الآية ١٨ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ١٨ من سورة القمر

كَذَّبَتْ عَادٌۭ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مخبرا عن عاد قوم هود : إنهم كذبوا رسولهم أيضا ، كما صنع قوم نوح

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) يقول تعالى ذكره: كذّبت أيضا عاد نبيهم هودا صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به عن الله, كالذي كذّبت قوم نوح, وكالذي كذّبتم مَعْشر قريش نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى جميع رسله,( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) يقول: فانظروا معشر كفرة قريش بالله كيف كان عذابي إياهم, وعقابي لهم على كفرهم بالله, وتكذيبهم رسوله هودا وإنذاري بفعلي بهم ما فعلت من سلك طرائقهم, وكانوا على مثل ما كانوا عليه من التمادي في الغيّ والضلالة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كذبت عاد هم قوم هود .فكيف كان عذابي ونذر وقعت " نذر " في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة الياء في جميع المصاحف ، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين ، وورش في الوصل لا غير ، وحذف الباقون .

ولا خلاف في حذف الياء من قوله : فما تغن النذر والواو من قوله : يدع فأما الياء من " الداع " الأولى فأثبتها في الحالين ابن محيصن ويعقوب وحميد والبزي ، وأثبتها ورش وأبو عمرو في الوصل ، وحذف الباقون .

وأما " الداع " الثانية فأثبتها يعقوب وابن محيصن وابن كثير في الحالين ، وأثبتها أبو عمرو ونافع في الوصل ، وحذفها الباقون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وعاد } هي القبيلة المعروفة باليمن، أرسل الله إليهم هودا عليه السلام يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كذبت عاد» نبيهم هودا فعذبوا «فكيف كان عذابي ونذر» إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله أي وقع موقعه وقد بينه بقوله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كذبت عاد هودًا فعاقبناهم، فكيف كان عذابي لهم على كفرهم، ونذري على تكذيب رسولهم، وعدم الإيمان به؟

إنه كان عظيمًا مؤلمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود - عليه السلام - فذكرت ما حل بهم من عقاب بسبب كفرهم وطغيانهم ، فقال - تعالى - : ( كَذَّبَتْ عَادٌ .

.

.

) .المراد بعاد ، تلك القبيلة التى ينتهى نسبها إلى جدهم عاد ، وكانت مساكنهم بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية .

وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - لكى يأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحده ، وينهاهم عن عبادة غيره .

.وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر تفصيلا ، فى سور : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والأحقاف .

.

.

ولم تعطف قصتهم هنا على قصة نوح التى قبلها ، للإشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها المعتبرون ، ويتعظ بها المتعظون .

.وحذف المفعول فى قوله : ( كَذَّبَتْ عَادٌ ) للعلم به وهو نبيهم هود - عليه السلام - أى : كذبت قبيلة عاد نبيها هودا - عليه السلام - .والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) للتهويل ، ولتشويق السامعين إلى معرفة العذاب الشديد الذى حل بهم .

أى : كذبت قبيلة عاد نبيها ، فهل علمتم ما حل بها من دمار وهلاك؟

إن كنتم لم تعلموا ذلك فهاكم خبره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: الأولى: قال في قوم نوح: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ ولم يقل في عاد كذبت قوم هود وذلك لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه، فإنك إذا قلت: بيت الله لا يفيد ما يفيد قولك الكعبة، فكذلك إذا قلت: رسول الله لا يفيد ما يفيد قولك محمد فعاد اسم علم للقوم لا يقال قوم هود أعرف لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى وصف عاداً بقوم هود حيث قال: ﴿ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ  ﴾ ولا يوصف الأظهر بالأخفى والأخص بالأعم ثانيهما: أن قوم هود واحد وعاد، قيل: إنه لفظ يقع على أقوام ولهذا قال تعالى: ﴿ عَاداً الأولى  ﴾ لأنا نقول: أما قوله تعالى: ﴿ لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ  ﴾ فليس ذلك صفة وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن يكون دون المبدل في المعرفة، ويجوز أن يبدل عن المعرفة بالنكرة، وأما عاداً الأولى فقد قدمنا أن ذلك لبيان تقدمهم أي عاداً الذين تقدموا وليس ذلك للتمييز والتعريف كما تقول محمد النبي شفيعي والله الكريم ربي ورب الكعبة المشرفة لبيان الشرف لا لبيانها وتعريفها كما تقول: دخلت الدار المعمورة من الدارين وخدمت الرجل الزاهد من الرجلين فتبين المقصود بالوصف.

المسألة الثانية: لم يقل كذبوا هوداً كما قال: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا  ﴾ وذلك لوجهين: أحدهما: أن تكذيب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريباً من ألف سنة وأصروا على التكذيب، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح في مواضع ولم يذكر تكذيب غير نوح صريحاً وإن نبه عليه (في) واحد منها في الأعراف قال: ﴿ فأنجيناه والذين مَعَهُ فِي الفلك  ﴾ وقال حكاية عن نوح: ﴿ قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّهُمْ عصونى  ﴾ وفي هذه المواضع لم يصرح بتكذيب قوم غيره منهم إلا قليلاً ولذلك قال تعالى في مواضع ذكر شعيب فكذبوه: وقال: ﴿ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا  ﴾ وقال تعالى عن قومه: ﴿ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين  ﴾ لأنه دعا قومه زماناً مديداً وثانيهما: أن حكاية عاد مذكورة هاهنا على سبيل الاختصار فلم يذكر إلا تكذيبهم وتعذيبهم فقال: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ ﴾ كما قال: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ ولم يذكر دعاءه عليهم وإجابته كما قال في نوح.

المسألة الثالثة: قال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ قبل أن بين العذاب وفي حكاية نوح بين العذاب، ثم قال: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ ﴾ فما الحكمة فيه؟

نقول: الاستفهام الذي ذكره في حكاية نوح مذكور هاهنا، وهو قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ كما قال من قبل ومن بعد في حكاية ثمود غير أنه تعالى حكى في حكاية عاد ﴿ فَكَيْفَ كَانَ ﴾ مرتين، المرة الأولى استفهم ليبين كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول سائلاً، فيقول: كيف هي فيقول إنها كذا وكذا فكذلك هاهنا قال: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى ﴾ فقال السامع: بين أنت فإني لا أعلم فقال: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا  ﴾ وأما المرة الثانية فاستفهم للتعظيم كما يقول القائل للعارف المشاهد كيف فعلت وصنعت فيقول: نعم ما فعلت ويقول: أتيت بعجيبة فيحقق عظمة الفعل بالاستفهام، وإنما ذكر هاهنا المرة الأولى ولم يذكر في موضع آخر لأن الحكاية ذكرها مختصرة فكان يفوت الاعتبار بسبب الاختصار فقال: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَذَابِى ﴾ حثاً على التدبر والتفكر، وأما الاختصار في حكايتهم فلأن أكثر أمرهم الاستكبار والاعتماد على القوة وعدم الالتفات إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ وذكر استكبارهم كثيراً، وما كان قوم محمد صلى الله عليه وسلم مبالغين في الاستكبار وإنما كانت مبالغتهم في التكذيب ونسبته إلى الجنون، وذكر حالة نوح على التفصيل فإن قومه جمعوا بين التكذيب والاستكبار، وكذلك حال صالح عليه السلام ذكرها على التفصيل لشدة مناسبتها بحال محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنُذُرِ ﴾ وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله.

أو إنذار أتى في تعذيبهم لمن بعدهم ﴿ فِى يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ في يوم شؤم.

وقرئ: ﴿ في يوم نحس ﴾ كقوله: ﴿ فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ [فصلت: 16] .

﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ قد استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

أو استمر عليهم جميعاً كبيرهم وصغيرهم، حتى لم يبق منهم نسمة، وكان في أربعاء في آخر الشهر لا تدور.

ويجوز أن يريد بالمستمر: الشديد المرارة والبشاعة ﴿ تَنزِعُ الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم، وكانوا يصطفون آخذين أيديهم بأيدي بعض.

ويتدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ يعني أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتاً وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولهابلا فروع، منقعر: منقلع: عن مغارسه.

وقيل: شبهوا بأعجاز النخل، لأنّ الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤوس.

وذكر صفة ﴿ نَخْلٍ ﴾ على اللفظ، ولو حملها على المعنى لأنث، كما قال: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 7] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ وإنْذارِي أتى لَهم بِالعَذابِ قَبْلَ نُزُولِهِ، أوْ لِمَن بَعْدَهم في تَعْذِيبِهِمْ.

﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ بارِدًا أوْ شَدِيدَ الصَّوْتِ.

﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ شُؤْمٍ.

﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ أيِ اسْتَمَرَّ شُؤْمُهُ، أوِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ عَلى جَمِيعِهِمْ كَبِيرِهِمْ وصَغِيرِهِمْ فَلَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا، أوِ اشْتَدَّ مَرارَتُهُ وكانَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ آخِرِ الشَّهْرِ.

﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ تَقْلَعُهُمْ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا في الشِّعابِ والحُفَرِ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَنَزَعَتْهُمُ الرِّيحُ مِنها وصَرَعَتْهم مَوْتى.

﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ عَنْ مَغارِسِهِ ساقِطٍ عَلى الأرْضِ.

وقِيلَ: شُبِّهُوا بِالأعْجازِ لِأنَّ الرِّيحَ طَيَّرَتْ رُؤُوسَهم وطَرَحَتْ أجْسادَهُمْ، وتَذْكِيرُ مُنْقَعِرٍ لِلْحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، والتَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ لِلْمَعْنى.

﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ.

وقِيلَ: الأوَّلُ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ كَما قالَ أيْضًا في قِصَّتِهِمْ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ} أي وانذار اتى لهم بالعذاب قبل نزوله او وانذار انى في تعذيبهم لمن بعدهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَذَّبَتْ عادٌ ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةٍ أُخْرى ولَمْ تُعْطَفْ وكَذا ما بَعْدَها مِنَ القِصَصِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مُسْتَقِلَّةٌ في القَصْدِ والِاتِّعاظِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ عَلَمٌ ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الإضافَةِ ولَمّا كانَ لِقَوْمِ هُودٍ عَلَمٌ وهو عادٌ ذُكِرُوا بِهِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّعْرِيفِ، والمُرادُ كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْمًا لِلِاخْتِصارِ ومُسارَعَةً إلى بَيانِ ما فِيهِ الِازْدِجارُ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ لِتَوْجِيهِ قُلُوبِ السّامِعِينَ نَحْوَ الإصْغاءِ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ قَبْلَ ذِكْرِهِ لا لِتَهْوِيلِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَعْجِيبِهِمْ مِن حالِهِ بَعْدَ بَيانِهِ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ( كَذَّبَتْ عادٌ ) فَهَلْ سَمِعْتُمْ، أوْ فاسْمَعُوا كَيْفَ عَذابِي وإنْذارِي لَهم، وقِيلَ: هو لِلتَّهْوِيلِ أيْضًا لِغَرابَةِ ما عُذِّبُوا بِهِ مِنَ الرِّيحِ وانْفِرادِهِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ بَحْثٌ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً أي: سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق.

وقال بعضهم: يعني: تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل إلى قريب من خروج النبيّ  .

وقال بعضهم: يعني: جنس السفينة صارت عبرة، لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة، فاتخذت الناس السفن بعد ذلك في البحر، فلذلك كانت آية للناس.

ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: هل من معتبر يعتبر بما صنع الله تعالى بقوم نوح، فيترك المعصية.

ويقال: فهل من مذكر يتعظ بأنه حق، ويؤمن به.

وقال أهل اللغة: أصل مدكر، مفتعل من الذكر، مذتكر، فأدغمت الذال في التاء، ثم قلبت دالاً مشددة.

ثم قال: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: كيف رأيت عذابي، وإنذاري لمن أنذرهم الرُّسلُ، فلم يؤمنوا، والنذر بمعنى الإنذار.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ يعني: هوّنا القرآن لِلذِّكْرِ يعني: للحفظ.

ويقال: هونا قراءاته.

وروى الحسن عن النبيّ  أنه قال: «لَوْلا قَوْلُ الله تَعَالَى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ما طاقت الألسن أن تتكلّم بِهِ» ويقال: هوناه لكي يذكروا به ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ، يتعظ بما هون من قراءة القرآن.

وروى الأسود عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: قرأت على النبيّ  فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بالدال، فقال النبيّ  : «فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر» يعني: بالذال.

قوله تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ يعني: كذبوا رسولهم هود فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: أليس وجوده حقاً، ونذر جمع نذير قال القتبي: النذر جمع النذير، والنذير بمعنى الإنذار، مثل التنكير بمعنى الإنكار.

يعني: كيف كان عذابي، وإنكاري.

ثم بيّن عذابه فقال عز وجل: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعني: سلطنا عليهم ريحاً باردة فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يعني: شديدة استمرت عليهم، لا تفتر عنهم سبع ليال، وثمانية أيام، حسوماً دائمة تَنْزِعُ النَّاسَ يعني: تنزع أرواحهم من أجسادهم، وهذا قول مقاتل.

ويقال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ يعني: يوم مشؤوم عليهم: مُسْتَمِرٍّ يعني: استمر عليهم بالنحوسة.

وقال القتبي: الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع الناس.

يعني: تقلعهم من مواضعهم.

كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يعني: صرعهم، فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض، فشبههم لطولهم بالنخيل الساقطة.

وقال مقاتل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً.

وقال في رواية الكلبي: كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا، فاستهزءوا حين ذكر لهم الريح، فخرجوا إلى الفضاء، فضربوا بأرجلهم، وغيبوها في الأرض إلى قريب من ركبهم، فقالوا: قل للريح حتى ترفعنا، فجاءت الريح فدخلت تحت الأرض، وجعلت ترفع كل اثنين، وتضرب أحدهما على الآخر بعد ما ترفعهما في الهواء، ثم تلقيه في الأرض، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلهم، ثم رمت بالرمل والتراب عليهم، وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يوما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟

ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :

يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.

وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.

ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.

وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.

تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)

أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)

فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)

نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)

وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.

ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.

ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:

محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:

هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.

وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.

وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.

وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿ وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ.

فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ.

ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ.

وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.

﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهُ ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ.

أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ.

وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ.

والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.

وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟

"فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي" ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ.

وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ.

والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.

﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ.

مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ.

ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ  ﴾ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ﴿ تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ ﴿ أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ "عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.

و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِعُ الناسَ ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ.

قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟

ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟

ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ  عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.

و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟

وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟

وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.

وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا ﴾ ؟

و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي  ﴾ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا  ﴾ ، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.

ثُمَّ قالُوا: ﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ ، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الجملة كموقع جملة ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ [القمر: 9] فكان مقتضى الظاهر أن تعطف عليها، وإنما فصلت عنها ليكون في الكلام تكرير التوبيخ والتهديد والنعي عليهم عقب قوله: ﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر ﴾ [القمر: 4، 5].

ومقام التوبيخ والنعي يقتضي التكرير.

والحكم على عاد بالتكذيب عموم عرفي بناء على أن معظمهم كذبوه وما آمن به إلا نفر قليل قال تعالى: ﴿ ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ﴾ [هود: 58].

وفرع على التذكير بتكذيب عاد قوله: ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ قبل أن يذكر في الكلام ما يشعر بأن الله عذبهم فضلاً عن وصف عذابهم.

فالاستفهام مستعمل في التشويق للخبر الوارد بعده وهو مجاز مرسل لأن الاستفهام يستلزم طلب الجواب والجواب يتوقف على صفة العذاب وهي لَمّا تذكر فيحصل الشوق إلى معرفتها وهو أيضاً مكنى به عن تهويل ذلك العذاب.

وفي هذا الاستفهام إجمال لحال العذاب وهو إجمال يزيد التشويق إلى ما يبينه بعده من قوله: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ الآية، ونظيره قوله تعالى: ﴿ عم يتساءلون ﴾ [النبأ: 1] ثم قوله: ﴿ عن النبأ العظيم ﴾ [النبأ: 2] الآية.

وعطف ﴿ ونذر ﴾ على ﴿ عذابي ﴾ بتقدير مضاف دل عليه المقام، والتقدير: وعاقبة نذري، أي إنذاراتي لهم، أي كيف كان تحقيق الوعيد الذي أنذرهم.

ونُذر: جمع نذير بالمعنى المصدري كما تقدم في أوائل السورة وقد علمت بما ذكرنا أن جملة «فكيف كان عذابي ونذري» هذه ليست تكريراً لنظيرها السابق في خبر قوم نوح، ولا اللاحق في آخر قصة عاد للاختلاف الذي علمته بين مُفادها ومفاد مماثلتها وإن اتحدت ألفاظهما.

والبليغ يتفطن للتغاير بينهما فيصرفه عن توهم أن تكون هذه تكريراً فإنه لما لم يسبق وصف عذاب عاد لم يستقم أن يكون قوله: ﴿ فكيف كان عذابي ﴾ تعجيباً من حالة عذابهم.

وقوله: ﴿ ونذر ﴾ موعظة من تحقق وعيد الله إياهم، وقد أشار الفخر إلى هذا وقفينا عليه ببسط وتوجيه.

وأصل السؤال عن تكرير هذه الجملة أثناء قصة عاد هنا أورده في كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» المنسوب إلى الفخر وإلى الراغب إلا أن كلام الفخر في «التفسير» أجدر بالتعويل مما في «درة التنزيل».

وجملة ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ الخ بيان للإجمال الذي في قوله: ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ .

وهو في صورة جواب للاستفهام الصوري.

وكلتا الجملتين يفيد تعريضاً بتهديد المشركين بعذاب على تكذيبهم.

وجملة البيان إنما اتصف حال العذاب دون حال الإِنذار، أو حال رسولهم وهو اكتفاء لأن التكذيب يتضمن مجيء نذير إليهم وفي مفعول ﴿ كذبت ﴾ المحذوف إشعار برسولهم الذي كذبوه وبعث الرسول وتكذيبهم إياه بتضمن الإِنذار لأنهم لما كذبوه حق عليه إنذارهم.

وتعدية إرسال الريح إلى ضميرهم هي كإسناد التكذيب إليهم بناء على الغالب وقد أنجى الله هوداً والذين معه كما علمت آنفاً أو هو عائد إلى المكذبين بقرينة قوله: ﴿ كذبت عاد ﴾ .

والصرصر: الشديدة القوية يكون لها صوت، وتقدم في سورة فصّلت.

وأريد ب ﴿ يوم نحس ﴾ أول أيام الريح التي أرسلت على عاد إذ كانت سبعة أيام إلا يوماً كما في قوله تعالى: ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات ﴾ في سورة فصّلت (16) وقوله: ﴿ سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ﴾ في سورة الحاقة (7).

والنحْس: سوء الحال.

وإضافة يوم } إلى ﴿ نحس ﴾ من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه كقولهم يوم تحلاق اللمم، ويوم فتح مكة.

وإنما يضاف اليوم إلى النحس باعتبار المنحوس، فهو يوم نحس للمعذبين يوم نصر للمؤمنين ومصائب قوم عند قوم فوائد..

وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد لأن كل يوم تحدث فيه نحوس لقوم وسعود لآخرين، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنحس هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحق إليها سمعه.

واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء.

وأصل ذلك انجرّ لهم من عقائد مجوس الفرس، ويسمون الأربعاء التي في آخر الشهر «الأربعاء التي لا تدور»، أي لا تعود، أرادوا بهذا الوصف ضبط معنى كونها آخر الشهر لئلا يظن أنه جميع النصف الأخير منه وإلاّ فأيّة مناسبة بين عدم الدوران وبين الشؤم، وما من يوم إلاّ وهو يقع في الأسبوع الأخير من الشهر ولا يدور في ذلك الشهر.

ومن شعر بعض المولدين من الخراسانيين: لقاؤك للمبكِّر فَألُ سوء *** ووجهك أربعاءُ لا تدور وانظر ما تقدم في سورة فصّلت.

و ﴿ مستمر ﴾ : صفة ﴿ نحس ﴾ ، أي نحس دائم عليهم فعُلِم من الاستمرار أنه أبادهم إذ لو نجوا لما كان النحس مستمراً.

وليس ﴿ مستمر ﴾ صفة ل ﴿ يوم ﴾ إذ لا معنى لوصفه بالاستمرار.

والكلام في اشتقاق مستمر تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ويقولوا سحر مستمر ﴾ [القمر: 2].

ويجوز أن يكون مشتقاً من مرّ الشيء قاصراً، إذا كان مُرّاً، والمرارة مستعارة للكراهية والنفرة فهو وصف كاشف لأن النحس مكروه.

والنزع: الإِزالة بعُنف لئلا يبقى اتصال بين المزال وبين ما كان متصلاً به، ومنه نزع الثياب.

والأعجاز جمع عَجُز: وهو أسفل الشيء، وشاع إطلاق العَجُز على آخر الشيء لأنهم يعتبرون الأجسام منتصبة على الأرض فأولاها ما كان إلى السماء وآخرها ما يلي الأرض.

وأطلقت الأعجاز هنا على أصول النخل لأن أصل الشجرة هو في آخرها مما يلي الأرض.

وشبه الناس المطروحون على الأرض بأصول النخيل المقطوعة التي تقلع من منابتها لموتها إذ تزول فروعها ويتحاتّ ورقها فلا تبقى إلا الجذوع الأصلية فلذلك سميت أعجازاً.

و ﴿ منقعر ﴾ : اسم فاعل انقعر مطاوع قَعره، أي بلغ قَعْره بالحفر يقال: قَعَرَ البئرَ إذا انتهى إلى عمقها، أي كأنهم أعجاز نخل قعرت دواخله وذلك يحصل لعُود النخل إذا طال مكثه مطروحاً.

ومنقعر: وصف النخل، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخل دون عدد مدلوله خلافاً لما في قوله تعالى: ﴿ كأنهم أعجاز نخل خاوية ﴾ [الحاقة: 7] وقوله: ﴿ والنخل ذات الأكمام ﴾ [الرحمن: 11] قال القرطبي: «قال أبو بكر ابن الأنباري سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة من جملتها، قيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿ ولسليمان الريح عاصفة ﴾ [الأنبياء: 81] و ﴿ جاءتها ريح عاصف ﴾ [يونس: 22] وقوله: ﴿ أعجاز نخل خاوية ﴾ [الحاقة: 7] و ﴿ أعجاز نخل منقعر ﴾ ؟

فقال كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً» اه.

وجملة ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ في موضع الحال من ﴿ الناس ﴾ ووجه الوصف ب ﴿ منقعر ﴾ الإِشارة إلى أن الريح صرعتهم صرعاً تفلقت منه بطونهم وتطايرت أمعاؤهم وأفئدتهم فصاروا جثثاً فُرغا.

وهذا تفظيع لحالهم ومثلة لهم لتخويف من يراهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بارِدَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

الثّانِي: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: الَّتِي يُسْمَعُ لِهُبُوبِها كالصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بازٍ يُصَرْصِرُ فَوْقَ المَرْقَبِ العالِي ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَوْمُ عَذابٍ وهَلاكٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ يَوْمَ الأرْبَعاءِ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ كانَ يَوْمًا بارِدًا، قالَ الشَّنْفَرى ولَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلِي القَوْسَ رَبُّها ∗∗∗ وأقْطَعُهُ اللّاتِي بِها يَنْبُلُ يَعْنِي أنَّهُ لِشِدَّةِ بَرْدِها يَصْطَلِي بِقَوْسِهِ وسِهامِهِ الَّتِي يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ.

وَفِي ﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: الذّاهِبُ.

الثّانِي: الدّائِمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ قال: باردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: أيام شداد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ صرصراً ﴾ قال: شديدة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ريحاً صرصراً ﴾ قال الباردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: في يوم مشؤوم على القوم مستمر استمر عليهم شره.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: النحس البلاء والشدة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: سواء عليه أي يوم أتيته ** أساعة نحس تتقي أم بأسعد وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ قال: يوم الأربعاء.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد وقال: يوم الأربعاء ﴿ يوم نحس مستمر ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوم نحس يوم الأربعاء» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام وسئل عن يوم الأربعاء قال: يوم نحس، قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟

قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه وأهلك عاداً وثمود» .

وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أقبلت الريح قام إليها عاد فأخذ بعضهم بأيدي بعض وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا: من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كان صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح تنزع الناس ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، فكان الرجل يغمز قدمه في الأرض فتدخل فيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصول نخل ﴿ منقعر ﴾ قال: منقطع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: أعجاز سود النخل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: وقعت رؤوسهم كأمثال الأخشبة وتقوّرت أعناقهم فشبهها بأعجاز نخل منقعر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ ﴾ أي يسرناه للحفظ، وهذا معلوم بالمشاهدة، فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظاً بالغاً بخلاف غيره من الكتب، وقد رُوي أنه لم يحفظ شيء من كتب الله عن ظهر قلب إلا القرآن.

وقيل: معنى الآية سهلناه للفهم والاتعاظ به لما تضمن من البراهين والحكم البليغة، وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ [القمر: 37، 39] لينبه السامع عند كل قصة، فيعتبر بها إذ كل قصة من القصص التي ذكرت عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ، ومن الملاطفة في قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.

الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.

﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.

الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.

التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة  ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله  آية فانشق القمر مرتين.

وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم  هذا قول أكثر الفسرين.

وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.

وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.

وأيضاً إنه  جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.

وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.

هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.

وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.

ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.

واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً  ﴾ والأمر عند الله معلوم.

قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.

والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.

ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله  يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.

وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.

وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.

وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.

عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.

والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.

جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.

وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.

والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد  ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد  سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.

ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.

ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.

وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.

والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.

وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.

تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.

وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.

وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم  ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.

وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.

ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم  .

ثم إنه  أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.

ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.

وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.

وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.

وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.

وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.

ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".

وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.

ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.

قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.

ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.

وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.

فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح  لأن وجود النبي  نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.

يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.

فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.

والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.

وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.

وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.

سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟

والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.

ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟

فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.

والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.

فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.

ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة  ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.

وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.

وقيل: المستمر الشديد المرارة.

﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.

وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.

قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية  ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.

قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.

الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.

الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.

والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.

وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.

وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟

أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.

والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.

ثم قال  تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.

وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.

وذلك أصل مرفوض.

ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.

ثم إنه  خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.

﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.

وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.

﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.

والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".

ولعل التذكير بتأويل العذاب.

والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".

وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.

والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.

وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.

وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه  يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.

وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.

وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".

والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.

﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.

وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله  واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.

ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.

ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه  وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح  ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.

ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.

فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.

فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.

قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.

ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد  وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.

عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟

فلما رأى رسول الله  يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.

والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.

﴿ وأمر ﴾ من المرارة.

وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.

وقيل: من المرة الشدة.

قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.

روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله  في القدر فأنزل الله  هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.

أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.

والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.

واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي  هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.

والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله  .

وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.

ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد  كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.

وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.

قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".

وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.

ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.

ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.

قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.

وأما الرفع فيحتمل معنيين.

أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.

والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.

ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.

ثم ختم السورة بوعد المتقين.

والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.

ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون  ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".

ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".

قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.

والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.

ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ذكر أنباء الأوائل وما نزل بهم بالتكذيب، والعناد، سوء معاملتهم الرسول - صلى الله عليه سلم - وهو صلة قوله: ﴿ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ  ﴾ تأويل الآية يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ قيل: باردة.

وقيل: شديدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ ؛ إذ استمر بهم العذاب - كما قال الله عز وجل -: ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً  ﴾ .

وقيل: ﴿ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ أي: ذاهب على الصغير والكبير، فلم تُبْقِ منهم أحداً إلا أهلكته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ من الناس من قال: لما اشتدت بهم الريح، تنادوا فيما بينهم: البيوت!

فدخلوها، فدخلت الريح عليهم، فأخرجتهم من بيوتهم، وألقتهم في فنائهم؛ فذلك النزع.

ومنهم من قال: تنزع مفاصلهم فتلقيهم كأعجاز نخل منقعر؛ لأنهم كانوا أطول الخلق، فذكر أن كل رجل منهم كان طوله ستين ذراعا، والنخل لا يبلغ ذلك المقدار إلا بمعد قطع المفصال؛ فجائز التشبيه بأعجاز نخل منقعر بعد انتزاع مفاصلهم، والانقعار: هو الانقلاع.

قال أبو عوسجة: ﴿ مُّنقَعِرٍ ﴾ ، أي: منقطع ساقط.

ومنهم من قال: شبههم بأعجاز النخل؛ لعظم أعجازهم.

وقال بعضهم: شبههم بأعجاز النخل؛ لطولهم، ولكن ذلك بعد نزع مفاصلهم؛ لما ذكرنا.

وفي حرف حفصة -  ا -: (تنزع [الناس] على أعقابهم).

وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ أي: بالرسل التي دعتهم إلى الإيمان بالله  .

والثاني: كذبت بما وقعت به النذارة التي أخبرهم الرسل: أنها نازلة واقعة بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ، لم يزل الأكابر من الكفرة والرؤساء منهم يلبسون على أتباعهم بهذا الحرف: ﴿ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ، وقالوا: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ﴾ \[المؤمنون: 33\]، وقوله -  -: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 34\]، ونحو ذلك، وذلك تناقض [في] القول؛ لأنهم كانوا ينهون أتباعهم عن اتباع بشر مثهلم ويدعونهم إلى ابتاع آبائهم والاقتداء بهم، وهم أيضا بشر، وليس مع آبائهم حجج وبراهين، ومع الرسل حجج وآيات، فيكون تناقضا في القول ومعارضة فاسدة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ فهو يخرج على ما ذكرنا من الوجهين، وكذا قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ، قال بعضهم: السعر: الجنون؛ أي: لو اتبعنا بشرا منا، لكنا في ضلال وجنون، وهو مأخوذ من سعر النار؛ إذا التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة؛ من النشاط.

وقيل: الضلال والسعر واحد.

ويحتمل: أي: إنا إذا لفي ضلال في الدنيا، وسعر في الآخرة، والسعر: من السعير، وهو النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ فجائز أن يكون هذا القول من أهل مكة لرسول الله  كقوله -  - خبرا عنهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا  ﴾ ، والذكر هو القرآن، على هذا التأويل.

وجائز أن يكون ذلك من ثمود وصالح -  - والقصة قصة صالح؛ فهو الأشبه بالتأويل، ولم يزل الكفرة ينكرون تفضل الرسل - عليهم السلام - على غيرهم من البشر بالرسالة، وإنزال الذكر عليهم من بينهم، ثم يرون لأنفسهم الفضل على أولئك الرسل: إما بفضل مال، أو بفضل نسب، أو رياسة، ونفاذ قول، بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع، وما ينبغي لهم ان ينكروا تفضيل الرسل بالرسالة والنبوة بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع؛ إذ هي فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾ عن مجاهد: أنه قرأ بفتح الشين، وقرأ العامة ﴿ أَشِرٌ ﴾ بكسر الشين.

قال أبو عوسجة: وقيل: الأَشِر، والأَشَر هو البطر - كما يقال: حذر وحَذَر - وهو المرح التكبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ ﴾ قرئ بالياء والتاء؛ فمن قرأ بالياء احتج بقوله ﴿ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ، ولم يقل "لكم"، ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب من رسول الله  للكفرة، أي: ستعلمون غدا عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم؟

وهذا وعيد منه لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ؛ لنفتنهم بها، ونمنحهم، لم نعطهم مجانا جزافا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ ﴾ أي: فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقر لها.

ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْهُمْ ﴾ هو خطاب لرسوله عليه الصلاة والسلام في حق أهل مكة، كقوله ﴿ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ  ﴾ .

وقوله -: ﴿ وَٱصْطَبِرْ ﴾ أي: اصطبر على أذاهم، ولا تكافئهم.

أو اصبر على تبليغ الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ وفيه من الفوائد والدلائل: أحدها: أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق؛ حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها؛ حتى قسم الماء بينها وبين سائر النوق.

وفيه: أنه لا بأس بقسمة الشرب؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء، وذكر في آية أخرى: ﴿ شِرْبُ يَوْمٍ  ﴾ وهو قسمة بالإيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ أي: كل شرب بحضرة من له شرب ذلك، لا يحضره غيره.

وفيه: أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له، فكانت تعتلف وتشرب كسائر النوق التي ليست هي بآيات.

وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها، وقدر علقها وشربها.

ثم جعل الماء بينها وبين أولئك القوم بالقسمة، ولم يجعل العلف بينها وبينهم بالقسمة؛ لاشتراكهم جميعا في الماء - أعني: البهائم والبشر - وحاجة كل منهم إلى الماء، فلذا جعل النبات مشتركا بينها وبين سائر البهائم؛ لأن في ذلك كثرة، فلا حاجة إلى القسمة، فأما في الماء في ذلك الموضع عزة؛ لما يسقون من الآبار؛ فلذلك جعلوا الماء بالقسمة، والله أعلم.

وفيه: أن المياه إذا ضات قسمتها بالأجواء تقسم بالأيام؛ من حيث جعل لها شرب يوم معلوم، ولهم شرب يوم معلوم.

وفيه: أن الماء وإن كان عينا فيهو كالمنفعة في جواز قسمتها بالأيام.

ثم قوله: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ جائز أن يكون الخطاب لصالح -  - أمره أن ينبئ قومه: أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة.

وجائز أن يكون الخطاب به لرسول الله  ، أمره أن خبر قومه: أن الماء كان قسمة بينهم وبين الناقة، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ﴾ ، أضاف العقر هاهنا إلى واحد، وفي رواية أخرى أضافه إلى الجماعة، وهو قوله: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ  ﴾ ، فيكن ظاهر هذه الآيات على التناقض؛ من حيث ذكر الفرد والجماعة.

وفيه تناقض من وجه آخر؛ فإنه ذكر في آية: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ  ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ  ﴾ ، ذكر الندامة، وهي خلاف العتو.

لكنا نقول: لا تناقض، لا اختلاف عند اختلاف الأحوال و الأوقات، فقوله: ﴿ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ قبل أن ينزل بهم العذاب، وقوله: ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ  ﴾ إذا نزل بهم العذاب، والتناقض في وقت واحد في حال واحد، وكذلك العقر من واحد على الحقيقة، لكن إما أضافه إلى الجماعة، لأنه عقر بمعاونتهم.

أو الواحد هو الذي طعنها، ثم اجتمعوا، فعقروا جميعا، ونحو ذلك؛ فثبت أنه لا تناقض.

وقال بعضهم: ﴿ فَتَعَاطَىٰ ﴾ تناول، ﴿ فَعَقَرَ ﴾ أي: ضرب عرقوبها؛ أي: ساقها.

وقيل: العقر: قد يكون جرحا، وقد يكون قتلا.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ يحتمل: أي: أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة، يخبر عن سرعة نزول العذاب ووقعه عليهم.

ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم المحتظر، وهو قوله: ﴿ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ ﴾ ، قيل: الهشيم: العظام البالية.

وقيل: كالشيء المتناثر، من الحائط، وأصل الهشيم: الانكسار، أي: صاروا كالشيء المنكسر المجتمع في موضع.

وقوله  : ﴿ ٱلْمُحْتَظِرِ ﴾ بكسر الظاء ونصبه، روي النصب عن الحسن.

قال أبو عبيد: بالكسر يقرأ على تأويل الإنسان المحتظر.

وقال أبو عوسجة: الهشيم: البالي من الشجر، والمحتظر: الذي يتخذ حظيرة.

وقال القتبي: الهشيم: النبت اليابس الذي ينهشم، أي: ينكسر، والمحتظر - بكسر الظاء -: صاحب الحظيرة لغنمه، وبفتح الظاء أراد: الحيطان، وهو الحظيرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ ، أي: يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من نعم الله  ، وأغفلوا عنها.

أو يسرنا القرآن لذكر ما أغفلوا من الحجج والآيات ونسوها.

أو يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من الأنباء، وما نزل بمكذبي الرسل - عليهم السلام - بالتكذيب والعناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ قد تقدم ذكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ، قال أهل التأويل: أليس الذي أنذروا به وجدوه حقّاً.

وقال بعضهم: أليس وجدوا ما وعد لهم رسلي حقّاً.

وقد ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كذبت عاد نبيها هودًا -  -، فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟!

وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.PG4Qq"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله