تأويلات أهل السنة سورة الأعلى

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الأعلى

تفسيرُ سورةِ الأعلى كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 15 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأعلى كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ١ ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣ وَٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ ٤ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحْوَىٰ ٥

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ قيل فيه من أوجه: أحدها: أن سبح ربك.

وقيل: سبح اسمه.

وقيل: سبح ربك بأسمائه.

فمن قال: سبح ربك، فمعناه: أن نزهه عن جميع المعاني التي يحتملها غيره من الآفات والحاجات والأضداد والأنداد، فيكون القول به توحيدا.

وروي عن مقاتل بن سليمان أنه قال: وحد ربك، وتوحيده ما ذكرنا.

وقال بعض المفسرين: تأويله: أن صل لربك؛ وهذا محتمل؛ لأن الصلاة بنفسها تسبيح؛ لأنه بالافتتاح يقطع وجوه المعاملات بينه وبين الخلق، ويمنع نفسه عن حوائجها؛ فيجعلها لله  ، وهذاهو التوحيد والإيمان؛ لأنه بالإيمان يجعل الأشياء كلها لله  سالمة؛ فصارت الصلاة تسبيحا لعينها، لا للتسبيح المجعول فيها.

ومن حمل التسبيح على الاسم، فقال: نزه اسمه، فذلك يرجع إلى الأسماء الذاتية، [و]هو ألا يشرك غيره فيسميه بها، والأسماء الذاتية قوله: الله الذي لا إله غيره الرحمن، وما أشبهه من الأسماء، وتنزيهه للأسماء الصفاتية: أن ينزهها عن المعاني التي استوجب الخلق الوصف به، كقولك: عالم، حكيم، رحيم، مجيد؛ فمن وصف بالعلم من الخلائق فإنما استوجب الوصف به بأغيار دخلن فيه، واستوجب الوصف بالحكمة والوصف بالمدح بالأغيار، والله -  - استحق الوصف به بذاته، لا بأغيار، فينصرف التنزيه إلى الأغيار؛ إذ صفاته ليست بأغيار للذات؛ وهي لا تفارق الذات، فالامتداح الواقع بالصفات امتداح بالذات الموصوف بها، والله الموفق.

وقال بعضهم: معناه: سبح بالحمد والثناء؛ وهو يرجع إلى ما ذكرنا من التأويل الأول، وهو أن يحمده بالثناء الذي يتضمن التوحيد والتنزيه عن معاني الخلق.

من قال: سبح ربك بأسمائه؛ فهذا ظاهر، وهو أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأسماءه معروفة، لا نحتاج إلى إظهارها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ ظاهره يقتضي أن يكون هناك أدون وأسفل، وكذلك قول: "الله أكبر" ظاهره يقتضي الأصغر، ولكن معنى قوله: ﴿ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ أي: هو أعلى من أن تمسه حاجة أو تلحقه آفة، وكذلك هذا في الأكبر، ويكون الأكبر والأعلى في النهاية عن تنزيه المعاني التي ذكرنا، وهو كقولك: هو أحسن وأجمل، فإذا قلت: أحسن وأجمل، أردت به النهاية في الحسن والجمال.

أو يكون ﴿ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ بمعنى: العلي و"الأكبر" بمعنى: الكبير، وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن يكون سواه على ما قدره، خلافا لأفعال الخلق؛ لأن الفعل من الخلق يخرج مرة سويا على [ما] قدر، ومرة بخلافه.

أو يكون سوى الخلق كله في دلالة وحدانيته وشهادة ربوبيته، فما من خلق خلقه إلا إذا تفكر فيه العاقل، دلت خلقته على معرفة الصانع، ووحدانية الرب.

أو سواه على ما فيه مصلحته ومنفعته.

أو سواه على ما له خلق؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أمر بالركوع والسجود خلقه من وجه يتمكن من الركوع والسجود؛ فهذا معنى قولنا: إنه سواه على ما له خلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: هداه إلى ما أحوجه إليه، فهدى العبد [إلى] معيشته من أين يأخذها؟

وهدى كل دابة إلى رزقها وعيشها، فعرفت كل دابة رزقها.

أو يكون قوله: ﴿ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: هدى به.

أو تكون الهداية منصرفة إلى أمر الدين، وذلك يرجع إلى الخصوص من الخلق الذين لهم عقول مميزة؛ فيكون معناه: هدى فيمن هدى.

وطعنت المعتزلة علينا بهذه الآية، فقالت: إن الله -  - يقول: ﴿ قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ ، وأنتم تقولون: قدر فأضل؛ ولكن هذا التحقيق يرجع إليهم؛ لأنهم يحملون تأويل الهداية على البيان، وإذا كان كذلك وقد بين الله  سبيل الهدى وسبيل الضلال جميعا، فإذن قد أضله؛ حيث بين له سبيل الضلال على قولهم.

ثم ليس في قوله: ﴿ قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ نفي الإضلال؛ إذ التخصيص بالذكر لا يدل على نفى ذلك عما عداه؛ فلم يجب قطع الحكم على ما ذكروه، وقد ذكره في موضع آخر المكرمين بالهدى؛ فقال: ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ؛ فثبت أن الهدى راجع إلى الخصوص؛ فقوله: ﴿ قَدَّرَ ﴾ ، أي: قدر لخلقه معايشهم، وهداهم وجه أخذ المعيشة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴾ : في هذه الآية تعريف الرب الأعلى؛ كأنه يقول: الرب الأعلى: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ ﴾ .

ثم ذكر هذه الأشياء التي يعرف انقضاؤها وبدؤها وإنشاؤها وإهلاكها من المرعى وغيره؛ لأن وجه الدلالة بمعرفة الصانع بالأشياء التي يعرف بدؤها وانقضاؤها وحدوثها.

وفناؤها أقرب منه بالأشياء التي لم يشهد الخلق بدءها ولا انقضاءها، وهي السماوات والأرضون؛ إذ المرء يصل إلى وحدانية الرب ومعرفة الصانع بالأشياء التي تحدث وتتغير بأدنى نظر وتأمل، ولا يصل إلى ذلك فيما يدوم إلا بلطائف الفكر، وفضر بصر، وزيادة تأمل.

وجائز ا، يكون خص المرعى بالذكر؛ لما بالمراعي قوام هذا الخلق؛ لأنه لا بد للبشر من الدواب والأنعام؛ للتعيش، والدواب حياتها بالمراعي؛ فكان قوام الخلق في التحصيل بإخراج المراعي، فذكرهم هذا؛ ليستأدي منهم الشكر؛ إذا كانت الدواب لم تنشأ لأنفسها، وإنما أنشئت للخلق؛ ليتمتعوا بها، ثم الله -  - بفضله أنشأ للدواب مراعي، وقدر لها أوقاتها، ولم يضيعها، فكيف يضيع هذا الخلق، وهم الذين قصد إليهم من خلق هذا العالم، فلا يرزقهم، ويخرجهم من تدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴾ قيل: الغثاء: اليابس الذي تحمله السيول والأمطار ﴿ أَحْوَىٰ ﴾ أي: أسود من قدمهز وقيل: الأحوى: هو الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وهو على التقديم والتأخير؛ أي: جعله غثاء بعدما كان أحوى.

<div class="verse-tafsir"

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ٨ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ٩ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى ١١ ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ١٢ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ١٣

قوله - عز جل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾ ، أي: سنحفظ عليك ما أوحينا إليك من القرآن فلا تنسى، وفي حفظه -  - ما يوحى إليه دلالة رسالته؛ لأنه لم يكن يعرف الكتابة، ولا كان يتلو الكتب، ثم كان يقرأ جميع ما يلقى إليه بمرة واحدة، مع ما كان مأمورا ألا يحرك لسانه بشيء مما يوحى إ ليه إلى أن يقضى إليه الوحي، ومن كانت حالته ما ذكرنا، تعذر عليه حفظ ما يلقى إليه بمرات وإن كان ذلك لسانه، فكيف يضبطه بمرة واحدة؛ فكان حفظه بالمرة الواحدة نوعا من آيات نبوته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ قال بعضهم: تأويله: إلا ما شاء الله من ذلك؛ فإنه ينسيك ما أراد أن ينسيكه.

ولكن ما رأى هذا التأويل صحيحا، وذلك أن الذي أوحي إليه آية نبوته؛ فرسول الله  إذا قرأ، ثم أنسي، فلمن طعن في رسالته أن يستقرئه تلك الآية، ولا يتهيأ له أن يقرأها إذا كان قد أنسي؛ فيجد في ذلك موضع الطعن عليه.

وقد روي في بعض الأخبار أنه أنسي، ولكنه من أخبار الآحاد؛ فلا يجحوز قطع الحكم بها؛ لأن خبر الآحاد يوجب علم العمل، ولا يوجب علم الشهادة، وهي في موضع الشهادة هاهنا، ولكن تأويله عندنا - والله أعلم - يخرج على أوجه ثلاثة: أحدهما: أن الأنبياء - عليهم السلام - لم يكونوا آمنين على أنفسهم بالعصمة عن الزلات التي لديها يخاف زوال ما أنعموا به وإن ظهرت عصمتهم اليوم عندنا؛ ألا ترى إلى قصة إبراهيم -  - عند محاجة قومه قال: ﴿ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، فخاف زوال ما أكرم به، وخشي أن يبتلى بما أبتلي به أهل المعاصي حتى فزع إلى الدعاء، وقال في قصة شعيب -  -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا  ﴾ ، وقال في قصة يوسف -  -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ؛ فثبت أنه لم يتبين لهم حقيقة العصمة عن الوقوع في الزلات التي تزيل النعم، فكذلك رسول الله  لم يؤمن عما يعقب الإنساء؛ بل قيل له: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  ﴾ ؛ فثبت أنهم كانوا على خوف ووجل عن ارتكاب ما يسلب به الوحي وينسي.

او يكون الاستثناء راجعا إلى إنساء حكمه، وهو أن ينسخ حكمه حتى يترك فيصير كالمنسي؛ كقوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، أي جعلهم كالشيء المنسي بما آيسهم من رحمته، لا أن يكون هناك حقيقة نسيان، فكذلك ما نسخ حكمه وترك، صار كالمنسي، وإن لم يكن فيه حقيقة نسيان؛ فيكون النسيان منصرفا إلى حكم التلاوة، لا إلى عينها.

أو يكون -  - يذهب خاطره عن [بعض ما يوحى إليه؛ إذا اشتغل فكره في أشياء أخر؛ فيصير الذي ذهب عن] وهمه كأنه نسيه وإن كان يعود ذلك إليه عند إحضاره ذهنه، كما ترى المرء في الشاهد يذهب عن وهمه جميع ما في قاتحة الكتاب من الحروف إذا أعمل رؤيته في أشياء أخر؛ حتى يصير كالناسي لها وإن كان يعود إلى تذكرها إذا رام أن يقرأها.

فعلى هذه التأويلات يستقيم أن يوجه إليه الاستثناء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴾ ، أي: ما يجهر بعض لبعض من الخلائق، أو ما يسر بعض عن بعض.

أو يعلم ما تطلع عليه الملائكة من أعمالهم، ويعلم ما يعزب عنهم، فعلمه فيما أسر العبد كعلمه فيما اظهر وجهر به؛ فذكرهم هذا؛ ليكونوا متيقظين؛ فلا يخافون، ولا يجهرون إلا بالذي يحق عليهم؛ إذا الله -  - حفيظ عليهم.

وقوله - أعمال الخير: يسرى؛ لأنها تعقب ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ قالوا: ونسيرك للخير ولعمل أهل الجنة، فسميت أعمال الخير: يسرى؛ لأنها تعقب ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ : ظاهر هذا يقتضي ألا يذكر إلا من نفعته الذكرى، ولكن تخصيص الحكم في حال بوصف لا يوجب قطع ذلك الحكم فيما كان الحال بخلاف ذلك الوصف؛ بل يلزمه أن يذكر من نفعه ومن لا ينفعه؛ قال الله -  -: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ  ﴾ ، أمر بالتذكير على الإطلاق.

ثم قوله -  -: ﴿ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن ذكر فقد نفعت الذكرى، وهو كقوله  : ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ ، ومعناه: قد كان وعد ربنا مفعولا.

وقد نفعت الذكرى؛ لأنه بتذكيره أسلم من أسلم منهم، وبه فازوا، وبه نالوا الدرجات العلا، وقال  : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

أو يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ فسيأتي على أقوام [حالة] لا تنفعهم الذكرى لديها، وتلك حالة المعاينة لبأس الله وعذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: يتعظ بها من يخشى الله  أو المعاد، قال الله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ، أي: بالقرآن، وذلك أن الذي يحملهم على الإيمان بالآخرة إيمانهم بهذا الكتاب؛ لأن في القرآن تذكيراً للآخرة، وأمرا بالاستعداد لها؛ فلذلك خشيته تحمله على الاتعاظ بالذكرى والانتفاع بها، والخشية هي الخوف اللازم في القلوب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ : أضاف التجنب هاهنا إلى الأشقى، وهو الشقي، وفيما ذكر الأتقى أضاف التجنب إلى نفسه بقوله: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى  ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ  ﴾ ؛ فيكون في هذا دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى الله -  - وفي الأول دلالة منع إضافة الشرور إليها؛ وهذا لأن إضافة الخيرات إلى الله  تخرج مجرج الشكر له، وهو حقيق بأن تشكر نعمه، وليس في إضافة الشرور إلى آخر شكر له؛ فلم يصح أن تضاف إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ﴾ ، أي: لا تنقضي عنه أفعال الموت، وهي آلامها وأوجاعها، [بل] يبقى في آلامها أبداً؛ قال الله -  -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ ، أي: لا يقضى عليه حتى يتخلص من أوجاعها.

﴿ وَلاَ يَحْيَا ﴾ ، فالحياة التي ينتفع بها في الدنيا هي التي ترتفع عنها آلام الموت، وأوجاعه، فقوله: ﴿ وَلاَ يَحْيَا ﴾ ، أي: لا يرتفع عنه ألم الموت.

أو يكون قوله: ﴿ لاَ يَمُوتُ ﴾ فيستريح ﴿ وَلاَ يَحْيَا ﴾ حياة يتلذذ بها.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ١٦ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ١٧ إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ١٨ صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: من أتى بما تزكو به نفسه، أو أتى بما تظهر نفسه به، وسنذكر في سورة "وَالْشَّمْسِ وَضُحَاهَا" ما تأويل الفلاح؟

[إن شاء الله  ].

وقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ ، يحتمل أن يكون أريد به أنواع العبادات، لا الصلاة المعروفة وحدها؛ لأن الصلاة اسم للدعاء والثناء ولأنواع من الكرامات؛ فإنه يقول: بذكر الرب ما يصل إلى العبادات، ومن أعرض عن ذكره حرم أداء العبادات.

أو يكون منصرفا إلى الصلاة المعروفة؛ فيكون قوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ ، أي: يصلي بتقديمه اسم الرب؛ فيكون ذلك منصرفا إلى الافتتاح؛ فيكون حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن المصلى له أن يفتتح بصلاته بأي أساء الله  أحب.

ثم ذكر اسم الرب يقتضي المعاني التي ذكرنا في قوله  : ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ ، أي: تؤثرون حياتها على حياة الآخرة، ويكومن الخطاب منصرفا إلى المنافقين والكفرة، لا إلى أصحاب النبي  ، ثم كانوا في الإيثار مختلفين؛ فمنهمه من آثرها في أننظر في الدنيا وأعرض عن النظر في الآخرة وجحدها.

ومنهم من كان أغلب سعيه لأمر الدنيا.

ومنهم من كان يؤثر بعض أحوالها على الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ ، أي: إيثار الحياة الآخرة خير وأبقى من إيثار الحياة الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ : قال بعضهم: الآيات الأربع في صحف موسى وإبراهيم، أولهن ﴿ قَدْ أَفْلَحَ...

﴾ إلى قوله ﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

وقال بعضهم: السورة كلها أنزلت على إبراهيم وموسى عليهما السلام، فإن كانت السورة كلها في الصحف الأولى، فجميع ما في هذه السورة ذكر فيها بحق الحاجة لهم إلى تعرفها، ويكون قوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  ﴾ مذكورا بحق الثناء على رسول الله  ووجه الثناء: ما ذكر في قوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...

 ﴾ ، وهو يستحق الثناء بهذا الحرف لما في حفظه -  - جميع ما يوحى إليه بمرة واحدة إكرام له وتفضيل؛ فصلح أن يثنى عليه بهذا.

وفي قوله -  -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ دلالة أن اختلاف الألسن لا يغير الأشياء عن حقائقها؛ لأن الله -  - شهد بكون هذا في الصحف الأولى؛ وليس في الصحف الأولى بهذا اللسان؛ فيكون فيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في تجويز القراءة بالفارسية، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله