تأويلات أهل السنة سورة فصلت

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة فصلت

تفسيرُ سورةِ فصلت كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 91 دقيقة قراءة

تفسير سورة فصلت كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

حمٓ ١ تَنزِيلٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢ كِتَـٰبٌۭ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٣ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ٤ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌۭ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌۭ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ ٥ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْمُشْرِكِينَ ٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ ٨

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

ظاهر هذا أن تفسير ﴿ حـمۤ ﴾ هو قوله: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ ، وحم خبر لمبتدأ محذوف مقدر ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ مبتدأ من: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ وكذلك قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ  ﴾ ، والأصل في حواميم وسائر الحروف المقطعة: أنها تبعث سامعها على التفكر والتأمل؛ لأنه لا يفهمها وقت قرعها السمع حتى يتأمل ويتفكر فيها؛ لأنها كلام لم يسمعوه قبل ذلك، فيحملهم ذلك على الاستماع والتفكر فيها والنظر، فيقع ما هو المقصود من الخطاب في سماعهم ويعرفوا وجه الإعجاز؛ فيتوصلوا بذلك إلى الحق، وقد ذكرنا في الحروف المقطعة وجوهاً أخر فيما تقدم.

ثم ذكر هاهنا رحمته ورأفته؛ ليرغبهم فيما يرحمهم ويرأف بهم، وهو قوله: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وذكر في السورة الأولى عزه وقدرته وسلطانه وعلمه؛ ليحذروا مخالفته وعصيانه ظاهرا وباطناً حيث قال: ﴿ حـمۤ  تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ  ﴾ ، ليطلبوا العز من عنده.

وقوله: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: ثبت فيه من الحلال والحرام، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى ونحوه.

وعندنا يحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: فرقت كل آية من الأخرى، من نحو: آية التوحيد فرقت من آية الرسالة، وفرقت آية البعث من غيرها، فرق كل آية من الأخرى.

والثاني: يحتمل التفريق في الإنزال، أي: فرقت آياته في الإنزال، لم يجمع بينها في الإنزال، ولكن فرق في أوقات متباعدة.

ويحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ : ثبتت، على غير ما قاله أهل التأويل، وهو أن يثبت آياته بالحجج والبراهين حتى يعلم أنها آيات من الله  .

وقوله: ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: أنزله بلسان يعلمونه ويفهمونه لا بلسان لا يعلمونه ولا يفهمونه، أي: أنزله بلسانهم.

ويحتمل ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ينتفعون بعلمهم، أي: حصل إنزاله لقوم ينتفعون، فأما من لم ينتفع به، فلم يحصل إلا الإنزال له، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ قرآنا عربيا لقوم يعقلون ﴾ .

وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .

البشارة والنذارة هي بيان ما يكون في العاقبة من الخير والشر، أو يقال: البشارة هي الدعاء إلى ما يوجب لهم من الحسنات والخيرات في العاقبة، والنذارة هي الزجر عما يوجب لهم من السيئات والمكروهات في العاقبة، والنذارة هي الزجر؛ فصار معنى الآية: أن النبي  أرسل داعياً إلى الحسنات وزاجراً عن السيئات، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ﴾ .

يحتمل إعراضهم عنه وجهين: أحدهما: أي: أعرضوا عن التفكر فيه والتأمل.

والثاني: أعرضوا عن اتباعه بعدما تأملوا فيه وتفكروا، وعرفوا أنه حق وأنه من الله  ، لكنهم تركوا اتباعه عناداً منهم ومكابرة؛ حذرا عن ذهاب الرياسة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .

أي: لا يجيبون على ما ذكرناه.

قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ﴾ .

لا شك أن قلوبهم على ما ذكروا أنها في أكنة وفي آذانهم وقر؛ لأنه ذكر - جلا وعلا - أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا؛ حيث قال  : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً  ﴾ على ما أخبروا أن قلوبهم في أكنة وغطاء، وفي آذانهم وقر، لا يفقهون ما يدعون إليه، ولا يسمعون ذلك وإن كانوا يفقهون غيره ويسمعون؛ لأنهم كذلك قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ .

إن ثبت ما ذكر بعض أهل التأويل: أن ثوباً فيما بينهم وبين رسول الله  فقالوا: كن أنت يا محمد في جانب، ونكون نحن في جانب آخر، ونحوه من الكلام - فهو ذلك، وإلا احتمل أن يكون قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ : هو ما حجبتهم ظلمة الكفر وغطتهم عن فهم ما دعوا إليه وعلم ما دعاهم إليه محمد  .

وقوله: ﴿ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: اعمل أنت بدينك فإنا عاملون بديننا؛ كقوله  : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

والثاني: فاعمل أنت في كيدنا فإنا عاملون في كيدكم والمكر بكم، والله أعلم.

ويحتمل أن يقولوا: اعمل أنت لإلهك فإنا عاملون لإلهنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه يقول لهم: إنما أنا بشر مثلكم أفهم وأعقل يوحى إليَّ وأسمع ذلك، فأنتم في قولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر - لا عذر لكم في ذلك؛ لأنه إنما يحجبكم عن ذلك ويغطي قلوبكم عن فهم ذلك الكفرُ الذي أنتم عليه والضلال الذي أنتم فيه، فاتركوا ذلك حتى تفهموا وتعقلوا ما تدعون إليه وتؤمرون به، كما أفهم أنا وأعقل إذ أنا بشر، والله أعلم.

والثاني: يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ ، أي: إنما أنا بشر مثلكم أمرت أن أبلغ إليكم أن إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه، وإلا لو [لم] أؤمر بتبليغ الرسالة إليكم إنما إلهكم إله واحد - لكنت أترككم وما أنتم عليه؛ لقولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر فاعمل إننا عاملون.

على هذين الوجهين تأويل الآية، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: فاستقيموا إليه بالطاعة.

وقيل: أي: استقيموا إلى ما دعاكم إليه من التوحيد.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ﴾ .

أي: انتهوا عما أنتم عليه من الكفر والضلال؛ ليغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر؛ كقوله  : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل: أي: كونوا على حال بحيث يقبل استغفاركم وطلب تجاوزكم.

وقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

والإشكال: أنه لماذا خص المشرك الذي لم يؤتِ الزكاة، وينكر الآخرة - بالويل، وقد يلحق الويل للمشرك آتى الزكاة أو لم يؤت، آمن بالآخرة أو كفر بها - فنقول: قال بعض أهل التأويل: معناه: وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بإيتاء الزكاة، ولا يؤمنون بالآخرة، وخصهم بذكر جحود الزكاة والآخرة؛ لما كان سبب كفرهم مختلفاً: منهم [من] كان سبب كفره بخله في المال وشحه، حمله ذلك على إنكار الزكاة والامتناع عن الإيتاء، [و]منهم من كان كفره إنكاره جزاء الأعمال، حمله ذلك على إنكار الآخرة، ومنهم من كان سبب كفره الخضوع لمن دونه أو مثله في أمر الدنيا، حمله ذلك على إنكار الرسالة والجحود لها، وغير ذلك من الأسباب التي حملتهم على الكفر والضلال وهي مختلفة.

ويحتمل قوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ لا على زكاة الأموال، ولكن على زكاة الأنفس؛ كأنه يقول: وويل للمشركين الذين لا يعلمون ولا يسمعون فيما به تركوا أنفسهم ويشرف ذكرها ويصلح أعمالهم به ولا ما يجزون به في الآخرة، أي: ويل لمن لا يعمل ذلك، والله أعلم.

وهذان الوجهان جواب عمّن تعلق بظاهر هذه الآية على أن الكفار يخاطبون بالشرائع؛ حيث ألحق الوعيد بهم بترك إيتاء الزكاة، والزكاة من الشرائع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ .

أي: غير مقطوع وذلك في الآخرة.

وقال بعضهم: أي: غير ممتن عليهم، وذلك في الآخرة أيضاً، ومعناه - والله أعلم -: أنه يزاد لهم في الآخرة على قدر أعمالهم، ولا يمن عليهم في تلك الزيادة، وقال بعضهم: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير منقوص ولا ممنوع، وذلك - والله أعلم - أن من كان يعمل في حال شبابه وقوته الصالحات والطاعات، ثم كبر وعجز عن إتيانها أنه لا يمنع ولا ينقص منه الأجر الذي كان مُجرى عليه ويكتب له في حال شبابه وقوته، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ١١ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ١٢ فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ ١٣ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ١٤ فَأَمَّا عَادٌۭ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ١٥ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِىٓ أَيَّامٍۢ نَّحِسَاتٍۢ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ١٦ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٧ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ١٨

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

تأويل هذه الآية كما ذكرنا في قوله  : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 28]، وهو يخرج على وجوه: أحدها: كيف تنكرون وحدانيته وتكفرونه، وهو الذي أحياكم لا الأصنام التي تعبدونها؟!

والثاني: تنكرون قدرة الله في البعث، وقد رأيتم قدرته في ابتدائه إنشاءكم وتقليبكم من حال إلى حال؟!

والثالث: كيف تكفرون رسوله وقد خلقكم الله  وامتحنكم بأنواع المحن، وكلفكم وأمركم بأوامر ونواهٍ ما لو لم يكن رسول الله  لا يمكنكم القيام بأكثرها وكان خلقه إياكم عبثاً؟!

فعلى هذه الوجوه يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ الآية، أي: أئنكم لتكفرون وحدانية الله  وقد خلق الأرض في يومين وما ذكر.

والثاني: إنكم لتكفرون وتنكرون قدرته على البعث وقد خلق الأرض في يومين على بعد أطرافها وسعتها، فكيف تنكرون قدرته على البعث وقد رأيتم قدرته على خلق ما ذكر؟!

والثالث: أئنكم لتكفرون نعمة الله التي أنعمها عليكم من خلق ما ذكر من الأرض وغيرها وما أنعم عليكم من بعث الرسول، فكيف تصرفون شكرها إلى الذي لم يفعل ذلك بكم وتنكرون رسالة رسوله، ولا بد من رسول يرسل إليكم، وذلك من أعظم النعم وأجلها؟!

فيخرج تأويل الآية على هذه الوجوه التي ذكرنا: أحدها: في إنكار وحدانية الله وألوهيته.

والثاني: إنكار قدرته على البعث.

والثالث: في إنكارهم رسالة الرسول، وصرفهم شكر نعمه إلى غيره بعبادتهم غير الله.

ثم الحكمة في خلق الأرض وجعله الحد الذي ذكر يومين، وإن كان قادراً على خلق كل شيء بلا تحديد ولا توقيت - فقال بعضهم: فيه تعريفه الخلق والتعليم لهم الأناة - أي: التأني في الأمور وترك الاستعجال فيها.

والأصل في ذلك عندنا: أن الله - جل وعلا - جعل أمر الدنيا وأمر هذا العالم على التحديد والتقليب من حال إلى حال نحو ما ذكر من تقليبه وتغييره من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ومن حال المضغة إلى حال تركيب الجوارح ثم إلى حال الإنسان، ثم من تلك الحال إلى أن يكبر يقلبه من حال إلى حال أخرى؛ وكذلك أمر الدنيا وما فيها من الفواكه والنبات وغير ذلك ينشئها ويحدثها في كل عام، وإن كان لو شاء أحدثها في عام واحد وأبقاها إلى آخر الأبد، لكن لم يفعل ذلك؛ لما بنى أمر هذ العالم على الفناء والفساد؛ فيستدل بطريان هذه الأحوال عليها على أصل الوضع؛ ولذلك ركب فيهم المرض والسقم والسلامة والصحة، وبنى أمر الآخرة على البقاء والدوام؛ فعلى ذلك من التحديد والتوقيت في خلق الأرض.

ويحتمل أن يقال: جعل ذلك على التحديد والتقدير؛ لأنها دار محنة وابتلاء، والابتلاء إنما يقع على التوقيت والتقدير في أوقات متباينة وأسباب مختلفة، فأما الآخرة فلا محنة فيها ولا بلية، فهي على الدوام والبقاء؛ لذلك كان ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ﴾ .

أي: جعل في الأرض جبالا أرسى بها الأرض وأثبتها؛ لأنه ذكر أن الأرض كانت على الماء وكانت تميد بأهلها، لكنه أرساها بالجبال وأقرها بها.

وفيه نوع [لطف منه]؛ لأنه معلوم أن الجبال التي أثبت بها الأرض، وأقر بها كانت تزيد في ثقل الأرض، فالسبيل في التسرب في الماء والانحدار فيه لا الإثبات بها والإقرار، لكنه جعل الجبال سبب إثبات الأرض وإقرارها؛ تعليما منه الخلق تعليق الأشياء بعضها ببعض، وتعليقها بالأسباب من غير أن يكون الأسباب معونة له على ذلك، ولو شاء أثبتها وأرساها بلا سبب ولا شيء علقه به، لكنه علق الأشياء بالأشياء والأسباب، لما ذكرنا من تعليم الخلق تعليق الأشياء بالأسباب.

وقوله: ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ .

يحتمل ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: في الجبال، فقد جعل الله فيها البركات الكثيرة: منها المياه التي أخرجت منها والعيون، ومنها الذهب والفضة وغيرهما، ومنها الثمار والأشجار التي ينتفع بها وأنواع النبات التي تصلح للأدوية، وغير ذلك من المنافع التي يكثر عدها وإحصاؤها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: في الأرض، فقد جعل الله  في الأرض البركات والخيرات من المياه التي تخرج منها وأنواع النبات والثمار وغير ذلك مما به قوام الخلق جميعاً وغذاؤهم من البشر والدواب، والله أعلم.

والبركة: هي اسم كل خير يكون أبداً على الزيادة والنماء.

وقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ .

أي: قدر في الأرض أقوات أهلها وأرزاقهم في أربعة أيام سواء للسائلين.

قال الزجاج في قوله: ﴿ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ثلاث لغات: النصب والرفع والخفض.

فمن خفضه: ﴿ سَوَآءً ﴾ صيره صفة ونعتاً للأيام، كأنه قال: في أربعة أيام سواء، أي: مستويات ليس بعضها أطول من بعض.

ومن قرأ بالنصب: ﴿ سَوَآءً ﴾ صيره مصدرا، أي: سواء وتسوية.

ومن قرأ بالرفع صيره على الابتداء، يقول - والله أعلم -: أي ذلك الأقوات التي قدرها سواء للمحتاجين، أي: كفاية لهم على قدر حاجتهم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ : عن ابن عباس -  - قال: "من سأل عن ذلك وحده كما قال الله  ، ويقول ابن عباس -  -: وأنا من السائلين" فكأن قول ابن عباس -  ما - ما ذكرنا، أي: كفاية للسائلين المحتاجين على السواء.

وقال بعضهم: عدلا للسائلين، والعدل يخرج على وجهين: أحدهما: العدل الذي يناقض الجور، أي: عدل للسائلين ليس بجور.

والثاني: عدلا للسائلين، أي: سواء، يقول لمن يشاء الرزق من السائلين.

وقال الحسن: في أربعة أيام سواء لمن يسأل عن خلقه في أربعة للسائلين أو كلام نحوه.

وقال بعضهم: هو من تقاديم الكلام يقول: قدر فيها أقواتها سواء في أربعة أيام للسائلين تلك الأقوات والأرزاق سواء، والله أعلم.

ثم في هذا مسألتان: إحداهما: في تكوين الخلق وإحداثه وما ذكر من تقدير الأقوات في الأوقات، فعندنا أن الله -  - لم يزل مكوناً محدثاً، وأن ما كان ويكون إلى آخر الأبد إنما يكون بتكوين كان منه في الأول، لا بتكوين يحدث منه في كل وقت يحدث المكون والخلق، والأصل في ذلك ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا أضيف الأوقات إلى فعله فتكوين التوقيت للخلق أعني: المفعول لا لفعله؛ لما ذكرنا أنه لا حاجة تقع له في المعونة بشيء مما ذكر من التوقيت، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم قدم المفعول والخلق، وليعلم أنه محدث.

ومسألة أخرى في ذكر التحديد والتوقيت في خلق ما ذكر؛ لحكمة جعل في ذلك من غير أن يصعب عليه خلق ذلك في ساعة أو طرفة عين؛ إذ المعنى في خلق ما ذكر في أيام وأوقات ذلك غيرُ موجود على السواء، وهو أن الله  عالم بذاته قادر بذاته له قدرة ذاتية وعلم ذاتي لا مستفاد، فالأوقات إنما يحتاج إليها من كان يعمل بقدرة مستفادة وعلم مستفاد استعانة له بذلك، فأما الله -  وتعالى - ما يكون منه إنما يكون بقدرة ذاتية وعلم ذاتي لا حاجة تقع إلى الاستعانة بشيء من ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ .

الأربعة الأيام التي ذكر هي مع خلق الأرض: يومين لخلق الأرض، ويومين لتقدير الأقوات لأهلها والأرزاق فيكون أربعة، ثم ذكر لخلق السماوات يومين، فإذا جمع يكون ستة أيام، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  ﴾ ، فكان تمام ذلك في ستة أيام، وقد ذكرنا معنى ستة أيام في غير موضع.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، يخرج على وجهين: أي ثم استوت المنافع والأقوات التي قدرها في الأرض وجعلها معايش أهلها بالسماء؛ لأنه جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ما لولا السماء لم يستو منافع الأرض وما قدر لهم فيها، فبالسماء استوى ذلك لهم، أي: تم بذلك، والله أعلم.

والثاني: قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، أي: ثم استوى الهواء والجو الذي بين الأرض والسماء إلى السماء ما لولا ذلك الهواء لم تستو؛ لأن السماء لو كانت ملتزقة بالأرض لا هواء بينهما لكانت لا تخرج ما جعل في الأرض من الأقوات والمعايش، فبالهواء استوى ذلك، والله أعلم.

ومنهم من يصرف الاستواء إلى الله - عز وجل - ومعنى ذلك: استوى أمره وملكه بخلق السماء، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء.

وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك: أحدهما: رجع إلى استواء الهواء، والثاني: إلى استواء ما جعل في الأرض، وعلى هذا يخرج ما سئل ابن عباس -  - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس -  - فقال: "قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى، فقال له: من قبل رأيك أتيت، ما هما؟

فقال ذلك السائل: قوله -  -: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، وقوله  : ﴿ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  ﴾ "، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، وفي ظاهر الآية الثانية: أنه خلق السماء ثم خلق الأرض، فقال ابن عباس -  -: "خلق الله  الأرض قبل أن يخلق السماء، فدحى الأرض بعدما خلق السماء، والله أعلم"، أراد به: بسط الأرض بعد خلق السماء، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء.

وعندنا أن ليس [بين] ظاهر هاتين الآيتين مخالفة، ولا فيه بيان أنه خلق الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ثم قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها بعد خلق الأرض، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها قبل ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ .

قال بعضهم: دل قوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ على أنه كان هناك نار حتى خلق السماء بدخانها، لكن لا نعلم ذلك إلا بالسمع.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، أي: شبه الدخان، لا حقيقة الدخان، ومنه خلق السماء والأرض.

وقوله: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ .

قال بعضهم في قوله: ﴿ ٱئْتِيَا ﴾ : أعطيا ما جعل فيكما من المنافع والأقوات طوعاً أو كرهاً.

ثم اختلف فيه أنه على التكوين والتسخير ما ذكر من الطوع والكره، أو على حقيقة القول والأمر في ذلك؟!

قال بعضهم: ذلك على التكوين والتسخير خلقه، أي: إنشاؤهما وخلقهما على إخراج ما فيهما من المنافع والأقوات والأرزاق التي جعل فيهما، وكذلك ما ذكر من الطوع والكره لا قولا منه لهما وأمرا، لكنه طبعهما وأنشأهما كذلك على حقيقة القول والأمر منه لهما؛ نحو ما ذكر لكل شيء من الجبال وغيرها: أنه يسبح لله -  - على الوجهين، لكن شرط خلق الحياة التي لا بد منها للنطق والسماع؛ فعلى ذلك هاهنا.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ : أي ائتيا عبادتي ومعرفتي، وذلك أن الله  حين خلقهما عرض عليهما الطاعة والشهوة واللذات على الثواب والعقاب ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 72]، فهذا الإباء والإعطاء هو إعطاء الخلقة والتكوين على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ .

أي: خلقهن في يومين، هو موصول بقوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا الوجوه في ذلك.

ثم الأعجوبة في خلق السماوات ورفعها أعظم وأكبر من خلق الأرض، وقد ذكر في خلق السماوات من الوقت مثل الوقت الذي ذكر في الأرض، وهو يومان؛ ليعلم أن الوقت الذي ذكر في ذلك، ليس لما يتعذر عليه، ويصعب بدون ذلك الوقت، ولكن لحكمة جعل في ذلك لم يطلع الخلق على ذلك أو كانت الحكمة فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ﴾ .

وهم الملائكة الذين جعلهم أهلا لها.

وقال قائلون: أي: أمر كل أهل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة.

وقال بعضهم: هو مما أمر به وأراد؛ وهما واحد.

وقوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ .

أي: بالكواكب، وقوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ﴾ التي دنت منكم هي مقابل القصوى من الدنو، ليس أن هذه السماء التي نراها ونشاهدها مزينة بالكواكب هي سماء الدنيا فانية وغيرها من السماء الآخرة لا يفنى، بل كلها تفنى يعني: هذه وغيرها بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ  ﴾ ، فهن كلهن دنيويات فانيات، دل أن قوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: التي دنت منكم وهي مقابل القصوى، لا مقابل الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أي: حفظناها وجعلناها محفوظة بما ذكر من أن يسترق الشياطين والجن أسماعهم إلى خبر السماء، وما يتحدث به الملائكة فيما بينهم فيلقون ذلك على أسماع أهل الأرض، على ما كانوا يفعلون من قبل، أي: حفظناها بالكواكب التي جعل فيها؛ لترميهم الكواكب وتقذفهم؛ ليكون سماع ذلك من جهة الوحي عن لسان الرسول  دون إلقاء من ذكر، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ...

﴾ الآية [الصافات: 6-8].

ويحتمل وجها آخر: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ أي: حفظناها على ما هي حتى لا تسقط على الخلق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

يقول: ذلك الذي ذكر كله وصنع هو تقدير العزيز العليم، أي: تقدير من لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

ويحتمل قوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: تقدير من له العز الذاتي والعلم الأزلي، لا أنه قدر وصنع ليستفيد بذلك العز أو العلم؛ إذ هو عزيز بذاته وعليم بذاته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ .

كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ دل قوله  : ﴿ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ أن صاعقة عاد كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ لتكذيبهم الرسل وتركهم إجابتهم إلى ما دعوا إليه، حيث خوف هولاء بذلك كأنه يقول: أنذرتكم بتكذيبكم إياه وترككم إجابتي إلى ما دعوتكم إليه بالذي نزل بعاد وثمود، وتكذيبهم الرسول الذي أرسل إليهم وتركهم الإجابة إلى ما دعوا إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ لم يرد به عين عذاب أولئك ومثله في رأي العين، ولكن مثله في الهلاك والاستئصال؛ ألا ترى أن عذاب عاد وثمود كان مختلفا في رأي العين: عذاب عاد خلاف عذاب ثمود [و]هما في المعنى واحد؟!

فعلى ذلك ما أوعد هؤلاء بمثل عذاب عاد وثمود، لم يرد مثله في رأي العين، ولكن في المعنى، وهو كما ذكر في قوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ  ﴾ لم يرد به التشابه والمضاهاة على أن نفس القول منهم وعين الكلام كان واحداً، بل كان سبب كفرهم مختلفاً، وقول هؤلاء خلاف قول أولئك، وما كان من هذا الفريق خلاف ما كان من الفريق الآخر، لكن لما كان التكذيب من هؤلاء له كالتكذيب من أولئك والرد له من هؤلاء كهو من أولئك في أن كان كفرا واحدا سواء، فمن هذه الجهة وصف قلوبهم بالتشابه وأقوالهم بالمضاهاة، وهذا يدل على أن الاستواء من جهة واحدة يوجب التشابه والتماثل.

وقوله: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ ﴾ بنبأ من كان [قبلهم] ونبأ من كان بعدهم أنهم جميعاً قالوا لقومهم ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

والثاني: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ ﴾ بالوعيد والتخويف بعذاب ينزل بهم ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: من حيث يرونه ويعلمونه ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ ، أي: من حيث لا يرونه ولا يعلمون؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ  أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ  ﴾ ونحوه.

وقيل: يبعث الله الرسل قبلهم وبعدهم بالذي ذكر، وهو الدعاء إلى توحيد الله وجعل العبادة له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

هذا القول منهم يناقض قولهم وتكذيبهم الرسل وإنكارهم رسالة البشر وطمعهم رسالة الملائكة؛ لأنهم ما عرفوا الملائكة ولا عاينوا، فإنما عرفوا الملائكة وعلموا بمكانهم برسل البشر، فكيف أنكروا رسالتهم مع ما لو كان الرسل إليهم الملائكة، لم يعرفوا أنهم ملائكة إلا بقولهم؛ لما لم يتقدم لهم المعرفة بالملائكة، فهذا يناقض إنكارهم الرسل من البشر؟!

والثاني: ما قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ قد أقروا رسالتهم حيث قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يقولوا: إنما بما [أرسلتم] إلينا كافرون، ولكن قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ ﴾ فذلك مما يناقض قولهم ويرد تكذيبهم، وإنما قالوا ذلك - أعني: قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ - تعنتاً منهم وعنادا، وإلا قد علموا أنهم رسل الله فيناقضون بما قالوا على التعنت منهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .

جائز أن يكون استكبارهم في الأرض بغير الحق على أهل الأرض بما ذكروا من فضل القوة لهم وشدتها من بين غيرهم؛ كقوله  : ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ  ﴾ فهم ذكروا ذلك، فجائز أن يكون استكبارهم على أهل الأرض بغير الحق؛ لشدة بطشهم وقوتهم على غيرهم.

ويشبه أن يكون استكبارهم [رفض] اتباع الرسل، فلم يروا أنفسهم أن يجعلوها تحت تدبير الرسل وأمرهم، وأن يخضعوا لهم ويستسلموا لما دعوهم إليه، وقالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .

ثم قال الله  : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ .

هذا استفهام على طريق التقرير، معناه: قد رأوا وعلموا أن الله الذي خلقهم هو أشد قوة، والرسل - عليهم السلام - لم يكونوا يوعدونهم بقوى أنفسهم ولا بعذاب يكون منهم حتى قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، ولكن إنما كانوا يوعدونهم ويخوفونهم بعذاب ينزل من عند الله، وبقوته وسلطانه يوعدونهم وقد عرفوا قوته وسلطانه؛ لذلك قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .

دل هذا على أنهم قد كذبوا هوداً، وأنكروا آياته، وذلك قولهم: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ  ﴾ وإنه قد أتاهم بآيات رسالته.

وقوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ .

ذكر ما أهلكهم من العذاب، وهو الريح الصرصر الباردة؛ كذا قال أبو عوسجة.

وقوله: ﴿ فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ .

وهو ما ذكر في سورة الحاقة حيث قال: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ  سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً  ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ  ﴾ .

ثم اختلف في تأويلها: قال بعضهم: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ مشومات نكدات؛ وهذا قول القتبي.

وقال بعضهم: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ أي: شداد.

وقيل: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ من النحس، يقال نحس يوْمُنا، والنحس: الغبار في الأصل.

وقوله: ﴿ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

أي: عذاباً يذلهم ويفضحهم عند الخلق جميعاً.

وقوله: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

عليهم أذل وأفضح وأشد من عذاب الدنيا.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .

يحتمل: لا ينصرون بقوتهم التي كانت لهم، واعتمدوا عليها بقولهم: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .

ويحتمل: لا ينصرون بالأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم والشفاعة.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ .

يحتمل ما ذكر من الهداية لهم حقيقة الهدى، وهو التوفيق، وحقيقة خلق الاهتداء فيهم، فصاروا مهتدين، وهو ما سألوا من الآية، وهي الناقة، فلما أتاهم على ما سألوا، آمنوا به وصدقوه، ثم كفروا به بعد ذلك وكذبوه وعقروا الناقة على ما ذكر.

ويحتمل قوله: ﴿ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ .

أي: بينا لهم غاية ما يبين الحق من الباطل بما يعرفه كل ذي لب وعقل أنها آية، وأنها من الله  ؛ حيث جاءتهم الآية التي سألوها على الإشارة والتعيين وهي الناقة.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أي: اختاروا الكفر على الهدى، واختاروا ما به يعمون على ما يبين لهم.

ثم أخبر عما نزل بهم من العذاب باختيارهم العمى على الهوى، وهو [ما] قال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ ﴾ .

أي: عذاب يهانون فيه، وهو من الهوان والإذلال، وكل عذاب الله صاعقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ ﴾ .

أي: أنجينا الذين اختاروا الهدى على العمى، وكانوا يتقون اختيار العمى على الهدى.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٠ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢١ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٢٢ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٢٣ فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ٢٤

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ .

أي: نجمع، والحشر: الجمع، يجمعون في النار؛ وهو كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ .

أي: يساقون؛ كقوله -  - ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يدفعون؛ كقوله  : ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ ، والوزع: الدفع.

وقال بعضهم: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبسون، أي: يحبس أولهم على آخرهم، حتى إذا اجتمعوا جميعاً فعند ذلك يجعلون في النار؛ كقوله -  -: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ...

﴾ الآية [الأنفال: 37].

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

كأنهم يوقفون ويحبسون في مكان، فيعاينون النار، فيسألون عما كانوا يعملون؛ وهو كقوله  : ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ  ﴾ ، فينكرون ما كان منهم؛ كقوله  : ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً  ﴾ ، فعند ذلك ينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بما عملوا وما كان منهم، وهو قوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ جُلُودُهُم ﴾ : كناية عن الفروج؛ وهو قول الحسن.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يَنْطِقُ، إذ لا كل شيء ينطق، ذكروا ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، وأرادوا به الخاص لا العام، والله أعلم.

وكأن غير هذا أقرب، يقولون: ﴿ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يعصون [به] الله  ، وهو ما ينطق الله الأشياء التي بها عصوا ربهم، وهي الأصنام التي عبدوها وغيرها مما عبدوا دون الله؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الفرقان: 17]، وقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، وما ذكر من إخبار الإرض وحديثها بما عملوا عليها بقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان: أنه ينطق الله  الأشياء التي عبدوها وعصوا بها ربهم؛ فعلى ذلك ينطق الله الجوارح التي بها عصوا ربهم؛ فتشهد عليهم بجميع ما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: ما كنتم تعلمون وتستيقنون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، الظن هاهنا على هذا التأويل: حقيقة الظن، أو الجهل، أي: ولكن جهلتم أن الله يعلم كثيراً مما تعملون، فلو كان تأويل الآية ما ذكر هؤلاء ففيه دلالة أن العذاب قد يلزم ويجب وإن جهل ذلك ولم يتحقق عنده العلم به، إذا كان بحيث إمكان الوصول إلى علم ذلك ومعرفته بالنظر والتأمل والتفكر بغير ذلك من الأسباب، لكنه ترك التأمل فيه، فلم يعلم ذلك؛ فلم يعذر بجهله، وهكذا الحكم أنّ من مكن له العلم وأسباب المعرفة فلم يتكلف معرفته، لم يعذر في جهله؛ ولهذا قال أبو حنيفة في الأطفال أنْ: لا علم لي بهم؛ لما لا يعلم أنهم قد بلغوا المبلغ الذي يدركون الأشياء بالتأمل والتفكر أم لا؟!

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ ، أي: كنتم لا تقتدرون أن تستتروا من سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، فأحد لا يستطيع أن يستتر من نفسه إذا عمل شيئاً، فذلك ظنكم أن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون في السر.

وقوله: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾ .

أي: وذلكم جهلكم على ما ظننتم بأن الله -  - لا يعلم ذلك، وهو لا يخفى عليه خافية، فظنكم ذلك أرداكم، أي: أغواكم وأضلكم عن الهدى.

وقال قتادة: يا ابن آدم، إن عليك لشهودا غير متهمة: من بدنك، فراقبهم، واتق الله في سر أمرك وعلانيتك؛ فإنه لا يخفى عليه خافية: الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، ومن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن ولا قوة إلا بالله.

ثم قال: الظن ظنان: ظن منجٍ، وظن مردٍ، فأما المنجي فقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ الآية [البقرة: 46]، وما قال: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ  ﴾ ، وأمّا الظن المردي فقوله: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً  ﴾ ونحوه.

قال: وذكر أن نبي الله  كان يقول ويحدث ذلك عن ربه  : "عبدي، أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا دعوتني" وقال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بربه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساء به الظن؛ فأساء العمل، ثم تلا قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ...

﴾ الآية، وقال: الجلود: كناية عن الفروج.

وفي حرف حفصة: ﴿ وما كنتم تخشون ﴾ ، وفي حرف أُبي وابن مسعود: ﴿ ولكن زعمتم أن الله لا يعلم ﴾ كذا؛ وكذلك في حرفهما: ﴿ فذلكم زعمكم الذي زعمتم ﴾ والزعم في كلام العرب الكذب، وفيه يستعمل.

وقوله -  -: ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أهلككم، والردى: الهلاك، وقيل: أورد المهالك.

ويحتمل ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ أي: أغواكم وأضلكم على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فإن يصبروا على ما هم عليه من الأعمال إلى أن ختموا به، فالنار مثوى لهم في الآخرة.

والثاني: أي: فإن يصبروا في الآخرة فالنار مثوى لهم، أي: لا ينفعهم الصبر على ذلك، ولا يكون الصبر سبب الفرج عن ذلك؛ وهو كقوله -  وتعالى - خبرا عنهم: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ ، فيكون أحد التأويلين في الدنيا والثاني في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: وإن يستقيلوا ما كان منهم فما هم من المقالين، أي: أثقال ذلك منهم ولا يرضى عنهم وإن استرضوا.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٢٥ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٧ ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ٢٨ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ ٢٩

قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ ﴾ .

كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...

﴾ الآية [الزخرف: 36].

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا ﴾ .

قال بعضهم: هيأنا لهم في الدنيا قوماً من الشياطين وغيرهم.

وقال بعضهم: أي: مكنا للشياطين حتى يقذفوا في قلوبهم من الوساوس وغيرها أو كلام نحوه.

وقال بعضهم: أي: خلينا بينهم وبين الشياطين حتى عملوا بهم ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ؛ قال بعضهم: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: حسنوا لهم التكذيب بالآخرة والحساب والثواب والعقاب، أن ليس ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: حسنوا لهم أمر الدنيا وأنها دائمة باقية.

وقيل: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: ما عملوا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي: وما يريدون أن يعملوا من بعد.

والثالث: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما عملوا بأنفسهم، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله  : ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ .

يحتمل: وجب عليهم القول بالعذاب أو السخط.

وقوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ .

أي: مع أمم، وذلك جائز.

وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: من قبل هؤلاء من الإنس والجن من الأمم الخالية ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .

أي: لا تسمعوا أنتم بأنفسكم والغوا فيه؛ لئلا يسمع منه قراءته ولا صوته، دل هذا القول على أنهم قد عرفوا أنه حجة، وأنه من عند الله جاء، وأن من سمع ذلك أذعن له وأطاع إذا لم يكابر عقله؛ ولهذا قالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ؛ لئلا يذعن [له] ولا يطاع ﴿ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ بالمكاء والتصدية، وكانوا يفعلون ذلك؛ ليخلطوا عليه صلاته وقراءته لعلكم بالمكاء والتصدية لقولهم: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: يذيقن الذين كفروا وداموا على الكفر حتى ماتوا على ذلك، فأما من كفر في وقت ثم ترك ذلك، وأسلم، فليس له ذلك.

ثم من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ أراد به في الدنيا، وقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، في الآخرة، يجعل أحد العذابين في الدنيا و[الآخر] في الآخرة.

وجائز أن يكون كله في الآخرة.

ثم دل قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لهم محاسن في الدنيا، لكن تلك المحاسن تبطل ولا يجزون بها شيئاً، وإنما يجزون على المساوئ التي عملوها في الدنيا؛ لأن المحاسن إنما تثبت وتبقى ويستوجب بها الجزاء إذا أتوا بالإيمان والتوحيد، فأما إذا لم يأتوا به لم ينتفعوا بتلك المحاسن، ولم يجزوا بها، وقد ذكر للمؤمنين مقابل ذلك: أن يكفر عنهم سيئاتهم ويجزوا بأحسن ما كانوا يعملون، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ وعد للمؤمنين تكفير المساوئ التي عملوا في الدنيا والجزاء لهم بالمحاسن التي عملوها، ووعد للكافرين إسقاط محاسنهم والجزاء على مساوئهم لما لم يأتوا بالإيمان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ﴾ .

هذا يدل على أن ذلك في الآخرة.

وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ دَارُ الخُلْدِ ﴾ ، أي: دار البقاء يبقون فيها أبداً، فيكون اسماً للجنة، ويحتمل أن يكون في الجنة دار أو موضع يسمى: دار الخلد فيكون اسم موضع خاص، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .

قال بعضهم: الذي أضلهم من الجن هو إبليس؛ لأنه أول من عصى الله  وسن لهم ذلك، ومن الإنس ولد آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه أول من سن القتل، ولكن عندنا أنهم سألوا أن يريهم الذي أضلهم كل جني يوسوس ويقذف في قلوبهم الوساوس والمساوي، وكل إنسي يدعوهم ظاهراً إلى الضلال، وهكذا كل ضال وكافر إنما كان ذلك الضلال والكفر لوساوس من جني أو تلقين من إنسي بلسانه.

سألوا الله  أن يجعلهم ظاهرين فيجعلوهم تحت أقدامهم؛ لما يكون العذاب في كل ما كان أسفل أشد؛ لذلك سألوا ذلك وهو ما سألوا ربهم زيادة العذاب لهم في آية أخرى حيث قال: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ  ﴾ فعلى ذلك سؤال هؤلاء.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١ نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ ٣٢ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًۭا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٣٣

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ .

روي عن عمر بن الخطاب -  - عن رسول الله  لما نزلت هذه الآية قال: "أمتي أمتي؛ لأن اليهود قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: عزير ابن الله، وأن النصارى قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: المسيح ابن الله، وأن أمتي قالوا: ربنا الله، ولم يشركوا به أحداً" ، وكذلك روي عن أبي بكر الصديق -  - قال: " ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً" فإن ثبت ذلك عن رسول الله  وعن أبي بكر -  - فهو تفسير الاستقامة التي ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: أي قالوا ربنا الله، ثم استقاموا في إخلاص العمل له والقيام بذلك.

وقال بعضهم: ثم استقاموا على أداء الفرائض والشرائع والحدود.

وقيل: ثم استقاموا في الطاعات له.

والاستقامة وجوه ثلاثة: أحدها: في الاعتقاد، اعتقدوا ألا يعصوه ويجتنبوا جميع ما يخالف أمره ونهيه.

والثاني: استقاموا في اجتناب جميع ما يخالف ما أعطوا بلسانهم: أنه ربنا الله، وقاموا بوفاء ما أعطوا بلسانهم قولا وفعلا.

والثالث: قاموا في جميع الأعمال مخلصين لله  لم يشركوا فيها أحداً لأحد فيها نصيباً من المراءاة غيرها، بل خالصاً لله  سالماً، والله أعلم بما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك عند قبضهم الأرواح في الدنيا يبشر لهم بما ذكر.

وقال بعضهم: تقول لهم الملائكة يوم القيامة عند معاينتهم الأهوال والأفزاع؛ ليسكن بذلك قلوبهم عند تلك الأهوال والشدائد، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ أي: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأهل والأولاد.

وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل أو دين.

وقال بعضهم: لا تخافوا من العذاب ولا تحزنوا على فوت ما وعدتم من النعيم؛ فإنها دائمة لا يفوت ولا ينقطع أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .

على ألسن الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فمن قال: إن البشارة التي ذكر في الدنيا عند قبض الأرواح، فلما ذكر في الخبر عن النبي  أنه قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ؛ لأن المؤمن يُرَى له الجنة ويبشر بها في ذلك الوقت؛ فيصير الدنيا له سجناً لما عاين مما هُيِّئ له وجعل له من الثواب، والكافر لما رأى له مكانه في النار أو بشر به صارت له الدنيا جنة؛ وعلى ذلك يخرج قوله -  -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يشبه أن يكون هذا القول من الذين بشروهم بما بشروا يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وجائز أن يكون ذلك من الله  ، وإن كان المذكور على أثر البشارة الملائكة؛ وذلك كقوله -  -: ﴿ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ثم إن كان ذلك من الله -  وتعالى - فيكون تأويله ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ ﴾ في عصمتكم في الدنيا، وأولى بكم في الآخرة في المعونة، أو نقول: نحن أولى بكم في النصر والتوفيق في الدنيا والجزاء والثواب في الآخرة، والله أعلم.

وإن كان ذلك من أولئك الذين بشروهم يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالصحبة، فكذلك يكون في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ أي: لكم ما ترغب به أنفسكم وتتوق إليه.

أو لكم فيها ما تتلذذ به أنفسكم وتتنعم بها.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ .

قيل: ما تتمنون وتسألون، أو يقول: ما تدعون من الدعوى.

وقوله: ﴿ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ نُزُلاً ﴾ أي: رزقاً من غفور رحيم وهو من الإنزال، وقال بعضهم: ﴿ نُزُلاً ﴾ أي: إنزالا في المنزل من غفور رحيم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

كأنه يقول: ومن أحسن مذهباً ومسيرة ممن دعا إلى الله، أي: إلى توحيد الله ودينه، أو دعا إلى المعروف والنهي عن المنكر، أي: دعا غيره إلى ذلك وعمل بنفسه، وهذا الحرف يجمع جميع الخيرات والطاعات، فإن كان قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾ على ما ذكرنا من المذاهب والسيرة فكأنه يقول: ومن أحكم وأتقن مذهباً وسيرة ممن ذكر، وإن كان على حقيقة القول فيكون قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾ أي: ومن أصدق قولا ممن قال ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أي: اختار الانتساب إلى الإسلام من بين غيره من الأديان والمذاهب، وقد أبى سائر الفرق الانتساب إلى الإسلام سوى أهل الإسلام.

والثاني: انتسب إلى ما خص الله  وتعالى تسميتهم به وهو الإسلام؛ كقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ  ﴾ ، وقال في حق إبراهيم -  -: ﴿ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ويكون اسم المؤمن خاصّاً لأهل الحق؛ فإن اليهود والنصارى سلموا أنفسهم مؤمنين، ولا يمتنعون عن إطلاق اسم المؤمن ويمتنعون عن إطلاق اسم المسلم؛ ولهذا يقال: دار الإسلام، ولا يقال: دار الإيمان، وإن كان الإسلام والإيمان واحداً؛ لاختصاص هذا الاسم بهؤلاء، والله أعلم.

أو يقال: إنه اختار النسبة إلى الإسلام، وغيرهم من الناس انتسبوا إلى ما لهم من العز في الدنيا والشرف فيها، وغير ذلك من الأسباب التي كانت لهم في الدنيا.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: هو رسول الله  .

وقال بعضهم: هم المؤذنون، وعلى ذلك رويت الأخبار أنها نزلت في المؤذنين.

وقال بعضهم: ذلك في كل مؤمن دعا الخلق إلى طاعة الله  وعمل بنفسه، والله أعلم.

وعن الحسن: أنه تلا قوله -  -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ قال: هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله  ، أجاب في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، قال إنني من المسلمين لربّه، هذا خليفة الله  .

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ ٣٥ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٦

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ .

قيل: و"لا" الأخير هاهنا زائدة كأنه قال: ولا تستوي الحسنة والسيئة، وقد يزاد حرف "لا" في الكلام وقد ينقص؛ فعلى ذلك هذا.

ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ كل واحد منها موصولاً بالآخر، يقول: لا تستوي الحسنة، وجائز أن يكون كل واحد منها مقطوعاً من الآخر على الابتداء، فإن كان أحدهما موصولا بالآخر يقول: لا تستوي الحسنة والسيئة في جلب حب القلوب واللين والعطف لها؛ بل الحسنة تجلب حب القلوب والميل إليها لا السيئة.

﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: ادفع بالحسنة دون السيئة؛ وهو كقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ...

﴾ الآية [آل عمران: 159]؛ فعلى ذلك يقول هاهنا أنْ: لا تستوي الحسنة والسيئة في الطاعة والميل وجلب حب القلوب، بل هما مختلفان مفترقان فادفع سيئتهم بالحسنة، والله أعلم.

وجائز أن يكونا جميعاً على الابتداء لا اتصال لأحدهما بالآخر، فإن كان الابتداء فمعناه - والله أعلم -: أنكم تعلمون بعقولكم أن لا استواء بين الحسنة والسيئة ولا بين المحسن والمسيء، وكذا لا استواء بينهما في الحكمة، وقد رأيتم أنهما قد استويا في هذه الدنيا في جميع منافعها ولذاتها، وجمع بينهما في هذه، وفي الحكمة والعقول التفريق بينهما، دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما في الجزاء والثواب فيهما - والله أعلم - وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ  ﴾ أي: لا نجعل هذا كهذا في هذه الحياة الدنيا؛ فدل ذلك على أن هناك دارا أخرى فيها يقع ذلك التمييز والتفريق، فعلى ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ .

صرف عامة أهل التأويل ذلك إلى رسول الله  وإلى أبي جهل - لعنه الله - أنه أمر رسوله  أن يدفع سيئة أبي جهل بالحسنة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه لم يذكر أن أبا جهل صار لرسول الله  كما ذكر حيث قال: ﴿ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، بل دامت عداوته إياه إلى أن خرج على رسول الله  يوم بدر وأغرى الناس عليه، فرجع ذلك الإغراء إليه فقتل في ذلك اليوم؛ فدل أنه لا وجه لصرف الآية إلى هذا.

ثم يخرج قوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ على وجهين: أحدهما: ادفع سيئتهم في حادث الوقت بحسنة تكون منك إليهم، أي: إذا أحسنت إليهم كفوا هم عن الإساءة إليك في حادث الوقت - والله أعلم - فيكون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ .

والثاني: أي ادفع سيئتهم بالعفو والصفح عنهم، أي: لا تكافئهم بمساويهم ولكن تجاوز عنهم واصفح، فإذا فعلت ذلك يصير الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، أي: لا يعاد ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ : على أمر الله  والقيام بجميع أموره، أو يقول: لا يعطى ولا يؤتى المعاملة التي ذكر ولا يوفق لذلك إلا من عزم على الصبر على ما أمر الله  والصبر على ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .

يقول: ولا يعطى هذه المعاملة التي ذكر من الدفع بالحسنة والصفح عن المجرم إلا من كان له حظ ونصيب عظيم عند الله  ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون الاستعاذة التي ذكر هي مباشرة الأسباب التي بها يدفع نزغ الشيطان ووساوسه، أمره أن يأتي بالأسباب التي يتهيأ له أن يدفع بها نزغاته وغمزاته، وهذا كالاستغفار الذي أمره به، ليس هو أمراً بأن يقولوا: نستغفر الله بألسنتهم، ولكن أَمْرٌ بمباشرة أسباب يقع ويجب لهم المغفرة بها؛ فعلى ذلك الاستعاذة.

والثاني: جائز أن يكون أمره بالاستعاذة إياه أمراً له بسؤال لطف من عند الله يدفع به نزغاته وهمزاته، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة لا يصح الاستعاذة منه؛ لأنهم يقولون: إنه قد أعطى كلاماً به يدفع نزغاته وهمزاته متى لم يبق عنده شيء يملك إعطاءه إياهم من اللطف وغيره، والله الهادي.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ٣٧ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩ ٣٨ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٣٩

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

كأنه يقول - والله أعلم -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات ألوهيته  ووحدانيته كالليل والنهار أنهما آيتان من آيات الله  ، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم الشمس والقمر؟!

والله أعلم.

أو نقول: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله  ، سخرهما لمنافع الخلق كالليل والنهار مسخرات للخلق والمنافع التي جعل فيها للخلق إن لم يكن أكثر لم يكن دون منافع الشمس والقمر، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم هاتين؟!

يذكر هذا لأن منهم من كان يعبد الشمس ومنهم من كان يعبد القمر ونحوه، يذكر سفههم بعبادة غير الله  .

وقوله: ﴿ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ .

أي: اسجدوا لله الذي أنشأ هذه الأشياء وسخرها لكم.

﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

أي: إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء تقصدون القربة عند الله  ، أو إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء إياه تريدون؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأشياء دون الله  رجاء القربة عنده والزلفى لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ يقول: إن كنتم إياه تقصدون بعبادة هذه الأشياء فاسجدوا له واعبدوا؛ لما أمركم بالسجود له والعبادة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن لا أحد يقصد قصد الاستكبار على الله  .

ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أنهم قد أمروا بطاعة الرسل - عليهم السلام - فاستكبروا عن الائتمار لهم لما دعوهم إليه؛ فيصير استكبارهم عليه كالاستكبار على الله  .

والثاني: لما تركوا عبادة الله  وجعل في أنفسهم دلالة العبادة لله  ؛ فإذا تركوا العبادة لله  فقد تركوا الائتمار بأمره، لم يعتقدوا الائتمار لذلك الأمر فيكون استكباراً عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله  فأوحشك ذلك، فاذكر عبادة من عنده من الملائكة بالليل والنهار حتى تستأنس بذلك، والله أعلم.

وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ كان يستوحش باستهزائهم به؛ فذكر له استهزاء أولئك بإخوانه لِيَقِلَّ ذلك فيه؛ لما علم أنه ليس أول من استهزئ به، فهذا مثله.

والثاني: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله وقد عبدوا الملائكة والأصنام وغيرهم، فالذين هم عند ربك ممن عندهم هؤلاء لم يستكبروا؛ بل هم مسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون، وهو كقوله -  -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ الآية [الإسراء: 57]؛ وكقوله -  -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ  ﴾ يقول: إن استنكف هؤلاء عن أن يكونوا عُبُداً لله، فالمسيح ومن ذكر لم يستنكفوا عن ذلك.

وقوله  : ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ .

يخبر أنهم لا يسأمون عن عبادته كما يسأم البشر أحياناً عن عبادته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ...

﴾ الآية.

وقال فيما تقدم: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ فيما ذكر من الآيات آيات وحدانيته، وآيات قدرته وعلمه وتدبيره، وآيات حكمته: أما آيات وحدانيته في الليل والنهار والشمس والقمر: هو أنه إذا كان سلطان أحدهما ليل أو نهار أو شمس أو قمر لم يمنع عن كون الآخر، ولو كان ذلك فِعْلَ عددٍ لكان منع الآخر عن إتيان ما يذهب سلطانه؛ فإذا لم يكن دل أنه فِعْلُ واحدٍ.

ودل جريان ما ذكر من الليل والنهار والشمس والقمر على سياق واحد وسنن واحد من أول ما كان إلى آخر ما يكونان على أن منشئهما عليم مدبر علماً ذاتيّاً وتدبيراً ذاتيّاً ليس بمستفاد ولا مكتسب.

ودل سيرهما وجريانهما في يوم واحد وليلة واحدة مسيرة كذا وكذا عاما على أن منشئهما قادر له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء؛ إذ القدرة المستفادة والمكتسبة لا تبلغ ذلك.

وكذلك في إحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات منها دلالة ذلك كله: من دلالة الوحدانية، ودلالة العلم الذاتي والقدرة الذاتية والحكمة والتدبير؛ لأنه لما أحياها بعد موتها، وأماتها بعد إحيائه إياها دل أنه فِعْلُ واحدٍ لا عدد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أحيا هذا منع الآخر عن الإماتة، وهكذا إذا مات هذا منع الآخر على أن يكون من فعل ذي عدد من ملوك الأرض؛ فإذا لم يمنع ذلك دل أنه فعل واحد، ودل جريان ذلك كله في كل عام على مجرى واحد وسنن واحد وعلى مقدار واحد من النبات وغيره على أنه إنما كان بعلم ذاتي وحكمة ذاتية، ودلت القدرة على إحيائها بعد موتها وإماتتها بعد حياتها أن له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء من البعث وغيره.

ثم جعل - جل وعلا - في الماء معنى، يوافق ذلك المعنى جميع النبات الخارج من الأرض على اختلاف أجناسها وجواهرها؛ حتى يكون حياة كل شيء من ذلك به: أن ذلك كان كذلك بلطف منه لا يبلغه فهم البشر ولا علمهم، ثم ذلك النبات مع لينه وضعفه ورقته يشق تلك الأرض مع شدتها وصلابتها ويخرج منها ما لا يتوهم خروج أشد الأشياء منها بفعل أحد سواه[، دلَّ] ذلك على قدرته ولطفه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾ أي: ميتة.

﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ ﴾ أي: تحركت نباتُها وتزينت وصارت حية.

وقوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: تربو ويزيد ما عليها من النبات.

قال القتبي: اهتزت بالنبات، ربت: علت وانتفخت.

وقال أبو عوسجة: اهتزت أي: فرجت، وربت: من الزيادة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

هو ما ذكرنا: أن الذي ملك وقدر على إحيائها لقادر على إحياء الموتى بعد موتهم.

﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، أي: لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًۭا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌۭ ٤١ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ ٤٢ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍۢ ٤٣ وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ٤٤

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ .

قرأ بعضهم: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها: فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: الإلحاد: الميل، وأخذ اللحد من هذا.

ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا وإبطالها.

﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ﴾ وعيد منه لهم، يقول: لا يخفون هم وما يفعلون علينا فيجزيهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة لآيتين تقدم ذكرهما: إحداهما: قوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ...

﴾ الآية هذه في المؤمنين، وقال في الكافرين: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ الآية [فصلت: 27].

والآية الثانية: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ  ﴾ يقول: أفمن يلقى في النار بأعماله السوء خير أمّن يأتي آمنا عن ذلك بأعماله الحسنة؟!

أي: يعلمون أن من يلقى في الآخرة في النار ليس كالذي يأتي آمنا عن ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على التخيير؛ لأنه جل وعلا بيَّن السبيلين جميعاً على المبالغة بياناً شافياً واضحاً، وبين عاقبة كل سبيل من سلكه إلى ماذا يفضي، ثم قال: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ أي: اسلكوا أي سبيل شئتم، فإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، وإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، والله أعلم.

والثاني: على الوعيد.

وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ على الوعيد.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ .

سمى القرآن ذكرا، وهو يحتمل وجوهاً: أحدهما: سماه ذكر؛ لأن من اتبعه وعمل بما فيه صار مذكوراً شريفاً.

أو سماه ذكرا؛ لما يذكر لهم ما نسوا من أحكام الله.

أو يذكر ما لله عليهم وما لبعض على بعض.

﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي: عزيز لا يذله جحود الجاحدين ولا تكذيب المكذبين، أو يقول: عزيز عند الله  أكرم به محمداً  وعزيز يعز من اتبعه وعمل به، كما ذكرنا أنه يشرف من اتبعه وعمل بما فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: لا ينزل كتاب من بعده يكذبه أو يبطله، ولا قبله كتاب يكذبه أو يبطله، بل خرج موافقاً لما قبله من الكتب.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أي: إبليس لا يستطيع أن يبطل منه حقّاً، أو يحق منه باطلا، أو ينقص منه حقّاً، أو يزيد فيه باطلا، بل هو على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم ما ذكرنا: لا تكذبه الكتب التي كان قبله.

وقوله: ﴿ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .

أي: لا يجيء من بعده كتاب يكذبه، ومعنى هذا: أنهم كانوا يردون ذلك ويدفعونه، وليست لهم حجة من الله في ردهم إياه ولا في دفعه، بل يدفعونه بلا حجة ولا برهان ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .

وعن الحسن قال في قوله  : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ : إن الله -  وتعالى - حفظه من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّاً، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

ودل قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ على أن كل ما أضيف إليه [من] اليدين والخلف لا يُفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: بقوله: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله  من اليدين ومن بين يديه، لا يُفهِمُ اليدان حقيقة الجارحتين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .

أي: هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد، الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، والله الموفق.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ لم يخرج له جواب في هذا الموضع، ثم قال بعضهم: جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقال بعضهم: بل جوابه ما ذكر في "حم المؤمن" حيث قال الله -  -: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعزِّي النبي ويصبِّره ليصبر على ما كانوا يقولون له: إنه كذاب وإنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه إنما يعلمه بشر، وإنه مفترٍ، وغير ذلك من أنواع الأذى، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما به نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر، فقال الله -  - له عند ذلك: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ من التكذيب والنسبة إلى السحر والجنون وغير ذلك، يصبِّره على ذلك؛ وهو كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له؛ ليسلَّى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة بالذي قالوا فيه؛ بما علم أنه ليس بأول مكذَّب من الرسل، ولا بأول متأذٍّ في ذات الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا، ورجعوا عن ذلك، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك.

أو يقول - والله أعلم - على الصلة لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا، وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ذلك، والله أعلم.

أو يذكر هذا، أي: ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم، إنما ذلك إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه، وإن شئت عاقبتهم؛ وهو كقوله  : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 128].

وقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ  فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ يذكر في هذه الآيات كلها سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ يقول: لو أنزلنا عليك الكتاب جملة في قرطاس بحيث يرون نزوله من السماء ويعاينونه، قالوا: ما هذا إلا سحر مبين.

ويقول أيضاً - والله أعلم -: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجميين بلسان، فقرأه عليهم - أي على أهل مكة - بلسان العرب بحيث يفهمون - ما كانوا به مؤمنين؛ لأن قراءة الأعجمي إياه بلسان العرب أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من قراءة العربي بلسان العربية، أي: قراءة كل أحد شيئاً بغير اللسان الذي هو لسانه أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من القراءة بلسان هو لسانه.

يقول: لو نزلنا على من لسانه لسان العجم والقرآن عربي، فقرأ الأعجمي ذلك على أهل مكة بلسان العرب؛ فهو أكبر أعجوبة وأعظم في الآية - لكانوا لا يؤمنون به.

فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ولو جعلناه قرآناً أعجميّاً وعاينوا نزول ذلك على محمد  وفهمه وأداه وقرأه عليهم بلسان العرب ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ يعنون القرآن ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي محمد - عليه الصلاة والسلام - يقولون: القرآن أعجمي ومحمد عربي كيف يكون؟!

أي: لا يكون هذا ويكذبونه ولا يؤمنون به؛ وذلك لما ذكرنا: أن أداءه بلسان ليس ذلك لسانه وقراءته بعين ذلك اللسان، أكثر في جعله آية وأعظم في الأعجوبة؛ إذ يمكن الاختلاف من نفسه باللسان الذي هو لسانه، وموهوم ذلك إذا لم يكن ذلك لسانه، يخبر عن سفههم وشدة عنادهم في تكذيبهم محمداً  وما جاء به، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل: إن النبي  كان أحيانا يدخل على رجل أعجمي يقال له أبو فكيهة، فقالوا: إنما يعلمه بشر فأنزل الله  : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً ﴾ بلسان أعجمي، لقال كفار مكة: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالعربية، أي: بينت حتى نفقهها ونعلمها ما يقول محمد  ولقالوا: أعجمي أنزل عليه القرآن ومحمد عربي؛ فأنزله عربيّاً ليفقهوه؛ فلا يكون لهم الاعتلال والاحتجاج.

وقال بعضهم: لولا فصلت آياته حتى يفقهها، أعجميٌّ القرآن وعربيٌّ الرجل؟!

وقال أبو معاذ: يكون معنى هذا: أن الله  يستفهم قرآنا أعجميّاً على رجل عربي فلا يفهمون؛ فيكون الحجة لهم بذلك، وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ استفهام من قريش، يكون معناه: لو أنزلناه قرآنا أعجميّاً على رجل عربي لقالوا: أعجمي وعربي كيف يفهم هذا وكيف يعقله؟!

لَكنَّا قد ذكرنا أن هذا في الدلالة أكثر وفي الأعجوبة أعظم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.

وقال القتبي: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أنزلت عربية مفصلة بالآي كان التفصيل للسان العرب، لكن لسنا ندري ما يريد بهذا الكلام أن التفصيل للسان العرب.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: هلا فرقت آياته حتى جعل من كل لسان من لسان العجم ولسان العرب؛ حتى يفهمها أهل كل لسان، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآنا، وأن اختلاف اللسان لا يغيره ولا يحوله عن أن يكون قرآنا - والله أعلم - فيكون دليلا لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا قرأ بالفارسية في صلاته يجوز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .

وصف الله  هذا القرآن بالشفاء وللرحمة والهدى، وسماه مرة عزيزاً كريماً مجيداً حكيماً، ونحوه، فهو هدى من الضلالة والحيرة والشك وكل شبهة، وشفاء لكل داء وسقم يكون في الدين والأنفس جميعاً، هو شفاء لذلك كله وهو هدى.

ثم يحتمل الهدى وجهين في هذا الموضع: أحدهما: هو هدى لكل ضلالة، أي: دعاء إلى الذي يضاد الضلال.

والثاني: هدى، أي: جعل بياناً لكل حيرة وشك وشبهة، من اتبعه وقبله ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل دعاه إلى سبيله ودينه ويخرجه من الضلال، ويكون بياناً لكل من فيه الحيرة والشك والشبهة، ويخلى له الطريق ويوضح له السبيل ويخرجه من الشبهات، فهو للمؤمنين من الهدى والشفاء؛ لأنهم قبلوه واتبعوه وتكلفوا العمل بما فيه، وأما الكفرة فهو عليهم عمى وحيرة وشك، لأنهم لم يقبلوه ولم يتبعوه ونظروا إليه بالاستخفاف والهوان؛ ونبذوه وراء ظهورهم فلم يبصروا ما فيه؛ فهو صار لهم عمى وما ذكر، والله أعلم.

وكذلك قال  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ سماهم غيبة وإن كانوا بأنفسهم حضوراً شهوداً، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صمّاً وبكماً وعمياً وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الحوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: عموا عه.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ كقوله  : ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ .

وقيل: قوله: ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ عبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ٤٥ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ٤٦ ۞ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍۢ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍۢ ٤٧ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ٤٨

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ .

كأنه يقول - والله أعلم -: إنا قد آتينا موسى الكتاب ما عرفوا أنه إنما نزل من عند الله  ؛ حيث شاهدوا نزوله جملة، ومع أنهم عرفوا ذلك، اختلفوا فيه حتى كذبه بعضهم؛ فعلى ذلك يقول والله أعلم -: لو أنزلنا القرآن عليك أعجميّاً، فأديته إليهم بلسانك العربي، لكذبوك، ولا يصدقونك، وإن كان ذلك في الدلالة أكثر في الأعجوبة [و]أعظم على ما فعل قوم موسى بالكتاب الذي أنزل على موسى  ، يذكر سفههم وتعنتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .

ظاهر هذه الآية على أن ما ذكر من المنة والرحمة في تأخير العذاب إنما هو لقوم موسى، وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ ، لكن أهل التأويل قد أجمعوا على صرف هذه المنة والرحمة في تأخير العذاب إلى هذه الأمة، وكذا ظهر فيهم المنة في العفو عن الإهلاك في الدنيا دون سائر الأمم، والله أعلم.

ثم ظاهر قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ استدلال واحتجاج لأهل الإلحاد؛ لأن مثل هذا في الشاهد إنما يقال لأحد معنيين: أما لجهل بالعواقب، أو لعجز عن وفاء ما وعد، لكن الله يتعالى عن الوصف بالجهل بعواقب الأمور والوصف بالعجز عن شيء مما أقام من الآيات والبراهين على العلم والقدرة.

ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ يحتمل الكلمة: الحجة؛ كقوله  : ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي  ﴾ ، أي: لحجج ربي، وتكون الكلمة منه: الدين؛ كقوله  : ﴿ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا  ﴾ ، ونحوه.

وقيل: الكلمة: هي الساعة التي هي آخر عذاب هذه الأمة، فقال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن تكون الكلمة هاهنا ما سبق من المنة لهذه الأمة ألا يعذبها وقت استحقاقهم العذاب.

أو سبق منه المنة والرحمة بتأخير الهلاك عن وقت اكتسابهم أسباب الهلاك، وهذا على المعتزلة والخوارج؛ لقولهم: إن ليس لله أن يعفو أو يؤخر العذاب عمن وجب عليه أو استحقه أو كلام نحوه، حيث منَّ ورحم هذه الأمة بتأخير العذاب عنهم إلى وقت، ولو لم يستحقه العذاب، لم يكن لذكر المنة والرحمة في ذلك معنى؛ وهو كما قال  : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .

يخبر - عز وجل - أنه إنما امتحنهم لا لمنافع فيه يجرُّ إلى نفسه، أو لمضار يدفعها عن نفسه، ولكنه إنما امتحنهم وأمرهم ونهاهم؛ لمنافع يكتسبون لأنفسهم، ولمضار يدفعون بذلك عن أنفسهم، وليس كملوك الأرض أنهم يمتحنون الخلق ويأمرون وينهون ويستعملونهم لمنافع أنفسهم، ولمضار يدفعونها بذلك عن أنفسهم، فأما الله -  وتعالى - فإنما يمتحن الخلائق لمنافع يجرون إلى أنفسهم ولمضار يدفعون به عن أنفسهم، فلهم حصول منافع ذلك الامتحان والأمر والنهي، وعليهم حصول ضرر ذلك؛ فلأنفسهم يعملون ما يعملون من الخير والطاعة، وعليهم ما يعملون من الشر؛ ولذلك قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ...

﴾ الآية، قد بين السبيلين جميعاً بيانا شافيا، وأقام لكل ذلك حججا وبراهين، وبين أن من سلك سبيل كذا، أفضاه إلى كذا في العاقبة: إما نعيم دائم وسرور دائم، وإما عذاب دائم وشرور دائمة، فمن سلك السبيل الذي عاقبته النار والحزن، فمن قِبَلِ نفسه أتى ذلك، وهو الذي أوقع نفسه في ذلك، ومن سلك السبيل الذي جعل عاقبته الجنة والنعم الدائمة فيه، واختياره وصل ذلك، فهو تفسير قوله  : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ .

أجمع من آمن بالله  ، وصدق رسله - عليهم السلام - من أهل السماء وأهل الأرض أن ليس عندهم علم بوقت الساعة؛ فإن ذلك خفي عليهم لا يعلمونه، وأن علم ذلك عند الله  ، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]؛ غير الباطنية والروافض؛ فإن علم ذلك عندهم على مذهبهم وفي زعمهم: أما الروافض: فإنهم يعدون الأئمة ويقولون: إن الساعة على إمام كذا، وفي زمان كذا.

وأما الباطنية يقولون: إن اسم الساعة والقيامة ونحو ذلك إنما هو اسم قائم الزمان وإنه فلان، فعلى قولهم يظهر وقت قيامها، فهو خلاف ما ذكر في الكتاب، وما أجمع عليه أهل السماء والأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من إخراج الثمرة من الأكمام وما ذكر من حمل الأنثى ووضعها، وهو موصول بقوله: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ ، فإنه كان على ذلك، فمعناه لا يعلم [ذلك] كله إلا هو، لا يعلم وقت خروجها ولا حدها، وأنها تخرج أو لا، وكذلك الولد لا يعلم كيفية علوقه ولا وقته ولا مقداره، وأنه يعلق أو لا، علم ذلك إلى الله  كعلم الساعة، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ على الابتداء، ليس على الصلة بالساعة، ولكن موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ ، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً...

﴾ إلى [آخر] ما ذكر؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ومن آيات ألوهيته ووحدانيته وآيات قدرته وعلمه وتدبيره أن يخرج الثمرات من أكمامها، ومن آياته أن تحمل الأنثى وتضع، وهو أن الله  أنشأ تلك الثمرة في الأكمام، وكذا الولد في البطن في حجب وسواتر ورباه في تلك الحجب والسواتر، وغذاه بأغذية، ودفع عنه جميع الأذى من البرد والحر وجميع ما يؤذيه؛ لضعفه ولطافته؛ لطفا منه ورحمة، وصوَّره في تلك الحجب والسواتر بأحسن صورة؛ ليعلم ألوهيته ووحدانيته وأن له علما ذاتيا وقدرة ذاتية أزلية لا مكتسبا مستفادا؛ إذ العلم المستفاد والقدرة المستفادة لا تبلغ ذلك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ أي: المواضع التي كانت فيها مستترة، وغلاف كل شيء كمه، كما قيل: كم القميص.

وقال أبو عوسجة: أكمامها: غطاؤها التي يكون فيها قبل أن يتعيق، والتعيق: التشقق؛ يقال: تعيقت الأكمام عن الثمرة، أي: تشققت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ .

يذكرهم، ويخبر عما يسألون يوم القيامة وما يكون من جوابهم لذلك السؤال؛ لعلهم يمتنعون عن ذلك، ويحذرون؛ يقول: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ أي: أين الذين تزعمون أنهم شركائي في الدنيا؟

أو أين الذين تعبدون في الدنيا وتزعمون أنها آلهة، وأنها شفعاء لكم عندي؟

وإلا لا يحتمل أن يقول لهم الرب - جل وعلا -: أين شركائي؟

ولا شريك له ولا إله غيره، ولكن ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ : أسمعناك.

وقيل: أعلمناك.

والأشبه أن يكون معنى ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ : أخبرناك؛ إذ الله  كان عالما بذلك، وإعلام العالم لا يتحقق، أما الإخبار للعالم عن الشيء يتحقق بما علم به، والله أعلم.

ثم اختلف في ذلك أنه قول من؟: قال بعضهم: هو قول أولئك الكفرة الذين نودوا يومئذ يقولون: أخبرناك أن لم يكن منا أحد شهيدا بذلك، أو يقولون بالشريك، أو بإله سواك، يخرج على الإنكار والجحود والكذب أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يفعلوا، وهو كما ذكر عنهم في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...

﴾ الآية [الأنعام: 22]، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، أنكروا ما كان منهم من الإشراك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ، أي: لم نشرك بك أحدا، ولم نتخذ من دونك إلها، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ هذا من قول الأصنام والذين عبدوهم من دون الله في الدنيا، يقولون: ما منا من شهيد على عبادة أولئك إيانا، ولا أمرناهم بذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً  ﴾ ، أخبروا أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم إياهم، وأنهم ما أمروهم بها؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ أي: أخبرناك.

وقوله  : ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ على هذا التأويل هو ما ذكروا: أن كنا عن عبادتكم لغافلين، والله  أعلم.

ثم إن الكفرة في يوم القيامة مرة أنكروا عبادتهم غير الله، وأحيانا أقروا بها وتبرءوا منها، ومرة سألوا الرجوع إلى المحنة والرد إلى الدنيا على اختلاف الأحوال والأوقات في ذلك اليوم؛ إذ لا تكون هذه إلا الأسئلة المختلفة في وقت واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ﴾ .

هو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا  ﴾ ؛ وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وتقربهم إلى الله زلفى، فلما أيسوا ما رجوا منها، وقمعوا، قالوا: ﴿ ضَـلُّواْ عَنَّا ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ ﴾ من قبل في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ ، أي: أيقنوا وعلموا أن لا محيص لهم ولا نجاة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ ، أي: مهرب.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌۭ قَنُوطٌۭ ٤٩ وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ٥٠ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍۢ ٥١

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، هاتان الآيتان في ظاهر المخرج: إحداهما: مخالفة للأخرى؛ لأنه ذكر في إحداهما الإياس والقنوت إذا مسه الشر، وفي الأخرى كثرة الدعاء إذا مسه الشدة والبلاء، ومن طباع الخلق والعرف فيها أنهم [إذا] أيسوا وقنتوا لا يدعون ولا يسألون، بل يتركون سؤالهم، وإذا طمعوا ورجوا عند ذلك سألوا ودعوا، هذا هو العرف فيهم؛ فدل أن بينهما مخالفة من حيث الظاهر، لكن نقول: إن الآية تخرج على وجوه: يحتمل: أن كل واحدة من الآيتين في إنسان بعينه يشار إليه سوى الآخر، كان عادة أحدهما - على الإياس والقنوط من الخير - ترك الدعاء والسؤال، وكان عادة الآخر الدعاء والتضرع إليه والسؤال عن كشف ذلك عنه، فأخبر - جل وعلا - رسوله عليه الصلاة والسلام ما أضمر كل واحد منهما: في نفس أحدهما الإياس والقنوت، والآخر الدعاء والسؤال والطمع في الخير؛ ليكون له عليهم دلالة الرسالة وآية النبوة إذ أنبأه عن ضمير كل واحد منهما وما في نفسه؛ ليعلم أنه رسول، وإنما علم ذلك بالله جلا وعلا، والله أعلم.

والثاني: أن الكفرة كانوا فرقا، وكانوا على مذاهب شتى مختلفة: فرقة كانت تطمئن في حال الرخاء والسعة، وتيأس وتنقلب في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ...

﴾ الآية [الحج: 11].

وفرقة كانت تفزع إلى الله  وتقبل إليه عند إصابة الشدة والبلاء، وتعرض عنه عند كشف ذلك عنهم وتوسيع النعم عليهم؛ نحو قوله  : ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 65] ونحوه كثير في القرآن.

وفرقة كانت في الحالين جميعا على الإعراض عنهم، وترك الإقبال إليه والطاعة له، لا يفزعون ولا يقبلون لا في حال الرخاء والسعة ولا في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وفرقة كانت ترى الحسنة والخير من أنفسهم، وإذا صارت سيئة وشدة تطيروا بالرسل عليهم السلام؛ كقوله  : ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ  ﴾ .

وإذا كانت الكفرة على هذه المذاهب المختلفة وكانت أجناسا شتى، فيكون كل آية منهما في جنس غير الجنس الآخر، وفي أهل مذهب غير أهل مذهب آخر، فأما المسلمون فيكونون في الحالين جميعاً على التوحيد والإقبال إلى الله  في حال الرخاء والسعة، وفي حال البلاء والشدة، وهو على ما استثناهم الله  عند ذكر الكفرة؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ الآية [العصر: 1-2]، وأمثال ذلك من الآيات، وصفهم - جل وعلا - بالثبات والقرار على دينهم في الأحوال كلها، والله أعلم.

والثالث: جائز أن يكون ما ذكر من الآيتين على ما ذكر إخباراً عما طبع عليه البشر وأنشئ، وإنما أنشئ البشر وطبع على الرغبة في الخير والسعة والنفار عن الشدة والبلاء والكراهة له؛ فهذا إخبار عما طبعوا عليه وأنشئوا، ليس على حقيقة إظهار ذلك منهم قولا أو فعلا، [ولكن] على ما طبع كل إنسان؛ راغبا حريصا في السعة والرخاء، وأنه ما ذكر لا يسأم من دعاء الخير، كارها نافرا عن البلاء والشدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ هَـٰذَا لِي ﴾ ، أي: أعطانيه من خير علمه مني.

وجائز أن يكون ما ذكرنا أنهم كانوا يتطيرون بالرسل عند البلاء والشدة، والسعة يرونها من أنفسهم؛ حيث قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 131].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً ﴾ .

كانوا ينكرون البعث والجزاء لما عملوا في الدنيا، ثم يقولون: ولئن كان يذكر محمد من البعث والجزاء للأعمال والجنة؛ إن ذلك لنا دونهم، وهو قوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ  ﴾ أي: إن رجعت إلى ربي على ما يقوله محمد: ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ وهو على ما قالوا في الدنيا: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ  ﴾ لما رأوا السعة لأنفسهم في الدنيا دون المؤمنين؛ فعلى ذلك في الآخرة قالوا لنا دونهم، والله الهادي.

ثم أخبر  عما ينزل بهم بأعمالهم في الآخرة، وهو قوله  : ﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .

أي: ننبئنهم بخبر ما عملوا؛ لأن ذلك كان منهم تمنياً وتشهياً بمن يذيقهم العذاب الغليظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ .

هو ما ذكرنا من دعائهم وسؤالهم الخير وطمعهم ذلك.

وقوله: ﴿ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، قال أبو عوسجة: ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي: تباعد عما أمر به، ﴿ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ أي: كثير الدعاء لا يمل ولا يسأم، وكذا قال القتبي.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ٥٢ سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ٥٣ أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطٌۢ ٥٤

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

يقول: إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به، وجائز أن يكون على الابتداء ليس بجواب لقوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ ويكون كأن لم يذكر جواب ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ ؛ لما عرفوا أن من عاند وعادى ما كان من عند الله أنه ما يعمل بهم وما يصنع؛ وهو كقوله  : ﴿ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ  فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ يُذْكر له جواب؛ لما عرفوا أن من تريدون عبدوا دون الله بعد معرفتهم أنه إفك وأنه كذب وليس بإله، أن الله ماذا يفعل بهم، فلم يُذْكر لهذا جواب؛ لمعرفتهم بما يُفعل بهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ يجوز أنْ لم يذكر له جواب؛ لما عرفوا أنه ما يفعل بهم وما يستوجبون منه بما عاندوه وعادَوْه بعد معرفتهم أنه من عند الله جاء ثم كفروا به، والله أعلم.

وإن كان موصولا فجوابه ما ذكر من قوله: ﴿ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ؛ فيكون كأنه يقول - والله أعلم -: أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، فإذا كفرتم ضللتم، فمن أضل ممن هو في شقاق بعيد؟!

أي: في خلاف وبعد؛ فيكون جوابه كأنه قال: لا أحد أضل ممن عرف أنه من عند الله ثم خالفه وتباعد عنه، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً  ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا ﴾ أي نريهم عذابنا الذي نزل بالأمم المتقدمة في بلاد عاد وثمود وقوم لوط، كانوا يمرون عليها ويعرفون أنه لماذا نزل بهم ذلك وتكذيبهم الرسل وعنادهم، ونريهم عذابنا أيضاً في أنفسهم ببدر حيث قتل فراعنتهم يومئذ؛ ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ يقول: إن القرآن هو الحق من الله؛ لأن فيه الإخبار عن العذاب للذين كذبوا محمد  .

وقال بعضهم: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ ﴾ هو ظهور محمد  على البلاد والقرى النائية وفتحها عليه، ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ أي: فتح مكة وظهوره عليهم، على ما وعد له ربه - جل وعلا - من النصر له وفتح البلاد والقرى.

فيكون هذان التأويلان آية لرسالته ونبوته، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ آيات وحدانيته وألوهيته: أما في الآفاق فما جعل منافع البلاد النائية والقرى المتباعدة متصلة بمنافع أنفسهم ومنافع البلاد القريبة، ومنافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أنه تدبير واحد وفعل فرد لا عدد، أو أن يكون آياته في الآفاق رفع السماء مع غلظها وكثافتها وسعتها بلا سبب ولا تعليق من أعلاها ولا عماد من أسفلها.

وفي أنفسهم: ما حوَّلهم وقلَّبهم في الأرحام من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال الإنسان والتصوير والتركيب، إلى آخر ما ينتهي إليه أمره؛ ليعلم أنه صنع واحد وتدبير فرد لا تدبير لأحد سواه في ذلك.

فهذان التأويلان في آية الألوهية والوحدانية، والأولان في إثبات الرسالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

كأنه يقول: أولم يكف ربُّك شاهداً أنه من عنده على ما تقول أنت، أو يقول: أولم يكف ربك ناصراً ومعيناً، أو يكون قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ ﴾ أي: أولم يكفهم ما جاء من عند الله من البينات والقرآن؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 51]؛ فعلى ذلك يحتمل هذا.

ويحتمل: أولم يكفهم آية على رسالتك أو آية على وحدانية الله  ما جاء من عند الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ﴾ .

ألا إن شكهم ومريتهم في البعث هو الذي حملهم على تكذيب ما جاء من عند الله وإنكاره، والله أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل