الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة القمر
تفسيرُ سورةِ القمر كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 13 دقيقة قراءة﴿ اقتربت الساعة ﴾ أي قربت القيامة، ومعنى قربها أنها بقي لها من الزمان شيء قليل بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» ﴿ وانشق القمر ﴾ هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك «أن قريشاً سألته آية فأراهم انشاق القمر.
فقال صلى الله عليه وسلم: اشهدوا» ، وقال ابن مسعود: انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى دونه، وقيل: معنى انشق المقر أنه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل تردّه الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك على تفسير الآية بذلك إلا من لا يعتبر قوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ هذه الضمائر لقريش والآية المشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت قريش: سحر محمد القمر ومعنى مستمر: دائم وقيل: معناه ذاهب يزول عن قريب وقيل: شديد وهو على هذا المعنى من المرة وهي القوة: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي كل شيء لابد له من غاية، فالحق يحق والباطل يبطل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الأنبآء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ الأنباء هنا، يراد بها ما ورد في القرآن من القصص والبراهين والمواعظ، ومزدجر اسم مصدر بمعنى الازدجار أو اسم موضع بمعنى أنه مظنة أن يزدجر به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ بدل من ما فيه أو خبر ابتداء مضمر ﴿ فَمَا تُغْنِ النذر ﴾ يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية لمعنى الاستبعاد والإنكار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي أعرض عنهم لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم.
﴿ يَوْمَ يَدْعُ الداع إلى شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ العامل في يوم مضمر تقديره: اذكر أو قوله: ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ بعد ذلك، وليس العامل فيه ﴿ تَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فيوقف عليه وقيل: المعنى ﴿ تَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي يوم يدع الداع والأول أظهر وأشهر.
والداعي جبريل أو إسرافيل إذ ينفخ في الصور، والشيء النكر الشديد الفظيع.
وأصله من الإنكار.
أي: هو منكور لأنه لم ير قط مثله، والمراد به يوم القيامة ﴿ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ ﴾ كناية عن الذلة وانتصب خشعاً على الحال من الضمير في ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث ﴾ أي من القبور ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ شبَّههم بالجراد في خروجهم من الأرض، فكأنه استدلال على البعث كالاستدلال بخروج النبات.
وقيل: إنما شبههم بالجراد في كثرتهم، وأن بعضهم يموج في بعض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُّهْطِعِينَ ﴾ أي مسرعين وقيل: ناظرين إلى الداع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يعني نوحاً عليه السلام، ووصفه هنا بالعبودية تشريفاً له واختصاصاً ﴿ وازدجر ﴾ أي زجروه بالشتم والتخويف وقالوا له: ﴿ قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانوح لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ﴾ [الشعراء: 116].
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر ﴾ أي قد غلبني الكفار فانتصر لي أو انتصر لنفسك، ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ عبارة عن كثرة المطر، فكأنه يخرج من أبواب، وقيل: فتحت في السماء أبواب يومئذ حقيقة، والمنهمر الكثير ﴿ فَالْتَقَى المآء ﴾ ماء السماء وماء الأرض ﴿ على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي قد قضى في الأزل، ويحتمل أن يكون المعنى أنه قدر بمقدار معلوم، ورُوي في ذلك أنه علا فوق الأرض أربعين ذراعاً ﴿ وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ يعني السفينة والدسر هي المسامير واحدها دسار، وقيل: هي مقادم السفينة، وقيل: أضلاعها والأول أشهر ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ عبارة عن حفظ الله ورعيه لها ﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي جاء لنوح: وقيل: جزاء لله تعالى والأول أظهر، وانتصب جزاء على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه ما تقدم من فتح أبواب السماء وما بعده من الأفعال؛ أي جعلنا ذلك كله جزاء لنوح، ويحتمل أن يكون قوله: كفر من الكفر بالدين والتقدير لمن كفِر به فحذف الضمير، أو يكون من الكفر بالنعمة؛ لأن نوحاً عليه السلام نعمة من الله كفرها قومه، فلا يحتاج إلى هذا إلى الضمير المحذوف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ الضمير للقصة المذكورة أو الفعلة أو السفينة وروي في هذا المعنى أنها بقيت على الجودي حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ تحضيض على الإدَّكار فيه ملاطفة جميلة من الله لعباده، ووزن مذكر مفتعل وأصل مدتكر ثم أبدل من التاء دالاً وأدغمت فيها الدال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ توقيف فيه تهديد لقريش والنذر جمع نذير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ ﴾ أي يسرناه للحفظ، وهذا معلوم بالمشاهدة، فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظاً بالغاً بخلاف غيره من الكتب، وقد رُوي أنه لم يحفظ شيء من كتب الله عن ظهر قلب إلا القرآن.
وقيل: معنى الآية سهلناه للفهم والاتعاظ به لما تضمن من البراهين والحكم البليغة، وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ [القمر: 37، 39] لينبه السامع عند كل قصة، فيعتبر بها إذ كل قصة من القصص التي ذكرت عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ، ومن الملاطفة في قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ أي مصوته فهو من الصرير يعني الصوت وقيل: معناه باردة فهو من الصر ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ رُوي أنه كان يوم أربعاء، حتى رأى بعضهم أن كل يوم أربعا نحس ورووا: آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَنزِعُ الناس ﴾ أي تقلعهم من مواضعهم ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ هلكوا بذلك لأنهم طوال عظام الأجساد كالنخل، وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤوس، فشبههم بأعجاز النخل لأنها دون أغصان: وقيل: كانوا حفروا حفراً يمتنعون بها من الريح.
فهلكوا فيها فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَبَشَراً ﴾ هو صالح عليه السلام، وانتصب بفعل مضمر والمعنى أنهم أنكروا أن يتبعوا بشرا وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة، ثم زادوا أن أنكروا أن يتبعوا واحداً وهم جماعة كثيرون ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ أي عناد، وقيل: معناه جنون، وقيل: معناه هم وغم وأصله من السعير بمعنى النار.
وكأنه احتراق النفس بالهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ أنكروا أن يخصه الله بالنبوة دونهم، وذلك جهل منهم، فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴿ أَشِرٌ ﴾ بطر متكبر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ أي لهم يوم وللناقة يوم من غير أن يتعدوا على الناقة، فالضمير في ﴿ نَبِّئْهُمْ ﴾ يعود على ثمود.
وعلى الناقة تغليباً للعقلاء، وقيل: إن الضمير لثمود، والمعنى لا يتعدى بعضهم على بعض ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ أي مشهود.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ ﴾ يعني: عاقر الناقة واسمه قدار وهو أحيمر ثمود وأشقاها ﴿ فتعاطى ﴾ أي اجترأ على أمر عظيم، وهو عقر الناقة وقيل: تعاطى السيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ صاح بها جبريل صيحة فماتوا منها ﴿ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر ﴾ الهشيم هو ما تكسر وتفتت من الشجر وغيرها، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وهي حائط من الأغصان أو القصب ونحو ذلك، أو يكون تحليقاً للمواشي أو السكنى فشبه الله ثمود لها هلكوا بما يتفتت من الحظيرة من الأوراق وغيرها، وقيل: المحتظر المحترق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَاصِباً ﴾ ذكر في [العنكبوت: 40].
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَمَارَوْاْ بالنذر ﴾ تشككوا ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ الضيف هنا: هم الملائكة الذين أرسلهم الله إلى لوط، ليهلكوا قومه.
وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم، وأرادوا منهم الفاحشة فطمس الله على أعينهم، فاستوت مع وجوههم، وقيل: إن الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم، وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحداً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد، والهمزة للإنكار ومعناه: هل الكفار منكم خير عند الله من الكفار المتقدمين المذكورين، بحيث أهلكناهم لما كذبوا الرسل وتنجون أنتم وقد كذبتم رسلكم؟
بل الذي أهلكهم يهلككم ﴿ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر ﴾ معناه أم لكم في كتاب الله براءة من العذاب؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ أي نحن نجتمع وننتصر لأنفسنا بالقتال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش، وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ المراد بالمجرمين هنا الكفار وضلالهم في الدنيا، والسعر لهم في الآخرة وهو الاحتراق، وقيل: أراد بالمجرمين القدرية لقوله في الرد عليهم: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ والأول أظهر ﴿ يُسْحَبُونَ فِي النار ﴾ أي يجرون فيها ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ المعنى أن الله خلق كل شيء بقدر، أي بقضاء معلوم سابق في الأزل، ويحتمل أن يكون معنى ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك، والأول أرجح وفيه حجة لأهل السنة على القدرية.
وانتصب كل شيء بفعل مضمر يفسره خلقناه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر ﴾ عبارة عن سرعة التكوين ونفوذ أمر الله، والواحدة يراد بها الكلمة وهي قوله كن: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ ﴾ يعني أشياعكم من الكفار ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر ﴾ أي كل ما فعلوه مكتوب في صحائف الأعمال ﴿ مُّسْتَطَرٌ ﴾ أي مكتوب وهو من السطر.
تقول سطرت واستطرت بمعنى واحد، والمراد الصغير والكبير من أعمالهم وقيل: جميع الأشياء ﴿ وَنَهَرٍ ﴾ يعني أنهار الماء والخمر واللبن والعس واكتفى باسم الجنس ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ أي في مكان مرضي.