داخلا في أسماء الجملة، ومحقق منه تقديرها وخلقها، وكذلك الفواحش والكبائر، والله أعلم.

والثاني: الخيرات والأعمال الزاكية قد تضاف إليه، لا من وجه التخليق عند الجميع، بل عندنا: من جهة الإفضال بالتوفيق والإنشاء، وعند المعتزلة: من جهة الأمر والترغيب؛ فعلى ذلك نفي الإضافة فيما لم يضف إليه لهذا، وأيدَتْ هذا قراءة عبد الله [بن مسعود -  -:] "وأنا قدرتها عليك".

فإن قال قائل: ذلك لا يقع على الأفعال؛ لقوله ﴿ مَّآ أَصَابَكَ ﴾ ، ولو كان عليها كان يقول: ما أصبت، ثم كان له جوابان: أحدهما: أن الإجابة اسم مشترك، ما يصيبه هو يصيب ذلك، فسواء لو أضيف إليه أو أضيف هو إليه، والله أعلم.

والثاني: أن ذلك يخرج [مخرج] الجزاء أيضاً إذا كان على ما يقوله؛ فيكون على ما يصيبه من جزاء حسنة أو سيئة، وإذ لم يجعل لله في حسنه فضلا لم يحتمل الإضافة إليه مع ما قد بينا من إضافات أعمال الخير إليه، ودفع الشر لما ليس في فعله من الله إفضال عليه به إنعام، وكان في فعل الخير ذلك، لا بالأمر والنهي؛ إذ هما يستويان في كل واحد، والله أعلم.

ثم أوضح ذلك خبر عبد الله، فطعنه قوم لمخالفة المصحف المعروف، قلنا: ليس بذي خلاف، إنما هو بيان المطلق، وقد يقبل خبر الآحاد في مثله، والله أعلم.

وقيل: خبر عبد الله من خبر الآحاد، ولعله ليس قبل مصحفه [كلمة] تروى عنه العامة لا تحتمل التبديل، وأما خبره عن رسول الله  ؛ إذ لا يجوز اختراع القراءة مرفوع، وخبر الفرد فيه يقبل، فيما لا خلاف فيه، وإن كان فيه تأويل الظاهر، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ .

قيل في حرف حفصة: "وأرسلناك إلى الناس رسولا"، ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

قيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ \[أي\]: بأنك رسول الله.

وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ على ما يضمرون في قلوبهم.

وقيل: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ وجوه: أحدها: إن جحدوا تبليغك في الدنيا، أو يقولوا: لم تعلم رسالتك.

والثاني: أن يكون بالآيات التي جعلها الله -  - لرسالتك تحقق، وشهادة الله لك بالرسالة [شهيداً] لك، أو مبيناً، أو حجة.

والثالث: أن يكون جعل علم الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وتبليغهم الخبر إليهم شهادته وكفى به شهيدا على ما أضاف بيعه الرسول  إليه، ونصر أوليائه إليه، قال الله -  -: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ .

ويحتمل: شهيداً مبيناً، أو حكماً مبيناً، فمعناه: فيبين لهم بالمعاينة ما كان بينه بالدلالة والآيات، وحكماً فاصلا بين المحق والمبطل؛ فيخرج الوجهان جميعاً مخرج الإعراض عن المحاجة بما ظهر من العناد والمكابرة، وتفويض الأمر إلى الله وإخبار عن الفراغ مما كان عليه فيهم من حق البلاغ، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر