الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الشورى
تفسيرُ سورةِ الشورى كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 98 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ حـمۤ ﴾ هو اسم من أسماء الله .
وقيل: هو اسم من أسماء القرآن.
وقال بعضهم: ﴿ حـمۤ ﴾ أي: قضى ما هو كائن.
وقد ضعف هذا القول ابن عباس، .
والصحيح من الأقوال: أن "حم" خبر مبتدأ محذوف، و"تنزيل الكتاب" خبره ﴿ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ صفة الكتاب، والتقدير: هذا حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم.
وقال بعضهم في ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ : عين عبارة عن عذابه، والسين عن المسخ، والقاف كناية عن القذف، يقول صاحب هذا القول: يخرج عين من الأرض فيها عذاب، ويمسخ رجل من هذه الأمة بالبادية فيقذفه الناس بالحجارة، والله أعلم.
وقال بعضهم - وهو قول ابن عباس -: ﴿ حـم * سق ﴾ على إسقاط حرف العين، ثم يقول: السين كل فرقة تكون، والقاف كل جماعة تكون.
وذُكِرَ: كان يعلم علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حساب العين، وكذلك ذكر في ابن مسعود وأبي - ما - و ﴿ حـم * سق ﴾ على طرح العين.
وقال بعضهم: العين عبارة عن العذاب، والسين عبارة عن سيكون، والقاف عبارة عن الوقوع، أي: قضى ما سيكون ذلك، والله أعلم.
وذكر عن جعفر من محمد بن علي - م - قال: العين عبارة عن العذاب، والسين عبارة عن سيكون، ولم يفسر القاف وقال: عجب أو كلام نحوه، والله أعلم.
وقال بعضهم: العين عبارة عن علمه، والسين السلام، والقاف عبارة عن القدرة، وكذا محتمل.
وجائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف المقطعة عبارة عن صفة من صفاته أو اسم من أسمائه، على عادة العرب بالاكتفاء عن حرفٍ عبارة عن جميع الكلمة: فالحاء عبارة عن حلمه وحكمته وحكمه، والميم عبارة عن ملكه ومجده، والعين عبارة عن علمه، والسين عبارة عن سنائه وسؤدده، والقاف عبارة عن قدرته وقوته يكون كل حرف من هذه الحروف عبارة عن اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وعبارة عن حكم من أحكامه، وهذا الذي ذكرنا كله على الإمكان والاحتمال لا يسع أن يحقق فيه التفسير أنه كذا، وأنه أراد كذا؛ لأنه من المتشابه، وأنه من السر الذي لم يطلع الله - - عليه أحداً إلا رسله، عليهم الصلاة والسلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ، أي: كما أوحى إليك فقد أوحى إلى الذين من قبلك مثله.
ثم اختلف في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ قال بعضهم: أي: كما أوحينا إليك بسورة ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ أوحينا بها إلى الذين من قبلك.
وقال بعضهم: أي: كما أوحينا إليك بهذه الحروف، يعني: ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ بعينها فقد أوحينا بعين هذه الحروف إلى الذين من قبلك، وهي ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ .
وقال بعضهم: كما أوحينا إليك ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ أوحينا إلى الذين من قبلك من الرسل بمعنى ذلك.
وعن ابن عباس - - أنه قال: ليس نبي إلا وقد أوحي إليه بـ ﴿ حـمۤ * عۤسۤقۤ ﴾ كما أوحي إلى النبي ، وهو على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
يخرج ذكر هذا في هذا الموضع على وجوه: أي: له ما في السماوات وما في الأرض شهود على ألوهيته ووحدانيته.
والثاني: أن ما في السماوات والأرض وما فيها له دلالات وحدانيته وربوبيته.
والثالث: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: كلهم عبيده وملكه؛ فلا يحتمل أن يتخذ من ملكه وعبيده ما ذكروا من: الولد، والشريك، والصاحبة، وما قالوا؛ إذ لا أحد يتخذ من عبيده ومن ملكه ما ذكروا: من الولد، والشريك، والصاحبة؛ فعلى ذلك يتعالى الله عن أن يكون له في ملكه ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ ﴾ .
العلوّ والعظمة - في الشاهد - يكون من وجوه ثلاثة: أحدها: العلو عبارة عن القهر والغلبة؛ يقال: فلان عال؛ أي: غالب وقاهر.
والعظمة عبارة عن القدر، والمنزلة، ونفاذ الأمر.
والثاني: يكون العلو عبارة عن الكبرياء، والسؤدد، وكذلك العظمة.
والثالث: العلو يكون عبارة عن الارتفاع في المكان، والعظمة: عظمة في البدن والنفس، وهذا مما لا يكون فيه كثرة منقبة وقدر، ولا شيء من ذلك، ولا يزيد ذلك في صاحبه رفعة ولا مرتبة ، والله يتعالى عن الوصف بهذا، فإنما رجع الوصف له بالعلوّ والعظمة إلى الوجهين الأوّلين، والسلطان، والقدرة، ونفاذ الأمر والمشيئة والكبرياء، والغلبة.
فأمّا ما رجع إلى الارتفاع في الأمكنة، والعظمة في البدن - فهو صفة المخلوق، وهم الموصوفون بذلك، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: تكاد يتفطرن لذنوب أهل الأرض، وفسادهم، وعظيم ما قالت الملاحدة في الله من الولد، والشريك، والصاحبة، كادت تنشق لذلك وتتساقط، كقوله في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ، بين في هذه الآية أنها كادت تنفطر وتنشق لماذا؛ وهو دعواهم للرحمن ولدا؛ فلذلك يحتمل - هاهنا - هذا المعنى، والله أعلم.
والثاني: كادت تنشق لبكاء أهلها عليها، وإشفاقاً ورحمة على أهل الأرض.
ويحتمل: تكاد تنشق لعظمة الربّ، وجلاله، وعظم سلطانه؛ كقوله - -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنه لو جعل في الجبال والأرض والسماء من المعنى والتمييز ما جعل في البشر، لكانت هذه الأشياء بالوصف الذي ذكر من الخضوع لربّها، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ يخبر عن شدّة خضوع هذه الأشياء وخشوعها لربّها وتذللها له، وعناد الكفرة واستكبارهم، وقلة خضوعهم لربّهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله - - ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ ؛ لكثرة أهلها وازدحامهم فيها، وعبادتهم لربهم، على ما ذكر في الخبر عن النبي : "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم فيها إلا وملك فيها: ساجد، أو راكع، أو قائم، يسبّح الله - - ويصلي له" ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .
هذا يدل على أنّ ما ذكر من تفطر السماء؛ لعظم ما يقوله الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، حيث قال على إثره: ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ ، أي: الملائكة ينزهونه ويبرئونه عما يقولون فيه، ويثنون عليه بالثناء الذي يليق به، ويصفونه بما هو أهله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ امتحنهم - جل وعلا - بالتسبيح، والثناء له، والاستغفار لأهل الأرض، على ما ذكر.
ثم قال بعضهم: إن قوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ منسوخ بقوله - -: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ ؛ لأنّ الأول عام لجميع أهل الأرض، والثاني خاص، لكن هذا بعيد، ومحال أن يستغفر الملائكة، ويطلبون التجاوز من ربهم لمن يقول له بالشريك والولد والصاحبة، وإذا كان كذلك كان استغفارهم يرجع إلى المؤمنين خاصة؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ ؛ فكان المراد من العام: هو الخاص؛ لأنّ المراد منه العموم، ثم صار منسوخاً بورود الخاص متراخياً، والله أعلم.
ثم إن كان استغفارهم لجملة أهل الأرض - على ما يقولون - فهو عبارة عن طلب السبب الذي به تقع لهم المغفرة؛ وهو التوبة عن الشرك والتوحيد؛ فيكون هذا سؤال التوحيد والهداية لهم؛ لتقع المغفرة لهم بذلك والتجاوز؛ ويصيروا لذلك، وعلى ذلك يخرج استغفار إبراهيم - - لأبيه أنه سؤال وطلب السبب الذي به تقع المغفرة له، وأن يجعله أهلا لذلك، وكذلك أمر الرسل - عليهم السلام - قومهم بالاستغفار لهم، وهو ما قال هود - - و ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ ، وقول نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ لا يحتمل أن يقولوا لهم: قولوا: نستغفر الله، ولكن يقولون لهم: اطلبوا، واسألوا ربكم السبب الذي به تقع المغفرة لكم؛ وهو التوبة عما هم فيه، واختيار الهداية والرشد لأنفسهم؛ ليكونوا لذلك أهلا، فعلى ذلك يخرج استغفار الملائكة إن كان لجملة أهل الأرض، على ما يقول بعض أهل التأويل، وعلى هذا لا حاجة إلى النسخ ولا يحتمله.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها دون الله؛ كقوله : ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وقوله - - ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .
يخبر أنه لا عن غفلة وجهل منه يعملون ما يعملون، ولكنه حفيظ عليهم وعلى أعمالهم، لكنّه يؤخر ذلك عنهم لحكمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: وما كنت عليهم بوكيل، أي: لا تؤاخذ أنت بمكانهم؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
والثاني: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ ، أي: بمسلط عليهم ولا حفيظ، إنما أنت رسول فعليك البلاغ، كقوله : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ ؛ ليكون أقرب إلى الفهم، وأولى أن يكون حجة عليهم وأبلغ في الحجاج؛ لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة والأخبار المتقدمة باللسان العربي، غير لسان تلك الأنبياء، ومن غير أن يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان؛ لتوهم التعلم منهم بلسانهم، والنقل بلسان نفسه؛ فدل أنه إنما عرف بالله ، وقوله: ﴿ لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .
أي: لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى.
ثم يحتمل تسمية مكة: أم القرى وجوهاً ثلاثة: أحدها: سماها: أم القرى؛ لما منها دحيت سائر الأرضين والقرى.
والثاني: سماها: أم القرى؛ لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في الأرض، فسماها لذلك: أمّ القرى، والله أعلم.
والثالث: سماها: أم القرى؛ لما على الناس أن يؤموها ويقصدوها بالزيارة، ولأن رسول الله أول ما بعث رسولا فيها، فإليها يؤم ويقصد بالدعوة أول ما يؤم ويقصد، ثم من بعد ذلك يؤم إلى سائر القرى والبلدان، ويقصد، والأمّ: القصد، ومنه أخذ التيمم؛ ولذلك سمّاها: أمّ القرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: وينذر بيوم الجمع.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: ينذر بالقرآن يوم الجمع لا ريب فيه.
وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ قد بين الله - - السبيلين جميعاً على الإبلاغ، وبين عاقبة كل سبيل إلى ماذا يفضي من سلكها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يخبر أن عنده من اللطائف والقدرة، ما لو شاء لجعلهم جميعاً أمة واحدة وعلى دين واحد، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 33]، فلو جعل ذلك لأهل التوحيد والإيمان، لكانوا جميعاً على دين الإسلام؛ على ما أخبر أنّه لو كان ذلك مع أهل الكفر لكانوا جميعاً أهل كفر.
ثم قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ لا يحتمل مشيئة الجبر والقسر على ما يقوله المعتزلة لوجوه: أحدها: لما لا يكون الإيمان في حال الجبر والقهر؛ لأنه لا صنع لهم في ذلك، ولا اختيار لهم.
والثاني: أنّ كل أحد بشهادة الخلقة مؤمن موحد لله - - ثم لم يصيروا بذلك مؤمنين؛ فعلى ذلك بالجبر والقهر؛ إذ في الحالين يكون فعل المؤمن إنما هو فعل غيره؛ فدل أنه أراد أن يشاء منهم ما يكون مختارين في الإيمان لا مجبورين.
والثالث: أنّ الإيمان بالجبر والقهر ممّا لا يعرفه الناس، ولا يطلق اسم الإيمان عليه في العرف، وقد وعدهم الإيمان، وجعل الدين واحدا، وهذا عند المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار، لا بالجبر والقهر؛ فتكون الآية منصرفة إلى المعهود عند النّاس؛ على ما هو الأصل في الكلام، والله الموفق.
وعندنا: أراد به مشيئة الاختيار، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى الكل لآمنوا جميعاً عن اختيار، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ؛ لما علم منهم أنهم لا يرغبون فيه، ولا يختارون ذلك، ولكن إنّما يختارون ضد ذلك ونقيضه؛ لذلك لم يشأ لهم، وإنما يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه رحمة منه وفضلا، لا أنهم يستوجبون ذلك منه، ويستحقونه عليه، والله الموفق.
ثم إن الله سمى الإيمان مرة: رحمة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، ومرة سماه: منّة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وبقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ...
﴾ الآية [الحجرات: 17]، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون الكفر من القدرة ولم يكن من الله - - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله إلى الكافر، على ما يقوله [المعتزلة]: إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون الكفر، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنَّة ورحمة، وتسمية الكفر ضده - معنى، والله أعلم.
وبعد: فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنّة والرحمة إنما يكون بالخلق منهم، لا بالله - - ومنه دل أن عنده لطائف، من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى، ومن لم يعطه إيّاها لم يؤمن، وقد أعطى المؤمن تلك، ولم يعط الكافر؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.
ثم في تخصيص أمّ القرى ومن حولها بالنذارة وجوه، لأنه ذكر في آية أخرى أنه نذير للعالمين جميعاً بقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ فإذا كان مبعوثاً إلى جميع العالم، لا إلى بعض دون بعض، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - فلا بد أن يكون لتخصيص أمّ القرى ومن حولها معنى وحكمة: أحدها: لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه: إما بحق القرابة والاتصال، وإما بحق الأيادي، ومن حولهم بحق الجوار؛ فذكر تخصيصهم بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع، والنزوع عن الشرك؛ إذ ذلك لا يزول بمطلق الإنذار؛ لما عندهم - في زعمهم - أن المراد بذلك غيرهم؛ لما لهم من زيادة سبب الوسيلة معه.
والثاني: أن ينذر هؤلاء ومن ذكر شفاهاً، ولمن بعد منهم خبراً.
أو خصّ هؤلاء بحق البداية ثم بالأقرب فالأقرب، وعلى ذلك يخرج قوله - -: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - وتعالى -: ﴿ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ، أي: ما لهم من وليّ يشفع، ولا من نصير ينصرهم، ويمنعهم من عذاب [الله].
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، أي: أرباباً، ﴿ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ ﴾ ، أي: هو الربّ، ﴿ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ وقد عرفوا أنّ الإحياء إنما يكون بالله - - لا بالأصنام التي عبدوها، وإن كانوا ينكرون البعث والإحياء بعد الموت، فلو عرفوا أنه لو كان إنما يكون بالله - - لا بالأصنام التي عبدوا دونه، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ظاهر، قد تقدم ذكره.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ﴾ وجوها: أحدها: في القرآن.
والثاني: في رسول الله أنه رسول أو ليس برسول، فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوته: سمعيات وعقليات، ما لا يتعرض لردّها إلا من كابر عقله وعاند لبّه، وكذلك لو كان اختلافهم في الدين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولب: أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ليس بحق.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: إلى كتاب الله، كقوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ أي: إلى كتاب الله.
لكن هذا لا يصح، فإن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يردّ ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنّة رسوله .
وأمّا قوله - -: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ إنما هو في محاجة الكفرة، فهو في غير ذلك المعنى؛ إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يرجع إلى دليل آخر عقلي.
وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلك الذي يفعل هذا هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، في كل أمري، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ بالطاعة.
ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في الله - - كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: عليه اعتمدت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: إليه أرجع.
ثم نعته فقال: ﴿ فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال هو في موضع آخر: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
قال بعض الباطنية: المبدع: هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء، والخالق: هو الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء، والفاطر: هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه من الكلام.
وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها، فهي في المعاني واحدة؛ الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق، والخلق هو الإنشاء والتقدير، لكن غيره لا يجوز أن يسمى: خالقاً؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء إلا على مشاهدة: عاينه ورآه، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق، يشق الشيء ويخرج منه أشياء، كله خلق، وفاعله خالق على الحقيقة، وهو الله ، وبالله القوة والتوفيق.
وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: جعل من نفس آدم وحواء - عليهما السلام - أزواجاً نسبنا جميعاً إليهما؛ لأنهما الأصل، وإنا جميعاً إنما كنا من ذلك الأصل، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ وإنما خلق أصلنا من التراب، لكنه نسبنا إليه؛ لما منه كنا جميعاً؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من نفس آدم وحوّاء، ونسبنا إليهما؛ لما منهما كنّا جميعاً، والله أعلم.
والثاني: يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجاً أي: حلائل، أي: خلق الإناث من الرجال، والرجال من الإناث، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا...
﴾ الآية [الروم: 21].
والثالث: أي: جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا؛ أي: أصنافاً وأشكالا، جعل الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال، وذات أزواج، وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً ﴾ على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: إنه جعل الأنعام - أيضاً - ذات أزواج وأشكال.
والثاني: جعل منها الذكور والإناث - أيضاً - كما جعل من البشر.
وقوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ اختلف في تأويل قوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ ، والمراد بقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ : أن الهاء كناية عن ماذا؟
قال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم.
وقيل: يعيشكم فيه.
وقيل: يرزقكم فيه، ويعمركم.
وقيل: يخلقكم.
وأما قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: يجيء قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: فيها، كناية عن الأنعام، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - -: ﴿ يذرؤكم فيها ﴾ أي: في الأنعام؛ لما جعل للبشر فيها من أنواع المنافع.
وأما من قرأه ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ بغير ألف فهو يجعله كناية عن العالم؛ كأنه يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ أي: يخلقكم في العالم ويكثركم فيه ويعيشكم ويعمركم.
وقال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم في هذا التزويج الذي جعل بينكم؛ أي: يكثركم بسبب هذا التزويج لم يكثر الناس.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ كناية عن التدبير؛ يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ : يخلقكم فيه نسلا بعد نسل؛ كقوله - - ﴿ ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[المؤمنون: 79\]، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...
﴾ الآية.
يستدل بعض أهل التشبيه بأن له مثلا بقوله - - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ يقولون: لو لم يكن مثل لم يذكر كاف التشبيه؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، لكن نفى مثلية الأشياء عن مثله؛ فيكون فيه إثبات مثل له لا يشبه سائر الأشياء سواه؛ أو كلام نحو هذا.
وعندنا: قوله - - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس مثله شيء، والكاف قد تزاد في الكلام.
وقال بعضهم: أي: ليس كهو شيء، والعرب قد تقيم المثل مقام النفس.
وأصله: أن الخلق ذو أعداد، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد.
والأصل في ذلك: أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه، فليس يشبه بعضهم بعضاً من جميع الوجوه وكل الجهات، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا [لا] من جميع الوجوه، أو بوجه أو بصفة، أو بجهة أو بنفس، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباهاً بتلك الجهة وبذلك الوصف؛ فدل أن الله - - ليس يشبه الخلق، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه، ولا له شبه منهم، لا ما يرجع إلى النفس، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم، ودل قوله - -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ : أنه شيء؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية، لكن يقال: شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء، والشيء إثبات، وفي الإثبات توحيد، ولو لم يكن شيئاً لكان يقول: ليس هو شيئاً؛ دل أنه ما ذكر.
وقوله - -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴾ ذكر في غير موضع، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله - - فما ينبغي أن يفهموه من قوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله - - ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ ﴾ ، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها؛ لما باليد يبسط في الشاهد، وبها يمنع، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال، والله الموفق.
وقوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر في قوله - -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، وهو المطر.
والثاني: الأملاك التي يكتسبون.
والثالث: المنافع التي جعل لهم.
ثم الإشكال أن الأملاك التي تكون لهم، والمنافع التي ينتفعون بها وجعلت لهم إنما تكون بأسباب واكتساب منهم، ثم أضاف ذلك إلى نفسه في البسط والتقتير؛ حيث قال ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ؛ دل أن لله - - في ذلك صنعاً وتدبيراً، وهو أَنْ خلق أكسابهم وأسبابهم التي بها يوصل إليهم الرزق.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ الدين يذكر، ويراد به الجزاء، وهو قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ أي: يوم الجزاء، أو يذكر ويراد به الحكم؛ كقوله - - خبراً عن يوسف - -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ ﴾ أي: في حكم الملك، ويذكر ويراد به المذهب والمعتقد؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ ، فكأن المعنى في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ : هو المذهب وما يعتقد، وقد ذكر الدين معرفاً بالألف واللام وأنه للجنس، فيكون كأنه قال: شرع لكم من الأديان جملة الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء، وهو التوحيد لله - - والعبادة له، والأنبياء والرسل جميعاً إنما بعثوا للدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة له، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، وذلك قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ .
ومن الناس من يقول: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ ﴾ أي: شرع لكم الدين، ويجعل ﴿ مِّنَ ﴾ صلة زائدة فيه؛ أي: شرع لكم الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر، والوجه فيه ما ذكرنا.
فإن قيل: [ما] معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدين، وقد وصى الكل بهذا الدين.
فنقول: قال بعضهم: إنما خص نوحاً ومن ذكر بهذا؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح ، وإنما جاء ذلك في زمن نوح؛ لذلك خصّ نوحاً بما ذكر.
ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء، ولكن ذكر بعضاً هاهنا، وترك ذكر البعض، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء وغيرهم من الدين؛ كقوله - -: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾ ذكر بعض هؤلاء وغيرهم، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص، لما ذكر البعض في موضع آخر، والكل في موضع آخر، والله أعلم.
ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا الله على ذلك المعنى، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي لقوله: "كما صليت على إبراهيم" لمعنى لم يطلعنا على ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ ، أي: في عبادة الله - - أي: اعبدوه جميعاً.
والثاني: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الدين الذي ذكر، وهو التوحيد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ أي: عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ هذا ينقض على المعتزلة: إنه - - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختاراً إنما كان منه بفعله لا من الله - - وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء، وهو يهديه؛ فبطل قولهم.
وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ أي: هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى، وهو التوفيق؛ أي: ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه.
وقال بعضهم: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ تفسير قوله - -: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يجتبي للهداية من ينيب إليه، فأمّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان؛ لأن هدى البيان قد كان عامّاً لمن أناب إليه ومن لم ينب، ولكن الهدى - هاهنا - هدى الرحمة، أو هدى النعمة، والنعمة سمّى التوحيد والإيمان مرة: رحمة؛ كقوله - -: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، وسمّاه: نعمة؛ كقوله: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وسمّاه: منة؛ كقوله - - ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ، وسماه: نوراً؛ كقوله : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ؛ فلذلك قلنا: إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان، ولكن سواه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنهم تفرقوا في رسول الله محمد - عليه أفضل الصلاة - بعدما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم، لكنّهم اختلفوا وتفرقوا؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم، وكفر بعضهم، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته، والله أعلم.
والثاني: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ فيما جاء به محمد من الدين ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ ؛ إذ الذي جاء به محمد هو الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام.
ويحتمل أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ في الإيمان بالرسل والكفر بهم ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أنهم على الحق، وأنهم رسل الله مبعوثون إليهم، فتفرقوا، فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض بغياً بينهم.
ويحتمل: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ : أن الفرقة ضلالة وهلاك، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل: حسداً بينهم؛ لما قيل: إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنّاً منهم أنه يبعث منهم، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ أي: عدواناً وظلماً يكون فيما بينهم ذلك التفرق.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ أي: لولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: إنّ الذين أعطوا الكتاب من بعد الرسل الذين ذكر ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ ، أخبر أنهم كانوا في شك مما جاء به الرسل، لكنهم لم يعذروا في شكهم؛ لما تركوا النظر والتفكر في ذلك، ولو نظروا في ذلك وتفكروا فيه، لوقع ذلك لهم وبان الحق؛ فلم يعذروا في ذلك؛ لأنه منهم كان ذلك الشك والريب، ولو تفكروا ونظروا لتجلى لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ اختلف في قوله - -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ ﴾ : عن ابن عباس - -: أي: فبهذا القرآن الذي أنزل إليك فادع.
وكذا قال قتادة: فبهذا القرآن فادعُ.
وقيل: فلذلك وعد أن ينزل عليك فادع.
وقال بعضهم: أي: وإلى ذلك الكتاب فادعُ.
وقيل: فإلى التوحيد الذي بعث الرسل إلى الدعاء إليه فادع.
وقال بعضهم: ﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ ، أي: فلأجل الذي بعث الرسل فادع؛ أي: ادع إلى التوحيد الذي لأجله بعث الرسل، والله أعلم.
ثم إن قوله: ﴿ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ دليل على أنه كان قد سبق له الأمر بالاستقامة.
ثم يحتمل ما ذكر من الاستقامة التي أمر بها هو تبليغ الرسالة إليهم.
ويحتمل: العبادة له والطاعة.
ويحتمل: الاستقامة في التوحيد له ودعاء الخلق إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ على هذين الوجهين الآخرين يخرج الأمر بالاستقامة لمن تاب معه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ أي: في ترك الدعاء إلى التوحيد؛ إذ هو هوى الكفرة أن يترك هو الدعاء إلى التوحيد.
ويحتمل أنه نهى عن إجابته إياهم فيما دعَوْا هم؛ إذ هوى الكفرة أن يجيبهم فيما دعَوْا هم إليه من الشرك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ ﴾ أمره بأن يخبر بأنه مؤمن بجميع الكتب التي أنزل الله؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب، [و]أولئك الكفرة كانوا يؤمنون ببعض الكتب، ويكفرون ببعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: أمرت لأعدل بينكم يحتمل: في الحكم؛ أي: أحكم فيما بينكم بالعدل؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في الدعاء إلى توحيد الله ودينه، والعدل في الدعاء، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي: أمرت أن أكون عدلا فيما بينكم؛ أي: يسوي بينهم.
ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده، وهو قوله: ﴿ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على المنابذة؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وإنما يقال هذا بعدما انتهت الحجج غايتها، والحجاج نهايته، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم.
والثاني: يقول: إنا لا نؤاخذ بأعمالكم، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي: لا حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم؛ أي: لم يبق حجة في ذلك وقد أقمتها.
ويحتمل أن يقول: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا ﴾ أي: لا حجة ولا خصومة بيننا بعدما بلغ الأمر ما بلغ.
ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ﴾ في الآخرة وإليه المصير.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ قال بعضهم: إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين: إن دينكم الإسلام إنما كان ما دام محمد بين أظهركم وما دام حيّاً، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام إلى ديننا أو كلام نحوه؛ فنزل لقولهم ذا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .
وقال بعضهم: إن اليهود قدموا على رسول الله فقالوا للمؤمنين: إن ديننا أفضل؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا: إن ديننا أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي: هكذا إذا كانوا على دين الأنبياء، وهو الإسلام؛ فأما إذا تركوا دين الإسلام وتمسكوا باليهودية واختاروها فليس بأفضل، ولا شيء دونها.
وقال بعضهم: إن قريشاً قالوا: كيف نعبد من لم نره؟
ولم نعاينه إنه مم هو؟
وكيف هو؟
أو كلام نحوه فنزلت: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ عند ربهم؛ لأن التوحيد ومعرفة الله إنما يكون بالدلائل والآيات في الدنيا عن غيب، ليس بالمعاينة والمشاهدة؛ فيزول الامتحان.
ثم احتمل أن يكون نزول الآية لقول كان من أولئك على ما ذكر أهل التأويل.
ويحتمل أن يكون على غير ذلك، ومعناه: والذين يحاجون في الله في دفع آيات الله وردها.
ويحتمل: أي: في دفع توحيد الله وألوهيته ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ أي: من بعد ما استجيب له بحق الخلقة: أنه واحد، وأنه رب كل شيء.
ويحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ بما في كتبهم من الإيمان بها وبما فيها من نعوت رسول الله وصفاته.
ثم أخبر أن ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على هذين.
يحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ يوم القيامة؛ أي: باطلة غير مقبولة.
ويحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ في الدنيا بما أقام الله - - من حجج التوحيد؛ فأبطل حججهم.
وقوله: ﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ بيان الجزاء لهم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الذي لله عليهم، أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي لبعضهم على بعض، و ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : بالعدل فيما بينهم؛ أي: بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو طريق العدل وسببه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ ﴾ وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ ، أي: صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، والله أعلم.
ثم قوله - - ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - والله أعلم -: الله الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام.
ويحتمل أن يكون عطفاً على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ ، لم يطلع الله - جل وعلا - أحداً [على] العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ : كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيباً لها أنها كائنة؛ لأن رسول الله كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبداً خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، فأمّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : قوله: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة.
ويحتمل: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها.
ودل قوله: ﴿ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : أنهم لا يؤمنون أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ : من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئاً عامّاً فهي خاصة للمؤمنين، هو لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها.
ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعاً: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف بهما بما يرزقهم جميعاً: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.
ويحتمل أن يكون رحيماً بارّاً بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا.
ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعاً على ما ذكرنا.
فإن قيل: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة.
قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيهاً؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبداً، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ قد ذكرنا في قوله - -: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ تأويله ومعناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي بذاته، عزيز بنفسه.
والثاني: ﴿ ٱلْقَوِيُّ ﴾ في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : جعل الله - - الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيراً حسناً حصدوا خيراً ونعيماً في الآخرة، وإن زرعوا شرّاً وسوءاً، حصدوا في الآخرة شرّاً وعذاباً دائماً.
وكذلك صيّرها متجراً يتجّرون فيها، فإن اتجروا خيراً وحسناً ربحوا في الآخرة، وإن اتجروا شرّاً وسوءاً خسروا في الآخرة.
وكذلك صيرها مسلكاً إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم.
وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...
﴾ الآية [التوبة: 111]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 207]، وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...
﴾ الآية [البقرة: 16-175]، وقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...
﴾ الآية [الإسراء: 18]، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بنى أمر الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم.
والثاني: أي: من كان عَمِل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكراً للفعل ضرورة؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه.
والثاني: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ ﴾ أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أم لهم آلهة دوني ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: سنوا لهم ﴿ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدين شيئاً، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ وأنهن لم يضللن أحداً، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك.
ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ أي: ما لم يأمر به الله، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدين بالحجج والبراهين من الله - - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون بشراً بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكأن المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، والله أعلم.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عمل الآخرة، يقال: فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر - -: "احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، ومنه سمّى الرجل: حارثاً.
﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ أي: ابتدع وسن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن الله - - حكم في هذه الآية بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله رحمة لهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
والثاني: ﴿ ٱلْفَصْلِ ﴾ : البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم في الآخرة فيما ذكر: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ ﴾ ونحوه، وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم في الدين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه الله - - عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب الله في الدنيا خوفه الله في الآخرة، وعلى ذلك يخرج قوله - -: "لا يجمع الله على أحد خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة" ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في الدنيا والآخرة.
قال القتبي وأبو عوسجة: الروضة: البستان.
وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القَرِيِّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيراً؛ لأنه دائم لا ينقطع أبداً.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ ﴾ أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه يعطيهم، يبشر الله - - به من ذكر: ﴿ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قال بعض أهل التأويل: "قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبونني؟
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟
أولم يكذبوك فصدقناك؟
أولم يخذلوك فنصرناك؟
قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لرسول الله، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله - -: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ " لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: "لنا الفضل عليكم" هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي لا تحتمل، والله أعلم.
وفي بعض الأخبار: أن الأنصار - م - قالوا: إن رسول الله تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع له شيئاً من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ \[وهو يخرج\] على وجوه: أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان بالله - - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم و[ما] أدعوكم إليه أجراً، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردّاً لقول أولئك الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمداً جاء يقطع الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين [من] أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا أسألكم عليه أجراً، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه.
ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً، ولا أقبله منكم إن أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم.
ويحتمل ما قال الحسن فقال: والله ما كان نبي الله - - يسأل عن هذا القرآن أجراً، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى الله بطاعته وحبّ كتابه، فكان معنى الآية: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، أي: إلا التقرب إلى الله - - والتودد بالعمل الصالح.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عنّي، ولست أبتغي على الذي جئت به أجراً آخذه منكم على ذلك.
وقال قتادة: إن الله - - أمر محمداً ألا يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجراً: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة.
وقال بعضهم: إلا أن تودّوا قرابتي.
وقال بعضهم: قال رسول الله : "إن لم تتبعوني إلى ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي" وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ هو كقوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو مقروف؛ أي: اتهم بشيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ، قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: يغفر لهم وإن لم يحققوا التوبة والرجوع سرّاً وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو.
وقوله: ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، والله أعلم.
وقال أهل التأويل: ﴿ غَفُورٌ ﴾ للذنوب، ﴿ شَكُورٌ ﴾ للحسنات يضاعفها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: بل يقولون: افترى محمد على الله كذبا.
وقوله: ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ اختلف فيه.
قال بعضهم: ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ بالصبر حتى لا تجد مشقة استهزائهم بك، ولا غصة تكذيبهم إياك.
وقال بعضهم: فإن يشأ الله أن ينسيك القرآن فلا تبلغه إليهم فلا يس تهزئوا بك، ولا يكذبوك، أو كلام نحوه.
وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا بدءاً ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ بالصبر حتى لا تجد مشقة الاستهزاء ولا غصة التكذيب.
والثاني: يحتمل: ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ كما ختم قلوب أولئك الكفرة حتى لا تفهم ولا تعقل الحق من الباطل، كما فعل بأولئك، يذكره إحسانه إليه وفضله بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم على أولئك بما ختم على قلوبهم، وما ينزل بهم من أنواع العذاب وعلى ذلك بلغ أمره من المرحمة والشفقة عليهم ما ذكر ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ...
﴾ الآية [الكهف: 6]، وقوله - -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ كادت نفسه تهلك إشفاقاً عليهم ورحمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يظهر ويظفر أهل الحق على أهل الباطل وينصرهم حتى يصير أهل الحق ظاهرين قاهرين على أهل الباطل؛ فذلك محق الباطل وإحقاق الحق.
والثاني: يحق الحق بالحجج والبراهين حتى يعرف كل أحد الحق من الباطل بالحجج التي أقامها إذا تأمّل فيها حق التأمّل، وهو كقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي: بحججه وبراهينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُور ﴾ قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور، ولكن قوله: ﴿ بِذَاتِ ٱلصُّدُور ﴾ عبارة عمن له الصدور عن الرأي والتدبير، وهم البشر والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ قد ذكرنا أنه لا أحد يحقق التوبة؛ لأن تحقق التوبة هو أن يهرب وينفر عما استوجب به النار كهربه من النار لو كان فيها، وفراره منها لو وجد مهرباً، ولا أحد يهرب من الذنب ويفر منه كهربه وفراره من النار لو كان فيها، لكن الله بفضله وكرمه يقبل ذلك منه وإن لم يكن التوبة منه على الحد الذي ذكرنا.
ثم قوله - -: ﴿ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ أي: يقبل حسناتهم وخيراتهم ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ أي: يكفر عن سيئاتهم؛ كقوله - -: ﴿ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ هذا وعيد، يخبر رسوله أنه يعلم ما تفعلون سرّاً وعلانية، وأنه عن علم بما يكون منهم امتحنهم وأمرهم ونهاهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: يجيب الذين آمنوا بما يدعون ويسألون ربهم، وهو كقوله - - ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ أي: يجيبهم على الذي ذكر في الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ أي: يزيدهم من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب امرئ مسلم، وهي الجنة؛ وذلك زيادة من فضله، والله أعلم.
وقال في حق الكفرة: ﴿ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال أهل التأويل: إن الآية نزلت في أهل الصفة، تمنوا أن يكون لهم الدنيا، فإن كانت فيهم فكأنه كتب عليهم الضيق والقتر.
وقال بعضهم: ﴿ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يتقلبون من لباس إلى لباس، ومن مركب إلى مركب، ولكن ليس في ذلك كثير بغي؛ فلا يصح صرف التأويل إليه.
ثم عندنا يخرج ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مخرج الامتنان والإفضال، وله أن يبسط عليهم وإن علم منهم البغي؛ ألا ترى أنه لو لم يوسع على فرعون لا يدعي الألوهية، لكنه مَنَّ على بعض المؤمنين فضيق عليهم حتى لا يبغوا، فيلزمهم بذلك القيام بشكر ما منّ عليهم وأنعم بالتضييق حتى لا يبغوا، وكذلك يخرج ما: روي "مَنْعُ الله عطاء"، وفيما ذكرنا جواب عمّن تعلق بظاهر الآية على أن الأصلح واجب؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ بيّن أن الأصلح لهم ألا يبسط؛ لأنا نقول: قد بسط كثيراً من الفراعنة والكفرة فبغوا، لكن ذكر هذا؛ لبيان المنة والإنعام بالتقتير والتضييق في حق البعض حتى لا يبغوا، والله أعلم.
ثم البغي: هو التعدي عن حد الله الذي حدّ لهم، والمجاوزة عنه.
ولكن لا نفسر ما الحد الذي يسمى التعدي عنه: بغياً؛ لما لا يعلم ما هو؟
ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أنه لو بسط عليهم ووسع، لزمهم الشكر، والبسط، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قد تقدم تأويله.
ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة: أحدها: إلى أهل الكفر: أنه لو وسع عليهم وبسط، لبغوا في الأرض، أي: صاروا كلهم أهل كفر وضلال، كقوله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33].
والثاني: يتوجه إلى خاص من المؤمنين؛ لما علم منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم وقتر؛ امتناناً منه وفضلا؛ لئلا يبغوا، وهو كما ذكرنا في أحد تآويل قوله - -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ : أنه إن كان على حقيقة خلقهم، فهو في الذين [علم] منهم أنهم يعبدونه لا محالة؛ ليعبدوه على ما ذكر، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل أن يخلقهم للعبادة، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يرجع إلى قوم خاص يعلم الله - - منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع، لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم؛ فضلا منه ومنة؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له، والله أعلم.
أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر: أنه لو وسع وبسط على الكل لصاروا جميعاً ملوكاً ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم في ملكهم ومملكتهم، وفي ذلك التفاني والفساد؛ فوسع على بعضهم وبسط، وضيق على بعض؛ لئلا يبغي بعض على بعض، إذ في ذلك تفانٍ وتفاسد، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ أي: من رحمته.
أو ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ من الأصنام التي عبدوها؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم والزلفى عند الله، قنطوا ما رجوا منها، كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
ثم سمى المطر: رحمة وغيثاً، أي: الغوث؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم، ويمسكهم على الحال الأولى في القحط والضيق؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له إمساكه لم يسمه: رحمة، ولا غوثاً؛ لأن من عليه فعل شيء لم يوصف بالفضل والرحمة، فهو على المعتزلة في الأصلح، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ يحتمل ﴿ ٱلْوَلِيُّ ﴾ أي: هو الرب، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ هو المستحق للحمد.
أو الولي: هو الحافظ لهم، وولي كل نعمة أعطاهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ قوله - -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ يحتمل: من آيات ربوبيته وتوحيده خلق السماوات والأرض وما ذكر.
أو [من] آيات حكمته وعلمه وتدبيره خلق ما ذكر.
أو [من] آيات قدرته وسلطانه ما ذكر.
أو من آيات إحسانه ونعمه وأياديه ما ذكر، وقد بينا وجه كل ذلك ودلالته على قدر فهمنا منه فيما تقدم.
ثم اختلفوا في قوله: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ : قال بعضهم: قوله - -: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ﴾ أي: في الأرض خاصّة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مِن دَآبَّةٍ ﴾ وهي اسم لما يدب، وأهل السماء ملائكة، ولهم الطيران دون الدبيب، وهو كقوله - -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج من أحدهما.
وقال بعضهم: ﴿ فِيهِمَا ﴾ أي: في السماء الملائكة، وفي الأرض الدواب، لكنه سمّى أهل السماء باسم ما في الأرض من الدواب، وذلك جائز في اللغة ذكر شيئين باسم أحدهما؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ والكناية ترجع إلى الصلاة لفظاً، والمراد ما سبق من الصبر والصلاة، وكذا قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ كنى عن التجارة وأراد كليهما، ونحو ذلك؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ﴾ قالوا: أي: نشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾ يحتمل ما ذكر من جمعهم: بعثهم وإحياؤهم قدير على ذلك، كما هو قدير على ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ يحتمل ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم: المصيبة التي تعم الخلق جميعاً ممن كان منهم الزلة، وما ذكر من كسب اليد، وممن لم يكن منهم كسب اليد من الزلة والمعصية؛ من نحو الجدب، والقحط، وغلبة الأعداء، وغير ذلك من الأشياء التي تعم الخلائق ممن كان منه الجناية وممن لم يكن: من الصغار، والدواب، والأبرار، والأخيار، ويكون ما أصاب ممن كان ذلك منه واستوجب؛ تنبيهاً لهم وموعظة، أو كفارة لما كان منهم من كسب اليد، وما أصاب ذلك ممن لم يكن منهم ذلك من الصغار والأخيار فذلك في الحكمة، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: يصيب ذلك لهم ابتلاء بشيء سبق منهم؛ ليعلم أن ما يعطيهم من السلامة والصحة والحسنات والخيرات كان فضلا منه، وهم عبيده وإماؤه وملكه، إن شاء أهلكهم، وإن شاء أبقاهم.
أو أن يفعل بهم ما ذكر وإن لم يسبق منهم ما ذكر من كسب اليد والزلة؛ لعوض يعوّض في الآخرة.
وكيفما كان، فهو غير خارج عن الحكمة، والإيلام للتعويض جائز ممكن، لكن ليس بواجب لا محالة التعويض؛ خلافاً للمعتزلة؛ فإنه عندهم واجب، وبالله العصمة.
وجائز أن يكون ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم بكسب اليد أن يريد ألما في نفسه يصيبه بما سبق منه من شيء ارتكبه واكتسبه، فالسبيل فيه أن ينظر كل في نفسه: ما الذي سبق منه حتى أصابه ما أصاب؟
فيراجع نفسه عن ذلك، ويتوب إلى الله - - ثم يخرج ذلك لهم إما تنبيهاً وزجراً عن المعاودة إلى مثله، وإما تكفيراً وتمحيصاً لما كان منهم، ولزمهم الشكر على ذلك.
وقد روي أن النبي كان يقول: "لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله كثير" وعلى قول المعتزلة ليس الله - - في إعطائهم الخيرات والحسنات والسعة محسناً مفضلا منعماً؛ لأن من أخذ شيئاً بعوض لا يوصف بالإفضال والإنعام، وقد سمى نفسه بذلك: محسناً منعماً؛ فيكون ما قالوا خلاف ذلك.
والثاني: إن كان بعوض على ما يقولون يجب أن يعوضهم عوضاً يرضون بذلك العوض، ويكون ذلك العوض مثل ما أخذ منهم، وهم لا يشترطون ذلك دل أن له أن يفعل لهم ما ذكرنا.
وأصله ما ذكرنا: أن الخلق كلهم عبيده وإماؤه، ولكن ذي ملك أن يفعل في ملكه ما شاء، لا لائمة عليه؛ إذ كان له حقيقة الملك؛ فعلى ذلك الله - وتعالى - إذ له حقيقة ملك الأشياء؛ فله أن يفعل ما يشاء بلا عوض ولا بدل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ ليس أحد يصيبه شيء من الشدة والبلاء إلا ويكون في ذلك عفو منه - لأنه ما من ألم إلا ويتوهم زيادة الألم في ذلك، فيكون منع تلك الزيادة عنه عفواً عنه وفضلا، وكذلك هذا في هلاك كل شيء من حقوقه ما يقل ويكثر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي: لا بكل زلة منهم تكون يؤاخذ بها، بل يؤاخذ ببعض، ويتجاوز عنهم في بعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: لا تقدرون الهرب مما يريد أن يصيبكم بزلاتكم وما يريد أن يفعل بكم، ولا لكم ملجأ ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ينصركم ويمنعكم من عذاب الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ يحتمل ﴿ آيَاتِهِ ﴾ ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره وحكمته، وآيات نعمه وإحسانه، وهو ما جعل الله - عز وجل - في سرية الخشب في السفن معنى لو اجتمع حكماء البشر؛ ليعرفوا ذلك المعنى واللطف الذي جعل في الخشب - ما قدروا على إدراكه، وذلك المعنى واللطف المجعول فيها وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغلظها، وإن كان بدون ذلك الثقل والعظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرب في الأرض وينحدر، وكذلك ما يحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ذلك الحمل أن يتسرب وينحدر في الماء لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: أي: كالجبال في البحار.
وقال القتبي وأبو عوسجة: الأعلام: الجبال، واحدها علم.
ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من ميد الأرض بأهلها، والتسرب في الماء، ثم أرساها وأثبتها بالجبال، وطبع الجبال التسرب والانحدار في الماء فجيء أن تزيد في التسرب والانحدار في الماء، لا أن تثبتها وتقرها على وجه الماء، لكن بلطفه ومنّه أقر بها الأرض، وأثبتها ومنع بها عن التسرب والانحدار والميد بأهلها، فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء ولا تنحدر كالجبال مع الأرض في القرار على الماء، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ معنى آخر وهو الأعلام أنفسها، وهو أن جعل السفن سببا وطريقاً للوصول إلى منافع بعدت منهم، وصعبت عليهم، فإذا حمل فيها الأحمال من بلد إلى بلد آخر ومن مكان إلى مكان يسر أهل المحمول إليهم بتلك الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم؛ لسعة يرجون بها ومنافع تصل لهم، وكذلك يسر أهل البلد المحمول إذا رأوها راجعة إليهم سالمة؛ لما يحصل لهم من الأثمان والأغراض بها، فتكون السفن أعلاماً وأدلة لهم على الوصول إلى الأغراض والمنافع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ يذكر فضله ومنته بما أجرى هذه السفن في البحار التي ذكر، فأخبر أنه لو شاء لأمسكها ومنعها على الجريان ثم صير الريح نوعين: أحدهما: طيبة بها تجري السفن.
والأخرى: عاصفة شديدة تهلك بها السفن، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ...
﴾ الآية [يونس: 22].
ثم في ذلك خلال ثلاث تدل على أن الريح ليست تجري السفن وتهب بطبعها وبنفسها، ولكن بالله -: أحدها: أخبر أنه جعل نوعاً منها طيبة تجري السفن، والأخرى عاصفة، تهلك السفن، وتهيج الأمواج.
والثاني: ما ذكر في هذه الآية: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ ﴾ أخبر أنه لو شاء لأسكن الريح فبقين رواكد على ظهر الماء؛ فدل أنه هو المجري لها حيث كان هو المسكن.
والثالث: أن فعل الطبيعي على سنن واحد كالحرارة في النار، والبرودة في الثلج وأمثال ذلك، ولو كان جريان الريح وهبوبها بنفسها وطبعها، لكانت لا تسكن في حال، ولا تكون مرة طيبة سالمة، ومرة شديدة عاصفة مهلكة؛ دل أن ذلك كان بالله - - لا بالطبع، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سمى المؤمن: صبوراً شكوراً.
والثاني: سمى من صبر على ما أصاب من الشدائد والمصائب التي ذكر: صبوراً، ومن شكر ما ذكر من النعم في السفن وغيرها: شكوراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ قال أبو عوسجة والقتبي: أي: وقوف، وصرفه: ركد يركد ركدا وركوداً.
وقوله: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة ما ذكر من السفن الجواري في البحر؛ حيث قال: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ يقول: إن شاء أسكن الريح التي بها تجري السفن في البحار فبقين رواكد في الماء، وإن شاء أرسل ريحاً عاصفة شديدة فيهلكن - يعني: السفن - وأراد: أهل السفن؛ بما كان منهم؛ يخبر أن له أن يفعل ما ذكر من الإهلاك في البحر أو الإبقاء فيه، لكنه بفضله ينجي من أنجى وأخرج سالماً، والله أعلم.
وكذا قال أبو عوسجة ﴿ يُوبِقْهُنَّ ﴾ أي: يهلك أهل السفن.
ويحتمل أن يكون ذلك صلة ما تقدم من قوله - -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ فيكون ما يصيبهم من المصيبة ما بلغت النفس أو مما لم تبلغ النفس؛ فيكون كل ذلك لهم من كسب أيديهم على ما ذكر، ثم أخبر أنه يعفو عن كثير مما كسبت أيديهم مما يستوجبون الإهلاك ويتجاوز عنهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ المجادلة في آياته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يجادلوه في تقدير أحكام الله - - وفهم ما ضمن فيها، وذلك ممدوح محمود، وهو كقوله - -: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ فهذه المجادلة، والمراء المذكور في هذا محمود.
والمجادلة الثانية: هي المجادلة في دفع أحكام آيات الله - - عن فهم ما ضمن [فيها]، وهي مذمومة، وما ذكر هاهنا من قوله: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ هي المجادلة في دفع أحكام آياته، ثم أخبر أنه لا محيص لهم ولا ملجأ من عذاب الله بمجادلتهم في دفع آياته والمنع عن فهم ما فيها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله - - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية، وكذلك ما أعطاهم من السمع، والبصر، وغير ذلك من الحواس؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي: خاسراً عابثاً، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى: أصم أبكم أعمى، وكذلك النفس؛ إذ المرء [لم] يكتسب بها حياة دائمة سمي: ميتاً، والله أعلم.
أو أن يقال: إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيباً فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيراً وترهيباً عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة.
ثم قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن؟
بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ آمنوا بأن له الدنيا والآخرة، وأن له الخلق والأمر، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، أي: يكلون أمورهم إلى ربهم، هو مفزعهم ومعتمدهم، لا يفزعون إلى أحد سواه، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم.
ثم نعتهم - أيضاً - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش، والفواحش هي كبائر الإثم، كل واحد منهما في معنى الآخر، والله أعلم.
وقال بعضهم: كبائر الإثم: أنواع ما بها يصير المرء مشركاً، وهي كبائر الشرك، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا.
وقيل: الكبيرة: ما يكبر ويعظم من الذنب، والفاحشة: ما يفحش من العمل، وقد ذكرنا وجوهاً في ذلك فيما تقدم في سورة النساء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ أي: إذا ما غضبوا هم مما يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا - يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك، فأما ما يرجع ذلك الغضب إلى أمر الدين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك، ولكن يجب الرجوع والتوبة إلى الله، والله - - أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: أجابوا لربهم إلى ما دعاهم ربهم، وقد دعاهم إلى دار السلام بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ، لكن جعل لإجابتهم شرائط وأعلاماً فمن وفى بها استوجب الموعود، وهو كقوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 40]، ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك علم إجابتهم لربهم وشرطها ما ذكر من قوله - -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ ذكر بعضهم أن الأنصار كانوا يتشاورون فيما بينهم ورسول الله صلى الله عليهم عنهم غائب، فنزل هذا مدحاً لهم على فعلهم.
وذكر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ قال: والله ما شاور قوم قط إلا هداهم الله - - لأفضل ما بحضرتهم.
وأصله: أن الله - جل وعلا - أمر رسوله أن يشاور صحابته حيث قال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .
وقال الحسن: ما شاور قوم في أمر قط إلا هداهم الله - - لأفضل [ما] بحضرتهم؛ لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما [لو] انفرد كل عقل بنفسه، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يتشاورون فيه.
وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ : ظاهر.
وقوله -عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ صير المنتصر من الباغي، والغافر لمظلمة من ظلمه جميعاً في الذين استجابوا لربهم إلى ما دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حقٍّ جعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله ، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث الله - - رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور؛ حيث قال: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ راجع إلى الأذى باللسان؛ من نحو الشتيمة، والسب، والذي لا يؤثر في النفس أثرا، حثهم على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ راجع إلى ما يؤثر في الأنفس والأبدان تأثيراً من الجراحات وغيرها، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى باللسان، وألا يكافئوهم على ذلك، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل؛ على ما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى الثانية: سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة؛ لأنها جزاء السيئة؛ فسمّاها باسم الأولى.
أو سماها: سيئة؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضاً - فسماها على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه، وإن كان حسناً لغيره، والله أعلم.
ويشبه أن يكون سماها بما ذكر؛ لاختلاف الأحوال: هي عند الذي يقتص منه ويُجَازَى بها سيئة، وتلك الحال عنده سيئة، وهو كقوله - -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ سمى حالة الضيق والشدة: سيئة؛ لأنها عندهم سيئة، وحال السعة والرخاء: حسنة؛ لأنها عندهم حسنة، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة سيئة، لكنه سماها: سيئة على ما عندهم؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية: سيئة؛ لما هي عند المفعول به سيئة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق الاستيفاء والانتصار، فالعفو عن ذلك أفضل.
ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا بذلك؛ لأنه قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على الله فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئاً، والله أعلم.
فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى، وأن يعفو عنه ويأخذ البدل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ لأنه لا يحب الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن أخذ ما ليس له أَخْذُه فهو ظالم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ أي: أولئك ما عليهم من حجة، أو ما عليهم من تبعة.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ إنما الحجة والتبعة على الذين يظلمون الناس ابتداء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يأخذون من الناس ما ليس لهم أن يأخذوا؛ فالتبعة والحجة عليهم، فأما من يأخذ حقّاً وجب له واستوفاه فلا تبعة عليه ولا حجة.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ أي: من صبر على الأذى والمظلمة وعفا عنها وتجاوز فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: ذلك من تحقيق الأمور وإحكامها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ ﴾ أي: من أضله الله لما آثر ولاية الشيطان، ولا وليّ له سواه بعده يرشده، أو لا ولي ينفعه من بعده، وهو كما قال: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ أخبر أن سلطان الشيطان على من يتولاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ ﴾ قال أهل التأويل: أي: هل إلى رجوع الدنيا من سبيل، يقولون: يسألون ربهم الرجوع إلى الدنيا.
والأشبه أن يكون سؤالهم الرجوع إلى المحنة التي امتحنوا في الدنيا قبل موتهم؛ أي: سألوا أن يكلفهم ويمتحنهم في الآخرة؛ ليظهروا الطاعة لله - - في أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ قال أهل التأويل: يعرضون على النار قبل أن يدخلوها؛ كقوله - -: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ وكقوله - -: ﴿ وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ...
﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاشِعِينَ ﴾ من الذل؛ لأن الله - - أذلهم في الآخرة بما اختاروا في الدنيا من سوء صنيعهم، وأعطوا أنفسهم شهواتهم ومناهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ يحتمل ما ذكر من نظرهم من طرف خفي ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ ؛ هو لشدة هولهم وفزعهم في ذلك اليوم لا يرفعون رءوسهم، ولا ينظرون إلى موضعٌ.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ أي: لا ينظرون إلى الناس، ولا يقبلون بوجوههم إليهم إلا نظر التلصص والتغفل؛ حياء منهم؛ لسوء فعالهم، وهكذا المعروف في الناس؛ لأن من صنع إلى آخر سوءاً لا يتهيأ له رفع الطرف إليه ونظره إليه متصلا إلا على التلصص منه والتغفل؛ فعلى ذلك أولئك، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: إنهم يحشرون عمياً؛ فلا يرون بأعينهم، إنما يرون بقلوبهم، وهو الطرف الخفي.
وقال القتبي: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ ، أي: قد غضوا أبصارهم من الذل.
وقال أبو عوسجة: أي: ينظرون نظراً مستقيماً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...
﴾ ، الآية.
يخرج ما ذكر من خسران أنفسهم وأهليهم على وجوه: أحدها: ما ذكر بقوله - -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ أمروا بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار، فهم حيث لم يقوا ما ذكر من الأنفس والأهل خسروا، والله أعلم.
والثاني: قوله: ﴿ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ﴾ أي: خسروا بسبب أنفسهم، وبسبب أهليهم؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ؛ لما يعملون أموراً بسبب الأموال والأولاد والأزواج، هي فتنة لهم، وكقوله: ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ ﴾ فقد يخسر الرجل ويصير مؤاخذاً بسبب هؤلاء.
والثالث: يحتمل أن يكون خسرانهم أنفسهم وأهليهم ما قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ خسر ما كان رجاه وطمع أن له عند ربه في الآخرة للحسنى.
على هذه الوجوه الثلاثة يخرج تأويل الآية.
وعن ابن عباس - - أنه قال: ليس من أحد من كافر ومسلم إلا وله أهل ومنزل في الجنة، فإن أطاع الله - - أتى منزله وأهله، وإن عصاه خسر نفسه وأهله، ومنزله في الجنة وورثه المؤمنون عنه.
لكن لا يحتمل أن يكون لله - عز وجل - مع علمه أنه يموت كافراً أن يجعل له الأهل والمنزل في الجنة، اللهم إلا أن يفعل ذلك ليكون لهم حسرة على ذلك وغيظاً.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما كان للأصنام التي عبدوها دون الله ولاية النصر لهم وقدرة دفع العذاب عنهم؛ لأنهم كانوا يعبدونها في الدنيا رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وأن تزلفهم، فأخبر الله - - أن ليس لها ولاية النصر لهم؛ على ما رجوا وطمعوا من عبادتها الشفاعة لهم والدفع عنهم، والله أعلم.
والثاني: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما كان للرؤساء الذين اتخذوهم في الدنيا أرباباً ولايةُ النصر لهم؛ لأنهم لا يملكون دفع ذلك عن أنفسهم، فكيف يملكون دفع ما نزل بأتباعهم؛ يخبر أن ليس لهم ولاية دفع العذاب عنهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: من حجة، أي: من أضله الله، فلا حجة له أن يقول: إنك أضللتني؛ لأنه إنما يضله لما يختاره ويؤثره.
والأصل: لا أحد يفعل من المعاصي وقت فعله لأن الله قضى له ذلك أو أراده، أو قدره وقضاه؛ إنما يفعله لغرض له وهواه؛ فلم يكن له الاحتجاج عليه بذلك، وبالله العصمة.
والثاني: أنه ليس له حجة عليه بذلك؛ لأنه يعلم أنه لو خيّر بين ما يريد أن يختاره ويؤثره وبين ضدّ ذلك، لكان يختار ذلك على ضده، ويختار تحصيله، ويؤثره على ترك ذلك، فكيف يكون له حجة بذلك؟
والله الموفق.
ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: من أضله الله - - فما له إلى الهدى من سبيل أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل؛ أي: لا يملك أحد إرشاده.
ويحتمل: أي: من أضله الله فما له من سبيل؛ أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ ﴾ أي: أجيبوا له، وقد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
هذا يخرج من وجهين: أحدهما: أي: أجيبوا له من قبل أن يأتي يوم لا يملك أحد ردّ ذلك اليوم إذا أتاهم؛ لأنه هو اليوم الذي يجزي فيه الخلائق، وفيه أهوال وأفزاع؛ يقول: لا أحد يملك ردّ ذلك اليوم؛ والله أعلم.
والثاني: أي: أجيبوا من قبل أن يأتي يوم لا مردّ لما ينزل فيه بهم من العذاب والعقاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ هذا - أيضاً - يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ لتكون لهم شفعاء، وملجأ يلتجئون إليها؛ يقول: ما لكم [من] أولئك الأصنام ملجأ تلتجئون إليها بل تكونون كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ وقوله - -: ﴿ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ...
﴾ الآية [الأحقاف: 28]، والله أعلم.
والثاني: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي: ما لهم من حيل يحتالون بها دفع ما نزل بهم من العذاب، على ما يكون في الدنيا من حيل يحتالون [بها] دفع ما نزل بهم من البلاء والشدائد، وبالله النجاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ﴾ .
هذا - أيضاً - يخرج على وجهين: أحدهما: أي: لا يملكون أن ينكروا على الله - - ما يفعل بهم؛ لأنه إنما يفعل بهم ذلك بما كسبت أيديهم؛ فلا يقدرون على إنكار ذلك على الله .
والثاني: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ﴾ أي: ما لكم من تغيير؛ أي: ما يملكون دفع ذلك عن أنفسهم، ولا منعه وتغييره.
وقيل: لا يملكون أن يمنعوا الله - - عما يريد أن يفعل بهم، وهو ما ذكرنا.
وقوله - -: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ ﴾ أي: إن تولوا عن إجابتك إلى ما تدعوهم إليه ﴿ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل: أي: فما أرسلناك لأنْ تحفظ عليهم أفعالهم وأعمالهم ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ أي: ما عليك إلا التبليغ، إنما حفظ أعمالهم وأفعالهم على الملائكة الذين جعلوا حفاظاً عليهم، وهم الكرام الكاتبون.
والثاني: ﴿ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ يحتمل: فما أرسلناك لأنْ تمنعهم عما يفعلون حسّاً، إنما عليك البلاغ فحسب وبيان الحق، وأنت غير مؤاخذ بما يفعلون، وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ﴾ إن كان هذا في المسلم فيكون قوله: ﴿ فَرِحَ بِهَا ﴾ أي: رضي بها، وسر بها، وإن كان في الكافر فيكون له فرح بها؛ أي: بطر بها وأشر.
وقوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ ﴾ وهذا - أيضاً - إن كان في المسلم فإنه إذا أصابه شدّة أو بلاء ينسى ما كان إليه من الله - - من النعمى، فجعل يشكو مما أصابه، فهو كفور للنعم التي كانت له من قبل ذلك.
وإن كان في الكافر فهو ظاهر أنه كفور لنعمه وإحسانه أجمع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر أنه بما يأمرهم وينهاهم، وبما يمتحنهم بأنواع المحن بأمر ونهي، ولا يمتحن بحاجة نفسه في جرّ منفعة، واستفادة خير، أو دفع مضرة أو بلاء؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولكن إنما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم؛ لحاجة أنفسهم في إصلاحها وفكاكها ونجاتها عن المهالك، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ يخبر بما ذكر أنه غني، لا ينفعه إيمان مؤمن، ولا يزيد في ملكه، ولا يضرّه كفر كافر، ولا ينقص من ملكه.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ كقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ...
﴾ الآية [آل عمران: 26].
ويحتمل أن يقول: له ملك السماوات والأرض؛ أي: هو يؤتي الملك من له الملك في الدنيا، وهو ينزع عمّن يشاء؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ...
﴾ الآية [آل عمران: 26].
وفيه نقض قول المعتزلة في خلق أفعال العباد منهم، وإنكارهم أن يكون فعل الله - - مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين الله - - فيكون ذلك فعل الله - - وفعل العبد؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد.
فيقال لهم: إن الله - - قال: له ملك السماوات والأرض، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ﴾ وقد رأينا الملوك في الدنيا، ثم لم يوجب ذلك الشركة في ملكه؛ لاختلاف المعنى والجهات؛ إذ حقيقة الملك له، ولغيره ليست حقيقة الملك، إنما له ملك الانتفاع، لا على الإطلاق؛ فعلى ذلك أفعال العباد من الخيرات خلقاً لله ، فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء مما شاء؛ وهذا لأن قوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ إما أن خرج على الوصف بالربوبية لله والألوهية، أو على وجه الوعد والخبر بأنه يخلق ما يشاء.
فإن كان على الوصف له بالربوبية؛ فلا يكون ذلك وصف الربوبية؛ إذ لا يكون خالقاً لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلقها، وإن كان على الوعد والخبر فيخرج كذباً على قولهم، فنعوذ بالله من السرف في القول، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴾ يخبر - - أن الأولاد جميعاً من الذكور والإناث مواهب الله - - وهداياه، فيجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمنة، ثم بدأ بذكر الإناث ثم بالذكور؛ لأن من الناس من إذا ولد له الإناث يعدها مصيبة، ويثقل ذلك عليه، وعلى ذلك ما أخبر عن الكفرة أنهم إذا بشروا بالأنثى ظلت وجوههم مسودة بقوله - -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ يخبر عن ثقل ذلك عليهم، وغيظهم على ذلك فبدأ بذكر ذلك؛ لئلا يعد أهل الإسلام الأولاد الإناث مصيبة وبلاء على ما عدها الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ ، التزويج: هو الجمع بين الشكلين والمتماثلين في الحقيقة، وقد يسمى التزويج بين المتضادين مجازاً - والله أعلم - فيكون معنى قوله: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ أي: يقرن ويجمع بين الإناث والذكور، فيهب له من النوعين جميعاً حالة واحدة.
وقال القتبي: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ ، أي: يجعل بعضهم بنين و[بعضهم] بنات، تقول العرب: زوجت أهلي: إذا قرنت بعضها ببعض، وزوجت الكبار بالصغار إذا قرنت كبيراً بصغير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ﴾ والعقيم من النساء: التي لا تلد، وهي لا توصف بالبركة، ويقال: إنها ليست مباركة، لا يرغب فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بإنشاء الأولاد والإناث في الرحم، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ على ذلك.
أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمصالح الخلق، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ : لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ كأن هذا إنما ذكر وأخبر عن نازلة أو سؤال كان عن كيفية الرسالة، وهل الرسل - عليهم السلام - يرون ربهم ويشاهدونه ويشافهونه؟
فأخبر أنه ليس من البشر من يكلمه إلا بالطرق الثلاثة التي ذكرها، والسؤال وقع عن الرؤية في الدنيا، فيكون الجواب بناء على السؤال، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ : ما يرى في المنام، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حقيقة.
وقوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ نحو ما كلم موسى - - ألقى في مسامعه صوتاً مخلوقاً على ما شاء وكيف [شاء]، من غير [أنْ] كان ثَمَّ ثالثٌ.
وقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: يرسل ملكا يخبره عن الله - - وطرق الرسول إلى معرفة ذلك في الدنيا الوجوه التي ذكرنا: إما الإلهام، وإما الإلقاء في المسامع، وإما رسول يرسل فيخبر عن أمره وكلامه، فأما أن يحتمل وسع أحد رؤيته أو يشافهه أو يعاينه في الدنيا فلا، والله الموفق.
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ : قال بعضهم: الحجب أنفسها هي حقيقة الحجب.
وقال بعضهم: الحجاب: هو عجزهم عن احتمال رؤيته؛ لأن الله - - أنشأهم على بنية وخلقة لا تقوم أنفسهم القيام لذلك على ما أخبر - عز وجل - حيث قال لموسى - -: ﴿ وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ أي: فإن احتمل ذلك فاحتمل ما سألت، والله أعلم.
وفي الآية: أن الله - - يكون مكلماً للبشر بالرسول، وإن لم يشافهه المرسل، وكأن ذلك تسمية بطريق المجاز؛ إذ لم يكن في الحقيقة كلام الرسول كلام المرسل، وكذلك في قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ لا يكون ما يسمع من الرسول - - كلام الله حقيقة، وكذا ما يقال: سمعت من فلانة قول فلان، أو حديث فلان كله، على المجاز، ليس على التحقيق، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون سبب نزول قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً...
﴾ الآية - قول أولئك الكفرة؛ حيث أخبر الله - - بقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ...
﴾ الآية [البقرة: 118]، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ سألوا أن يروا ربهم جهاراً، فقد حجبوا عن رؤية الله - - في الدنيا والآخرة، حيث قال: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ وسألوا أن يكلمهم شفاها، فأخبر أنه لا يكلم أحداً شفاهاً، ولكن يكلم بما ذكر من الأوجه الثلاثة؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ ردّاً عليهم، فأخبر الله - -: أن طريق تكليمه الخلق في الدنيا هذه الوجوه التي ذكرنا، وقد كلم البشر من هذه السبيل والطريق التي ذكر؛ حيث قال: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أخبر أنه أنزل إليهم ما ذكر، كما أنزل على الرسول، وحيث قال: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 6]، وغير ذلك من الآيات مما يكون كأنه قد كلمهم بما ذكر، كما كلم الرسل من الوجوه التي ذكر.
وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ كأنه يقول: هكذا أوحينا إلى الرسل الذين من قبلك بالوجوه والطرق التي ذكرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك.
وقوله: ﴿ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ رُوحاً ﴾ جبريل بأمرنا.
وقال بعضهم: أي: أوحينا إليك أمراً من أمرنا.
وقال بعضهم: ﴿ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ أي: الكتاب الذي أنزله عليه وأوجبه إليه، سماه: روحاً؛ لأنه يحيي به الدين، وتكون به حياة الدين، ويحيي به الأبدان، وهو حياة الذكر والشرف، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ حياة الذكر والشرف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ﴾ أمّا الكتاب فإنّه لا شك أنه كان لا يدريه ولا يعلمه حتى أدراه وأعلمه، وأمّا الإيمان حيث أخبر أنه لا يدريه فهو يحتمل وجوهاً: أحدها: ما كنت تدري ما الإيمان؟
في حق اللسان.
أو ما كنت تدري ما الإيمان؟
في حق الإيمان.
أو ما كنت تدري ما الإيمان؟
في حق قدره ومحله ومنزلته عند الله .
فإن كان المراد في حق اللسان، فهو ظاهر أنه كان لا يدري في حق ابتداء الأمر أن الإيمان هو التصديق أو التوحيد، أو ما هو؟
وهو معروف أنه كان لا يدريه في حق اللسان حتى أدراه وأعلمه أنه ماذا؟
وكذلك جميع أهل اللسان، لا علم [لهم] بذلك حتى علمهم رسول الله "فنزل [جبريل]، وسأل النبي : ما الإيمان؟
وما الإسلام؟
على صورة أعرابي حتى قال النبي : إن هذا كان جبريل نزل ليعلمكم معالم دينكم" ، والله أعلم.
وإن كان في حق فعل الإيمان ومباشرة ركنه، فهو إذن كان غير قادر على فعله وإتيانه على هذه وكان لا يدري، لكنه لا يدريه فإنه لا يوصف بالجهل به؛ ألا ترى أن الصغار لا يدرون، ولا يقال: إنهم جهلة، وإنما يوصف بالجهل من ملك الفكرة والنظر وأسباب العلم ثم ترك ذلك، فعند ذلك يوصف بالجهل، فأما من يملك ذلك ولم يبلغ هذا المبلغ فإنه لا يوصف بالجهل؛ ألا ترى أنه يقال للأعراض والأشياء: إنها لا تدري ولا توصف بالجهل؛ فعلى ذلك يجوز أن يوصف ويقال: إنه كان لا يدري، ولا يوصف ولا يقال: إنه كان جاهلا به، والله أعلم.
ألا ترى أن الولد في البطن لا يوصف بأن له سمعاً وبصراً ونحوه؛ لأنه ليس بمحل للسماع والبصر، فإذا أخرج منه عند ذلك يجعل له لما مكن من السماع والبصر، وهو ما ذكر بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ ﴾ عندما مكن لهم ذلك.
وإن كان المراد: أنه لا يدري في حق المحل والمنزلة والقدر، فهو هكذا كان لا يدري ما محل الإيمان وقدره عند الله ؟
حتى أدراه وأعلمه محله ومنزلته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ﴾ فإن كان المراد هو الإيمان فهو نور بالحجج والبرهان، وهو كما ذكر: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
وإن كان المراد هو الكتاب، فهو نور لما يرفع جميع حجب القلوب وسواترها عمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم.
وقوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ ﴾ من علم أنه يختاره شاء أن يهديه.
ثم قوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ ﴾ يحتمل: القرآن.
ويحتمل الإيمان نفسه؛ أي: يجعله بالإيمان مهتدياً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
قوله: ﴿ لَتَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: لتدعو، أو لتبين لهم الصراط المستقيم، ثم فسره بقوله - -: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لم يفهم من صراط الله ما يفهم من صراط الخلق، أو صراط فلان، فكيف يفهم من مجيئه أو إتيانه ما يفهم من مجيء الخلق أو إتيانه، فهذا يدل أن لا كل ما أضيف إلى الله - - يفهم منه ما يفهم مما يكون من الخلق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
يحتمل: ألا إلى الله يرجع تدبير الأمور.
ويحتمل: ألا إلى الله تصير الأمور في الآخرة، وهو البعث، والله أعلم بالصواب.