تأويلات أهل السنة سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الواقعة

تفسيرُ سورةِ الواقعة كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 50 دقيقة قراءة

تفسير سورة الواقعة كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ١ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢ خَافِضَةٌۭ رَّافِعَةٌ ٣ إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّۭا ٤ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّۭا ٥ فَكَانَتْ هَبَآءًۭ مُّنۢبَثًّۭا ٦ وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًۭا ثَلَـٰثَةًۭ ٧ فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ ٩ وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ ١٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ١١ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ١٢ ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٌۭ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٤ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّوْضُونَةٍۢ ١٥ مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيْهَا مُتَقَـٰبِلِينَ ١٦ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌۭ مُّخَلَّدُونَ ١٧ بِأَكْوَابٍۢ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۢ ١٨ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩ وَفَـٰكِهَةٍۢ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحْمِ طَيْرٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ٢١ وَحُورٌ عِينٌۭ ٢٢ كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ٢٣ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا تَأْثِيمًا ٢٥ إِلَّا قِيلًۭا سَلَـٰمًۭا سَلَـٰمًۭا ٢٦

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كرامتهم التي وعدوا في الآخرة، فقال لهم أولئك الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟

فقالوا: إذا وقعت والواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟

فيقول: إذا كان كذا، فهو حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من نحو قوله  : ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ونحو ذلك، وقوله: ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوية والعقوبة؛ فتكمون الواقعة كناية عنها.

وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: كالقيامة والساعة، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، قال ب عضهم: أي: ليس لوقعتها مَثْنَويَّة ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع.

وقال بعضهم: أي: هي حق، ليست بكذب.

وقال بعضهم: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله  : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ  ﴾ ، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول  : إذا عاينوا القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛ كقوله: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، ونحوه.

ويحتلم أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، اي: ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ ، قال بعضهم: خافضة: تسمع القريب، رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هي الصيحة، وتلك خافضة رافعة.

وقال بعضهم: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة.

ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق وانقاد له وقبله.

وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله  : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ  ﴾ ، ورافعة لأهل الجنة، كقوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ .

وقوله: - عز وجل -: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ يخرج على السؤال، كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون الواقعة؟

فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً ﴾ قيل: فتنت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط.

وقال الحسن: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ ﴾ أي: سيرت تسييرا.

وقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ قيل: الهباء الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره ﴿ مُّنبَثّاً ﴾ ؛ أي: متفرقا.

وقيل: ﴿ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ أي: ترابا.

وقيلِ: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل.

وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت في الكوة؛ يخبر  عن شدة ذلك اليوم وهو له أنه يفعل بالجبال مع صلابتها وطاعتها لله  ، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ ، أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ حيث قال: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ الآية.

وقيل: الأصناف الثلاثة: المذكبون، والمصدقون، والسابقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم.

والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث.

وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ ؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم.

وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر الله  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ...

 ﴾ ، فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمنيه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوي كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال.

وقوله  : ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير.

والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه.

ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.

وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السباقون، وفيهم أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها [وفيهم] اصحاب الشمال، وهم الكفرة.

وقوله  : ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ ﴾ على التعجب لرسول الله  بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم.

وكذلك قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يخرج على هذين الوجهين: على التعجب والتعظيم لما يحل بهم.

وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ﴾ يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، فيقال: فلان فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه.

ثم في قوله  : ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ \[دليل\] لقول أصحابنا - رحمهم الله - في جعلهم الكفر كله واحدة؛ لأنه جعل الله  الكفرة على اختلاف مذاهبم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا.

ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من الله  وفضل منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ اختلف في ذلك: قال بعضهم: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ممن شهد رسول الله، وقربوا منه، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله  بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" ، وعلى ذلك قوله  : ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ  ﴾ على ما يذكر، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم الماضية، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم.

ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة.

وقال أهل التأويل لما نزلت: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ، وجد أصحاب رسول الله  وحدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة منا إلا قليل؛ فنزل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، وما قالوه لا يصحن والوجه فيه ما ذكرنا.

ويحتمل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين في في المقربين خاصة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ  ﴾ ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن - هو النسج - لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة.

وقوله: ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾ ، أي: يقابل [بعضهم] بعضا، ولا يعرضون، ولا ينظر بعضهم إل بعض باحتقار كماي جعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم على بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه.

ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.

والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن التولد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ قال بعضهم: أي: المقرطون، والخَلَدَة: القرط، وجمعه: الجِلَدَة.

قال بعضهم: هو من الخلود، كقوله  : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا  ﴾ ، أي: باقون.

وقيل: مسورون من السوار.

وقوله: ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ﴾ \[الأكواب\]: هي الكيزان المدورة الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الأباريق والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، فعلى ذلك وعدوا في الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ : الكأس: هو القدح المملوء من الشراب.

وأما المعين: قال بعضهم: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل الجنة ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ ، قرئ بكسر الزاي ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ قيل بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، والصداع والنفاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ جميع فواكه الجنة مختارة، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون.

والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون واحد ونزع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفاته وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه أن الموعود في الجنة من الجواري به؟!.

والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله  : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ضرب مثل من يشرك بالله بالذي يخر من السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ إن الله  ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم؛ كقوله  : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله  : ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عام عباده في أنفسهم وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك [ذكر] لأعمالهم جزاء؛ كان منهم إلى الله -  - صنعا وإحساناً، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله وكرمه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر.

والثاني: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله  : ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ ٢٧ فِى سِدْرٍۢ مَّخْضُودٍۢ ٢٨ وَطَلْحٍۢ مَّنضُودٍۢ ٢٩ وَظِلٍّۢ مَّمْدُودٍۢ ٣٠ وَمَآءٍۢ مَّسْكُوبٍۢ ٣١ وَفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ ٣٢ لَّا مَقْطُوعَةٍۢ وَلَا مَمْنُوعَةٍۢ ٣٣ وَفُرُشٍۢ مَّرْفُوعَةٍ ٣٤ إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءًۭ ٣٥ فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا ٣٦ عُرُبًا أَتْرَابًۭا ٣٧ لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٣٨ ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ٣٩ وَثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ ٤٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ...

﴾ الآية: أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا.

ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم، وما ذكر من الطلح، وغير ذلك.

فمنهم من قال: إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين؛ لأنه قال في المقربين: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ  أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر من عظيم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك؛ ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين.

ومنهم من قال: إن قوما من العرب ينتفعون بذلك؛ لأن لها ثمرة، لكن ليست بمرغوبة، ولها شوك، فأخبر الله  أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى؛ بل رغب فيه، وهو كما وعد لهم من الخمور، ثم نفى عن خمورها الآفات؛ فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، منهم من قال: هو طلع منضود متراكم؛ كما ذكر في آية أخرى ﴿ طَلْعٌ نَّضِيدٌ  ﴾ ذكر في إحدى الآيتين فعيل، وفي الأخرى مفعول، وذلك جائز في اللغة.

وقيل: طلح: بالحاء: هو الموز.

وذكر أن عليا -  - سمع قارئا يقرأ: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، فقال علي -  -: ما شأن الطلح؟

إنما هو طلع؛ فقيل له: إن في المصحف ﴿ وَطَلْحٍ ﴾ أفلا نغيره؟

فقال: إن المصحف لا يغير اليوم؛ وهذا يؤيد التأويل.

وقال أبو معاذ: الطلح في كلام العرب: شجر عظام، كثير الأغصان، وأحدها: طلحة، وقال مخضود: أي: مقطوع الشوك؛ خلقت هنالك هكذا بلا شوك، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - في شجر الحرم: "لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ يصف أنه ليس فيها شمس يؤذي حرها، ولا برد يؤذي، بل ظل؛ لأن الظل شيء لطيف لا أذى فيه، ولا شيء يثقل على الأبدان؛ بل هو شيء يوافق البدن، ويخف عليه.

وقيل: ممدود؛ لأنه لا شمس فيها فتنسخه، وبالشمس يعرف الظل هاهنا، وظل الآخرة ممدود أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ قيل: جار غير منقطع؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: أي: مصبوب.

والأول كأنه أقرب؛ أي: جار أبدا، ليس كمياه الدنيا؛ إلا أن يراد بالانصباب صبه من الأعلى إلى الأسفل، وذلك مما رغب إليه في الدنيا.

ثم قوله: ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا لأصحاب اليمين، وما ذكر من قوله  : ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ  ﴾ ؛ فيكون للمقربين قوله: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ  ﴾ ، ولأصحاب اليمين ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر من ﴿ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ  ﴾ للمقربين يكونون في العليين، وتكون الأنهار تحتهم، وما ينسكب وينصب من الأعلى لأصحاب اليمين؛ لأنهم يكونون دونهم في الدرجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ فواكه الدنيا، يخبر أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات، وأنها كلما قطعت مرة خرجت أخرى مكانها بهيئة الأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت النضج كما في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع إلى وقت وجود حمل آخر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ أي: لا آفة بها تصير ممنوعة؛ كفواكه الدنيا، إذ هي ربما تمتنع بآفة تصيبها.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ أي: لا تحبس، كما يمنع في الدنيا بعضهم من بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ أي: مرفوعة القدر والمنزلة، أو مرفوعة بنفسها في القيامة، وهو ما ذكرنا في قوله  : ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا  ﴾ ، وقيل: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ مرفوعة النساء، يقال: امرأة فريش ونساء فرش.

وقوله عز وجل: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ قال: الأصم وغيره: إن هذا صلة قوله: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ  ﴾ كأنه قال على أثره.

وقال القتبي: إنه لما ذكر على إثر قوله: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ : ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ ﴾ دل أن الفرش كناية عن الأزواج؛ إذ هن اللؤلؤ يفرش وواحدة الفرش: فريش.

وقيل: قد استفرشت الناقة إذا اشتهيت العمل.

والأشبه أن يكون هذا على صلة ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ  ﴾ ، إذ ذكر في قوله ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ على أثر ذكر أثر المجالس والزوجات لا معنى لذكرهن في هذا الموضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ أي: أنشأهن في الابتداء على هيئة الاستمتاع ليس كنساء الدنيا، وهو كما ذكرنا في قوله في صفة الفواكه: إنها غير مقطوعة ولا ممنوعة؛ أي: إنها تخرج أول ما تخرج على هيئة الأكل، لا كثمامر الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ قيل: أي: خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك، كلما ذهبت عذريتهن عادت؛ فيكن أبدا على تلك اللذة؛ لأنهن أنشئن هكذا، والله أعلم.

وقال عامة أهل التأويل في قوله  : ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ أي: خلقنا نساء الدنيا من الثيبات والأبكار خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا، ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ ، وكن في الدنيا عجائز وثيبات، وروي على ذلك خبر عن النبي  - إن ثبت - أنه قال في قوله: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ : "الثيب والبكر".

وفي بعض الأخبار قال: "إن العجوز لا تدخل الجنة".

ثم قوله: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ من قال: هو صلة قوله: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  ﴾ هو لسِنِّ نساء الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ بجزم الراء مخففة ومضمومة.

وقال أبو عبيد: تقرؤها بالضم لوجهين: أحدهما: التفخيم.

والثاني: أنها أقيس في العربية؛ لأن واحدها: عروب، مثل صبور وصبر، وشكور وشكر.

وأما الوجه الآخر التخفيف.

وقيل في تأويل: ﴿ عُرُباً ﴾ : عاشقات لأزواجهن.

وقال أبو عوسجة: العروب: المراحة.

وقال القتبي: هي المتحببة إلى زوجها.

وقيل: الغنجات لأزواجهن.

وقيلأ: إن أهل مكة يسمونها: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: الشكلة.

وقال سعيد بن جبير: عربا: ضبعات، والضبعات: هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب: ضبعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتْرَاباً ﴾ ، أي: مستويات الأسنان.

وقال القتبي: الترب واللذة واحد، وهو بالفارسية: همزاد.

وأصله: أنهن أنشئن بلا ولاد يتقدم ويتأخر كما يكون في الدنيا يتفاضلن في الأسنان؛ فصرن في الآخرة أترابا.

ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ قد ذكرنا تأويله: أنه يخرج على الوجهين: وروي عن ابن عباس -  - عن النبي  أنه قال: "هما جميعا من أمتي" ، وكذلك تأويل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١ فِى سَمُومٍۢ وَحَمِيمٍۢ ٤٢ وَظِلٍّۢ مِّن يَحْمُومٍۢ ٤٣ لَّا بَارِدٍۢ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ٤٥ وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ٤٦ وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٤٧ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ٤٨ قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ ٤٩ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٥٠ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ٥١ لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍۢ مِّن زَقُّومٍۢ ٥٢ فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ٥٣ فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ ٥٤ فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ٥٥ هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ ٥٦

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ ﴾ ، وذكر في أصحاب اليمين مثله من التعجب، وأخبر عما يكرمهم ويعطيهم من أنواع النعم، وذكر أصحاب الشمال، وذكر على إثره ما أعد لهم من العذاب والهوان بقوله: ﴿ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ...

﴾ الآية، ثم ذكر في أول السورة أصحاب الميمنة والمشأمة، ولم يذكر لهم الثواب ولا العذاب؛ وذلك - والله أعلم - لأن في ذكر الميمنة والمشأمة دلالة ما لهم؛ لأن الميمنة من اليمن، والمشأمة من الشؤم، ففي ذكر ذلك بيان [ما] لهم من الكرامات، وما لأولئك من العقوبات، وليس في ذكر اليمين والشمال بيان العقاب؛ فذكر على أثر ذلك؛ ليعرف ما لكل فريق من الجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴾ قيل: السموم: هو قيح جهنم، والحميم: هو الذي قد انتهى حره غايته.

وقيل: السموم: هو حر النار.

وقيل: هو ريح باردة.

وقيل: ريح حارة.

وأصله: أنه لما أصابهم السموم، اشتد بهم العطش، فعند ذلك يشربون الحميم؛ رجاء أن يسكن به عطشهم، ويذهب ذلك عنهم، فلا يزداد لهم بذلك إلا شدة عطش على ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ﴾ قيل: هو دخان أسود.

وقال بعضهم: اليحموم: هو من الحميم.

وقال أبو بكر: أي: ظل من بخار يجعل اليحموم بخارا.

ثم الظل الذي هاهنا يحتمل أن يكون هو الظل الذي ذكر في قوله: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ  ﴾ ، وقوله: لهم ظلل من النار.

وقيل: هو السرادق من النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ ؛ لأنه من النار ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ ؛ لأنه لهوانهم ليس للكرامة.

وقال الحسن وقتادة: ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ المنزل، ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ المنظر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ أي: هذا الجزاء لهم؛ لأنهم كانوا يقولون في الدنيا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، وإنما قال ذلك مترفوهم دون السفلة والأتباع؛ لقوله  : ﴿ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل : ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ، أي: على الإثم العظيم، وهو الشرك.

وقيل: الحنث العظيم.

الكبائر، والإصرار: هو الإدامة عليها.

وقال بعضهم: يصرون على أنهم يقسمون ويحنثون فيه؛ كقوله  : ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ أقسموا: أنهم لا يبعثون، فحنثوا في ذلك؛ لأنه  أخبر أنهم يبعثون؛ حيث قال: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ، وقد جاءهم النذير، فلم يكونوا أهدى، وجاءتهم الآيات، فلم يؤمنوا بها؛ فحنثوا فيها، فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين فراغهم من اليمين؛ لأنهم أيسوا عن ذلك.

وفيه دلالة لصحة مذهب أصحابنا: أن من حلف: للمس السماء، أنه يحنث عند فراغه من اليمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ﴾ قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد للبعث؛ ألا ترى أنه أجابهم، فقال: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يجمع الأولين والآخرين في التخليق؛ أي: جمع بين الأولين والآخرين في التخليق؛ حيث خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا وقتما قال: ﴿ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ ؛ إذ الآخرون لم يكونوا مخلوقين بعد.

والثاني: مجموعون في الأرض، أي: في القبور ﴿ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ﴾ بآيات الله الدالة على توحيده، ورسله، والبعث.

وقوله: ﴿ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ﴾ ، أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من شجر الزقوم؛ فيكون كما أخبر.

ثم شجرة الزقوم: هي التي ذكر ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ  طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ  ﴾ ، وقد ذكرنا تأويله في موضعه.

وقوله: ﴿ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴾ يخبر أن ليس لهم مما يأكلون ويشربون إلا امتلاء البطون، لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع، ولا ما يشربون من الحميم العطش عنهم، بل يزداد لهم بذلك جوع وعطش على ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ﴾ قيل: الهيم: هو إبل يأخذه الداء، فيشرب حتى يملأ البطن، فلا يروى أبدا؛ للداء الذي فيه؛ فعلى ذلك أهل النار يشربون ويأكلون حتى تمتلئ بطونهم، فلا يروون ولا يشبعون، والله أعلم.

وقيل: الهيم: الإبل الذي يهيم في الأرض ولا يرد الماء أياما، ثم إذا ورد الماء فيشرب، فتمتلئ بطنه حتى يهلك؛ لامتلاء البطن؛ وهو قول الأصم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: الذي ذكر غذاؤهم ورزقهم يوم الدين.

<div class="verse-tafsir"

نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ٥٨ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ ٥٩ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦١ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ٦٣ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًۭا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ٦٥ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ٦٦ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٦٧ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ٦٩ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًۭا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ٧٠ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ ٧١ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ ٧٢ نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةًۭ وَمَتَـٰعًۭا لِّلْمُقْوِينَ ٧٣ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٧٤

قوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى؛ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ .

والثاني: إنكم صدقتموه ورسله: أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة؛ فيكون فيه إثبات البعث؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا؛ كما قال  : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم، فيقول - والله أعلم -: قد أقررتم أنكم لم تخلقوا ما أمنيتم، ولا أنفسكم، ولا تملكون ذلك، فق دعرفتم أن الله هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك؛ فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز، وأكمل عقلا من غيرككم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن الله  هو خالق ذلك كله؛ فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر، ثم قدر بينكم الموت، وفيكم الولي له والعدو، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما.

والثاني: ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ ، أي: المعجل والمؤجل؛ أي: لم يجعل موت جميعكم في وقت واحد، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل، وقدر أن تكون مدة أجل هذا أكثر من مدة أجل الآخر.

وقيل: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي سوينا بينكم في الموت بين عزيزكم وذليلكم، ورفيعكم ووضيعكم، لا يسلم أحد عنه.

ويحتمل وجها آخر هو - أولى -: وهو أنه قدر بينكم الموت، وكل واحد منكم يكره الموت، ثم لم تملكوا دفع الموت عن أنفسكم؛ دل أن هاهنا قاهرا يجب القول بوجوه، والانقياد لأوامره ونواهيه.

وقوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي: وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم.

أو يقول: وما نحن بعاجزين على أن نبدل أمثالكم.

وقوله: ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ قال أبو بكر الأصم: فيما لا تعلمون من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة؛ كصورة القدرة والخنازير، ونحوها.

وقيل: ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ في أي خلق شاء؛ وهو أقرب من الأول.

وجائز أن يكون معناه ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ في ظلمات ثلاث الذي لا يبلغه علم البشر، ولا تدبير الحكماء إلى أن بلغوا ما بلغوا، فمن ملك ذلك لا يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، فهو على ما ذكرنا: إنكم لما عرفتم أنه هو الذي أنشأكم النشأة الأولى لا عن أصل سبق، لا يحتمل أ، يعجز عن النشأة الآخرة؛ لأنها مثل الأولى؛ بل في وهمكم أسهل وأهون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ يخرج على ما ذكرنا: هلا تذكرون وحدانيته وربوبيته.

أو هلا تذكرون أن قادر على البعث.

أو هلا تذكرون أنه هو المستوجب لشكر ما أنعم عليكم، وهلا تذكرون نعمه وإحسانه.

ومن الناس من قال: النشأة الأولى هاهنا نشأة آدم -  - وخلقه؛ أي: علمتم نشأته لا عن أصل ولا احتذاء لغير، فمن قدر على ذلك فهو على النشأة الآخرة لقادر، وعلى تقدير وهمكم أقدر، والله الموفق.

وقوله - عزو جل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ﴾ ، كأنه يقول: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تخلقون الزرع أم نحن الخالقون له؟

فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، والله أعلم.

والثاني: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم جعلتم الحراثة بحيث تنبت أم نحن الجاعلون بحيث تنبت؟

ثم قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ﴾ ، أي: يابساز وقال أبو عوسجة: أي: متكسر؛ يذكر نعمته التي أنعهما عليهم؛ يقول: هو الذي جعله بحيث ينتفع [به]، ويبقى، ولو شاء لجعله بحيث لا ينتفع به، ويخبر عن قدرته: أنه قادر على الإنبات، وعلى الإهلاك؛ فعلى ذلك قادر على الإنشاء والإعادة.

وأهل التأويل يقولون: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون، وأصله ما ذكرنا.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ قيل: تعجبون.

وقيل: تندمون، وهي لغة عكيل.

وقال أبو بكر الأصم: أي: صرتم تنعمون وتتلذون؛ كما يقول الرجل الآخر: لو أخذت مالك أو سلبته صرت غنيا أو استغنيت.

ولكن لا ندري أيقال ما ذكر أم لا؟

فإن كان يقال ذلك، يصير تقديره كأه يتلذذ؛ لكثرة ما يذكره في كل وقت؛ لأن الرجل إذا ذهب ماله لا يزال يذكره كالمتلذذ به والمتنعم.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ، أي: تلاومون.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فصرتم تفكهون)، وقوله: ﴿ فَظَلْتُمْ ﴾ يستعمل في زمان النهار دون الليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أي: فظلتم تقولون: إنا لمغرمون.

ثم اختلف فيه: قيل: إنا لمعذبون بقوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً  ﴾ .

وقيل: إنا المذمومون الملقون للشر، ونحون ذلك، لكنه من الغرم الظاهر؛ لأن مرتجعه خسران في ماله، أو هلاك يلحقه الغرامة؛ لما يحتاج إلى غيره، وأصله كأنه يقول - والله أعلم -: لو جعله حطاما يابسا لا تنتعفون به، ظلمتم تقولون: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ قيل: المحروم: هو الذي ينتفى عنه المال او ما ينتفع به.

وقال بعضهم: محدودون.

وقيل: محاربون.

لكن المحروم ظاهر، لا يحتاج إلى التفسير ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ﴾ يذكر نعمه عليهم بما أنزل لهم من الماء العذب فيشربون، وأخبر أنه لو شاء، لجعله أجاجا مالحاً ما يهلك الأنفس، ولا تقوم به، وكذلك قوله: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما ﴾ حتى يخرج من أن يكون غذاء فيه، ولكن يفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة؛ ولذلك قال في آخرة: ﴿ فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ \[أي\]: هلا تشكرون ما أنعم عليكم؟

ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حتيث قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ ، والإمناء: هو فعل العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: ﴿ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ ﴾ ، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك.

[و] في قوله  : ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما ﴾ و ﴿ أُجَاجاً ﴾ نقض قولهم في الأصلح؛ فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن الله  لو شاء أن يجور لجار؛ فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم.

وفي قوله  : ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ نقض قولهم من أن المقتول لم يمت بأجله؛ لأنه -  - أخبر أنه قدر الموت بينهم، وعندهم: أن من قتل لم يمت بما قدر الله  ، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ، ولو كان على ما تقوله المعتزلة يموت قبل أجله، فقد قالوا: إنه لم يقدر له الموت، وأن القاتل قد سبقه ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له وكذبه في خبره: أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق.

ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ ﴾ اختلف في تأويل المزن: قال عامة أهل التأويل والأدب: المزن: هو السحاب.

وقال أبو بكر الأصم: المزن: هو الماء العذب؛ فعلى قوله يكون حرف ﴿ مِنَ ﴾ صلة، كأنه قال: أأنتم أنزلتم المزن.

والظاهر ما ذهب إليه أولئك: أنه ينزل من السحاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ﴾ قال بعضهم: توقدون.

وقال بعضهم: تقدحون، يقال: قدحت النار، وأوريتها: أي أخرجتها؛ يقال: ورت الناس ترى وريا؛ فهي وراية، أي: أضاءت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ ﴾ قيل: هي الشجرة التي تجعل حطبا، وتوقد بها النار وتحرق.

وقيل: هي الشجرة التي فيها النار، وهي التي يتخذ منها الزيوت، والأول أقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ﴾ قال بعض أهل التأويل: أي: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى: وهي نار الآخرة.

ويحتمل أن يكون ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا ﴾ ، أي: هذه النعم الحاضرة تذكرة للنعم الموعودة.

أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أي متاعا للمسافرين، خص المسافرين، لنزولهم القواء، وهو القفر؛ وهو قول القتبي.

وقيل: المقوين: المستمتعين.

وقال أبو عوسجة: المقوي: الذي لا زاد له.

وقيل: الذي يقع في أرض قواء، والقواء: الأرض الخالية من الناس.

وقال أبو عبيد: أرى الذي لا زاد له ليس أولى بالنار، ولا أحوج إليها من الذي معه الزاد؛ بل صاحب الزاد إليها أحوج، ويقال: رجل مقوٍ: إذا كانت معه مطية قوية.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌۭ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌۭ كَرِيمٌۭ ٧٧ فِى كِتَـٰبٍۢ مَّكْنُونٍۢ ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنزِيلٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٠ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ٨١ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢ فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٨٧ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌۭ وَرَيْحَانٌۭ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ ٨٩ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩٠ فَسَلَـٰمٌۭ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩١ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢ فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ٩٥ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٩٦

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرآ: (بموقع النجوم)، على الوحدان.

وعن الحسن: أنه قرأها بمواقع على الجمع، وربه أخذ أبو عبيد، وقال إن بعض أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغايب الكواكب ومساقطها، وأي: الوجهين كان، فالجمع فيه أولى من الوجدان.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ : منهم من قال: إن حرف (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: أقسم بمواقع النجوم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  ﴾ ونحوه، يكون لى الصلة والزيادة على التوكيد.

ومنهم من قال: على إثبات حرف (لا)، لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أولئك الكفرة، ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يكذر ذلك؛ لما كنت معروفة بينهم، فرد ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ ﴾ ثم ابتدأ القسم بقوله: ﴿ أُقْسِمُ ﴾ ، كأنه قال: أقسم قسما بمواقع النجوم.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقال بعضههم: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: بمواقع نزول القرآن نجوماً؛ دليله: ما ذكر على أثره: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ .

والثاني: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ النجوم المعروفة؛ على ما قال بعضهم.

ثم ن كان المراد منه: الكواكب، فالقسم بها يكون على وجوه.

أحدها: لعظم موقع النجوم ومحلها في القلوب، وجليل قدرها عند الناس حتى يجعلها بعض الملحدة مدبرة العالم.

أو لكثرة منافع الخلق بها من معرفة الطرق بها والسبل، ومعرفة كثرة الأنواء والمياه، ومعرفة الأوقات والأزمنة، وغيرها مما يكثر ذكرها.

أو ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: مساقطها، وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة النجوم وتسخيره إياها للخلق؛ حيث تملك قطع مسيرة خمسمائة يوم في ليلة واحدة ما لا يتوهم قطع ذلك من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع المسافات والوصول إلى مقاصدها، والله أعلم.

ثم قال أهل التأويل بأجمعهم بأن القسم بها من الله  .

وجائز أن يكون القسم من الرسول  ، لكن أضافه إلى نفسه؛ تعليما منه لرسول الله  أن يقسم برب هذه الأشياء؛ وكذلك تعليما لغيره من الرسل القسم برب هذه الأشياء؛ إذ لا تنازع بينهم وبين الله  ؛ ليقسم وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار والتنازع، ولكن التنازع فيما بينهم وبين الرسل، وكذلك ما ذك: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ  ﴾ ، ليس من الله  ، ولكن من الرسول؛ إلا يحتمل أن يكن الرب - عز وجل - هو المقسم، ويقول: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ  ﴾ ؛ فظاهره أن يكون الرسول هو المقسم بها، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ومن الناس من قال: إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت تلك الأشياء تؤكد وتوجب القسم، وتؤكد أو لو وقع بها القسم؛ لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث والتوحيد، وإثبات الرسالة، ونحوها، وما جرى ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت توجب ما يوجب القسم؛ لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد والرسالة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ على قول من يجعل القسم بالقرآن، فهو ظاهر: أن يقول: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ، أي: الذي أقسم به وأنزله نجوماً هو كريم.

وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة، يجعل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ابتداء ذكر منه له.

ثم تسميته القرآن: كريما، يخرج على وجوه: أحدها: وصفه بالكرم؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، وفي العرف: الكريم: من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها.

أو وصفه بالكرم؛ لأن من اتبعه، كرم وشرف.

أو كريم عند الله عظيم: لذلك وصفه بالكرم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ قال أهل التأويل: في اللوح المحفوظ؛ سماه مكنون: لأنه مستور على خلقه عند الله.

وقال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ ﴾ يقول: لا يمس ذلك إلا المطهرون.

وقال بعضهم: هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهمه؛ كقوله  : ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ  كِرَامٍ بَرَرَةٍ  ﴾ طهروا من الذنوب والآثام، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله، وهو ما قال على أثره: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب، والتحريف: إثم وذنب من رب العالمين، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ  ﴾ ، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده، ولا تحريفه، ثم تمام الأمن بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ، وكل حفظة إلى نفسه؛ لا إلى من خلقه؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أفبهذا القرآن أنت كافرون؟

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ الله  جعل هذا القرآن حياة الدين وقوامه، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا، ما به حياة الدين والأبدان جميعا.

ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه: أحدها: ما ذكر بعض الناس أهل التأويل: أنهم كانوا يقولون: رزقنا بنوء كذا؛ كانوا ينسبون الرزق لذلك النوء؛ فهذايخرج على قول المنجمة: إن النجوم هي مدبرة العالم ورازقتهمه؛ لا يجعلون لله  في ذلك تدبيرا.

فأما من نسب الرزق إلى الله  ، ويقول: رزقنا الله بنوء كذا، فليس في ذلك تكذيبه؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله  بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة، وأما من يقول: رزقنا  بسبب كذا، فذلك جائز القول به.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: تجعلون شكر الرزق التكذيب؛ وبه قال أبو عبيدة.

وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق: صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم، والعبادة لغير المستحق لها، والله أعلم.

وقال الحسن: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ بئسما أخذ القوم لأنفسهم؛ حتى لم يرزقوا من كتاب الله  إلا التكذيب؛ يقول: صار حظكم من القرآن التكذيب، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ .

وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ ، وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه، ثم جعلتم تكذبون بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله  : ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ  ﴾ .

وقال في قوله  : ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ : هو الذي يرى الموافقة، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، والله أعلم.

وقال أبو معاذ: مُدَّهِن وَمُدْهِن لغتان، ثم أصل المداهنة؛ لطمع له فيه مخادعة حتى يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقاً عليه ليتحقق له عليه الحق؛ ليسلم له دينه، وإلا هما الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح، لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ، ليس هذا الكلام صلة ما تقدم من الكلام.

ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أولئك للمؤمنين: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: لو كانوا عندكم لم يموتوا ولم يقتلوا على ما زعمتم، فهلا إذا كانوا عندكم؛ وقد بلغت الأرواح الحلقوم أن ترجعوها، وتردوها إلى الأجساد التي كانت لو كنتم صادقين في قولكم: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 156]، على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ تَنظُرُونَ ﴾ أي: تنتظرون خروج الروح أنها متى تخرج؟

لا تملكون ردها إلى حيث كانت، ولكن تنتظرون خروجها متى تخرج؟

والثاني: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ على حقيقة النظر؛ أي: تنظرون إلى سلطاني وقدرتي.

وقيل: هو من الانتظار؛ أي: تنتظرون أن يحل بكم الموت، [و]هو ما ذكرنا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال، وإنما يضيق الحال عليهم الأمر عند حلول الموت؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول: فلولا إذا بلغت الأرواح الحلقوم فتنفع لهم الأصنام التي يعبدونها، وترد الأرواح إلى المكان الذي كانت، فإذا لم تملك ذلك فكيف عبدتموها؟

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ ، قال بعض اهل التأويل: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ أي: ملائكتي ورسلي في ذلك الوقت أقرب إليه منكم ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ الملائكة، لكن أضاف إلى نفسه؛ لما أن الملائكة بأمره وتسليطه يعملون.

وقيل: نحن أقرب إ ليه منكم، أي: أولى به في ذلك الوقت؛ لما يعلم هو خطأه، ويتبين له الحق في ذلك الوقت من الباطل: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ أنتم، أي: لا تعلمون ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، قال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: لو كنتم غير مملوكين لله  على ما زعمتم، ترجعون الأرواح، وتردونها إلى الأجساد التي كانت فيها؛ إن كنتم صادقين: أنكم غير مملوكين، فإذا كنتم عندكم غير مملوكين، تكونون مالكين؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك، فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين فتملكون ردها إلى ما فيها، فإذا لم تملكوا كتنم مملوكين، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: غير محاسبين ولا مجزيين، فردوا النشأة الأولى، واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى الحكمة؛ إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ...

﴾ إلى آخره، اختلف في وقت ما ذكر [و]لمن ذكر ذلك؟

قال بعضهم: إن ذلك يقال لهم عند الموت؛ بشارة لهم بما يكومن لهم في الجنة.

ومنهم من يقول: إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة، وأولئك النار؛ أعني: الكافرين، وهو ما ذكر، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ .

وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول الله  في الجنة، وصفاً لرسول الله  عنده في الجنة، ومكانهم لديه، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين عنده، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين؛ فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب، ويكون قوله: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ أي: يستأنس هو بهم ويستأنسون به، لا يفارقونه ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا، وسائ المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر: و ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما.

ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت - أعني للمؤمنين والكافرين - في حق المؤمنين: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ ، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ...

﴾ كذا، وفي حق الكفرة: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ...

﴾ الآية.

ويحتمل [ما] ذكر بعضهم: أن ذلك يقال لهم بعدما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ اختلف في تأويله وتلاوته: أما تلاوته: روي عن عائشة -  ا - قالت: كان رسول الله  يقرأ هذا الحرف ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ تعني: بضم الراء.

وعن الحسن: أنه قرأها بالضم أيضا.

وعن الضحاك: بفتح الراء، [و]عليه جميع القراء.

وقال أبو عبيد: لولا كراهة خلاف الأمة، وإلا ما قرأتها إلا الضم، ولكن لا أجد أحداً عليها، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله  أمة محمد  على الضلالة.

وأما تأويله: فعلى قراءة الرفع، عن الحسن قال: الروح: الرحمة، والريحان: ريحاننا.

وعن أبي عبيد قال:ِ بالرفع: هو الحياة والبقاء.

وعن الضحاك: بالفتح: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق.

وقال بعضهم: الروح: كناية عن دوام النعمة والسعة، يقال: فلان في روح؛ إذا كان في سعة ونعمة، والريحان: كناية عن الشرف والمنزلة، يقل: فلان ريحاني؛ وذلك لشرفه ومنزلته عنده.

ومنهم من قال: الروح: الراحة، والريحان: الرزق في الجنة.

وقال بعضهم: الورح - بالرفع -: من الرحمة، وبالنصب: الراحة.

ونحن نقول: جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة؛ لقوله: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، أي: من رحمته، وقال في موضع آخر: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ  ﴾ أي: برحمة منه، يخبر الله  أن المقربين يكونون في الجنة في رحمة الله ونعمته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي  ، ويحيي بضعهم بعضا بالسلام.

ويحتمل ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ ﴾ أي: السلامة لك منهم من جميع الآفات والأذى.

وذكر في حرف ابن مسعود -  - (فسلام إنك من أصحاب اليمين)، فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم.

وقيلأ: يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ يقول: هذا الذي ذكرنا للمقربين، ولأصحاب اليمين، وللمكذبين هو حق اليقين؛ أي كائن لا محالة، لا شك فيه؛ مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ﴾ يقول - والله أعلم - فسبح ربك باسم لا سيمى به غيره؛ أي: نزهه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه من الولد والشريك، وتسمية من دونه: إلها وغير ذلك، والله الموفق للسداد وإليه المرجع والمآب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل