تأويلات أهل السنة سورة الدخان

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الدخان

تفسيرُ سورةِ الدخان كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 42 دقيقة قراءة

تفسير سورة الدخان كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

حمٓ ١ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ٤ أَمْرًۭا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ٥ رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ قال أهل التأويل: إنا أنزلنا الكتاب - أي: القرآن - في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم أنزل على النبي  بالتفاريق.

ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى قوله: ﴿ حـمۤ ﴾ أي: قضى ما هو كائن على ما قال بعض أهل التأويل: إن ما قضى في كل سنة من الموت والحياة والرزق ونحو ذلك ينزل في ليلة القدر نسخها الملائكة الذين وكلوا على ذلك، فهذا يحتمل.

ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى ما ضمن في قوله: ﴿ حـمۤ ﴾ على ما أراد به، والله أعلم.

ويحتمل أنه أراد بهذا إنزال شيء وأمر في ليلة القدر، عرفه رسول الله  وأصحابه، فيخبر أنه أنزل ذلك ولم يبينوا لنا ذلك؛ لما لا حاجة لنا إلى معرفته.

وقالت الروافض في قوله -  - ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ ﴾ : إن الله -  - أنزل شيئاً على رسوله، يكون ذلك الشيء على رأسه وعلى رءوس الأئمة الذين يكونون بعده بحيث يروا ذلك دون غيرهم، إذا استقبلهم أمر أو بدا لهم شيء، نظروا في ذلك الشيء، [و] عرفوا ما احتاجوا، وما يكون لهم من الصلاح، أو كلام نحو هذا.

وأما عند أهل التأويل هو ما ذكرنا راجع إلى ذلك الكتاب المنزل على رسول الله  ، أو إلى ما ذكرنا من تضمين ما ضمن في قوله: ﴿ حـمۤ ﴾ ، وكذلك قالوا - أيضاً - في قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ وهي ليلة القدر، سماها: مباركة، وقد سمى المطر والماء المنزل من السماء [مباركا]؛ كقوله -  -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً  ﴾ ، وكذلك الأرزاق المنزلة من السماء والمستخرجة من الأرض مباركة بقوله: ﴿ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ والمبارك هو الذي عنده يدرك كل الخيرات، والبركة: هي اسم كل خير يكون أبداً على الزيادة والنماء، فسمى تلك الليلة: مباركة؛ لما جعل فيها من الخيرات والبركات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ .

يحتمل ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ للخلق إذا أنشئوا وبلغوا المبلغ الذي يستوجبون الإنذار.

ويحتمل ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ الخلق بالرسل؛ هذا هو الظاهر؛ أن هذا القول من الله  - والله أعلم - قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ بالقرآن بما أنزل علي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ .

يحتمل: أي: يفصل ويبين كل أمر هو كائن في ليلة القدر.

ويحتمل: أي: يبين في ليلة القدر كل ما يكون في تلك السنة.

ثم قوله: ﴿ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ يحتمل أي: كل أمر فيه حكمة.

ويحتمل: كل أمر محكم متقن ﴿ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ الأمر الذي ذكر بقوله: ﴿ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ رَحْمَةً ﴾ أي: ما أنزل من الكتاب هو رحمة من ربك.

ويحتمل: ليلة القدر؛ أي: جعلها رحمة منه.

ويحتمل ما ذكر من أمر حكيم هو رحمة منه.

ويحتمل: أي: الرسول المبعوث إليهم رحمة منه لهم، وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ بأقوالهم التي أسروها، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بأفعالهم وأعمالهم التي أخفوها وأضمروها.

ويحتمل ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : المجيب لمن دعا، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بما يرجع إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم.

وقوله: ﴿ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ .

قال بعضهم: رب الشيء هو مصلحه؛ معناه: مصلح السماوات والأرض وما فيهما، وحافظ ذلك كله.

وقال بعضهم: ﴿ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: مالكهما ومالك ما فيهما.

ويحتمل: ﴿ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: خالقهما، وخالق ما فيهما، ومنشئ ذلك كله.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: هذا على إتمام الآية، ومراعاة المقاطع على وجهها، هذا وأمثاله يخرج على هذا، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴾ على إثر قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: هو رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم تعلمون: أنه رب ما ذكر، فكيف تصرفون العبادة واسم الألوهية إلى من ليس برب؟!

لما ذكر أن الإيقان هو العلم بالشيء حقيقة.

ثم نعت الربّ فقال: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ فكأنه يقول: لا معبود يستحق العبادة سواه؛ لأن الإله هو المعبود عند العرب؛ يقول: لا تستحق الأشياء التي يعبدون العبادة إنما المستحق لها هو الذي لا إله غيره.

ويحتمل أن يقول: لا يستحق اسم الألوهية إلا هو، لا الأشياء التي سميتموها: آلهة، ثم نعته فقال: ﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: هو يحيي ويميت، وهو ربكم ورب آبائكم الأولين.

إن من عادة العرب أنهم كانوا يعبدون ويخدمون شيئاً دون الله -  - رجاء أن تشفع لهم وتقربهم تلك العبادة إلى الله  - فيقول: إن الذين تعبدون دونه لا يقع لهم العلم بعبادتكم إياها، فاصرفوا العبادة إلى الذي يعلم بعبادتكم على كل حال، وأخلصوا له ذلك، ولا تشركوا غيره.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ ٩ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ ١٠ يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١١ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ١٢ أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ١٣ ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ ١٤ إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ١٥ يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ﴾ أي: في أمر القرآن.

ويحتمل: بل هم في شك في أمر رسول الله  ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ليس هو على حقيقة الدخان، ولكن على التمثيل والمجاز.

ثم اختلف في كيفية ذلك، مع اتفاقهم أنه قد مضى ذلك وقد كان؛ قال بعضهم: ﴿ بِدُخَانٍ ﴾ أي: بجدب وقحط؛ جعل الدخان كناية عن الجدب؛ لوجوه: أحدها: لما يقال: إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس دخاناً من شدة الجوع، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء؛ وذلك لأنه لما اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان، فاستعير له، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض، وينقطع النبات، فيرتفع الغبار، ويصعد الريح ليبسها، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ولذلك قيل للسنة: غبراء، وقيل: جوع أغبر؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع الشر إذا علا، فيقولون: لو كان بيننا: أمر ارتفع له دخان، وقالوا: إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان، فإنه اشتد بهم القحط، وقلت الأمطار، ويبست الأرض، وارتفع الغبار، وصعدت الريح كالدخان، وضعفت الأبصار لشدة الجوع، حتى كانوا يرون السماء كالدخان؛ على ما روي عن ابن مسعود -  - أنه قال: كان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان من شدة الجوع.

وقال بعضهم: إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: قد مضى الدخان، وهو سنون كسني يوسف -  - فجهد الناس، والله أعلم.

ومنهم من يقول: هو على حقيقة الدخان، وأنه لم يمض بعد، وكذلك روي عن علي -  - أنه قال: الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافر حتى ينفذ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري -  - والحسن وغيرهم، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه؛ لأن الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان، كقوله: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ  ﴾ ، وليس هناك نار، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر، وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتد؛ يقولون: هاج الدخان وثار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ أي: غشي الناس ما ذكر، وهو عذاب أليم؛ على تأويل من قال: إنه ماضٍ كائن.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: يغشى، فيقول الناس: هذا عذاب أليم؛ وهو على قول من يقول: إنه لم يمض بعد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ أي: إنا نؤمن بك فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب، في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول [قوم] موسى -  - حيث قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...

﴾ الآية [الأعراف: 134].

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ على الحال؛ كأنهم قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.

ثم أخبر الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذبة فيما قالوا؛ حيث قال -  -: ﴿ أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ يقول: أنى يتوبون؟!

أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعدما خرجت أنفسهم من أيديهم، وقد جاءهم رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ ﴾ يحتمل: أي: أعرضوا عما جاء به رسول الله  من القرآن.

ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول الله وأمرهم به.

ويحتمل: تولوا عن رسول الله نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ .

قولهم: ﴿ مُعَلَّمٌ ﴾ لأنهم يقولون: إنما يعلمه بشر.

وقوله: ﴿ مَّجْنُونٌ ﴾ نسبوه إلى الجنون؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكر: أنه إذا نزل به الوحي، تغيرت حاله ولونه؛ لثقل ذلك عليه، فيقولون: به آفة وجنون.

والثاني: لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه؛ لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه، إذن نسبوه إلى الجنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ في معاصيكم وكفركم الذي كنتم فيه.

وقال بعضهم: أي: ﴿ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ إلى عذاب يوم القيامة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ذلك يوم بدر، وهو قول ابن مسعود -  - وقول عامة أهل التأويل، وقالوا ذلك أشد من الدخان.

وقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة؛ وهو قول ابن عباس والحسن، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌۭ كَرِيمٌ ١٧ أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٨ وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ١٩ وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ٢٠ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ ٢١ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ مُّجْرِمُونَ ٢٢ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌۭ مُّغْرَقُونَ ٢٤ كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٢٥ وَزُرُوعٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ٢٦ وَنَعْمَةٍۢ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ ٢٧ كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ٢٨ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ ٢٩ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ٣٠ مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًۭا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٣١ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٢ وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ ٣٣

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ يقول - والله أعلم -: ولقد فتنا قوم فرعون بموسى قبل قومك كما فتنا قومك بك.

أو يحتمل أن يقول: ولقد فتنا قوم فرعون بمثل الذي فتنا قومك.

ثم افتتان قوم فرعون بمثل الذي فتن قومه [يخرج على] وجوه: أحدها: أن موسى -  - قد أتاهم بالبينات المعجزات ما لم يقدر فرعون [وقومه] على مقابلة تلك الآيات، وعجزوا عن الإتيان بمثلها، فمهما أتاهم بذلك وعرفوا أنها آيات الله -  - كذبوها وردوها ونسبوا موسى إلى السحر والكذب والافتراء على الله -  - فعلى ذلك عمل أهل مكة برسول الله  وعاملوه بالذي عامل أولئك موسى من النسبة إلى السحر والجنون والكذب والافتراء على الله -  - والله أعلم.

وقال بعضهم: إن فرعون وقومه ازدروا موسى وحقروه؛ لأنه ولد فيهم كما ازدرى أهل مكة محمداً  فقالوا: أنت أصغرنا وأفقرنا وأقلنا حيلة، كما قال فرعون لموسى: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً...

﴾ الآية [الشعراء: 18].

ويحتمل أن يكون أهل مكة سألوا اليهود من الأنباء التي يجدونها في كتبهم؛ ليحاجوا بها رسول الله  يطلبون بذلك ظهور الكذب من رسول الله فيما كان يخبرهم من الأنباء المتقدمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ كان جميع رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - كراماً؛ لأن الله -  - كان بعثهم إلى قوم جهال سفهاء، كان لهم الركون إلى الدنيا، والميل إليها والرغبة فيها، فبعث إليهم كرام الخلق؛ ليداروا أولئك الأقوام، ويتهيأ لهم المعاملة لهم والتحمل منهم؛ لسوء ما كانوا يعاملونهم، والله أعلم بذلك؛ ولذلك وصف رسول الله  بالخلق العظيم؛ حيث قال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: أن أرسلوا معي بني إسرائيل، وخلوا عنهم، ولا تحبسوهم، ولا تستعبدوهم، فإنهم أحرار.

ويحتمل أن يقول: أرسلوا معي بني إسرائيل فإنهم يرغبون في إجابتي إلى ما أدعوهم إليه، ويطمعون في اتباعي فيما آمرهم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ أي: إني لكم رسول أمين على الوحي والرسالة.

ويحتمل أن يقول: إني كنت آميناً فيما بينكم، ولا يظهر لكم مني خيانة؛ ولا اطلعتم على كذب قط، فلماذا تكذبونني وتنسبونني إلى السحر؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: أي: وألا تتكبروا، ولا تتعظموا على الله.

لكن عندنا معناه: وألا تتكبروا وتتعظموا على رسول الله، ولا تتعظموا على عبادة الله وعلى دينه؛ إذ لا أحد يقصد قصد التكبر على الله -  - وأن ينسب إليه، فهو على إرادة أوليائه أو دينه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: آتيكم بحجة بينة أنها من الله، وأني رسول الله، وهو ما آتاهم من الآيات المعجزات أو الحجج والبراهين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الكلام من موسى -  - على ابتداء بلا سبب كان من فرعون، ولا أمر سبق، فكأن سببه ونازلته - والله أعلم - هو ما ذكر في سورة أخرى؛ حيث قال: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ الآية [غافر: 26]، لما قال فرعون ذلك وهم أن يقتل موسى قال له موسى عند ذلك: ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ وفي ذلك دلالة آية من آيات الله لرسالته؛ لأنه قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ ليمنعني عن قتله، فقال ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ...

﴾ الآية دل هذا القول على أنه علم قول فرعون، وقصده بقتله، وتعبيره بالدعاء إلى الله -  - ليمنعه عن ذلك، وعلم أن الله -  - يعصمه عن شره وكيده حتى قال ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ ﴾ يقول: فإن لم تصدقوني فيما أدعوكم إليك وآمركم به فاتركوني فأصدق وأومن به، ولا يضركم تصديقي وإيماني.

وقال بعضهم: أي: دعوني خفافا جانباً، لا علي ولا لي.

وقال بعضهم: ﴿ وإن لم يؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ ولا تقتلون.

وقوله: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ ﴾ ، وهو كقوله حيث قال: ﴿ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ  ﴾ وكقول نوح -  -: ﴿ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً  فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ ، ونحو ذلك يقولون: يا ربنا إنا قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم، واحتلنا الحيل التي علمتنا أن نحتال معهم، فلم ينجع ذلك فيهم ولا تبعونا، ولا أجابونا إلى ذلك، فهل من حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نعاملهم بها، لعلهم يتبعوننا [و] يجيبوننا، هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون بعد ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق زماناً طويلا ليس يحتمل في ابتداء الأمر.

وقوله: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ كان في إخراج موسى -  - وبني إسرائيل من بين أظهر أعدائهم ليلا من غير أن شعر علم أحد من أعدائهم بذلك، وهم العدد الذي ذكر في القصة أنهم زهاء ستمائة ألف - آية عظيمة عجيبة لموسى -  - على رسالته؛ إذ خروج عدد ستين من بين أظهرهم عسير صعب، فكيف خروج العدد الذي ذكر في القصة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قوم فرعون يتبعونهم؛ ليردوهم إلى الأمر الذي كانوا يستعملونهم من قبل، من نحو الاستخدام والاستعباد، والله أعلم.

والثاني: أن يتبعوهم للعناد والحرب؛ لأنه ذكر في القصة أنهم أخذوا أموالهم من الحلي واللباس فخرجوا بها، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتل الأعداء.

وقوله: ﴿ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ ﴾ كأن موسى -  - كان يضرب البحر بعصا، ليصل الماء بعضه ببعض؛ لئلا يعبر فرعون وقومه، فقال له: اتركه كما هو ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ .

ثم اختلف في قوله: ﴿ رَهْواً ﴾ : قال بعضهم: هي فارسية عربت؛ أي: اترك البحر "راه".

وقال بعض أهل اللسان: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: ساكناً.

وقال بعضهم: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: متصلا، وهو قول أبو عوسجة.

وقال أهل التأويل: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: ياسباً، وهو كقوله: ﴿ فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ قد وعدهم - جل وعلا - أن يغرق فرعون وقومه ففعل.

وقوله: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ أي: ناعمين.

وقيل: معجزين.

من الناس من قال: إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله - عز وجل - ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ...

﴾ الآية [يونس: 88] ثم قال الله -  - ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا  ﴾ فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ...

﴾ الآية، وما معنى قوله: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ .

لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة، فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها، ولكنه تركها على ما هي عليه لبني إسرائيل، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ أي: مثل ذلك أورثناها قوماً آخرين، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا  ﴾ فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر، ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم.

وقوله: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ قال بعضهم: أي: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم؛ فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح، لا لعينه، وذلك جائز في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده، لا عين النفي، كقوله -  -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ ليس المراد إثبات نفي الربح؛ أي: لم يربح فحسب؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة، أي: خسرت ووضعت؛ فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم؛ لأنهم جميعاً أبغضوهم وعادوهم لادعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون.

وقال بعضهم: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ يحتمل أن المراد به ما روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "ما من مؤمن إلا وله باب في السماء يصعد إليه عمله الصالح، وفي الأرض مصلى يصلى فيه، فإذا مات بكى ذلك عليه كذا كذا يوماً" و[هم] ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم.

وجائز أن يكون - أيضاً - قوله -  -: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم؛ لأنهم استؤصلوا جميعاً من الأولاد وغيرهم، فلم يبك عليهم أحد، فأمّا سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي عليهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل، من نحو موت الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم فيخبر الله - عز وجل - أن موت فرعون وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض؛ لما [لا] قدر لهم عندهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ الذي نزل بفرعون وقومه، وهو الغرق في البحر، أغرق أولئك ونجى هؤلاء.

ويحتمل أن يكون المراد: أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون؛ من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا بين أظهرهم وفي أيديهم، فنجاهم من ذلك؛ حيث أخرجهم من بين أيديهم - والله أعلم - وهو أشبه؛ لما قال: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ عَالِياً ﴾ أي: غالباً عليهم، قاهراً لهم بأنواع القهر الذي كان يقهرهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ أي: اخترنا بني إسرائيل.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ يخرج هذا على وجوه: أحدها: أي: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ أي: بسبب علم آتيناهم ذلك، لم يؤت ذلك غيرهم؛ لتظهر فضيلة العلم على العالمين وشرفه، والله أعلم.

والثاني: يحتمل: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ منا بأسباب فيهم وأشياء لم تعلم تلك الأسباب والمعاني في غيرهم، بها استوجبوا الاختيار على العالمين.

والثالث: أي: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ أي: بسبب علم أحوجنا غيرهم إليهم، فصاروا مختارين مفضلين بسبب تعليمهم إياهم ما احتاجوا إليه؛ فيكون لهم فضل الأستاذ على التلميذ، وهذا كما يقال: إن العرب أفضل من الموالي؛ لأن الموالي احتاجوا إلى العرب في معرفة لسانهم، ومعرفة أشياء احتاجوا إليها، فاستوجبوا الفضيلة؛ لحاجتهم إليهم؛ ولذلك فضلت قريش على سائر العرب؛ لما احتاجت سائر العرب إلى قريش في معرفة أشياء لا يصلون إلى ذلك إلا أنهم فضلوا على غيرهم لذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أنه أحوج إلى بني إسرائيل غيرهم في معرفة أشياء، فاستوجبوا بذلك الاختيار والفضيلة على غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ من وجهين: أحدهما: أي: محنة بينة، وهي أنواع ما امتحنهم من البلايا والشدائد، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نعم عظيمة، وهو ما آتاهم من أنواع النعم من المن، والسلوى، وتظليل الغمام عليهم، وخروج العيون من الحجر، ومجاوزتهم من البحر، وإهلاك عدوهم، وغيرهم من النعم التي آتاهم مما لا يحصى، وهو ما ذكر في سورة البقرة، وهو قوله -  -: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  ﴾ أي: نعمة عظيمة من ربكم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥ فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣٦ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍۢ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَـٰهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ٣٧ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ٣٨ مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٩ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ ٤٠ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٤١ إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢ إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣ طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ ٤٤ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ ٤٥ كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ ٤٦ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ٤٧ ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ٤٨ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ٤٩ إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمْتَرُونَ ٥٠

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقول الله  - وهو أعلم -: إن الذي يحمل هؤلاء على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ممن آمن بالآخرة فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، والله أعلم.

وأصله أن رسول الله  بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا، والرغبة في الآخرة، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا، وتأخير ذلك إلى الآخرة، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله، وهان عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كله، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب، [و]حمله ذلك على إنكارها والجحود لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ هذا منهم احتجاج عليه، يقولون: لو كنت صادقاً فيما تقول: إنه بعث وإحياء، فأحي من ذكروا وائت بهم، لكن هذا احتجاج باطل؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما تشتهي أنفس أولئك، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة، وعلى ما فيه الحجة، لا على ما يريد المقام عليهم الحجة، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ما هو حجة في ذاتها، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه، والنبي  قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم، والله أعلم.

وبعد: فإن الله -  عز وجل - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا؛ إذ من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا - كان في ذلك هلاك وعذاب؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ ليس في هذا جواب لقولهم: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، ولم يأت بجواب ذلك، وإنما كان؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتاً وعناداً.

ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة، وفي الآية دلالة على البعث أيضاً.

بيان الأول: أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية، كانوا ينكرون رسالة رسلهم، ويكذبونهم، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك، فيكذبونهم - أيضاً - فيما يوعدون من البعث، فجاءهم الهلاك، فيقول: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ومن ذكر، أي: أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء؟

وهم علموا أن أولئك أشد قوة وبطشاً، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب الله الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، فأنتم دون أولئك، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم؟!

وهو كقوله -  -: ﴿ أَكُفَّٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ  ﴾ وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا، والله أعلم.

وأما الثاني: وهو أنه لما أخبر: أن تعذيب أولئك الكفرة؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب، والله أعلم.

وذكر أن تبعاً كان رجلا صالحاً، وعائشة -  ا - تقول: "لا تسبوا تبعاً؛ فإنه كان رجلا صالحاً".

وذكر أنه كان رسولا، وقد ذكرنا نعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ : إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول، فلا يقولون: إن الله -  - خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعباً، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم، وعلى ما عندهم يصير عبثاً باطلا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: أن لا بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعباً؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر - على زعمهم - لم يكن ألا الإفناء والإهلاك، ومن لم يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة، كان في بنائه وقصده سفيهاً، غير حكيم، فعلى ذلك الله -  وتعالى - في خلقه إياهم، وإنشائه لهم، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى: من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان، ثم إلى حال الكبر، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفهاً باطلا، غير حكمة؛ لما ذكرنا: من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير، كان في فعله وقصده لاعباً عابثاً سفيهاً؛ ولذلك سفه الله تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً...

﴾ الآية [النحل: 92]، فعلى ذلك خلق الله إذا لم يكن بعث ولا نشور - على ما قال أولئك الكفرة وظنوا - كان كذلك سفهاً غير حكمة؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل خلقه إياهم [لا] للرجوع إليه عبثاً، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ قال بعضهم: إلا لإقامة الحق.

وقال بعضهم: إلا لأمر كائن مراد.

وأصل الحق: هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة، والباطل هو ما يذم عليه فاعله، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر؛ ليحمد على فعله، لا ليذم، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه، ولكن يذم، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهما لم يخلقا باطلا وعبثاً، وهو ما ظنوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ سمى يوم القيامة مرة: يوم الجمع، ومرة يوم التفريق، ومرة يوم الفصل، فهو يوم الجمع؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعاً، وكذلك يوم الحشر.

ويوم الفصل يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة، وأعداءه في دار الهوان والعقاب، وهو ما قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم، أي: يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

ويحتمل - أيضاً - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعاً مسوياً بين الأولياء والأعداء، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم، ومن سوى بين وليه وعدوه، كان سفيهاً غير حكيم - دل أن هنالك داراً أخرى يفصل بينهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة، ولا يعين بعضهم بعضاً على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...

﴾ الآية [عبس: 34]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً...

﴾ الآية [لقمان: 33]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، والله الموفق.

ثم قوله -  -: ﴿ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً ﴾ يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا.

ويحتمل كل ولي وقريب؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به، ولا ولي، ولا يملك نصره ولا معونته؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ...

﴾ الآية [الزخرف: 67]، استثنى المتقين، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضاً حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ ومن عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ في نقمته من أعدائه لأوليائه ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ للمؤمنين الذين استثنى في الآية؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم، لكنها ليست بطعام كل أثيم؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم، وهو الكافر؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو الكافر، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيماً مطلقاً مع قيام إيمانه وكثير طاعته؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية.

قال بعض أهل [التأويل]: إنه [لما] نزل قوله -  -: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ أتى بعض الكفار بالعسل والزبد، وقالوا لأصحابهم: تعالوا نتزقم فإن محمداً وعدنا بذلك؛ لما كان الزقوم هو الزبد والتمر والعسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ الآية [الصافات: 64- 65]، أخبر أنها شجرة أنشئت من النار، بقوله -  -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ الآية [الصافات: 64]، ليست كسائر الأشجار، ثم شبهها بالمهل بقوله -  -: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ والمهل: دُرْدِيُّ الزيت.

ثم يحتمل تشبيهها بالمهل وجهين: أحدهما: لالتصاقه بالبدن؛ لأنه قيل: إنه ألصق الأشياء بالبدن.

ويحتمل أن يشبهها بذلك؛ لكثرة ألوانها وتغيرها من حال إلى حال.

ثم الإشكال أنه ليس في أكل دُرْدِيُّ الزيت فضل شدة وكثير مؤنة، فما معنى التشبيه به؟

لكن نقول: إنّه بين أن ذلك المهل والدردي من النار؛ حيث قال: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ .

ثم الإشكال أن شجرة الزقوم كيف تكون للأثيم؛ فيحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه يخرج منها شيء ويسيل، فيسقى ذلك الكافر.

ويحتمل: أنه يأكلها كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي، فيكون ما ذكر.

وروي عن ابن عباس -  - أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: هذا المهل، فجائز أن يكون على هذا كل شيء يذاب ويحرق فهو المهل، والحميم هو الشيء الحار الذي قد انتهى حره غايته والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون بعدما أدخلوا في النار، لكن يحتمل أيضاً أن يكون ذلك في أول ما يراد أن يدخلوا النار؛ كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ  ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ  ﴾ فعلى ذلك ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ : قال بعضهم: أي: ادفعوه ﴿ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ أي: إلى وسط الجحيم.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ أي: قودوه قوداً إلى ﴿ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان؛ أي: يجرّ ويقاد.

وقال بعضهم: هو السوق الذي فيه شدة وتعنيف؛ أي: سوقوه سوقاً شديداً عنيفاً.

وبعضه قريب من بعض.

والجحيم: هو معظم النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ أي: من شراب الحميم؛ جعل الله - عز وجل - لأهل النار من ألوان الشراب: الحميم، والصديد، ونحوهما، مكان ما جعل لأهل الجنة من أنواع الشراب؛ حيث قال: ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ...

﴾ الآية [محمد: 15].

ثم في الآية أن الفريقين جميعاً لا يتولون شرابها بأنفسهم، لكنهم يسقون؛ على ما ذكر في أهل الجنة في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً...

﴾ الإنسان: 17]، ونحو ذلك كثير، وقال في أهل النار: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ مِنْ غِسْلِينٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ قال أهل التأويل: إنما يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذكر في الآية، وهو المراد بالأثيم؛ كان في الدنيا يفتخر، ويقول: أنا العزيز الكريم، وليس فيما بين كذا إلى كذا أعزّ منّي، وأنا المتعزز المتكرم، فيقال له في الآخرة: ﴿ ذُقْ ﴾ هذا الذي ذكر ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ في الدنيا يصغرونه ويهينونه.

ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزز في الدنيا ويتكرّم، وكل رئيس منهم، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ أي: ذق فإنك لست بعزيز ولا كريم، ثم يقال ذلك له على التهزي به؛ أي: لو كنت عزيزاً كريماً ما دخلت النار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ ٥١ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٥٢ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٥٣ كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ ٥٤ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَوَقَىٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٥٦ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٥٧ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٥٨ فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ٥٩

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴾ فيه لغتان: ﴿ مَقَامٍ ﴾ بالرفع، و ﴿ مَقَامٍ ﴾ بالنصب: فمن قرأ بالنصب فهو موضع المقام، وهو المنزل والمسكن؛ معناه: في مسكن أمين؛ أي: آمنوا فيها من الآفات والأوصاب والأسقام.

ومن قرأ برفع الميم فهو المصدر؛ يعني: الإقامة؛ أي: يقيمون فيها، آمنين عن الخروج عنها والزوال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ ، قالوا: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه.

ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من اللبس لما رق منه، فأما ما غلظ منه فإنه يبسط، وإن كان ذكر اللبس فيهما - في الظاهر - يتناول ما رق منه وما غلظ، فالمراد من ذكر اللبس يرجع إلى ما يلبس، وهو الذي يرق منه ويدق.

وجائز في اللغة أن يذكر الشيئان باسم أحدهما إذا كان بينهما ازدواج في الجملة عادة أو حقيقة، والله أعلم.

ويحتمل أنه إنما ذكرهما جميعاً؛ لما يكون من رغبة الناس إليهما جميعاً في الدنيا، فرغبهم في الآخرة، ووعد لهم أن يكون لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ يخبر أن مجلسهم في الجنة نحو مجلسهم في الدنيا مقابل بعضهم بعضا، حيث قال: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ على إثر ذلك، يكونون في الجنة كما كانوا في الدنيا من مقابلة بعض بعضاً، واجتماعهم في المجلس في الشراب وغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِحُورٍ ﴾ أي: ببيض الوجوه، و ﴿ عِينٍ ﴾ ، أي: حسان الأعين.

وقال بعض أهل الأدب: الحور في العين هو شدة سواد سوادها وبياض بياضها، ويقال: امرأة حوراء، ونسوة حور، ورجل أحور، وقوم حور، والعيناء: الحسنة العينين؛ يقال: رجل أعين، ورجال عين، وامرأة عيناء، ونسوة عين، فالجماعة على هيئة واحدة في هذا الباب في المذكر والمؤنث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: ثمار الجنة وفواكهها، لس لها فساد ولا انقطاع، ولا نقصان، ولا زوال ﴿ يَدْعُونَ ﴾ يسألون أن أحضروها، لا يسألون كما يسألون في الدنيا هل بقي شيء، أو هل عندكم شيء من الفواكه؟

ونحو ذلك؛ لما ذكرنا أن لثمار الدنيا انقطاع وفناء، وليس لثمار الجنة وفواكهها كذلك، لذلك ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ آمِنِينَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ آمِنِينَ ﴾ عن انقطاع فواكهها وثمارها وما ذكر.

ويحتمل ﴿ آمِنِينَ ﴾ فيها في الجنة ليس لهم خوف الخروج عنها والزوال، وآمنون عن جميع الآفات التي تكون في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ ﴾ والإشكال: أنه نفى الموت في الجنة واستثنى الموتة الأولى، وليس في الجنة موت أصلا، كيف يستثني الموتة الأولى وأن ظاهر الاستثناء أن يكون [من] جنس المستثنى منه، فيوهم أن يكون في الجنة موت؟!

قال بعضهم: إن "لا" بمعنى غير وسوى، وفيه إضمار، كأنه [قال]: لا يذوقون فيها - أي: في الجنة - الموت سوى الموتة الأولى [التي] ذاقوا في الدنيا؛ لأن الموتة التي ذاقوا وهي الموتة الأولى لا يتصور ذوقها ثانياً، [و]لو كان يكون مثلها، ولأن الجنة ليست محل الموت، فكأن المراد ما قلنا، أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموت الذي ذاقوا في الدنيا، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ...

﴾ الآية [النساء: 22]؛ أي: سوى ما قد سلف، ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ في ذلك الوقت؛ على أحد التأويلين، والله أعلم.

وعندنا يخرج تأويله على وجهين: أحدهما: لا يذوقون فيها الموت إلا ما ذاقوا من الموتة الأولى؛ لأنه ذكر في الخبر أنه: "يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح - أو كذا - فيذبح بين أيديهم، فعند ذلك يأمنون الموت هنالك" والله أعلم.

والثاني: لا يذوقون فيها الموت ولا يرونه إلا الموتة الأولى التي رأوها في الدنيا، تلك يعرفونها ويذكرونها، فأما سواها فلا، والذوق سبب المعرفة، فاستعير للمعرفة مجازاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ليس هو تخصيص وقاية عذاب الجحيم فحسب؛ بل المراد نفيهم العذاب كله، لكن الجحيم معظم النار، فذكره كناية عن الكل، فضلا منه، ليس باستحقاق منهم بالأعمال، على ما تقدم ذكره في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ الفوز بأحد شيئين: إما الظفر بما يأمل ويرجو، فإذا ظفر بذلك يقال: فاز، وإما النجاة مما يحذر ويخاف إذا حذر أمراً وخافه فيخلص من ذلك [و] يقال: فأيهما كان فهو فوز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَظِيمُ ﴾ جميع أمور الآخرة وحالها سمي: عظيماً، من العذاب والنعيم؛ قال الله -  - ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ و ﴿ عَذَابٌ عظِيمٌ  ﴾ و ﴿ فَوْزاً عَظِيماً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه يقول: فإنما أنزلنا القرآن بلسانك ويسرناه للذكر؛ ليلزمهم التذكر؛ لأنه أنزله بلسانه ويسره لقومه؛ لأنه لو كان منزلا بغير لسانه، لم يكن ميسراً لهم للذكر، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ  ﴾ أخبر أنه يسره للذكر؛ لأنه يسره باللسان، ولكن معناه ما ذكرنا: أنه أنزله بلسانه ويسره للذكر، والله أعلم.

والثاني: فإنما يسرناه على لسانك كي تذكره وتحفظه بلا كتابة ولا نظر في كتاب؛ لأنه ذكر أنه كان -  -: يحفظ سورة طويلة إذا تلا عليه جبريل - صلوات الله عليه - وقد آمنه الله -  وتعالى - عن النسيان بقوله -  -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ هو يخرج على وجوه: أحدها: لكي يلزمهم التذكر.

ويحتمل: لكي يتذكروا ما قد نسوا من حق الله الذي عليهم.

أو ليتعظوا بمواعظ الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ ﴾ على وجهين: أحدهما: ارتقب ما وعد الله أن ينزل بهم من العذاب فإنهم مرتقبون هلاكك وانقطاعك ونحوه.

أو يقول: ارتقب، ولا تكافئهم، ولا تدع عليهم بالهلاك، فإنهم مرتقبون بما ألقى الشيطان في أمنيتهم بأن ملكك يزول، وأنه يعود إليهم، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ فارتقبهم إنهم مرتقبون ﴾ والارتقاب: الانتظار، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله