الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الرحمن
تفسيرُ سورةِ الرحمن كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 49 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ قد عرفت العرب وعلمت أن "الرحمن" على ميزان "فعلان"، ومشتق من الرحمة، لكن أحخدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسيمته به: رحمانا؛ لذلك خص الله نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقّاً من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك - علم القرآن رسولنا .
ثم يخرج ذلك على وجوه: أحدها: أنه جبريل - - حيث قال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ لكن خرجت الإضافة إلى الله ؛ لما أنه علمه بأمره.
والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه، لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل - - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: آدم ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ﴾ ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: خلق كل إنسان وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.
ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا - باللون والطعم واللذة - طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا.
ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة الله ، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما قادرا أنشأه كذلك.
ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله : أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، [و]هو بيان القرآن؛ حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إيه، وما لهم وما عليهم.
وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي ، وهو قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، وبعضه إلى آدم - - وهو قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، وتفسيره ماذكرناه.
وقال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ آدم، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ بيان الدنيا والآخرة.
وجاز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك.
وقال القتبي: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الكلام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل بوجهين: أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك.
والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويبغيان فيها، ومجاريهما [التي]، يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف.
وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ جميع الحساب.
وقال القتبي: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب ومنازل لا يعدوانها.
وفيه زيادة معنى: أن الله جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفصيل بمعض البشر على بعض: لما شاهدتم أشياء خصت بفضل ضياء وتجلِّ لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر بفضل بيان وعلم رسالة؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ النجم يحتمل وجهين: أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: يسجد له ما به زينة السماء وما به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.
ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم يرتفع.
ثم سجودهما يحتمل وجوها: أحدها: سجود خلقه؛ قد جعل الله في خلقه كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.
والثاني: سجود هذه الأشياء الموا،: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله : ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ .
والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
وقال بعضه الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله : ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ ؟
ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنما سجودهما عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أ ن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ليلعم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم.
والثاني: ﴿ رَفَعَهَا ﴾ أي: رفع قدرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات التي تنزل من السماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به الأشياء، وبه يتحقق الإبقاء الاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا التقصر في ذلك، والله أعلم.
ويحتمل المراد بالميزان: الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها.
وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وذكر أن الموازين ثلاثة: أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء وحسنها.
والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإبقاء الحقوق والاستيفاء.
والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ ﴾ أي: لا تنقصوا في الميزان.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ ﴾ أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أَمْر بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما صريحا؛ تأكيد لباب الوزن والميزان.
ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
وعن قتادة: كان ابن عباس - - يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان.
وقال مجاهد في قوله : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ في الميزان باللسان؛ أي: لسان الميزان.
وقيل: لابن عمر - ما -: إن أهل المدينة لا يوفون الكيل، قال: وما يمنعهم، وقد قال الله : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ .
قال بعضهم: الأنام: هو كل ذي روح.
وقال بعضهم: الأنام: هو مع الخلق.
ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، [و] وضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها زرقا لهم وقوتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ أي: ذات الغلق والأغطية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ﴾ برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب الثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.
ومن رفعها فعلى الابتداء؛ غطفا على الحب.
واختلفوا في تفسير العصف والريحان: منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.
وقيل: هو التبن.
وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.
وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.
وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.
وقيل: هو الذي يشتم.
وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عباس - ما -: الريحان: هو الحب.
وقال القتبي: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان الله، أي رزقه، و الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ .
وقيلأ: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل أنسي وجني في نفسه؛ كقوله : ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ ٍ، ليس أن قال الفريقان جيمعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أ؛سن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد".
ثم فيما ذكر من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ...
﴾ إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.
أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.
وأما بيان قدرته وسلطانه: [فإنه] أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خراج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاك في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر والأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضفعها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.
وفيه إثبات البعث من وجهين: أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.
والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.
وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعهم، ثم بتركهم سدى لا يستأدي شكر ما أنعم عليهم.
ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله ذلك؛ فيكون فيه إثبات الرسالة.
ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.
ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منايع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد، على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ ، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ ، وهو الذي أسود وتغير؟
لطول المكث، ومرة قال: ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.
ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البثر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.
وقال أبو عوسجة: الفخار: الذي طبخ.
فجائز أن تكومن هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء، ترابا، ثم صار لازيا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود: لطول المكث، وصلصالاً لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.
وتشبهه بالفخار يحتمل وجوهاً: أحدها: لتكسره ويبسه.
أو لأنه كان ذا دوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له ذه المصفات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ...
﴾ الآية، ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أبو عوسجة: الجان: الجن.
وقوله: ﴿ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ قال بعضهم: المارج: هو لهب النار صافياً لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التبهت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أبو عوسجة: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قال بعضهم في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ إذا خلط وجميع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: ﴿ مِن مَّارِجٍ ﴾ ، أي: من خلط من النار.
وعلى تأويل من قال في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم - - من تراب، وخلق الجان من نار.
والفائدة في ذلك - والله أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، وفي ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث: والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، يقول، - والله أعلم -: إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون في البعث وغيره؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.
ثم دل قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ و ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ وذكر الحد لهما - أعني: الشمس والقمر - في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذه كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - والله أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله منكم؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.
وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ قيل: جمع بينهما وخلط.
وقيل: أحدهما العذاب، والآخر: المالح.
وقيل: ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ أي: يتقابلان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: بين البحرين حجاب وحاجز.
﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.
وقيل: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما.
ثم اختلف في البحرين: قال بعضهم: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي: سكان، ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم.
ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: جزيرة العرب.
وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ ، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، وهو: [ ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ منهم من قال: يخرج من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية.
ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة إ ليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ ، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن.
ثم قرئ ﴿ يَخْرُجُ ﴾ بنصب الياء، ورفع [الراء، وقرئ برفع] الياء ونصب الراء، فالأول على جعل الفعل [لهما، والثاني على جعل الفعل] لغيرهما؛ كقوله : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ ، ولم يقل: (يخرج منه حلية).
ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ما صغر من اللؤلؤ.
ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك، وكذا قال أبو عوسجة: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: مرجانة.
وقيل: إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت.
وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا جاء القطر من السماء، انفتحت الأصداف؛ فكان في ذلك اللؤلؤ.
وقيل: إنما قال : ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ : عن إبراهيم - رحمه الله -: أنه قرأ: ﴿ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ بكسر الشين، وفسر بعض الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير.
وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، وقال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: أ،ها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقطوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة.
وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ أي: هي في البحار كالجبال في البراري.
قيل: وهي الأعلام أنفسها.
ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوهٌ من الحكمة وإثبات القدرة لله و : أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره.
والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من الوعد والوعيد.
أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم - التي جعلها لكم - أنها من الله ، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟!
ثم في قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ ، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنعٌ، لكانت السفن لهم لا له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، أذا لم تكذبا شيئاص من آلاء ربكما: أنه من الله ، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءو بالآيات والحجج.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أي: مُلْكُ كُلِّ من في الأرض فانٍ، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أنه ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى يكون فناؤهم وذهابهم يُدْخِل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه أو خدم، أو عمل لا لوجه الله، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه الله؛ فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ الله من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي: كل مايطلب من العمل وغيره رضاء الله ، فكنى بالوجه عن الرضاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْجَلاَلِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على خلق إ جلال حق الله وأمره وتعظيم ذلك.
والثاني: أن يجل الله من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في الدنيا، وإكرام من أكرم من الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر الله - عز وجل - عن فزع أهل السماء والأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الأنعام: 63]، وقوله: عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ ، وقوله : ﴿ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ ﴾ هنا صلة قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ يقول - والله أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا هنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عد ذلك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ من إحداث وإفناء، وإحياء وإماتة.
وأصله: أن الله إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟!
فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم يكن الخلق قديما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ ﴾ الآية، قرئ: ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بالنون والياء، [و] يرفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد: بالياء يقرؤها كقوله : ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ذكر على المغابية، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.
قال الزجاج: قوله : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل الآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، وإني لفارغ، على الوعيد.
وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.
وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسماً للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله - وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة والتوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟
وهو كقوله : ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم؟
وبماذا نجا من نجا؟
والله أعلم.
والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثَمَّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون [على] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله : ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ...
﴾ الآية [الأنعام: 35].
وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود - -: (يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .
وقال بضعهم: يبعث الله ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان الله.
وقيل: ﴿ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: الحجة.
وقال قتادة: إلا بملك.
وقال: إلا بقدرة الله والله أعلم.
ثم أوعدهم فقال: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ .
قرئ ﴿ شُوَاظٌ ﴾ بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد.
وقرئ ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ بكسر السين وضمه، فمن رفع ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ عطفه على قوله: ﴿ شُوَاظٌ ﴾ ومن كسره، عطفه على قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عباس - -: النحاس: الدخال.
وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان.
وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به.
وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ويصب على رءوسهم.
وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار.
وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ قيل: لا تمتنعان من ذلك.
ويحتمل: أي: لا نصار لكما كما يكون في الدنيا.
فإذا قيل: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه الآيات، فما فائدة قران قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ بآخرها.
قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ يذكر تغير هذا العالم يومئذ لهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ في غير ذلك من الآيات، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ ، وقوله: ﴿ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، وقوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، ونحو ذلك.
ثم قوله : ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ منهم من قال: شبه السماء؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر، ثم إلى آخر؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال: شبهها بالدهان، وهو الدهن؛ للينها وضعفها، وهو قد ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، والمهل: هو دردي الزيت، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون؛ لكثرة التلون لا للبن؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء، والله أعلم.
وقيل: إما تحمر وتذوب كالدهن.
وروي: أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة، صارت من الخضرة إلى الاحمرار، وحر جهنم كالحديد إذا حمي النار.
ثم قال بعضهم: الدهان: جمع الدهن، ويقال: الدهان: الأديم الأحمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، اختلف في تأويله: قال بعضهم: أي: لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره، إنما يسأل عن ذنب نفسه؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا...
﴾ الآية [فصلت: 29].
ومنهم من قال: لا يسأل بعض عن بعض، أي: لا يسأل جني عن ذنب إنسي، ولا إنسي عن ذنب جني.
ومنهم من قال: لا يسألون سؤال استخبار استفهام؛ أي: لماذا فعلتم؟
ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة، لا عن نفس الفعل؛ لأن كل ذي مذهب ودين، إنما يفعل لحجة تكون له.
ومنهم من قال: لا يسألون عن ذبونهم، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الأسوداد، وزرق العيون، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب: أنها تكون للكفار، كقوله : ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ ، وقوله ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 106]، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، وقوله : ﴿ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: لا يسأل الملائكة عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - عز وجل -: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ذكر الله في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه؛ كقوله: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ﴾ ، أي: على أعقابها، فهو - والله أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة، ثم غبرة، ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك، فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر.
ووقله - عز وجل -: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ ، قيل: بكسر أضلاعهم ظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار.
وقال بعضهم: تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم، ثم يدفعون إلى النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ ، أي: إذا وقعوا على الوصف [الذي] ذكر، عند ذلك يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ أي: يطوفون بين جهنم وبين حميم، فيجوز أن يكون [عبر] بـ"جهنم" عما يأكلون، وهي النار، وبـ"الحميم" عما يشربون، كأنه يقول - والله أعلم -: يطوفون بين ما يأكلون، وبين ما يشربون، لا يشبعون عما يأكلون، ولا يروون عما يشربون؛ بل كلما أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا، والحميم: هو الشراب الذي جعل لهم، والآن: هو الذي قد انتهى حره غايته ونهايته.
وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ...
﴾ الآية.
من الناس من قال: في قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ على إثر الوعيد، إنما يقال لهم في الآخرة؛ أي: بأي آلاء ربكما تكذبان في الدنيا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ...
﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟
ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟
فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيَّنَ في أخرى، وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نهي النفس عما تهواه.
والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم [به] من المعصية، أو ما هوت نفسه.
ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكرى الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟
قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذي هم أصحاب اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.
والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.
وذكر القتبي عن الفراء في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.
لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.
ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيراً، وبرزوا، فهو على وجهين: أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذا العالم.
والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ لأصحاب اليمين.
ثم نعت ورصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.
وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضورته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تبنك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ ، وقال أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ ، والناضج: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضج دون الجريان.
وقال القتبي: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ اللتان تفوران بالماء، والنضج دون النضَجَ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان، أو لونان، [من] أي: شيء كان، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ لتفضيل أولئك على هؤلاء.
وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، و[قوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ ﴾ ] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.
وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله أعلم.
وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهاغرة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.
لكن ما قاله الفراء صحيح، وما كره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخذا الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله - وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ثم الإستبرق اختلف فيه: قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.
وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم.
ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟
وكيف هو؟
ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ ﴾ اللتين وعد لكم ﴿ دَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.
قال أبو عوسجة: الجنى: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير أزاجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، قرئ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ بضم اليم وكسره.
قال الفراء: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ ، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.
وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.
وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يرى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدهم، ولكنهم كما وصف: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ ، قال أهل التأويل: شبههن باليقاوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ قيل: هل جزاء الإحسان في الدينا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟
هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.
ولكن غيره كأنه أقر، أي: هل جزاء إحسان الله بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ الله بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.
ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، والله أعلم.
واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.
لكنْ أبو حنيفة - رحمه الله - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري، فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، والله أعلم.
وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ فإن كانت الجنتان اللتان سبق ذكرهما للسابقين والصديقين، فهاتان اللتان ذكرهما هاهنا لأصحاب اليمين، على ما ذكره بعض أهل التأويل؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ أي: في الفضل والقدر والمنزلة؛ لفضل أولئك على أصحاب اليمين.
وإن كانت الجنتان جميعا لكل فريق منهم؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ في المكان والموضع، لا في الفضل والقدر؛ فكأنه قال: من أي جهة وقع بصرهم يقع في جناتهم، من فوق ومن تحت، وعن يمين شمال؛ أي يكونون وسط الجنات لا يحتاجون إلى التحويل من مكان إلى مكان؛ كقوله : ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله : ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ على ما ذكرنا هو شديد الخضرة الذي يضرب إلى السواد، فوصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله : ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ على التأويل الأول، وكذلك قوله : ﴿ عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ على ما ذكرنا: أنهما دون الجاريتين، وكذلك روي عن الفراء قال: العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ ؛ لأنهما ينضخان بالخير والبركة لأهل الجنة.
وقيل: ينضخان بالماء وأنواع الفواكه.
وروي عن أنس بن مالك - - أنه قال: تنضخان بالمسك والعنبر، كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ من الناس من احتج لأبي حنيفة - رحمه الله - فيمن حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، لا يحنث في يمينه؛ لأنه احتج بهذه الآية في أن الرمان والرطب ليسا من الفاكهة؛ لأنه عطفهما على الفاكهة، والشيء لا يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، هذا هو ظاهر الكلام، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مراده بالذكر وإن كان من جنسه؛ لضرب من التعظيم وغيره؛ كقوله : ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قيل: الحسان الخلق وحسان الوجوه، يقال: امرأة خيرة، ونسوة خيرات؛ يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ .
قيل: محبوسات في الخيام، لا يخرجن عن الخيام.
وأصله: ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام لا يراهن غير أزواجهن، وقاصرات الطرف، أي: لا يرفعن بصرهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ هو قراءة العامة بغير الألف.
وعن عاصم الجحدري (رَفَارِفَ) و(عباقريّ)، قيل: الرفرف: المجلس، وقيل: المجالس، وقيل: الرياض الخضر، وقيل: الخيام، وقيل: هو فضول الفرش والبسط.
وأما العبقري: قيل: هو الزرابي، وهو بالفارسية: النّخّ.
وقال أبو عبيدة: العبقري: الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط: عبقري.
وقال القتبي: وأبو عوسجة: العبقري في غير القرآن ثياب تتخذ بعبقرى، وهي بلدة، فينسب إليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ قال أبو بكر الأصم: [تنزه] اسم ربك من أن يستحق غيره اسمه.
وقوله: ﴿ ذِي ٱلْجَلاَلِ ﴾ ، أي: استحق على الخلق أن يجلوه ويعظموه من أن يسموا غيره باسمه، والإكرام: هو أن يلحقوا به ما لا يليق به من الولد والشريك وغيره.
فإن قيل: ما فائدة تكرار قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، فبأي آلاء ما في السماوات والأرض تكذبان في الدلالة على وحدانية الله والشهادة له بأنه خالقه، ومرسل رسله، وما جاءت به عنه، وذلك أن جميع ما فيها من المال والطعام والشراب، على ما ذكرنا، وذلك كما يقول الرجل لآخر يلومه ويعاتبه: ألم تكن جائعا فأطعمتك؟!
أفتنكر هذا؟!
ألم تكن ظمآنا فسقيتك؟!
أفتنكر هذا؟!
ونحو ذلك.
وجائز أن تكون فائدة التكرار غير هذا، وهو أنه خرج مخرج العظة والتذكير، ومن شأن الموعظة والذكرى التكرار والإعادة؛ لتكون أنجع وآخذ للقلوب، وأقرب إلى القبول، والله أعلم بالصواب.