الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الحديد
تفسيرُ سورةِ الحديد كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 76 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يجوز أن يقرأ ﴿ سَبَّحَ للَّهِ ﴾ وسبح الله، كما يقال في الكلام: شكر لله، وشكر الله، ونصح الله ونصح الله.
ويجوز أن يكون معناهما في الظاهر مختلفا، ويتفق في الحقيقة والباطن؛ لأن التسبيح: هو التخليص والتنزيه والتبرئة، فمتى أضيف الفعل إلى الله ، ووقع عليه، فيقال سبح لله، فمعناه: أنه نزهه وبرأه عن جميع معاني الخلق، وخلصه عن شبه المخلوقين، وإذا قيل: سبح لله، فقد وقع الفعل على الأشياء المخلوقة؛ أي: خلصها كلها له وبرأها عن غيره، وإذا وصف بأن كل الأشياء له، وهو المالك لها، وهم عبيده ومماليكه، خاضعون أذلاء، فقد وصف الغناء ونفي الحاجة عنه، وأنه متبرئ عن الشبه بمماليكه ومخلوقاته، فهما جميعا من هذا الوجه ينظمان معنى واحدا، وإن كانا مختلفين وفي الباطن مؤتلفين؛ كما أن الإسلام: هو أن يجعل كل شيء من الخلق لله خالصا سالماً له، والإيمان: هو التصديق بالربوبية له في كل شيء، فمتى صدق الله بالربوبية في الخلق والأمر، فقد جعل الخلق سالما له، فمتى جعل سالما له فقد صدقه في الربوبية، فقد اتفقا من حيث المعنى، وإن اختلفا من حيث الظاهر، فعلى ذلك هذا، والله الموفق.
ثم يحتمل ما ذكر من التسبيح: هو تسبيح الخلقة، تشهد له خلقة كل شيء بالوحدانية والألوهية، فهذا على خلقه الكافر والمؤمن جميعا وغيرهما من المخلوقات.
ويحتمل أن يكون أراد الممتحنين الذين في السماوات والأرض، ويرجع إلى تسبيح خاص، وهو تسبيح النطق واللسان عن اختيار.
وجائز أن يرجع إلى كل ذي روح يجعل الله في سرية هذه الأشياء من التسبيح له ما يعلمه هو لا يعلمه غيره إلا بإعلام الله إياه ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: العزيز: هو الذي أفقر الخلق وأحوجهم إليه، والحكيم: هو المحكم للأشياء المتقن لها.
أو العزيز: القاهر الغالب، الحكيم: هو العالم بالأشياء على حقيقتها.
أو العزيز: هو المالك كل ملك؛ كقوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ الحكيم: الواضع كل شيء موضعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ جائز أن يكون ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ أي: يملك أن يحيي هذا، ويميت غيره، أو يحيي من شاء، وميت من شاء، ويملك إحياء من شاء وإماتة من شاء، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الإحياء والإماتة وغيرهم ﴿ قَدِيرٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ قالت الباطنية: الأول: معناه: المبدع الأول، والآخر: المبدع الثاني، والظاهر: هو الناطق، وهو الرسول ، والباطن: هو صاحب التأويل؛ يقولون: إن المبدع الأول أتم للمبدع الثاني المعونة؛ فيستعين بها المبدع الثاني على خلق هذا العالم وإنشائهم؛ لأنهم يقولون: إن المبدع الثانى هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانة المبدع الأول، والناطق هو الذي دبر الشرائع، والباطن - وهو صاحب التأويل - هو الذي يبين الشرائع التي دبرها الناطق وهو الرسول ، ولا يصفون أن الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ويقولون: لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء؛ لأ، الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن؛ كل حرف من هذه الحروف يبطل الآخر في الشاهد.
وجوابنا: أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق والباطن، ليس بشيء له معنى على ما ذكرنا في موضعه، وأما عندنا: فإن قوله: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ هو حرف التوحيد: هو الأول بذاته، والآخر بذاته والباطن بذاته؛ قال هذا؛ ليعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته غيره، فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره، ولا من باطنيته باطنية غيره؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية لاي كون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكونله باطنية، ومن كان له باطنية لا يكون له ظاهرية؛ فكل حرف من هذه الحروف مما ينقض الحرف الآخر وينفيه في الشاهد، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه؛ ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخية الأشياء، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته، وهذا كما ذكر: أنه عظيم ولطيف؛ لئلا يفهم من عظمة مايفهم من عظمة غيره، ولا من لطافته [ما يفهم] من لطافة غيره، والله الموفق.
وقال بعضهم: الأول: الذي لا ابتداء له، والآخر: الذي لا انتهاء له، والظاهر: هو الغالب القاهر، الذي لا يغلبه شيء، والباطن: الذي لا تدركه الأوهام.
وقال بعضهم: هو الاول الذي له أولية الأشياء، والآخر الذي له آخرية الأشياء، والظاهر بالحجج والآيات، والباطن الذي لا تدركه الأوهام، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ كأن خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام: الستة الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا، وهي أيام حكمة، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها، وما يكون أبد الآبدين، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: استوى أمره، فخلق الممتحن، وهم البشر؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر، ولهم إنشاء هذه الأشياء.
وإن كن المراد من قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ أيام الدنيا الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة؛ على ما ذكره في آية أخرى؛ فيكون ماذكره من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها، بل يقع ذلك على الكل، فيكون على هذا تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ البعث؛ أي: استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة؛ فالمقصود من إنشاء هذه العالم البعث، وله يصير إنشاؤه حكمة، فيكون به استواء الأمر.
ثم تأويل العرش: يحتمل الملك؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ذكرنا، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ؛ لأنه لا يعلم ما أراد به، إذ قال في ذلك: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ أمر أن يسأل به خبيرا، ولم يرد بذلك: أنه يسأل به عنه؛ فلا يسمع تفسيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ ، أي: كثرة ذلك وازدحامه، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه شيء.
والثاني: يخبر أن السماء والأرض مع ثقلها وكثافتهما لا يستران ولا يحجبان عليه الوالج فيهما، والخارج منهما والنازل منهما، والإحاطة بذلك؛ ليعلم أن لا شيء يحجب عنه، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ : أي: عالم بكم وبأفعالكمم، ومحيط بكم، وحافظ عليكم.
والثاني: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال؛ يقول: إن كنتم محبين له، خاضعين مطيعين، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم، والانتقام منكم، والله أعلمز وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قال أهل التأويل: أي: علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا ذكر - جل وعلا - بلا ذكر الخلق معه، ولا ضم أحد إليه سواه، يوصف بالأزل، فيقال: لم يزل عالما قادرا خالقا، بلا ذكر وقت، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره، وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون الله ، فيقال: لم يزل عالما للخلق وقت كونهم، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق، وعلى ذلك قوله : ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ الآية [محمد: 31]، ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ وقوله : ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله : ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ ، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق، فعى هذا قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية، فجائز أن يكون قوله: ﴿ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: له نفاذ المشيئة، وله الولاية في السماوات والأرض، وعلى أهلهما، وله السلطان عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: له خزائن السماوات والأرض، يعطى من يشاء، ويحرم من يشاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان، ليس تدبير ذلك إلى الخلق والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ ، أي إلى الله ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال، والثواب والعقاب وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ : إيلاج الشيء: إنمان هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه؛ هذا هو المعروف، لكن ما ذكر هاهنا من إيلاج هذا في هذا، وهذا أن جعل ما كان في حال الاستواء في حد الليل نهارا، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا؛ على إتلاف كل واحد منهما بالآخر، لا على الإبقاء، وفي ذلك وجوه من الدلالة: أحدهما: يدل ذلك على أنه فعل واحد عليم له تبدير، لا فعل عدد، أو لا تبدير له؛ لأنه لو كان فعل عدد، لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد منذ كان إلى أبد الآبدين؛ بل يقع في ذلك تمانع وتغالب يمنع كل واحد ما له مما لغيره، ولغلبه عليه، ولا يوافقه في تدبيره؛ على ما يكون من عادة الملوك؛ على ما قال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ ، وقال: ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، والله الموفق.
وفيه دلالة البعث، [و]هو إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار، وإتيان النهار بعد ذهاب أثر الليل، ونحو ذلك؛ على ما تقدم ذكره.
وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور.
وجائز أن يكون تأويله: وهو عليم بما في الصدور: أرباب الصدور، وهم البشر الذين لهم الصدور والتدبير؛ لأن الصدور إما يقا للذين لهم تدبير وتمييز، وهم البشر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز جل -: ﴿ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الإيمان بالله: هو أن تجعله رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر، والإيمان برسوله: هو أن صدقه في كل ما يخبر عن الله وفي كل قول وفعل، وأنه صادق، وأنه محق، وتعلم أنه بأمر الله ونهيه يأمر وينهى ويفعل لا من ذات نفسه؛ هذا هو الإيمان بالله ورسوله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يقول: والله أعلم -: وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم؛ لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال؛ كأنه يقول: أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها، لا للترك كما هي، والله أعلم.
ثم أخبر بقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ أن من كان أمر به وأنفق، فله أجر كبير: ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال، دون الاستحقاق؛ إذ امال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ﴾ ، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول الله؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل، وهم لا يؤمنون بالله، فيكف يصدقون الرسول؟
لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون بالله؟
أي: بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟
على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث، والله أعلم.
والثاني يقول: أي: عذر لكم في ترك الإيمان بالله والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟
فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟
فما لكم لا تؤمنون؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله يخرج على وجوه: أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام - كقوله : ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وغير ذلك من أمثاله.
والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له.
والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون مالهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى.
ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم - -، والوجه الأول أقرب.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟!
ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا يحققونه؛ يقول: ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول ويدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم؟
وهو كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ أي لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله، وترك الإيمان بهما، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالآيات والحجج.
أو يذكر هذا لا على الشرط؛ بل على التأكيد؛ كقوله : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، لأ،هم إذا كن أذعن الإيمان، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ الآيات في الحقيقة: هي الأعلام، لكن فست الآيا بالحجج؛ لأ، الآيات حجج من عند الله جاءت، لا أنها مفتعلات من الخلق.
وقوله: ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ : واضحات أنها من عند الله جاءت، لا من عند الخلق، أو بينات أمره ونهيه، وما لهم وما عليه، وما يؤتى وما يتقى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ما أضيف إلى الله من الإخراج، فهو على وجهين: أحدهما: على حقيقة الإخراج، وهو أن يوقفهم إلى الإيمان، ويعطيهم المعونة والعصمة؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان.
والثاني: يخرج على الأمر به، والدعاء إلى الإيمان، ليس على حققة الإخراج، وهو كقوله: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ في هذه الآية، ونظير حقيقة الإخراج قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، وعلى هذا يخرج إضافة الهداية إلى الله : على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم، والثاني: على الدعاء والبيان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ جائز أن يكون معناه: وإن الله بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة.
وجائز أيضا [أن] يوصف بالرحمة والرأفة على الكل؛ إي: بكم لرءوف رحيم بما أرسل إليكم الرسول، وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان من أنفسكم وعقولكم كافية على معرفة وحدانية الله وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول، لكن بفظه ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون ذلك أدعى لهم، وأوصل إلى إدراك ما دعوا إليه، وأقرب في دفع الشبه والعذر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ما قال أهل التأويل: إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى الله ؛ كقوله : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ فعلى هذا قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما لكم لا تنفقون في سبيل الله قبل أن يزول ملككم ويصير ميراثا لله .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه؛ لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده؛ فيصير كأنه يقول: ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم، وما يرجع إلى منافعكم، قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً...
﴾ الآية.
قال بعضهم: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ ﴾ ، أي: لا يستوي منكم من آمن قبل الفتح؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات؛ ل، الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح، ومن آمن منهم بعد الفتح، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله : أنه قال: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح" ؛ لأن إيمانه - - في وقت الخوف على متبعي الإسلام.
أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير؛ لأنه كان رئيسهم، وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول الله ولمن تابعه.
أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال من الصدقات والمغانم، وقبل الفتح، لم يكن ذلك المعنى، فهو لله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه، والله أعلم.
وقيل: لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد فتح مكة؛ فلذلك روي عنه : "لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: وعد الله لكلا الفريقين: من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن.
وقال بعض أهل التأويل: "هذه الآية نزلت في فتح الحديبية، فقيل: يا رسول الله ، فتح هو؟
قال: نعم، فتح عظيم" وعن قتادة: هو فتح مكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ويرهب عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم، لا معاملة من حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له، وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة، وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهم عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم، كأهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم ويدخرونه في وقت الحاجة لهم، سماه: قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدائمة والنعم الباقية، فهم المنتفعون بها، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك؛ هذا كله خراج عن عادة الخلق، وطبعهم، وصنعيهم بعضهم مع بضع، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده [و]عد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة.
ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم: قرضا؛ لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم، أو لما يدفع عنهم مؤنة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة، والغصب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: أجر حسن، والله أعلم.
وجائز تسميته: كريما؛ لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل ويرجى أن يكون لهم ذلك، والكريم في الشاهد: هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ يَسْعَىٰ نُورُهُم ﴾ أي: كتبهم التي يعطون في الآخرة، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم، يؤيده حرف حفصة - -: (نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم) كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...
﴾ الآية [الإنشقاق: 7].
وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا.
وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون ، يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا، وأهل الشرك بشمالهم، وأهل للنفاق من ورائهم.
وجئز أن يكون قوله: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ كناية عن اليمن والبركة؛ إذ إنما بالأيمان ينال اليمن والبركات فسماها بذلك.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل: أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ ؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة، ولا انقطاع لذلك.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ذلك؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره.
وعن قتادة: أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره من موضع قدميه، وللمؤمنين منازل لأعمالهم" وروي في بعض الأخبار عن روسل الله قال: ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما أفرطوا من أولادهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ منهم من قرأ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ومنهم من قرأ مقطوعة من (أنظرت)؛ قال أبو عبيدة: فالاتصال أحب إلينا؛ لأن تأويلها - والله أعلم -: انتظرونا، يقال منه: نظرت فلانا أنظره.
وأما القراءة الأخرى؛ فإنها من التأخير؛ يقال منه: أنظرت فلانا أنظره؛ غذا أخرته، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا.
وقال أبو عوسجة: أنظرته ونظرته، أي: انتظرته، يقال منه: نظر نظرة.
ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببع من المؤمنين وألا ينتفعوا بنور المؤمنين، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد؛ حيث قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون ينورهم، لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم، والاقتباس من نورهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ من الناس من يقول: إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى: أنه يستهزئ بهم، حيث قال: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، فقوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ هو ذلك الاستهزاء.
وقلنا نحن في قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء استهزائهم، الذين استهزءوا برسول الله وبالمؤمنين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ ﴾ ليس على الأمر بالرجوع من وراء والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعيير، أي: النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم؛ أي: من قبل هذا اليوم، لا يطلب فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ الآية.
جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف؛ حيث قال: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ ﴾ السور: هو الأعراف التي ذكر أنها تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة، يرفع ذلك السور بينهم؛ لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين.
وقوله: ﴿ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ بَابٌ ﴾ ليس على حقيقة الباب، ولكن الباب كناية عن الطريق والسبيل يقول: هو طريق وسبيل، من يأخذ ذلك السبيل، افضاه إلى الرحمة، ومن سلك ظاهره، أفضاه إلى العذاب.
وجائز أن يُفتح من النار إلى الجنة باب؛ فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرون أهل النار أهل الجنة على ما هم عليه من النعيم؛ ليزداد لهم حسرة وندامة.
أو يكون اطلاعا لا من باب، ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، والإطلاع في الظاهر إنما يكون من مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ ، أي: ينادي أهل النفاق المؤمنين ألم نكن معكم قالوا بلى، جائز أن يكون هذا القول منهم ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما كانوا يغرونهم في الدنيا، وهو ما أخبر عنهم، يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ ، ثم أخبر أنهم هم الكاذبون في حلفهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ يخرج على تغريرهم إياهم.
ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، وقد علموا أنهم لم يكونوا معهمه، فكيف قالوا: بلى؟
فنقول: جائز أن يكون جوابهم خرج لأولئك على ما عرفوا من خطابهم ومرادهم، فأجابوهم على ذلك.
أو أن يكون قولهم: بلى إن كنتم تقولون بأنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا.
أو يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: امتحنتم أنفسكم في الرجوع إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة، كقوله : ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ ، أي شدة، وقال القتبي: ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: أثمتموها.
وقوله: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ يخرج على وجهين: يحتمل تربصتم برسول الله أنه سيموت عن قريب، أو أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أولئك الكفرة.
وقوله: ﴿ وَٱرْتَبْتُمْ ﴾ ، أي: شككتم وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم والشبه.
وقوله: ﴿ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ ﴾ \[يخرج على\] وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من ابتاعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها فكيفما كان يتبعون غرضهم في ذلك.
والثاني: ما تمنت أنفسهم من موت رسول الله وهلاكه، أو عوده إلى دينهم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: الأمر بالهلاك، أو يوم القيامة.
وقوله: ﴿ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: غركم عن دين الله الشيطان.
وقوله - عز وجل : ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قرئ بالياء والتاء، وأكثرهم على الياء، معناهما واحد، أي: لا يكون لهم فدية يومئذ، ليس أن يكون لهم فدية ولا تؤخذ.
أو أن يقول على التمثيل، أي: لو كان لهم فدية، لكان لا تقبل منهم، يخبر أن أمر الآخرة على خلاف ما يكون في الدنيا؛ إذ في الدنيا ربما يحتال لدفع البلاء بالفداء مرة وبالشفاء ثانيا.
وقوله: ﴿ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ، أي: يأوون إليها.
وقوله: ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم وأحق.
وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، أي: بئس ما يصيرون إليها.
ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ لأنه جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاس، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم الله الناس أقساما ثلاثة: السباقين، وأصحاب اليمين، واصحاب الشمال هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد لما سبق من ذكر الله ، ومن خفف، جعل الفعل للحق.
ثم الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهراً وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إذا ذكر الله ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول الله الدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن الله المؤمنين من ذلك الخوف وآس أولئك عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ ظاهراً ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
[على] هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساو القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.
ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله قبل أن يبعث فيقول: ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ به من قبل أن يبعث ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي كتابهم ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ...
﴾ الآية.
أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ ﴾ أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أتى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم.
والثاني: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تركزوا النظر فيه والتفكر، [كالذين] غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.
وجائز ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ \[المؤمنون: 70\]، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعهم وقلدوهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .
ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله حيث قال: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله والوحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله ، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، [أنه] يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى.
أو يقول: قد علمتم أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية.
أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف "لعل" من الله يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذ نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله .
أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف "لعل" للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدد جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فيصير المصَّدِّقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب - - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).
ومن خففه، جعلهما من التصديق والإيمان.
وقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله وألوهيته من حث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، والله أعلم.
فإن قيل: إن أبابكر - - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟
قيل: إن أبا بكر - - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون.
ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل من ممن وفى أمرا واحدا.
وقوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من الناس.
من جعل قوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ على الابتداء مقطوعا من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً ﴾ ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.
ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...
﴾ الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله اعلم.
ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، ويستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ ﴾ .
ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ فإ،هم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ الله لعبا ولا منشئ سواه؟
فلهم موضع الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، وقال في هذه الآية وغيرها: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .
فنقول: إن الآية تخرج على وجوه: أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيب أعجب الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، والله أعلم.
والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده - كان إنشاؤها عبثا ولهوا - إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحرق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].
وجائز أن يكون معنى قوله: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أ ي: لو قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ؛ لأنها باقية، والدنيا فانية.
أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكمون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغه إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال : ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر، [وقال] في النفقة التي تكون في الدنيا لحية الآخرة: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...
﴾ الآية [البقرة: 261]، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ .
والإشكال: أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات لأهل الإيمان؟
فنقول: لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة لكن ينظرون إلى ظاهره، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته، لا عين الإنفاق.
ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب؛ وهو كقوله: ﴿ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ...
﴾ فعلى هذا التأويل، رجع إلى الكل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: لهؤلاء الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى الآخرة.
وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ ﴾ ، فهو للمؤمنين [الذين] اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها، ووضعوها مواضعها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .
قال الإمام الهندي - - في قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ : إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له - حكمة وحق وسرور ليس بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت - غرور ولغب ولهو؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه، وحفظه من نقصه وضياعه، واستبقاء لوقت حاجته ويوم فقره؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها، فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته، فمن أحبها واختارها لهذا، فليس بغرور، ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت، كان غرورا ولعبا، على ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ على ما يختارون هم ويحبوها؛ وذلك أن الله أنشأ لنا هذه النعم؛ حيث قا ل: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ، وقال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال، وليس الاستخفاف والهوان؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحداً بكرامة وأهداه بهدية، ثم علم منه الاستخفاف بها؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقى نعمة الله بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن، لا على الاستخفاف بها والإهانة.
ثم الناس بعد هذا رجلان: رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، جعلها عند الله ذخراً وزادا لوقت فقره وحاجته.
ورجل: زهد فيها؛ خوفا [من] التقصير في عبادة الله في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول الله - فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه .
وأما من ترك الدنيا وما أنشأ الله فيها من النعم؛ استخفافا بها وهوانا، فهو الجاهل المستحف بنعم الله الغافل عما أنشئت له الدنيا [وما] فيها فهذا والذي طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج "إن حب الدنيا رأس كل خطيئة": أن من أحبها لغيره ولغير الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، فيه رأس كل حسنة وطاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يقول: اجعلوا المسابقة فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أ÷ل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جميع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة الله وجنته، والله أعلم.
ويحتمل تسبقون آجالكم وبأعمالكم التي توجب لكم المغفرة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية، ذكر سعة الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ وقال - -: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ ، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، والله أعلم.
ثم ذكر عرضها كعرض السماء والأرض، وهو يخرج على التحديد والتقدير: أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ذكر، وهو كقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ، ذكر دوامهما؛ [لما] لا شيء أبقى وأدوم منهما في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان.
ويحتمل أن يقول: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: تصير السماوات والأرض جميعا جنة لهم.
ثم وصف الجنة بالسعة، ووصف لنار بالضيق، حيث قال: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ ، وذلك أنه ليسي في فضل النار على قدر المعجول الذي يصل إلى المعذب بها فائدة [فذلك] تضيقت، ولفضل الجنة على قدر الحاجة لذة وسرور ومنفعة؛ فوسعت لذلك، والله أعلم.
ثم أخبر أنها أعادت للذين آمنوا بالله ورسوله، والإيمان بالله - -: هو أن يصدق كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته، والإيمان برسله: هو أن يصدقهم فيما أخبروا عن الله ، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، فهو مؤمن؛ وذلك على المعتزلة؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ؛ دلت الآية [على] أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه: جزاء، وأجرا؛ لأنه قد سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال - وإن كثرت - شكرا لأدنى نعمه، وإن طال عمره، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ثوابا وجزاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ ، أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله: ﴿ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ ، و[وليست الشجرة في القرآن] ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" ، أي: نهى أن يسافر الذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ : منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب.
منهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس الأرض والأول [أصح].
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يخرج على وجهين: أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على الله، غير شديد عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، والله يتعالى بذاته، ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير.
والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على الله يسير هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا يشتد العلم بها قبل كونها وقل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، والله أعلم.
وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صن ع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف الله خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ ، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله ؛ آلا ت رى أن الله سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...
﴾ الآية.
قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا يصنع للخلق في ذلك، فآما ما [فيه] صنع للخلق يقال: "أصبنا"؟
لكن هذا فاسد؛ فإنه جئاز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، جعل الله في طباع الخلق الحزن والأسى على ما فاتهم من النعمة وما ينزل بهم من البلاء والشدة، والسعة والفرح والسرور بما ينالون من النعمة، هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم.
ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأس والحزن بفوت النعمة، وعن الفرح والسرور عند إصابتها على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم - لكيلا تستكثروا من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من الله ، ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ أي: لا تستكثروا [من] الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على الطغيان والعدوان، كما ذكر في الخبر: "أعوذ بالله من الفقر المنسي والغناء المطغي"، والله أعلم.
والثاني: يقول: لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا؛ كقوله : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ ، يقول: لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عمَّا وعد لكم من الصلاة والرحمة والاهتداء؛ ولذلك الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول - أيضا -: ولا يشغلكم شدة الفرح والسرور بما آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك؛ لأن الله وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
والثالث: يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب الله، وارجعوا عن ذلك؛ وكذلك يقول: لا تفرحوا بما آتاكم، ولكن انظرو إلى إحسان الله الذي كان إليكم، والله أعلم.
ويحتمل: أن يقول: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب، اشكروا له، ولا تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا.
أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يحب أن يحزن على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ قرئ ممدوداً ومقصروا، فمن مده، رد الفعل إلى الله ، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ ، ولم يقل: أفاتكم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع.
والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم الله عليه على الناس، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده.
وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله: ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ ، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا لنعمائه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ تفسيرا له.
وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ كأن قوله : ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ ﴾ مفصول من الأول، وكذلك هذا.
ثم قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم.
وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة محمد التي كانت في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، أي: ومن يعرض عن ذلك فالله هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكح وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعوكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ و الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ وجوه أيضا: أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ فيحملهم لك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من الله ، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل الله ومنه فيشكرونه.
والثاني: يحتمل: أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح؛ أي: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن افرحوا ب العلم الذي يأتيكم؛ فإنهم لو لم يفتهم لكان يشغلهم عن القيام بحقوق الله وأداء ما عليهم من الفرائض، والله أعلم.
وفي قوله - -: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُوا ﴾ أمر بالحزن، وقد ذكر الشيء ويراد به إثبات ضده؛ كقوله : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ \[البقرة:ِ 16\]، أي: خسرت تجارتهم، وينبغي أن تتلقى نعم الله على وجهين: أحدهما: بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم؛ إذ أغناه بذلك عن النظر لما في أيدي الناس ورفع الحاجة، وذلك من أعظم [النعم].
والثاني: يخاف؛ لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا؛ إذ الأموال ربما تكون فتنة وبلاء أو تشغله عن أداء ما عليه إن كن ذلك سبب استدراجه وبلائه، فأخذ منه.
أو لما يصل بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه.
ويحزن من وجهين أيضا: أحدهما: لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم.
أو لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حيث قال: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ ، وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما يفوتهم من النعم باكتساب وسبب كان منهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أرسلنا بما يبين ويوضح أنهم رسل الله، وأن تلك الآيات التي أتوا بها من عند الله لا باختراع من عندهم؛ لما هي خارجة عن وسع البشر.
والثاني: ما يبين صدق الرسل في خبرهم، وعدلهم في حكمهم، أو يبين ما لهم وما عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وقال في ية أخرى: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، ثم يحتمل ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : الموازين المعروفة التي بها تستوفى الحقوق فيما بين الناس، وبها يوفَّى وبها تحفظ حقوق الأموال التي بينهم وحدودها.
فإن كان المراد هذا فكانه قال: وأنزلنا معهم الكتاب الذي به يحفظ الدين وحدوده، والميزان الذي به يحفظ حدود الأموال، لا يزاد على الحق، ولا ينقص منه، والله أعلم.
وجائز أن يكون المراد بالميزان: الحكمة؛ إذ ذكره على إثر الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ؛ فيكون الكتاب ما يحفظ حدود الأفعال والأقوال، وتكون الحكمة ما يقوم الناس بها بالقسط.
أو أن تكون الحكمة ما أودع في الكتاب من المعاني.
وقال الحسن في قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : إنهما واحد.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أنزل ما ذكر من الكتاب والميزان؛ ليلزم الناس القيام بالعدل، وقد ألزمهم ذلك بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان وبين الحدود.
والثاني: أنزل ما ذكر؛ ليقوم الناس بالقسط؛ على وجود القيام بالعدل.
فإن كان المراد منه الوجود فهو راجع إلى خاص من الناس، وإن كان على الإلزام فهو راجع إلى الكل وهو كقوله : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، فإن كان على وجود العبادة فهو يرجع إلى خاص من الناس، وإن كان المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، أي: لأمرهم وإلزامهم فهو للك؛ فإنه قد خلقهم ليأمرهم ويلزمهم، وقد أمرهم وألزمهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ، خص الله ذكر الحديد بما جعل فيه من البأس من بين غيره من الأشياء، وإن كان يشاركه غيره في احتمال الأذى والضرر به مما يطعن به فينفذ ويضرب به، ويستعمل في الحروب والقتال؛ [لأمرين:] أحدهما: أنه هو الكامل في الظفر والنفاذ والجرح، وإن كان قد يتحقق من غيره؛ ولذلك اعتاده الناس آلة القتال والحرب؛ فيكون البأس فيه أشد.
والثاني: لما يتحصن به باتخاذ الدرع؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ﴾ ؛ لهذا اختص الحديد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ جعل الله في الحديد منافع ليست تلك في غيره، وهو ما يتخذ منه ما يحرز به ويخاط من الخفاف وغيره، مما لا يحتمل هذا النوع لغيره، وكذلك حوائج الخلق لا تقوم في سائر أنواع الحرف والأعمال من التجارة والزارعة والبناء وغيرها [إلا به].
وفيه خصوصية في حق المحن، وهو ما يظهر عند فرض القتال صدق إيمان المحقق ونفاق المرتاب؛ بقوله: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ، ونحو ذلك، فظهر الصادق من الكاذب في الحروب، وإنما ذلك بالحديد؛ فصار مخصوصا في حق المحنة وغيرها من المنافع، حتى لا يلتثم أمر من أمور المعاش إلا به؛ فلذلك خص، والله أعلم.
وقال أهل التأويل: أنزل من السماء المطرقة والفلاة والكلبتين.
وعندنا ليس على حقيقة الإنزال من السماء كذلك.
ومعنى قوله : ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، أي: خلقنا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ، أي: خلقها، وقوله : ﴿ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل اللباس على ما هو عليه؛ ولكن معناه: خلقه لباسا لهم؛ كذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ يحتمل ﴿ مَن يَنصُرُهُ ﴾ أي: دينه أو أراد بإضافة النصر إلى نفسه نصر رسوله محمد وسائر رسله عليهم الصلاة والسلام.
ثم نصر الرسل مرة يكمون بتبليغ ما أمروا إلى قومهم، ينصرونهم، ويعينونهم على ذلك، ونصر دينه إظهاره في الخلق والذب عن أهله المعونة لهم؛ هذا يحتمل، وعلى هذا يخرج قوله : ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وجائز أن يكون المراد من إضافة النصر إليه نصر أنفسهم ودينهم، إذ هم المنتفعون بذلك، ولهم يحصل ذلك النفع وتلك المعونة، لكنه بفضله وكرمه، سمى ذلك: نصره، وأضافه إلى نفسه، على ماجعل لأعمالهم التي يعملونها لأنفسهم ثوابا، وذكر لهم على ذلك أجرا، كأنهم عاملون له، وهم المنتفعون بها، المحتاجون إليها، فعلى ذلك جائز أن يكون ما عملوا لأنفسهم سماه: نصرا له وإن كان ذلك النصر لهم، وأنه ناصر الكل؛ حيث قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ، أخبر إنه إذا نصرهم لا غالب لهم سواه، وإذا خذلهم لا ناصر لهم دونه، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ليعلم من قد علم أنه ينصر: ناصراً وليعلم من قد علم بالغيب أنه يكون كائنا شاهدا، والتغيير على المعلوم لا على العلم.
والثاني: يريد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللغة، ذكر العلم والفعل على إرادة المعلوم والمفعول؛ نحو مايقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله؛ لأن الصلاة لا تكون أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾ ذكر هذا؛ ليعلم أنه لم يأمر فيما أمرهم من القتال والنصر لحاجة نفسه، ولا استعملهم فيما استعمل من النصر والمعونة لنفسه، ولا أن يكتسب بذلك العز لنفسه؛ حيث أخبر أنه قوي بنفسه عزيز بذاته، ولكن أمرهم بما أمر، واستعملهم فيما استعمل؛ لنصر أنفسهم ولقوتهم، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ ﴾ ، وإنما ذكر نوحا وإبراهيم - والله أعلم - لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب؛ وإلا قد ذكر الرسل بجملتهم في قوله : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ؛ فدخل نوح وإبراهيم - عليهما السلام - في قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، ثم ذكر أن منهم من اهتدى - أي: من قومهم - وكثير منهم فاسقون بقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَفَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، يخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أنه قد كان في قومهم من اتبعهم؛ فصاروا مهتدين، ومنهم من ترك اتباعهم، وخرجوا من أمر الله؛ فصاروا فاسقين، يصبره، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك، أي: لست أنك بأول من كذب ورد قوله؛ تعنتا وعنادا، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا ﴾ أخبر أنه جعل في ذريتهما النبة والكتاب، وبعث منهم رسلا.
ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي: أسلنا رسولا على أثر رسول، وأتبعنا بعضهم بضعا: من قفا يقفو.
ثم ذكر أنه قفى بعيسى بن مريم؛ لأن عيسى - - من أولاد إسحاق - - وبعث محمدا من بعد، وهو من ولد إسماعيل، .
وقال بعض أهل التأويل: وقفينا أي أتبعنا، ويقال: قفيت فلانا، أي: عينته وسميته، وقفوته أقفوه قفوا وقفيا، واقتفيت به، أي: لزمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ ، وصف الله الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة فيما بينهم، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ ، وققال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، ونحو ذلك؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد والإسلام.
قي: كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع وسبب الجمع قائم، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة؟
قيل: إنما وقع ذلك فيما بينهم وإن كان سبب الجمع قائما؛ لما كانت تلك الألفة والرأفة بلطف من الله ، وقد زال ذلك اللطف وارتفع، وحديث بينهم ما حدث.
أو نقول: إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا الكبائر، حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر: فسقة وفجرة ومنزلتهم بين الكفر والإيمان ومن سمّى آخر: كافرا أو فساقا، فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض، فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسيمتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية، ذكر في القصة أن في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - كان من بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى - - ويعملون بما في الكتب، فهم هؤلاء الملوك أن يقتلوهم لإبائهم اتباعهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بينهم، فترهبوا؛ رجاء أن يتخلصوا منهم، فذلك ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن يطلبوا رضوان اله فابتدعوا تلك الرهبانية؛ رجاء أن يكون فيه رضوان الله، والله أعلم.
قال: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ ، أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته، ذمهم، لتركهم الرعاية لما بتدعوه، ففيه دلالة أن من افتتح أمراً لم يفرض عليه من صلاة أو صوم أو نحو ذلك، ثم لميقم بوفائه وإتمامه، لحقه ذم كما لحق هؤلاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أخبر أن الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان أنه يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم أجرهم، ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كافرون.
كذلك ذكر في حرف ابن مسعود : (وكثير منهم كافرون).
وذكر أن بعضا بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهيب؛ فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في دين أولئك الملوك، والله أعلم.
قال القتبي: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ : أي: العبادة، يعني: الخوف.
و ﴿ ٱبتَدَعُوهَا ﴾ الابتداع أن تفعل شيئا لم يفعل قبلك، يقال منه: أبدعت، وابتدعت، وبدعت أيضا.
وقيل: الرهبانية اسم مبني من الرهبة، لما فرط فيه وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ ويقال: دين الله بين المقصر والغالي.
وقوله: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ما أمرناهم بها، ولله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ ﴾ يقول بعض أهل التأويل: يأيها الذين آمنوا بعيسى بن مريم آمنوا بمحمد .
ولكن هذا ضعيف؛ لأن الإيمان برسول من الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم السلام.
وتأويل الآية: يأيها الذين آمنوا بالرسل جملة على غير الإشارة والتفسير، آمنوا برسول الله محمد على الإشارة به؛ لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل وإنما يصعب الإيمان به ويشتد بالإشارة إلى واحد؛ لأنه لما آمن بالمشار إليه، لزمه اتباع أمره، ونهيه، ولزمه موالاة من والاه واتبعه، ويلزمه معاداة من عاداه وخالفه في أمره ونهيه وترك اتباعه، وإن كان له أبناء وآباء، وذو إحسان، يجب أن يكن أحب الناس إليه وأقرب وأبر، فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه وأنها تشتد في الطلب.
وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل إنما فيه تصديق كل صادق وتكذيب كل كاذب، وكل النسا قد اعتقدوا أصل تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، وليس في الإجمال الإرسال، إلا ذلك، وأما عند التعيين يوجد الامتحان، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين، وذلك قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ ﴾ ، ظهر نفاقهم بما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة، وكقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، وقد وعدوا في الجملة أن لو أعطاهم كذا من فضله لنصدقن، فلما أوتوا ذلك وأمروا بإخراجه أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويله: يأيها الذين آمنوا بالرسل جملة، آمنوا بهذا الرسول المشار إليه؛ لما يصعب الأمر، ولما يلزم في ذلك معاداة من خالفه وترك اتباعه وإن كان أقرب الخلائق إليه، وكذلك عامل أصحاب رسول الله أقاربهم وأرحامهم لما آمنوا برسول الله وصار عندهم رسول الله صلى الله لعيه وسلم أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأولادههم، وعادوا جميع أقاربهم الذين خالفة رسول الله ، وتركوا اتباعه، وفي ذلك آية عظيمة؛ ولذلك فضل إيمان من آمن في أول خروجه عن إيمان من تأخر منهم عن ذلك الوقت، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ : قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ ﴾ أي: يوجب لكم ﴿ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ أي: أجرين: أجر الإيمان بالرسل كلهم على الإجمال، وأجر الإيمان بالرسل على الإشارة والتفصيل؛ ذكر هاهنا ﴿ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾ : مرتين وقوله: ﴿ مَّرَّتَيْنِ ﴾ : كفلين؛ فيكون أحدهما تفسيراً للآخر.
ثم ذكر هاهنا الأجر لهم من رحمته، وذكر هنالك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر إنما من رحمته، وذكر هناك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر إنما هو فضل منه ورحمة لا استحقاق على ما ذكرنا، والله الموفق.
ثم يحتمل ما ذكر من الأجر مرتين يكون مرة في الدنيا، والأخرى في الآخرة كقوله : ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ الآية [النحل: 30]، وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الأجر مرتين يكون وعدا في الآخرة، ويكون قوله: ﴿ مَّرَّتَيْنِ ﴾ أي: كفلين، أي: ضعفين، كقوله: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .
ثم قولهخ: ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾ قال أكثر أهل التأويل: أي: أجرين.
وقال بعضهم: حفظين، ونصيبين.
وجائز أن يكون سماه: كفلا؛ لأنه كلفه؛ ألا ترى أن ذا الكفل ذكر إنما سمي به؛ لأنه كان يكفل لفلان، فعلى ذلك جائز تسميته هذا كفلا؛ لأنه يكفل به ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: النور كناية عما يبصر به ويتضح، والمشي كناية عن الأمور، يقول - والله أعلم -: يجعل ما تبصرون به السبيل، ويتضح لكم الأمور، ويزول عنكم الشبه؛ فيكون المشي كناية عن الأمور، والنور كناية عن البصر، والله أعلم، وهو كقوله : ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ أي: لا سواء، وهو كناية عما ذكرنا ليس بتصريح.
والثاني: على حقيقة إرادة المشي، وحقيقة النور، وذلك يكون في الآخرة، كقوله: ﴿ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا...
﴾ الآية [التحريم: 8].
وقال أهل التأويل: النور هاهنا القرآن، أي: أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى سبيل الخير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ الغفران من الستر، كأنه يقول: يستر عليكم مساويكم بينكم؛ لأن ذكر المساوي ينقصهم النعم، ويحملهم على الحياء من ربهم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، أي: يرحمهم، ويخلدهم في جنته.
وقوله: ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ أجمع أهل التأويل واللغة أن حرف "لا" زيادة هاهنا وصلة، أي: ليعلم أهل الكتاب، وقد يزاد في الكلام حرف "لا" ويسقط بحق الصلة، يعرف ذلك أهل الحكمة والفقه؛ كقوله : ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ ليس يبين لنا أن نضل، ولكن يبين لنا لنعلم ونهتدي، فعرف الحكماء الفقهاء أن كلمة "لا" أسقطت هاهنا؛ فعلى ذلك عرفوا أن حرف "لا" هاهنا في قوله: ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ زيادة، معناه: ليعلم أهل الكتاب: أن لا يقدرون على شيء من فضل الله.
ثم لا يحتمل أن يكون ذكر قوله: ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ على غير تقدم قول كان منهم حتى خرج هذا جوابا لهم عن ذلك؛ ولكن يذكر شيئا يشبه أن يكون الذي ذكر هو جواب ذلك الذي كان منهم، وهو أنهم كانوا أهل كتاب وأهل علم بالكتاب، يرون لأنفسهم فضلا على غيرهم وخصوصية ليست لغيرهم عندههم، فلما بعث الله محمدا رسولا إليهم وإلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابا، وهو أمين عندهم، وذكر في كتابه ما كان في كتبهم، وأمرهم باتباعه والانقياد له والطاعة، وأحوجهم جميعا إليه وإلى ما في كتابه، أنكروا فضل الله عليه وإحسانه إليه، فعند ذلك قال: ﴿ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: يفضل من شاء على من يشاء، ليس ذلك إليهم.
ثم [في] قوله : ﴿ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في أن الله قد أعطى كل شيء ما يقدر على الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه، وقد أخبر ﴿ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، والمعتزلة يقولون، بل يقدرون فهذا خلاف لظاهر الآية، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ - أيضا - دلالة نقض قول المعتزلة من جهة أخرى، وهو أنه ذكر المشيئة فيما هو حقه فضل وما هو حقه عدل، حيث قال: ﴿ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ولم يذكر المشيئة فيما هو حقه عدل، وما هو ظلم وجور، بل أطلق القول في ذلك، فقال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً ﴾ ، وغير ذلك من الآيات نفى أن يلحق أحدا منه الظلم والجور؛ ليعلم أن فعل الهدى منه يصل إلى من هداه وأرشده، والإضلال منه عدل، وكذلك قال: ﴿ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: من نال الهدى والرشد إنما ناله بفضله ورحمته، ومن ضل فذلك عدل منه؛ ولذلك قال: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ والله الهادي.