الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة التكوير
تفسيرُ سورةِ التكوير كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 21 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ هذا ليس بابتداء خطاب، ولكنه جواب عن سؤال تقدم؛ فيشبه أن يكون السؤال عن وقت لقاء الأنفس الأعمال؛ فنزل قوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ إشارة إلى أحوال ذلك الوقت وآثارها؛ على ما نذكر المعنى الذي له وقع لتبين الأحوال دون تبيين الوقت في سورة ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ .
واختلف في قوله - : ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ .
قال بعضهم: هي فارسية، معربة، وهي بالعربية: غورت.
وقال بعضهم: ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ ، أي: ذهب ضوءها؛ يقال: كور الليل على النهار، أي: أذهب نوره وضياءه؛ فالتكوير بغطي لون الشيء عن الأبصار، فقيل: كورت الشمس، أي: حبس ضوءها على الأبصار بالطمس؛ فيكون فيه إنباء أنه يطمس ظاهرها، ثم يرد التغيير في نفسها فتتلف وتتلاشى، ومنه يقال: كور العمامة؛ إذا لفها على رأسه فتغطيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ﴾ : تناثرت: وتساقطت، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ ﴾ .
وقيل: ذهب ضوءها؛ فكأن ضوءها يذهب أولا، ثم تناثر بعد ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ ، أي: قلعت عن أماكنها وسيرت، كما قال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ ، وهي إذا قلعت تكثرت؛ حتى لا يتبين للناظر سيرها؛ لكثرتها؛ فيحسبها جامدة، وهي تسير، فهذا أول تغير يظهر منها، ثم تصير كثيبا مهيلا، ثم كالعهن المنفوش، ثم هباء منثورا إلى أن تتلاشى وتتلف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ ، فالعشار هي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، وهي من أنفس الأموال عند أهلها؛ فيخبر أن أربابها يعطلونها في ذلك اليوم ولا يتلفتون إليها؛ لشغلهم بأنفسهم في ذلك، وهو كما قال: ﴿ وْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ﴾ الى قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ قيل: جمعت، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن تجمع كلها فتتلف وتهلك.
والثاني: أن تحشر مرات يحييها بعد موتها؛ فيضع الله فيها ما شاء؛ فيكون في هذا إخبار عن عظم هول ذلك اليوم؛ حتى يؤثر الهول في الوحوش، والشمس، والقمر، والسماوات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ قيل: فجرت، وسنذكر تأويل التفجير فيما بعد، [إن شاء الله ].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ قيل: قرنت.
ثم اختلف في معنى القرآن: فقال بعضهم: قرن زوجها إليها.
وقال بعضهم: يقرن كل بأهل شيعته؛ فيقرن الكفرة بالشياطين، وأهل الشراب بأهل الشراب، وأهل الزنى بأهل الزنى، وقال [الله عز وجل -:] ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ إلى قوله ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ ، ففي هذا إخبار أن المعذب منهم إذا رأى عدوه يعذب عذابه، ويكون في العذاب الذي هو فيه لم يتسل شيئا، ولم ينل به راحة، وإن كان المرء في الدنيا إذا رأى عدوه يعذب عذابه يتسلى بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ ، وقرأ بعضهم: (وإذا الموءودة سألت) وهذا هو الظاهر أنت كومن هي السائلة، أي: تسأل إياهم: بأي ذنب قتلت؟!
وتقول: بأي ذنب قتلتموني؟!.
وكانت العرب تدفن بناتها، يقال: وأدته: أي: دفنته.
ثم القراءة المعروفة: ﴿ سُئِلَتْ ﴾ ، هي تحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: ذكر أبو عبيد وقال: إن قتلتها تسأل: بأي ذنب قتلت الموءودة؟!.
و[الثاني:] يحتمل أن تسأل الموءودة عند حضرة الذين وأدوها: بأي ذنب قتلْتِ؟!
يريد بالسؤال تخويف وتهويل للذين وأدوها، لا سؤال استخبار واستفهام، وهو كقوله - -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وليس يسأل عن هذا سؤال استخبار واستفهام، ولكن يسأل سؤال تخويف وتهويل لمن ادعى أن عيسى - - هو الذي أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله.
و[الثالث:] جائز أن تسأل الموءودة: أتدعي أو لا تدعي؟
وما الذي تدعي عليهم؟
فيبدأ بها السؤال، كما يرى المدعي في الشاهد هو الذي يبدأ بالسؤال، فيقال له: ما تدعي على هذا؟
فقوله: ﴿ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ كأنها إذا سئلت عن الذي ادعت، قالت: ﴿ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ ، أي: الكتب نشرت للحساب، وهي التي فيها أعمال ابن آدم وقتما تدفع إليهم بأيمانهم وشمائلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ ، قيل: قشرت، وذلك أن تتناثر النجوم، وتطمس الشمس، فتطوى كطي السجل للكتب.
وقيل: كشفت، تكشف السماء، كما يكشف الغطاء عن الشيء.
ويقال: كشطت؛ أي: قلعت كما يقلع السقف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يحدث تسعيرها؛ فيكون في علم الحدثيَّة، وكذلك في قوله - -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ يحتمل أن يبتدئ تسجيرها، ولما تسجر من قبل.
وجائز أن يراد من التسجير والتسعير على ما كان من قبل؛ لقوله: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ وقد كان وقودها بغير هذين، ثم يزاد في وقودها بالناس والحجارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ قيل: قربت؛ فأضيف إليها التقريب؛ لأن أهلها إذا قربوا إليها فقد فقرت هي إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ ، أي: ما أحضرت من خير أو شر؛ كقوله : ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً ﴾ الآية [آل عمران: 30].
أو تعلم ما أحضرتها الملائكة الذين كتبوا عليها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ﴾ : الأشياء التي وقع بها القسم تقتضي أحكاما ثلاثة.
أحدها: ما من شيء خلقه الله - - إلا وفيه دليل وحدانيته، وآية ربوبيته، إذا أنعم النظر فيه، ويثبت علمه وحكمته، ويدل على قدرته وسلطانه، وفي تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالبعث، وإيجاب القول بالرسل، ونهي عن عبادة غير الله، فلو أنعموا النظر فيها وتفكروا في أمرها، لأداهم ذلك إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل؛ فلا يدعون أن معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، ولا يكذبون الرسول؛ فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد لحججه؛ ليعلموا أنه رسول من عنده، أو أن القرآن من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو الرسول من عنده.
أو يكون القسم تلقينا من الله - لرسوله بأن يقسم لهم بهذه الآشياء؛ ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره - - ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته.
ثم القسم بما لطف من الأشياء ودق، وبما كثف وغلظ، وبما كبر وصغر، وبما ظهر وخفي، تنفق كلها في إزالة الشبهة وإثبات التوحيد والرسالة والبعث، بل الأعجوبة فيما لطف من الأشياء أعظم منها فيما كثف وغلظ، فأقسم مرة بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى، وبما شاء من خلقه؛ إذ الخلائق كلها في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وحكمته وقدرته وسلطانه - متفقة.
ولأن ما لطف من الأشياء وخفي منها يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي منها واستتر ذكر ما ظهر منهاـ وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها؛ فيكون القسم في الحقيقة بالله .
ثم اختلف في (الخنس) و(الكنس): قال أبو بكر: إن (الخنس) هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.
وقال الحسن: الخنس: هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالها ويغبن في مغاربها، و ﴿ ٱلْكُنَّسِ ﴾ : هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها [ثم] يكنسن ويختفين إلى أن يعدن إلى مطالعهن فيطلعن.
وقيل: ﴿ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ﴾ هي خمس كواكب لهن مجار في السماء يظهرن بالليل ويستترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت.
ثم قيل: الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول فيها.
وقيل: الخنوس: الاختفاء، والكنوس: التأخر، وكذا قال الفراء: هي النجوم الخمسة تخنس في مجراها، وترجع.
وفي حديث كعب: "فتخنس بهم النار كما تخنس النجوم الخنس"، أي: تحيد بهم وتتأخر، والله أعلم.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: هي الوحوش اللاتي تخنس من الإنس، وتكنس في مكانسهن، وأيما كان فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ قيل: إذا أقبل؟
وقيل: إذا أقبل وإذا أدبر.
وقوله: ﴿ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ : إذا انفجر، وإذا ارتفع، وفي إقبال الليل وإقبال النهار تثبيت القدرة والسلطان؛ وذلك أن ظلمة الليل إذا غشت سترت عن وجوه الأشياء وكشف [النهار] عنها الستر، ولو أراد أحد أن يغطي الأشياء كلها بالحيل والأسباب لم يتمكن منها، ولو أراد نزع الغطاء عنها، لم يملك، فذكرهم هذا؛ ليعلموا أن من بلغت قدرته هذا لا يعجزه أمر، ولا يتعذر عليه البعث؛ بل هو قادر على إحيائهم وبعثهم.
وقوله - -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ فموضع القسم على هذا، وعلى قوله - -: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ .
ثم تأويل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ، أي: هذا الذي أتاكم به محمد تلقاه عن رسول كريم على ربه، وهو جبريل - - ثم نسب هاهنا إلى الرسول؛ لما سمع منه، ولم يكن من قبله، وقال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فسماه: كلام الله؛ على الموافقة، أو لما أن ابتداءه يرجع إليه، لا أن يكون المسموع كلامه، كما يقال: هذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، وهذا قول فلان الشاعر، وليس الذي سمعته قول من نسب إليه، ولكن نسب إليه؛ لأن ابتداءه يرجع إليه؛ فكذلك سمي: كلام الله؛ لأنه يدل على كلامه، ولما يرجع إليه ابتداؤه، لا أن يكون هو نفس كلامه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ وفي وصفه بالقوة فائدتان: إحداهما: ما ذكرنا أن فيه بيان الأمن عن تغيير يقع فيه من الأعداء من الجن والشياطين والإنس، يحتجز عنهم بقوته؛ فلا يتمكنون منه حتى يغيروه ويبدلوه، ووصفه بالأمنة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته.
أو وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدا فيخبرهم أن معه من يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا ذلك به.
وروي أن رسول الله قال لجبريل - -: "إن الله وصفك بالقوة فما أثرك قوتك؟
فقال: لما أمرني الله بإهلاك قوم لوط - - فقلعت قرياتهم ورفعتها بجناح واحد إلى السماء ثم قبلتها" وليس بنا إلى أن نعرف قوته حاجة، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى والحكمة في ذكر قوته؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ : إن كان المراد من العرش: الملك، فمعناه: عندي ذي الملك مكين؛ أي: ذو قدرة ومنزلة.
وقيل: العرش: السرير، فإن كان كذلك، فتأويله: أنه مكين عند من له سرير الملك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ قيل: إن جبريل - - رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى الناس، فإن كان كذلك ففيه إخبار أن الملائكة الذين يعبدها بعض الكفرة يطيعون جبريل - - فيما يأرمرهم وينهاهم، فما بالهم يتركون طاعته والائتمار بأمره؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ، أي: هم يأتمنونه، ولا يتهمونه في شيء مما يجيء به إليهم، فكيف يتهمه هؤلاء فيما يأتي إلى الرسول من الوحي؟!.
وقوله: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ منهم من يقول بأن الكفرة نسبوه إلى الجنون حين رأى رسول الله جبريل على صورته فغشي عليه، وكان يتغير في كل مرة يأتي به جبريل - - بالوحي لون وجهه؛ فينسبونه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من يقول: إما نسوبه إلى الجنون؛ لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض، وكان في أهل الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن أظهر الخلاف لهم؛ فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه؛ حيث انتصب لمعاداة من لا طاقة له بهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له به، وانتصب لمعاداته، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد؛ فنسبوه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا، ولكن شدة سفههم هو الذي حملهم على هذا؛ فنسبوه إلى الجنون مرة، وإلى أنه ساحر أخرى، ومرة قالوا: علمه بشر، ومرة قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ؛ فكانوا ينسبونه إلى كل ما ذكرنا، لا عن بحث منهم في حاله، ولكن على السفه والعناد؛ ألا ترى أنهم نسبوه إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانيا، وهما أمران متناقضان؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم غايته، والجنون هو النهاية في الجهل، ولو كانوايقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول؛ فيظهر جهلهم لمن يريدون صده عن اتباع النبي ، بل كانتوا يتفقون على كلمة واحدة، فيصدرون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه؛ فيصلون إلى مرادهم من صد الناس عن اتباع النبي .
وكذلك فيما زعموا أنه علمه بشر، وأنه إفك افتراه؛ أتوا بالمختلف من القول؛ لأن اختلافه وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه، مستغنٍ عن تعليم غيره، وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاق بنفسه، فهذا كله يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم منه، ولكنهم قذفوه بكل ما حضرهم؛ سفها منهم وعنادا.
ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبريل - - على صورته فقد أتاهم بما لم تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم جنة؛ كما قال [الله] - -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ ، وذلك أنه أتاهم بحكم عجز حكماء الإنس والجن [عن] إتيان مثله، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتياه مثله، فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين، ولا من علومهم، ولكنه من عند الله أكرم به.
وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه، فهم - بحمد الله - لم يتهيأ لهم أن يمكروا به، ولا أن يقتلوه؛ بل أظفره الله عليهم، وأظهره على الدين كله؛ فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته، وعلم نبوته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ﴾ قال الحسن: إنه رأى ربه بقلبه؛ أي: عظمته وسلطانه من وجه لا يقع به تشابه، وخص بالأفق؛ لأنه من الأفق تنزل البركات وتنزل الملائكة وأنواع الخير كلها، والمراد من ذلك الأماكن كلها.
وغيره من أهل التفسير صرف الرؤية إلى جبريل، .
وذكر أن رسول الله سأل جبريل - - أن يراه على صورته، فقال له جبريل - -: "إن الأرض لا تسعني، ولكن إذا صليت الفجر، فانظر إلى أفق السماء؛ فهنالك تراني"، ففعل فرآه على صورته، ثم دنا منه، فكان قاب قوصين أو أدنى، فذكر الأفق؛ لأن الشيء من البعد لا يتهيأ أن يرى من أقطار الأرض؛ لذلك خصت الأفق؛ إذ كذلك تقع رؤية ما بعد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ ، وقرئ (بظنين).
قال أبو عبيد: والظنين أولى؛ [لأن الظنين] هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم نيسب أحد رسول الله إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية، وقد كنوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه بشر، وليس من عند الله، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه الله مما قالوا بقوله: ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ .
ومن قرأه بالضاد فهو يحتمل أوجها: أحدها: ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن رسول الله لم يكن يضن بشيء علمه الله - - عن أحد من أصحابه كما يفعله غيره من العلماء؛ لأن العلماء لا يريدون أن يعلموا من اخلتف إليهم كل ما عندهم من العلوم حتى يُستغنى عنهم، ورسول الله كان يود أن يعلم جميع ما علم من العلوم أصحابه؛ فكان يقوم على تعليم كل منهم بقدر طاقته، ولم يكن يمتنع عن التعليم بُخلآ منه وضنّاً.
وجائز أن يكون برأه الله - - من هذا؛ لما علم أنه يكون في أمة محمد من يزعم أن رسول الله خص بعض أصحابه بتعليم أشياء لم يطلع عليها غيرهم، وتخصيص بعض دمون بعض بتعليم ما عنده بخل في الشاهد؛ فكان في قوله: ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ تكذيب أولئك الذين يدعون هذا، وهذا كما روي عن النبي أنه قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" ، فكأنه قال هذا لما علم أنه يكون في أمته من يتقدم الشهر بالصيام، فقال هذا؛ ليعرف خطأ من يتقدم الشهر بالصيام عل الخطأ والجهالة، ليس على إصابة الحق؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكرنا.
ثم صرفوا تأويل الغيب إلى القرآن، وهو عندنا في القرآن وفي غيره من الأشياء التي أطلع الله - - نبيه عليها.
وجائز أن يكون الضن منصرفا إلى الشفاعة التي أكرم الله - - نبيه بها، فهو لا يخص بعض أمته دون بعض بالشفاعة، بل يعمهم جميعا؛ فيكون في هذا تحريض على الاتباع له، والانقياد لطاعته.
ويحتمل وجها آخر: وهو أنه ليس بضنين في أداء شكر ما أنعم الله - - عليه؛ حيث غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل اجتهد في أداء شكره حتى ذكر أنه تورمت قدماه من طول القيام، فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!.
فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟!".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن النبي ليس من شياطين الإنس، ولا بمجنون كما ذكرتم؛ بل هو رسول كريم.
أو الذي أتاكم به من القرآن لم يتلق من الشياطين، ولا هو من قبلهم كما تلقته الكهنة والسحرة من أقوالهم؛ بل هو ذكر من الله - - للعالمين أنزله الروح الأمين القوي الذي لا يصل إليه الشيطان فيغيره ويبدله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ، أي: فأين تذهبون عن طاعته واتباعه والانقياد له وقد أتاكم ما يلزمكم طاعته واتباعه.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: عظة للعالمين، يذكرهم بما يحق عليهم في حالهم، ويبين لهم ما يؤتى وما يتقى، وما تصير إليه عواقبهم.
أو أن يكون قوله: ﴿ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: شرف لهم، يشرف قدرهم به، ويصيرون أئمة يقتدى بهم ويختلف إليهم؛ ليتعلم منهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ يحتمل أوجها غير ما ذكرنا: أحدهما: أن هذا القرآن الذي جاء به محمد تلقاه من رسول كريم على الله - - فإذا لم تؤمنوا به، ولم يتقبلوه فما ذهبتم إلا إلى قول شيطان رجيم.
ويحتمل ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ؟
وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس الله - عز وجل - ونقمته إذا لم تؤمنوا بالله ، وأنكرتم البعث، ولم تصدقوا الرسول فيما أخبركم به؟!
فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من تلجئون؟!
وهو كقوله - -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .
أو إذا لم تؤمنوا بالله - - ولم تتبعوا ما أتاكم به محمد وقد تقرر عندكم صدقه أنما أتاكم من الآيات بالمعجزة، فبأي حديث تصدقونه بعد ذلك وتذهبون إليه؟!
وهو كقوله : ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ معناه - والله أعلم -: أن هذا القرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين، فهو في نفسه ذكر وآيات وهدى، ولكن ينتفع بهذا الذكر من شاء الاستقامة، ويهتدي به من طلب الهداية؛ قال - -: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ وهو في نفسه هدى، ولكن يهتدي بهداه المتقون، ومن ليس بمتقٍ فهو عمى عليه ورجس، وقال: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ ، وهو كان ينذر من اتبع ومن لم يتبع، ولكن معناه: أنه ينتفع بالذي تنذر به من اتبع الذكر، وقال: آيات لأولي الأبصار، وهي في أنفسها آيات، ولكن ينتفع بآياته أولو الأبصار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يحمل على تحقيق المشيئة، ويكون تأويله: أن من أراد الاستقامة على أمر الله - - أو على الحق، فهذا الذكر - وهو القرآن - يقيمه على الحق وعلى الأمر، ويهديه إلى ذلك.
أو أن يكون هذا على تحقيق الفعل؛ فيكون معناه: من استقام منكم على الحق والأمر فهو ذكر له.
والأصل أن المشيئة وصف فعل كل مختار، وإذا كان هكذا، صارت المشيئة مقترنة [بالفعل]، فإذا فعل فقد شاء؛ فكان في إثبات الفعل إثبات المشيئة؛ لذلك استقام حمله على ما ذكرنا، وهو أن يجعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فإن كان قوله: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ ﴾ على تحقيق المشيئة، فمعناه، أنكم لا تشاءون الاستقامة - على ما ذكرنا - إلا أن يشاء الله.
وإن كان على تحقيق الفعل، فتأويله: أنكم ما استقمتم على الطريقة إلا بمشيئة الله .
وقال بعضهم: تأويل قوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ ﴾ ، أي: لم تكونوا تشاءون إنزال هذا الكتاب، فأنزله الله على رسوله - - بغير مشيئتكم.
وهذا غير محتمل عندنا؛ لأنه قد سبق من القوم الإرادة والسؤال بإرسال الرسول إليهم بقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ ، فثبت أنه قد سبق منهم السؤال بإرسال الرسول وإنزال الكتاب عليه، لكن تأويله ما ذكرنا.
ثم في هذه الآية دلالة أن كل من شاء الله منه الاستقامة توجد منه الاستقامة، ولا يجوز أن يشاء من أحد استقامته ولا يستقيم، كما قالت المعتزلة؛ لأن الله - - مَنَّ على من استقام بمشيئته استقامته، فلو لم توجد الاستقامة من كل من شاء منه الاستقامة، لم يكن للامتنان معنى؛ لأن الاستقامة وغير الاستقامة تكون به، لا بالله ، والله المستعان، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].