الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة عبس
تفسيرُ سورةِ عبس كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 24 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ ﴾ ذكر الحسن أن تعبس الوجه والتولي كانا بنفس المجيء على ظاهر الآية؛ فإنه ذكر أن النبي كان عنده من عظماء المشركين [قوم] يعظهم ويدعوهم إلى الإسلام، فلما جاءه ابن أم مكتوم يسأله، أعرض عنه؛ لمكان أولئك القوم، وعبس وجهه؛ رجاء إسلامهمز وذكر غيره من أهل التفسير: أنه عبسى وتولى؛ لما سأله ابن أم مكتوم عما فيه رشده وهداه؛ فعبس وجهه بقطعه الحديث عليه.
ثم هذا التعبس منه - عليه الصلاة والسلام - كان في أمر لو التأم، ثم وزن ذلك بخيرات أهل الأرض، لرج على خيراتهم ومحاسنهم؛ لأنه ذكر أنه كان مقبلا على رؤساء الكفرة يعظهم ويحرضهم على الإسلام؛ رجاء أن يسلموا؛ فيكون في إسلامهم رجاء إسلام كثير من القوم؛ لأنهم كانوا من عيلة القومو وعظمائهم؛ فكان في إسلامهم رجاء إسلام من يتبعهم من قومهم؛ فيستوجب بإسلامهم من جزيل الثواب وعظم المنزلة ما لا يبلغه آخر بجميع محاسنه؛ فكان في سؤاله إياه منع ما قصد إليه من إحراز جزيل الثواب وكريم الخصال، وإذا كان هكذا فعتبس الوجه في مثل هذال الحال أمر سهل لا يستبعد ولاستنكر.
والثاني: أن تعبس الوجه على الأعمى، والإعراض عنه لا يظهر للأعمى؛ لأنه لا يراه؛ فلا يعده جفاء، وكان في إقباله على أولئك القوم وحسن صحبته إياهم رجاء الإسلام منهم؛ إذا إقباله وحسن صحبته يظهر لهم، وفي الإعراض عنهم ذهاب ذلك الرجاء وإبداء الجفاء منه إياهم، ومن آثر الوجه الذي فيه اتقاء الجفاء والدعاء من الشرك إلى الهدى وصلاح الدين الدنيا، فهو محمود عند ذوي الأحلام والنهى.
ولأن إقباله على القوم إذ كان؛ لمكان دعائهم إلى الإسلام، وقد أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإسلام، وإن كان في دعائهم إتلاف أنفسنا وأموالنا، فلأن يسوغ الدعاء من وجه ليس فيه إلا تعبيس الوجه على واحد من المسلمين - أولى - ولكن النبي وجد منه هذا النوع من الإيثار؛ اجتهادا ورأيا، والأنبياء - عليهم السلام - قد جاءهم العتاب من الله - - بتعاطيهم أمورا لم يسبق من الله - - لهم الإذن في ذلك، وإن كان الذ تعاطوه من الأمور أمورا محمودة في تدبير الخلق؛ نحو ما عوتب يونس - - وعوقب بمفارقة قومه بغير إذن، وإن كان مثل تلك المفارقة لو وجدت من واحد من أهل الأرض، استوجب بها الحمد، وحسن الثناء؛ لأن تلك المفارقة لا تخلو من أحد أمور ثلاثة: أحدها: أن قومه كانوا أهل كفر، وكانوا له أعداء في الدين؛ ففارقهم؛ لينجو منهم، ويسلم له دينه، وثمل هذا لو وجد من غير الأنبياء - عليهم السلام - عد ذلك من أفضل شمائله.
والثاني: أن في مفارقته من بين أظهرهم تخويفا لهم وتهويلاً؛ لأن القوم [من قبل] كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا وقتما يريد أن ينزل بهم العذاب؛ فكان في مفارقته إياهم تخويفهم وتهويلهم، فيدعوهم ذلك إلى الانقلاع عما هم عليه من الضلال، والفزع إلى الله - - ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى وردعه عن الضلال، فقد أبلغ في النصيحة، واستقام على الطريقة.
والثالث: أنه يفارقهم؛ ليستنصر بغيرهم [فينصرونه عليهم]، ويتقوى بهم؛ ليكون على دعائهم إلى الإسلام أمكن وأقدر، ومن كانت مفارقته من قومه على هذه النية، فلنعم المفارق هو، ثم عوتب مع هذا كله، وذكر الله - - في الكتاب قصته للوجه الذي ذكرنا؛ فكذلك الوجه في معانيه نبينا محمد [عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات].
ومنهم من ذكر أن النبي لم يقصد إلى تعبس الوجه على ابن أم مكتوم، ولا تولى عنه عمدا لذلك، لكن لما قطع عليه حديثه، وكان فيه قطع رجاء إسلام أولئك القوم، شق ذلك عليه، واعتراه من ذلك هم شديد، أثر ذلك في وجهه، لا أن كان منه ذلك على القصد.
[ووجه آخر] أن يقال: إن الله - - جعل في قلبه من الشفقة والرحمة على العالمين حتى بلغ من شفقته أن كادت نفسه تذهب على من أعرض عن دين الله - - والإيمان به حسرات عليه، وحتى قيل له: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وتأويله: ألا تحزن بمكانهم كل هذا الحزن؛ فيكون فيه تخفيف الأمر عليه، لا أن يكون فيه نهي عن الحزن وعن الحسرة؛ ولذلك قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، ومعناه - والله أعلم -: ألا تحمل نفسك كل هذا التحميل حتى تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك الانتفاع به؛ طلبا لمرضاتهن، لا أن ينهاه عن ابتغاء مرضاتهن؛ بل قد ندب إلى ابتغاء مرضاتهن بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ الآية [الأحزاب: 51]، فجائز أن يكون رسول الله اشتد عليه إعراض أولئك القوم عن الإيمان، وكبر ذلك عليه حتى تغير لون وجهه؛ فظهرت عبوسة وجهه؛ فنزل قوله - -: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ ﴾ يبين شدة ما اعتراه من الهم حتى أثر ذلك في وجهه، لا أن يكون فيه مذمة ومنقصة له.
ثم في هذه الآية فوائد أخر: إحداها: جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن رسول الله فعل هذا النوع من العمل اجتهادا، لا نصا؛ إذ لو كان الإذن بالتولي والتعبس سائغا، لم يكن يعاتب بفعل قد أمر به.
فإن قيل: كيف لا تدل المعاتبة على النهي [عن إقدامه على] مثله؛ فيحرم عليه الاجتهاد؟
قيل له: لو كان هذا نهيا، لم يكن يعود إلى العمل بالاجتهاد بعد ذلك، وقد وجد منه - - العود؛ لقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ ، فثبت أنه ليس فيه نهي.
وفيه أن الكافر وإن كان مبجلا معظما في قومه، فليس على المؤمنين أن يعظموه ويبجلوه، بل يسترذل ويستخف به، وأن المسلم ينبغي أن يعظم ويكرم، وإن كان حقيرا في أعين الخلق.
وفيه آية رسالة محمد ودلالة نبوته، وأنه لم يختلق هذا الكتاب من عند نفسه؛ لأن من يتعاطى فعلا حقه الستر، فهو يستره على نفسه، ولا يهتك عليها الستر؛ لئلا يذم عليه، فلو لم يكن مأموراً بتبليغ الرسالة لكان يجتهد في الستر على نفسه، ولا يبديه للخلائق، ولكنه كان رسولا لم يجد من تبليغه إلى الخلق بدّاً، فبلغه كما أ/ر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ﴾ ، "لعل" من الله - - واجب.
وقوله: ﴿ يَزَّكَّىٰ ﴾ ، أي: يتزكى بعمله ونيته وقوله.
وفي هذه الآية قضاء بإبطال قول من زعم أن جميع ما في القرآن: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾ فهو مما لم يدره؛ يروى ذلك عن سفيان بن عيينة - - وغيره؛ لأنه قد أدراه هاهنا بقوله: ﴿ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ﴾ و"لعل" من الله واجب، وإذا جعلته واجبا فقد زكاه، وإذا زكاه فقد علمه النبي .
وقوله - عزو جل -: ﴿ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون يتذكر بتذكيرك إياه؛ فينتفع بتذكيرك.
والثاني: أن يتذكر فيما ذكرته من العواقب وما يحق عليه في حاله؛ فينتفع به؛ فتكون المنفعة في التأويل الأول بالتذكر بنفس تذكير رسول الله ، وفي التأويل الثاني بتذكيره فيما ذكره النبي .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، أي: بما اختار هو عما جئت به من الدين.
أو استغنى بالذي زين له الشيطان عما جئت به.
أو يكون على الغناء المعروف؛ لأن الذين أقبل عليهم بوجهه كانوا أهل ثروة وغناء، فأقبل عليهم؛ رجاء أن يسلموا فيتبعهم أتباعهم في الإسلام؛ إذ كانوا من رؤسائهم وأجلتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ﴾ ، أي: مقبل عليه بوجهك.
وقوله: ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ ﴾ أي: ليس عليك غير التذكير إذا أعرض عنك وعاداك لم يمكن منه إلحاق ضرر بك؛ [بل] الله يعصمك، ويدفع عنك شره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: يعمل لله - - ويخشاه، فجائز أن تكون الخشية علة للسعي؛ فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي.
وقد يجوز أن يخرج اللاكم مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر [ودليلا للسعي؛ فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي.
وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر] ودليلا له، قال الله - -: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ ، فكان الإحياء الأول دليل للإحياء الثاني في موضع العطف والترتيب على الكلام الأول.
أو [أن] يكون ابتداء، فقوله: ﴿ جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ ﴾ لله ، ويخاف التبعة وحلول النقمة.
وقوله - -: ﴿ كَلاَّ ﴾ قال الحسن: معناه: أن الذي فعلته من التولى عن المؤمنين والإقبال على الكفرة، ليس من حكمي.
وذكر أبو بكر الأصم: لما نزل قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ﴾ تغير وجه رسول الله ، وخاف زوال الرسالة، وأن يمحى اسمه منها، فلما نزل قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ علم أنه لم يودعه ربه؛ حيث نهاه عن العود إلى مثله.
وقال المفسرون: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لا تعد إلى مثل هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ : جائز أن يكون هذا منصرفا إلى السور كلها.
وجائز أن يكون منصرفا إلى هذه السورة؛ لأن فيها إثبات التوحيد وإثبات الرسالة من الوجه الذي ذكرنا، ودلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على العبث، [فهي تذكرة لمن يذكر بها].
أو جائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة، وهو أن فيما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له.
وجائز أن يقال: إن هذه تذكرة؛ أي: هذه المعاتبة تذكرة للنبي ولجميع المؤمنين؛ ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل، ومن يستوجب إهاته والاستخفاف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، جائز أن يكون معناه: من شا ءالله أن يذكره، أو ما شاء ذكره؛ أي: قد مكن كل من التذكير، وأنه ليس أحد بممنوع ولا مجبور على الفعل، وفمن ترك التذكر، فهو الذي ضيع ذلك؛ حيث آثر واختار ضده، واشتغل بغيره، وأعرض عن ذكره.
وجائز أن يكون على تحقيق الفعل؛ أي: من تذكر به فهو ذكر له؛ فكنى بالمشيئة عن الفعل؛ لما ذكرنا أنها تقترن بالفعل و لاتزايله؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل.
أو يكون على إرادة الفعل قبل وجوده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴾ قيل: هي الصفح المتقدمة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَي صُحُفٍ ﴾ ، أي: في أيدي الملائكة.
وقوله: ﴿ مُّكَرَّمَةٍ ﴾ ، أي: مكرمة بما يكرمها أهل الكرامة، وهم السفرة البررة.
أو مكرمة على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ ، أي: مرفوعة القدر، مطهرة من التناقض والاختلاف.
أو مطهرة من أن ينالها أيدي العصاة.
أو مطهرة من الأقذار والأدناس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ السفرة: الكتبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ أي: كرام على الله ، بررة في أعمالهم؛ كما وصفهم الله - - بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ ، قالوا: تأويله: لعن الإنسان.
وذكر الحسن والمعتزلة: أن هذا من الله - - على الشتم والتسمية له بذلك، واستجازوا الشتم منه.
والأصل أن ليس في الشتم إلا ظهور سفه الشاتم وعبثه؛ إذ لا ضرر يلحق بالمشتوم من جهة الشتم، وإنما ضرر ذلك الشتم على الشاتم خاصة، وأما المشتوم فإنما يصير مشتوما بفعله لا بشتم الشاتم، وجل الله - - من أن ينسب إليه فعل السفه؛ فلذلك قلنا: إنه لا يتحقق معنى الشتم في الكلمة التي عرفت شتما فيما بين الخلق إذا جاءت من الله - - كما لا يحقق من الكلمة التي عرفت اغتيابا فيما بين الخلق إذا جاءت من الله - - معنى الاغتياب، بل يحمل ذلك على الردع والتنبيه؛ فيكون في ذكرها تخويف من خوطب بها، وتذكر للخلق سفهه وجهله؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يتكلم بما فيه هتك الستر على المخاطب ثم لا يعد ذلك منه اغتيابا؛ إذا قصد به وعظه وزجره عما هو [فيه]، وأرشده إلى ما فيه صلاح آخرته وأولاه، فكذلك الله - - إذا جاء منه ما يعد شتما من غيره وغتيابا، لم يلحقه وصف الشتم والغيبة؛ إذ ذلك منه على التذكير والتنبيه للخلق، وعلى التخويف والتهويل لمن نسب إليه ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ ، أي: ما أقبح كفره، وأوحشه، وأشنعه؛ لأنه علم أن جميع ما أنعم به من النعيم فيمن الله - - ثم هو لم يشكر نعمه، ولا أطاعه فيما دعاه إليه؛ بل وجه شكر نعمه إلى من لا ينفعه ولا يضره، وعند من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، [و]ما هذا إلا غاية الفحش ونهاية القبح.
أو ما أوحش كفره وأقبحه بما سوى الشكور والكفور، وبين المفسد والمصلح، وبين الولي والعدو، والعقل يوجب التفرقة بينهما، فهو بإنكاره البعث كابر عقله وعانده، فما أشد كفر من هذا وصفه.
ثم قوله - -: ﴿ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ أي: أي شيء أكفره؟
فيكون في ذكره تعجيب لمن آمن من الخلائق وتذكير لهم عن سوء من هذا فعله وسوء معاملته مع ربه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ فكأنه قال: إن الذي كفر قد علم أنه خلق من نطفة، وتلك النطفة موات، لا سمع فيها ولا عقل، ولا شيء من الجوراح، ثم الله بلطفه وعجيب حكمته دبر فيها بصرا يرى بفتحه واحدة، وفي أدنى وهلة مسيرة خمسمائة عام، وقدر فيها عقلا يرى به ملكوت السماوات والأرض، وقدر فيها السمع، والبصر، وغيرهما من الجوارح، أفترى أن من بلغت قدرته هذا يعجز عن إحياء من أماته وعن بعثه بأقل من لحظة.
أو يكون قوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ تعريفاً منه أنه خلقه من نطفة، ويكون في ذكره ما ذكرنا من الفوائد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدَّرَهُ ﴾ ، أي: سواه على وجه يكون فيه دلالة ربوبيته وشهادة وحدانيته.
أو قدره على ما فيه صلاحه ومنفعته.
أو قدره على [ما يشاء] من القصر والطول، والدمامة والملاحة، وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ يحتمل أن يكون المراد من السبيل الدين، فكأنه يقول: يسر له سبيل درك ذلك السبيل إلى الله - - على ما ذكرنا أن الدين إذا أطلق أريد به دين الله ، وكذلك الكتاب المطلق يراد به كتاب الله ؛ فعلى ذلك: السبيل إذا ذكر مطلقا كان منصرفا إلى سبيل الله .
أو يسر له السبيل: سبيل الهدى، وسبيل الضلال، والسبيل الذي لو سلكه نفعه، والسبيل الذي يضره.
أو يسر له السبيل الذي علم الله أنه يختاره؛ كقوله - -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ...
﴾ .
أو يسر عليه سبيل الخروج من بطن أمه على ضيق ذلك الموضع وكبر حثته؛ ليعلموا أن من بلغت قوته هذا فهو قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ ، ففي ذكر هذا ذكر النعم، وهو أن الله - - جعل لما يخبث ويتغير كنا يكن فيه؛ فيستره عن الخلق؛ لئلا يعافوه ويستقذروه، لم يجعل ذلك لغيرهم، وجعل لأنفسهم إذا هم تغيرت [أجسادهم] بالموت، وصارت بحيث تستخبث وتستقذر - كنا تستتر فيها؛ لتغيب عن الخلق؛ فلا يتأذوا بها، فذكرهم هذا؛ ليشكروه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ ﴾ معناه - والله أعلم -: كذلك إذا شاء أنشره؛ لأن هذا كله إخبار في موضع الاحتجاج، فكأنه قال: إن الذي خلقه من نطفة وقدرهن ثم أماته فأقبره، فهو كذلك ينشره إذا شاء، وكذلك هذا في قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ ، أي: إن الذي أحياكم، ثم أماتكم، فكذلك هو الذي يحييكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ﴾ : منهم من ذكر أن هذا الخطاب في كل أحد لا ترى إنسانا قضى جميع ما عليه من الأمر على احد ما أمر حتى لا يغفل عنه ولا يقصر فيه؛ بل من الله - - على كل أحد في كل طرفة عين نعمة، لا يتهيأ لأحد أن يقوم بكنه شكرها حتى لا يقع منه في ذلك جفاء ولا تقصير.
ومنهم من يقول: هذا في الكفار خاصة، ولا يقضون ما أمروا به من التوحيد.
فإن كان على هذا فهو منصرف إلى ابتداء الأمر.
وإن كان على الوجه [الأول]، فهو منصرف إلى كنه الأمر، ويستقيم توجيهه إلى الكافر، على ما ذكروا؛ لأن [إيمان المؤمن له حكم] التجدد في كل وقت؛ إذ هو في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، فهو يجتنبه، فذلك يكون، وإذا كان كذلك، ثبت أنه في كل وقت مؤمن؛ لما أمر به هو مجتنب عما نهي عنه، فهو بإيمانه راجع عن الزلات في كل حال، معتقد للوفاء بما أمر به؛ لذلك كان صرفه إلى الكافر أوجَهُ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴾ كيف قدر له حيث استعمل فيه السماوات، والأرضين، والهواء، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، فاستعمال السماء في إنزال المطر منها، واستعمال الهواء في جعله مسلكا للمطر، واستعمال الأرض في جعلها قرارا للمطر وأخرج منها مافيه قوامهم ومنافعهم؛ فيكون في ذلكر هذا فوائد: إحداها: في موضع التعريف للخلائق: أن منشئ السماوات والأرضين، ومنشئ الخلق والشمس والقمر - واحد؛ لاتصال منافع بعض ببعض؛ إذ لو لم يكن كذلك، لكان لمنشئ السماء أن منع منافع السماء عن خلق منشئ الأرض.
و[الثانية:] فيه تذكير قوته وعجيب حكمته؛ ليعلموا أنه قادر على كل ما يريد فعله؛ لا يضعف عن ذلك، ولا يعجزه شيء؛ لأنه جمع بين منافع ما ذكرنا مع تناقضها واختلافها في نفسها، فجعلها من حيث المنافع متسقة متفقة، وجعل كل واحدة منهم كالمتصلة بالأخرى، المقترنة بها مع بعد ما بينهما، فمن قدر على الاتساق بين الأشياء المختلفة، وقدر على الوصل بين الأشياء المتباعدة بعضها عن بعض - لقادر على إحياء الأموات والبعث.
و[الثالثة:] ذكرهم هذا ليبين لهم حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنه لا يخلق الخلق عبثا، ولا يتركهم سدى لا يستأدي منهم الشكر، ولا يبعثهم؛ بل ينشئهم ويميتهم فقط، فيخرج خلقه على ما فيه خروج عن الحكمة، ولأنه خلق البشر على وجه تمسه الحاجات، وتسمه الشهوات، وقدر الطعام على وجه إذا تناول منه دفع حاجته وسكن شهوته، ولو أراد أحد أن يتدارك المعنى الذي يعمل في دفع الحاجة وتسكين الشهوة ما هو؟
لم يصل إلى تعرفة؛ فيؤذي تفكره إلى دفع الشبه والاعتراضات التي تعتريه في أمر البعث وغيره؛ إذا كانوا يقدرون الأمور على قواهم ويسوونها على ما ينتهي إليه تدبيرهم، فإذا وجدوا في الطعام معاني هي خارجة من تدبيرهم وقواهم علمو أن ليس الأمر على ماقدروا؛ فيرتفع عنهم الريب والإشكال، وكذلك لو أرادوا أن يستخرجوا من السماء المعنى الذي به صلح أن تكون به حياة الأشياء كلها مع اختلاف الاشياء وتفاوتها واختلاف طعومها وألوانها - لم يمكنهم ذلك؛ فيعلمون أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ قادر على ما يشاء، فعال لما يريد، ويكون في النظر فيما ذكر حاجته وافتقاره إلى غيره تبيين أن الله - - لم ينشء الخلق لحاجة نفسه، وإنما خلق لحاجة البشر إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً ﴾ ؛ ليقر الماء في شقوقها فيصل الخلق إلى الانتفاع به.
أو شققناها للنبات، فأنبتنا فيها حبا وعنبا، فذكر الحب والعنب، وأخبر أنه أنبتهما في الأرض، وهما في الحقيقة غير ناتبين في الأرض، ولكن أخرجهما من اصل هو نابت في الأرض، فأضافهما إليها لما يرجع الابتداء إليها، وهو كقوله - -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ ﴾ ، ورزقنا من السماء المطر، لكن الذي هو رزقنا من الطعام وغيره إنما ينبت في الأرض، وخرج منها بالقطر من السماء؛ فاضيف إليه؛ فعلى ذلك أضيف الحب والعنب إلى ما ذكرنا؛ للمعنى الذي وصفنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَضْباً ﴾ القضب: هي الرطبة، سميت: قضبا؛ لأنها تقضب، وتقطع مرة بعد مرة.
﴿ وَزَيْتُوناً ﴾ في ذكر الزيتون ما ذكرنا من الفائدة، وهي أن الزيتون ألين الأشياء نَبَتَ أصله في الجبال التي هي أصلب الأرض، فمن قدر على إخراج ألين الأشياء عن أصلب الأشياء لقادر على الإنشاء والبعث؛ إذ من قدر على أن يخرج ألين الأشياء من أصلب الأشياء لقادر على أن يلين القلوب القاسية حتى تلين لذكر الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَدَآئِقَ غُلْباً ﴾ الحدائق هي البساتين التي أحدقت بالأشجار وأحاطت بها، والغلب: الغلاظ؛ يقال: رجل أغلب؛ إذا كان غيلظ الرقية، وقوم غلب الرقاب، أي: غلاض، وقالوا - أيضا -: الغلب الأشجار الكثيفة الطويلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ﴾ والأب: الكلأ، فيخبر أنه أنشأ هذه الأشياء؛ لتكون متاعا للخلق والأنعام، لا لمنافع نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ﴾ قال الحسن: هي اسم القيامة يصخ لها كل شيء، وبه يقول أبو بكر: إنه يصخ لمجيئها كل شيء، أي: يخشغ لها ويطأطئ رأسه للداعي، كما قال [الله] : ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ .
وقال القتبي: الصاخة هي الداهية، فذكر القيامة بالأحوال التي تكون فيها، أو بالأفعال التي توجد فيها؛ على ما ذكرنا.
وقال الزجاج: الصاخة: المصمة، تصم لها الأسماع عن كل شيء إلا إلى ما يدعى إليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ جائز أن يكون هذا على تحقيق الفرار.
وجائز ألا يكون على التحقيق، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي يوجد من الفار، قال الله - -: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم أنهم إذا اجتمعوا استبشر بعضهم ببعض، وأنسوا بالاجتماع، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم، واهتموا لذلك.
ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة الاستبشار عند الحضرة حتى كأنه لا أنساب بينهم، لا أن يكون بينهم في الحقيقة نسب، ولكن ما يحل بكل واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال بحاله والاستبشار برؤيته حتى يصير كالفرار؛ لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار، لا على تحقيق الفرار؛ لأنه قال: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ فما يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه وعن أقربائه.
أو يكون على حقيقة الفرار، وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير؛ فيخافون في ذلك اليوم أن يؤاخذوا بذلك فيحملهم على الفرار.
أو يفر كل واحد منهم عن تحمل ثقل الأقرباء، كما قال: ﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ ، وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في تحمل الأثقال، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم؛ بل يفرون.
ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة، وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة فيما بين الأخلاء بقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في بعض الأحوال، وذلك في الوقت الذي لم يتفرغ عن شغل نفسه، فأما إذا أمن وجاءته البشارة فهو يقوم بشفاعته، ويسأل عن أحواله، ولا يفر منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ قالوا: افضى إلى كل إنسان ما يشغله عن غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ ، أي: مضيئة، أو ناضرة، ناعمة، مشرقة؛ فيكون فيه إخبار عما هم فيه من النعيم؛ حتى يظهر ذلك في وجوههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، أي: مسرورة بنعيم الله - - الذي أنعم عليهم، مستبشرة برضاء الله - عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ قالوا: هذا أول تغير يظهر في وجوههم، كأنما علاها الغبار، ثم تسود، ثم تطمس، وترد على أدبارها، كما قال: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ﴾ .
وقوله - عزو جل -: ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ قال أبو بكر: ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ، أي: تغشاها الذلة، أو تعلوها، ثم تتلون بعد ذكل؛ فتكون كأنما علاها الغبار، ثم تسود على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ﴾ ، أي: الكفرة بأنعم الله ، الفجرة: المائلة عن الحقوق، والله الموفق، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين].