تفسير سورة القمر الآيات ٩-١٧ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 54 القمر > الآيات ٩-١٧

۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌۭ وَٱزْدُجِرَ ٩ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌۭ فَٱنتَصِرْ ١٠ فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍۢ مُّنْهَمِرٍۢ ١١ وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًۭا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ قَدْ قُدِرَ ١٢ وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍۢ وَدُسُرٍۢ ١٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءًۭ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤ وَلَقَد تَّرَكْنَـٰهَآ ءَايَةًۭ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ ١٥ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ١٦ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ ١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: كذبت قبل قومك قوم نوح نوحا -  - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من الله -  - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

فإن قيل: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من الأحكام؟

قيل: إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضاً - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع [من] ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - أيضاً - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم.

فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك.

قيل: إنما دعا على قومه ب الهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، أما رسول الله  لم يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، لا عن الكف؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة.

أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ﴾ ، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱزْدُجِرَ ﴾ ، أي: نوح -  - حيث قالوا لقومهم: لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن اتباعه؛ فصار لذلك نوح -  - مزدجر عن القوم، وصار القوم مزدجرين عنه.

وقال بعضهم: زجروا نوحا -  - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من الآيات على رسالته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾ ، أي: مغلوب بالسفه والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك عليم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ يحتمل قوله -  - ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهو سماء؛ فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.

﴿ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: أنزلنا الماء من فوق، وأبنعنا من أسفل.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، والله -  - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، وكيف [شاء]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ قيل: منصب.

وقال أبو عبيد: ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ ، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا أكثر في الكلام، فأسرع.

وقال أبو عوسجة: انهمرت السماء وهمرت، اي: أمطرت؛ فأكثرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ يذكر أن الماءين جميعاً: ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو كقوله -  -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ  ﴾ أي: على تقدير وتدبير من الله  جئت، لا على غير تقديم منه.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر).

وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا.

وقال بعضهم: ﴿ قَدْ قُدِرَ ﴾ أ ي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ ، وذكر في حرف حفصة -  ا - (وحملنا وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله -  -: ﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ ، ونحوه؛ فيكون ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ تفسير السفينة، ولو لم يفهم من ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان تفسير السفينة بما ذكرنا، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ وَدُسُرٍ ﴾ : قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة.

وقيل: الدسر: أضلاع السفينة.

وقيل: صدرها.

وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها.

قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور.

ثم في قوله: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ ، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله -  - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو الذي حملهم، وكذا الخُشُب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن الله في فعل العباد صنعا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بتقديرنا وبحفظنا.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي: حمل نوحاً -  - وأتباعه في السفينة ونجاهم من الغرق جاء ما كفروا به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: إنه أخبر لنوح -  - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه.

وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر بالله -  - أي: الغرق جزاؤه؛ لما كفروا بالله  .

وقال أبو معاذ: وقرئ: (جزاء لمن كان كَفر) بنصب الكاف، وتأويل هذه القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا بالله -  - أو بنوح -  -.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تركنا سفينة نوح -  - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى الله -  - سفينة نحو -  - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رماداً.

والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأبناءها آية لمن بعدهم؛ لأن أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لم نجا؟

ومن هلك لم هلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ عن الأسود قال: قلت لعبد الله بن مسعود -  - ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أو (مُذَّكر)؟

فقال: أقرأني رسول الله  مدكر بالدال.

قال أبو عبيد: وأصله في العربية: "مدتكر"، فإنه من باب الافتعال على وزن مفتعل، فثَقُل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول - وهو الدال - في التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: "ادخر"، أصله: "اتدخر"، من "الدخر" لما قلنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ أي: هل [من] متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأولئك فينزجر عن مثل صنيعهم.

[و] قال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب مصدقاً حقّاً، وأريد بقوله: ﴿ وَنُذُرِ ﴾ أي: رسلي.

والثاني: أليس وجدوا عذابي شديداً ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله -  -: ﴿ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً  ﴾ أي: موعودا، ولا وعده لا يكون مفعولا، إذ هو صفة أزلية".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ هذا يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: للحفظ، أي: صيرنا، بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه.

والثاني: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: لذكر ما نسوا من نعم الله -  - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر.

والثالث: جائز أن يكون لرسول الله  خاصة؛ أي: يسرناه عليه حتى حفظه كله على ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، أمنه عن أن ينساه، ومنَّ عليه بالتيسير.

وقوله: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ فعلى التأويل الأول - والله أعلم -: أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إما أنزل ليذكر ما فيه، وللإتعاظ به؛ أي: فهل من متعظ به.

وعلى التأويل الآخر: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر