تأويلات أهل السنة سورة الحجرات

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الحجرات

تفسيرُ سورةِ الحجرات كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 46 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحجرات كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥

قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قال بعضهم: إن أبا بكر وعمر -  ما - اختلفا في شيء يحضره رسول الله  فارتفعت أصواتهما، فنزل قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ .

وذكر عن الحسن في قوله -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تذبحوا قبل ذبح النبي يوم النحر، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي  يوم النحر.

وقال قتادة ذكر لنا أن رجالا كانوا يقولون: لو أنزل كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، وأمرهم ألا يسبقوا نبيه  بقول ولا عمل حتى يبين الله -  - بيانه، وأمثال ذلك قد قالوا، والله أعلم.

وأصل ذلك عندنا من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، أي: يأيها الذين آمنوا اعلما أن لله الخلق والأمر، ولا تقدموا أمراً، ولا قولا، ولا فعلا، ولا حكماً، ولا نهياً سوى ما أمر الله -  - به ورسوله  وغير ما نهى عنه؛ بل اتبعوا أمره ونهيه، وراقبوه على ما آمنتم به وأقررتم بأن له الخلق والأمر، فاحفظوا أمره ونهيه، ولا تخالفوه ولا رسوله في شيء من الأمر والنهي، فهذا يدخل فيه كل شيء وكل أمر من القول، والفعل، والقضاء، والحكم، والذبح، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا من إيمانهم بأن له الخلق والأمر في الخلق؛ إذ مثل هذا الخطاب لو كان لواحد خاص لكان حكمه يلزم الكل، وكذلك لو كان في أمر واحد وفعل واحد كان يدخل في ذلك جميع الأمور، فكيف والخطاب بذلك عام مطلق؟!

فهو للكل، وفي كل الأمور، والله الموفق.

وعلى ذلك ما روي عن مسروق أنه دخل على عائشة -  ا - فأمرت الجارية أن تسقيه، فقال: إني صائم - وهو اليوم الذي يشك فيه - فقالت له: قد نهى عن هذا، وتلت قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ في صيام ولا غيره.

اعتبرت عائشة -  ا - عموم الآية في النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة النبي  في [كل] قول أو فعل.

وكذلك روي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال في قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: اتقوا مخالفة أمر الله ونهيه قولا وفعلا، واتقوا مخالفة رسوله فيما يأمركم بأمر الله ونهيه، وفي كل ما دعاكم إليه ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لأقوالكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأفعالكم وأعمالكم، ولا قوة إلا بالله.

ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الجوارح ولا العدد في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي: خلقته على علم مني بما يكون منه [من] خلاف أو معصية، لم أخلقه عن جهل بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ و ﴿ خَبِيرٌ  ﴾ ، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ذلك هذا، كما فهموا من قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله ونهيه دون الجوارح والعدد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر -  ما - اختلفا في شيء بحضرة النبي  فارتفعت أصواتهما.

وقال بعضهم: إنها نزلت في قوم كانوا إذا سئل النبي  عن شيء قالوا فيه قبل قول النبي  .

وعندنا: لا يحتمل أن يكون من رفع الصوت فوق صوت رسول الله  والجهر بالقول له، وما ذكر من التقدم بين يدي رسول الله  في الأمر والنهي أن يكون الخطاب بذلك للذين صحبوا رسول الله  واتبعوا أمره ونهيه؛ إذ لا يحتمل منهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ويجهروا له بالقول أو يقدموا بين يديه في أمر ولا نهي إلا عن سهو، أو غفلة، أو إذن منه بالمناظرة والمحاورة في العلم، فعند ذلك ترتفع أصواتهم؛ لأن رسول الله  كان أجل في قلوبهم وأعظم قدراً من أن يتجاسروا التقدم بين يديه بأمر، أو قول، أو رفع صوت، أو جهر القول له، فتكون الآية في أهل الشرك [أو] في أهل النفاق، والله أعلم.

ثم إن كان الخطاب بذلك للذين آمنوا فهو على جهين: أحدهما: أن ذلك منه ابتداء محنة امتحنهم بذلك وأمرهم به من غير أن كان منهم شيء من ذلك من التقدم بين يديه، ورفع الصوت، والجهر له بالقول، ولله -  - أن يمتحن ويأمر وينهى من شاء بما شاء ابتداء؛ امتحاناً منه لهم، وهو ما ذكرنا من نهي الرسل - عليهم السلام - عن الشرك والمعاصي وإن كانوا معصومين عن ذلك؛ لأن العصمة لا تمنع النهي؛ لأن العصمة إما تكون عصمة إذا كان هناك أمر ونهي؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من النهي عن التقدم، والرفع بالصوت، والجهر بالقول، وإن لم يكن منهم شيء مما ذكر ابتداء محنة منه لهم، والله أعلم.

ويحتمل أنه خاطب هؤلاء الصحابة -  م - بذلك؛ ليتعظ بذلك من يشهد مجلسه من المنافقين وغيرهم من الكفارين؛ إذ كان يشهد مجلسه أهل النفاق وسائر الكفرة؛ لئلا يعاملوا رسول الله  بمثل معاملة بضعهم بعضا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ ذكر هذا؛ ليكونوا أبداً متعظين بين يدي رسول الله  حذرين، معظيمن له في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات مايجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول الله  يكفر صاحبه، ولا يكون معذوراً، وإن فعله على السهو والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع الله -  - المؤاخذة عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل في حد جواز المؤاخذة، والله أعلم.

وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمه الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هؤلاء الناس أن عملا يحبط عملا، والله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى - وإن قلت - سبباً لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطيرٍ حقيرٌ.

ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي  ، و[نحو] ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ دلت هذه الآية أن الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ في أهل النفاق، فأما أصحابه الذين صحبوه وآمنوا به، [و] عرفوا أنه [رسول] رب العالمين، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ذكر من رفع الصوت عنده، وجهر القول له، والنداء له باسمه من بُعْدٍ، إنما ذلك به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له، والتوقير، والتشريف؛ لما عرفوا أن نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره، فكيف يحتمل عنهم ذلك؛ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم، ويقدموا بين يديه، أو النداء من بعد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ هذا وصف المؤمنين، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك، والامتحان - هاهنا - هو التصفية والإخلاص؛ يقال: امتحن الذهب: إذ أخلص وصفي الصافي منه والخالص من غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق.

وقال بعضهم: إن نفرا من الأعراب جاءوا، وقالوا: ننطلق إلى هذا الرجل - يعنون: محمداً  - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعيش في جناحه، فأتوا إلى رسول الله  فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد؛ فنزلت هذه الآية.

وقال بعضهم: كان النبي  سبى ذراري بني تيم ونساءهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتقاهم وردهم إليهم، فنادوه من وراء الحجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضاً؛ فنزلت الآية.

وقوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ ؛ لأن ذلك أعظم لقدره، وأجل لمنزلته، وأعرف لحقه، وأحفظ لحرمته.

ثم قوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أكثرهم لا يعرفون قدره ومنزلته، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك، وهم المؤمنون.

والثاني: أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون.

والثالث: أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة، وإنما يعرف القليل منهم، وهم الرؤساء المعاندون.

وفي هذه الآية وفي قوله -  -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن لم يعلم به ولم يقصد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ ٦ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٨ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٩ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٠

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ﴾ جميع أهل التأويل أو عامتهم على أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، وإلى قوم سواهم؛ لجباية الصدقات، وكان بينه وبين أولئك القوم عداوة في الجاهلية، فخرجوا بتلقونه، فخافهم، فرجع، فقال: إن القوم قد منعوا الصدقات، فبعث رسول الله  إليهم بعد ذلك خالد بن الوليد لجباة الصدقات، فوجدهم يصلون ويعملون الطاعات، واجتمعوا واجمعوا له الصدقات وجبوها وسلموها إليه، فرجع إلى رسول الله  بها، فنزل قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ﴾ لكن إن كان ما ذكروا فلم يكن في ذلك النبأ التثبت؛ لأن الآية نزلت بعد نبأ الرجل.

وفي الآية الأمر بالتثبت في نبأ الفاسق فيما يحدث من الأمور من بعد؛ فدل أن الآية نزلت لبيان الحكم في نبأ الفاسق ابتداء، والله أعلم.

ولأنه يحتمل أن يكون ذلك الرجل منافقاً ولم يأمر الله -  - بالتثبت في خبر المنافق، ولم يشرع ذلك؛ لأن النفاق يكون في الضمير فلا يظهر ذلك؛ فأما الفسق فإنه يظهر فأمر لنا بالتثبت فيه؛ فدل أن الآية لم تنزل في ذلك الرجل؛ إذ لا يحتمل عن المنافق أن يزور على المسلمين مثل ما ذكر منه دل أن ما قاله أهل التأويل فيه وهم.

ثم في الآية دلالة قبول خبر الواحد إذا كان عدلا؛ لأنه لو لم يقبل خبره إذا كان عدلا لم يكن لذكر الفسق فائدة سوى الشتم، والشتم سفه؛ فلا يجوز أن يوصف الله -  - [به] فدل ذكر الفسق على أن هذا الحكم وهو رد الشهادة مختص باسم الفسق، وأن العدل لا يشاركه فيه حتى [لا يكون] ذكر الفسق سفهاً لما تعلق به بيان حكم شرعي يختص بالفاسق، ولا يعرف ذلك دون ذكره، فأما متى كان الحكم عامّاً في الفاسق العدل عند الانفراد، فكان ذرك الفاسق مع شتمه لا يليق بالحكمة؛ فدل ما ذكرنا، و الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ﴾ أي: تصيبوا قوماً بجهالة في الظاهر بسبب تهمة الفسق، فأمّا في الحقيقة فإنه يجوز أن تصيب ذلك بخبر الواحد، لكن الأحكام وقبول الأخبار فيما بين الخلق لم توضع على الحقائق، وإنما وضعت على الظواهر، وكذلك قبول الشهادات، والحكم بها، وجميع الشرائع التي في الناس إنما هو على الظواهر من الأحوال والأمور، فأما على إصابة حقيقة ذلك فلا؛ إذ قد يجوز أن يحكم الحاكم ويقضي بقتل إنسان ويقطع يده بشهود عنده؛ لما ظهرت عنده عدالتهم، ولم يكن - في الحقيقة - كذلك، وعلى ذلك قول يعقوب -  - لبنيه: ﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ  ﴾ لم يأمن عليهم بما ظهر له منهم زلة وجناية حين طلوبا منه إرساله ولده يوسف -  - في الرعي؛ بل قال هناك: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ  ﴾ إنما اعتل عليهم واحتج بأكل الذئب ولم يتهمهم فيه لما لم يكن ظهر له منهم زلة وجناية، فلما ظهر ذلك منهم اتهمهم، وأخبر أنه لا يأمن عليهم بما ظهر له من زلتهم؛ فدل أن التهمة سبب الردّ، وأنه يجب التثبت بدفع الجهالة من حيث الظاهر، لا للحقيقة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ أي: نادمين بما فعلوا على خلاف ما كان في الظاهر، ويندمون لما تركموا التثبت في الخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ أي: لأثمتم.

من الناس من احتج بهذه الآية على أن الإجماع ليس بحجة، وقالوا: لو كان لإجماعهم [حجة] لكان لا يأثمون لو أطاعهم في كثير من الأمر؛ لأن الحق والصواب مما لا يوجب الإثم لصاحبه فيمن تبعه في ذلك الصواب، ولكن إن كان لا يوجب الثواب دل انه ليس بحجة يجب اتباعه.

ولكن هذا فاسد؛ لأن الحجج والبراهين لم تكن انتهت يومئذ غايتها، ولا أتت على نهايتها، فالإجماع الذي هو إجماع حجة عندنا ويجب اتباعه والانقياد له هو إجماع من استوعب الحجج والبراهين، وأتى على عامتها، أو على الجميع، وكان الوقت وقت نزول الوحي، وإنما تستقر الأحكام بوفاة رسول الله  لما ينقطع الوحي؛ فيستدل على استيعاب الحجج ونزول جميع ما يحتاج الناس إليه من حيث الإبداع في النصوص، فمتى اجتمعوا على ذلك يكون حجة، ولأنه لا إجماع يتحقق دون رأي رسول الله صلى الله عليه سلم وإذا وجد رأيه استغنى عن رأي الغير؛ لما كان ينطق عن الوحي، فإذا لم يكن وقت رسول الله  زمان انعقاد الإجماع حجة فبطل استدلالهم بالآية.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ أرسل إليكم ليزيل عنكم إشكالكم وشبهاتكم، فلا عذر لكم في الكفر واعتراض الشبه لكم بما تقدرون أن تسألوه ما أشكل عليكم وأشتبه، فيخبركم بذلك فيزيل الشبه عنكم.

والثاني: يحتمل: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ يطلع الله -  - إياه على ما تضمرون في أنفسكم، وما تولدون من الأخبار التي لا أصل لها ولا أثر ما [لو] أظهر ذلك لافتضحهم، وهو صلة ما ذكر من قوله: ﴿ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل: أي: فيكم رسول الله تسألونه ما أشكال عليكم، فيخبركم بالحق والأمر على الحقيقة كي لا تصيبوا قوماً بجهالة، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ فإليه الرأي والتدبير في الأمور، ومن رأيه وتدبيره يجب أن يصدر، لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ على الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ أي: لو يطيعكم فيما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشبهات وهواها.

أو يقول: لو يطيعكم في الصدور عن آرائكم وتدبيركم في الأمور لعنتم، ثم قال: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ هذا في الظاهر كناية غير موصولة بقوله: ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ؛ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار، كأنه يقول: لو يطيعكم في كثير من الأمور لعنتم، وإن الله قد أرسله إليكم رسولا، وحبب إليكم الإيمان به وزينه في قلوبكم حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل شيء، فالواجب عليكم أن تصرفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره، وأن تصدروا عن رأيه، ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم، والله أعلم.

ويحتمل: أي: لا تدعوه إلى أن يطيعكم فيما تهوى به أنفسكم، واشتهت بعدما حبب الإيمان إليكم وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر وما ذكر، والله أعلم بحقيقة جهة وصل هذا بالأول.

ثم يحتمل وجهين أيضاً: أحدهما: لو يطيعكم الرسول في كثير من الأمر لعنتم، و[لكن] الله -  - ألزمكم طاعته في كل أمر، فأطعيوه ولا تطلبوامنه طاعته إياكم في الأمور، ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها، وقد حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق - وهو الخروج عن أمره - والعصيان.

والثاني: يشبه أن يكون موصولا بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ  ﴾ ، و ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ ، ثم قال الله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ ﴾ كأنه يقول: أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وحبب إليهم [الإيمان] وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ ﴾ ، أخبر وشهد لهم بالرشاد، وأخبر أن ذلك فضل منه إليهم ونعمة، لا شيء كان منهم استوجبوا بذلك؛ فذلك قوله: ﴿ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

ثم قالت المعتزلة في قوله -  -: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ ﴾ وما ذكر، يقولون: لم يحبب الإيمان إلى هؤلاء إلا وقد حبب مثله إلى جميع الكفار، وكذلك لم يكره الكفر إلى هؤلاء إلا وقد كره [مثله] إلى جميع الناس، لكن المراد تخصيص هؤلاء بما ذكر من التحبيب إليهم الإيمان، وتكريه الكفر هو اختصاصهم بما وعد من الثواب والجزاء الجزيل على الإيمان والمواعيد الشديدة، فحببه وزينه في قلوبهم بما وعد لهم من الثواب، وكره الكفر والعصيان إليهم بما أوعد على ذلك من العذاب العظيم.

لكن هذا فاسد؛ لأنه ليس مؤمن به صار حب الإيمان في قلبه لما ذكروا من الثواب والجزاء، ولا كافر أسلم حين أسلم يخطر ثواب الإيمان في قلبه حتى يكون إسلامه لذلك؛ بل كان في قلبه بغض الإيمان قبل الإسلام، فإذا أسلم وجد حبه في قلبه، وكراهة الكفر؛ ليعلم أن ذلك يكون بلطف من الله -  - كان عنده، فإذا أعطاه صار ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ .

قال بعضهم: كان بين رجلين مدارة - أي: منازعة - في شيء، فغضب قوم كل رجل حتى كان بينهم خفق بالنعال والأيدي، فنزلت الآية.

وقال بعضهم: كان بين الأوس والخزرج قتال بالعِصِي؛ فنزلت عنده الآية بالأمر بالصلح بينهم.

وقال بعضهم: قتالهم بالعِصِي، والتناجي، ونحوهما.

وقال الحسن: إن قوماً من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطروا بالنعال وبالأيدي، فأنزل الله -  - هذه الآية في ذلك.

وقال قتادة: كان بين رجلين حق فتدارا فيه، فقال أحدهما: لأخذته عنوة - لكثرة عشيرته - وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله  فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.

وجائز أن تكون الآية فيما كان بين عليّ بن أبي طالب -  - وبين الحرورية وأهل النهروان؛ ذكر أن عليّاً -  - لما قتلهم فقال الناس: هم مشركون، فقال -  -: من الشرك فروا، فقالوا: فمنافقون هم؟

قال علي -  -: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قالوا: فما هم؟

قال: هم ناس بغةوا علينا فقاتلونا فقاتلناهم.

ويحتمل أنه كان فيما كان بين علي -  - ومعاوية يوم الجمل ويوم صفين؛ ذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليّاً -  - سمع رجلا يقول يوم الجمل: هم كفروا، فقال: لا تقل ذلك، ولكن هؤلاء قوم بغوا علينا، وزعموا أنا بغينا عليهم، فقاتلناهم على ذلك.

لكن في الآية الأمر بالصلح إذا كان بينهم - أعني: المؤمنين - اقتتال بأي شيء كان بقوله -  -: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ وكذلك أمر في غير آي بالصلح والإصلاح، قال: يقال: وأصلحوا ذات بينكم، اي: بين المؤمنين.

وهذه الآية حجة على المعتزلة والخوارج، فإنه أبقى اسم الإيمان بعد ما ك ان منهم الاقتتال والبغي، والقتال والبغي مع أهل الإسلام من الكبائر دل أن الكبيرة لا تخرج عن الإيمان ولا توجب الكفر، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: فإن ظلمت إحدى الطائفتين وطلبت غير الحق ﴿ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ﴾ أي: تظلم وتجور ﴿ حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ حتى ترجع إلى أمر الله، وإلى الحق، أمر بمعونة الطائفة التي لم تبغ والانتصار لها من الباغية، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ  ﴾ وعد - عز وجل - النصر لهم، فيحتمل أن يكون ذلك النصر الموعود في الدنيا، ويحتمل في الآخرة.

وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي من غير قيد بين السيف وغيره بقوله: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ﴾ لكن متى أمكن دفع البغي وكسر منعتهم بغير السلاح فهو الحق، وهو الواجب، لكن إذا لم ينقلعوا عن البغي إلا بالقتال مع السيف فلا بأس به، فإن عليّاً -  - قاتل الفئة الباغية بالسيف ومعه كبراء الصحابة -  م - وأهل بدر، وكان هو محقّاً في قتاله إياهم دل أنه لا بأس بقتالهم بالسيف.

وبعضهم قالوا: إن قتال البغاة لا يجوز بالسيف، وقالوا: إن سبب نزول الآية في القتال بالعِصِي والنعال، ولكن لا حجة لهم فيها؛ لأن القتال بين الفئتين وإن كان بالنعال والعصي ولكن لم يصيروا بغاة في تلك الحال، وهو القتال الذي أمر الله  فيه أن يصلح بينهم، وإنما يصيرون بغاة بأن لم يجيبوا إلى الصلح ولم يقبل أحد من الطائفتين الصلح، وحينئذ أمر بالقتال معهم مطلقاً من غير قيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ ﴾ ذكر أنها وإن فاءت ورجعت إلى ما أمر الله -  - به لا يتركوهما كذلك بغير صلح، ولكن أصلحوا بينهما وألفوا حتى يتآلفوا؛ لأن أهل الإسلام ندبوا إلى التآلف بينهم والجمع، وشرط فيه الصلح بالعدل، فهو - والله أعلم - يقول: إنكم وإن رأيتم صلاحهم في الصلح فلا يحملنكم ذلك على الصلح الذي ليس فيه عدل، ولكن أصلحوا بينهم بالعدل، ولا تجاوزوا الحدّ، وأكد ذلك قوله: ﴿ وَأَقْسِطُوۤاْ ﴾ أي: أعدلوا في الصلح ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ أي: العادلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ أمر الله - عز وجل - بإصلاح ذات البين بين المؤمنين بقوله: ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ  ﴾ وأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا وتنازعوا بقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ وأمر بالإصلاح بين الآحاد والأفراد بقولخه: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ؛ لأن الإيمان يوب التآلف، وبالتآلف ندبوا، وإليه دعوا، وبه منّ الله -  - علينا؛ حيث قال: ﴿ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ أمر بالتأليف والاجتماع، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمر المؤمنين جملة أن يصلحوا ذات بينهم إذا وقع بينهم تنازع واختلاف واقتتال على ما ذكر، والله أعلم.

ثم من الناس من استدل بقوله -  -: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ على أن اسم الطائفة يقع على الواحد فصاعداً، فقال: إنه ذكر في أول الآية: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ ، [و]قال في آخره: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ فدل أن سام الطائفة يقع على الواحد فصاعداً، فقال: فيستدل بهذا على أن في قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ  ﴾ يراد به الواحد؛ فيدل على لزوم خبر الواحد العدل.

لكن عندنا ما ذكر أنه أمر بإصلاح ذات البين بين جملتهم، وأمر بالصلاح بين فريقين، وأمر بذلك بين الآحاد والأفراد، وليس في قوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ دلالة أنه أراد به الأخوين، أو ذكر ﴿ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ، وأراد به الاثنين اللذين كان الاقتتال بينهما، وفيهما هاج القتال بينهم، فأما أن يكون اسم الطائفة يقع على الواحد فلا؛ بل هو في اللغة وعرف اللسان على الجماعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي: اتقوا مخالفة أمر الله لكي تقع بكم الحرمة، أو لكي يلزمكم الرحمة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌۭ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًۭا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ١١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌۭ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ ١٣

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ ظاهر الآية نهي للجماعة عن سخرية جماعة؛ لأن السخرية إنما تقع وتكون في الأغلب بين قوم وقوم، وقلما تقع بين الأفراد والآحاد؛ فعلى ذلك جرى النهي، ولكن يكون ذلك النهي للجماعة والأفراد والآحاد جميعاً، والله أعلم.

لم يحتمل السخرية المذكورة في الآية وجهينن: أحدهما: في الأفعال، يقول: لا يسخر قوم من قوم في الأفعال عسى أن يكونوا خيراً منهم في النية في تلك الأفعال أو خيراً منهم؛ أي: أفعالهم أخلص عند الله من أفعال أولئك، وأقرب إلى القبول.

والثاني: سخرية في الخلقة، وذلك راجع إلى منشئها، لا إليهم، وهم قد رضوةا بالخلقة التي أنشئوا عليها، وعسى أن يكونوا هم على تلك الخلقة عندهم خيراً منهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عسى أن يصيروا من بعدهم خيراً من تلك الأحوال والأفعال التي هم عليها اليوم.

والثاني: عسى أن يكونوا هم عند الله خيراً منهم في الحال؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ أخبر أن الأكرم منهم عند الله -  - هو أتقاهم، ولا ما افتخروا بما هو أسباب الفخار عندهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ﴾ ذكر سخرية نساء من نساء؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم، وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية، والله أعلم.

ويحتمل أنه خص هؤلاء بهؤلاء كما خص القصاص في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...

﴾ الآية [البقرة: 178]، ثم جمع بين الأحرار والعبيد، والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم، فاشتركوا جميعاً في ذلك: الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، فعلى ذلك ذكر المعنى الذي به نهاهم عن السخرية، وهو ما ذكر ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ فذلك المعنى يجمع سخرية الرجال من النساء، وسخرية النساء من الرجال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ واللمز: هو الطعن.

ثم منهم من يقول: هو الطعن باللسان.

ومنهم من يقول: بالشدق والشفة.

ومنهم من يقول: بالعين؛ وحاصله هو الطعن فيه.

وقال القتبي: اللمز: هو العيب؛ أي: لا تعيبوا.

وقال أبو عوسجة: هو شبه العيب.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: تذكروا مساوى أنفسكم عند الناس.

وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم، وألا يهتلكوا سترهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾ أي: لا تدعوا بالألقاب، والنبز: اللقب؛ يقال: نبزت فلاناً: أي: لقبته، وفي الحجيث: "قوم نبزهم الرافضة" أي: لقبهم، ولو قال: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ لكان كافياً، لكن كأنه قال: ولا تظهروا ألقابهم فيسوءهم ما أظهرتم من اللقب، والله أعلم.

طثم قال بعض أهل التأويل: إنما نهو عن ذلك؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق، ويلقبونهم بذلك، ويقولون: يا كافر، يا فاسق، ونحو ذلك، ودل على ذلك قوله -  -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ .

وجائز أن يلقبوا بذلك وبغيره من الألقاب، فنهوا عن أن يسموهم بغير أسمائهم التي كانت لهم، وأن يعرفوا بأسمائهم اتي لهم، ونهوا عن التعريف بالألقاب وتغيير الأنساب والأسماء التي لهم إذا كان التعريف بذلك يسوءهم ويغطيهم، والله أعلم.

ثم قال الله -  -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ أي: واضعون الشيء في غير موضعه، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا؛ أي: بئس النسبة إلى الفسق التي كانت والتسمية بها بعد الإيمان إلى الاسم والفعل الذي كان له ومنه قبل الإيمان؛ كأنه قال: لا تسموهم بتلك [الأسماء] بعد الإيمان، والله أعلم.

والثاني: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ أي: بئس ما اختار من اسم الفسق بعدما كان اختار اسم الإيمان وفعله، فهذا يرجع إلى اختيار الفسق بعد الإيمان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ .

هاهنا أسماء ثلاثة يجب أن يتعرف ما محلها؟

وما قدرها؟

وكيف أسبابها؟

أحدها: الظن، والثاني: الشك، والثالث: العلم واليقين.

أما الظن فكأه هو الذي له ظاهر الأسباب التي لها خوف الزوال والانتقال.

والشك هو الذي فقد ظاهر أسبابه، أو له استواء الأسباب، ومقابلة بعضها بعضاً، فهو المتردد بين الحالين، لا يقر قلبه على شيء.

واليقين هو الذي له الأسباب الظاهرة التي ليس لها خوف الزوال الانتقال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ﴾ كأنه نهى أن يحقق أو يعمل في صاحبه بسوء على ظاهر الأسباب التي هي على شرف الزوال وطرف الانتقال يجوز أن تكون غير متحققه في الأصل أو زائلة، والله أعلم.

ثم في الآية دليل على أنه ليس كل ظن يجتنب عنه، ولا كل الظن يكون إثما؛ لأنه استثنى منه بعضه بقوله: ﴿ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ فجائز أن يكون ما استثنى من الظن، ولا يأمر بالاجتناب عنه هو ما يغلب عليه الأسباب، وغالب الأسباب ربما تعمل عمل العلم واليقين بحق المكره على شيء يرخص له أو يباح العمل إذا رأى من ظاهر المكره أنه فاعل به ما أوعده، وإن كان يجوز ألا يفعل به أو لا يقدر على ما أوعده، وعلى ذلك موضوع عامة الأحكام والشرائع بين الخلق أنها على غالب الظن وضعت ليس على التحقيق، والله أعلم.

ويحتمل أن يرجع ما استثنى من الظن القليل الذي لا إثم فيه إلى الظن الحسن؛ إذ يجوز أن يظن بالإنسان الظن الحسن؛ ولا إثم فيه، إنما الأمر بالاجتناب إلى الظن بالسوء على غير تحقيق أسباب أو غير تحقيق عين ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ التجسس: هو تكلف طلب المساوئ في الناس من غير أن يظهر منهم أسبابها شيء، فنهى عن تكليف طلب ذلك أو من الإظهار وأمر بالستر، ويمثل ذلك روي في الأخبار عن النبي  .

وروي عن ابن مسعود -  - أنه قيل له: هل لك في فلان يعطر لحيته خمراً، فقال عبد الله بن مسعود -  -: إن يظهر لنا شيء نأخذه، وإلا فإن الله -  - قد نهانا عن التجسس، والله أعلم.

وفرق بعضهم بين التجسس والتحسس، فقال بعضهم: بالجيم في الشرور والمساوئ، وبالحاء في الخير وفيما يباح طلبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ الغيبة ترجع إلى وجهين: أحدهما: أن يذكر ما فيه من مساوئ الأفعال التي سترها عن أعين الناس مما يكره إظهار ذلك عنه.

والثاني: يذكر ما فيه من قبح الأحوال والأخلاق التي لا يكاد يذكر ذلك منه أو يظهر، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  أنه نهى أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره، فقيل: إنما كنا نذكره بالشيء الذي فيه، لا بما ليس فيه، قال: "ذلك البهتان".

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ أي: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد موته، فكأنه يقول: فإذا لم يحب هذا وكرهه؛ بل يستقذره كل استقذار فالغيبة هي تناول من أخيك وهو حي، فهو في القبح يبلغ التناول منه بعد موته، فإنه كان لا أحد يتناول من لحم أخيه بعد موته، لا في حال اختياره، ولا في حال اضطراره، فلا تغتابوا ولا تذكروا منه ما فيه؛ فإنه في القبح ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ﴾ تأويل الآية على وجهين: أحدهما: إنما خلقناكم جميعاً من أصل واحد، وهو آدم وحواء - عليهما السلام - فيكونون جميعاً إخوة وأخوات، وليس لبعض الإخوة والأخوات الافتخار والفضيلة على بعض بالآباء والقبائل التي جعلنا لهم، إنما القبائل وما ذكر للتعارف والفضيلة والكرامة فيما ذكر ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ مع ما لو كان في ذلك فضيلة وافتخار، فالكل في النسبة إليهم على السواء؛ فلا معنى لانفراد البعض بالافتخار.

والثاني: يحتمل: إنا خلقنا كل واحد منكم من الملوك والأتباع، والحر والعبد، والذكر والأنثى من ماء الذكر والأنثى، فليس لأحد على أحد من تلك الجهة التي يفتخرون بها الافتخار والفضيلة؛ إذ كانوا جميعاً من نطفة مذرة منتنة تستقذرها الطباع.

ذكر هذا؛ ليتركوا التفاخر والتطاول بالأنساب والقبائل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ ، ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ : قال بعضهم: الشعوب أكبر من القبائل، فالشعوب هم الأصول، والقبائل: الأفخاذ منهم، فالشعوب للعرب، والأمم والقرون للعجم.

وقال بعضهم: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب.

وقال أبو عوسجة: الشعوب: الضروب، وهي القبائل، والواحد: شعب، والشعب الاجتماع؛ يقال: شعبت الإناء: إذا انكسر فجمعته وأصلحته، ويسمى من يصلح الإناء: شعاباً، والشعب: التفريق - أيضاً - والشعوب: المنية، ونحو ذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ أي: جعل فيكم هذه القبائل؛ ليعرف بعضكم بعضاً بالنسبة إلى القبائل والأفخاذ؛ فيقال: فلان التميمي والهاشمي؛ إذ كل أحد لا يعرف بأبيه وجده.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ بين الله -  - بما به تكومن الفضيلة والكرامة، وهي التقوى، لا فيما يرون ويفتخرون بذلك، وهو النسبة إلى الآباء والقبائل؛ بل ذلك لما ذكر من التعارف؛ وهذا لأن التقوى فعله، وهو إتيان الطاعات والاجتناب عن المعاصي، وذلك مما يأتيه تعظيماً لأمر الله -  - ونهيه.

وجائز أن تنال الفضيلة والكرامة بفضل الله وكرمه بناء على فعله، فأمّا ما لا فعل له في التولد من آباء كرام فأنى يستحق الفضل بذلك لو كان افتخاراً بما يكون للآباء بمباشرتهم أسباب حصول الأولالد ليوحدوا الله -  - ويتمسكوا بطاعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

۞ قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٤ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ ١٥ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١٦ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٧ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ﴾ هذه الآية وإن خرجت على مخرج العموم، ولكن أراد بها الخاص، وهو بعض الأعراب؛ إذ في الإجراء على العموم يؤدي إلى الكذب في خير الله -  - عن ذلك؛ إذ لا كل الأعراب قالوا ذلك، ولا كل الأعراف يجب أن يقال لهم: لم تؤمنوا، ولكن يقال لهم: قولوا: أسملنا، فهو يرجع إلى خاص من الأعراب، فكأنه يرجع إلى أهل النفاق منهم، فإنهم أخبروا أنهم آمنوا، ولما آمنوا فلما اطلع الله - عز وجل - رسوله أنهم لم يؤمنوا، ولكنهم أستسلموا وخضعوا للمؤمنين ظاهراً؛ خوفاً من معرة السيف، وطمعاً فيما عند المسلمين من الخير، فنهاهم أن يقولوا: آمنا، إذا لم يكن في قلوبهم ذلك، وأمرهم أن يقولوا: أسملنا، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: خضعنا واستسلمنا، ليرتفع عنهم السيف.

ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران، فإنه غاير بينهما؛ حيث نهاهم أن يقولوا: آمنا وآمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ولو كان واحداً لم يصح هذا؛ لأنا نقول: لم يرد بهذا الإسلام هو الإسلام الذي هو الإيمان، ولكن أراد به الاستسلام والانقياد الظاهر، وهو كما يسمى: إسلاماً يسمى: إيماناً - أيضاً - من حيث الظاهر، فأما حقيقة الإيمان والإسلام ترجع إلى واحد، لأن الإيمان هو أن يصدق كل شيء في شهادته على الربوبية والواحدانية لله -  - والإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالماً، لا شركة لأحد فيه، فمتى اعتقد أن كل شيء في العالم لله -  - وهو الخالق له، وكل مصنوع شاهد ودليل على صانعه فقد صدقه في شهادته على صانعه، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ الإيمان ليس هو محسوساً مركباً يدخل في القلب أو لا، ولكن معناه: نفى فعل القلب، وهو التصديق؛ كأنه قال: ولم تؤمن قلوبهم؛ على ما ذكر في آية أخرى ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون بالقلب، ولكن باللسان والقول، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم، ثم أخبر أنهم لم يؤمنوا، وهم يقولون: بل قد آمنوا.

فيقال لهم: ﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ  ﴾ ، ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ  ﴾ .

وفي هذه الآية آية عظيمة على رسالته؛ حيث قال له: ﴿ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ﴾ وقد قال لهم - عليه الصلاة والسلام - ذلك، ولم يتهيأ لهم إنكار ذلك القول، فعرفوا أنه بالله عرف ذلك، ولم يظهروا ما في ضميرهم خوفاً من السيف ليعرف النبي  والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ﴾ جائز أن تكون الآية صلة ما ذكر في سورة الفتح للمنافقين بعد تخلفهم عن أمر الحديبية مع المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ  ﴾ وما ذكر من أمرهم في غير آي من القرآن، يقول: ﴿ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ﴾ يقول: إن تطيعوا الله ورسوله فيما يدعوكم الرسول إلى الخروج إلى الجهاد والقتال بعد تخلفكم عن الحديبية لا ينقصكم من أعمالكم التي كانت لكم شيئاً، و الله أعلم.

ويحتمل وإن تطيعوا الله ورسوله بعد وفاة رسول الله  لم يلتكم من أعمالكم شيئاً، أي: لم ينقصكم من أعمالكم التي عملتموها من قبل، ولم تضلوا أعمالكم التي عملتم من بعد، وإن عصيتموه وتخلفتم عنه في حياته؛ لأنه قال: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ قد كان نهاهم عن الخروج معه للغزو أبداً، فيقول: إن تطيعوا بعد وفاته وتجاهدوا في سبيل الله لم يلتكم من أعاملكم شيئاً؛ بل يقبل ذلك منكم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون في المنافقين، فيكون فيها وعد المغفرة للمنافقين إذا تابوا وأطاعوا الله ورسوله، كما وعد المغفرة لجميع الكفرة إذا تابوا عن الكفر بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ فعلى ذلك هذا، وهو كقوله  : ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

قال بعضهم: هذا في جميع المؤمنين: إن من أطاع الله ورسوله لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً؛ أي: لا يضيع أعمالكم؛ بل يثيبكم؛ كقوله -  -: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ  ﴾ أي: من عمل لله لا يضيع، ومن عمل لغيره قد يضيع، فلا يظفر على ثوابه بشيء.

ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين أسلموا؛ يقول: إذا أسلمتم فلم ينقصكم من ثواب أعمالكم ما سبق منكم من الكفر، وهو كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ كأن هذا ذكر مقابل ما تقدم من قول المنافقين؛ حيث قال: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ ، فقال لهم: قل: لم تؤمنوا أنتم، إنما المؤمنون هؤلاء، ثم نعتهم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ أخبر أن هؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، وأنتم يا أهل النفاق بحث أضمرتم الخلاف له ولم تجاهدوا معه فلستم بصادقين في إيمانكم، فجعل الجهاد دليل ظهور الصدق في الإيمان، لا أنه من شرائط الإيمان الذي لا يجوز الإيمان الذي دونه.

ويحتمل: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ؛ أي: صدقوا الله ورسوله سرّاً وعلانية على الحقيقة، لا الذين أظهروا ولم تكن قلوبهم مصدقة لذلك كالمنافقين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ ﴾ أي: لم يشكوا في حادث الوقت؛ بل جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ إظهاراً لتحقيق الإيمان وصدقه، وليسوا كالمنافقين الذين ارتابوا وشكوا في إيمانهم، وتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله  ، والله أعلم.

ثم قال الله -  -: ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ كأنه صلة قوله -  - ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ حيث قالوا ذلك بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما في قلوبهم من الإيمان والشك والخلاف، كأنهم حين قال لهم الرسول  : لم تؤمنوا، فجلوّا في ذلك وقالوا: بل آمنّا؛ ظنوا أنه إنما قال ذلك من دأب نفسه، فقال عند ذلك قل: ﴿ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ يخير أن الذي أنبأني وأخبرني بذلك هو الذي يعلم غيب ما في السماوات وما في الأرض، وهو بكل شيء مما في القلوب من الصدق وغيره عليم، فكيف تعلمون الله بأنكم مؤمنون، وهو يعلم أنكم لكاذبون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ﴾ الذي حملهم وبعثهم على الامتنان عليه بالإيمان الذي أتوا به أنهم قوم لا يؤمنون بالآخرة؛ فيظنون أنهم إذا أظهروا الموافقة لم يلحقهم بسببه مؤنة الخروج إلى القتال.

أو متى أظهروا الإيمان يصير المسملون أعوانً لهم، ونحو ذلك.

هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم وحملهم على الامتنان عليه، ولو كانوا يؤمنون بالآخرة لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم؛ إذ به نجاتهم، وإليهم يقع نفعه، ليس في الإيمان لله -  - نفع، ولا في تركه ضرر،  عن الضرر والنفع، فيكون الامتنان لله -  - عليهم كما قال: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ثم [في] قوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ نقض قول المعتزلة: إنه يجب على الله -  - أن يهديهم؛ لقولهم بالأصلح، فإنه قال: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ﴾ ولو كانت هدايتهم و اجبة عليه لا يكون له عليهم منة؛ لأنه مؤد [ما] عليه لهم من الحق، ومن أدى حقّاً عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق، وكذلك في قوله -  -: ﴿ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً  ﴾ لو كانت الهداية [واجبة] عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعماً، بل يكون لهم عليه الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقّاً واجباً له؛ فدل على فساد مذهبهم.

وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب؛ لوجهين: أحدهما: لأن هداية البيان مما قد كان فيحق الكافر والمسلم جميعاً، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهمه.

والثاني: أن البيان قد عم الكافر والمؤمن، وقد أخبر الله -  - بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم؛ لأن منة البيان نعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية: الإسلام، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين، والله الموفق.

ثم الهداية المذكرة - هاهنا - تحتمل وجهين: أحدهما: خلق فعل الاهتداء منهم.ط والثاني: التوفيق والعصمة؛ كأنه يقول: بل الله يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان، وعصمكم عن ضده، وكذلك يخرج قوله -  -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ على هذه الوجهين: وفقكم له وعصمكم عن ضده، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد؛ أي: هو بصير بما أسروا وأعلنوا، ليكونوا أبداً على يقظة وحذر، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله