تأويلات أهل السنة سورة ق

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة ق

تفسيرُ سورةِ ق كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 62 دقيقة قراءة

تفسير سورة ق كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ ١ بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ ٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌۭ ٣ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ ٤ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِىٓ أَمْرٍۢ مَّرِيجٍ ٥ أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍۢ ٦ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ٧ تَبْصِرَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ ٨ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ مُّبَـٰرَكًۭا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ٩ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍۢ لَّهَا طَلْعٌۭ نَّضِيدٌۭ ١٠ رِّزْقًۭا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ ١١

قوله - عز وجل -: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ قۤ ﴾ اسم هذه السورة، ولله -  - أن يسمي السور بما شاء: ﴿ قۤ ﴾ كناية؛ كما سمى كتابه: قرآنا، وزبوراً، وتوراة، وإنجيلا؛ أقسم بهذه السورة والقرآن جملة.

ويحتمل أن يذكر ﴿ قۤ ﴾ كتابة عن جميع الحروف المقطعة، والقرآن هو اسم الحروف المجموعة المقطعة؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعاً.

ومن الناس من يقول: ﴿ قۤ ﴾ اسم للجبل المحيط بالأرض، وهو ياقوتة خضراء أو ياقوتة حمراء، فخضرة السماء من ذلك؛ أقسم الله -  - به وبالقرآن.

والأول أشبه وأقرب؛ لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته، والقسم في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يعرفه من أريد القسم في حقه، فأما إذا لم يعرف ولم يعظم ذلك في عينه يخرج القسم مخرج العبث  الله عن ذلك، إلا أن يقال: أن يكون هذا القسم في حق أهل الكتاب، فإنه قد كان لهم كتاب يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل قد بلغتهم ذلك، وكذا الظاهر أن القسم في حق العرب فدل أن الأول أشبه.

ثم هذه الحروف المقطعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول الله  بطريق التواتر والاشتهار، ولم يثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أنهم سألوا رسول الله  عن ذلك، فسبيله الوقف فيها؛ لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا من جهة السمع، فلما لم يظهر [ذلك] من أصحاب رسول الله  دل أنهم تركوا ذلك، وإنما تركوه لوجوه: إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها وتركوا سؤالها؛ لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل.

وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع الله -  - الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له تفسير، وكأن ذلك مما اختص الرسول  بمعرفته؛ لقوله -  -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ  ﴾ فلم يسألوا منه بيان ذلك.

وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا يطلب فيها المعاني؛ لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي  كما أن أصحاب رسول الله  تركوا سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تصمنته الآيات، وعرفوا المراد مها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المراد، فلم يحتاجوا إلى السؤال.

وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاماً عرفوها، فتركوا السؤال، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم، واختلف فيه: قال بعضهم: موضع القسم في آخر السورة: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ...

﴾ الآية [ق: 16].

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية [ق: 38].

وقال بعضهم: موضع القسم قوله -  -: ﴿ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أقسم بقوله: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ بأن الكفرة في أمر مريج.

ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا؛ كما قال: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ ذكر - هاهنا - عجبهم من شيئين.

أحدهما: ما ذكر ﴿ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من البشر ﴿ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ وهو كقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ وقولهم: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر.

والثاني: من الإحياء بعد الموت؛ لقولهم ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت، فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو يحيون بعد الموت، أقسم بما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ أنه يكون ذلك ردّاً لإنكارهم وتعجبهم، والله أعلم.

ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بُعِثَ من البشر رسول؟

أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده - وهم الملائكة - وأبداً إنما بعث الرسل من كان عند المرسل، لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وإن تعجبوا منه؛ لأن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقة وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست بآيات؛ لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك؛ لما أن القوى تختلف عند اختلاف الجنس؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات، والله الموفق.

ولأن كل ذي نوع من نوعه، وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه آنس من خلاف جنسه ونوعه، كفان الغرض وهو التأليف والأجتماع في هذا أقرب إلى الحصول، والله أعلم.

ثم قولهم: هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد؛ لأن الخلائق جميعاً من حيث العند لله -  - واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له، والائتمار بأمره، وترك الخلاف له، فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا، إذ ذاك وصف المتمكن في المكان،  الله عن ذلك علوّاً كبيرا.

فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لايوجب الفضل بين البشر والملاكئة؛ بل من جهة البشر أحق؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - والله أعلم - بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا؟

ولا أحد في الشاهد يبني بناء فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء بالأعمال يكون حضرة الأفعال، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار، لا إيمان اختيار وإيثار؛ لأن من عاين أنه يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به؛ بل يتركه، وكذا أن من عاين أن من آمن بالله -  - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك العمل، فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخر ذلك؛ ليكون الإيمان بحق الاختيار حتى يكن له قيمة.

ثم قوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ وصف القرآن مرة بأنه كريم، ومرة بأنه حكيم، ومرة بأنه مجيد، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير مجيداً، كريماً، حكيماً؛ أي: منزلة مجيد، كريم، حكيم.

ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال: كلام حكمة، وكلام سفه، وإنمنا يراد به عينه؛ فعلى هذا يحتمل، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: المجيد: الماجد، والتمجيد: التعظيم، وأمجدت الدابة من الملف: إذا أكثرت [من] ذلك، وأمجد القوم: إذا أكثروا من الطعام والشراب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ قد ذكرنا تأويله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أي: لا يكون؛ كنوا بالبعيد عما لا يكون عندهم؛ كذلك قال القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أي: رد، يقال: رجع رجعً: إذا رد، ورجع رجوعاً: إذا انصرف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث؛ أي: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنى نحيا بعد ذلك؟!!

وهو كقولهم: ﴿ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ ونحوه.

لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله -  - أنه قال ذلك جواباً لقولهم: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ فقال: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي: عن علم منا بما تأكل منكم وتنقص قلنا: إنكم تبعثون وتحيون، وعلى علم منا بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ أي: عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم.

وقال بعضهم: أي: مع علمي فيهم هم عندنا في كتاب حفيظ.

وقال قتادجة: ما أكلت الأرض منهم وكانوا تراباً، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: بالقرآن.

ويحتمل: أي: محمد  وقد كذبوا بهما جميعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرِيجٍ ﴾ قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: مختلط؛ يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي مرجاً: إذا قلب للهزل، أي: تحرك.

وقيل: مضطرب مختلف؛ وهكذا كان قولهم مختلفاً مضطرباً مختلطاً في القرآن والرسول جميعاً؛ قالوا في الرسول  أقوالا مضطربة مختلفة: مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على الله -  - وأنه يتلقاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك للآخر، وكذلك قالوا في القرآن مرة: إنه سحر، ومرة إنه شعر؛ وإنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: في ضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر، والبعث بعد الموت بقوله: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ كأنه يقول: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة، ملتصقة بعضا ببعض، منضدة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها، وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتاداً؛ لئلا تميد بأهلها، حتى عرفوا أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها، ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثاً باطلا، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثاً باطلا، ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة، فلما كان فعل ذلك لكه على التدبير الذي ذكر، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى، لا يأمر، ولا ينهى، ولا يمتحن، فيكون عبثاً؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من الخلائق، وإذا كان كذلك فلا بد من رسول يخبرهم ويعلمهم ما لا يقف عليه العقل من كيفية شكر المنعم، ومقداره، ووقته، ونحو ذلك، يؤكد ذلك الأمر والنهي بالوعد والوعيد، ثم كان له وضع الرسالة فيمن شاء، وفي أي جنس شاء؛ لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ من التدبير والجهل بالأصلح والأوفق بالحكمة؛ فدل ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: انظروا إلى ما ذكر.

والثاني: قد نظروا بأبصارهم، لكن لم ينظروا نظر معتبر بنظر القلب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ قيل: من صدوع وشقوق، والواحد: فرج، وهو الموضع بين الموضعين، والفرجة من الفرج، ومنه يقال: فوجت عنه الغمّ؛ أي: كشف، وهو كقوله -  -: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ  ﴾ أخبر أنكم لم تروا في السماء شقوقاً وفطوراً، وفي الشاهد البناء وإن عظم وأحكم لا يخلو من نقصان أو شقوق ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلا دلكم ذلك على أن خالقه قادر على الكمال لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ اسم الزوج يقع على الشكل والضد، وكل ذي شكل هو ذو ضدّ.

والبهيج ما يبهج به، فمعناه: أنبتنا من كل زوج ما يبهج به أهله ويسرون بذلك من ألوان النبات وجواهرها.

وقال القتبي: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ما يبهج به أهله؛ أي: من كل جنس حسن؛ يقال: بَهُجَ يَبْهُج بهجاً فهو بهيج؛ أي: حسن، وأما من السرور، فيقال: بَهج يَبْهج بهجاً فهو بهيج؛ أي: سرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ أي: تبصر ذل كل عبد منيب؛ أي: منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله -  - والمقبل على طاعته، فأمّا من اعتقد الخلاف له فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً ﴾ سماه: مباركاً؛ لأنه يستعمل في أمر الدين والدنيا، ويطهر به كل شيء ويزين، وبه حياة كل شيء ونماؤه، والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ يقول: أنبتنا بذلك الماء المبارك المنزل من السماء ﴿ جَنَّٰتٍ ﴾ أي: بساتين، والمكان الذي جمع فيه كل انواع الشجر سمي: بستاناً وجنّة.

وقوله: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ أي: أنبت ذلك الماء كل حب حصيد، فدخل تحت قوله: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ أنواع الشجر والغربي والبنات.

ثم قوله -  -: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ الحب الحصيد هو الحب نفسه، لكن أضاف الحبّ إلى الحصيد، ويجوز مثل هذا؛ كما يقال صلاة الأولى، ومسجد الجامع.

وقال بعضهم: هما غيران؛ الحب: ما يخرج منه، والحصيد: ما يحصد من العصف الذي يصير نبتاً؛ لأن الحب لا يحصد، وإنما يحصد الساق منه؛ لذلك أضاف الحب إلى الحصيد، وهو شجرة وقوامه؛ لذلك أضيف إليه؛ كما يقال: ثمر الشجر، ونحو ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ .

قوله: ﴿ وَٱلنَّخْلَ ﴾ أي: طوال؛ يقال: بسق الشيء بسوقاً إذا طال.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بَاسِقَاتٍ ﴾ أي: حوائل.

يخبر الله - عز وجل - عن بركة الماء أنه بلطفه جعل الماء بحيث تظهر بركته ونماؤه وأثره على رأس النخل، وإن طال يسقى الأصل؛ لما جعل في سيرته من البركة، والمعنى ما يظهر ذلك، ولا يعلم حقيقة ذلك المعنى.

وقوله: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ أي: منضود، والطلع: أول ما يخرج من النخل فيحمل، والتنضيد: هو التأليف والتركيب؛ أي: يؤلف بعضه إلى بعض ويركب، ويسمى ذلك: كُفُرَّى، وإذا نضج استوجب الطلع ويعرف وصار رطباً.

وقال أبو عوسجة ﴿ نَّضِيدٌ ﴾ أي: متراكم بعضه من على بعض، والميل المتراكم يقال له: منضود، والتنضيد: هو جعل [الشيء] بعضه فوق بعض، ونضد الشيء بنفسه فهو نضيد.

وقيل: ﴿ نَّضِيدٌ ﴾ أي: كثير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ ﴾ أخبر أن ذلك كله إنما أنبته وأخرجه رزقاً للعباد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْيَيْنَا بِهِ ﴾ أي: بالماء ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ أي: أحيا بالماء كل بلدة ميت، وكل بقعة ميتة، وكل غرس، فصار به كل حي ونماء كل شيء.

ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ ﴾ ، أي: كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها، وإحياء النبات والغرس، وكل شيء بعد موته بذلك الماء، فعلى ذلك قادر على إحيائكم بعد موتكم، وبعدما صرتم تراباً.

والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم تكن أكثر لم تكن دن ما في إحياء الناس من بعد موتهم، فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر وأقروا به، كذلك لزمهم أن يقروا به في إحياء كل شيء، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢ وَعَادٌۭ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَٰنُ لُوطٍۢ ١٣ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍۢ ۚ كُلٌّۭ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤ أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍۢ مِّنْ خَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٥ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ١٦ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌۭ ١٧ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ ١٨

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ذكر هذه الأنباء لوجهين: أحدهما: يصبّر رسوله على أذى قومه وتكذيبهم أياه كما صبر أولئك يقول: إنك لست بأول رسول كذبه قومه، بل كان قبلك رسل كذبهم قومهم، فصبروا على ذلك؛ فاصبر - أيضاً - وهو كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: يحذر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم.

وعلى هذين المعنيين جميع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم.

ثم أصحاب الرس اختلف في الرس: [قيل]: هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله  .

وقل: الرس: هو الوادي.

وقال بعضهم: الرس: هو خد خدوه وجعلوا فيه الناس، وأحرقوا فيها نبيهم،  .

وقال بعضهم: سموا بذلك لأنهم رسوا نبيهم -  - في البئر.

وقال بعضهم: هم قوم الرسل الذين ذكره في سورة يس بقوله -  -: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ  ﴾ .

وعن الأصم أنه قال: الرس: كل موضع خدّ فيه؛ ولذلك سمي الخد: خدّاً؛ لجري الدمع عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴾ أي: قوم لوط.

وقوله: ﴿ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ﴾ قيل: إنه كان رجلا مسلماً صالحاً، مدحه الله -  - وذم قومه، سمي: تبعاً؛ لكثرة أتباعه.

ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه من كان؟

وما اسمه؟

كما ذكر بعض أهل التأويل؛ لما لم يذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر؛ احترازاً عن الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ يخوف أهل مكة أو أولئك الذين ذكرهم جميعاً قد أهلكوا بتكذيبهم الرسل، فحق علهيم الوعيد بذلك؛ فعلى ذلك يحق عليكم ذلك الوعيد بتكذيب الرسول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أعجزنا عن الخلق؛ أي: حيث لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني؟!

والثاني: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أجهلنا وخفي علينا تدبير الخلق الثاني، وابتداء تدبير الخلق الأول وإنشاؤه أشد عندكم من إعادته، والإعادة عندكم أهون، فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشائه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة؟!

ثم قال بعضهم: الخلق الأول هو آدم،  .

وقال عامتهم: هو ابتداء خلقهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي: هم في شك واختلاط من خلق جديد؛ لما تركوا النظر في سبب المعرفة؛ ليقع لهم العلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ هو يخرج- على وجهين: أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفها وحبسها عما تدعو به إليه نفسه وتهواه ويصرفها إلى مايدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله -  - ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ  ﴾ وقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ ، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال الله -  -: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ  وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا  فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ ، وقال في أية أخرى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ونحوه كثير من القرآن.

والثاني: يذكر ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أي: نحن مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله -  - هو العلم بذلك، وهو المطلع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ  كِرَاماً كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  ﴾ أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ظاهراً، أما ما يسرون في قلوبهم فالله هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا أبداً على اليقظة والحذر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ \[لا\] يفهم من قرب الرب -  - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى الله -  - وإنما يكون قرب العبد إلى الله -  - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد والخضوع له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله -  - لا قرب شيء [من شيء] آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب الله -  - إلى العبد للإجابة له، والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته إياه، وإجابته.

ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهراً وباطناً، والله أعلم.

وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكرب من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  ﴾ وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة العلم به؛ كقوله -  -: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ  ﴾ يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، وأولى به في الإجابة، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي  : "من تقرب إلى [الله] شبراً تقرب منه شبرين" على ما ذكرنا من قرب الطاعة له, وقرب الرب إليه: بالنصر والمعوننة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ قال بعضم: عرق العنق، والوريد: العنق.

وقال بعضهم: هو عرق بين القلب والحلقوم.

وقال بعضهم: هو عرف القلب معلق به، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ أي: اذكر تلقي المتلقيين، أو احفظ تلقي المتلقيين، أو احذر تلقي المتقليين، وهما الملكان المسلطان على أعمالك وأقوالك؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان؛ يذكر هذا ويخبرهم أن عليهم حافظاً ورقيباً، وإن كان هو -  - حافظاً لجميع أفعالهم وأقوالهم، عالماً بها فحفظ الملائكة وكتابتهم، وعدم ذلك بمنزلة [واحدة] في حق الله -  - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة: أحدها: ليكونوا على حذر أبداً مما يقولون ويفعلون؛ على ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظاً ورقيباً في أمر يكون أبداً على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظاً ويكتب ذلك عليه، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله -  - فيستحي من ذلك أشد الأستحياء - يكون ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع، وإلا كان إحصاء ذلك على الله -  - مع الكتاب وغير الكتاب سواء؛ إذ هو عالم بذاته، لا بالأسباب، وهو تأويل ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى  ﴾ ، والله أعلم.

والثاني: من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقولهم، وكتابة ذلك، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء السجود، ومن شاء بحمل العرش والكرسي، ومن شاء بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر، مما في ذلك منافع بني آدم، ويكون ذلك كله بحق العبادة؛ ليعلم أن من امتحن منهم بالركوع، والسجود، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك، ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء؟

وفيم شاء؟

ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم.

والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع أو السجود، أو القيام، أو التكبير، أو التهليل، ونحو ذلك، ومن محنة بن آدم من إقامة العبادات، والامتناع من المحرمات، ونحوها إذا لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه؛ فدل أن هذا التأويل محتمل.

والثالث:: وهو أن الله -  - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم، وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم، ولا رأى كتابهم، ولا سمع سوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام مرئية؛ ليعلموا بذلك قدرة الله -  - على ما شاء من الفعل، وألا يقدروا قوة كل خلق الله -  - بقوة أنفسهم، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجساماً مرئية؛ حيث يرى بعضهم بعضاً.

ثم أخبر وقال: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً  ﴾ أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها، وبحجاب يكون في ذلك الدنيا، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك؛ فتبصر في الآخرة.

وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله -  - أنه لو كان يرى في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك، فعلى ذلك رؤية الله.

ثم قراءة العامة: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ ، وقرأ ابن مسعود -  -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ ﴾ فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد؛ أي: يأخذ الملكان عن بني آدم ما فعلوا وقالوا.

[و] على قراءة العامة يخرج على وجهين: أحدهما: أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل.

والثاني: أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك؛ على ما روي عن أبي أمامة -  - أنه قال: قال رسول الله  : "صاحب اليمين [أمير] على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة، قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر الله -  - لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة" ويجوز أن يكون أحدهما كاتباً دون الآخر، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك؛ لما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد  ﴾ ، ولم يقرأ: قال: قريناهز ويجوز أن يكون المتقليان جميعاً يكتبان؛ على ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: كاتبان: كاتب عن يمينه، وكاتب عن يساره، فيكتبان الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب، ويلقون ما سوى ذلك.

وروي - أيضاً - عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ، وما سوى ذلك فلا.

ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله -  -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ إلا أن يقال: المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم، وكما قال في آية أخرى: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ أي: لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .

في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال، لا [ما] في الضمائر، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون الله -  - أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك ويكتبونه، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ قال القتبي: أراد ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر، و ﴿ قَعِيدٌ ﴾ بمعنى قاعد؛ كما يقال: قدير وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي: مؤاكل ومشارب، ﴿ قَعِيدٌ ﴾ ؛ أي: مقاعد؛ وبه قال أبو عوسجة: ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من المقاعدة؛ كما يقال: قعيدي وجليسي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ الرقيب: الحفيظ، والعتيد، الحاضر، أي: ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، و الله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ١٩ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ٢٠ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّعَهَا سَآئِقٌۭ وَشَهِيدٌۭ ٢١ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ ٢٢ وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ٢٣ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍۢ ٢٤ مَّنَّاعٍۢ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍۢ مُّرِيبٍ ٢٥ ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦ ۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ ٢٧ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ٢٩ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍۢ ٣٠ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ٣١ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍۢ ٣٢ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍۢ مُّنِيبٍ ٣٣ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍۢ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ ٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌۭ ٣٥

قوله - عز جل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ قال أبو عو سجة: ﴿ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ﴾ أي: شدته.

يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة.

ثم الآية ترخج على وجهين: أحدهما: أن تُجْرِى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة ﴿ جَاءَتْ ﴾ أي: جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين و لامستعدين له، والله أعلم.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَجَاءَتْ ﴾ بمعنى تجيء، وكذلك ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ ﴾ وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟

أو من أهل الجنة أو من أهل النار؟

وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، إن كان مؤمناً وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافراً وقد أوعد له النار فيتحقق له ذلك.

ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ  ﴾ يقل: لم يخلق الخلق للخلود وفي الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد م نالمت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ يحتمل وجهين: أي: أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكره، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه.

والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  ﴾ أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده.

ثم الحيد: الميل والكراهة.

وقال أبو عوسجة: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيداً فهو حائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ .

يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون.

ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد.

ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر وهو أن يسأل، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضاً هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، وهذا للكافر خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ .

قال بعضهم: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله.

وقال بعضهم: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته.

وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشيهد هو عمله الذي عمل في الدنيا.

وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله  : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

واصله ما ذكر في قوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ  ﴾ ، و ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ  ﴾ ، ذكر السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ ، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، فيشهدون في الآخرة: إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان خيراً فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ .

يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد.

أو في غفلة عما أوعدت من المواعد والشدائد التي عاينتها ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ﴾ أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له ﴿ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أي: ثاقب نيّر، يبصر الحق؛ كقوله -  -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا  ﴾ .

وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - والله أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ماعمل فه وعندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة على هذا القول.

ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: ﴿ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم حاضر.

ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ  ﴾ على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.

وجائز أن يكونا يكتبان جميعاً بقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ الانفطار: 11] لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ أي: كل واحد منهما قعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب بقوله -  -: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ كأن الأمر بذلك لهما.

ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ لكن قال: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لوجهين: أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.

والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله ﴿ أَلْقِيَا ﴾ أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله -  -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ \[المؤمنون: 36\] على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ كل كفار لنعم الله -  - حيث صرف شكرها إلى غيره.

أو كل كفار لتوحيد الله، وتسمية غيرٍ: إلها.

والعنيد، قال بعضهم: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، من عند يعند عنوداً، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند.

وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه.

وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.

والثان]: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي: منع ماعنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.

وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة كل كافر؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً  ﴾ فلا معنى لتخصيص واحد به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ﴾ المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله -  - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي فيه الشك والفساد جميعاً.

ثم نعت ذلك الإنسان فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ ، أي: وصف وذكر مع الله إلهاً آخر، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً  ﴾ أي: قالوا ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ وصف نار جهنم بالشدة؛ لما أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله -  -: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ قرِينُهُ ﴾ أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه.

ثم هذا القول من قرينه إنما بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني عليه، كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، فيقول رفيقه: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحياناً ينكرون الشرك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ  ﴾ ، وأحياناً يقولون: هؤلاء أضلونا، وأحياناً يلعن بعضهم بعضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ أي: كان في ضلال لا يرجى الرجوع ولا الانقطاع.

وقال بعض اهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ .

لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى انه قال: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عز وجل - في غير آي من القرآن؛ قال الله -  - ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ  قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله - عز جل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين ﴿ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ : خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ وما ذكر من لعن بعضهم بعضاً ومن تبري بعض عن بعض، فقال -  عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره.

كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله.

فإن قيل: قال هاهنا: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ ، وقا ل في موض آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ قيل: هو يخرج على جوه: أحدها: أن قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ في أهل القبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.

والثاني: ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع، والآخرى في موضع، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعاً بين الآيتين، وهو كقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وقال في آية أخرى: ﴿ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ  عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا.

والثالث: جائز أن يكون قوله -  -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ في الدين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به، وأما قوله -  -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ فيما بين أنفسهم في المظالم والمغرامات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ إذ قد سبق في وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد.

والثاني: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ يتمل أنه أراد به قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ...

﴾ الآية، فأما الأيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 85].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ أي: في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القول من الله -  - لجهنم: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ، وذلك جائز أن ينطلق الله -  - جهنم حتى تجيب له بما ذكر ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تدقير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، والله أعلم.

والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ وعلى تحقيق الإجابة منها ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ولكن على التمثيل؛ لوجهين: أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت ل ها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، فتقول: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ؟

يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، والله أعلم.

والثاني: وصف لها بالعظم والسعة وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما [لو] لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: هل يبقى من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فىَّ سعة تحتمل غيرهم.

والثاني: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق امتلئ بها؟

لأن الله -  - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك.

وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة -  - عن النبي  في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفاً للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ثم هذا القول على قول المشبهة - على ما توهموا - مخالف للكتاب؛ لأنه الله - عز وجل - قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.

ثم ذكر البلحي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خوفاً مفنداً في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس -  - عن رسول الله  أنه قال: "يأتي الله -  - يبشر فيضع في النار حتى تمتلئ" فهذا يحتمل نلا ما رووا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: قربت، وذكر في آية آخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً  ﴾ ذكر - هاهنا - تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثَمَّ سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر، ولكن يحتمل وجهين: أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخرة قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، وذلك معروف.

ويتحمل أن يكون إخباراً عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز الظهور بقوله -  -: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ فهو - والله أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ﴾ فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر الله -  - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، والله أعلم.

والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، والله أعلم.

ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾ الأواب الرجاع، من الآوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجاع إلى الله -  - في كل وقت، أو رجاع إلى أمره وطاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَفِيظٍ ﴾ أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرّاً وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ و ﴿ لِّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: خاف وحذر بما أوعد.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.

والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد، وخافه وهو كقوله -  -: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ أي: عقوبته ونقمته، والله أعلم.

وقوله -0 عزو جل -: ﴿ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ والمنيب: هو المقبل على الله  بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ  ﴾ .

والثاني: السلام: هو اسم من أسماء الله  فيقال لهم: ادخلوها باسم الله  عل ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم الله  ؛ امتثالا لحديث رسول الله  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقال بعضهم: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ ، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ  ﴾ عن الخوف والحزن.

ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على الله  والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله  : ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على الله  وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما رواء ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ ﴾ : يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار بالعقوبة العذاب.

ويحتملم: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا ﴾ ، أي: لهم ما يختارون فيه، لا يبجرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل فاعل مختار.

وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ويتخيرون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة.

وقال بعضهم بأنه تنبت لهم شجرة فتنفطر لهم كل ما يشاءون، فذلك هو المزيد.

لكن يحتمل وجهين: أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله  -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ قيل: الزيادة هي رؤية الله  في الجنة.

ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله -  - في صفة نعيم الجنة: "ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ؛ لأن لأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًۭا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ٣٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌۭ ٣٧ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ ٣٨ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ٣٩ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: كم أهلكنا قبلهم من قرن، لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم، ولا الانتصار من ذلك، فيكف يملك قومك دفع ما ينزل ببهم أو أصروا على التكذيب.

والثاني: يقول: قد أهلك الذين كانوا قبل قومك: الذين كذبوا رسلهم، أهلكوا إهلاك عقوبة وتعذيب، والذين صدقوا أهلكوا بآجالهم، لا هلاك عقوبة، وقد كانوا جميعا - المصدقين المكذبين - سواء في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، فدل أن هناك دارا أخرى يفرق بينهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ : أي: صاروا في البلاد هل من مفر؟!.

وقال القتبي: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ ، أي: طافوا، وتباعدوا، ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي: هل يجدون من الموت محيصا؟

أي: مفرا.

ويحتمل: أي: تقلبوا في البلاد في تجاراتهم، فلا يجدون ملجأ يرد به هلاكهم.

يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم يجدوا محيصا فكيف تجدون أنتم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ ﴾ أي: عظة ممن كان له قلب.

والثاني: فيما ذكر من إهلاك الأمم الحالية، وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل لذكرى لمن ذكر.

والثالث: أي: فيما ذكروا من استواء المحسن والمفسد في هذه الدنيا، والصالح والطالح - لذكرى لمن كان له قلب أن هنالك دارا يميز فيها بينهما.

وقوله: ﴿ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ ، أي: عقل وفهم.

أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر.

وإنما كنى بالقلب عن العقل؛ لأن الناس اختلفوا: بعضهم قالوا: إن القلب محل العقل.

وقال بعضهم: محله الرأس، لكن نوره يصل إلى القلب؛ فيبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل؛ لمجاورة بينهما، وهو سائغ في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ ، أي: يستمع وهو شاهد سمعه وقلبه، وأصله: أن القلب جعل للوعي والحفظ بعد الإدراك، والإصابة.

ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان: [الأول:] التأمل والنظر في المحسوس.

والثاني: أن يلقى إليه الخبر وهو يستمع له، فكأنه يقول - والله أعلم -: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يطلب الرشد والصواب، وينظر، ويعي، ويحفظ.

أو ﴿ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ ﴾ ، أي: يستمع ما ألقي إليه وهو شاهد السمع والقلب؛ فتكون الذكرى لمن اختص بهذين، أو ينتفع به هذان الصنفان بالتأمل، فيرى بالعقل محاسن الأشياء ومساوئها.

أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع، فيتذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ذكرنا فيما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة أيام.

وقوله: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ، أي: من إعياء وتعب ونصب، وفيه نقض قول اليهود - لعنهم الله - صراحاً، ونفي إيهام المشبهة في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ، وتبين المراد من قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ أما نقض قول اليهود - لعنهم الله - فإنهم يقولون: خلق السماوا والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا، فالله - لعنم الله - فيكون رذّاً لقولهم صريحا.

وأما نفي إبهام المشبهة؛ قإنهم توهموا أن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى: أن ذلك للراحة، فشبهوا الله  بالخلق: أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة، فالله  نفى التعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض؛ [فدل] على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار، كما في الشاهد بين الخلق وَبَيَّنَ تعاليه وبراءته عما توهمت المشبهة، وشبهوه بالخلق، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق السماوات والأرض أن المراد منه التمام، أي: ثم ملكه بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما بخلق العرش، وبذكر الاستواء ويراد به التمام، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: اللغوب: الإعياء، يقال: لغب يلغب لغويا فهو لاغب.

وأصله ما ذكرنا: أن خلق الله  الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما الله  إنما يخلق الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ، أي: فاصبر على ما يقولون فيك: إنك ساحر، وشاعر، ومجنون، ونحوه، فأمره بالصبر على ذلك، وألا يدعو عليهم بالهلاك.

ويحتمل: فاصبر على ما يقولون في الله من معاني الخلق، فلا تحاربهم، ولا تقاتلهم، ولا تدعو عليهم بالهلاك، ولكن اصبر؛ فإن الله  ينتقم منهم لك.

وإنما أمر بالصبر؛ لأن رسول الله  كان سريع الغضب لله  فيما عاين من المناكير وسمع، وكذلك جميع الأنبياء - عليهم السلام - لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في الله أو فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ .

قيل: بحمد ربك، أي: بالثناء على ربك؛ أي: أثن عليه بما هو أهله، وما يليق به.

وأهل التأويل يفسرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة ، فمعنى قوله  : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أي: صل بأمر ربك، وإنما صرفوا التسبيح إلى الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها وصف الرب  بالتعظيم والتنزيه والبراءة عن كل عيب قولا وفعلا.

ولأنه لو قام إلى الصلاة، فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، كذلك إذا جئنا للركوع والسجود فارق جميع الخئلاق فيما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، و اشتغل بمناجاة ربه - جل وعلا - فجائز أني كون تسميتهم التسبيح: صلاة؛ لهذا.

ويحتمل أن سموه: صلاة؛ لما أن في الصلاة تسبيحا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ قال بعضهم: قبل صلاة الفجر، وقبل غروبها.

وقال بعضهم: صلاة العصر.

وقال بعضهم: صلاة العصر والظهر، لأنهما جميعا قبل غروب الشمس.

وقوله: ﴿ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هما ركعتان بعد المغرب، و[هو] جائز محتمل.

ويحتمل أن يكون إدبار السجوج ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ  ﴾ ، وتفيؤ الظلال إنما يكون بالنهار، وهو تسبيح الضلال؛ فمعناه: وسبحه وقت إدبار السجود لذلك الظلال، والذي أخبر أنه يتفيأ أن يفيؤه هو تسبيحه، وهو ما ذكر في قوله  : ﴿ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ  ﴾ إدبار النجوم: هو ذهب النجوم؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ ﴾ ، أي: سبحه بعد ذهاب سجود الظلال، فذلك إنما يكون بد ذهاب الشمس وغيبوبتها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍۢ قَرِيبٍۢ ٤١ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ ٤٢ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ ٤٣ يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًۭا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌۭ ٤٤ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍۢ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ٤٥

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾ ، كأن هذا صلة قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ  ﴾ ، وانتظر ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾ ، ولا تكافئهم، ولا تنتقم منهم، ولكن اصبر وانتظر ذلك اليوم.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: كقوله  : ﴿ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ  ﴾ ، ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾ ، أي: يوم يدعهم الداعي إلى شيء أنكروه.

والثاني: ما ذكر من نداء بعض لبعض؛ كقول: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ ﴾ الآية [الأعراف: 44]، وقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ  ﴾ ، يقول - عز وجل -: انتظر يوم ينادون ويدعون إلى ما أنكروا، ويوم يناذ بعضهم بعضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: من مكان يسمعون ما ينادون ويدعون، ويعرفون ما يراد بالدعاء، ومن يراد به، ينتهي ذلك الدعاء والنداء إلى كلٍّ في نفسه حتى يعرفه.

وذكر أهل التأويل: أن المنادي هو جبريل -  - ينادي عند بيت المقدس بنداء يسمعه كل أحد، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض، وهو يقرب من السما ء بكذا كذا ذراعاً، فهو المكان القريب.

ولكن هذا لا معنى له؛ فإنه يسمع صوته جميع الخلائق وإن لم يقم في ذلك الكان، وليس المراد من القرب ما ذكروه، ولكن على الإسماع في أي موضع كانوا، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ﴾ الصيحة: النفخة، أو النداء الذي ذكر.

ثم قوله  : ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يسمتعون الصيحة بما أوعدهم الرسل من المواعيد؛ فيتحقق لهم ذلك في ذلك اليوم.

و[الثاني]: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: تحقق ذلك اليوم؛ لأن الرسل - عليهم السلام - قد أخبروهم بذلك اليوم، وهم أنكروه.

أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، أي: يستوفي بعض من بعض ما لهم من الحق في ذلك اليوم، وأمروا بأداء الحقوق في ذلك اليوم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ ﴾ قيلأ: يوم الخروج من قبورهم.

وقيل: يوم الخروج والبروز إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ ﴾ ، أي: نحيي المتوتى، ونميت الأحياء؛ أي: نحن نملك ذلك، لا يملك أحد ذلك غيرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، خص ذلك اليوم بالمصير إليه، وإن كانوا في الأوقات كلها صائرين إليه؛ لما ذكرنا من الوجوه في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ﴾ .

يحتمل أن يكون ما ذكر من السراع هو صفة تشقق الارض، كأنه يقول: يوم تشقق الأرض سراعا، لا تنتظر طرفة عين، ولكن تتشقق أسرع من لمحة البصر.

ويحتلم أن يكون وصف سرعة خروجهم من الأرض، يقول: يوم يسرعون الخروج من الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ ، وغير الحشر يسير على الله  - أيضاً - ليس شيء أيسر عليه من شيء، أو أصعب عليه من شيء، لكن خص ذلك بالذكر؛ لأن أولئك الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه؛ فخص ذلك اليوم باليسير لهذا؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزلي، وعبر عن ذلك بحرف ﴿ كُنْ  ﴾ لمعرفة العباد، لا أن التكوين الذي به وجوه المكونات مما يوصف بالحرف، وفي ذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته، والحشر، وكل شيء، ولا قوة إلا بالله.

وهو كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ ، والله الموفق.

قوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ يقول - والله أعلم - اصبر على ما يقولون؛ فنحن أعلم بما يقولون؛ فتكافئهم.

أو يقول: عن علم بذلك نتركهم على ذلك، ونمهلهم؛ يصبر رسوله  على ذلك؛ ليتسلى به بعض ما يحزن عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ قال بعضهم: من الجبر والقهر، أي: ما أنت بقاهر عليهم، وجبار يجبرهم على التوحيد.

وقال بعضهم: من التجبر والتكبر، والجبار: هو الذي يقتل بلا ذنب ولا حق.

وقيل: أي: وما انت عليم بمسلط، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً  ﴾ أي: ملسطاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك، فعليك التبليغ وأنا المجازي لهم والمكافئ بما يفعلون.

ثم ليس يخص بالتذكير من يخاف الوعيد، لكن أمر بتذكير الكل، إلا أن منفعة الذكرى تكون لمن يخاف الوعيد، لا لمن لا يخاف الوعيد، فلذلك خصه بالذكر، لكن التخصيص بالذكر لا يكون تخصيصا بالحكم ونفيا عن غيره؛ فيبطل بهذا مذهب من ادعى ذلك، والله أعلم بحقيقة ما أراد، والله الموفق.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله