تأويلات أهل السنة سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الجاثية

تفسيرُ سورةِ الجاثية كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 47 دقيقة قراءة

تفسير سورة الجاثية كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ٢ إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٣ وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٤ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٥ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ ٦

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ وقد ذكرنا - أيضاً - تأويل "العزيز الحكيم" في غير موضع أيضاً.

ثم إنما ذكر قوله: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ على إثر ذلك؛ ليعلم أنه ما أنزل الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المحن؛ ليتعزز هو بذلك، أو يزيد له عزّاً وسلطاناً أو قوة إذا ائتمروه وأطاعوه، وإذا خالفوه ولم يطيعوه فيما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم يلحقه ذل أو نقصان في ملكه وسلطانه؛ بل إنّما فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المحن لمنفعة أنفس الممتحنين، ليتعززوا إذا اتبعوا أمره وأطاعوه، ويلحقهم ذل ونقصان إذا تركوا اتباعه، بخلاف ملوك الأرض، فإنه يزيد لهم اتباع من اتبعهم عزّاً وسلطاناً وقوة في ملكهم، وترك اتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنه يوجب لهم ذلا ونقصاناً في ملكهم؛ لأن المخلوق كان عزيزاً بغيره، فإذا زال ذلك زال عزه وصار ذليلا؛ فأما الله -  وتعالى - عزيز بذاته فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد عزه بائتمار من ائتمره.

[و] قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ يذكر هذا؛ ليعلم أنّ من أنشأه من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به ويعصونه لم يزل عنه الحكمة، ولا أخرجه منها؛ لما ذكرنا أنه لم ينشئهم لحاجة له فيهم، أو لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في الشاهد يزيل الحكمة ويدخل في حد السفه؛ لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون لحوائجهم، فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، بل مضرة لا يكون حكمة منهم؛ لذلك افترق الشاهد والغائب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ونحو ذلك، يخرج ذكر الآيات لهؤلاء [على] وجوه: أحدها: أن يكون ما ذكر من الآيات لهؤلاء آيات على أعدائهم يحتجون بها عليهم؛ فتكون هي آيات لهم على أعدائهم.

والثاني: أن منفعة هذه الآيات تجعل لهؤلاء، وهم المنتفعون بها؛ أعني: متبعها دون من ترك اتباعها.

والثالث: هنّ آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون، فأما من اعتقد ردّها وترك الاتباع لها فليست هي آيات لهم، والله أعلم.

وقد ذكرنا في غير موضع، جهة الآيات فيما ذكر من السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به، وإخراج ما أخرج منها، في ذلك آيات هيبته، وآيات وحدانيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره، وآيات حكمته، وغير ذلك مما يطول بذكرها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، قوله - عز وجل -: ﴿ تَلْكَ ﴾ إشارة إلى الآيات التي تقدم ذكرها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أنها من الله -  - لما عجزوا عن إدراك ذلك من الحكمة البشرية به فيعلموا أنها من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لو كانوا بالذين يقبلون حديثاً قط، فلا حديث أظهر صدقاً من حديث الله  ولا أبين حقّاً فيه من كلامه؛ لأنها آيات معجزات، عجزوا عن إتيان مثلها.

وإن كانوا بالذين لا يقبلون حديثاً فيلحقهم السفه في ذلك، فيكفي مؤنتهم، والله الهادي.

<div class="verse-tafsir"

وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ٧ يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٨ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٩ مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًۭٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠ هَـٰذَا هُدًۭى ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ١١

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ الأفاك: هو المصروف عن اتباع ما توجب الحكمة اتباعه.

وقال بعضهم: الأفاك: الكذاب، والأثيم: هو الذي اعتاد الإثم، وهو أكثر من الآثم.

ثم نعت ذلك الأفاك فقال: ﴿ يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ﴾ القرآن.

ويحتمل: ﴿ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ﴾ آيات وحدانية الله - عز وجل - أو آيات رسالة رسول الله  .

ثم أخبر عن تعنته وعناده في آيات الله حيث قال: ﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ﴾ أي: يصر مستكبراً بعد تلاوة الآيات عليه، وبعد معرفته وفهمه أنها آيات الله، كما كان يصر قبل ذلك؛ لأنها آيات خارجات عن وسعهم؛ إذ عجزوا عن إتيان مثلها، فإذا كانت خارجة عن احتمال وسعهم فكذلك هي خارجات عن وسع محمد  ؛ إذ هو واحد من البشر مثلهم، فيعرفون أنّه إنما قدر على إتيان مثلها بالله -  - بما أوحى إليه وأعلمه بذلك ﴿ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ﴾ ؛ عناداً منه واستكباراً.

ثم أوعده العذاب الأليم، وهو قوله: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: مؤلم موجع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ ، أي: عذاب يهينهم باستهزائهم بالآيات.

ثم قال: ﴿ مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ أضاف جهنم إلى ورائهم يحتمل أن يكون المراد من ذكر ﴿ مِّن وَرَآئِهِمْ ﴾ وراء الدنيا؛ كأنه قال: من وراء هذه الدنيا لهم جهنّم، لكنه أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم فيها، وهم أهلها.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مِّن وَرَآئِهِمْ ﴾ أي: من وراء أحوالهم التي هم عليها جهنم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ ﴾ أي: ما عملوا من القرب التي عملوها؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة، أو يقربهم ذلك إلى الله زلفى؛ يخبر أن ذلك مما لا يغنيهم ولا ينفعهم في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وعد لهم في كل حال وكل أمر كان منهم عذاباً غير العذاب في حال أخرى؛ ذكر في الحال التي عبدوا الأصنام دونه، واتخذوها أرباباً العذاب العظيم، وذكر لهم باستهزائهم بآيات الله العذاب المهين، عذاباً يهينهم، ويهانون في ذلك، وذكر لهم بإصرارهم بما هم عليه واستكبارهم على آيات الله وعلى رسوله العذاب الأليم، حتى يكون مقابل كل [فعل] كان منهم نوعاً من العذاب غير النوع الآخر، وبصفة غير الصفة الأخرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا هُدًى ﴾ أي: بيان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ أي: عذاب من عذاب أليم؛ إذ الرجز هو العذاب، كأنّه فسر ذلك العذاب ووصفه بالألم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ١٣ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٤ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ١٥

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ ﴾ يذكرهم عظيم نعمه في تسخير البحار لهم مع أهوالها وكثرة أمواجها، وامتناعها عن منافع الخلق، صيرها بلطفه ورحمته لهم كسائر البقاع في الوصول إلى ما فيها من الجواهر والآلئ بالغوص فيها، والخوض والاصطياد؛ لما فيها من أنواع الصيد، وغير ذلك من الأشياء، بحيل علمهم، وأسباب جعل لهم، حتى يصلوا إلى ما فيها من أنواع الجواهر والأموال النفيسة، والله أعلم.

وسخرها لهم - أيضاً - حتى عبروا البحر ومروا هم عليه بسفن أعطاهم، وحيل علمهم، حتى قدروا على عبوره والمرور عليه؛ ليصلوا إلى قضاء حوائجهم التي تكون في البلدان النائية، وهو ما قال: ﴿ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يحتمل أن يكون عبارة عن تكوينه؛ أي: بما كونه [و]أنشأه كذلك، كقوله -  -: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ .

والثاني: يحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بالأمر الذي له على العباد وسائر خلائقه.

ويحتمل: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بإذنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: لكي يلزمكم الشكر بذلك، أو ما ذكر فيه من الوجوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ أي: سخر لهم ما في السماوات من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها، وما في الأرض من الأشجار، والنبات، والبهائم، والدواب، حتى استعملوها كلها في منافعهم وحوائجهم، كما استعملوا أملاكهم التي تحويها أيديهم بتسخير الله -  - إياهم ذلك كله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَمِيعاً ﴾ أي: جميع ذلك من الله -  - أخبر أنه سخر جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وقد ذكرنا جهة الآية في ذلك في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله - عز وجل - للمؤمنين بالعفو والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء إليهم من الكفرة؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند الله، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل، والله أعلم.

فإن قيل: إن هذه الآيات إنما نزلت بمكة، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام عن مساويهم، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند مقدرة الانتقام والانتصار، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى للأمر له بذلك؛ إذ هو عاجز عن ذلك، فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم - وإن كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أولئك الكفرة على ما ذكرتم - لوجهين: أحدهما: أنه أمرهم بذلك ليتقربوا بذلك؛ إلى الله -  - ويجعلوا ذلك وسيلة وقربة فيما بينهم وبين ربهم، وإن لم يكن لهم مقدرة الانتقام والانتصار منهم؛ ليكون العفو عنهم بحق القربة، لا بحق التذلل والخشوع؛ إذ يعفو كل عن اختيار وطوع، ويصير على ذلك ابتغاء لوجه الله -  - ويترك الجزع في نفسه والمخاصمة لو قدر على الانتقام، وهو ما أمر رسوله -  - بالهجرة إلى المدينة بعدما أخبره أنهم يريدون أن يقتلوه أو يخرجوه؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]؛ لتكون الهجرة له إلى الله -  - بحق القربة، لا بحق التذلل بإخراجهم إياه، والله أعلم.

والثاني: أن يرجع الأمر بالعفو إلى كل واحد منهم في خاصة نفسه، وقد كان من المسلمين فيهم من يقدر على الانتقام والانتصار من الأفراد والآحاد منهم، وإن لم تكن [له] المقدرة على الانتقام من جملتهم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: ﴿ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أي: نعم الله الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع، التي وعدها في الآخرة لأهل الإيمان، وهو ما قال في آية أخرى في قصة موسى -  - حيث قال: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: بنعم الله -  - ألا ترى أن موسى -  - فسر أيام الله بالنعمة؛ حيث قال على إثره: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 6].

والثاني: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ على حقيقة الأيام؛ لأنهم كانوا يرون هذه النعم والسعة في الدنيا بجهد أنفسهم وكدهم، لا بما أجرى الله -  - النعم إليهم في الأيام، والله أعلم.

والثالث: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يحذرون نقمة الله وعقوبته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي: ليجزي كل قوم بما كسبوا من خير أو شر، يجزي من عفا منهم جزاء العفو، ويجزي المحسن جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ يخبر أن من عمل من خير فإنما يعمل لنفسه، ومن عمل من سوء فإنما يعمل على نفسه، يخبر أن من عمل من خير أو صالح فلنفسه سعى في الآخرة، ومن عمل من شر فعلى نفسه سعى في الآخرة، كمن عمل في الدنيا من الأكل والشرب فلنفسه يعمل، ومن جنى من جنايات، فعلى نفسه جنى في الدنيا والآخرة؛ حيث تهلك به نفسه، ويرجع إليه وبال ذلك في الدنيا والآخرة، فعلى ذلك ما قلنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: ثم إلى ما وعد ربكم من الثواب والعقاب ترجعون.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦ وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٧ ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ١٩ هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٢٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ قال أهل التأويل: أي: التوراة.

والإشكال: أنه آتى بني إسرائيل جملة كتباً كثيرة، أمّا التوراة والإنجيل والزبور هي كتب معروفة قد نعرفها، وقد يجوز أن يكون لهم كتب غيرها، فما معنى ذكر الكتاب؟

وما معنى حملهم على أن التوراة [هي المرادة]، إلا أن نقول: يجوز أن يريد بذكر الكتاب: الكتب؛ فإنه أدخل الألف واللام، فيكون لاستغراق الجنس.

ويحتمل أنّه أراد به التوراة، كما قال أهل التأويل؛ إذ يجوز أن يذكر اسم العام ويراد به الخاص، وهو الواحد منهم.

ويحتمل أن تكون التوراة هي الكتاب الذي فيه عامة الأحكام، فإنه قيل: إن الزبور ليس فيه الحكم، إنما فيه التسبيح والتحميد، وكذا الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، فيجوز أن يكون المراد: التوراة لهذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ أي: فهم ما فيه.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ : فقه ما في الكتاب؛ إذ الحكم الظاهر داخل تحت قوله: ﴿ ٱلْكِتَابَ ﴾ بين بقوله: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ أنه أعطى الحكم الظاهر فيه، والحكم المستخرج منه بالاستنباط والاجتهاد، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد بالكتاب: هو ما يتلى فيما بينهم وبين ربهم، والحكم هو ما أمرهم فيه أن يحكموا فيما بين العباد والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ إنما ذكر النبوة؛ لأن النبوة كانت ظاهرة في بني إسرائيل، فإنه ذكر أن في بني إسرائيل كذا كذا رسولا ونبيّاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قد كان رزقهم [من] الطيبات ما ذكر من المنّ، والسلوى، وغير ذلك من الطيبات، [ما] لا يحصى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ ﴾ قد ذكرنا تفضيلهم على العالمين في موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: آيات من الأمر.

وقيل: ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: ما بين لهم من الحلال والحرام والشبه، ونبأ ما كان قبلهم، والله أعلم.

ويحتمل ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: بيان ما تقع الحاجة إليه من الأمر.

وعندنا ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: بينات التكوين ودلالات لما جعل الله لهم في نفس كل أحد من دلالات وحدانيته وألوهيته.

أو ما أقام من الآيات في العالم على التكوين يدل على جعل الألوهية والربوبية له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ على ما ذكرنا من أمر التكوين؛ أي: ما اختلفوا في صرف الألوهية والوحدانية عن الله -  - إلى غيره ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أي: إلا من بعد ما بين لهم أن الألوهية والربوبية [له] بالدلالة الواضحة والحجة النيرة، وأنّ له الخلق والأمر؛ إلا أنه ذكر العلم وأراد به أسباب العلم ودلائله، والله أعلم.

والثاني: يحتمل قوله -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ : أمر المجيء من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبيان ما يؤتى و[ما]يتقى، وما لهم وما عليهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ واختلافهم فيما امتحنوا يتوجه إلى وجوه: أحدها: ما اختلفوا فيما امتحنوا من الدين، أو فيما امتحنوا في اتباع رسول الله  والإجابة له إلى ما يدعوهم إليه والطاعة له.

ويحتمل: اختلافهم الذي ذكر الاختلاف في القرآن، أو فيما امتحنوا من التحليل والتحريم.

ثم يخبر الله -  جل وعلا - أنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بالحق في ذلك والبيان أنه من الله، وأن ما هم عليه باطل مضمحل.

ثم أخبر أن اختلافهم إنما هو لبغي بينهم وحسد، حملهم ذلك على الاختلاف فيما بينهم.

ثم أخبر أنه ﴿ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يجزيهم في الآخرة جزاء اختلافهم في الدنيا.

أو ﴿ يَقْضِي ﴾ : أي: يفصل ويبين لهم يوم القيامة الحق من الباطل، والمحق والمبطل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا ﴾ يحتمل أن يكون هذا صلة قوله -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ كأنّه يقول: وآتيناهم بينات من الأمر، وجعلنا ذلك شريعة لك، فاتبعها أنت وإن لم يتبعوها هم.

والشريعة: هي الملة والمذهب، وهي ما شرع فيه ويذهب إليه؛ كذلك قاله القتبي؛ قال: يقال: شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه، ومنه: مشارع الماء: الفُرَض التي يشرع فيها الناس والواردة.

وقال أبو عوسجة: الشريعة: السنة، والله أعلم.

ثم أخبر أن الذي هم عليه إنما هو هوى النفس، فقال - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لم يتأملوا فيه ولم يتفكروا ما لو تأملوا وتفكروا فيه لعلموا؛ لأنه قد ذكر في أوّل الآية أنهم إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: جاءهم من دلائل العلم ما لو تأملوا ونظروا فيها لعلموا.

والثاني: نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بما علموا وما جعل لهم من العلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ أي: لو اتبعت أهواءهم ﴿ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ أي: لم يغنوا أولئك عن دفع ما ينزل بك من عذاب الله شيئاً، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ثم أخبر أن الظالمين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ يحتمل ولاية الدين والمذهب؛ أي: بعضهم يوالي بعضاً في الدين.

ويحتمل في غيره؛ أي: يلي بعضهم أمر بعض في الإعانة والنصرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ يحتمل: أي: يلي أمور المتقين.

ويحتمل: ﴿ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: ناصرهم ومعينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ سمى الله -  - هذا القرآن: بصائر، وهو ما يبصر به، ومرة: هدى، وبياناً، ورحمة، ونوراً، ونحوه، وهو هكذا، هو هدى، وبيان، ونور، وبصيرة لمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل وقبله.

ويحتمل: ﴿ بَصَائِرُ ﴾ : بيان يبين لهم أنه من الله، فيبين لهم الحق من الباطل، ويبين [ما] لهم وما عليهم لمن ذكر ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٢١ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٢ أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣ وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٥ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٢٦

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: نفر من الكفرة قالوا: والله إن كان ما يقوله محمد من الثواب والنعيم في الجنة حقّاً فنحن أولى بذلك منهم، كما كنا في نعيم الدنيا ولذاتها أولى منهم، ولنعطين أفضل مما يعطون، ولنفضلن عليهم كما فضلنا في الدنيا؛ فأنزل الله -  وتعالى - في ذلك: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...

﴾ الآية.

لكن هذا التأويل ضعيف؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جواباً للنازلة التي ذكرها أهل التأويل؛ لأن أولئك قالوا: نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في الآخرة؛ فلا يكون قوله -  -: ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ...

سَوَآءً ﴾ جواباً لما قالوا، وهم إنما قالوا: نحن أولى بذلك، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا؛ فإذا كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر عنهم أنهم حسبوا التساوي، ولا خلف في خبر الله - عز وجل - والله أعلم.

لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه، يقول - والله أعلم -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً...

﴾ الآية أي: لو كان الأمر على ما ظن أولئك بأن لا بعث ولا نشور كان في ذلك جعل ﴿ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ - أي: الشرك - ﴿ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ ؛ لأنهم جميعاً قد استووا في هذه الدنيا، في لذاتها، ونعيمها، وشدتها، وآلامها، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز، وإنزال كل واحد منهما منزلته، وما يستحقه المسيء العقوبة، وجزاء الإساءة، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه، فإذا جمع بينهما في هذه الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك داراً أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق الثواب والعقاب - والله أعلم - وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ لو كان كما ظن أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما باطلا على ظنهم، فكذلك قوله  : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلق السماوات والأرض إذا لم يكن هنالك رجوع إليه عبثاً باطلا، فهذا أولى وأحق أن يصرف إليه الآية، وعلى ذلك ما ذكر في قوله -  -: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ...

﴾ الآية [الأنعام: 50]، وقوله - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً  ﴾ أي: لا يستويان، ولو كان الأمر على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا نشور ولا حياة، كان في ذلك استواء بين من ذكر، وقد سوى بينهما في الدنيا، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز؛ إذ لا يجوز التسوية بين الولي والعدوّ، وقد سوى بينهما في الدنيا؛ فعلم أن المراد به نفي الاستواء بينهما في دار أخرى، والله الموفق.

ثم اختلف أهل الكلام فيما يعطى الولي والعدو في هذه الدنيا من الصحة والسلامة؛ على قول أكثر المعتزلة أن الله -  - لا يعطي أحداً في الدنيا من كافر أو مؤمن شيئاً إلا وهو أصلح له في الدين، ثم على قولهم لا يظهر عفو الله  في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إنما يستوجبون الثواب والجنة بأعمالهم، لا برحمة الله -  - فإذا عفا عن المسيء فلا يعلم أنه كان مستحقّاً لذلك أو يعفو عنه فضلا.

وعندنا أن ما أعطاهم إنما يعطيهم إفضالا منه ورحمة، فيعرفون فضله وإحسانه وعفوه، وأكثر أصحابنا يقولون: إن جميع ما أعطى الكافر في الدنيا فهو شر له؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\]، ونحو ذلك ما يخبر أن ما يعطي إياهم يكون شرّاً لهم، وما أعطى [المؤمنين] يكون خيراً لهم.

ولكن عندنا ليس هذا على الإطلاق والإرسال، ولكن ما كان توفيقاً منه على الخيرات في نفسها فهو خير له، وما كان خذلاناً فهو شرّ له، وليس على الله حفظ الأصلح لهم؛ على ما يقوله المعتزلة، ولكنه يفعل بهم ما هو حكمة [و]عدل كما يفعل ما هو إحسان وفضل، والله الموفق.

قال القتبي: ﴿ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ أي: اكتسبوها، ومنه قيل لكلاب الصيد: جوارح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أي: إنما خلق ما ذكر بالحق لتجزى كل نفس بما كسبت، فلو لم يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أولئك الكفرة أن لا جزاء من الثواب والعقاب؛ لإنكارهم البعث - لم يكن خلقهما بالحق؛ على ما ذكرنا، فتبين أنه إنما صار خلقهما [بالحق] إذا كان هنالك جزاء؛ وهذا يدل على أن الآية الأولى هي في منكري البعث، ليست فيما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على التحقيق؛ على ما قاله عامة أهل التأويل: أنهم عبدوا كل شيء [استحسنوه، فإذا] استحسنوا شيئاً آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا الثاني: فتلك كانت عادتهم، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم؛ إذ الإله هو المعبود عندهم، وهو التحقيق الذي ذكرنا.

والثاني: على التمثيل، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئاً إلا ركبوه، لا تمنعهم مخافة الله عما هووه، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا، فصيروا هواهم متبعاً، فهو كالإله لهم، لا يتبعون أمر الله، فلا يكترثون له، أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أضله الله على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق، لا أنه أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله؛ أي: قد بين له السبيل وطريق الحق، لكنه باختياره الضلال أضله؛ لما علم منه أنه يختار الضلال والكفر؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار، والله أعلم.

والثالث: أضله الله -  - على علم؛ أي: أنشأ منه فعل الضلال على علم منه بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ ؛ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: غطى قلبه بما هواه، وجعل فيه ظلمة، فتلك الظلمة وذلك الغطاء أوجب غطاء السمع والبصر، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين، وصارت ظلمة البصر وغطاؤه مانعاً لهم عن اكتساب التدبّر والتفكر.

ويحتمل أن يكون ما هووه مانعاً لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو اتبعوا أمر الله -  - وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ  ﴾ ، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة الدائمة المدعو إليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ ﴾ هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة الهداية، وهو التوفيق والعصمة، فكأنه يقول - والله أعلم -: فمن يقدر دون الله [على] هدايته وتوفيقه بعد اختياره الضلال.

والثاني: الهدى: البيان؛ فكأنه يقول: فمن يقدر أن يأتي ببيان أكثر وأبين من بعد بيان الله -  - الذي بين له؟

أي: لا أحد يقدر [على] ذلك ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أفلا تتعظون، أو ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ بيان الله أو ما بين لكم، والله أعلم.

ثم الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لئلا يشتغل بهم، ولا يهمّ لهم، ولكن يشتغل بغيرهم، ويقطع طمعه عن إيمانهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: ما قالوا: ما الحياة إلا حياة الدنيا.

ويحتمل أنهم يقولون: ﴿ مَا هِيَ ﴾ أي: لا حياة إلا الحياة التي دنت منا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: نموت نحن وتحيا أبناؤنا وأولادنا.

والثاني: ﴿ نَمُوتُ ﴾ أي: كنا ميتين فحيينا ﴿ نَمُوتُ ﴾ بمعنى: كنا أمواتاً ﴿ وَنَحْيَا ﴾ أي: فصرنا أحياء، ثم لا حياة بعد تلك الحياة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما يهلكنا إلا مرور الأزمنة والأوقات؛ أي: بسبب مرور الأوقات ينتهي آجالنا، ونبلغ إلى الهلاك، وكذلك قال القتبي: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ أي: إلا مرور السنين والأيام.

والثاني: أن يكون الدهر عندهم عبارة عن الأبد؛ فكأنهم يقولون في قوله: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ : وما يهلك أنفسنا إلا الدهر؛ لأن أنفسنا لم تجعل للأبد، ولا للبقاء للأبد، بل جعلت للانقضاء والفناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ أي: ما هم إلا على ظن يظنون.

والثاني: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ ﴾ أي: وما لهم بما قالوا: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ - ﴿ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ أي: ما هم إلا على ظن يظنون؛ أي: على ظن يقولون ذلك، لا عن علم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: وإذا تتلى عليهم آياتنا في البعث والحياة بعد الموت ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: ما يوضح ويبين لهم البعث والحياة بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، والإشكال: أنه [لماذا] ذكر ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ إذ لم يعذروا.

فنقول: الحجة هي التي إذا أقامها الإنسان وأتى بها عذر في ذلك، وما قالوا لم يكن حجة؛ إذ لم يعذروا، فيكون معنى قوله: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ أي: ما كان احتجاجهم إلا أن قالوا كذا.

أو نقول: ما كانوا يحتجون إلا أن قالوا كذا.

ثم قوله: ﴿ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيه دلالة ألا يلزم المسئول أن يأتي بحجة وآية يختارها السائل ويشتهيها، لكن يلزمه أن يأتي بما هو حجة في نفسه، ويلزمه الاتباع بها، فأما أن يلزم على ما يختاره السائل أو يتمناه فلا، وقد أتاهم الله -  - من الآيات والحجج ما ألزمهم القول بالبعث والإقرار به.

ثم أخبر أن الله -  - هو يحييكم ثم يميتكم، لا الدهر الذي قالوا، وهو قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ أي: يحييكم في قبوركم، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ فيها، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

أو يقول: ﴿ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ في ابتداء الأمر، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ في الدنيا عند انقضاء آجالكم، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ولكن أكثر الناس لا ينتفعون بما يعلمون.

أو يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لما تركوا النظر بالتأمل في أسباب العلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ٢٧ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٨ هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ٣٠ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ٣١ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّۭا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ٣٢ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٣ وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٣٤ ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٣٥ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٦ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣٧

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض.

أو ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ؛ أي: خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود،  .

أو يقول: ولله حقيقة ملك السماوات والأرض.

فإن كان التأويل هو الأول فإن له ملك كل ملك في السماوات والأرض، ففيه إخبار وإعلام بليغ أتباعَ أولئك الملوك، و[ذوي] التعظيم لهم، والإجلال، والخدمة لهم بما في أيديهم من الملك والسلطان وفضل الأموال [ألا يصرفوا ذلك إليهم]؛ بل فيه الأمر بصرف ذلك كله إلى الله -  - والقيام له بالشكر، لا لأولئك؛ لأن الذي في أيديهم لله -  - وهو الجاعل في أيديهم، والواضع عندهم، فإليه يلزم صرف الشكر والعبادة، والله أعلم.

وإن كان تأويل الملك: الخزائن، ففيه قطع الأطماع عما في أيدي الناس، والأمر بصرف ذلك إلى الله -  - والرجاء منه دون من سواه، والله أعلم.

وإن كان الثالث، وهو أن حقيقة الملك لله -  - ففيه أنه فيما امتحنهم في الدنيا بأنواع المحن لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إلى نفسه، أو لمضرة يدفع عنها، وكذلك ما يثيبهم في الآخرة ويعاقبهم، ليس يفعل ذلك لمنفعة كانت له في الدنيا أو دفع مضرة عنه، ولكن لحكمة أوجبت ذلك لهم وعليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ ﴾ سمى القيامة: ساعة، فجائز أن يكون سماها [بذلك]؛ لسرعة قيامها، أو نفاذها؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ .

أو أن يكون سماها بذلك؛ لما يكون حسابهم وأمرهم يوم القيامة إنما يكون في ساعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ يحتمل: أي: يومئذ يبين خسران المبطلين في الدنيا، وعلى ذلك يبين خسران كل مشتركين في تجارة الدنيا؛ إذا [اشتركوا] في عمل عند القسمة يتبين خسران عملهم وتجارتهم.

وأصله أن الله -  - جعل الدنيا وما أنشأ فيها من الأموال والأملاك رءوس أموال لأهلها يتجرون ويكتسبون بها الربح في الآخرة، وأنه إنما أنشأ الدنيا للآخرة، لا أنه أنشأها لنفسها؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 111]، وقال: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ يحتمل أن يكون ما ذكر من الجثو للركب في الآخرة تعريف لهم وإنباء أنهم يختصمون يوم القيامة جاثين للركب، كما يختصم في الدنيا عند الحكام والأمراء جاثين للركب، والله أعلم.

ويحتمل أن يذكر جثوهم؛ لما لا تقوم بهم الأقدام، أو لا تحملهم؛ لهول ذلك اليوم والخوف فيها؛ فيكونون جاثين للركب ويقومون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ يحتمل: ﴿ كِتَابِهَا ﴾ : كتاب كل في نفسه، وهو كقوله -  -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ  ﴾ ، وقوله -  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ و ﴿ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ  ﴾ ونحوه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ الذي دعيت كل أمة إليه في الدنيا؛ من نحو القرآن، ونحوه؛ فيقال: يأهل الإنجيل، يأهل التوراة، ونحو ذلك، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ أي: إلى حسابها الذي عملت في الدنيا؛ تفسير ذلك ما ذكر: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل الكتاب الذي أضاف إلى نفسه هو القرآن الذي كان ينطق لهم بالحق؛ أي: بالحق الذي لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بأنه من الله -  - والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب هو الكتاب الذي يكون لكلٍّ بالانفراد للذي كتبته له الملائكة مما عملوا من خير أو شر، وهو كقوله -  -: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: إن الحفظة تكتب أعمال بني آدم ثم يعارضون ذلك بما في اللوح المحفوظ المكتوب فيه: أن فلاناً يعمل كذا وكذا، فلا يزيد شيء ولا ينقص.

وعن ابن عباس -  - يقول قريباً من هذا: إن في السماء كتاباً عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما يعملون، ثم قال: وهل تكون النسخة إلا من كتاب أو شيء، والله أعلم.

وقال بعضهم: ملكان موكلان بالكتابة، يكتب كل واحد منهما ما يعمله، فإذا أرادا أن يصعدا إلى السماء فيعارض كل واحد منهما كتابه الذي كتبه مع كتاب الآخر فلا يخطئ حرفاً مما كتب هذا ما كتب الآخر، والله أعلم.

وقال بعضهم: عرض كتاب الناس الذي عملوا كل يوم أو كل خميس، فينسخ منه الخير والشر، وما يثاب عليه وما يعاقب، ويلقى ما سوى ذلك مما لا ثواب له ولا عقاب، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد من الانتساخ: ابتداء الكتابة من غير أخذ من كتاب أو نحوه، فإنه يجوز أن يستعمل الانتساخ في ابتداء الكتابة على غير أخذ من الكتاب أو غيره، نحو أن يقول الرجل: انتسخته، أي: كتبته، فيكون كأنه قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ أي: نكتب ما كنتم تعملون ونثبته عليكم من خير أو شر، فيخرج لهم كتبهم التي فيها أعمالهم، فكانت عليهم حجة، وهي التي كتبت عليهم الحفظة.

وقال أبو عوسجة: الجاثية هي التي جثت واجتمعت، ويقال: تجاثينا: أي: بركنا على ركبنا للخصومة.

وقال القتبي: جاثية على الركب، يراد: أنها غير مطمئنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ أي: إلى حسابها.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ يريد: أنهم يقرءونه فيدلهم ويذكرهم؛ فكأنه ينطق عليهم.

وقوله  : ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ أي: نكتب على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: آمنوا بجميع ما كان عليهم الإيمان به والتصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: عملوا بما فيه صلاحهم، وما يوجبه الحكمة من العمل ﴿ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ أي: في جنته، سمى الجنة: رحمة؛ لأنها تنال برحمته، ويدخل فيها.

أو سماها: رحمة؛ لأنها هي النهاية والغاية التي تطلب بالرحمة وتراد بها.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ الآية.

الفوز: هو الظفر بما يؤمل ويرجو من العمل، أو يقال: الفوز: هو الفلاح الذي لا خوف بعده، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ كأن فيه إضماراً؛ لأن قوله -  -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ إنما هو إخبار عن المعاينة.

وقوله -  -: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب ومشافهة، فليس هو من جواب الأول، ولا من نوعه؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وأما الذين كفروا في الدنيا فيقال لهم في الآخرة إذا طلبوا الرجوع والإقامة أو التخفيف ذلك: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ في الدنيا.

ثم يحتمل: آياته: آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على التعذيب، أو آيات قدرته على البعث أو آيات رسالته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ لا أحد يقصد قصد الاستكبار على آيات الله، لكنهم لما كذبوها وردوا آياته ولم يعملوا بها، فكأنهم استكبروا عليها، وهو كما قال: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما عبدوا الأصنام بأمر الشيطان فكأنهم عبدوه.

ويحتمل أن يكونوا استكبروا على رسله؛ فيكون استكبارهم على رسله كأنهم استكبروا على آياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ قيل: المجرم هو الوثاب في المعصية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ كان عندهم فيها ريب، لكنهم لو تأملوا ونظروا فيما أقام من آياته، زال عنهم الريب الذي كان لهم فيها.

ويحتمل أن يقال هذا على الإيقان إذا كان القائل به موقناً، وإن كان الذي يقال له شاكّاً في ذلك.

والأول أقرب وأشبه.

ثم الناس رجلان في الساعة: موقن بها ومتحقق، ولكن في العمل لها والاستعداد لها كالظان.

والثاني: ظان بها، شاك فيها جاحد لها ومكذب كالموقن ألا تكون.

ثم الإيقان بالشيء هو العلم بالأسباب الظاهرة، وقد يدخل في تلك الأسباب أدنى شبهة وشك؛ لذلك ذكر فيه الظن، والله أعلم.

وأما العلم بالشيء قد يكون بالسبب، وقد يكون بالتجلي له بلا سبب؛ ولذلك وصف الله -  - بالعلم، ولم يوصف بالإيقان، ولا يقال: إنه موقن؛ لما ذكرنا: أن أحدهما يكون بأسباب والآخر لا - والله أعلم - فيتمكن في الإيقان أدنى شبهة وشك، وقد يعمل غالباً لأسباب على حقيقة الأعمال؛ نحو المكره على الشرّ يعلم بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: بدا لهم أنّ الأعمال في الدنيا أنها أسباب في الآخرة؛ لأنهم عملوها في الدنيا وعندهم أنها حسنات، فيظهر لهم في الآخرة أنها سيئات.

والثاني: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: ظهر لهم في الآخرة وتذكروا سيئات ما عملوا في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي: نزل بهم، ووجب ما كانوا يستعجلون من الرسل، وهو العذاب الذي كانوا يوعدونهم؛ لأنهم كانوا يستعجلون ذلك استهزاء منهم بهم بأنه غير كائن، ولا نازل بهم ما كانوا يوعدونهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، والإشكال: أنهم كيف ينسون يومئذ؟

لأنهم لو كانوا ينسون، لسلموا من العذاب، لكن ما ذكر من النسيان يخرج على وجهين: أحدهما: كنى بالنسيان عن الترك؛ يقول: اليوم نترككم في النار وفي العذاب كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه.

والثاني: على التمثيل؛ أي: اليوم نصيركم في النار كالشيء المنسي لا يكترث إليكم، ولا يلتفت، ولا يعبأ بكم كما صيرتم أنتم ذلك اليوم كالشيء المنسي، لم تكترثوا إليه، ولم تعملوا له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ جعل الله -  - النار لهم مأوى بإزاء كل ما افتخروا في الدنيا على رسل الله - عليهم السلام - وأتباعهم من المنازل، والمراكب، والملابس، وغير ذلك، وأخبر أنه لا ناصر لهم يملك إخراجهم من تلك النار والمأوى الذي جعل لهم، ولا يقدر دفع ذلك عنهم، والله أعلم.

ثم أخبر أن بعض ذلك الذي أصابهم ونزل بهم إنما كان بما ذكر من اتخاذهم آيات الله هزوا في الدنيا، هزوا بها وسُخراً بالرسل، عليهم السلام.

ثم آيات الله يحتمل ما ذكرنا من آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على البعث، أو آيات رسالة الرسول،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم معنى نسبة التغرير إلى الحياة الدنيا، وإضافته إليها وإن لم يكن منها على التحقيق تغرير وخداع، وهو أنهم إنما اغتروا بها، فنسب فعل التغرير إليها، هي غرتهم، وقد ينسب الفعل إلى السبب الذي به صار ذلك، وإن لم يكن منه حقيقة ذلك؛ نحو قوله -  -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ أي: يبصر به، وذلك كثير في اللغة.

أو يقال: إن ما كان منها، لو كان ذلك ممن يحتمل التغرير ويملك ذلك كانوا تغريراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ : قال بعضهم: إنهم يعاتبون إلى أن يدخلوا النار: إنكم فعلتم كذا، وتركتم كذا، ولم فعلتم كذا؟

فإذا دخلوا النار يترك العتاب ويجعل كالشيء المنسي فيها، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ أي: لا يسترجعون إلى ما يطلبون من العود والرجوع إلى العمل الصالح؛ لقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ...

﴾ الآية [فاطر: 37].

ثم في قوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ...

﴾ الآية [الكهف: 53]، وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ  ﴾ - دلالة ألا يجب أن يفهم على ظاهر ما خرج الخطاب؛ لأنه ذكر الظن في المؤمنين، والمراد به: الإيقان، لا ظاهر الظن، وذكر في الكافرين الظن وأريد به الحقيقة، ولا يجوز أن يفهم من الظن في الفريقين معنى واحد، بل يفهم من هذا غير الذي فهم من الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إن جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له فإنما ذكر لأحد شيئين: أحدهما: بما يستحق من الثناء بتعاليه عن جميع معاني الخلق وأوصافهم.

والثاني: بما يستحق من الثناء [بتفضله] عليهم بالنعم والإحسان الذي منه إليهم، وهو ما قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ، ونحو ذلك، والله أعلم.

وأصل آخر: أنه إذا أضيفت كلية الأشياء إلى الله -  - ففيه وصف له بالعظمة والجلال وإذا أضيفت جزئية الأشياء إليه وخاصيتها، فإنما فيه تعظيم تلك الخاصية المضافة إليه، وفي قوله -  -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إضافة كلية الأشياء إليه والخاصية والجزئية، ففيه الأمران جميعاً، فإن قوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ ﴾ إضافة جزئية الأشياء إليه وخاصيته، وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إضافة كلية الأشياء إليه، والله أعلم.

وقد تقدم ذكر الرب في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: وله الوصف بالكبرياء والعظمة على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة.

أو: من حقه على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة والجلال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: هو العزيز الذي لا يلحقه الذل بخلاف الخلق له ولا بعصيانهم.

أو ﴿ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ﴾ بما به يتعزز من أعز دونه، ومن وصف بعز دونه، فذلك راجع في الحقيقة إليه، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ الذي وضع كل شيء موضعه، أو الحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد