الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة النازعات
تفسيرُ سورةِ النازعات كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 26 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ ، اختلف في تأويله: فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة فتغرق في النار.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ ، قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا.
وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيجبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول عن شدته على الكافر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ قيل: إن الملائكة يسلون أرواح الصالحين سلا رقيقا.
وقيل: الملائكة يسبحون بين السماء والأرض.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ ، أي: تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين.
وقيل: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، عليهم السلام.
وقيل: هم الكَرُوبِيُّون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ : هم الملائكة المكلون بأمور الخلائق وأرزاقهم.
ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطعلن من مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات لأمر الله - - إلى ما سخرن له.
﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك على الخلق؛ لقوله: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، والله أعلم.
ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ هي الأَوْهاق تنشط بها الدابة تكون منه في جهة.
﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : هي السفن.
﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ : هن الخيل.
﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ : هي الملائكة، وبه قال عطاء.
ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ ﴾ : هي الأنفس التي تغرق في الصدر، ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ حين تنشط من القدمين.
وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد لهم في الجنة.
﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة.
وقوله: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ ﴾ - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد تسبق فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات الله وما ينتشر من الخير؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول الله أنه قال: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حُضِرَ جعل يبتلغ نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يجب مفارقها من شدة ما يرى من عذاب الله .
وعلى هذا قيل في تأويل قوله - -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومنه كره لقاء الله كره الله لقاءه" : إن ذلك عند الموت [أن المؤمن إذا حضره الموت] ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء الله ، ويحب الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ ، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم: فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عز وجل -: ﴿ لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ ﴾ على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به.
ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ ، فأقسم بما ذكر أن النخفتين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة الإماتة والإحياء.
ثم اختلفوا بعد هذا: فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق.
ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال الله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...
﴾ الآية [الحج: 1-2]، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [النمل: 87]، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ .
ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على الله - - وسهولته كفخة النفخ على النافخ.
أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال : ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .
وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة: والتحرك، ﴿ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ وهي الزلزلة الأخرى.
ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟
فقال: تكومن واجفة، والواجفة: الخائفة الوجلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ ، أي: ذليلة.
ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - والله أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فِكَرٌ وبدوا لا يمكنه أن يدفع عنها الفكر، وكذلك هذا في البصرح فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها [من الخوف]؛ إذ المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر؛ ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكن القلوب هواء لا تقر في موضع، ولا تقف على تدبيره؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو الداعي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ ﴾ ، أي: يقولون: أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول.
ويقال: النقد عن الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به.
قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴾ و(ناخرة)؛ فالناخرة: هي البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها الريح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ ، قال الحسن وأبو بكر: هذا منهم تكذيب للبعث؛ أي: لا يكن أبدا.
وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ فكانوا يظنون أنهم بما أنعم الله - - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم هم الأخسرون.
ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: مخسرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ﴾ ، قيل: الساهرة: هي وجه الأرض.
وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴾ : منهم من يقول: قد أتاك فخوفهم به.
وقال الحسن: لم يكن أتاه، فأتاه بهذا؛ كما يقول الرجل الآخر: هل أتاك ما فعل فلان؟
وهو يريد أن يذكره بهذا فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل.
وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن أساء صحبة الرسل - عليهم السلام - لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين أساءوا صبحة الرسول موسى، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ قيل: طوى: اسم ذلك الوادي.
وقيل: سمي: طوى؛ لأنه بورك مرتين، مرة حين أتاه إبراهيم ، ومرة بإتيان موسى .
وذكر عن الزجاج أن ﴿ طِوى ﴾ بكسر الطاء الذي بورك مرتين، ثم أضاف ذلك الحديث مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه؛ فظاهره: أن الله - - هو الذي كلمه، فأضيف إلى الله ؛ لأن أصله من الله - - كما ذكرنا في قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أي: عتا وطغى في نعمه، فاستعملها في كفران نعمه؛ فلم يشكر الله - - بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: هل لك في إجابة من إذا أجبت تزكيت، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتمنو.
ثم في هذه الآية دلالة من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرقم واللين؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ ، وبقوله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ثم إذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف؛ كما فعل موسى - - بقوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ بعد قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴾ ، أي: أهديك إلى ربك فتهتدي، ثم تخشاه إذا اهتديت؛ أي: عرفت عظمته وجلاله؛ فتخشى عقوبته؛ فيكون العلم مثمرا للخشية؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
أو أهديك إلى طاعة ربك، وأنذرك عقابه إذا عصيته؛ فتخشى؛ فلا تعصيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ : منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد؛ سميت: كبرى؛ لأن سحرهم عمل في الحبال العصي، ولم يعمل في اليد؛ فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسيمت: كبرى؛ لهذا المعنى.
ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا؛ لأن غلبة موسى - - على السحرة كانت بالعصا، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر، ولكن كل آياته كانت كرى، كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ ، فكانت أحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهى لما تأمل فيها وتدبر، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴾ ، أي: كذب بآيات الله، وعصى نبيه موسى؛ فلم يطعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴾ ، قال الحسن: كان خفيفا طيَّاشاً، وإلا فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا: إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم، أو ليردوا عليه، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش.
وقال غيره: أدبر عن طاعة الله - - وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة.
أو سعى في جمع من قال لموسى - -: ﴿ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : ذلك اللعين قد علم أنه ليس ذلك إليه، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه: أعلى الأرباب؛ لهذا.
وقوله -: ﴿ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ ﴾ : منهم من يقول: أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا: الكلمة الأولى: قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ ، والكلمة الثانية: قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
ومنهم من يقول: أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق.
ومنهم من يقول: أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، فغرقه في الدنيا، وعذب روحه بعد مماته بقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ ، ويدخل في النار مع أتباعه بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ فاتصلت عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة الله .
وقوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ : جائز أن يكونن هذا صلة قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ ؛ فيكون في قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ تقرير له أيضا.
ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات، وقد أقروا أنه خالق السماء، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه، وذلك أهون في عقولهم.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ما عرض عليها من الأمانة، وخافت نقمة الله - - [فما بال] هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه؛ أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف نقمة الله ، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا؛ ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول.
وجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم؛ فكيف [يقوم الإنسان] لهول ذلك اليوم مع ضعفه؟!
فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ : ﴿ بَنَاهَا ﴾ : أي: خلقها، ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ : سقفها، ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ بالأرض، أو سواها على ما توجبه الحكمة ويدل على الوحدانية.
قال إمام الهدى أبو منصور - -: ثم لم يفهم أحد من قوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ ما يفهم من البناء المضاف إلى الخلق، ولا فهم من الرفع ما يفهم من الرفع المضاف إليهم، ولا فهم من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ما يفهم من البسط المعروف المنسوب إلى الخلق، فما بال [بعض] الناس فهموا من المجيء الذي أضيف إلى الله ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق، فلولا آفة حلت بهم حملتهم على أن يفهموا منه المكروه، وإلا لم تنصرف أوهامهم إلى مثل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ ، قيل: أظلم ليلها، ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ : ففي؛ إظلام الليل، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء، ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها حتى لو أراد [أحد أن يميز] بين الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية، والثانية هي الأولى، وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعدما أفناهم، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه - أولى.
ثم أضاف ذلك إلى السماء؛ لأن بدأهما يظهر من عندها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ قالوا: بسطها: فمنهم من يقول: خلقها مجتمعة، ثم بسطها بعدما خلق السماوات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ دَحَاهَا ﴾ ، ولم يقل: خلقها.
ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولاً، ثم خلق الأرضين بعد ذلك، ثم خلق السماوات الست من بعد.
ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس، ثم بسطها بعد ذلك.
قال أبو بكر: هذا لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت المقدس، والله أعلم.
ولكن معناه عندنا - إن كان على ما قالوا - [فهو] منصرف إلى الجواهر؛ أي: الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك، لا أن كانت بجملتها تحته؛ كما خلق هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة، وخلق من التراب وإن لم يكن بكليته على ما هو عليه في التراب، وكان معناه: أنه خلق من ذلك الجوهر؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكره.
ومنهم من زعم أن خلقهما كان معا.
وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ...
﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وقال: اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال للسقف، سماء؛ لارتفاعه عن الإنسان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ : ذكر ما أنشأه لنا؛ لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه؛ إذا الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فيه راجعة إلينا، إذ بها ما نصل إلى الانتفاع بالدواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أثبتها؛ لئلا تميد بأهلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ : فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام، لم يجعل لنا فيه شركاء؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر، ومنه ما يستطاب ويدخر، فجعل ما طاب منه للبشر، وما خبث منه لمنافع الدواب، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره، فَفَضَّل أغذية مَنْ فَضَّلَ منازلهم، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات؛ إذ الله مَنَّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام، [فمن كره ذلك] فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ قال: الطامة: هي الصيحة، سميت: طامة؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها، وسميت: كبرى؛ لأنها إن طمعت بالعذاب فهو يدوم ولا ينقطع، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينطقع؛ فسميت: كبرى؛ لدوامها.
وقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ ﴾ : ما عمل، وتذكره يكون بوجهين: أحدهما: بقراءته كتابه؛ [كقوله ]: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ والتذكر الثاني يكون بالجزاء.
فالتذكر الأول يكون باللطف من الله ، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء، ثم ينساها إذا طالت المدة، ولا يتذكر بالقراءة، ففيما لم يتول كتابته أحق ألا يتذكر، لكن الله - - بلطفه يذكره بالقراءة؛ فيعرف به صدق ما كتبته الملائكة، ويعرف أنه إذا عوقب، عوقب جزاء ما كسبته يداه، ويكون الجزاء أبلغ في التذكير؛ فيتذكر في ذلك الوقت، أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴾ وقرئ (لمن ترى) فتضيف الرؤية إلى الجحيم؛ كقوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِمَن يَرَىٰ ﴾ جائز أن يتكون الرؤية كناية عن الدخول؛ فيكون قوله: ﴿ لِمَن يَرَىٰ ﴾ أي: لمن يدخلها ويحضرها، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، ومعناه: أن رحمة الله للمحسنين، وقال : ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ ، وأريد بالقرب: التناول؛ فكنى عنه بالقرب؛ فجائز أن تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة العذاب بجميع أبدانهم.
وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة، فيرونها مشاهدة؛ فيتلذذون بذلك لما نجوا وفازوا بالنعيم، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونه؛ قال الله : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، وقالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا...
﴾ الآية [الطور: 26-27].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ﴾ ، أي: عصى، وتمرد.
أو طغى بأنعم الله - - فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ جائز أن يكون إيثاره أن يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا، لم يبق له في الآخرة نصيب؛ لأنه قد وفى له عمله؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ ، أي: يأوي إليها.
وقوله - -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾ : جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى الله ؛ لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا.
وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها؛ فيخاف أن يكون مقامه في موضع نَهَى الله عن المقام فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ ، ليس هذا نهيَ قول، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها آلامها وعقابها، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها العمل للآخرة، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين.
فمنهم من يقهرها فلا يعطيها شهواتها، فهو أبدا في جهد وعناء.
ومنهم من يذكرها العواقب ويريها ما أعد لأهل الطاعة، ويعلمها ما يحل بالظلمة؛ فيصير ذلك لها كالعيان؛ فتختار لَذَّات الآخرة على لذات الدنيا؛ إذ ذلك أدوم وألذ، ويسهل عليه العمل للآخرة، والهوى هو ميل النفس إلى شهواتها ولذتها؛ ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إ ليها، ولا تنتهي عن ذلك إلا بما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : هي القيامة، سميت: ساعة؛ لما يخف أمرها على من إليه تدبيرها.
أو سميت: ساعة؛ لسرعة كونها إذا أتى وقتها.
أو سميت: لقربها إلى الحالة التي كانوا عيها؛ كقوله : ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم إن كان هذا السؤال من المؤمنين فهو سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، قالوا: متى تكون الساعة؟
فنزلت هذه الآية.
وجائز أن يكون السؤال من الكفرة؛ لما ذكرنا أنه ليس في تبيين وقتها كثير منفعة حتى تقع الحاجة للمسلمين إلى تبيينه بالسؤال؛ فيسألونه سؤال استهزاء واستخفاف برسول الله ، ويسألونه استعجالها بقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ ؛ فكانوا يسألونه عن شيء يعلمون أنهم متعنتون في السؤال؛ قصدا منهم للتمويه والتلبيس على الضعفة والأتباع؛ لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الوقت ليس هو وقت مجيء الساعة، فإذا طلبوا الاستعجال علما أنه لا يتهيأ له أن يريهم في ذلك الوقت؛ إذ ذلك يخرج مخرج خلاف الوعيد؛ فيحتجون عل الضعفة أنه لو كان صادقا في مقالته: إن الساعة تكون، لكانوا متى طلبوا مجيئها، يأتيهم بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا ﴾ ، أي: لست أنت من علمها في شيء.
هذا إن ثبت أن رسول الله لم يطلع عليها [أو لست أنت من أخبرها في شيء؛ إذا لم يثبت، ولم يعلم أن رسول الله لم يطلع عليها].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ ﴾ ، أي: منتهى علمها؛ فيكون هذا نهياً للسائلين عن العود إلى السؤال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا ﴾ فهو كان منذرا للعاملين جملة بقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، لكنه ينتفع بإنذاره من يخشى الإنذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا ﴾ قال أهل التأويل في هذه الآية: إنهم إذا رأوا الساعة، استقصروا هذه الأيام، وقلت الدنيا في قلوبهم حين عاينوا الآخرة.
وجائز أن يكون تأويله: أنهم لو أرادوا الساعة للحالة التي هم فيها، لم يلبثوا فيها إلا عيشة أو ضحاها، فلا يقع ذلك موقع التهويل والتخويف، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب].