الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ١٧ من سورة القمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) أي : سهلنا لفظه ، ويسرنا معناه لمن أراده ، ليتذكر الناس .
كما قال : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) ، وقال تعالى : ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ) [ مريم : 97 ] .
قال مجاهد : ( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) يعني : هونا قراءته .
وقال السدي : يسرنا تلاوته على الألسن .
وقال الضحاك عن ابن عباس : لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ، عز وجل .
قلت : ومن تيسيره تعالى ، على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف " .
وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا ، ولله الحمد والمنة .
وقوله : ( فهل من مدكر ) أي : فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه ؟
وقال محمد بن كعب القرظي : فهل من منزجر عن المعاصي ؟
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن رافع ، حدثنا ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر - هو الوراق - في قوله تعالى : ( فهل من مدكر ) هل من طالب علم فيعان عليه ؟
وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم ، عن مطر الوراق و [ كذا ] رواه ابن جرير ، وروي عن قتادة مثله .
وقوله ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن, بيَّناه وفصلناه للذكر, لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ, وهوّناه.
كما حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) قال: هوّناه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) قال: يسَّرنا: بيَّنا.
وقوله ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) يقول: فهل من معتبر متعظ يتذكر فيعتبر بما فيه من العبر والذكر.
وقد قال بعضهم في تأويل ذلك: هل من طالب علم أو خير فيُعان عليه, وذلك قريب المعنى مما قلناه, ولكنا اخترنا العبارة التي عبرناها في تأويله, لأن ذلك هو الأغلب من معانيه على طاهره.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) يقول: فهل من طالب خير يُعان عليه.
حدثنا الحسين بن عليّ الصُّدائيّ, قال: ثنا يعقوب, قال: ثني الحارث بن عبيد الإياديّ قال: سمعت قتادة يقول في قول الله ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) قال: هل من طالب خير يُعان عليه.
حدثنا عليّ بن سهل, قال: ثنا ضمرة بن ربيعة أو أيوب بن سويد أو كلاهما, عن ابن شَوْذَب, عن مطر, في قوله ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) قال: هل من طالب علم فيعان عليه.
ولقد يسرنا القرآن للذكر أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه ; فهل من طالب لحفظه فيعان عليه ؟
ويجوز أن يكون المعنى : ولقد هيأناه للذكر ، مأخوذ من يسر ناقته للسفر : إذا رحلها ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه ; قال : وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي كنت أصنعوقال سعيد بن جبير : ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن ; وقال غيره : ولم يكن هذا لبني إسرائيل ، ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرا ، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم ، ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت ; على ما تقدم بيانه في سورة ( براءة ) فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه ; أي يفتعلوا الذكر ، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم .فهل من مدكر قارئ يقرؤه .
وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب : فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه ، وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام .
وقيل : إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين ، وما عاملتهم به الأمم ، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين ; فكان في كل قصة ونبإ ذكر للمستمع أن لو ادكر ، وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله : فهل من مدكر لأن هل كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم ; فاللام من " هل " للاستعراض والهاء للاستخراج .
{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } أي: ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرا، فكل من أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه، والذكر شامل لكل ما يتذكر به العاملون من الحلال والحرام، وأحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء والمواعظ والعبر، والعقائد النافعة والأخبار الصادقة، ولهذا كان علم القرآن حفظا وتفسيرا، أسهل العلوم، وأجلها على الإطلاق، وهو العلم النافع الذي إذا طلبه العبد أعين عليه، قال بعض السلف عند هذه الآية: هل من طالب علم فيعان [عليه]؟
ولهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال عليه والتذكر بقوله: { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }
( ولقد يسرنا ) سهلنا ( القرآن للذكر ) ليتذكر ويعتبر به ، وقال سعيد بن جبير : يسرناه للحفظ والقراءة ، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن " فهل من مدكر " ، متعظ بمواعظه .
«ولقد يسرنا القرآن للذكر» سهلناه للحفظ وهيأناه للتذكر «فهل من مدكر» متعظ به وحافظ له والاستفهام بمعنى الأمر، أي احفظوا واتعظوا به وليس يحفظ من كتب الله عن ظهر القلب غيره.
ولقد سَهَّلْنا لفظ القرآن للتلاوة والحفظ، ومعانيه للفهم والتدبر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر، فهل من متعظ به؟
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله ورحمته على هذه الآمة ، حيث جعل كتابه ميسرا فى حفظه وفهمه ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) .أى : والله لقد سهلنا القرآن ( لِلذِّكْرِ ) أى : للتذكر والحفظ ، بأن أنزلناه فصيحا فى ألفاظه ، بليغا فى تراكيبه ، واضحا فى معانيه ، سهل الحفظ لمن أراد أن يحفظه .
.
.
فهل من معتبر ومتعظ ، بقصصه ، ووعده ، ووعيده ، وأمره ، ونهيه؟وقد وردت هذه الآية فى أعقاب قصة نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام - ، لتأكيد مضمون ما سبق فى قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الأنبآء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النذر ) وللتنبيه والإشعار بأن كل قصة من تلك القصص جديرة بإيجاب الاتعاظ ، وكافية فى الاعتبار والازدجار ( لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ ) والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم والاعتبار بمواعظه ، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات سامية .
.
ثم قال تعالى: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ وفيه وجوه: الأول: للحفظ فيمكن حفظه ويسهل، ولم يكن شيء من كتب الله تعالى يحفظ على ظهر القلب غير القرآن.
وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أي هل من يحفظ ويتلوه الثاني: سهلناه للاتعاظ حيث أتينا فيه بكل حكمة الثالث: جعلناه بحيث يعلق بالقلوب ويستلذ سماعه ومن لا يفهم يتفهمه ولا يسأم من سمعه وفهمه ولا يقول قد علمت فلا أسمعه بل كل ساعة يزداد منه لذة وعلماً.
الرابع: وهو الأظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر بحال نوح عليه السلام وكان له معجزة قيل له: إن معجزتك القرآن ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ ﴾ تذكرة لكل أحد وتتحدى به في العالم ويبقى على مرور الدهور، ولا يحتاج كل من يحضرك إلى دعاء ومسألة في إظهار معجزة، وبعدك لا ينكر أحد وقوع ما وقع كما ينكر البعض انشقاق القمر، وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أي متذكر لأن الافتعال والتفعل كثيراً ما يجيء بمعنى، وعلى هذا فلو قال قائل: هذا يقتضي وجود أمر سابق فنسي، نقول: ما في الفطرة من الانقياد للحق هو كالمنسي فهل من مدكر يرجع إلى ما فطر عليه وقيل: فهل من مدكر أي حافظ أو متعظ على ما فسرنا به قوله تعالى: ﴿ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ ﴾ وقوله: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ وعلى قولنا المراد متذكر إشارة إلى ظهور الأمر فكأنه لا يحتاج إلى نكر، بل هو أمر حاصل عنده لا يحتاج إلى معاودة ما عند غيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَبْلَهُمْ ﴾ قبل أهل مكة ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يعني نوحاً.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُواْ ﴾ بعد قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ ؟
قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا أي: كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب.
أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوّة رأساً، كذبوا نوحًا؛ لأنه من جملة الرسل ﴿ مَّجْنُونٍ ﴾ هو مجنون ﴿ وازدجر ﴾ وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ﴾ [الشعراء: 116] وقيل: هو من جملة قيلهم، أي: قالوا هو مجنون، وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه.
قرئ: (إني) بمعنى: فدعا بأني مغلوب، وإني: على إرادة القول، فدعا فقال: إني مغلوب غلبني قومي، فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وإنما دعا بذلك بعد ما طم عليه الأمروبلغ السيل الزُّبا، فقد روى: أنّ الواحد من أمّته كان يلقاه فيخنقه حتى يخرّ مغشياً عليه.
فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وقرئ: ﴿ ففتحنا ﴾ مخففاً ومشدّداً، وكذلك وفجرنا ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ منصبّ في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً ﴿ وَفَجَّرْنَا الارض عُيُوناً ﴾ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم ﴿ واشتعل الرأس شَيْباً ﴾ [مريم: 4] .
﴿ فَالْتَقَى الماء ﴾ يعني مياه السماء والأرض.
وقرئ: ﴿ الماآن ﴾ ، أي: النوعان من الماء السماوي والأرضي.
ونحوه قولك: عندي تمران، تريد: ضربان من التمر: برني ومعقلي.
قال: لَنَا إبْلاَنِ فِيهِمَا مَا علمْتُمُ وقرأ الحسن ﴿ الماوان ﴾ ، بقلب الهمزة واواً، كقولهم: علباوان ﴿ على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ على حال قدرها الله كيف شاء.
وقيل: على حال جاءت مقدّرة مستوية: وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء.
وقيل: على أمر قد قدر في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ﴿ على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ ﴾ أراد السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتودي مؤداها.
بحيث لا يفصل بينها وبينها.
ونحوه: .........
وَلَكِنْ ** قمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِنْ حَدِيدِ أراد: ولكن قميصي درع، وكذلك: وَلَوْ فِي عُيُونِ النَّازِيَاتِ بِأَكْرُعِ أراد: ولو في عيون الجراد.
ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة، أو بين الدرع والجراد وهاتين الصفتين: لم يصح، وهذا من فصيح الكلام وبديعه.
والدسر: جمع دسار: وهو المسمار، فعال من دسره إذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه ﴿ جَزآءً ﴾ مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده، أي فعلنا ذلك جزاء، ﴿ لّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفوراً لأنّ النبي نعمة من الله ورحمة.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] فكان نوح عليه السلام نعمة مكفورة، ومن هذا المعنى ما يحكى أنّ رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك، فقال: ما معنى هذا الكلام؟
قال: أنت نعمة حمدت الله عليها.
ويجوز أن يكون على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل.
وقرأ قتادة ﴿ كفر ﴾ أي جزاء للكافرين.
وقرأ الحسن ﴿ جزاء ﴾ ، بالكسر: أي مجازاة.
الضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة.
أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبر بها.
وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة.
وقيل: على الجودى دهراً طويلاً، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة.
والمدّكر: المعتبر.
وقرئ: ﴿ مذتكر ﴾ على الأصل.
ومذكر، بقلب التاء ذالاً وإدغام الذال فيها.
وهذا نحو: مذجر.
والنذر: جمع نذير وهو الإنذار ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ ﴾ أي سهلناه للادكار والاتعاظ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد ﴿ فَهَلْ مِن ﴾ متعظ.
وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه.
ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، من يسر ناقته للسفر: إذا رحلها، ويسر فرسه للغزو، إذا أسرجه فألجمه.
قال: وَقمت إِلَيْهِ بِاللِّجَامِ مُيَسِّراً ** هُنَالِكَ يَجْزِيني الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ ويروى: أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظراً ولا يحفظونها ظاهراً كما القرآن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها ﴾ أيِ السَّفِينَةَ أوِ الفَعْلَةَ.
﴿ آيَةً ﴾ يُعْتَبَرُ بِها إذْ شاعَ خَبَرُها واشْتُهِرَ.
﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ مُعْتَبِرٍ، وقُرِئَ «مُذْتَكِرٍ» عَلى الأصْلِ، و «مُذَّكِرٍ» بِقَلْبِ التّاءِ ذالًا والإدْغامِ فِيها.
﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْظِيمٍ ووَعِيدٍ، والنُّذُرُ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والجَمْعَ.
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ سَهَّلْناهُ أوْ هَيَّأْناهُ مِن يَسَّرَ ناقَتَهُ لِلسَّفَرِ إذا رَحَّلَها.
﴿ لِلذِّكْرِ ﴾ لِلِادِّكارِ والِاتِّعاظِ بِأنْ صَرَّفْنا فِيهِ أنْواعَ المَواعِظِ والعِبَرِ، أوْ لِلْحِفْظِ بِالِاخْتِصارِ وعُذُوبَةِ اللَّفْظِ.
﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ مُتَّعِظٍ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد يسرنا القرآن للذكر} سهلناه للاذكار والاتعاظ
{فهل من مدكر} {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر}
بأن شحناه
بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من لاوعد ولاوعيد {فهل من مدكر} متظ يتعظ وقيل ولق سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه ليعان عليه يروى أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل والزبور لا يتلوها اهلها الا نظروا ولا يحفظونها ظاهراً كالقرآن
﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ ورَدَتْ في آخِرِ القِصَصِ الأرْبَعِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ إلَخْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِإيجابِ الِادِّكارِ كافِيَةٌ في الِازْدِجارِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها اعْتِبارٌ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَهَّلْنا القُرْآنَ لِقَوْمِكَ بِأنْ أنْزَلْناهُ عَلى لُغَتِهِمْ وشَحَنّاهُ بِأنْواعِ المَواعِظِ والعِبَرِ وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ ﴿ لِلذِّكْرِ ﴾ أيْ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِلْمُتَّعِظِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُجِيبَ المُسْتَفْهِمَ بِنَعَمْ، وقِيلَ: المَعْنى سَهَّلْنا القُرْآنَ لِلْحِفْظِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ وسَلاسَةِ اللَّفْظِ وشَرَفِ المَعانِي وصِحَّتِها وعُرُوِّهِ عَنِ الوَحْشِيِّ ونَحْوِهِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالقُلُوبِ وحَلاوَةٌ في السَّمْعِ فَهَلْ مِن طالِبٍ لِحِفْظِهِ لِيُعانَ عَلَيْهِ ؟
ومِن هُنا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُسْتَظْهَرْ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ القُرْآنِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَسَّرْنا القُرْآنَ هَوَّنّا قِراءَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقُولُ سُورَةٌ خَفِيفَةٌ فَقالَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ولَكِنْ قُلْ سُورَةٌ يَسِيرَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ( ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) والمَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أوَّلًا أنْسَبُ بِالمَقامِ، ولَعَلَّ خَبَرَ أنَسٍ إنْ صَحَّ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، وجُوِّزَ تَفْسِيرُ ( يَسَّرْنا ) بِهَيَّأْنا مِن قَوْلِهِمْ: يَسَّرَ ناقَتَهُ لِلسَّفَرِ إذا رَحَلَها، ويَسَّرَ فَرَسَهُ لِلْغَزْوِ إذا أسْرَجَهُ وألْجَمَهُ قالَ الشّاعِرُ: ؎وقُمْتُ إلَيْهِ بِاللِّجامِ مُيَسَّرًا هُنالِكَ يَجْزِينِي الَّذِي كُنْتُ أصْنَعُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً أي: سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق.
وقال بعضهم: يعني: تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل إلى قريب من خروج النبيّ .
وقال بعضهم: يعني: جنس السفينة صارت عبرة، لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة، فاتخذت الناس السفن بعد ذلك في البحر، فلذلك كانت آية للناس.
ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: هل من معتبر يعتبر بما صنع الله تعالى بقوم نوح، فيترك المعصية.
ويقال: فهل من مذكر يتعظ بأنه حق، ويؤمن به.
وقال أهل اللغة: أصل مدكر، مفتعل من الذكر، مذتكر، فأدغمت الذال في التاء، ثم قلبت دالاً مشددة.
ثم قال: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: كيف رأيت عذابي، وإنذاري لمن أنذرهم الرُّسلُ، فلم يؤمنوا، والنذر بمعنى الإنذار.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ يعني: هوّنا القرآن لِلذِّكْرِ يعني: للحفظ.
ويقال: هونا قراءاته.
وروى الحسن عن النبيّ أنه قال: «لَوْلا قَوْلُ الله تَعَالَى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ما طاقت الألسن أن تتكلّم بِهِ» ويقال: هوناه لكي يذكروا به ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ، يتعظ بما هون من قراءة القرآن.
وروى الأسود عن عبد الله بن مسعود- - أنه قال: قرأت على النبيّ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بالدال، فقال النبيّ : «فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر» يعني: بالذال.
قوله تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ يعني: كذبوا رسولهم هود فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: أليس وجوده حقاً، ونذر جمع نذير قال القتبي: النذر جمع النذير، والنذير بمعنى الإنذار، مثل التنكير بمعنى الإنكار.
يعني: كيف كان عذابي، وإنكاري.
ثم بيّن عذابه فقال عز وجل: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعني: سلطنا عليهم ريحاً باردة فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يعني: شديدة استمرت عليهم، لا تفتر عنهم سبع ليال، وثمانية أيام، حسوماً دائمة تَنْزِعُ النَّاسَ يعني: تنزع أرواحهم من أجسادهم، وهذا قول مقاتل.
ويقال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ يعني: يوم مشؤوم عليهم: مُسْتَمِرٍّ يعني: استمر عليهم بالنحوسة.
وقال القتبي: الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع الناس.
يعني: تقلعهم من مواضعهم.
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يعني: صرعهم، فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض، فشبههم لطولهم بالنخيل الساقطة.
وقال مقاتل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً.
وقال في رواية الكلبي: كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا، فاستهزءوا حين ذكر لهم الريح، فخرجوا إلى الفضاء، فضربوا بأرجلهم، وغيبوها في الأرض إلى قريب من ركبهم، فقالوا: قل للريح حتى ترفعنا، فجاءت الريح فدخلت تحت الأرض، وجعلت ترفع كل اثنين، وتضرب أحدهما على الآخر بعد ما ترفعهما في الهواء، ثم تلقيه في الأرض، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلهم، ثم رمت بالرمل والتراب عليهم، وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يوما.
<div class="verse-tafsir"
مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟
ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :
يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.
وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.
وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)
وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.
ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:
محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:
هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.
وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.
وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.
وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿ وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ.
فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ.
ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ.
وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهُ ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ.
أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ.
وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ.
والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟
"فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي" ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ.
وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ.
والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ.
مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ.
ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ ﴿ وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ ﴿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ ، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ .
قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ.
و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ.
وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
<div class="verse-tafsir"
لمّا كانت هذه النذارة بُلِغت بالقرآن والمشركون معرضون عن استماعه حارمين أنفسهم من فوائده ذُيّل خبرها بتنويه شأن القرآن بأنه من عند الله وأن الله يسّره وسَهله لتذكّر الخلق بما يحتاجونه من التذكير مما هو هدى وإرشاد.
وهذا التيسير ينبئ بعناية الله به مثل قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9] تبصرة للمسلمين ليزدادوا إقبالاً على مدارسته وتعريضاً بالمشركين عسى أن يَرْعَوُوا عن صدودهم عنه كما أنبأ عنه قوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ .
وتأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق مراعى فيه حَال المشركين الشاكين في أنه من عند الله.
والتيسير: إيجاد اليسر في شيء، من فعل كقوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ [البقرة: 185] أو قولٍ كقوله تعالى: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ﴾ [الدخان: 58].
واليسر: السهولة، وعدم الكلفة في تحصيل المطلوب من شيء.
وإذ كان القرآن كلاماً فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يُراد من الكلام وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن.
وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فلذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة.
وأما من جانب المعاني، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له.
وبتولد معاننٍ من معاننٍ أُخر كلّما كرّر المتدبر تدبّره في فهمها.
ووسائل ذلك لا يحيط بها الوصف وقد تقدم بسطها في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير ومن أهمها إيجاز اللفظ ليسرع تعلقه بالحفظ، وإجمالُ المدلولات لتذهب نفوس السامعين في انتزاع المعاني منها كل مذهب يسمح به اللفظ والغرض والمقامُ، ومنها الإِطناب بالبيان إذا كان في المعاني بعض الدقة والخفاء.
ويتأتّى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر وأسمحُ ألفاظاً وتراكيب بوفرة المعاني، وبكَوْن تراكيبه أقصى ما تسمح به تلك اللغة، فهو خيار من خيار من خيار.
قال تعالى: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ [الشعراء: 195].
ثم يكون المتلقين له أمة هي أذكى الأمم عقولاً وأسرعها أفهاماً وأشدها وعْياً لما تسمعه، وأطولها تذكراً له دون نسيان، وهي على تفاوتهم في هذه الخلال تفاوتاً اقتضته سنة الكون لا يناكد حالهم في هذا التفاوت ما أراده الله من تيسيره للذكر، لأن الذكر جنس من الأجناس المقول عليها بالتشكيك إلا أنه إذا اجتمع أصحاب الأفهام على مدارسته وتدبره بدَت لجموعهم معان لا يحصيها الواحد منهم وحده.
وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينَه تصريحاً كقوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ [النحل: 44]، وتعريضاً كقوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينّنّه للناس ﴾ [آل عمران: 187] فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق.
وفي الحديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلتْ عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ".
واللام في قوله: ﴿ للذكر ﴾ متعلقة ب ﴿ يسرنا ﴾ وهي ظرف لغو غيرُ مستقر، وهي لام تدل على أن الفعل الذي تعلقت به فُعِل لانتفاع مدخول هذه اللام به فمدخولها لا يراد منه مجرد تعليل فعل الفاعل كما هو معنى التعليل المجرد ومعنى المفعول لأجله المنتصببِ بإضمار لام التعليل البسيطة، ولكن يراد أن مدخول هذه اللام علة خاصة مراعاةٌ في تحصيل فعل الفاعل لفائدته، فلا يصح أن يقع مدخول هذه اللام مفعولاً لأن المفعول لأجله علة بالمعنى الأعَمّ ومدخول هذه اللام علة خاصَّة فالمفعول لأجله بمنزلة سبب الفعل وهو كمدخول باء السببية في نحو ﴿ فكّلاً أخذنا بذنبه ﴾ [العنكبوت: 40]، ومجرور هذه اللام بمنزلة مجرور باء الملابسة في نحو ﴿ تنبت بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20]، وهو أيضاً شديد الشبه بالمفعول الأول في باب كسَا وأعطى، فهذه اللام من القسم الذي سماه ابن هشام في «مغني اللبيب»: شبه التمليك.
وتبع في ذلك ابنَ مالك في «شرح التسهيل».
وأحسن من ذلك تسمية ابن مالك إياه في «شرح كافيته» وفي «الخلاصة» معنى التعدية.
ولقد أجاد في ذلك لأن مدخول هذه اللام قد تعدى إليه الفعل الذي تعلقت به اللام تعديةً مثلَ تعدية الفعل المتعدي إلى المفعول، وغفل ابن هشام عن هذا التدقيق، وهو المعنى الخامس من معاني اللام الجارة في «مغني اللبيب» وقد مثله بقوله تعالى: ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ [الشورى: 11]، ومثّل له ابن مالك في «شرح التسهيل» بقوله تعالى: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً ﴾ [مريم: 5]، ومن الأمثلة التي تصلح له قوله تعالى: ﴿ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ﴾ [يس: 72] وقوله تعالى: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [الأعلى: 8] وقوله: ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ [الليل: 7] وقوله: ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ [الليل: 10]، ألا ترى أن مدخول اللام في هذه الأمثلة دال على المتنفعين بمفاعيل أفعالها فهم مثل أول المفعولين من باب كسا.
وإنما بسطنا القول في هذه اللام لدقة معناها وليتّضح معنى قوله تعالى: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ .
وأصل معاني لام الجر هو التعليل وتنشأ من استعمال اللام في التعليل المجازي معان شاعت فساوت الحقيقة فجعلها النحويون معاني مستقلة لقصد الإِيضاح.
والذكر: مصدر ذكر الذي هو التذكر العقلي لا اللساني، والذي يرادفه الذُكر بضم الذال اسماً للمصدر، فالذكر هو تذكر ما في تذكره نفع ودفع ضر، وهو الاتعاظ والاعتبار.
فصار معنى ﴿ يسرنا القرآن للذكر ﴾ أن القرآن سُهلت دلالته لأجل انتفاع الذكر بذلك التيسير، فجعلت سرعة ترتب التذكر على سماع القرآن بمنزلة منفعة للذكر لأنه يشيع ويروج بها كما ينتفع طالب شيء إذا يُسرت له وسائل تحْصيله، وقربت له أباعدها.
ففي قوله: ﴿ يسرنا القرآن للذكر ﴾ استعارة مكنية ولفظ ﴿ يسرنا ﴾ تخييل.
ويؤول المعنى إلى: يسرنا القرآن للمتذكرين.
وفرع على هذا المعنى قوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ .
والقول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً، إلا أن بين الادِّكارين فرقاً دقيقاً، فالادِّكار السالف ادّكار اعتبار عن مشاهدة آثار الأمة البائدة، والادّكار المذكور هنا ادكار عن سماع مواعظ القرآن البالغة وفهم معانيه والاهتداء به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنْهَمِرَ الكَثِيرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ الثّانِي: أنَّهُ المُنْصَبُّ المُتَدَفِّقُ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ راحَ تَمْرِيَةَ الصِّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ شُؤْبُوبٌ جَنُوبٌ مُنْهَمِرُ وَفِي فَتْحِ أبْوابِ السَّماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ رِتاجِها وسَعَةُ مَسالِكَها.
الثّانِي: أنَّها المَجَرَّةُ وهي شَرَجُ السَّماءِ ومِنها فُتِحَتْ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ.
﴿ فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فالتَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّانِي: قُدِرَ بِمَعْنى قُضِيَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وقُدِّرَ لَهم إذا كَفَرُوا أنْ يُغْرَقُوا.
﴿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ أيِ السَّفِينَةِ، وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَعارِيضُ الَّتِي يُشَدُّ بِها عَرْضُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها المَسامِيرُ دُسِرَتْ بِها السَّفِينَةُ، أيْ شُدَّتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: صَدْرُ السَّفِينَةِ الَّذِي يَضْرِبُ المَوْجَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، لِأنَّها تُدَسِّرُ الماءَ بِصَدْرِها، أيْ تَدْفَعُهُ.
الرّابِعُ: أنَّها طَرَفاها، وأصْلُها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَرْأًى مِنّا.
الثّانِي: بِأمْرِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها.
الرّابِعُ: بِأعْيُنِ الماءِ الَّتِي أتْبَعْناها في قَوْلِهِ ﴿ وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ ، وقِيلَ: إنَّها تَجْرِي بَيْنَ ماءِ الأرْضِ والسَّماءِ، وقَدْ كانَ غَطّاها عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿ جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مُكافَأةً لِنُوحٍ حِينَ كَفَرَهُ قَوْمُهُ أنْ حُمِلَ ذاتَ ألْواحٍ ودُسُرٍ.
﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُها: الغَرَقُ.
الثّانِي: السَّفِينَةُ رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ أبْقاها بِباقِرْدِي مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ عِبْرَةً وآيَةً حَتّى نَظَرَتْ إلَيْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي فَهَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: فَهَلْ مِن طالِبِ خَيْرٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: فَهَلْ مِن مُزْدَجِرٍ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ سَهَّلْنا تِلاوَتِهِ عَلى أهْلِ كُلِّ لِسانٍ، وهَذا أحَدُ مُعْجِزاتِهِ، لِأنَّ الأعْجَمِيَّ قَدْ يَقْرَأُهُ ويَتْلُوُهُ كالعَرَبِيِّ.
الثّانِي: سَهَّلْنا عِلْمَ ما فِيهِ واسْتِنْباطَ مَعانِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: هَوَّنّا حِفْظَهُ فَأيْسَرُ كِتابٍ يُحْفَظُ هو كِتابُ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا مجنون وازدجر ﴾ قال: استطير جنوناً.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وازدجر ﴾ قال: تهددوه بالقتل.
وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل علياً عن المجرة فقال: هي شرخ السماء، ومنها فتحت أبواب السماء بماء منهمر، ثم قرأ ﴿ ففتحنا أبواب السماء ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ قال: كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتقى الماءان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فالتقى الماء ﴾ قال: ماء السماء وماء الأرض ﴿ على أمر قد قدر ﴾ قال: كانت الأقوات قبل الأجساد وكان القدر قبل البلاء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قد قدر ﴾ قال: صاح بصاع.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحملناه على ذات ألواح ودُسر ﴾ قال: الألواح ألواح السفينة والدسر معاريضها التي تشد بها السفينة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الألواح الصفائح، والدسر العوارض.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وحملناه على ذات ألواح ﴾ قال: معاريض السفينة ﴿ ودسر ﴾ قال: دسرت بمسامير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ ودسر ﴾ قال: المسامير.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: حدثنا أن دسرها مساميرها التي شدت بها.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ ودسر ﴾ قال: الدسر التي تحرز بها السفينة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟.
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر وهو يقول: سفينة نوتي قد احكم صنعها ** مثخنة الألواح منسوجة الدسر وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الدسر كلكل السفينة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الدسر صدرها الذي يضرب به الموج.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى ﴿ جزاء لمن كان كفر ﴾ قال: جزاء الله هو الذي كفر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد تركناها آية ﴾ قال: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة.
أخرج آدم بن أبي اياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ قال: هوّنا قراءته.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله.
وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنه مر برجل يقول سورة خفيفة قال لا تقل سورة خفيفة، ولكن قل سورة ميسرة لأن الله يقول ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ قال: هل من متذكر.
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ قال: هل من منزجر عن المعاصي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ هل من مدكر ﴾ قال: هل من طالب خير يعان عليه؟
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مطر الوراق في قوله: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ﴾ قال: هل من طالب علم فيعان عليه؟
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فهل من مذكر ﴾ بالذال، فقال: ﴿ فهل من مدكر ﴾ بالدال.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ اختلفوا في هذا على قولين: أحدهما: أن المراد بالذكر هاهنا الحفظ والقراءة، وهو قول سعيد بن جُبير، وليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن (١) وقال مقاتل: لولا أن الله يسر القرآن ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله، ولكن الله يسره على خلقه (٢) وقال الزجاج: قيل: إن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل إنما يتلوها أهلها نظرًا، ولا يكادون يحفظون كتبهم من أولها إلى آخرها كما يحفظ القرآن (٣) وعلى هذا القول معنى قوله ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ أي هل من ذاكر يذكره، وقارئ يقرأه، ومعناه الحث على قراءة القرآن ودرسه وتعلمه وتفهم معانيه، وهذا معنى قول مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه (٤) القول الثاني: أن معنى الذكر هاهنا الاعتبار والتفكر، قال مقاتل: يعني ليتذكروا ما فيه (٥) ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ ، وبينا فيه المواعظ والمزاجر، فهذا معنى ﴿ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ .
وقوله ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ أي من متعظ معتبر خائف، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد سهلنا القرآن لكل متعظ (٦) (١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 أ، و"الوسيط" 4/ 29، و"معالم التنزيل" 4/ 261، و"زاد المسير" 8/ 94.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ، ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 8، عن ابن عباس بسند ضعيف.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88.
(٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 57، و"الكشف والبيان"، 12/ 25 أ، و"الدر" 6/ 135.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.
(٦) لم أجد هذا القول منسوبًا.
وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ ﴾ أي يسرناه للحفظ، وهذا معلوم بالمشاهدة، فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظاً بالغاً بخلاف غيره من الكتب، وقد رُوي أنه لم يحفظ شيء من كتب الله عن ظهر قلب إلا القرآن.
وقيل: معنى الآية سهلناه للفهم والاتعاظ به لما تضمن من البراهين والحكم البليغة، وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ [القمر: 37، 39] لينبه السامع عند كل قصة، فيعتبر بها إذ كل قصة من القصص التي ذكرت عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ، ومن الملاطفة في قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.
الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.
﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.
الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.
التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله آية فانشق القمر مرتين.
وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.
وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.
وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم هذا قول أكثر الفسرين.
وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.
وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.
وأيضاً إنه جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.
وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.
هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.
وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.
ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.
واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً ﴾ والأمر عند الله معلوم.
قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.
والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.
ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.
وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.
وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.
وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.
عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.
والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.
جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.
وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.
والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.
ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.
ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.
وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.
وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.
والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.
وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.
وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.
تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.
وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.
وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.
وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.
ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم .
ثم إنه أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.
ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.
وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.
وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.
وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.
وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.
ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".
وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.
ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.
قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.
ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.
وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.
والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.
فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح لأن وجود النبي نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.
يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.
فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.
والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.
وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.
وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.
سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟
والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.
ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟
فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.
والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.
فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.
ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.
وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.
قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.
وقيل: المستمر الشديد المرارة.
﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.
وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.
قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.
قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.
الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.
الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.
والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.
وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.
وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟
أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.
والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.
ثم قال تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.
وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.
وذلك أصل مرفوض.
ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.
ثم إنه خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.
﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.
وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.
﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.
والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.
ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".
ولعل التذكير بتأويل العذاب.
والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".
وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.
والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.
وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.
وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.
وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.
وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".
والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.
﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.
وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.
ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.
ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.
ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.
فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.
فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.
قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.
ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.
عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟
فلما رأى رسول الله يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.
والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.
﴿ وأمر ﴾ من المرارة.
وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.
وقيل: من المرة الشدة.
قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.
روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.
أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.
والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.
قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.
واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.
والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله .
وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.
ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.
وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.
قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".
وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.
ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.
ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.
قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.
وأما الرفع فيحتمل معنيين.
أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.
والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.
ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.
ثم ختم السورة بوعد المتقين.
والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.
ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".
ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".
قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.
والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.
ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: كذبت قبل قومك قوم نوح نوحا - - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من الله - - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
فإن قيل: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من الأحكام؟
قيل: إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضاً - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع [من] ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - أيضاً - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم.
فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك.
قيل: إنما دعا على قومه ب الهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ ، أما رسول الله لم يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، لا عن الكف؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة.
أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ﴾ ، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱزْدُجِرَ ﴾ ، أي: نوح - - حيث قالوا لقومهم: لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن اتباعه؛ فصار لذلك نوح - - مزدجر عن القوم، وصار القوم مزدجرين عنه.
وقال بعضهم: زجروا نوحا - - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من الآيات على رسالته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾ ، أي: مغلوب بالسفه والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك عليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ يحتمل قوله - - ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهو سماء؛ فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.
﴿ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: أنزلنا الماء من فوق، وأبنعنا من أسفل.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، والله - - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، وكيف [شاء]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ قيل: منصب.
وقال أبو عبيد: ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ ، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا أكثر في الكلام، فأسرع.
وقال أبو عوسجة: انهمرت السماء وهمرت، اي: أمطرت؛ فأكثرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ يذكر أن الماءين جميعاً: ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو كقوله - -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ أي: على تقدير وتدبير من الله جئت، لا على غير تقديم منه.
وفي حرف ابن مسعود - -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر).
وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا.
وقال بعضهم: ﴿ قَدْ قُدِرَ ﴾ أ ي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ ، وذكر في حرف حفصة - ا - (وحملنا وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله - -: ﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ ، ونحوه؛ فيكون ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ تفسير السفينة، ولو لم يفهم من ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان تفسير السفينة بما ذكرنا، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله - -: ﴿ وَدُسُرٍ ﴾ : قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة.
وقيل: الدسر: أضلاع السفينة.
وقيل: صدرها.
وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها.
قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور.
ثم في قوله: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ ، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله - - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو الذي حملهم، وكذا الخُشُب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن الله في فعل العباد صنعا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بتقديرنا وبحفظنا.
وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي: حمل نوحاً - - وأتباعه في السفينة ونجاهم من الغرق جاء ما كفروا به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: إنه أخبر لنوح - - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه.
وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر بالله - - أي: الغرق جزاؤه؛ لما كفروا بالله .
وقال أبو معاذ: وقرئ: (جزاء لمن كان كَفر) بنصب الكاف، وتأويل هذه القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا بالله - - أو بنوح - -.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تركنا سفينة نوح - - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى الله - - سفينة نحو - - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رماداً.
والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأبناءها آية لمن بعدهم؛ لأن أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لم نجا؟
ومن هلك لم هلك؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ عن الأسود قال: قلت لعبد الله بن مسعود - - ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أو (مُذَّكر)؟
فقال: أقرأني رسول الله مدكر بالدال.
قال أبو عبيد: وأصله في العربية: "مدتكر"، فإنه من باب الافتعال على وزن مفتعل، فثَقُل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول - وهو الدال - في التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: "ادخر"، أصله: "اتدخر"، من "الدخر" لما قلنا، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ أي: هل [من] متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأولئك فينزجر عن مثل صنيعهم.
[و] قال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب مصدقاً حقّاً، وأريد بقوله: ﴿ وَنُذُرِ ﴾ أي: رسلي.
والثاني: أليس وجدوا عذابي شديداً ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله - -: ﴿ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ﴾ أي: موعودا، ولا وعده لا يكون مفعولا، إذ هو صفة أزلية".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ هذا يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: للحفظ، أي: صيرنا، بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه.
والثاني: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: لذكر ما نسوا من نعم الله - - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر.
والثالث: جائز أن يكون لرسول الله خاصة؛ أي: يسرناه عليه حتى حفظه كله على ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ كقوله - -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ وقوله - -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، أمنه عن أن ينساه، ومنَّ عليه بالتيسير.
وقوله: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ فعلى التأويل الأول - والله أعلم -: أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إما أنزل ليذكر ما فيه، وللإتعاظ به؛ أي: فهل من متعظ به.
وعلى التأويل الآخر: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.Dgx0N"