الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الانفطار
تفسيرُ سورةِ الانفطار كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 22 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ قد ذكرنا أن هذا جواب [عن] سؤال تقدم، لم يبين السؤال عند ذكر الجواب؛ لأن ﴿ إِذَا ﴾ جواب عن سؤال "متى"؛ فجائز أن يكون سؤالهم ما ذكر في إتمام الجواب، وهو قوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ فكأن رسول الله سئل: متى تعلم النفس ما قدمت وأخرت؟
فنزل قوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ الآية إلى آخرها.
ثم ذكر الانفطار هاهنا وهو الشق، وذكر الفتح في موضع آخر، وهو قوله - : ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ ، وقال في موضع آخر: و ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، فمنهم من ذكر أن شقها وانفطارها أن تفتح أبوابها.
ومنهم من حمله على الشق الذي يعرف من شق الأشياء، وهذا أقرب؛ لأن الآية في موضع التخويف والتهويل، وليس في فتح أبوابها تخويف، وإنما التخويف في انشقاقها بنفسها.
ثم السؤال عن ملاقاة الأعال وعن علم النفس بها سؤال عن الساعة، وفي ذكر انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وتسيير الجبال، وجعل الأرض قاعا صفصفا، وصفُ أحوال الساعة وآثارها، وليس فيه إشارة إلى وقت كونها؛ لأنه ليس في التوقف على حقيقة وقتها تخويف وتهويل، وفي ذكر آثارها تخويف، وهو أنه عظم هول ذلك اليوم، واشتد حتى لا تقوم له الأشياء القوية العلية في أنفسها، وهي الجبال، والسماوات والأرضون، بل يؤثر فيها هذا التأثير، حتى تصير الجبال كالعهن المنفوش، وتصير كثيبا مهيلا، وتنشق السماء، وتصير الأرض قاعا صفصفاً، فكيف يقوم لها الإنسان الضعيف المهين؟!.
أو إذا كانت السماوات والأرضون والجبال مع طواعيتها لربها لا تقوم لها وأفزاعها بل تنقطع، فكيف يقوم لها الآدمي الضعيف مع خبث عمله؛ وكثرة مساوئه مع ربه؟!.
فيذكرهم هذه الأحوال؛ ليخافوه، ويهابوه؟
فيستعدوا له؛ فلهذا - والله أعلم ذكرت الأحوال التي عليها حال ذلك اليوم؛ ولم يبين متى وقته؛ ولهذا ما لم يبين منتهى عمر الإنسان؛ ليكون أبدا على خوف ووجل من حلول الموت به؛ فيأخذ أهبته، ويشمر له، ولو بين له كان يقع له الأمن بذلك؛ فيترك التزود إلى دنو ذلك الوقت، ثم يتأهب له إذا دنا نقضاء عمره.
ثم إن الله - - ذكر أحوال القيامة في غير موضع، وجعل ذلك مترادفا متتابعا في القرآن؛ فيكون في ذلك معنيان: أحدهما: أن للقلوب تغيراً وتقلبا في أوقات، فرب قلب لا يلين لحادثة أول مرة حتى يعاد عليه ذكرها مرة بعد مرة، وحالا بعد حال، ثم تلين؛ فيكون في تتابع ذكر البعث والقيامة مرة بعد مرة إبلاغ في النذارة وقطع عذر المتعذرين يوم القيامة.
والثاني: أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وقد وقع الإسلام في قلوبهم موقعا؛ فيكون في تكرار المواعظ تلقيح لعقولهم، وتليين لقلوبهم على ما أكرمهم الله - - من الإيمان، ونصرة رسول رب العالمين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ ﴾ : إما أن يكون انتثارها؛ لأنها مجعولة لمنافع الخلق، فإذا استغنى عنها أهلها فلا معنى لبقائها.
أو لما جعلت زينة للسماء، فإذا انفطرت السماء، لم تحتج إلى زينة بعدها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ ، قال قائلون: أي يفجر ماؤها في بحر واحد، ثم يغور ماء ذلك البحر الذي اجتمعت فيه المياه؛ إما بما تنشفها الأرض، أو تجعل في بطن الحوت الذي ذكر أن الأرضين قرارها على ظهره، أو في بطن الثور، ثم يسوي الله - - الأرض كلها؛ حتى لا يبقى فيها عوج؛ ولا قعر؛ فيبس البحار بما شاء: إما بالجبال، أو بغيرها.
وقال بعضهم: بل يغور ماء كل بحر في مكانه، لا أن تجتمع المياه كلها في مكان واحد وبحر واحد.
وقال بعضهم: بل يمتز بعضها ببعض؛ فتصير نارا يعذب بها أهلها، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ ﴾ ، والله أعلم أي ذلك يكون؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ ، أي: بعث من فيها، وتقذف القبور من فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ ، أي: تعلم الأنفس ما عملت، إلى آخر ما انتهى [إليه عملها] فلا يخفى عليها شيء من أمرها.
ومنهم من يقول: ما قدمت من خيرت وأخرت من شر فستعرفه في ذلك اليوم.
ومنهم من يقول: علمت ما قدمت من العمل؛ اي: بما عملت بنفسها، (وما أخرت) أي: ما سنت من السنة فعمل بها بعدها.
وهذا الذي ذكروه داخل فسي تفسير الجملة التي ذكرنا أنها تعلم من أول ما عملت إلى آخرت ما أنتهى إليه عملها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يحتمل: عن ربك؛ فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟!
واغتراره عن ربه الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع "عن"؛ قال الله - -: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ ، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم.
ثم وجه الجواب للمغتر بالله - - في قوله - عز وجل -: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ هو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت جريرته فتجاوزه عنه أو تأخيره العقوبة، حَمَله على الاغترار؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك؛ فأقدم عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية، لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول: الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي، كما قال عمر بن الخطاب - - حين تلا هذه الآية: "الحمق يا رب".
أو يكون قوله: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ أي: أي شيء غرك حتى ادعيت على الله أنه أمرك باتباع آبائك؟!
أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله أمرك به؛ على ما قال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا ﴾ ، ألم أبعث إليك السول؟!
ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه؟!.
وقيل: نزلت الآية في شأن كلدة؛ حيث ضرب النبي ؛ فلم يعاقبه الله - - فأسم حمزة حمية لقومه؛ فَهَمَّ كلدة أن يضربه ثانية، فنزلت الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ حيث لم يهلكك عند تناولك رسول الله .
لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ففي ذكر هذا تعريف المنة؛ ليستأذي منه الشكر.
وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاثة التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته.
وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته ي تلك الظلمات الثلاث التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته.
وفيه ذكر حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى؛ لأن الذي بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه لا يعرفها الخلق، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم الرسل، وينزل عليهم الكتب؛ فيلزمهم اتباعها، ويعاقبهم إذا أعرضوا عنها، وتركوا اتباعها، وسنذكر وجه التسوية في قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ : أنه سواه على ما توجبه الحكمة.
أو سواه بما به مصالحه.
أو سواه من وجه الدلالة على معرفة الصانع.
أو سواه فيما خلق له من اليدين، والرجلين، والسمع، والبصر.
وقوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي: سواك.
ووجه التسوية: أن [جعل له يدين] مستويتين، ولم يجعل إحداما أطول من الأخرى، وكذلك سوى بين رجليه.
وقرئ بالتخفيف والتشديد.
قال أبو عبيد: معنى قوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بالتخفيف، أي: أمالك، وليس في ذكره كثير حكمة، واختار التشديد فيه.
وليس كما ذكر، بل في ذكرها هذا من الأعجوبة ما ذكر في الآخر؛ فقول: (عدلك)، أي: صرفك من حال إلىحال، ووجه صرفه - والله أعلم -: أنه كان في الأصل ماء مهينا في صلب الأب، فصرف ذلك عن الماء إلى رحم الأم، ثم أنشأه نطفة، ثم صرفها إلى العلقة، وإلى المضغة إلى أن أنشأه خلقا سويا.
أو صرفه على ما عليه من الحال من الصحة إلى السقم، من القسم إلى البرء؛ فيكون في ذكر هذا تعريف المنة والقدرة والحكمة، كما في الأول، ففيه أعظم الفوائد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ : منهم من جعل ﴿ مَّا ﴾ هاهنا صلة زائدة، ومعناه: ي أي صورة شاء ركبك.
ومنهم من ج عل ﴿ مَّا ﴾ هاهنا بمعنى الذي.
ثم قوله: ﴿ شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا عبارة عما تقدم من الأوقات، هو أنه قد شاء تركيبك على الصورة التي أنت عليها، لا على صورة البهائم وغيرها؛ فيكون [في] ذكره تذكير المنن والنعم؛ ليستأدي منه الشكر.
ووجه التذكير أنه أنشأه على صورة يرضاها، ولا يتمنى أن يكون بغير هذه الصورة من الجواهر، وأنشأه على صورة يعرف المحاسن والمساوئ، ويعرف الحكمة والسفة، ويميز بينهما، ويميز بين المضار والمنافع، وأنشأه على صورة سخر له السماوات والأرضين والأنعام، كما قال الله : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الجاثية: 13]، وقال - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الإسراء: 70]، ولم يسخره لغيره؛ فثبت أن فيه تذكير النعم؛ ليشكروه، ويقوموا بحمده.
وجائز أن يكون هذا على الاستئناف في أن يركبه على ما هو عليه، [على] أي صورة شاء من الصور التي يستقذرها؛ ويمسخه قردا أو خنزيرا؛ لمكان ما يتعاطى من المعاصي؛ فيكون في ذكره تذكير القدرة والقوة؛ ليراقب الله - - ويهابه؛ فيترك معاصيه، ويتسارع إلى طاعته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ﴾ فإن حملت قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على التنبيه والردع فممكن أن يعطف على ما قبله وعلى ما بعده، وكذلك إذا حملته على القسم بمعنى: حقا؛ فإنه يستقيم عطفه على الأمرين جميعا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلدِّينِ ﴾ يحتمل أن يكون أريد به دين الإسلام.
والأصل: أن الدين إذا أطلق أريد به الدين الحق، وهو الإسلام، وكذلك الكتاب المطلق كتاب الله .
ويجوز أن يكون أريد به: البعث والجزاء، وسمي: يوم الدين؛ لما ذكرنا أن الناس يدانون بأعمالهم.
والحكمة فيه - والله أعلم - أنهم قد أقروا بأن الله - - أحكم الحاكمين، وتكذيبهم بيوم الدين يوجب أن يكون أسفه السفهاء، لا أن يكون أحكم الحاكمين؛ لأن الدنيا عواقبها الفناء والهلاك، فهم إذا كذبوا بالبعث فقد زعموا: أنهم ما أنشئوا إلا للهلاك والفناء، ومن بنى بناء، ولم يقصد ببنائه سوى أن ينقصه ويهدمه، فهوسفيه، عابث في الفعل؛ فلم يحصلوا من تكذيبهم إلا على نفي الحكمة من الصانع، وتثبيت السفه لله ، الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهو قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، وهم لم يكونوا يدعونهم أنهم خلقتا باطلا، ولا كانوا يظنون ذلك، ولكن الإنكار الذي وجد منهم بالبعث والجزاء يقتضي خلقهما باطلا؛ فعلى ذلك إنكارهم بالبعث يزيل عنه القول بأنه أحكم الحاكمين، ويثبت ما ذكرنا من السفه، وتعالى عما يصفون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ ، وهم لم يكونوا يقبلون الأخبار، ولا كانوا يؤمنون بها، ثم أخرهم أن عليهم حفاظا؛ لأن الذي حملهم على الجهل تركهم الإنصاف من أنفسهم، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم، لكان إعطاؤهم النصفة يوصلهم إلى تاردك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب.
ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظٌ، أداه ذلك [إلى] المراقبة؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه: فنبهنا أن علينا حفاظا؛ ليحتشم عنهم، ولا يأتي من الأمور ما يسؤهم، ووصف أنهم كرام؛ ليصحبهم صحبة الكرام، [ومن صحبه الكرام أن يحترمهم]، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوءهم، وذلك قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ .
وفي ذكر الكرام فائدة أخرى، وذلك أن قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ ، أي: كرام على الله ، والكريم على الله - - هو المتقي؛ قال الله - -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ؛ فيكون فيه أمان له: أنهم لا يزيدون، ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون [على] قدر أعمالهم، كما ذكرنا من الفائدة في وصف جبريل - - بالقوة والأمانة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يعلمون ما نفعله قبل أن نفعل بما عرفهم الله - - فيكون في تعريفه إياهم إلزام الحجة عليهم، ويكون الذي يكتبون امتحانا امتحنوا به؛ إذ قد فوض إلى بعضهم أمر كتابة الأعمال، وإلى البعض إرسال الأمطار، ونحو ذلك.
أو ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقت فعلكم جهل الفعل من خير أو شر؛ فيكون لفعل الخير آثار بها يعرفون أن الفاعل قصد به جهة الخير، ويكون لفعل الشر آثار بها يعرفون ذلك أيضا.
ثم عُذْر المسلمين في ترك المراقبة أقل من عذر المكذبين بالدين؛ لأن المسلمين علموا أن عليهم حفاظا يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها عليه، ثم هم مع ذلك يغفلون، ولا يصحبونهم صحبة الكرام، ويتركون التقيظ والتبصر، والكفرة ينكرون أن يكون عليهم حفاظ، ومن كان هذا حاله فالإغفال من مثله غير مستبعد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ : قد ذكرنا أن البر هو الذي ما طلب منه، والذي طلب منه ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ، وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ذكر دون التقوى، اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى؛ لأنه أخبر أن البر هو الإيمان بالله - - واليوم الآخر، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه الأشياء، فهو المتقي.
ثم احتجت المعتزلة لقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله : ﴿ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ ؛ لأن مرتكب الكبيرة فاجر، وقد وصف الله - -: أن الفجار لفي جحيم، ولا يغيب عنها، وزعموا أنه [ما] لم يأت بالشرائط التي ذكر في قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ فهو غير داخل في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ .
والأصل عندنا ما ذكرنا: أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل التكذيب؛ لما ذكر من التكذيب عند التفسير بقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 104-105\]، وإذا كان كذلك، لم يجب قطع القول بالتخليد في [النار] لمن ارتكب الكبيرة، بل وجب القول بالوقف فيهم.
ثم [إن] الله - -: جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة، بها يعرفون، وتبين أنهم من أهل النار، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل السعادة: أحدها: اسوداد الوجوه بقوله: ﴿ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ .
والثاني: بما يدفع إليهم كتابهم بشمائلهم، ومن وراء ظهورهم، ويدفع إلى أهل الجنة كتبهم بأيمانهم.
والثالث: في أن تخف موازينهم، وتثقل موازين أهل الحق.
فهذا أعلام أهل الشقاء، وفيما ذكر اسوداد الوجوه قرن به التكذيب بقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ، وفما ذكر دفع الكتاب بالشمال ومن وراء الظهور، قال فيه: ﴿ فَاسْلُكُوهُ ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ...
﴾ وقال - - عندما ذكر خفة الميزان: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 105\]، ولم يذكر عند ذكر شيء من هذه الأعلام غير المكذبين، فثبت أن الوعيد في المكذبين لا في غيرهم؛ لذلك لم يسع لنا أن نشرك أهل الكبائر مع أهل التكذيب في استيجاب العقاب، وقطع القول بالتخليد، بل وجب الوقف في حالهم والإرجاء في أمرهم.
والثاني: ذكر في مواضع الإيمان بالله - - أدنى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليه الجنة، فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 152]، فذكر في هذه الآيات التي تلوناها أدنى منازل أهل الإيمان، وذكر في موضع آخر أعلى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليها الجنة بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [العصر: 3]، وقال: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ الآية [البقرة: 177]؛ فجائز أن يكون ذكر الجميع على المبالغة لا على جعله شرطا؛ فيجب القول باستيجاب الوعد بأدنى مراتبه، على ما ذكر في الآيات الأخر.
وجائز أن يكون الجميع فيما ذكر فيه الإيمان بالله ورسله مضمرا، ويكون ذكَر طرفاً منه على الإيجاز؛ ألا ترى أنه ذكر الكفر في بعض المواضع، وأوعد عليه النار، وذكر في بعض المواضع الكفر مع أسباب أخر، وأوعد عليه النار بعد ذلك بقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [البقرة: 61]، وقال في موضع آخر: ﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ...
﴾ الآية [المدثر: 43-44]، ثم لم يصر جميع ما ذكر من السيئات مع الكفر شرطا، بل وجب القول بالتخليد لمن اقتصر على الكفر خاصة؛ فثبث أن ليس في ذكر المبالغة دلالة جعل المبالغة شرطا، بل جائز أن يستوجب الوعيد بدونه؛ فلذلك لم يقطع القول في أصحاب الكبائر بالتخليد في النار، ولا بأ،هم مستوجبون للوعد؛ بل قيل فيهم بالإرجاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ ، قال بعضهم: تأويله منصرف إلى أهل النار وأهل الجنة؛ فأهل الجنة لا يغيبون عن الجنة، ولا أهل النار عن النار.
وقال بعضهم: أريد بها أهل النار خاصة: أنهم لا يغيبون عنها.
وأنكر بعض الناس الخلود لأهل النار في النار، ولأهل الجنة في الجنة، وقالوا: لو لم يكن لنعيم الجنة انقضاء، ولا لعذاب الآخرة انتهاء، لكان يرتفع عن الله - - الوصف بأنه أول وآخر؛ لأ،هما يبقيان أبدا؛ فلا يكون هو آخر، وقد قال: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ ﴾ ؛ فلا بد من أن يكون لهما انتهاء حتى يستقيم الوصف بأنه آخر.
ولأنهما لو لم يوصفا الانتهاء لكان علم الله - - غير محيط بنهايتهما، فتكون النهاية جاوزة لعلمه، والله - وتعالى - محيط بالأشياء وعالم بمبادئها ومناهيها؛ فلا بد من القول بفنائهما حتى يكون علمه محطيا بهما.
ولأنهم إنما استوجبوا الجزاء بأعمالهم، وأهل النار استوجبوا العقاب بسيئاتهم، فإذا كانت لسيئاتهم نهاية، ولخيرات أولئك نهاية، فكذلك يجب أن يكون للجزاء نهاية أيضا.
والأصل عندنا: أن كل من اعتقد مذهبا فهو يعتقد التدين به أبدا ما بقي، ولا يتركه.
ثم العقاب جعل جزاء للكفر، والثواب جعل جزاء للاتقاء عن المهالك بقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، فإذا ثبت أن كل واحد منهما جزاء للمذهب، وكان الاعتقاد للأبد؛ فكذللك جزاؤه يقع للأبد والدوام، لا للزوال والانتقطاع.
والثاني: أن العلم بزوال النعيم مما ينغص النعمة على أربابها، ويمرر عليهم لذاتها، ويكدر عليه ما صفا منها، فإذا كان كذلك لم يتم لهم النعيم، وأهل النار إذا تذكروا الخلاص من العذاب تلذذوا بها، وهان عليهم العذاب؛ فوجب القول بالخلود؛ ليتم النعيم على أهله والعذاب على أهله.
والجواب عن قوله: إنه يرتفع عنه الوصف؛ لأنه أخبر: أن الله - - استوجب الوصف بأنه أول وآخر بذاته لا بغيره، وغيره يصير أولاً وآخراً بغيره، ثم ما من شيء إلا وله أول وآخر، ثم لا يوجب ذلك إسقاط الأولية والآخرية عنه.
وقوله بأن الله - عز وجل - لا يوصف بالإحاطة بالأشياء لو وجب القول بالخلود فنقول بأن العلم بما لا نهاية له هو أن يعلمه غير متناهٍ، والعلم بالتناهي بما لا نهاية له يوجب الجهل لا العلم.
والجواب عن الفصل الثالث: ما ذكرنا أنه يعتقد المذهب للأبد، فكذلك الجزاء بتأبد، ولا ينقطع.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ ، قال بعضهم: إنك لم تكن تدري، فدراك الله .
وقال بعضهم: هذا على التعظيم لذلك اليوم، والتهويل عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ﴾ ، وذلك اليوم يوم تُجرى فيه الشفاعات، فيشفع الأنبياء لكثير من الخلق فَيُشْفَع لهم، وإذا كان كذلك فقد ملكت نفس لنفس شيئا، ولكن تأويله يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن الكفرة كانوا يتوادون فيما بينهم؛ فيتناصر بعضهم بعضا في النوائب، فقال: ﴿ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ﴾ ؛ قال الله - -: ﴿ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
أو لا تملك نفس لنفس شيئا إلا بعد أن يؤذن لها؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ ، وقد يُجرى التشفع في الدنيا لا بالاستئذان من أحد.
أو يكون معناه: أن كل نفس سيتبين لها في ذلك اليوم أنها لم تكن تملك شيئا إلا بالتمليك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، أي: لا ينازع فيه، وهو في كل وقت الله - - لكن الظلمة ينازعونه في هذه الدنيا.
أو ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، أي: يتبين لكل أحد في ذلك اليوم بأن الأمر لله - عز وجل - في ذكل اليوم وقبل ذلك اليوم، والله المستعان، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].