تأويلات أهل السنة سورة الفجر

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الفجر

تفسيرُ سورةِ الفجر كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 26 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفجر كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

وَٱلْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍۢ ٢ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ ٣ وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِى ذَٰلِكَ قَسَمٌۭ لِّذِى حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٧ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ ٨ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُوا۟ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلْأَوْتَادِ ١٠ ٱلَّذِينَ طَغَوْا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ١١ فَأَكْثَرُوا۟ فِيهَا ٱلْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ١٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ كان العرب من عادتهم أنهم إذا استحسنوا شيئا عظموه، وإذا عظموه أقسموا به.

ثم - إن الله -  - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من التدبير، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا للخلق من وجه لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق؛ حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه لا يدرك معناه، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين؛ حتى قال - عز وجل - لنبيه -  -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ  ﴾ [و]سخر أهل الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها، وجعلهم بحيث يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإيتان إلى مكة للحج؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم؛ فكان في ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث، ويزيل عنهم الشبهة في أمرهم؛ فأقسم لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج، فعامة أركان الحج تؤدى فيها، وعادة العرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامههم؛ لما هي معظمة عندهم، وهذه الأشياء معظمة عندهم؛ فجربى القسم بها؛ جريا على عادتهم، ويدخل في أوقاتها الشفع والوتر والفجر، فقالوا: الشفع: يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر من الشهر، والوتر يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع.

وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر: العبادات جملة إذ ما من عبادة إلا وفيها شفع ووتر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ ، أي: يُسرى بها، وفي ذلك كناية عن الجهاد والإغارة بالليل، كما يذكر في قوله: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً  فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً  فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً  ﴾ ؛ فيكون هذا كله إشارة إلى جملة العبادات.

ووجه القسم بالعبادات: أن الله -  - عظم أمر العبادات في قلوب الخلائق؛ حتى تراهم جميعا يستحسنونها ويعظمون أمرها، وإنما يقع الاختلاف بينهم في ماهيتها - إلا أن يقع التمانع بينهم في أنفسها - فأقسم بها.

وجائز أن يكون أريد بالوتر هو الله  ، وأريد بالشفع الخلائق؛ إذ خلقهم أزواجا، والله  هو الواحد بذاته؛ فيكون القسم بذاته وبجميع الخلق.

ويحتمل أنه أريد بالشفع والوتر [الخلائق جملة؛ إذ فيهم المعنيان جميعا: الشفع، والوتر؛ فيكون قسما بجميع الخلائق].

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: أن وجه القسم بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن يعرفه الجهلة.

قالوا: وموضع القسم على قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .

وجائز أن يكون وقع التنازع فيما بينهم، وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، وهي الليالي العشر، والشفع والوتر، ليس يقسم بها؛ فقال: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ ، أي: للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذه الأوقات بالتي تحتمل أن يقسم بها أو هذه الأوقات بالتي تدلهم على القول بالبعث.

وقيل: إنما أقسم بهذه الأيام؛ لعظم قدر هذه الأيام وخطرها عندهم؛ لما فيها من صلاح معايشهم، ويكن لهم فيها سعة العيش: أما الفقراء بالهدايا والبدن، وأما غيرهم بأنواع المكاسب والتجارات؛ فإنهم كانوا يستعدون الأشياء، ويهيئون من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام؛ فأقسم الله -  - بهذه الأيام لكونها معظمة عندهم.

وقيل: إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة؛ لأنه كان على أثر حادثة عندهم معروفة، استغنى عن ذكرها؛ لشهرتها عندهم؛ فأقسم أنها لحق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ في [ذكر نبأ] عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث: إحداها: في موضع التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله -  - و[هو] أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأكثر من القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمد [عليه أفضل الصلوات]، فلم يغنهم ذلك لكه من الله  شيئا؛ بل الله  انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم، فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا  لا يخافون مقته وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله، وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة؟!

وفائدة أخرى: أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله -  - أولى من محمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه؛ لما بسط لهم من النعيم، وضيق على الرسول وأتباعه؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى بالله  من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى؛ فبين لهم هذا ليلعموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا.

والثالثة: أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله  وبرسوله، وكانوا يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ؛ فيكن في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا؟!.

ثم الآية لم تسق؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفة، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ فقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت؛ أي: علمت؛ كما يقال في الشاهد: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ أي: قد رأيت وعلمت، فتخبره بصنيعه على جهة التشكي منه.

ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له: اعلم أن ربك فعل بعاد كذا.

واختلفوا في قوله: ﴿ إِرَمَ ﴾ : فقال بعضههم: هو أبو عاد.

وقال بعضهم: أبو القبيلة؛ فنسبت إليه عاد؛ كما يقال: هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه.

وقال بعضهم: الإرم مساكن عاد.

وقيل: هو اسم الذي بنى تلك الأماكن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴾ : قال بعضهم: ذات الأجساد الطوال، أي: عاد ذات الأجساد الطوال، كما ذكر في القصة.

وقال بعضهم: ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال؛ فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن.

وقال بعضهم: ذات العماد هي الخيام لها أطناب وعمد، وكانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال بعضهم: هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم الخلقة، وفضل البصر في الأمور؛ كقوله -  -: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً  ﴾ ، وقال حكاية عنهم: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ وقال -  -: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ  ﴾ فوصفهم بفضل البصر.

وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي بنوها أن ليس مثلها في البلاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ ﴾ : قال بعضهم: اتخذوا من الصخور جوابي - أي: قصاعا - كما قال  : ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ  ﴾ .

وقال بعضهم: قطعوا في الصخور بيوتا؛ كقوله: ﴿ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ  ﴾ ؛ فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ ﴾ : قال بعضهم: سماه: ذات الأوتاد، والوتد: الحبل.

وقال بعضهم: سمي: ذات الأوتاد؛ لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه.

وقال بعضهم: إنه كان نصب على الطرق أناسا، على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا.

وقيل: أي: ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال؛ إذ هي أوتاد الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ ﴾ : طغيانهم في البلاد: تمردهم وعتوهم فيها.

وقوله: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ : قال بعضهم: عذبهم بسوطهم الذي كانوا به يعذبون الخلق، ويضربونهم.

وقال أبو بكر الأصم: إن السوط لون من العذاب؛ فعذب عاداً بلون منه، وعذب ثمود بلون منه، وفرعون وأتباعه بلون منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: يرصد عذابه بأعدائه ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم العذاب إذا أتى الأجل.

وعندنا: أنه يرصد عليهم [ما عملوا]، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من علمهم؛ بل يحفظ عليهم ما استتر منه وما ظهر.

وقيل: أي: لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب.

ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله -  -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ إلى إتيان مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ على جعل العرش مكانا له.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ ١٦ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَـٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلًۭا لَّمًّۭا ١٩ وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّۭا جَمًّۭا ٢٠ كَلَّآ إِذَا دُكَّتِ ٱلْأَرْضُ دَكًّۭا دَكًّۭا ٢١ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفًّۭا صَفًّۭا ٢٢ وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍۢ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ٢٣ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ٢٤ فَيَوْمَئِذٍۢ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٌۭ ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٌۭ ٢٦ يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةًۭ مَّرْضِيَّةًۭ ٢٨ فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى ٢٩ وَٱدْخُلِى جَنَّتِى ٣٠

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ * كَلاَّ ﴾ الإشكال أن يقول قائل: قول ذلك الإنسان: ﴿ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ ، ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ خرج موافقا لما قاله الرب  ؛ لأنه قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ ؛ فخرج قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ على الموافقة لما قا ل، وكذا قول هذا الإنسان حيث ابتلي بنقيضه: ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ، خرج موافقا لما قال: ﴿ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ ، فإذا كان الأول إكراما كان الذي يضاده إهانة؛ ألا ترى أن الله -  - سمى المال: خيرا، والقر: شرا، وسمى المطيع: محسنا، والعاصي: مسيئا، فكذا إذا استقام القول بالإكرام عندما ينعم عليه ويكرم، استقام القول بالإهانة إذا ضيق عليه الرزق ولم يكرم، وإذا كان هذا فيكف رد عليه مقالته بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، وهو في ذلك صادق.

ولكن نحن نقول: إن الرد بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ لم يفع على نفس القول، ولا انصرف إليه، وإنما انصرف إلى ما أراده بقوله، لأن القائل بهذا كافر بالله  وباليوم الآخر، وكان يقول: لا بعث ولا جزاء، وإنما يجازون بأعمالهم في هذه الدنيا، فمن أحسن أحسن له، ومن أساء أهين؛ فيكون قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: ليس الأمر كما صوره في نفسه؛ بل الدنيا دار عمل، وللجزاء بالكفر والإيمان دار أخرى، وهذا كقوله: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ، وهم لم يكونوا كاذبين في شهادتهم ومقالتهم، بل كانوا صادقين إنه رسول [الله]، وإن الله -  - يعلم أنه رسوله، ولكنهم كانوا اعتقدوا تكذيبه في قلوبهم؛ فكانوا يظهرون خلاف ما أضمروا في أنفسهم؛ فإلى ما أضمروا انصرف التكذيب، لا إلى نفس القول؛ كذا هذا.

ولأن أهل الكفر كانوا أصنافا: فمنهم من كان يرى إذا بسط عليه النعيم في الدنيا وأكرم فإنما بسط عليه لما استوجبه بفعله، وإذا ضيق عليه وابتلي بالشدة فإما ضيق عليه بإساءته وبما كسبت يداه.

ومنهم من كان يظن أنه من الله -  - بمنزلة، وأنه مستوجب للإنعام، وأنه إذا بلي بضيق العيش وأصابته شدة، أصابه ذلك من عند محمد عليه الصلاة والسلام؛ فيتشاءمون به؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ  ﴾ ؛ وعلى هذا كان ظن فروعن [وقومه]؛ قال الله -  -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ .

فقوله: ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ ، أي: أكرمه في نفسه بأن أصح جسمه، أو جعله رئيس قومه، ﴿ وَنَعَّمَهُ ﴾ ، أي: بسط الدنيا عليه: ﴿ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ ؛ فكان ينظر بذلك.

وقوله: ﴿ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ ﴾ أي: إذا اختبره؛ فضيق عليه رزقه، فيقول: ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ؛ فكان يظهر بذلك الجزع والله -  - اختبره بالنعم؛ لستأدي منه الشكر بما أنعم، وابتلاه بضيق العيش؛ ليصبر، لا ليجزع؛ فلا شكر [هذه النعم] بل بطر، ولا صبر على الشدائد؛ بل جزع؛ فجائز أن يكون المراد بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، منصرفا إلى هذا لاعتقادهم وصنيعهم، وهو أنه لم يكرم ولم ينعم ليبطر به، ولا ضيق عليه رزقه ليجزع، بل إنما أنعم ليشكر، وقدر عليه رزقه ليصبر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ ﴾ جائز أنهم كانوا لا يكرمونه ويهينونه مع ذلك؛ لأن إكرام اليتيم ليس بواجب، أما إهانته فحرام.

وجائز ألا يثبت الإهانة منهم مع نفي الإكرام؛ لأن الإيجاب إذا ذكر في مضادة الإيجاب اقتضى ذلك إثبات المقابلة وإذا ذكر الإيجاب في مضادة النفى، أمكن أن تثبت فيه المقابلة، وأمكن ألا تثبت؛ ألا ترى: أنه إذا قيل: فلان جائر، كان فيه إثبات المقابلة وهي نفي العدل؛ لأن [في] قوله: "جائر" إثبات الجور؛ فكان في ذكره نفي العدالة، وفيه إثبات المقابلة، وإذا قلت: ليس بعدل، لم يكن فيه تحقيق لإثبات المقابلة وهو الجور، بل يجوز أن يكون جائراً، ويجوز ألا يكون، وقد يراد بالنفي إثبات المقابلة أيضا؛ قال الله  : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ ؛ فكان في نفى الربح إثبات المقابلة في أنها خسرت.

ثم إكرام اليتيم هاهنا يحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: أن يكرمه في أن يحفظ عليه ماله حتى لا يضيعه، ويكرمه في نفسه، وهو أن يتعاهد أحواله عن أن يدخل فيها خلل.

والوجه الثاني: أن يكرمه؛ فيعلمه آداب الشريعة، ويرشده إليها.

والوجه الثالث: أن يكرمه؛ فيبذل له من ماله قدر حاجته إليه، ويصطنع إليه المعروف؛ فيكون التغيير هاهنا في إهانة اليتيم أن يترك الإكرام الذي هو من باب حفظ ماله؛ فيكون تضييعا، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، أي: لا يحثون غيرهم على إطعام المساكين.

وجائز أن يحضوا ولا يتولوا بأنفسهم الإطعام.

ويحتمل ألا يتولوا ذلك بأنفسهم، ويحضروا غيرهم.

ففي هذه الأية ترغيب للمسلمين بإكرام اليتيم وتعاهد ماله، وتبيين أن عليهم أن يطعموا بأنفسهم، وأن يحثوا الأغنياء بإطعام المساكين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ فاللم: الجمع؛ يقال: لم المال؛ إذا جمع؛ فكأنه يقول: يحمعنن ما لم يرثوه بأنفسهم - وذلك نصيب الأيتام - إلى ما يرثون من أنصبائهم، فيأكلونه جميعا.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً ﴾ ؛، أي: شديدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾ قال أبو بكر: أي: تحبونه حبا وفيا وافرا ليس فيه قصور؛ فيكون فيه إخبار عن غاية حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها.

وجائز أن يكون على التقديم والتأخير، وهو أنهم بحبون المال الجم حبا؛ أي: المال الكثير.

وقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ؛ ردع وتنبيه: فمنهم من رد هذا الردع إلى قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ ﴾ ، و ﴿ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ، فكأنه يقول: كلا ليست هذه الدار دار جزاء؛ فيكون الإهانة والإكرام بحق الجزاء، وإنما هي دار محنة وابتلاء.

ومنهم من حمله على الابتداء، فقال: ﴿ كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ﴾ بمعنى حقا، يخبر عن ندمه في [تركه الإكرام لليتيم]، وترك إطعام المسكين والحض عليه: ﴿ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ ﴾ أي: دقت وكسرت، وذلك يوم الحساب والبعث.

وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن يكون معناه: وجاء ربك بالملك؛ إذ يجوز أن تستعمل الواو مكان الباء؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ  ﴾ ، ومعناه: برك، وإذا حصل على هذا ارتفعت الشبهة، واتضح الأمر؛ لأنه لو كان قال: وجاء ربك بالملك، وإذا حمل على هذا ارتفعت الشبهة، واتضح الأمر؛ لأ،ه لو كان قال: وجاء ربك بالملك، لكان لا ينصرف وهم أحد إلى الانتقال من مكان إلى مكان، وقال -  -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، ومعناه - والله أعلم -: يظلل من الغمام؛ لأنه قال في موضع أخر: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ  ﴾ ؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا وإذا ثبت هذا ارتفع الريب والإشكال.

ومنهم من ذكر أن معنى قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، أي: أمر الله؛ دليله ما ذكر في سورة النحل قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ ، فذكر مكان قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ : ﴿ أَمْرُ رَبَّكَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، أي: جاء وعده ووعيده، فنسب المجيء إلى الله  ، وإن لم يكن ذلك وصفا له؛ لأنه يجوز أن تنسب آثار الأفعال إلى الله -  - نسبة حقيقة الفعل وإن لم يوصف به، كما قال الله -  -: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ فأضيف النفخ إليه وإن لم يوصف بأنه نافخ، وقال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ  ﴾ ، فأضيفت الكتابة إليه وإن لم يوصف بأنه كاتب؛ لما أن ما ظهر من آثار فعله، ويقال: المطر رحمة الله؛ أي: من آثار رحمته، لا أن يكون المطر صفة له، ويقال: الصلاة أمر الله، والزكاة أمر الله، أي: بأمر الله نصلي، وبأمره نزكي، لا أن يكونا وصفين له.

ووجه آخر: أن يكمن معنى قوله -  -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، أي: جاء الوقت الذي به صار إنشاء هذا العالم حكمة؛ إذ لولا البعث للجزاء، لكان إنشاء هذال العالم ثم الإهلاك خارجا مخرج العبث؛ لما وصفناه من قبل؛ لقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]؛ فثبت أن خلقه إما صار حكمة بالبعث، وقال [الله]  : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ وقد كان الملك له قبل ذلك اليوم، ولكن ملكه لكل أحد يتبين في ذلك الوقت، وقال: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ وقد كان كل شيء له بارزاً، ولكن معناه: أنه أتى الوقت الذي برز الخلائق.

ثم الأصل في كل ما أضيف إلى الله -  - أن ينظر إلى ما يليق أن يوصل بالمضاف إليه، فتصله به وتجعله مضمرا فيه، قال الله -  -: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ ، ولم يفهم إثبات الحضور، وكان معناه: أن علمه محيط بهم، وهو مطلع عليهم.

وقال: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ  ﴾ [و]لم يفهم به الانتقال؛ بل كان معناه: أنه جاءهم بأسه، وجاء لأوليائه نصره.

وقال: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، ولم يفهم بهذا الإتيان ما فهم من الإتيان الذي ضاف إلى الخلق.

وقال [الله]  : ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وكان معناه: إن تنصروا دين الله؛ لا أن الله -  - يلحقه ضعف يحتاج إلى من يقويه.

وقال [الله]  : ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ ، وكان معناه: أنه يحذركم عذابه؛ لا أن أريد به تحقيق النفس.

ومثل هذا في القرآن أكثر من أن يحصى؛ فثبت أن محل الإضافات ما ذكرنا؛ فلذلك حمل على الوعد والوعيد، أو على الوقت الذي به صار خلق العالم حكمة، أو على ما صلح فيه من الإضمار.

ومما يدل على أنه لا يفهم بالمجيء معنى واحد، بل يقتضي معاني: أن المجيء إذا أضيف إلى الأعراض، فهم به غير الذي يفهم به إذا أضيف إلى الأجسام؛ فإنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به الظهور؛ قال الله  : ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ  ﴾ ومعناه: إذا ظهر نصره، ولم يرد به الانتقال، ولو كان مضافا إلى الجسم، فهم منه الانتقال من موضع إلى موضع.

وقال الله  : ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، ومعناه: ظهر الحق، واضمحل الباطل، لا أن يكون الحق في مكان، فنقل عنه إلى غيره؛ فثبت أن المجيء إذا أضيف إلى شيء وجب أن يوصل به ما يليق به؛ لا أن يفهم به كله معنى واحد.

وروي عن النبي  أنه قال - حكاية عن الله  -: "من تقرب إلى شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، ومن أتاني ساعيا أتيته هرولة" ولم يفهم من هذا التقرب ما يفهم منه إذا أضيف إلى الخلق، وكان معناه: من تقرب إلى بالطاعة والعبادة تقرب إليه بالتوفيق والنصر أو بالإحسان والإنعام.

وقال موسى -  -: "يا رب أقريب أنت فأناجيك أو بعيد فأناديك؟!"، ولم يرد به المكان؛ وإنما أراد بقوله: أراض أنت عني فأناجيك، أو ساخط على فأناديك في أعن أعلن بالبكاء والتضرع؟!

ثم الأصل في المجيء المضاف إلى الله -  - أن يتوقف فيه؛ ولا يقطع الحكم على شيء؛ لما ذكرنا أن المجيء ليس يراد به وجه واحد؛ لأنه إذا إضيف إلى الأعراض أريد غير الذي يراد به إذا أضيف إلى الأجسام والأشخاص، [والله أعلم].

والله  لا يوصف بالجسمية حتى يفهم من مجيئه ما يفهم من مجيء الأجسام، ولا يوصف بالعرض؛ ليراد به ما يراد من مجيء الأعراض؛ فحقه الوقف في تفسيره مع اعتقاد ما ثبت بالتنزيل من غير تشبيه، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ .

قيل فيه من أوجه: أحدها: أنها ظهرت وبرزت لأهلها، على ما قال في آية أخرى: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ ، لا أنها كانت في مكان فنقلت عنه، وقد يراد بالمجيء الظهور، قال الله -  -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، ومعناه: ظهر لكم، لا أن كان في مكان آخر فجيء به إليهم.

وقال بعضهم: جيء بأهلها إليها - أي: إلى جهنم - فيكون حقيقة المجيء من الأهل، ثم نسب إليها؛ لأنهم إذا أتوها فقد أتتهم هي، وهو كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً  ﴾ ؛ فنسب الإتيان إلى الذي يأتيه الوعد؛ فيكون الوعد هو الذي يأتي أهله.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ ، أي: يجيء زفرتها وشهيقها وتغيظها على أهلها، لا أن تغير عن مكانها.

ومنهم من حمله على حقيقة المجيء؛ فذكر أنه يؤتى بها ولها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ ﴾ يحتمل أن يتذكر إشفاق الأنبياء - عليهم السلام - ونصحهم لهم؛ فيعلم أنه كان فيما توهم بهم من الظنون الفاسدة مبطلا؛ فيكون تذكره ذلك تصديقا منه للرسل، عليهم [السلام].

﴿ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ ، أي: لا ينفعه تصديقه إياههم، إذ لم يصدقهم في الدنيا.

أو يتذكر في أن يتلهف على ما فرط في جنب الله من التقصير في حقوقه، والتضييع الذي سبق منه حيث لم يشكر نعمه، ولم يوجه إليه العبادة؛ فيكون تلهفه ذلك إيمانا، ولكن لا ينفعه تلهفه في ذلك الوقت؛ لأن تلك الدار ليست بدار امتحان، بل هي دار جزاء، والذي يحمله على التصديق مشاهدته الجزاء والحساب، وعند المشاهدة ترتفع المحنة، ويكون إيمانه ذلك ضروريا لا حقيقة؛ فلذلك لا ينفعه، وإنما ينفعه الطاعة وقت ملكه نفسه، فأما إذا خرج ملك نفسه من يده، لم يقع له بالإيمان جدوى.

وقال بعضهم: ﴿ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ ﴾ ، أي: يتعظ، ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ ، أي: أنى له الانتفاع بالموعظة.

ثم في هذا التذكير بيان لطف منا لله  بعظته حتى يتذكر، وإلا فالإنسان يذهب عليه ما قد كتبه في وقت إذا أتى عليه حين، حتى لو أراد أن يتذكر وقت كتابته لم يقدر عليه، ثم الله -  - يذكره في الآخرة جميع ما سبق منه في الدنيا فيتذكر ذلك؛ فيقول: ﴿ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ ، أي: يا ليتني قدمت لنفسي حياة تسلم لي، أو حياة تبقى لي لذتها، فهذا هو تلهفه وتذكره في ذلك اليوم، يتلهف على ما فاته من الخيرات، ويندم على ارتكابه المعاصي وكفرانه نعم الله  .

ومعنى قولنا: حياة تسلم لي؛ فأتلذذ بها: هو أن الكافر، وإن كانت له حياة في الظاهر، فإنما حياته للتعذيب، فتلك له في الحقيقة ليست بحياة، بل هي إ هلاك؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أخذ في النزع فهو في ذلك الوقت حي بعد، لكن حياته للأهلاك، فليست هي في الحقيقة حياة لكنها إهلاك فعلى ذلك الوقت حي بعد، لكن حياته للإهلاك، فليست هي في الحقيقة حياة لكنها أهلاك فعلى ذلك حياة المخلد في النار.

وقوله - عزو جل -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ : قرئت هذه الآية على نصب الذال والثاء، وعلى الخفض فيهما: فمن قرأهما على الخفض فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن العذاب في الدنيا وإن اشتد من الملوك على الإنسان، فهو لا يبلغ عذاب الله  لأعدائه في الآخرة وإن خف.

أو ﴿ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴾ ، أي: لا ينبغي لأحد في الدنيا أن يعذب أحدا بعذاب الله -  - وهو النار، كما روي عن النبي  أنه قال: "لا يعذب أحد بعذا الله  " وإن كان على النصب، فهو يحتمل وجهين أيضا: أحدهما: أن يكون التأويل منصرفا إلى صنف من الكفرة، وهم الذي بلغوا في الكفر أعلى مراتبه؛ فلا يعذب من دونهم بعذابهم.

والثاني: ألا يعذب أحد مكان أحد كما يفعله ملوك الدنيا في أنهم يعذبون الوالد مكان الولد، ويعذبون من يتصل بالذين استوجبوا العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ : فالمطمئنة: هي الساكنة التي لا ترتاب، ولا تضطرب؛ فتكون طمأنينتها بوعد الله ووعيده، وأمره ونهيه، وتوحيده.

ثم يجوز أن يكون هذا في أمر الدنيا؛ فيكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ ﴾ ، أي: ارجعي إلى ما أمرك ربك ﴿ رَاضِيَةً ﴾ بوعد الله ووعيده؛ فتكون راضية بالذي وعد لها في الآخرة جزاء لكدحها وسعيها في الدنيا، ﴿ مَّرْضِيَّةً ﴾ عند الله  .

﴿ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ ، اي: مع عبادي الصالحين.

﴿ وَٱدْخُلِي جَنَّتِي ﴾ ، أي: ادخلي فيما يستوجب به الجنة.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، وهو: أن يقال للنفس التي اطمأنت في الدنيا بوعد الله ووعيده، وعملت بطاعته: ﴿ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي ﴾ .

وقيل: ﴿ يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ بالدنيا ﴿ ٱرْجِعِي ﴾ إلى طلب الآخرة، وما أعد الله  لأوليائه فيها.

وقيل: ﴿ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ على عباده، ﴿ ٱرْجِعِي ﴾ إلى طاعة الله  ؛ فإنك إذا فعلت ذلك، رضي الله  عنك، ورضيت بعطاء الله  وثوابه إياك في الآخرة، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع و المآب].

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله