الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٧٧ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 147 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام - وهم بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النصب ، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم ، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين ، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة ، منها : قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض ، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا .
فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة ، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار ، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) أي : لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى ، فإن فيه سفك الدماء ، ويتم الأبناء ، وتأيم النساء ، وهذه الآية في معنى قوله تعالى ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال [ رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ] ) [ محمد : 20 ، 21 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة قالا حدثنا علي بن الحسن ، عن الحسين بن واقد ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فقالوا : يا نبي الله ، كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة : قال : " إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم " .
فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال ، فكفوا .
فأنزل الله : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم [ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ] ) الآية .
ورواه النسائي ، والحاكم ، وابن مردويه ، من حديث علي بن الحسن بن شقيق ، به .
وقال أسباط ، عن السدي : لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة ، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال ، فلما كتب عليهم القتال : ( إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) وهو الموت ، قال الله تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) وعن مجاهد : إن هذه الآيات نزلت في اليهود .
رواه ابن جرير .
وقوله : ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) أي : آخرة المتقي خير من دنياه .
( ولا تظلمون فتيلا ) أي : من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء .
وهذه تسلية لهم عن الدنيا .
وترغيب لهم في الآخرة ، وتحريض لهم على الجهاد .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن زيد ، عن قال : قرأ الحسن : ( قل متاع الدنيا قليل ) قال : رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك ، ما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة ، فرأى في منامه بعض ما يحب ، ثم انتبه .
وقال ابن معين : كان أبو مسهر ينشد : ولا خير في لمن لم يكن له من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها متاع قليل والزوال قريب
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يُفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه.
* * * فتأويل قوله: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم "، ألم تر بقلبك، يا محمد، فتعلم (13) =" إلى الذين قيل لهم "، من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال =" كفوا أيديكم "، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم =" وأقيموا الصلاة "، يقول: وأدُّوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها (14) =" وآتوا الزكاة "، يقول: وأعطوا الزكاة أهلها الذين جعلها الله لهم من أموالكم، تطهيرًا لأبدانكم وأموالكم (15) = كرهوا ما أمروا به من كف الأيدي عن قتال المشركين وشق ذلك عليهم =" فلما كتب عليهم القتال "، يقول: فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم (16) =" إذا فريق منهم "، يعني: جماعة منهم (17) =" يخشون الناس "، يقول: يخافون الناس أن يقاتلوهم =" كخشية الله أو أشد خشية "، أو أشد خوفًا (18) = وقالوا جزعًا من القنال الذي فرض الله عليهم: " لم كتبت علينا القتال "، لم فرضت علينا القتال؟
ركونًا منهم إلى الدنيا، وإيثارًا للدعة فيها والخفض، (19) على مكروه لقاء العدوّ ومشقة حربهم وقتالهم =" لولا أخرتنا "، يخبر عنهم، قالوا: هلا أخرتنا =" إلى أجل قريب "، يعني: إلى أن يموتوا على فُرُشهم وفي منازلهم.
(20) .
* * * وبنحو الذي قلنا إنّ هذه الآية نـزلت فيه، قال أهل التأويل.
ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله.
9951 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي قال، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلة!
فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا.
فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنـزل الله تبارك وتعالى: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم "، الآية (21) .
9952 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم "، عن الناس =" فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم "، نـزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم = قال: ابن جريج وقوله: " وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب "، قال: إلى أن نموت موتًا، هو " الأجل القريب ".
9953 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة "، فقرأ حتى بلغ: " إلى أجل قريب "، قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرَّعوا إلى القتال، فقالوا لنبي الله صلى &; 8-550 &; الله عليه وسلم: ذَرْنا نتَّخذ مَعَاول فنقاتل بها المشركين بمكة!
فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: لم أؤمر بذلك.
فلما كانت الهجرة، وأُمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا .
9954 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة "، قال: هم قوم أسلموا قبل أن يُفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال =" فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية " الآية، إلى " إلى أجل قريبٍ" (22) وهو الموت، قال الله: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى .
* * * وقال آخرون: نـزلت هذه وآيات بعدها، في اليهود.
*ذكر من قال ذلك: 9955 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " إلى قوله: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ، ما بين ذلك في اليهود.
9956 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم " إلى قوله: " لم كتبت علينا القتال "، نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.
* * * القول في تأويل قوله : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا (77) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " قل متاع الدنيا قليل "، قل، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين قالوا: رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ = : عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية وما فيها فانٍ (23) =" والآخرة خير "، يعني: ونعيم الآخرة خير، لأنها باقية ونعيمها باق دائم.
وإنما قيل: " والآخرة خير "، ومعنى الكلام ما وصفت، من أنه معنيٌّ به نعيمها - لدلالة ذكر " الآخرة " بالذي ذكرت به، على المعنى المراد منه =" لمن اتقى "، يعني: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك =" ولا تظلمون فتيلا "، يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا.
* * * وقد بينا معنى: " الفتيل "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته ههنا.
(24) ------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير: "ألم تر" فيما سلف: 426 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.
(14) انظر تفسير: "إقامة الصلاة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم).
(15) انظر تفسير"إيتاء الزكاة" فيما سلف من فهارس اللغة"أتى""زكا".
(16) انظر تفسير"كتب" فيما سلف 525 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(17) انظر تفسير"فريق" سلف 2: 244 ، 245 ، 402 / 3: 549 / 6: 535.
(18) انظر تفسير"الخشية" فيما سلف 1: 599 ، 560 / 2: 239 ، 243.
(19) في المطبوعة: "وإيثارًا للدعة فيها والحفظ عن مكروه" ، وفي المخطوطة: "والحفظ على مكروه" ، وكلاهما خطأ فاسد ، والصواب: "والخفض" وهو لين العيش ، وأما قوله: "على مكروه لقاء العدو" فهو متعلق بقوله: "وإيثار للدعة ...
على مكروه ...".
(20) انظر تفسير"الأجل" فيما سلف 5: 7 / 6: 43 ، 76.
(21) الأثر: 9951 -"محمد بن علي بن الحسن بن شقيق" مضى برقم: 1591 ، 2575 ، 2594.
وأبوه: "علي بن الحسن بن شقيق بن دينار" مضى برقم: 1909.
وكان في المطبوعة: "...
بن الحسين بن شقيق" ، وهو خطأ.
وهذا الخبر ، رواه الحاكم في المستدرك 2: 307 مع اختلاف في لفظه ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في السنن 9: 11 ، ورواه ابن كثير في تفسيره 2: 514 ، من طريق ابن أبي حاتم ، وخرجه في الدر المنثور 2: 184 ، ونسبه إلى هؤلاء وزاد نسبته إلى النسائي.
(22) في المطبوعة والمخطوطة: "الآية إلى أجل قريب" ، والسياق يقتضي"إلى" الثانية.
(23) انظر تفسير"المتاع" فيما سلف 1: 539 ، 540 / 3: 55 / 5: 262 / 6: 258.
(24) انظر ما سلف: 456 - 460.
قوله تعالى : ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا نبي الله ، كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ؟
فقال : إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم .
فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا ، فنزلت الآية .
أخرجه النسائي في سننه ، وقاله الكلبي .
وقال مجاهد : هم يهود .
قال الحسن : هي في المؤمنين ؛ لقوله : يخشون الناس أي مشركي مكة كخشية الله فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة .
قال السدي : هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه .
وقيل : هو وصف للمنافقين ؛ والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله .
أو أشد خشية أي عندهم وفي اعتقادهم .قلت : وهذا أشبه بسياق الآية ، لقوله : وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب أي هلا ، ولا يليها إلا الفعل .
ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم [ ص: 243 ] يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين ، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة ، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم .
اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه ، ولا انشرح بالإسلام جنانه ، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص ، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة .
والله أعلم .قوله تعالى : قل متاع الدنيا قليل ابتداء وخبر .
وكذا والآخرة خير لمن اتقى أي المعاصي ؛ وقد مضى القول في هذا في " البقرة " ومتاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها وسماه قليلا لأنه لا بقاء له .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الدنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة ثم راح وتركها وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " مستوفى .
كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد: منها: أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم؛ ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل.
ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحِكَم.
وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } فلما هاجروا إلى المدينة وقوي الإسلام، كُتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك خوفا من الناس وضعفا وخورا: { رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } ؟
وفي هذا تضجرهم واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا: { لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي: هلَّا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر.
ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال: { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } أي: التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها؛ لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها -كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه- \"أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" .
ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } وقال الله على لسان نبيه: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" .
وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.
وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه، ولهذا قال: { وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } أي: اتقى الشرك، وسائر المحرمات.
{ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } أي: فسعيكم للدار الآخرة ستجدونه كاملاً موفرًا غير منقوص منه شيئًا.
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) الآية ، قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وقدامة بن مظعون الجمحي ، وسعد بن أبي وقاص ، وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل أن يهاجروا ، ويقولون : يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا ، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم " .
( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم ، قال الله تعالى : ( فلما كتب ) فرض ، ( عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ) يعني : يخشون مشركي مكة ، ( كخشية الله ) أي : كخشيتهم من الله ، ( أو أشد ) أكثر ، ( خشية ) وقيل : معناه وأشد خشية ، ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ) الجهاد ( لولا ) هلا ( أخرتنا إلى أجل قريب ) يعني : الموت أي : هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا؟
.
واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك ، قيل : قاله قوم من المنافقين لأن قوله : ( لم كتبت علينا القتال ) لا يليق بالمؤمنين .
وقيل : قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفا وجبنا لا اعتقادا ، ثم تابوا ، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان .
وقيل : هم قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد ، ( قل ) يا محمد ، ( متاع الدنيا ) أي : منفعتها والاستمتاع بها ( قليل والآخرة ) أي : وثواب الآخرة خير وأفضل ، ( لمن اتقى ) الشرك ومعصية الرسول ، ( ولا تظلمون فتيلا ) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وحمزة والكسائي بالياء والباقون تظلمون بالتاء .
أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن معاوية الصيدلاني ، أخبرنا الأصم ، أنا عبد الله بن محمد بن شاكر ، أنا محمد بن بشر العبدي ، أنا مسعر بن كدام عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم ، حدثني المستورد بن شداد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع " .
«ألم تر إلى الذين قيل لهم كفُّوا أيديكم» عن قتال الكفار لما طلبوه بمكة لأذى الكفار لهم وهم جماعة من الصحابة «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كُتب» فرض «عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون» يخافون «الناس» الكفار، أي عذابهم بالقتل «كَخَشْيَتـ» ـهم عذاب «الله أو أشدَّ خشية» من خشيتهم له ونصب أشد على الحال وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي فاجأتهم الخشية «وقالوا» جزعا من الموت «ربَنا لم كتبت علينا القتال لولا» هلاّ «أخَّرتنا إلى أجل قريب قل» لهم «متاعُ الدنيا» ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها «قليل» آيل إلى الفناء «والآخرة» أي الجنة «خير لمن اتقى» عقاب الله بترك معصيته «ولا تُظلمون» بالتاء والياء تنقصون من أعمالكم «فتيلا» قدر قشرة النواة فجاهدوا.
ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين، وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة، فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد، ويعلنون عما اعتراهم من شدة الخوف، فيقولون: ربنا لِمَ أَوْجَبْتَ علينا القتال؟
هلا أمهلتنا إلى وقت قريب، رغبة منهم في متاع الحياة الدنيا، قل لهم -أيها الرسول-: متاع الدنيا قليل، والآخرة وما فيها أعظم وأبقى لمن اتقى، فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه.، لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة.
والإِستفهام فى قوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَ ) للتعجيب من حال أولئك الذين كانوا يظهرون التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه .وقوله ( كفوا أَيْدِيَكُمْ ) من الكف بمعنى الامتناع أى : امتنعوا عن مباشرة القتال إلى أن تؤمروا به .والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر بعين الدهشة والغرابة إلى حال أولئك الذين كانوا يظهرون شدة الحماسة للقتال ، فقيل لهم ( كفوا أَيْدِيَكُمْ ) أى : عن القتال لأنكم لم تؤمروا به بعد ( وَأَقِيمُواْ الصلاة ) فإن الصلاة تخلص النفس من أدران المآثم ، وتجعلها تتجه إلى الله وحده ( وَآتُواْ الزكاة ) فإن الزكاة تظهر النفوس من الشح والبخل ، وتربط بين الناس برباط المحبة والتعاون .ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال : ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) .أى : فحين فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت للمسلمين دولة بالمدينة ، حين حدث ذلك ، إذا فريق منهم - وهم الذين قل إيمانهم ، وضعف يقينهم ، وارتابت قلوبهم - ( يَخْشَوْنَ الناس ) أى يخافونهم خوفا شديدا ( كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) أى : يخافون من الكفار أن يقتلوهم كما يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه ، أو أشد من ذلك .فالمراد بالناس فى قوله ( يَخْشَوْنَ الناس ) أولئك الأعداء الذين كتب الله على المؤمنين قتالهم .وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله ( الناس ) زيادة فى توبيخ أولئك الذين خافوا منهم هذا الخوف الشديد ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا ، لاستقبلوا ما فرضه الله عليهم بالسمع والطاعة ، ولما خافوا هذا الخوف الشديد من أناس مثلهم .وقوله ( كَخَشْيَةِ الله ) مفعول مطلق ، أي يخشونهم خشية كخشية الله .وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم ، ولفساد تفكيرهم ، حيث جعلوا خشيتهم للناس فى مقابل خشيتهم لله ، الذى يجب أن تكون خشيته - سبحانه - فوق كل خشية .وقوله ( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) معطوف على ما قبله .
وأشد حال من خشية لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا .وفى هذه الجملة الكريمة زيادة فى توبيخهم وذمهم؛ وترق فى توضيح حالتهم القبيحة ، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل ان يجعل خشيته للناس كخشيته لله ، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته لله - تعالى - .قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل : ظاهر ( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) يوهم الشك .
وذلك على علام الغيوب محال .
أجيب بأن ( أَوْ ) بمعنى بل .
أو هى للتنويع .
على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها أو هى للإِبهام على السامع .
على معنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة .وهو قريب مما فى قوله - تعالى - : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) يعنى أن من يبصرهم يقول : أنهم مائة ألف أو يزيدون .ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال فقال : ( وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) .أى : أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما كتب عليهم القتال وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم : يا ربنا لم كتبت علينا القتال فى هذا الوقت ( لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) أى : هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال معها عند حضور آجالنا ، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف .وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير .
إنهم قبل أن يفرض القتال يظهرون التحمس له ، والتشوق لخوض معا معه ، فإذا ما فرض عليهم القتال فزعوا وارتعدوا وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع .ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين فى كل وقت ، إنهم قبل أن يجد الجد أشد الناس حماسة للقاء الأعداء ، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول الفارين ، وأول الناكصين على أعقابهم .وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء ، ولا ينشئون القتال إنشاء ، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها ، ويضعون الأشياء فى مواضعها ، فإذا ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال .أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم ، أو عقل يرشدهم ، فإنهم لعدم تقديرهم للأمور يكونون فى ساعة الشدة أول الناس جزعا ونكولا وانهيارا .ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب عليهم القتال ( إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) ؟!!إن الذى يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة فى شأن المؤمنين ، ويرى أن بعضهم يرجع أنها فى شأن المنافقين ، وقد لخص الإِمام الرازى هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال :" هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟
فيه قولان :الأول : أن الآية نزلت فى المؤمنين .
قال الكلبى : نزلت فى عبد الرحمن بن عوف ، والمقداد ، وقدامة بن مظعون ، وسعد بن أبى وقاص .
كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا ، فيشكون ذلك إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا فى قتالهم ويقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كفوا أيديكم فإنى لم أومر بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية .ثم قال : واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون فى القتال؛ والراغبون فى القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية فى حق المؤمنين ..
وأن كراهتهم للقتال إنما هى بمقتضى الجبلة البشرية .
.
.
وقولهم ( لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ) محمول على التمنى فى التخفيف للتكليف لا على وجه الإِنكار لإِيجاب الله تعالى .ثم قال : والقول الثانى : أن الآية نازلة فى حق المنافقين .
واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين ، لأن الله وصفهم بأنهم ( يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافقين ، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله - تعالى - ولأنه - سبحانه - حكى عنهم أنهم قالوا : ربنا لما كتبت علينا القتال ، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار أو المنافقين ، ولأن الله قال للرسول : ( قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى ) وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته فى الدنيا أكثر من رغبته فى الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين .ثم قال : والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه - سبحانه - ذكر بعد هذه الآية قوله : ( وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ) ولا شك أن هذا من كلام المنافقين ، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التى نحن فى تفسيرها ثم المعطوف فى المنافقين ، وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا .ونحن نوافق الإِمام الرازى فيما ذهب إليه من حمل الآية الكريمة على أنها فى المنافقين هو الأولى للأسباب التى ذكرها .ونضيف إلى ما ذكره الإِمام الرازى أن المتأمل فى سياق الآيات السابقة واللاحقة يراها واضحة فى شأن النافقين ، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف الايمان ، الذين أدى بهم ضعف نفوسهم ، وحبهم للدنيا إلى كراهة القتال ، والخوف من تكاليفه .
.
.
.فأنت إذا قرأت الآيات التى قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن إرادة تحاكمهم إلى الطاغوت مع زعمهم الايمان بما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل على الرسل من قبله .
وتراها تتحدث عن تباطئهم عن القتال وفرحهم لنجاتهم من مخاطره .ثم إذا قرأت الآيات التى ستأتى بعد هذه الآية تراها تتحدث عن نسبتهم الحسنة إلى الله ، ونسبتهم السيئة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعن إذاعتهم لأسرار المؤمنين .
.
ألخ ، فثبت أن الآية الكريمة تتحدث عن صفات المنافقين ، وعمن هم قريبو الشبه بهم من ضعاف الايمان الذين أخلدوا إلى الراحة .
وأثروا القعود فى بيوتهم على القتال من أجل إعلاء كلمة الله ، ودفع الظلم عن المظلومين .ونضيف أيضا أن القول الأول - الذى ذكره الإِمام الرازى وهو أن الآية نزلت فى المؤمنين - غير صحيح لأسباب من أهمها :1- أن الرواية التى ذكرها الامام الرازى نقلا عن الكلبى وهى أن الآية نزلت فى عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون ..
الخ الرواية يبدو عليها الضعف ، لأنها لم ترد فى كتب الحديث الموثوق بها ، ولأن الكبلى نفسه قد عرف عنه عدم التثبت فى النقل .
ولقد علق الإِمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله : " إننى أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها ، لأننى أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به .
وهذه الآية متصلة بما قبلها ، فإن الله - تعالى - أمر بأخذ الحذر والإِستعداد للقتال ، والنفر له ، وذكر حال المطبئين لضعف قلوبهم .
وبعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر الإسلام أتباعه بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال .
.
إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه الله عليهم فكرهه الضعفاء منهم .2- أن المؤمنين لم يعهد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال ، ومن تمن لعدم حضوره ، وإنما المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون إليه كلما اقتضت الضرورة ويتسابقون لخوض ساحته دفاعا عن دينهم ، وانتصارا ممن بغى عليهم .ولقد قال المقداد بن عمرو للرسول صلى الله عليه سولم .
فى غزوة بدر يا رسول الله ، إمض لما أمرك الله فنحن معك .
والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون .
ولكن نقول لك إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون .
فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه .
.إلى غير ذلك من الأقوال والمواقف التى تدل على شجاعتهم وقوة إيمانهم .ولقد رجح الإِمام القرطبى عند تفسيره للآية الكريمة أنها فى المنافقين فقال : قال مجاهد : هى فى اليهود .
وقال الحسن : هى فى المؤمنين لقوله " يخشون الناس " أى مشركى مكة " كخشية الله " فهى على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة .
وقال السدى : هم قوم أسملوا قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه .
وقيل : هو وصف للمنافقين .
والمعنى : يخشون القتل من المشركين كما يشخون الموت من الله ( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) أى عندهم وفى اعتقادهم .ثم قال : قلت وهذا أشبه بسياق الآية لقوله ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابى كريم ، يعلم أن الآجال محدودة ، والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين ، يرون الوصول الى الدار الآجلة خيرا من المقام فى الدار العاجلة ، على ما هو المعروف من سيرتهم - رضى الله عنهم - اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ فى الإِيمان قدمه ، ولا انشرح بالاسلام جنانه ، فإن أهل الإِيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص ، وهو الذى تنفر نفسه عما تؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة .والخلاصة : أن الذى تطمئن إليه نفوسنا أن الآية الكريمة تحكى ما كان عليه المنافقون وضعاف الإِيمان ، من بعد عن طاعة الله ، ومن جبن فى النفوس ومن حب للحياة الدنيا وزينتها .وأن المؤمنين بعيدون كل البعد عما اشتملت عليه الآية الكريمة من صفات وأحوال؛ لأن ما عرف عنهم من إيمان وإقدام ينأى بهم عن أن يكونوا ممن قال الله فيهم ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) وعن أن يقولوا : ( رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) .هذا ، وقوله - تعالى - ( قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) رد على التصرفات الذميمة ، والأقوال الفاسدة التى صدرت عن المنافقين وضعاف الإِيمان!
وإرشاد من الله - تعالى - لعباده إلى أن متاع الحياة الدنيا قليل بالنسبة لما اشتملت عليه الآخرة من نعيم للمؤمنين الصادقين .والمتاع : اسم لما يتمتع به الإِنسان فى هذه الحياة من مال وغيره .والفتيل : هو الخيط الدقيق الذى يكون فى شق نواة التمرة .
ويضرب به المثل فى القلة والتفاهة .والمعنى : قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يخشون لقاء الأعداء ، ويفزعون من القتال طمعا فى التمتع بزينة الحياة الدنيا ، قل لهم : إن منافع الدنيا ولذاتها قليلة مهما كبرت فى أعينكم؛ لأنها زائلة فانية ، أما الآخرة بما فيها من نعيم دائم فهى خير ثوابا ، وأعظم أجراً لمن اتقى الله ، وجاهد فى سبيله .
وإذا كان الأمر كذلك فاجعلوا خشيتكم من الله وحده ، وبادروا إلى الجهاد فى سبيل إعلاء كلمة الله ، لكى تنالوا الثواب الجزيل من الله دون أن يذهب من ثوابكم شيئا مهما كان هذا الشئ ضئيلا أو قليلا ، ودون أن ينقص من أعماراكم شيئا؛ لأن الجبن لا يؤخر الحياة كما أن الإِقدام لا ينقص شيئا منها .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟
فيه قولان: الأول: أن الآية نزلت في المؤمنين، قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفوا أيديكم فاني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا باقامة دينكم من الصلاة والزكاة»، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.
واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم: كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال، والراغبون في القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين.
ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه.
القول الثاني: أن الآية نازلة في حق المنافقين، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين.
فالأول: أنه تعالى قال في وصفهم: ﴿ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى.
والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين.
الثالث: أنه تعالى قال للرسول: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى ﴾ وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين.
وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى، وقولهم: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الانكار لايجاب الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي، فهذا ما في تقرير هذين القوين والله أعلم، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِك ﴾ ولا شك أن من هذا كلام المنافقين، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا.
المسألة الثانية: دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول.
المسألة الرابعة: ظاهر قوله: ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال.
وفيه وجوه من التأويل: الأول: المراد منه الابهام على المخاطب، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب.
الثاني: أن يكون أو بمعنى الواو، والتقدير: يخشونهم كخشية الله وأشد خشية، وليس بين هذين القسمين منافاة، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة.
الثالث: أن هذا نظير قوله: ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام، فكذا هاهنا والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ .
واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه، ثم قالوا: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهذا كالعلة لكراهتهم لايجاب القتال عليهم، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والاخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى ﴾ وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه: الأول: ان نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.
والثاني: ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.
والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.
والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (يَظْلِمُونَ) بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله: ﴿ الم تَرَى إِلَى الذين قِيلَ ﴾ والباقون بالتاء على سبيل الخطاب، ويؤيد التاء قوله: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ فان قوله: ﴿ قُلْ ﴾ يفيد الخطاب.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب، وإلا لما تحقق نفي الظلم، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل، وإلا لما صح التمدح به.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقاراً.
وقد مضى الكلام فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ أي كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال ﴾ بالمدينة كع فريق منهم لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفوراً من الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، فإن قلت: ما محل (كخشية الله) من الإعراب؟
قلت: محله النصب على الحال من الضمير في (يخشون) أي يخشون الناس مثل أهل خشية الله، أي مشبهين لأهل خشية الله ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ بمعنى أو أشد خشية من أهل خشية الله، وأشد معطوف على الحال.
فإن قلت: لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر يخشون خشية مثل خشية الله، بمعنى مثل ما يخشى الله؟
قلت: أبى ذلك قوله: ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد، ولو قلت يخشون الناس أشد خشية؟
لم يكن إلا حال عن ضمير الفريق ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك لا تقول خشي فلان أشد خشية، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر، إنما تقول أشد خشية فتجرّها، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه، اللَّهم إلا أن تجعل الخشية خاشية وذات خشية، على قولهم جد جده فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد خشية من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكون محل (أشد) مجروراً عطفاً على (خشية الله) تريد كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر، كقوله: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ [المنافقون: 15] .
﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه، وقرئ: ﴿ ولا يظلمون ﴾ ، بالياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ أيْ عَنِ القِتالِ.
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ واشْتَغِلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ.
﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ يَخْشَوْنَ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهم كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِأْسَهُ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ جَوابٌ لِما وفَرِيقٌ مُبْتَدَأٌ مِنهم صِفَتُهُ ويَخْشَوْنَ خَبَرُهُ وكَخَشْيَةِ اللَّهِ مِن إضافَةِ المُصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقَعَ مَوْقِعَ المَصْدَرِ أوِ الحالِ مِن فاعِلِ يَخْشَوْنَ عَلى مَعْنى، يَخْشَوْنَ النّاسَ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ مِنهُ.
﴿ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَهُ حالًا وإنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا فَلا، لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا نَصَبَ ما بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ: وكَخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كَخَشْيَةٍ أشَدِّ خَشْيَةً مِنهُ، عَلى الفَرْضِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ الخَشْيَةَ ذاتَ خَشْيَةٍ كَقَوْلِهِمْ: جِدُّ جِدِّهِ عَلى مَعْنى يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً مِثْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ خَشْيَةً أشَدَّ خَشْيَةٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
﴿ وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ اسْتِزادَةٌ في مُدَّةِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ حَذَرًا عَنِ المَوْتِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم ما تَفَوَّهُوا بِهِ ولَكِنْ قالُوا في أنْفُسِهِمْ فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ سَرِيعُ التَّقَضِّي ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ أيْ ولا تُنْقَصُونَ أدْنى شَيْءٍ مِن ثَوابِكم فَلا تَرْغَبُوا عَنْهُ، أوْ مِن آجالِكُمُ المُقَدَّرَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ولا يُظْلَمُونَ لِتَقَدُّمِ الغَيْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)
كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} أي عن القتال {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال} أي فرض بالمدينة {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله} يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت قال الشيخ أبو منصور رحمه الله هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقاداً فالمرء مجبول على كراهة ما فيه خوف هلاكه غالباً وخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في يخشون أى يشخون الناس مثل خشية الله أى مشيهين لأهل خشية الله {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو للتخيير أي إن قلت خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب وإن قلت إنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ
عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ} هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش وهو سؤال على وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله {قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى} متاع الدنيا قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل فكيف القليل الزائل {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه وبالياء مكي وحمزة وعلى
« ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ الكَلْبِيُّ - في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، والمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ الكِنْدِيِّ، وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانَ يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا وهم بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَيَشْكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ في قِتالِ هَؤُلاءِ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا، والنَّبِيُّ يَقُولُ: «كُفُّوا أيْدِيَكم وأمْسِكُوا عَنِ القِتالِ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ» وفي رِوايَةٍ: «إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ»».
﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ واشْتَغِلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ، ولَعَلَّ أمْرَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ تَنْبِيها عَلى أنَّ الجِهادَ مَعَ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ،وما لَمْ يَتَمَكَّنِ المُسْلِمُ في الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِالجُودِ بِالمالِ لا يَكادُ يَتَأتّى مِنهُ الجُودُ بِالنَّفْسِ، والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ، وبِناءُ القَوْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ أنَّ القائِلَ هو النَّبِيُّ ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ والمُعْتَبَرَ في التَّعْجِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الكَلامِ إنَّما هو كَمالُ رَغْبَتِهِمْ في القِتالِ، وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ احْتاجُوا إلى النَّهْيِ عَنْهُ، وإنَّما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأمْرُ بِكَفِّ الأيْدِي لِتَحْقِيقِهِ وتَصْوِيرِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ خُصُوصِيَّةِ الآمِرِ غَرَضٌ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ﴾ وأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى المَدِينَةِ ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ ﴾ أيِ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهُمْ، وذَلِكَ رُكِزَ في طِباعِ البَشَرِ مِن خَوْفِ الهَلاكِ ﴿ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ أيْ كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَأْسُهُ، والفاءُ عاطِفَةٌ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ، إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّبايُنُ بَيْنَ مَدْلُولَيِ المَعْطُوفَيْنِ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ كانُوا حِراصًا عَلى القِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ كَرِهَهُ - بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ - جَماعَةٌ مِنهُمْ، وتَوْجِيهُ التَّعْجِيبِ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ تِلْكَ الكَراهَةَ إنَّما كانَتْ مِنَ البَعْضِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن أحَدِهِمْ ما يُنافِي حالَتَهُ الأُولى، و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ، وهي ظَرْفُ مَكانٍ، وقِيلَ: زَمانٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفِيها تَأْكِيدٌ لِأمْرِ التَّعْجِيبِ، و(فَرِيقٌ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنهُمْ) صِفَتُهُ، و(يَخْشَوْنَ) خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْضًا أوْ حالًا، والخَبَرُ (إذا) و(كَخَشْيَةِ اللَّهِ) في مَوْقِعِ المَصْدَرِ، أيْ: خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلٍ (يَخْشَوْنَ) ويُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِأهْلِ خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ - وفِيهِ بَعْدٌ -: إنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَها النّاسُ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴿ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَهُ حالًا، أيْ أنَّهم أشَدُّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ، بِمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، ويُعْطَفُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ (خَشْيَةً) مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وعَلى أنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَلِّقُ الفاعِلِيَّةِ، وأنَّ المَجْرُورَ بِمِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ يَكُونُ مُقابِلًا لِلْمَوْصُوفِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَةِ غَيْرِهِمْ، ويَؤُولُ إلى أنَّ خَشْيَةَ خَشْيَتِهِمْ أشَدُّ، وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ويَكُونُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ جَدَّ جِدًّا بِنَصْبِ (جِدًّا) عَلى التَّمْيِيزِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، بَلْ يُعْطَفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ فَهو مَجْرُورٌ بِالفَتْحَةِ لِمَنعِ صَرْفِهِ، والمَعْنى: يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً كَخَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِنهُ تَعالى، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لا أشَدَّ خَشْيَةً عِنْدِ المُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَؤُولُ هَذا إلى تَفْضِيلِ خَشْيَتِهِمْ عَلى سائِرِ الخَشْياتِ إذا فُصِّلَتْ واحِدَةً واحِدَةً، وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، أيْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ النّاسِ، أوْ يَخْشَوْنَ أشَدَّ خَشْيَةً، عَلى أنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ، والثّانِي حالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ حَذْفَ المُضافِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ وأوْفى بِمُقْتَضى المُقابَلَةِ وحُسْنِ المُطابَقَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (خَشْيَةً) مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، و(أشَدَّ) صِفَةٌ لِما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فانْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّمْيِيزَ بَعْدَ اسْمِ التَّفْضِيلِ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ ما انْتَصَبَ عَنْهُ، نَحْوُ: (اللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) فَإنَّ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى، كَما لَوْ قُلْتَ: (اللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) بِالجَرِّ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ نَفْسَ المَوْصُوفِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْخَشْيَةِ خَشْيَةٌ، بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: أشَدُّ خَشْيَةٍ بِالجَرِّ، والقَوْلُ بِأنَّ جَوازَ هَذا فِيما إذا كانَ التَّمْيِيزُ نَفْسَ المَوْصُوفِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ واللَّفْظِ مَحَلُّ نَظَرٍ، مَحَلُّ نَظَرٍ، إذِ اتِّحادُ اللَّفْظِ مَعَ حَذْفِ الأوَّلِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَحْذُورٍ.
وهَذا إيرادٌ قَوِيٌّ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنِيرِ عَنِ الكِتابِ ما يُعَضِّدُهُ، فَتَأمَّلْ، و(أوْ) قِيلَ: لِلتَّنْوِيعِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: لِلتَّخْبِيرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ، ﴿ وقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ بَعْضُهم بِألْسِنَتِهِمْ أوْ بِقُلُوبِهِمْ، وحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سَبِيلِ تَمَنِّي التَّخْفِيفِ لا الِاعْتِراضِ عَلى حُكْمِهِ تَعالى، والإنْكارِ لِإيجابِهِ، ولِذا لَمْ يُوَبَّخُوا عَلَيْهِ ﴿ رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ في هَذا الوَقْتِ.
﴿ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو الأجَلُ المُقَدَّرُ، ووُصِفَ بِالقَرِيبِ لِلِاسْتِعْطافِ، أيْ أنَّهُ قَلِيلٌ لا يُمْنَعُ مِن مِثْلِهِ، والجُمْلَةُ كالبَيانِ لِما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تَعْطَفْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بَأنَّهُما مَقُولانِ مُسْتَقِلّانِ لَهُمْ، فَتارَةً قالُوا الجُمْلَةَ الأُولى، وتارَةً الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، ولَوْ عُطِفَتْ لَتَبادَرَ أنَّهم قالُوا مَجْمُوعَ الكَلامَيْنِ بِعَطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى ﴿ قُلْ ﴾ أيْ تَزْهِيدًا لَهم فِيما يُؤَمِّلُونَهُ بِالقُعُودِ عَنِ القِتالِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُقَدَّرِ مِنَ المَتاعِ الفانِي، وتَرْغِيبًا فِيما يَنالُونَهُ بِالقِتالِ مِنَ النَّعِيمِ الباقِي ﴿ مَتاعُ الدُّنْيا ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ، ويُنْتَفَعُ في الدُّنْيا ﴿ قَلِيلٌ ﴾ في نَفْسِهِ، سَرِيعُ الزَّوالِ، وهو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في الآخِرَةِ ﴿ والآخِرَةُ ﴾ أيْ ثَوابُها المَنُوطُ بِالأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ ﴿ خَيْرٌ ﴾ لَكم مِن ذَلِكَ المَتاعِ القَلِيلِ؛ لِكَثْرَتِهِ، وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، وصَفائِهِ عَنِ الكُدُوراتِ، وفي اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ ما لا يَخْفى، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ حَثًّا لَهم وتَرْغِيبًا عَلى الِاتِّقاءِ والإخْلالِ بِمُوجَبِ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ نَفْسَ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَكِنْ لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّ لِلْكافِرِ والعاصِي هُنالِكَ نِيرانًا وأهْوالًا، ولِذا قِيلَ: الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالسِّياقِ.
﴿ ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُجْزُونَ فِيها ولا تُبْخَسُونَ هَذا المِقْدارَ اليَسِيرَ فَضْلًا عَمّا زادَ مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، فَلا تَرْغَبُوا عَنِ القِتالِ الَّذِي هو مِن غُرُورِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ: (ولا يُظْلَمُونَ) بِالياءِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى ظاهِرِ (مَن).
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ يعني ألم تخبر عنهم، ويقال: إن معناه ألا ترى إلى هؤلاء، وذلك أن أصحاب رسول الله حين كانوا بمكة استأذنوا في قتل كفار مكة سراً، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم النبيّ : مهلاً كفوا أيديكم عن قتالهم وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم فنزلت هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أتموها وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأعطوها إذا وجبت عليكم فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ أي فرض عليهم القتال بالمدينة إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي يخشون عذاب الكفار كَخَشْيَةِ اللَّهِ أي كخشيتهم من عذاب الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أي بل أشد خشية، ويقال: معناه أو أشد خشية يعني أكثر خوفاً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ أي لم فرضت علينا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنا أي يقولوا هلاّ أجلتنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وهو الموت، فبيّن الله تعالى لهم أن الدنيا فانية فقال: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي منفعة الدنيا قليلة لأنها لا تدوم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» .
ثم قال تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى يقول: ثواب الآخرة أفضل لمن اتقى الشرك والمعاصي وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا وقد ذكرناه.
قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: (ولا تظلمون) بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر يعني المتقين.
قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أي في الأرض يأتيكم الموت وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أي في القصور الطوال المشيدة المبنية إلى السماء، حتى لا يخلص إليه أحد من بني آدم.
وقال القتبي: «البروج» : الحصون، و «المشيدة» : المطولة وذلك أنهم لما تثاقلوا عن الخروج إلى الجهاد مخافة الموت، فأخبرهم الله تعالى أنهم لا يموتون قبل الأجل، إذا جاء أجلهم لا ينجون من الموت، وإن كانوا في موضع حصين.
وهذا قوله تعالى: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 168] .
ثم أخبر عن المنافقين فقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا أي الفتح والغنيمة والخصب يقولوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي نكبة وهزيمة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي من شؤمك، يعني: أصابتنا بسببك، أنت الذي حملتنا على هذا.
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقال: الرخاء والشدة، ويقال: القدر خيره وشره من الله تعالى.
ثم قال تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ يعني المنافقين لا يكادون يفقهون حَدِيثاً أي لا يفهمون قولاً أن الشدة والرخاء من الله تعالى، أي لا يسمعون ولا يفهمون ما يحدثهم ربهم في القرآن.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
لإستنقاذِهِمْ، ويعني ب «المستضْعَفِينَ» : مَنْ كان بمكَّة تحت إذلال كفرة قريش، وفيهم كان صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ» «١» ، وَالْوِلْدانِ: عبارة عن الصبيان، والْقَرْيَةِ هنا: مَكَّةٌ بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ/ المؤمنين والأسرى في حواضِرِ الشِّرْك إلى يوم القيامة.
قال ابنُ العربيِّ «٢» في «أحكامه» : قال علماؤُنَا (رحمهم اللَّه) : أوجَبَ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ القِتَالَ لإستنقاذ الأسرى مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد روى الأئمّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:
«أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ» «٣» .
يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ (رحمه اللَّه) : علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرى بجميعِ أموالِهِمْ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ.
انتهى.
وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية: هذه الآيةُ تقتضِي تقْويَةَ قُلُوبِ المؤمِنِينَ وتَحريضَهُمْ، وقَرِينَةُ ذِكْرِ الشيطانِ بَعْدُ تدُلُّ على أَنَّ المرادَ بالطَّاغُوتِ هنا الشيطانُ، وإعلامُهُ تعالى بضَعْفِ كيدِ الشيطانِ فيه تقويةٌ لقلوب المؤمنِينَ، وتجرِئَةٌ لهم على مُقَارَعَةِ الكيدِ الضعيفِ فإنَّ العزم والحَزْم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهدّه.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ...
الآية:
اختلف المتأوِّلون، فِيمَن المرادُ بقوله: الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ.
فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: كان جماعةٌ من المؤمنين قد أَنِفُوا من الذُّلِّ بمَكَّةَ قَبْلَ الهجرة، وسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مقاتَلَةَ المُشْركين، فأمرهم عَنِ اللَّهِ تعالى بكَفِّ الأيْدِي، فلَمَّا كتب عليهم القتالُ بالمدينةِ، شَقَّ ذلك على بعضهم، ولَحِقَهُمْ ما يلْحَقُ البَشَر من الخَوَرِ والكَعِّ عَنْ مقَارَعَةِ العدُوِّ، فنزلَتِ الآية فيهم.
وقال ابنُ عباس أيضاً ومجاهدٌ: إنما الآيةُ حكايةٌ عنْ حالِ اليَهُود أنهم فعلوا ذلكَ مَعَ نبيِّهم في وَقْتِهِ «١» ، فمعنى الحكايةِ عنهم تقبيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المؤمنين عَنْ فِعْلِ مثله.
وقيل: المرادُ المنافقُونَ.
و «أَوْ» : تقدَّم شرحُها في «سورة البقرة» في قوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤] لأنَّ الموضعَيْنِ سواءٌ.
وقولهم: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ: رَدٌّ في صَدْر أوامرِ اللَّهِ سبحانه، وقلَّةُ استسلام له، والأَجَلُ القريبُ: يعنُونَ به موتَهُمْ على فُرُشِهِمْ هكذا قال المفسِّرون.
قال ع «٢» : وهذا يحسُنُ إذا كانتِ الآيةُ في اليَهُودِ أو في المنافِقِينَ، وأما إذا كانت في طَائِفَةٍ من الصحابةِ، فإنما طَلَبُوا التأخُّر إلى وَقْتِ ظُهُورِ الإسلامِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ويُحَسِّنُ القولَ بأنها في المنافِقِينَ اطراد ذِكْرِهِمْ فيما يأتِي بَعْدُ من الآيات.
وقوله سبحانه: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ...
الآية: المعنى: قل، يا محمَّد، لهؤلاءِ:
متاعُ الدنيا، أي: الاِستمتاعُ بالحياةِ فيها الَّذي حَرَصْتُم علَيْهِ قليلٌ، وباقي الآيةِ بيِّن.
وهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حمى منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:
«إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً، حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ» «١» ، قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعود قال: «نام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتخذنا لَكَ فراشا؟!
فقال: مالي وما للدّنيا، وما أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «٢» ، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ/ حسنٌ صحيحٌ.
انتهى.
وقوله سبحانه: فِي بُرُوجٍ الأكثرُ والأصحُّ الذي علَيْه الجمهورُ: أنه أراد ب «البُرُوج» : الحُصُونَ التي في الأرْضِ المبنيَّة لأنها غايةُ البَشَر في التحصُّن والمَنَعة، فمَثَّل اللَّه لهم بها، قال قتادة: المعنى: في قصورٍ محصَّنة»
وقاله ابنُ جُرَيْجٍ «٤» والجُمْهُور، وبَرَّجَ: معناه: ظَهَر ومنه تبرُّج المرأة، ومُشَيَّدَةٍ: قال الزَّجَّاج «٥» وغيره: معناه:
مرفُوعَة مطوَّلة ومنه أَشَادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُل إذا رفَعَهُ، وقالتْ طائفةٌ: مُشَيَّدَةٍ: معناه:
محسَّنة بالشِّيدِ، وهو الجَصُّ، وروى النسائيَّ عن أبي هُرَيْرَة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ، يعني: الموتَ، وخرَّجه ابنُ ماجة والترمذيُّ «٦» ، وخرَّجه أبو نُعَيْمٍ
الحافظُ بإسناده من حديثِ مالكِ بْنِ أنس، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّب، عن عمر بن الخطّاب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمثله «١» ، وروى ابنُ ماجة بسَنَده، عنِ ابن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ:
كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟
قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟
قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ استعدادا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» ، وأخرجه مالك أيضاً «٢» .
انتهى من «التذكرة» «٣» .
وقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ...
الآية: الضميرُ في تُصِبْهُمْ عائدٌ على الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وهذا يدلُّ على أنَّهم المنافقون لأن المؤمنين لا تليقُ بهم هذه المقالةُ ولأنَّ اليهودَ لم يكُونوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تَحْتَ أمْرٍ، فتصيبهم بِسَبَبِهِ أَسْوَاءٌ، والمعنى:
إنْ تُصِبْ هؤلاءِ المنافقين حَسَنَةٌ من غنيمةٍ أو غيرِ ذلك، رَأَوْا أنَّ ذلك بالاتفاقِ مِنْ صُنْع اللَّه، لا ببَرَكَةِ اتباعك والإيمانِ بِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: هزيمةٌ، أو شدَّةُ جُوعٍ، أو غيرُ ذلكَ، قالوا: هذه بسَبَبِكَ.
وقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: إعلامٌ من اللَّه سبحانه أنَّ الخيْرَ والشرَّ، والحسنَةَ والسيِّئة خَلْقٌ له، ومِنْ عنده، لا رَبَّ غيره، ولا خَالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سواه، والمعنى: قل، يا محمّد، لهؤلاء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ، كانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم في قِتالِ المُشْرِكِينَ وهم بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا أُذِنَ لَهم فِيهِ، كَرِهَهُ بَعْضُهم.
رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ واصِفَةً أحْوالَ قَوْمٍ كانُوا في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، فَحَذَّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِن مِثْلِ حالِهِمْ، رَوى هَذا المَعْنى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كَأنَّهُ يُومِئُ إلى قِصَّةِ الَّذِينَ قالُوا: ابْعَثْ لَنا مَلِكًا.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي في اليَهُودِ.
فَأمّا كَفُّ اليَدِ، فالمُرادُ بِهِ: الِامْتِناعُ عَنِ القِتالِ، ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ، و"كَتَبَ" بِمَعْنى: فَرَضَ، وذَلِكَ بِالمَدِينَةِ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ في هَذا الفَرِيقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَلَمّا فُرِضَ القِتالُ، نافَقُوا جُبْنًا وخَوْفًا.
والثّالِثُ: أنَّهم مُؤْمِنُونَ غَيْرَ أنَّ طَبائِعَهم غَلَبَتْهم، فَنَفَرَتْ نُفُوسُهم عَنِ القِتالِ.
قَوْلُهُ ﴿ يَخْشَوْنَ النّاسَ ﴾ في المُرادِ بِالنّاسِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كُفّارُ مَكَّةَ.
والثّانِي: جَمِيعُ الكُفّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ قِيلَ: إنَّ "أوْ" بِمَعْنى: الواوُ، و"كُتِبَتْ" بِمَعْنى: فَرَضَتْ.
و"لَوْلا" بِمَعْنى: "هَلّا" .
قالَ الفَرّاءُ: إذا لَمْ تَرَ بَعْدَها اسْمًا، فَهي اسْتِفْهامٌ، بِمَعْنى: هَلّا، وإذا رَأيْتَ بَعْدَها اسْمًا مَرْفُوعًا، فَهي الَّتِي جَوابُها اللّامُ، تَقُولُ: لَوْلا عَبْدُ اللَّهِ لَضَرَبْتُكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إذا رَأيْتَها بِغَيْرِ جَوابٍ، فَهي بِمَعْنى: "هَلّا" تَقُولُ: لَوْلا فَعْلَتَ كَذا، ومِثْلُها "لَوْلا" فَإذا رَأيْتَ لِـ "لَوْلا" جَوابًا، فَلَيْسَتْ بِمَعْنى: "هَلّا إنَّما هي الَّتِي تَكُونُ لِأمْرٍ يَقَعُ بِوُقُوعِ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ ﴾ قُلْتُ: فَأمّا "لَوْلا" الَّتِي لَها جَوابٌ فَكَثِيرَةٌ في الكَلامِ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: لَوْلا الحَياءُ وأنَّ رَأْسِيَّ قَدْ عَثا فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسِمِ وَأمّا الَّتِي بِمَعْنى: "هَلّا" فَأنْشَدُوا مِنها: تَعُدُّونَ عُقْرَ النَّبِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا أرادَ: فَهَلّا تُعِدُّونَ الكَمِيَّ، والكَمِيَّ: الدّاخِلُ في السِّلاحِ.
وَفِي الأجَلِ القَرِيبِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَكَأنَّهم قالُوا: هَلّا تَرَكَتْنا نَمُوتُ مَوْتًا، وعافَيْتَنا مِنَ القَتْلِ هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ إمْهالُ زَمانٍ، فَكَأنَّهم قالُوا: هَلّا أخَّرْتَ فَرْضَ الجِهادِ عَنّا قَلِيلًا حَتّى نَكْثُرَ ونَقْوى، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ أيْ: مُدَّةُ الحَياةِ فِيها قَلِيلَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ولا يَظْلِمُونَ بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِالتّاءِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ المَتاعِ والفَتِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقاتِلُوا أولِياءَ الشَيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أو أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالُ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقْوِيَةَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضَهُمْ، و"الطاغُوتِ" كُلُّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ، وتَدُلُّ قَرِينَةُ ذِكْرِ الشَيْطانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطاغُوتِ هُنا الشَيْطانُ، وإعْلامُهُ تَعالى بِضَعْفِ كَيْدِ الشَيْطانِ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَجْرِئَةٌ لَهم عَلى مُقارَعَةِ الكَيْدِ الضَعِيفِ فَإنَّ العَزْمَ والحَزْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلى حَقائِقِ الإيمانِ يَكْسِرُهُ ويَهُدُّهُ، ودَخَلَتْ "كانَ" دالَّةً عَلى لُزُومِ الصِفَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، وجَماعَةٌ سِواهم قَدْ أنِفُوا مِنَ الذُلِّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ أنْ يُبِيحَ لَهم مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِكَفِّ الأيْدِي، وألّا يَفْعَلُوا، فَلَمّا كانَ بِالمَدِينَةِ وفُرِضَ القِتالُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، وصَعُبَ مَوْقِعُهُ، ولَحِقَهم ما يَلْحَقُ البَشَرَ مِنَ الخَوَرِ والكَعِّ عن مُقارَعَةِ العَدُوِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدِ اسْتَحْسَنُوا الدُخُولَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَلاةِ والزَكاةِ ونَحْوِها، والمُوادَعَةِ وكَفِّ الأيْدِي، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ نَبِيِّهِمْ في وقْتِهِ، فَمَعْنى الحِكايَةِ عنهم تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن فِعْلِ مِثْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وأمْثالُهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَكَنُوا عَلى الكُرْهِ إلى فَرائِضِ الإسْلامِ مَعَ الدَعَةِ وعَدَمِ القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ عَلَيْهِمْ وصَعُبَ عَلَيْهِمْ صُعُوبَةً شَدِيدَةً، إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالثَوابِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحَسِّنُ هَذا القَوْلَ أنَّ ذِكْرَ المُنافِقِينَ يَطَّرِدُ فِيما بَعْدَها مِنَ الآياتِ.
ومَعْنى "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ": أمْسِكُوا عَنِ القِتالِ.
والفَرِيقُ: الطائِفَةُ مِنَ الناسِ، كَأنَّهُ فارَقَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَخافُونَ اللهَ في جِهَةِ المَوْتِ، لِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ المَوْتَ إلّا مِنهُ، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ الناسِ رَأوا أنَّهم يَمُوتُونَ بِأيْدِيهِمْ، فَخَشَوْهم في جِهَةِ المَوْتِ كَما كانُوا يَخْشَوْنَ اللهَ.
وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: "كَخَشْيَةِ اللهِ" يَدُلُّ عَلى أنَّها في المُؤْمِنِينَ، وهي خَشْيَةُ خَوْفٍ لا خَشْيَةُ مَخافَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخْشَوْنَ الناسَ عَلى حَدِّ خَشْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَرْجِيحٌ لا قَطْعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أو أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ، وفِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، وفِرْقَةٌ: هي لِلتَّخْيِيرِ، وفِرْقَةٌ: عَلى بابِها في الشَكِّ في حَقِّ المُخاطَبِ، وفِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ شَرَحْتُ هَذِهِ الأقْوالَ كُلَّها في [سُورَةِ البَقَرَةِ] في قَوْلِهِ: ﴿ أو أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ، لِأنَّ المَوْضِعَيْنِ سَواءٌ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ ؟
رَدٌّ في صَدْرِ أوامِرِ اللهِ تَعالى، وقِلَّةُ اسْتِسْلامٍ، والأجَلُ القَرِيبُ يَعْنُونَ بِهِ مَوْتَهم عَلى فُرُشِهِمْ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَحْسُنُ إذا كانَتِ الآيَةُ في اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، وأمّا إذا كانَتْ في طائِفَةٍ مِنَ الصَحابَةِ فَإنَّما طَلَبُوا التَأخُّرَ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لولا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والاخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا ﴾ .
تهيّأ المقام للتذكير بحال فريق من المسلمين اختلف أولُ حاله وآخرهُ، فاستطرد هنا التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحثِّ على الجهاد، وهؤلاء فريق يودّون أن يؤذن لهم بالقتال فلمّا كتب عليهم القتال في إبّانه جبنوا.
وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله: ﴿ قيل لهم كفّوا أيديكم ﴾ ، لأنّ كفّ اليد مراد، منه ترك القتال، كما قال: ﴿ وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ [الفتح: 24].
والجملة معترضة بين جملة ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ [النساء: 75] والجمللِ التي بعدها وبين جملة ﴿ فليقاتِلْ في سبيل الله ﴾ [النساء: 74] الآية اقتضت اعتراضها مناسبة العبرة بحال هذا الفريق وتقلّبها، فالذين قيل لهم ذلك هم جميع المسلمين، وسبب القول لهم هو سؤال فريق منهم، ومحلّ التعجيب إنّما هو حال ذلك الفريق من المسلمين.
ومعنى ﴿ كُتب عليهم القتال ﴾ أنّه كتب عليكم في عموم المسلمين القادرين.
وقد دلّت (إذا) الفجائية على أنّ هذا الفريق لم يكن تترقّب منهم هذه الحالة، لأنّهم كانوا يظهرون من الحريصين على القتال.
قال جمهور المفسّرين: إنّ هاته الآية نزلت في طائفة من المسلمين كانوا لقوا بمكة من المشركين أذى شديداً، فقالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم «يا رسول الله كنّا في عزّ ونحن مشركون فلمّا آمنّا صرنا أذلّة» واستأذنوه في قتال المشركين، فقال لهم: " أنّي أمرت بالعفو ﴿ فكُفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ " فلمّا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفُرض الجهاد جبن فريق من جملة الذين استأذنوه في القتال، ففيهم نزلت الآية.
والمرويّ عن ابن عباس أنّ من هؤلاء عبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وأصحابهم، وعلى هذا فقوله: ﴿ كخشية الله أو أشدّ خشية ﴾ مسوق مساق التوبيخ لهم حيث رغبوا تأخير العمل بأمر الله بالجهاد لخوفهم من بأس المشركين، فالتشبيه جار على طريقة المبالغة لأنّ حمل هذا الكلام على ظاهر الإخبار لا يلائم حالَهم من فضيلة الإيمان والهجرة.
وقال السديّ: «الذين قيل لهم كفّوا أيديكم» قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يُفرض عليهم القتال فلمّا فرض القتال إذا فريق يخشون الناس.
واختلف المفسّرون في المعنيّ بالفريق من قوله تعالى: ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ فقيل: هم فريق من الذين استأذنوا في مكة في أن يقاتلوا المشركين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والكلبي، وهو ظاهر الآية، ولعلّ الذي حَوّل عزمهم أنّهم صاروا في أمن وسلامة من الإذلال والأذى، فزال عنهم الاضطرار للدفاع عن أنفسهم.
وحكى القرطبي: أنّه قيل: إنّ هذا الفريق هم المنافقون.
وعلى هذا الوجه يتعيّن تأويل نظم الآية بأن المسلمين الذين استأذنوا في قتل المشركين وهم في مكة أنّهم لمّا هاجروا إلى المدينة كررّوا الرغبة في قتال المشركين، وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم تهدئتهم زماناً، وأنّ المنافقين تظاهروا بالرغبة في ذلك تمويهاً للنفاق، فلمّا كتب القتال على المسلمين جبن المنافقون، وهذا هو الملائم للإخبار عنهم بأنّهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ.
وتأويل وصفهم بقوله ﴿ منهم ﴾ : أي من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم، وهذا على غموضه هو الذي ينسجم مع أسلوب بقية الكلام في قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ وما بعده، كما سيأتي، أمّا على قول السدّي فلا حاجة إلى تأويل الآية.
فالاستفهام في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ للتعجيب، وقد تقدّمت نظائره.
والمتعجّب منهم ليسوا هم جميع الذين قيل لهم في مكة: كُفّوا أيديكم، بل فريق آخر من صفتهم أنّهم يخْشَوْن الناس كخشية الله.
وإنّما عُلّق التعجيب بجميع الذين قيل لهم باعتبار أنّ فريقاً منهم حالُهم كما وصف، فالتقدير: ألم تر إلى فريق من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم.
والقول في تركيب قوله: ﴿ كخشية الله أو أشدّ خشية ﴾ كالقول في نظيره، وهو قوله تعالى: ﴿ فاذكروا الله كذكِركم آباءكم أو أشدّ ذكراً ﴾ في سورة البقرة (200).
وقولهم: ﴿ ربّنا لم كتبت علينا القتال ﴾ إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنِّهم أنّ ذلك بلوى.
(والأجلُ القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله: ﴿ فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق ﴾ [المنافقون: 10].
وقيل: المراد من (الأجل) العمر،.
بمعنى لولا أخرّتنا إلى أن تنقضي آجالنا دون قتال، فيصير تمنّيا لانتفاء فرض القتال، وهذا بعيد لعدم ملائمته لسياق الكلام، إذ ليس الموت في القتال غير الموت بالأجل، ولعدم ملاءمته لوصفه بقريب، لأنّ أجل المرء لا يعرف أقريب هو أم بعيد إلاّ إذا أريد تقليل الحياة كلّها.
وعلى كلا الوجهين فالقتال المشار إليه هنا هو أوّل قتال أمروا به، والآية ذكّرتهم بذلك في وقت نزولها حين التهيُّؤ للأمر بفتح مكة.
وقال السديّ: أريد بالفريق بعض من قبائل العرب دخلوا في الإسلام حديثاً قبل أن يكون القتال من فرائضه وكانوا يتمنّون أن يقاتلوا فلّما كتب عليهم القتال جبُنوا لضعف إيمانهم، ويكون القتال الذين خافوه هو غزو مكة، وذلك أنّهم خشوا بأس المشركين.
وقولهم: ﴿ ربّنا لم كتبت علينا القتال ﴾ يحتمل أن يكون قولاً في نفوسهم، ويحتمل أنّه مع ذلك قول بأفواههم، ويبدو هو المتعيّن إذا كان المراد بالفريق فريق المنافقين؛ فهم يقولون: ربّنا لم كتبت علينا القتال بألسنتهم علناً ليوقعوا الوهن في قلوب المستعدّينَ له وهم لا يعتقدون أنّ الله كتب عليهم القتال، وقال ابن جرير عن مجاهد: نزلت في اليهود، وعليه تكون الآية مثالاً ضربه الله للمسلمين الذين أوجب عليهم القتال، تحذيراً لهم في الوقوع في مثل ذلك، فيكون على طريقة قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ الآية في سورة البقرة (246).
والرؤية بَصَرية، وهي على بعض الوجوه المرويَّة بصرية حقيقية، وعلى بعضها بصرية تنزيلية، للمبالغة في اشتهار ذلك.
وانتصب ﴿ خشيه ﴾ على التمييز لنسبة ﴿ أشد ﴾ ، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ كذكركم رباءكم أو أشدّ ذِكراً ﴾ وقد مرّ ما فيه في سورة البقرة (200).
والجواب بقوله: قل متاع الدنيا قليل } جواب عن قولهم: ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ سواء كان قولهم لسانياً وهو بيّن، أم كان نفسياً، ليعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلُّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرَادوا من الفتنة بقولهم: ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ .
وموقع قوله: ﴿ ولا تظلمون فتيلاً ﴾ موقع زيادة التوبيخ الذي اقتضاه قوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ ، أي ولا تنقصون شيئاً من أعماركم المكتوبة، فلا وجه للخوف وطلب تأخير فرض القتال؛ وعلى تفسير الأجل في: ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ بأجل العُمر، وهو الوجه المستبعد، يكون معنى ﴿ ولا تظلمون فتيلاً ﴾ تغليطهم في اعتقادهم أنّ القتل يعجّل الأجل، فيقتضي أن يكون ذلك عقيدة للمؤمنين إن كانوا هم المخاطبين قبل رسوخ تفاصيل عقائد الإسلام فيهم، أو أنّ ذلك عقيدة المنافقين إن كانوا هم المخاطبين.
وقيل معنى نفي الظلم هنا أنّهم لا يظلمون بنقص ثواب جهادهم، فيكون موقعه موقع التشجيع لإزالة الخوف، ويكون نصبه على النيابة عن المفعول المطلق.
وقيل: معناه أنّهم لا يظلمون بنقص أقلّ زمن من آجالهم، ويجيء على هذا التفسير أن يجعل ﴿ تظلمون ﴾ بمعنى تنقصون، كقوله تعالى: ﴿ ولم تَظْلِمْ منه شيئاً ﴾ [الكهف: 33]، أي كلتا الجنتين من أكلها، ويكون ﴿ فتيلا ﴾ مفعولاً به، أي لا تنقصون من أعماركم ساعة، فلا موجب للجبن.
وقرأ الجمهور: ﴿ ولا تظلمون ﴾ بتاء الخطاب على أنّه أمِر الرسول أن يقوله لهم.
وقرأه ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وروْح عن يعقوب، وخلف بياء الغيبة على أن يكون ممّا أخبر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلّغه إليهم.
والفتيل تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ بل الله يزكّي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 49].
وجملة: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ يجوز أن تكون من تمام القول المحكي بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ .
وإنّما لم تعطف على جملة: ﴿ متاع الدنيا قليل ﴾ لاختلاف الغرضين، لأنّ جملة ﴿ متاع الدنيا قليل ﴾ وما عطف عليها تغليط لهم في طلب التأخير إلى أجل قريب، وجملة: ﴿ أينما تكونوا ﴾ الخ مسوقة لإشعارهم بأنّ الجبن هو الذي جملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب، لأنّهم توهّموا أنّ مواقع القتال تدني الموتَ من الناس.
ويحتمل أن يكون القول قد تمّ، وأنّ جملة ﴿ أينما تكونوا ﴾ توجّه إليهم بالخطاب من الله تعالى، أو توجّه لجميع الأمّة بالخطاب، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء الكلام.
و(أينما) شرط يستغرق الأمكنة (ولو) في قوله: ﴿ ولو كنتم في بروج ﴾ وصلية وقد تقدّم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله: في سورة آل عمران (91): ﴿ فلن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ والبروج جمعُ برج، وهو البناء القويّ والحصْن: والمشيّدة: المبنيّة بالشِّيد، وهو الجصّ، وتطلق على المرفوعة العالية، لأنّهم إذا أطالوا البناء بنوهُ بالجصّ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي.
وقد يطلق البروج على منازل كواكب السماء كقوله تعالى: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجاً ﴾ [الفرقان: 61] وقوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ [البروج: 1].
وعن مالك أنّه قال: البروج هنا بروج الكواكب، أي ولو بلغتم السماء.
وعليه يكون وصف ﴿ مشيدة ﴾ مجازاً في الارتفاع، وهو بصير مجازاً في الارتفاع، وهو بعيد.
يتعيّن على المختار ممّا روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم ﴾ من أنّهم فريق من المؤمنين المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ عائداً إلى المنافقين لأنّهم معلومون من المقام، ولسِبْققِ ذكرهم في قوله: ﴿ وإنّ منكم لَمَنْ ليَبُطَئّن ﴾ [النساء: 72] وتكون الجملة معطوفة عطف قصّة على قصّة، فإنّ ما حكي في هذه الآية لا يليق إلاّ بالمنافقين، ويكون الغرض انتقل من التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنّهم لا يؤمنون بما يبلّغهم النبي صلى الله عليه وسلم من وعد الله بنصر المؤمنين.
وأمّا على رواية السدّي فيحتمل أنّ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثاً من قبائل العرب كانوا على شفا الشكّ فإذا حلّ بهم سوء أو بؤس تطَيِّروا بالإسلام فقالوا: هذه الحالة السوأى من شُؤم الإسلام.
وقد قيل: إنّ بعض الأعراب كان إذا أسلم وهاجر إلى المدينة فنمَت أنّعَامه ورفهت حاله حمِد الإسلام، وإذا أصابه مرض أو موتان في أنعامه تطيَرّ بالإسلام فارتدّ عنه، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته الحمّى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه: «المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها».
والقول المراد في قوله: ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ ﴿ يقولوا هذه من عندك ﴾ هو قول نفسي، لأنّهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علناً لِرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به.
أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين، يقولون: هذه من عند محمد، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب.
ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى: ﴿ ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أنْ أعبُدوا الله ربّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117].
والمأمور به هو: أن اعبدوا الله ربكَ وربَّهم.
وورد أنّ قائل ذلك هم اليهود، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق، لأنّ المعنيّ به معروفون في وقت نزول الآية، وقديماً قيل لأسلافهم ﴿ وإن تُصبهم سّيئة يطيَّروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131].
والمراد بالحسنة والسّيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنةَ الملائمة والكائنةَ المنافرة، كقولهم: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131] وقوله: ﴿ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ [البقرة: 201]، وتعلّقُ فعل الإصابة بهما دليل على ذلك، أمّا الحسنة والسَّيئة بالاصطلاح الشرعي، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين، ولا تعرف إصابتهما لأنّهما اعتباران شرعيان.
وقيل: كان اليهود يقولون: «لمّا جاء محمد المدينة قلَّت الثمار، وغلت الأسعار».
فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثّر في حدوث السّيئات، وأنّه لولاه لكانت الحوادث كلّها جارية على ما يلائمهم، ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدلّ على أنّهم أرادوا هذا المعنى، وهو كلمة (عند) في الموضعين: ﴿ هذه من عند الله هذه من عندك ﴾ ؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التامّ بدليل التسوية في التعبير، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول.
وفي «البخاري» عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يَعبد الله على حرف ﴾ كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونُتجت خيلهُ قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيلهُ قال: هذا دين سوء، وهذا يقتضي أنْ فعل ذلك من مهاجرة العرب: يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة، فلعلّ فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم: ﴿ هذه من عندك ﴾ .
ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ في اعتقادهم أنّه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم، وخاصّة إذا كان قائل ذلك اليهود.
ومعنى ﴿ من عندك ﴾ أي من شؤم قدومك، لأنّ الله لا يعاملهم إلاّ بالكرامة، ولكنّه صار يتخوّلهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحَق الإساءة اليهودَ من جرّاء المسلمين على حدّ ﴿ واتّقوا فتنة ﴾ [الأنفال: 25] الآية.
وقد علَّمه الله أن يجيب بأنّ كلاً من عند الله، لأنّه لا معنى لكون شيء من عند الله إلاّ أنّه الذي قدّر ذلك وهيَّأ أسبابه، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرةً.
وإن كان كذلك فكما أنّ الحسنة من عنده، فكذلك السيّئة بهذا المعنى بقطع النظر عمّا أرادُه بالإحسان والإساءة، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلاّ عن عقل غير منضبط التفكير، لأنّهم جعلوا بعض الحوادث من الله وبعضها من غير الله فلذلك قال: ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ أي يكادون أن لا يفقهوا حديثاً، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلّمهم، وهذ مدلول فعل (كادَ) إذا وقع في سياق النفي، كما تقدّم في قوله: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71].
والإصابة: حصول حال أو ذات، في ذات يقال: أصابه مرض، وأصابته نعمة، وأصابه سَهْم، وهي، مشقّة من اسم الصَّوْب الذي هو المطر، ولذلك كان ما يتصرّف من الإصابة مشعراً بحصوللٍ مفاجئ أو قاهر.
وبعد أن أمر الله رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالّين علَّمه حقيقة التفصيل في إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحّض النسبة إلى الله تعالى أو اختلاطها بالانتساب إلى العبد، فقال: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ .
ووُجِّه الخطاب للرسول لأنّه المبلّغ عن الله، ولأنّ هذا الجوابَ لإبطال ما نَسبه الضالّون إليه من كونه مصدرَ السيّئات التي تصيبهم.
وأعلَمْ أنّ للحوادث كلّها مؤثّراً.
وسبباً مقارناً، وأدلّة تنبئ عنها وعن عواقبها، فهذه ثلاثة أشياء لا تخلو عنها الحوادث كلّها، سواء كانت غير اختيارية، أم اختيارية كأفعال العباد.
فالله قدّر المنافع والمضارّ بعلمه وقدَرِه وخلق مؤثّراتها وأسبابَها، فهذا الجُزء لله وحده لقوله: ﴿ قلْ كلّ من عند الله ﴾ .
والله أقام بالألطاف الموجودات، فأوجدها ويسّر لها أسباب البقاء والانتفاع بما أودع فيها من العقول والإلهامات، وحفّها كلّها في سائر أحوالها بألطاف كثيرة، لولاها لما بقيت الأنواع، وساق إليها أصول الملاءمة، ودفع عنها أسباب الآلام في الغالب، فالله لطيف بعباده.
فهذا الجزءُ لله وحده لقوله: ﴿ قُل كلّ من عند الله ﴾ .
والله نصب الأدلّة للناس على المنافع والمضارّ التي تكتسب بمختلف الأدلّة الضرورية، والعقلية، والعاديةِ، والشرعية، وعَلَّم طرائقَ الوصول إليها، وطرائقَ الحيدة عنها، وأرشد إلى موانع التأثير لمن شاء أن يُمانعها، وبعث الرسل وشَرع الشرائع فعلّمنا بذلك كلّه أحوال الأشياء ومنافعها ومضارّها، وعواقب ذلك الظاهرةَ والخفيّةَ، في الدنيا والآخرة، فأكمل المنّة، وأقام الحُجّة، وقطع المعذرة، فهدَى بذلك وحذّر إذ خلق العقول ووسائل المعارف، ونمَّاها بالتفكيرات والإلهامات، وخلق البواعث على التعليم والتعلّم، فهذا الجزء أيضاً لله وحده.
وأمّا الأسباب المقارنةُ للحوادث الحسنةِ والسيّئةِ والجانيةُ لِجناها حين تصيب الإنسان من الاهتداء إلى وسائل مصادفة المنافع، والجهللِ بتلك الوسائل، والإغضاء عن موانع الوقوع فيها في الخير والشرّ، فذلك بمقدار ما يحصّله الإنسان من وسائل الرشاد، وباختياره الصالحَ لاجتناءِ الخير، ومقداراً ضدّ ذلك: من غلبة الجهل، أو غلبة الهوى، ومن الارتماء في المهالك بدون تبصّر، وذلك جزء صغير في جانب الأجزاء التي قدّمناها، وهذا الجزء جعل الله للإنسان حظّاً فيه، ملَّكَهُ إيّاه، فإذا جاءت الحسنةُ أحداً فإنّ مجيئها إيّاه بِخلْق الله تعالى لا محالة ممّا لا صنعة للعبد فيه، أو بما أرشد الله به العبد حتّى علم طريق اجتناء الحسنة، أي الشيءِ الملائم وخلق له استعداده لاختيار الصالح فيما له فيه اختيار من الأفعال النافعة حسبما أرشده الله تعالى، فكانت المنّة فيها لله وحده، إذ لولا لطفه وإرشاده وهديه، لكان الإنسان في حيَرة، فصحّ أنّ الحسنة من الله، لأنّ أعظم الأسباب أو كلّها منه.
أمّا السيّئة فإنّها وإن كانت تأتي بتأثير الله تعالى، ولكن إصابة معظمها الإنسانَ يأتي من جهله، أو تفريطه، أو سوء نظره في العواقب، أو تغليب هواه على رشده، وهنالك سيّئات الإنسان من غير تسبّبه مثل ما أصاب الأمم من خسْففٍ وأوبئة، وذلك نادر بالنسبة لأكثر السيّئات، على أنّ بعضاً منه كان جزاء على سوء فعل، فلا جرَم كان الحظّ الأعظم في إصابة السيّئة الإنسان لتسبّبه مبَاشرة أو بواسطة، فصحّ أن يسند تسبّبها إليه، لأنّ الجزء الذي هو لله وحده منها هو الأقلّ.
وقد فسَّر هذا المعنى ما ورد في «الصحيح»، ففي حديث الترمذي " لا يصيب عبداً نكبةٌ فما فوقها أو ما دونها إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر ".
وشملت الحسنة والسيِّئة ما كان من الأعيان، كالمطر والصواعق، والثمرة والجراد، وما كان من الأعراض كالصحّة، وهبوب الصّبا، والربْح في التجارة.
وأضدادها كالمرض، والسَّموم المهلكة، والخسارة.
وفي هذا النوع كان سبب نزول هذه الآية، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة للطائع وغيره، والمعاصي الضارّة به وبالناس، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى: ﴿ قل إن ضللت فإنما أضِلّ على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إليّ ربي ﴾ [سبأ: 50] وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه.
ولكون هذه القضية دقيقة الفهم نبّة الله على قلّة فهمهم للمعاني الخفيّة بقوله: ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادُون يفقهون حديثاً ﴾ ، فقوله: ﴿ لا يكادون ﴾ يجوز أن يكون جارياً على نظائره من اعتبار القلب، أي يكادون لا يفقهون، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71] فيكون فيه استبقاءٌ عليهم في المذمّة.
ويجوز أن يكون على أصل وضع التركيب، أي لا يقارِبون فهم الحديث الذي لا يعقله إلاّ الفطناء، فيكون أشدّ في المذمّة.
والفقه فهم ما يَحتاج إلى إعمال فكر.
قال الراغب: «هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد، وهو أخص من العلم».
وعرفه غيره بأنّه «إدراك الأشياء الخفيّة».
والخطاب في قوله: ﴿ ما أصابك ﴾ خطاب للرسول، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك.
وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله: ﴿ قل كلّ من عند الله ﴾ ، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أنّ الله لا يخلق المعصية والشرّ لقوله: ﴿ وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ .
وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب «حَزّ الغلاصم»: إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيّئة هي الطاعة والمعصية، وليستا كذلك.
وأنا أقول: إنّ أهل السنّة ما استدلّوا بها إلاّ قَوْلاً بموجَب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشّر على أنّ عموم معنى الحسنة والسيئة كما بيَّنْته آنفاً يجعل الآية صالحة للاستدلال، وهو استدلال تقريبي لأنّ أصول الدين لا يستدلّ فيها بالظواهر كالعموم.
وجيء في حكاية قولهم: ﴿ يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك ﴾ بكلمة (عنِد) للدلالة على قوّة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيّئة للنبيء عليه الصلاة والسلام أي قالوا ما يُفيد جزمهم بذلك الانتساب.
ولمّا أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: ﴿ قل كلّ من عند الله ﴾ مشاكلة لقولهم، وإعراباً عن التقدير الأزلي عند الله.
وأمّا قوله: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ﴾ فلم يؤت فيه بكلمة (عند)، إيماء إلى أنّ ابتداء مجيء الحسنة من الله ومجيء السيِّئة من نفس المخاطب، ابتداءُ المتسبّب لِسبب الفعل، وليسَ ابتداءَ المؤثِّر في الأثر.
وقوله: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ عطف على قوله: ﴿ وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ للردّ على قولهم: السيئة من عند محمد، أي أنك بُعِثْتَ مُبَلِّغا شريعة وهاديا، ولست مؤثراً في الحوادث ولا تدل مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة.
فمعنى ﴿ أرسلناك ﴾ بعثناك كقوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ [الحجر: 22] ونحوه.
و ﴿ للناس ﴾ متعلق ب ﴿ أرسلناك ﴾ .
وقوله ﴿ رسولا ﴾ حال من ﴿ أرسلناك ﴾ ، والمراد بالرسول هنا معناه الشرعي المعروف عند أهل الأديان: وهو النبي المبلّغ عن الله تعالى، فهو لفظ لقيي دالّ على هذا المعنى، وليس المراد به اسم المفعول بالمعنى اللغوي ولهذا حسن مجيئهُ حالاً مقيَّدة ل«أرسلناك»، لاختلاف المعنيين، أي بعثناك مبلّغاً لا مُؤَثِّراً في الحوادث، ولا أمارةً على وقوع الحوادث السيّئة.
وبهذا يزول إشكال مجيء هذه الحال غير مفِيدة إلاّ التأكيد، حتّى احتاجوا إلى جَعل المجرور متعلّقاً ب ﴿ رسولاً ﴾ ، وأنّه قدّم عليه دلالة على الحصر باعتبار العموم المستفاد من التعريف، كما في «الكشّاف»، أي لجميع الناس لا لبعضهم، وهو تكلّف لا داعي إليه، وليس المقام هذا الحصر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ بِمَكَّةَ في قِتالِ المُشْرِكِينَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهم، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ وهم بِالمَدِينَةِ قالَ فَرِيقٌ مِنهم ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
والرّابِعُ: أنَّها مِن صِفَةِ المُؤْمِنِ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَخافَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ في البُرُوجِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها القُصُورُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ بِأعْيانِها تُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: أنَّها البُيُوتُ الَّتِي في الحُصُونِ وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
وَأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ إذا أظْهَرَتْ نَفْسَها.
وَفي المُشَيَّدَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُجَصَّصَةُ، والشِّيدُ الجِصُّ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ المُشَيَّدَ المُطَوَّلُ في الِارْتِفاعِ، يُقالُ: شادَ الرَّجُلُ بِناءَهُ وأشادَهُ إذا رَفَعَهُ، ومِنهُ أشَدْتَ بِذِكْرِ الرَّجُلِ إذا رَفَعْتَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشَيَّدَ، بِالتَّشْدِيدِ: المُطَوَّلُ، وبِالتَّخْفِيفِ: المُجَصَّصُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ في القائِلِينَ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: اليَهُودُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وَفي الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: البُؤْسُ والرَّخاءُ.
والثّانِي: الخِصْبُ والجَدْبُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: النَّصْرُ والهَزِيمَةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن عِنْدِكَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ بِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: يَعْنُونَ بِالشُّؤْمِ الَّذِي لَحِقَنا مِنكَ عَلى جِهَةِ التَّطَيُّرِ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهَذا الخِطابِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أنَّ الخِطابَ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّبِيِّ وهو المُرادُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّبِيِّ والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الإنْسانِ، وتَقْدِيرُهُ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
وَفي الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ النِّعْمَةُ في الدِّينِ والدُّنْيا، والسَّيِّئَةَ المُصِيبَةُ في الدِّينِ والدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةَ ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ مِن شَجِّ رَأْسِهِ وكَسْرِ رَباعِيَتِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.
والثّالِثُ: أنَّ الحَسَنَةَ الطّاعَةُ، والسَّيِّئَةَ المَعْصِيَةُ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَبِذَنْبِكَ.
والثّانِي: فَبِفِعْلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس.
أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة.
فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم.
فلما حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال فكفوا.
فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم...
﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: «كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة- يسارعون إلى القتال، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ذرنا نتخذ معاول نقاتل بها المشركين.
وذكر لنا أن عبد الرحمن بن عوف كان فيمن قال ذلك، فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: لم أومر بذلك.
فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتال كره القوم ذلك وصنعوا فيه ما تسمعون، قال الله تعالى ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ﴾ إلى قوله: ﴿ لاتّبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ ما بين ذلك في يهود.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ﴾ الآية.
قال: نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إلى أجل قريب ﴾ قال: هو الموت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ إلى أجل قريب ﴾ أي إلى أن يموت موتاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هشام قال: قرأ الحسن ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ قال: رحم الله عبداً صحبها على ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه فلم يرَ شيئاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال: الدنيا قليل، وقد مضى أكثر القليل، وبقي قليل من قليل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية.
يقال: كففت فلانًا عن السوء فكف يكف كفًا، سواء لفظ اللازم والمجاوز (١) وهم بمكة في قتال المشركين، فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال بالمدينة قال فريق منهم ما أخبر الله عنهم.
وهذا قول ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد (٨) (٩) قبل أن يُهاجروا إلى المدينة، يلقون من المشركين الأذى، فيشكون ذلك إلى رسول الله ويقولون: ائذن لنا في قتالهم، ويقول لهم رسول الله: ﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة وأمر بالقتال أمرهم أن يسيروا إلى بدر، فكرهه بعضهم، وهو طلحة (١٠) (١١) وقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل الإيمان بمكة (١٢) وقال عطاء: ﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ عن قتال عبدة الأصنام؛ لأنَّ الله لم يأمر بقتالهم (١٣) : لو أذنت لنا أن نقاتل المشركين.
فأمروا بالكف، وأداء ما افترض عليهم غير القتال، وهو قوله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ﴾ .
قال ابن عباس: فرض عليهم القتال بالمدينة.
وقوله تعالى: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ ﴾ .
قال: يعني عذاب الناس القتل ﴿ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ (١٥) (١٦) ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ .
قال ابن عباس: أو أكثر خشية (١٧) وقال الحسن: من صفة المؤمنين لما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على كراهة أمر الله بالقتال (١٨) ودخلت ﴿ أَوْ ﴾ ههنا من غير شك، ومعناه الإبهام على المخاطب بمعنى أنهم على إحدى الأمرين من المساواة أو الشدَّة -وهذا أصل ﴿ أَوْ ﴾ (١٩) (٢٠) وقيل: دخلت أو للإباحة، على معنى: أنك إن قلت: يخشون الناس كخشية الله، فأنت مُصيب، وإن قلت: يخشونهم أشدَّ من خشية الله، فأنت مصيب (٢١) (٢٢) وقال أهل العلم: في هذه الآية دلالة على أنَّ العبد إذا خاف غير الله استحق مذمة الله تعالى، ألا ترى أن هذا خرج مخرج المذمة لهؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ﴾ .
إنما قالوا هذا جزعًا من الموت وحصرًا على الحياة، لا إنكارًا على الله سبحانه (٢٣) ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد: أفلا أخرتنا إلى الموت.
أي هلَّا تركتنا حتى نموت بآجالنا وعافيتنا من القتل.
قاله السدي (٢٤) ثم أعلم الله عز وجل أنَّ متاع الدنيا قليل، فقال: ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد (٢٥) ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ قال الكلبي: أجل الدنيا قريب (٢٦) وقال الضحاك: عيش الدنيا قليل (٢٧) وقال ابن زيد: يسير ينقطع (٢٨) ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ .
قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة خير لمن اتقى الله ولم يُشرك به شيئًا (٢٩) ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة.
قال (٣٠) (٣١) (٣٢) ومضى الكلام في هذا (٣٣) وقال مجاهد: هذه الآية في اليهود، إلى قوله ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (٣٤) قال: وهؤلاء الذين قيل لهم: ﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ هم الذين ذكروا في قوله ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ الآية [البقرة: 246].
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ قرئ بالياء والتاء (٣٥) ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ ومن قرأ بالتاء فكأنه ضمَّ إليهم في الخطاب المسلمون (٣٦) ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ ، وما في ﴿ قُلْ ﴾ من الخطاب (٣٧) (١) "العين" 5/ 283، "تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كف).
(٢) أخرجه عنه من طريق عكرمة النسائي في "تفسيره" 1/ 394، والطبري 5/ 169 - 170، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 328.
(٣) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401.
(٤) أخرجه الطبري 5/ 169 - 170.
(٥) أخرجه الطبري 5/ 169 - 170، وعبد بن حميد وابن المنذر.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 594.
(٦) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(٧) أخرجه الطبري 5/ 169 - 170، وابن أبي حاتم، انظر: ابن كثير 1/ 576، "الدر المنثور" 2/ 328.
(٨) هو أبو الأسود أو أبو عمر المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني، اشتهر بابن == الأسود، لأن الأسود بن عبد يغوث قد تبناه، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها وكان من الشجعان ومن أول من أظهروا الإسلام، توفي سنة 33 هـ انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 441، "أسد الغابة" 5/ 251، "الإصابة" 3/ 454.
(٩) هو أبو عمرو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجُمحي، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، توفي سنة 36هـ، وقيل بعدها.
انظر: "أسد الغابة" 4/ 294، "سير أعلام النبلاء" 1/ 161، "الإصابة" 3/ 228.
(١٠) هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي من السابقين إلى الإسلام، أحد أصحاب الشورى، ومن العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد أحدًا وما بعدها وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، واستشهد يوم الجمل سنة 36هـ.
.
انظر: "أسد الغابة" 3/ 85، "سير أعلام النبلاء" 1/ 23، "الإصابة" 2/ 229.
(١١) بنحوه في "تفسير الهواري" 1/ 400، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90، وهو بمعنى الأثر عن ابن عباس ومن قال به من التابعين، وتقدم تخريج ذلك.
(١٢) أخرجه بمعناه الطبرى 5/ 170، وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" 2/ 328.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) لم أقف عليه.
(١٥) بنحوه في الأثر المتقدم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(١٦) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 185.
(١٧) انظر:.
"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(١٨) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401، "النكت والعيون" 1/ 507، "الوسيط" 2/ 624، القرطبي 5/ 281.
(١٩) انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 80.
(٢٠) انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 136، "التفسير الكبير" 10/ 186.
(٢١) انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 136.
(٢٢) خلاصة ما قيل -على ما ذكر المؤلف- في: (أو) هنا: أنها إما للإبهام أو للتخيير وهناك قول ثالث لم يذكره المؤلف -وهو للجمهور- أنها بمعنى (الواو) فتكون عاطفة.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 436، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 203، "الكشاف" 1/ 282، "المحرر الوجيز" 4/ 136، "زاد المسير" 2/ 135.
(٢٣) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401، "التفسير الكبير" 10/ 186.
(٢٤) روى معناه عن السدي مقطوعًا الطبري 5/ 170، وابن أبي حاتم.
انظر: "زاد المسير" 2/ 136، "تنوير المقباس" ص90، "الدر المنثور" 2/ 329.
(٢٥) انظر: الطبري 5/ 171، "الكشف والبيان" 4/ 88 أ.
(٢٦) في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90، بلفظ: "منفعة الدنيا".
انظر: "الكشف والبيان" 4/ 88 أ.
(٢٧) انظر: "الوسيط" 2/ 624.
(٢٨) لم أقف عليه.
(٢٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(٣٠) هكذا في المخطوط، والظاهر الموافق للسياق: "قاله".
(٣١) أخرج نحوه عن عطاء مقطوعًا الطبري 5/ 172، 6/ 129، ومن طريق علي ابن أبي طلحة في "تفسير ابن عباس" ص 149، وأخرجه الطبري 5/ 172، 6/ 129، وأخرجه الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس من مسائل نافع ابن الأزرق، انظر: "الدر المنثور" 2/ 329.
وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 164، والطبري 5/ 129، 5/ 172.
(٣٢) أخرجه الطبري 5/ 171، 5/ 129 بنحوه من طرق، وكذا عبد بن حميد وابن المنذر.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 329.
وهذا قول أبي مالك والسدي.
انظر: الطبري 5/ 172، 5/ 129.
(٣٣) عند قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ وهذه الآية في القسم الساقط.
(٣٤) أخرجه الطبري 5/ 184 وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.
(٣٥) قرأ بالياء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالتاء.
انظر: "الحجة" 3/ 172، "المبسوط" ص 156، "البدور الزاهرة" ص 82.
(٣٦) في "الحجة" 3/ 172: "النبي والمسلمون".
(٣٧) من "الحجة " 3/ 172، وانظر: "حجة القراءات" ص 208، "الكشف" 1/ 393.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية، قيل: هي في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال قبل أن يفرض الجهاد، فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمروا به كرهوه، لا شكاً في دينهم، ولكن خوفاً من الموت، وقيل: هي في المنافقين وهو أليق في سياق الكلام ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ وما بعده تحقير للدنيا فتضمن الرد عليهم في كراهتهم للموت ﴿ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ أي في حصون منيعة، وقيل: المشيدة المطولة وقيل المبينة بالشيد وهو الجص ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك من المحبوبا، والسيئة: الهزيمة والجوع وشبه ذلك، والضمير في ﴿ تُصِبْهُمْ ﴾ وفي يقولوا للذين قيل لهم: كفوا أيديكم، وهذا يدل على أنها في المنافقين، لأن المؤمنين لا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن السيئات من عنده ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ رد على من نسب السيئة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلام أن السيئة والحسنة والخير والشر من عند الله أي بقضائه وقدره ﴿ فَمَالِ هؤلاء القوم ﴾ توبيخ لهم على قلة فهمهم ﴿ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به كل مخاطب على الإطلاق، فدخل فيه غيره من الناس، وفيه تأويلان: أحدهما: نسبة الحسنة إلى الله، والسيئة إلى العبد تأدباً مع الله في الكلام، وإن كان كل شيء منه في الحقيقة، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام: «والخير كله بيدك والشر ليس إليك» وأيضاً: فنسبة السيئة إلى العبد لأنها بسبب ذنوبه، لقوله: ﴿ وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30]، فهي من العبد بتسببه فيها، ومن الله بالخلقة والاختراع، والثاني: أن هذا كلام القوم المذكورين قبل، والتقدير يقولون: كذا فمعناها كمعنى التي قبلها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليبطئن ﴾ ونحوه مثل ﴿ فلننبئن ﴾ و ﴿ لنبوّئنهم ﴾ بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يغلب فسوف ﴾ وبابه نحو ﴿ إن تعجب فعجب ﴾ ﴿ اذهب فمن تبعك ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام.
﴿ ولا يظلمون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ بيت طائفة ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة.
الوقوف: ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ ليبطئن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ شهيداً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ بالآخرة ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ أهلها ﴾ ج ﴿ ولياً ﴾ كذلك للتفصيل بين الدعوات ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج للفصل بين القصتين المتضادتين ﴿ أولياء الشيطان ﴾ ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام.
﴿ ضعيفاً ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ واقع على قوله: ﴿ إذا فريق منهم يخشون ﴾ .
﴿ خشية ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ القتال ﴾ ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول.
﴿ قريب ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ج للفصل بين وصف الدارين.
﴿ فتيلا ﴾ ه ﴿ مشيدة ﴾ ط للعدول لفظاً ومعنى.
﴿ من عند الله ﴾ ط للفصل بين النقيضين ﴿ من عندك ﴾ ج.
﴿ من عند الله ﴾ ط.
﴿ حديثاً ﴾ ه.
﴿ فمن الله ﴾ ز فصلاً بين النقيضين ﴿ فمن نفسك ﴾ ط.
﴿ رسولاً ﴾ ه.
﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ أطاع الله ﴾ ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر ﴿ حفيظاً ﴾ ط لاستئناف الفعل بعدها ﴿ طاعة ﴾ ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد.
﴿ يقول ﴾ ط ﴿ يبيتون ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم.
﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل.
يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه.
والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم.
وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه ممايتقي به ويحذر.
فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟
قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.
﴿ فانفروا ﴾ إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال : "وإذا استنفرتم فانفروا" .
﴿ ثبات ﴾ جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة.
والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته.
﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحداناً *** والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة.
﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله وهو ﴿ يا ليتني ﴾ والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني.
وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي.
﴿ كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز.
والخطاب في قوله: ﴿ وإن منكم ﴾ للمذكورين في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان.
والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.
وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين.
وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: { ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ﴾ ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ﴾ ومعناه يشترون أو يبيعون.
وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد.
وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة.
والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون.
وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال.
﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ﴾ وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ.
وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح.
والولدان جمع ولد كخربان في خرب.
وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً.
وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء.
والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل.
والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز.
وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء.
﴿ واجعل لنا من لدنك وليّاً ﴾ أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا.
فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا.
قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة.
ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه.
والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال.
وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة.
ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟
قول : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله : ائذن لنا في قتال هؤلاء.
فيقول لهم : "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم.
فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم" .
الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" فنزلت.
وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا.
واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله بقولهم: ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة.
والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ في شأنهم بلا اختلاف.
وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله.
وإذا في ﴿ إذا فريق ﴾ للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم.
وقوله: ﴿ كخشية الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.
ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: ﴿ أو أشد ﴾ ثم نصب ﴿ خشية ﴾ على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله.
نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل ﴿ أشد ﴾ مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها.
وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين.
أو هذا نظر قوله ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام.
﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: ﴿ لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق ﴾ وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه.
ومعنى ﴿ لولا أخرتنا ﴾ هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لن اتقى ﴾ فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال : " "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.
ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة.
والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها.
والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى.
قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم.
فقوله : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ .
وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة.
وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة.
فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة.
فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟
ولهذا تعجب من حالهم وقال: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم.
قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه ما خلقها.
والجواب: أنه لا يسأل عما يفعل.
وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي.
وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً.
والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي.
قوله عز من قائل: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية.
ثم إنه أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وما أصابك ﴾ أي يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية.
قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها.
وقال في الكشاف: ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فمن الله ﴾ تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن عندك ﴾ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " .
وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه.
لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله .
والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء ﴿ فمن نفسك ﴾ بصريح الاستفهام.
ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله قوله بعد ذلك: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله.
قال علماء المعاني: قوله ﴿ رسولاً ﴾ حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و ﴿ للناس ﴾ صفة ﴿ رسولاً ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلناك ﴾ وإلاّ لقيل إلى الناس.
فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً.
وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق.
والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ ولقوله: "بعثت إلى الخلق كافة" والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة.
وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه مبعوث إلى الثقلين لقوله : ﴿ وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ الآية.
فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية.
فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن.
ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله.
قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله هذه الآية.
وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله.
﴿ ومن تولى ﴾ قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها.
وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي.
﴿ فما أرسلناك ﴾ لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده.
والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ ثم نسخ بآية الجهاد.
ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / ﴿ ويقولون ﴾ أي حين ما أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره ﴿ فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة.
قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت.
وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً..
الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر.
ثم إنه خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفرهونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم.
وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا.
قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار.
﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره.
قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد.
والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وهو ذكر الله ﴿ فانفروا ثبات ﴾ جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة ﴿ وإن منكم ﴾ أيها الصدّيقون ﴿ لمن ليبطئن ﴾ من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة.
﴿ والمستضعفين من الرجال ﴾ أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها ﴿ والنساء ﴾ أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة.
﴿ والولدان ﴾ الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب ﴿ من هذه القرية ﴾ قرية البدن ﴿ الظالم أهلها ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ نصيراً ﴾ شيخاً مربياً ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ من أهل السلامة ﴿ كفوا أيديكم ﴾ من الاعتصام بحبل أهل الملامة ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم.
﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة.
فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أجسام قوية مجسمة ﴿ وإن تصبهم ﴾ يعني أهل البطالة ﴿ حسنة ﴾ من فتوحات غيبية ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً ﴿ وإن تصبهم سيّئة ﴾ من الرياضات والمجاهدات ﴿ يقولوا ﴾ للشيخ ﴿ هذه من عندك ﴾ أي بسببك وسعيك ﴿ قل كل من عند الله ﴾ القبض والبسط والفرح والترح ﴿ ما أصابك ﴾ من فتح وموهبة ﴿ فمن الله ﴾ فضلاً وكرماً ﴿ وما أصابك من سيّئة ﴾ بلاء وعناء ﴿ فمن ﴾ شؤم صفات ﴿ نفسك ﴾ الأمارة.
والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله ، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم.
﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة.
﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ﴿ ما يبيتون ﴾ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ واصبر معهم ﴿ وتوكّل على الله ﴾ فلعل الله يصلح بالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ...
﴾ الآية.
اختلف فيه؛ قيل: نزلت الآية في بني إسرائيل، وهي الآية التي ذكرها الله - - في سورة البقرة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ .
وقيل: إنها نزلت في المؤمنين من أصحاب رسول الله استأذنوا رسول الله في قتال كفار مكة سرّاً؛ لكثرة ما يلقون من الأذى منهم؛ فنزل قوله - -: ﴿ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ أي: لم أؤمر بالقتال، فنهاهم عن ذلك، فلما كتب عليهم القتال وأمروا به كرهوا ذلك؛ فدل قوله - -: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وقيل: إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يقاتلون مع النبي، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ أي: يخشون الناس - يعني المنافقين - كخشية المؤمنين الله أو أشد خشية؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً ﴾ .
وإن كانت في المؤمنين؛ فتأويله: يخشون الناس في القتال كخشية الله في الموت أو أشد خشية؛ لأنه أهيب وأسرع نفاذاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ...
﴾ الآية.
تكلموا في ذلك: فمنهم من جعله خبراً عن أمر بني إسرائيل الذين قالوا لنبي لهم: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً...
﴾ الآية، أنهم إذا أمروا بالكف عن مقاتلته تمنوا الإذن في ذلك، وسألوا نبيهم - - عن ذلك، ثم فيهم من أعرض عن الطاعة، وقد كان أهل الإيمان يتمنون الإذن في ذلك؛ كقوله - -: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ فوعظوا بمن ذكرت؛ ليقبلوا العافية، ولا يتمنوا محنة فيها شدّة، فيبعثهم على ما بعث أولئك.
وروي عن رسول الله أنه قال: "لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ العَافِيَةَ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَشوروا فِي وُجُوهِهِمْ" أو كان في علم الله - وتعالى - أن يأمرهم، فَأُخْبِرُوا بالذين قتلوا وحل بهم؛ لئلا يفعلوا مثل فعلهم، والله أعلم.
وخشيتهم كخشية الله؛ كقوله - -: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ...
﴾ إلى تمام القصة.
وقد قيل: الآية نزلت فيما سألوا رسول الله فأجيبوا في ذلك، ثم خاطبهم الذي ذكر.
لكن اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: كان ذلك في المصدقين؛ لكن اشتد عليهم الأمر، وذلك [نحو] ما كان منهم يوم حنين وأحد [ونحو ذلك]، حتى أغاثهم الله - - وفرج عنهم بِمنَّه، وعلى ذلك قوله - -: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي: ما فيه الموت من الجهاد، وعلى ذلك: ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ، فلما عاينوا السبب الذي فيه هلاكهم، وتبلغ عند ذلك الخشية غايتها؛ نحو قرب الموت وشدة المرض؛ يكون المرء يخشى منه الموت ما لا يخشى لولا تلك الحال؛ لأنه يرى الموت من المرض، وإن كان الذي يظهر عليه من خشية الموت في تلك الحال أشد، فهو - في الحقيقة - خشية من الله - - أن يكون جعل ذلك سبب الموت، وأنه حضره وقرب منه؛ فيكون في ظاهر الأمر كمن يخشى من تلك الأحوال، وقد جعل لما جبل عليه الخلق في مثله معروف مثله؛ أعني: أن المريض [عند الموت لما يغلب] عليه الإياس من حياته، وإن كان الذي يصيبه يستوي عليه أحواله، فعلى ذلك أمر الأول.
وعلى ذلك فيما طبع عليه الخلق من طمأنينة القلب عند ملك أسباب الرزق والقدرة عليه ما لم يكن في غيرها، وإن كان من حيث قدرة الله - - واحد؛ فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية، لا اختيارية، أو سخط بحكم الرب، وهو كالذي جاء في قوله - -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...
﴾ الآية: [البقرة: 216].
وقوله - على ذلك -: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ...
﴾ الآية، يحتمل وجهين: أحدهما: الخبر عما في طباعهم، كما قال - عز وجل - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...
﴾ الآية [البقرة : 216]، وقال [النبي] : "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ" وإنما ذلك على الطبع فذلك الطبع كالسائل عن ذلك، وربما يضيفون القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر فيما علم أنهم يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو، ولا يملكون أنفسهم في ذلك الوقت؛ فأخبر الله - عز وجل - أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع بالدنيا، ولو صوروا متاع الآخرة في قلوبهم لذهب عنهم ذلك، ويثبتون للعدو، ولا يبالون للعدو بما يحل بهم، ولا يخشون لذلك، وكأنه وعد لهم أن متاع الآخرة لكم على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم، وما وعد لكم عليه خير من متاع الدنيا.
وأيضاً: أن يقال: إن هذا وإن عظم هوله على الطبع، فإنه إذا كان لله بحق العبادة لهو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر؛ إذ يريهم الله متاع الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة؛ فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت فهو خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت، ولا ذلك منه، كما قيل في تأويل قوله : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" إن المؤمن يرى ما له من الكرامة؛ فيحب الموت أن يعجل به؛ ليصل إلى ذلك، والكافر يرى سخطه فيكرهه، وعلى هذا تأويل القول في الدنيا أنها: "سِجْنُ المُؤْمِن وَجَنَّة الْكَافِرِ" أن تكون كذلك في ذلك الوقت، والله أعلم.
وتأويل آخر: أن تكون الآية في المنافقين: أنه يظهر عليهم النفاق وقت المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات، قال الله - -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ...
﴾ الآية [محمد: 20]، بين ما نزل بالمنافقين، وكذلك قوله - -: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ...
﴾ - والله أعلم - فيمن نزلت الآية، لكنها معلوم أن فيها ترغيباً فيما عند الله، وتزهيداً في الدنيا، ودعاء إلى الرضا بحكم الله - - فيما خف وثقل، والله المستعان.
وعلى التأويل الآخر: جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين، مذكور ذلك في الآيات التي ذكرتها، وفيهم قال الله - -: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 16]، وغير ذلك مما دل على إنكارهم، وفضل خوفهم في ذلك، والله أعلم.
فإن قال قائل: كيف قال الله - -: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ وقد هلك به أكثر البشر؟
قيل: قد يخرج على وجوه - والله أعلم -: أحدها: أنه يضعف كيده على من تعوَّذ بالله - - كقوله - -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ...
﴾ الآية [الأعراف: 200]، وإنما يقوى على من جنح له، ومال إلى ما دعاه إليه؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ...
﴾ الآية إلى قوله - -: ﴿ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ﴾ .
والثاني: أن يكون ضعيفاً على المقبل على ربه، والذاكر له في أحواله، والمفوض أمره إلى ربه، فأما من تولاه وأقبل على إشارته فهو الذي جعل له السلطان على نفسه بما آثره في شهواته، ومال به هواه، وهو كقوله - -: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [النحل: 99]، وقد سماه الله - -: ﴿ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ﴾ ، بما يخنس بذكر الله - - ويوسوس عند الغفلة عن الله، فكان سلطانه به، والله الموفق.
والثالث: أنه لا يملك الجبر والقهر ولا اكتساب الضرر في الأبدان والأموال، فهو ضعيف، والله أعلم.
والرابع - والله أعلم -: أن يكون كان ضعيفا، أي: صار ضعيفا عند نصر الله ومعونته، والله أعلم.
ويحتمل: كان ضعيفا لو ظهر، حتى يعلم أنه شيطان، لكن قوي بما لا يعلم المغرور أنه كيده وتغريره، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ ﴾ .
قيل: في حرف حفصة: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية الله" كأن في الآية إضماراً، يبين ذلك حرف حفصة، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى يكون قوله - -: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ...
﴾ الآية - جواباً له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ...
﴾ فإن كانت الآية في المنافقين، فهو على الإنكار قالوا ذلك، وإن كانت في المؤمنين فهو يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال عليهم؛ طلبوا أي حكمة في فرض القتال علينا؟
وقد تطلب الحكمة في الأشياء، ولا عيب يدخل في ذلك، وأصله: أن كل آمر - في الظاهر - من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر؛ فيخرج سؤاله مخرج الخضوع والتضرع له، ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال، فهو يخرج على الأمر والنهي، وهو الأمر الظاهر في الناس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: إنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها، إنما خلقناكم للآخرة وللمقام فيها، فلو خلقتكم للدنيا ثم كتبت عليكم القتال - لكان ذلك عبثاً خارجاً عن الحكمة، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها.
ويحتمل قوله - -: ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ وقوله - -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ...
﴾ إلى آخره، أن لم يقولوا ذلك قولا، ولكن كان ذلك خطراً في قلوبهم، فأخبرهم نبي الله عما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - - ليدلهم على نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ فنموت حتف أنفنا ولا نقتل، قتلا؛ فَيُسَرٌّ بذلك الأعداء؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وفي القتل فتنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا، ولكن إنما خلقوا لمتاع الآخرة.
والثاني: أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة، كقوله - وتعالى -: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ لأن متاع الآخرة دائم غير منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
ألم تعلم -أيها الرسول- شأن بعض أصحابك الذين سألوا أن يُفرض عليهم الجهاد، فقيل لهم: امنعوا أيديكم عن القتال، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة -وكان ذلك قبل فرض الجهاد- فلما هاجروا إلى المدينة، وصار للإسلام منعة، وفُرِض القتال؛ شَقَّ ذلك على بعضهم، فصاروا يخافون الناس كخوفهم من الله أو أشد، وقالوا: يا ربنا، لم فرضت علينا القتال؟
هلَّا أخرته مدة قريبة حتى نتمتع بالدنيا، قل لهم -أيها الرسول-: متاع الدنيا مهما بلغ قليل زائل، والآخرة خير لمن اتقى الله تعالى لدوام ما فيها من النعيم، ولا تُنْقصون من أعمالكم الصالحة أي شيء، ولو كان قَدْر الخيط الذي في نواة التمرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.wrla8"
أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي فقالوا يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: "أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم"، فلما حوله الله إلى المدينة أمرهم بالقتال فكفوا، فأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية.
ذكره السيوطي في لباب النقول.
ورواه ابن جرير في تفسيره، وعنده روايات أخرى أنها في أُناس من الصحابة على الإبهام.
إنني أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها لأنني أُبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به، وهذه الآية متصلة بما قبلها فإن الله تعالى أمر بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم وأمرهم بما أمرهم من القتال في سبيله وإنقاذ المستضعفين، ثم ذكر بعد ذلك شأنًا آخر من شؤونهم، وذلك أن المسلمين كانوا قبل الإسلام في تخاصم وتلاحم وحروب مستعرة مستمرة ولا سيما الأوس والخزرج، فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بالإسلام وبعد هجرة النبي إليهم.
أمرهم الإسلام بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه عليهم فكرهه الضعفاء منهم، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾ الاستفهام للتعجيب منهم إذ أمرهم الله تعالى باحترام الدماء، وكف الأيدي عن الاعتداء، وبإقامة الصلاة، وبالخشوع والعبودية لله، وتمكين الإيمان في قلوبهم، وبإيتاء الزكاة التي تفيد مع تمكين الإيمان شد أواخي التراحم بينهم، فأحبوا أن يكتب الله عليهم القتال ليجروا على ما تعودوا، فلما كتبه عليهم للدفاع عن بيضتهم، وحماية حقيقتهم، كرهه الضعفاء منهم، وكان عليهم أن يفقهوا من الأمر بكف الأيدي أن الله تعالى لا يحب سفك الدماء، وأنه ما كتب القتال إلا لضرورة دفاع المبطلين المغيرين على الحق وأهله لأنهم خالفوا أباطيلهم، واتبعوا الحق من ربهم، فيريدون أن ينكلوا بهم، أو يرجعوا عن حقهم، فأين محل الاستنكار في مثل هذه الحال؟
فهؤلاء هم ضعفاء المسلمين الذين ذكر أنهم يبطئون عن القتال ولذلك قال: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ و "أو" هنا بمعنى "بل" أي أنهم يخشون الناس بالقعود عن قتالهم على ما فيه من مخالفة أمر الله تعالى، ولما كان من شأن الذي يساوي بين اثنين من الخشية أن يميل إلى هذا تارة وإلى الآخرة تارة، وكان هؤلاء قد رجحوا بترك القتال خشية الناس مطلقًا قال "أو أشد خشية" أي بل أشد خشية.
كان بعض أهل القوم بطرًا جاهلًا إذا أصابه خير ونعمة يقول إن الله تعالى قد أكرمه بما أعطاه من ذلك وأصدره من لدنه وساقه إليه من خزائن فضله عناية منه به لعلو منزلته، وإذا وصل إليه شر- وهو المراد من السيئة - يزعم أن منبع هذا الشر هو النبي ، وأن شؤم وجوده هو ينبوع هذه السيئات والشرور.
فهؤلاء الجاهلون الذين كانوا يرون الخير والشر والحسنة والسيئة يتناوبانهم قبل ظهور النبي وبعده كانوا يفرقون بينهما في السبب الأول لكل منهما فينسبون الخير أو الحسنة إلى الله تعالى على أنه مصدرها الأول ومعطيها الحقيقي، يشيرون بذلك إلى أنه لا يد للنبي فيه وينسبون الشر أو السيئة إلى النبي على أنه مصدرها الأول ومنبعها الحقيقي، كذلك وأن شؤمه هو الذي رماهم بها وهذا هو معنى ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أو ﴿ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي من لدنه ومن خزائن عطائه ومن لدنك ومن رزاياك التي ترمي بها الناس.
فرد الله عليهم هذه المزاعم بقول: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي أن السبب الأول وواضع أسباب الخير والشر المنعم بالنعم والرامي بالنقم إنما هو الله وحده وليس لِيُمْن ولا لشؤم مدخل في ذلك، فهو بيان للفاعل الأول الذي يرد إليه الفعل فيما لا تتناوله قدرة البشر ولا يقع عليه كسبهم، وهو الذي كان يعنيه أولئك المشاقون عندما يقولون الحسنة من الله والسيئة من محمد، أي أنه لا دخل لاختيارهم في الأولى ولا في الثانية، وأن الأولى من عناية الله بهم، والثانية من شؤم محمد عليهم، فجاءت الآية ترميهم بالجهل فيما زعموا ولو عقلوا لعلموا أن ليس لأحد فيما وراء الأسباب المعروفة فعل، الخير والشر في ذلك سواء.
هذا فيما يتعلق بمن بيده الأمر الأعلى في الخير والشر والنعم والنقم أما ما يتعلق بسنة الله في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك فالأمر على خلاف ما يزعمون كذلك، فإن الله قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في توفير أسباب سعادتنا والبعد عن مساقط الشقاء، فإذا نحن استعملنا تلك المواهب فيما وهبت لأجله وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير وذلك إنما يكون بتصحيح الفكر وإخضاع جميع قوانا لأحكامه وفهم شرائع الله حق الفهم والتزام ما حدده فيها فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة ونبعد عن الشقاء والتعاسة، وهذه النعم إنما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من الله تعالى، فما أصابك من حسنة فمن الله، لأن قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها الحسنات، بل واستعمالك لتلك القوى إنما هو من الله، لأنك لم تأت بشيء سوى استعمال ما وهب الله، فاتصال الحسنة بالله ظاهرن ولا يفصلها عنه فاصل لا ظاهر ولا باطن.
وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا، وفرطنا في النظر في شؤوننا، وأهملنا العقل وانصرفنا عن سر ما أودع الله في شرائعه، وغفلنا عن فهمه، فاتبعنا الهوى في أفعالنا، وجلبنا بذلك الشر عن أنفسنا، كان ما أصابنا من ذلك صادرًا عن سوء اختيارنا، وإن كان الله تعالى هو الذي يسوقه إلينا جزاء ما فرطنا، ولا يجوز لنا أن نسبب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه.
ونسبة الشر والسيئات إلينا في هذه الحالة ظاهرة الصحة، فأما المواهب الإلهية بطبيعتها فهي متصلة بالخير والحسنات وغنما يبطل أثَرها إهمالُها، أو سوء استعمالها، وعن كلا الأمرين يساق الشر إلى أهله وهما من كسب المهملين وسيّئي الاستعمال، فحق أن ينسب إليهم ما أصيبوا به وهم الكاسبون لسببه، فقد حالوا بكسبهم بين القوى التي غرزها الله فيهم لتؤدي إلى الخير والسعادة وبيّن ما حقها أن تؤدي إليه من ذلك، وبعدوا بها عن حكمة الله فيها وصاروا بها إلى ضد ما خلقت لأجله، فكل ما يحدث بسبب هذا الكسب الجديد فأجدر به أن لا ينسب إلا إلى كاسبه.
وحاصل الكلام في المقامين أنه إذا نظر إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو الله وحده ولا يجوز أن يقال إن سواه يقدر على ذلك، ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلامًا، لأن نسبة الخير إلى الله ونسبة الشر إلى شخص من الأشخاص، بهذا المعنى، مما لا يكاد يعقل، فإن الذي يأتي بالخير ويقدر على سوقه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه، فالتفريق ضرب من الخبل في العقل.
وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا الله الخلق إلى استعمالها ليكونوا سعداء ولا يكونوا أشقياء فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب الله فذلك من فضل الله لأنه أحسن استعمال الآلات التي مَنَّ الله عليه بها فعليه أن يحمد الله ويشكره على ما أتاه، ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فهو الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب، وليس بسائغ له أن ينسب شيئًا من ذلك إلى النبي ولا إلى غيره، فإن النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ولم يقهره على إتيان ما كان سببًا في الانتقام منه.
فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا الله وحمدوك -(يا محمد)- على ما ينالون من خير، فإن الله هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير وأنت داعيهم لالتزام شرائع الله وفي التزامها سعادتهم.
ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللائمة على أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود الله فعند ذلك يعلمون أن الله قد انتقم منهم للتقصير، أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته لأن الكل من عنده وإنما ينعم على من أحسن الاختيار ويسلب نعمته عمن أساءه.
وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه من مجالب النقم، وطاعة الله إنما تكون بإتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله.
ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب فإنك لو كنت فقيرًا وأعطاك والدك مثلًا رأس مال فاشتغلت بتنميته وبالاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد في الإنفاق وصرت بذلك غنيًا فإنه يحق لك أن تقول إن غناك إنما كان من ذلك الذي أعطاك رأس المال وأعدك به للغنى، أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه واطلع على ذلك منك فاسترد ما بقي منه وحرمك نعمة التمتع به فلا ريب أن يقال إن سبب ذلك إنما هو نفسك وسوء اختيارها مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد وهو والدك، غير أن الأمر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يحب لأن تحويل الوسائل عن الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها، إنما ينسب إلى من حولها وعدل بها عما كان يجب أن تسير إليه.
وهناك للآية معنى أدق، يشعر به ذو وجدان أرق مما يجده الغافلون من سائر الخلق، وهو أن ما وجدت من فرح ومسرة وما تمتعت به لذة حسية أو عقلية فهو الخير الذي ساقه الله إليك واختاره لك وما خلقت إلا لتكون سعيدًا بما وهبك، أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك، ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما سبق إليك لفرحت بالمحزن فرحك بالسار، وإنما أنت بقصر نظرك تحب أن تختار ما لم يختره لك العليم بك المدبر لشأنك، ولو نظرت إلى العالم نظرة من يعرفه حق المعرفة وأخذته كما هو وعلى ما هو عليه لكانت المصائب لديك بمنزلة التوابل الحريفة يضيفها طاهيك على ما يهيئ لك من طعام لتزيده حسن طعم، وتشحذ منك الاشتهاء لاستيفاء اللذة، واستحسنت بذلك كل ما اختاره الله لك ولا يمنعك ذلك من التزام حدوده والتعرض لنعمه، والتحول عن مَصَابّ نقمه، فإن اللذة التي تجدها في النقمة إنما هي لذة التأديب، ومتاع التعليم والتهذيب، وهو متاع تجتني فائدته، ولا تلتزم طريقته، فكما يسر طالب الأدب أن يتحمل المشقة في تحصيله وأن يلتذ بما يلاقيه من تعب فيه، يسره كذلك أن يرتقي فوق ذلك المقام إلى مستوى يجد نفسه فيه متمتعًا بما حصل، بالغًا ما أمل، وفي هذا كفاية لمن يريد أن يكتفي.
<div class="verse-tafsir"