الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآية ٧٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ...
﴾ الآية.
اختلف فيه؛ قيل: نزلت الآية في بني إسرائيل، وهي الآية التي ذكرها الله - - في سورة البقرة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ .
وقيل: إنها نزلت في المؤمنين من أصحاب رسول الله استأذنوا رسول الله في قتال كفار مكة سرّاً؛ لكثرة ما يلقون من الأذى منهم؛ فنزل قوله - -: ﴿ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ أي: لم أؤمر بالقتال، فنهاهم عن ذلك، فلما كتب عليهم القتال وأمروا به كرهوا ذلك؛ فدل قوله - -: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وقيل: إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يقاتلون مع النبي، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ أي: يخشون الناس - يعني المنافقين - كخشية المؤمنين الله أو أشد خشية؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً ﴾ .
وإن كانت في المؤمنين؛ فتأويله: يخشون الناس في القتال كخشية الله في الموت أو أشد خشية؛ لأنه أهيب وأسرع نفاذاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ...
﴾ الآية.
تكلموا في ذلك: فمنهم من جعله خبراً عن أمر بني إسرائيل الذين قالوا لنبي لهم: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً...
﴾ الآية، أنهم إذا أمروا بالكف عن مقاتلته تمنوا الإذن في ذلك، وسألوا نبيهم - - عن ذلك، ثم فيهم من أعرض عن الطاعة، وقد كان أهل الإيمان يتمنون الإذن في ذلك؛ كقوله - -: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ فوعظوا بمن ذكرت؛ ليقبلوا العافية، ولا يتمنوا محنة فيها شدّة، فيبعثهم على ما بعث أولئك.
وروي عن رسول الله أنه قال: "لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ العَافِيَةَ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَشوروا فِي وُجُوهِهِمْ" أو كان في علم الله - وتعالى - أن يأمرهم، فَأُخْبِرُوا بالذين قتلوا وحل بهم؛ لئلا يفعلوا مثل فعلهم، والله أعلم.
وخشيتهم كخشية الله؛ كقوله - -: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ...
﴾ إلى تمام القصة.
وقد قيل: الآية نزلت فيما سألوا رسول الله فأجيبوا في ذلك، ثم خاطبهم الذي ذكر.
لكن اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: كان ذلك في المصدقين؛ لكن اشتد عليهم الأمر، وذلك [نحو] ما كان منهم يوم حنين وأحد [ونحو ذلك]، حتى أغاثهم الله - - وفرج عنهم بِمنَّه، وعلى ذلك قوله - -: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي: ما فيه الموت من الجهاد، وعلى ذلك: ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ، فلما عاينوا السبب الذي فيه هلاكهم، وتبلغ عند ذلك الخشية غايتها؛ نحو قرب الموت وشدة المرض؛ يكون المرء يخشى منه الموت ما لا يخشى لولا تلك الحال؛ لأنه يرى الموت من المرض، وإن كان الذي يظهر عليه من خشية الموت في تلك الحال أشد، فهو - في الحقيقة - خشية من الله - - أن يكون جعل ذلك سبب الموت، وأنه حضره وقرب منه؛ فيكون في ظاهر الأمر كمن يخشى من تلك الأحوال، وقد جعل لما جبل عليه الخلق في مثله معروف مثله؛ أعني: أن المريض [عند الموت لما يغلب] عليه الإياس من حياته، وإن كان الذي يصيبه يستوي عليه أحواله، فعلى ذلك أمر الأول.
وعلى ذلك فيما طبع عليه الخلق من طمأنينة القلب عند ملك أسباب الرزق والقدرة عليه ما لم يكن في غيرها، وإن كان من حيث قدرة الله - - واحد؛ فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية، لا اختيارية، أو سخط بحكم الرب، وهو كالذي جاء في قوله - -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...
﴾ الآية: [البقرة: 216].
وقوله - على ذلك -: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ...
﴾ الآية، يحتمل وجهين: أحدهما: الخبر عما في طباعهم، كما قال - عز وجل - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...
﴾ الآية [البقرة : 216]، وقال [النبي] : "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ" وإنما ذلك على الطبع فذلك الطبع كالسائل عن ذلك، وربما يضيفون القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر فيما علم أنهم يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو، ولا يملكون أنفسهم في ذلك الوقت؛ فأخبر الله - عز وجل - أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع بالدنيا، ولو صوروا متاع الآخرة في قلوبهم لذهب عنهم ذلك، ويثبتون للعدو، ولا يبالون للعدو بما يحل بهم، ولا يخشون لذلك، وكأنه وعد لهم أن متاع الآخرة لكم على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم، وما وعد لكم عليه خير من متاع الدنيا.
وأيضاً: أن يقال: إن هذا وإن عظم هوله على الطبع، فإنه إذا كان لله بحق العبادة لهو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر؛ إذ يريهم الله متاع الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة؛ فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت فهو خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت، ولا ذلك منه، كما قيل في تأويل قوله : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" إن المؤمن يرى ما له من الكرامة؛ فيحب الموت أن يعجل به؛ ليصل إلى ذلك، والكافر يرى سخطه فيكرهه، وعلى هذا تأويل القول في الدنيا أنها: "سِجْنُ المُؤْمِن وَجَنَّة الْكَافِرِ" أن تكون كذلك في ذلك الوقت، والله أعلم.
وتأويل آخر: أن تكون الآية في المنافقين: أنه يظهر عليهم النفاق وقت المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات، قال الله - -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ...
﴾ الآية [محمد: 20]، بين ما نزل بالمنافقين، وكذلك قوله - -: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ...
﴾ - والله أعلم - فيمن نزلت الآية، لكنها معلوم أن فيها ترغيباً فيما عند الله، وتزهيداً في الدنيا، ودعاء إلى الرضا بحكم الله - - فيما خف وثقل، والله المستعان.
وعلى التأويل الآخر: جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين، مذكور ذلك في الآيات التي ذكرتها، وفيهم قال الله - -: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 16]، وغير ذلك مما دل على إنكارهم، وفضل خوفهم في ذلك، والله أعلم.
فإن قال قائل: كيف قال الله - -: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ وقد هلك به أكثر البشر؟
قيل: قد يخرج على وجوه - والله أعلم -: أحدها: أنه يضعف كيده على من تعوَّذ بالله - - كقوله - -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ...
﴾ الآية [الأعراف: 200]، وإنما يقوى على من جنح له، ومال إلى ما دعاه إليه؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ...
﴾ الآية إلى قوله - -: ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ .
والثاني: أن يكون ضعيفاً على المقبل على ربه، والذاكر له في أحواله، والمفوض أمره إلى ربه، فأما من تولاه وأقبل على إشارته فهو الذي جعل له السلطان على نفسه بما آثره في شهواته، ومال به هواه، وهو كقوله - -: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [النحل: 99]، وقد سماه الله - -: ﴿ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ﴾ ، بما يخنس بذكر الله - - ويوسوس عند الغفلة عن الله، فكان سلطانه به، والله الموفق.
والثالث: أنه لا يملك الجبر والقهر ولا اكتساب الضرر في الأبدان والأموال، فهو ضعيف، والله أعلم.
والرابع - والله أعلم -: أن يكون كان ضعيفا، أي: صار ضعيفا عند نصر الله ومعونته، والله أعلم.
ويحتمل: كان ضعيفا لو ظهر، حتى يعلم أنه شيطان، لكن قوي بما لا يعلم المغرور أنه كيده وتغريره، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ ﴾ .
قيل: في حرف حفصة: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية الله" كأن في الآية إضماراً، يبين ذلك حرف حفصة، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى يكون قوله - -: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ...
﴾ الآية - جواباً له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ...
﴾ فإن كانت الآية في المنافقين، فهو على الإنكار قالوا ذلك، وإن كانت في المؤمنين فهو يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال عليهم؛ طلبوا أي حكمة في فرض القتال علينا؟
وقد تطلب الحكمة في الأشياء، ولا عيب يدخل في ذلك، وأصله: أن كل آمر - في الظاهر - من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر؛ فيخرج سؤاله مخرج الخضوع والتضرع له، ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال، فهو يخرج على الأمر والنهي، وهو الأمر الظاهر في الناس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: إنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها، إنما خلقناكم للآخرة وللمقام فيها، فلو خلقتكم للدنيا ثم كتبت عليكم القتال - لكان ذلك عبثاً خارجاً عن الحكمة، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها.
ويحتمل قوله - -: ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ وقوله - -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ...
﴾ إلى آخره، أن لم يقولوا ذلك قولا، ولكن كان ذلك خطراً في قلوبهم، فأخبرهم نبي الله عما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - - ليدلهم على نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ فنموت حتف أنفنا ولا نقتل، قتلا؛ فَيُسَرٌّ بذلك الأعداء؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وفي القتل فتنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا، ولكن إنما خلقوا لمتاع الآخرة.
والثاني: أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة، كقوله - وتعالى -: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ لأن متاع الآخرة دائم غير منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"