الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة التوبة
تفسيرُ سورةِ التوبة كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 303 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .
وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر؛ [و] دليله قوله: ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .
وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ فأمر [أن يعطي العهد أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك.
وقال بعضهم: لما نزل قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعث رسول الله] عليّاً إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ من العهد غير أربعة أشهر ﴿ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ على النقض.
وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ليس على النقض؛ [لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: "من الذين عاهدتم من المشركين" فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم] وإمضاؤه إليهم، [ويؤيد هذا] ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: أماناً؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .
أي: سيروا واذهبوا في الأرض ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ أي: في مدة العهد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ .
أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة.
﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ ﴾ الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر عليهم.
ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .
قال القتبي: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذاناً.
وكذلك قال أبو عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ يكون في قوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر [وذكر] في القصة "أن نبي الله لما نزل ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه بـ ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي : بأبي أنت وأمي، نزل في شيء؟
قال: لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم القيامة؟!
قال: بلى يا رسول الله" .
فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على بالموسم، فقرأ على الناس: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : من العهد، غير أربعة أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت.
وقال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر: [ "الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلي معنا بجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج] وبفوته يفوت" وعن الحسن أنه سئل فقيل [له]: ما الحج الأكبر؟
فقال: سنة حج المسلمون والمشركون جميعاً، اجتمعوا بمكة، وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر.
قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوماً [عظيما]؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم، ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ : عما ذكرنا، ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه.
ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ عن نقض العهد فهو خير لكم [في الدنيا]، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.
وروي في بعض الأخبار عن علي - - "أنه سئل: بأي شيء بعثت؟
قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي - - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا" .
وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك أن كله كان بالله - - لا بهم.
ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليّاً، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي فقال: هل نزل في شيء؟
قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" - على أن عليّاً هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: "لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".
لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليّاً؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهداً أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليّاً؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.
أو أن يقال: ولى عليّاً أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.
أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليّاً كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدراً وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليّاً ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ "قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .
أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحداً، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك تأولوا قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : النقض.
ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي: لم يخونوكم شيئاً ما داموا في العهد، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحداً من المشركين عليكم، ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحداً.
ودل قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعاً سواء في عذاب الآخرة، مشتركون فيه.
وقوله: ﴿ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، خمسون ليلة.
وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ورسوله من عهدهم من الأشهر الأربع [ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع]، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعينوا على قتالكم أحداً من المشركين، أي: [إن] لم يفعلوا ذلك ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ وهو الأربعة الأشهر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي والشرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ﴾ قال بعضهم: الأشهر الحرم وهي أشهر العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراماً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن "حيث" إنما يترجم عن مكان، [و]أمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكاناً دون مكان.
وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.
وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي أن عليّاً نادى بالموسم: ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ قيل: ائْسِروهم.
وقوله: ﴿ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ قيل: احبسوهم، ﴿ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ، والمرصد: الطريق؛ كأنه أمر بقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: ترصدته، أي: انتظرته.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا.
وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.
وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ : [قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ] فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله - - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه.
روي عن أنس قال: "لما توفي رسول الله ارتدت العرب كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟!
فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله قاتلتهم عليه.
قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق" .
وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدَّوْا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها [إليك]، فقال: والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله وأضعها مواضعها.
وقال آخرون: قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما روي في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقالوا في بعض الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إ لا الله]، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: عصموا مني ..." كذا، وفي بعضها: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني..." كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان [أن ذلك] في قوم مختلفين، وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقرأ بشيء من ذلك، فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيماناً في الظاهر، ومن كان يقول: لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك منه إيماناً، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيماناً، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبو؟!
فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء.
واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: روي عن عبد الله بن الزبير [عن أبيه] قال: قال النبي - - يوم عرفة: "هل تدرون أي يوم هذا؟
قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا" وعن عمر - - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة.
وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد.
وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.
وفي بعض الأخبار عنه أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله: "أتدرون أي يوم هذا؟
هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر" وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: "سمعت - رسول الله يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟
قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟، قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت " وعن الحارث [قال]: سألت عليّاً عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.
وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: "هذا يوم النحر، ويوم الأضحى، ويوم الحج الأكبر".
وعن ابن عباس - - قال: "الحج الأكبر: يوم النحر".
وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم: "والحج الأصغر العمرة".
وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى.
وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والأصغر العمرة.
فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: يوم عرفة [هو] يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضاً من فرائض الحج، وهو الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضاً آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي مع ذلك [أكثر] مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يُقْضَى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئاً من النسك إلا الوقوف بعرفة.
واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجّاً، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.
وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى - م - أنهم قالوا: الحجة الكبرى: يوم النحر.
وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ وقد قال: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ الآية [التوبة: 5]، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [بالإجارة]، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعاً.
فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار.
ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت عن الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم.
ثم دل قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ بعد العلم بأنه من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [مأمن كل من] مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك.
ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وذلك كقوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ ﴾ أنه في الجواب بيان ما استفتوا.
ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.
وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.
وقد روي عن نبي الله أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.
ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: "حتى يسمع كلام الله".
والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله - - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله - - ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.
ثم الله - - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله - - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.
وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.
وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله - - كذلك سماع كلامه.
وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.
ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.
والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابراً، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل [لما لم يكن] يضمن أمانة القبول، ولا [أن] يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.
والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجازة [بعض]، وعلى ذلك كل مسلم.
ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: ما لهم وما عليهم.
ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا.
ويحتمل ذلك تعليم [من] مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ .
هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يُعْطَى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟!
فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة.
وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم -: كيف يستحقون أن يُعْطَى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله؟!
لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.
ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ، فإنهم [إن وفوا لكم فأوفوا لهم] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ يقول: كيف تعطون لهم العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة؟!
وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، قال: الإل: الله، والذمة: العهد.
وقيل: الإل: القرابة.
وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم عهدا ولا ذمة).
وقال القتبي: الإل: العهد.
قال: ويقال: القرابة.
وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة.
وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم.
وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: جبريل هو عبد الله.
وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟!
وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضاً ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها.
هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، وقد كانوا يرقبون من قبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .
بأنهم يوفون العهد ويحفظونه.
﴿ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلا النقض.
وقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ في نقض العهد.
والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: حججه وبراهينه.
ويحتمل: آيات القرآن ومحمد.
ويحتمل: آياته: دينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
أي: صدوا الناس عن متابعة النبي.
وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام.
﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ هذا قد ذكرناه.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴾ .
في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله كذباً، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم التوبة والمغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ وقال: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ.
ثم قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ من الشرك وما كان منهم.
وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ وجهين: الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقاً على أنفسهم.
والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع [له] والخشوع له، ويزكي نفسه ويصلحها، وهو كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون بعلمهم.
ويحتمل: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم لا يعلمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ [قوله: أيمانهم: العهود نفسها كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ \[أيمانهم\] أيماناً يحلفونها بعد إعطاء العهد توكيداً؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ \[طعنهم\] في الدين ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .
أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبداً يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع لهم.
والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ [لأن أصحاب الصوامع] قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك.
والثالث: خصّ الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأساً، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...
﴾ الآية [الأنفال: 39].
[وقوله]: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ .
يحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا عهد لهم بعد نقضهم العهد، أي: لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا.
ويحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يعطي لهم العهد [مبتدأً بعدما نقضوا العهد؛ لأنهم اعتادوا نقض العهد.
والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون] أبداً.
وفيه لغة أخرى: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، بكسر الألف: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يؤمنون أبداً [فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً].
وفائدة قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ تخرج على وجهين: أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة [فيما] بينهم.
وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ يقول: لا تصديق لهم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ .
عن نقض العهد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي: كيف لا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ : القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل إخراجه.
أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض العهد.
ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ أي: لا تخشوهم واخشوا الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا تخشوهم واخشوا الله.
ويحتمل قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم ﴿ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ : إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية.
علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعدهم النصر.
والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: القتل والإهلاك.
والثاني: يحتمل الأسر والسبي.
﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ يحتمل أيضاً وجهين: الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال.
والثاني: يحتمل قوله: ﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ : في الآخرة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ ، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة.
وفي قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم.
﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ [وكذلك في قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ] دلالة نقض قولهم [أيضا،] لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ كما ذكرناه.
[و] قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخواناً، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم.
والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل - أيضاً - وجهين: يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم [بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله بإسلامهم يسلمون فيكونون إخواناً.
أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا] غضبوا عليهم بالذي ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه.
وفي الآية دلالة [الرد] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضاً ويتوب على بعض، فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب [عليه وشاء أن يتوب على] غير الذي شاء أن يعذبه.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .
بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه.
ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
وأيضاً قوله: [ ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ وقوله أيضاً]: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ الآية [البقرة: 214]، وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ...
﴾ الآية [ العنكبوت: 2] هذه الآيات كلها في المنافقين الذين أظهروا الإيمان باللسان، وأروا المؤمنين الذين حققوا الإيمان وأخلصوا الإسلام الموافقة لهم، فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ ﴾ على ما أظهرتم من الإيمان باللسان فلا تبتلون بالقتال؛ جعل الله - - القتال مع الكفرة - والله أعلم - وأمر به لمعنيين: أحدهما: تطهيراً للأرض من الكفر؛ كقوله - -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .
والثاني: امتحاناً للمنافقين؛ ليبين نفاق من أظهر الإيمان باللسان مراءاة، وصدق من أظهره حقيقة؛ ليعرف المحق المخلص من المنافق المرائي؛ لأن القتال هو أرفع أعلام يظهر بها نفاق المنافق؛ لأنهم إنما كانوا يظهرون الموافقة لهم؛ طمعاً في الدنيا؛ لتسلم لهم المنافع التي كانوا ينتفعون بها، وفي الأمر بالقتال خوف الهلاك، فإذا خافوا الهلاك على أنفسهم امتنعوا عنه؛ كقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ الآية [الأحزاب: 18]؛ خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم إنما كانوا يظهرون الإيمان باللسان؛ ليسلم لهم ما طمعوا من المنافع؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11]، هذا وصف المنافق.
وأما المؤمن المحق للإيمان، المخلص للإسلام: فإنه يسلم نفسه لله في جميع أحواله، وإن كان فيه تلف نفسه؛ لما لم تكن عبادته لله على حرف ووجه كالمنافق، ولكن على الوجوه كلها، والأحوال جميعاً، عبادته تكون لله، لا يمنعه خوف الهلاك عن القتال؛ بل نفسه تخضع لذلك وترضى، ولا كذلك المنافق.
وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام.
ثم قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد حسبتم أن تتركوا على ما أظهرتم من الموافقة والخلاف في السر، ولا تبتلون وتمتحنون بما يظهر منكم ما أضمرتم، فلا تحسبوا ذلك.
والثاني: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أي: لا تحسبوا أن تتركوا على ذلك، ولا تمتحنوا بالجهاد والقتال.
أحد التأويلين يخرج على النهي، والثاني على الإخبار عما حسبوا، وعما عندهم.
ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهداً، ويعلم ما قد علم أنه يكون كائناً، لا على حدوث علمه بذلك؛ إذ هو موصوف بالعلم بكل ما يكون في وقت ما يكون على ما يكون؛ فيكون قوله: ليعلم المجاهدين من كذا، وليعلم الصابرين من كذا؛ أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الله بالعلم بما ليس يكون أنه يعلمه كائناً، كما لا يجوز أن يوصف أنه يعلم من الجالس القيام في حال جلوسه، ومن المتحرك السكون في حال حركته، ومن المتكلم السكوت في حال كلامه، إنما يوصف بالعلم على الحال الذي عليه الخلق، لا يوصف بالعلم في حال غير الحال الذي هو عليه، والله الموفق.
ويحتمل هذا وجهاً آخر: أن فيما أضاف العلم إلى نفسه كان المراد منه أولياؤه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، أي: إن تنصروا أولياءه ينصركم، أو إن تنصروا دينه ينصركم، أو إن تنصروا رسوله ينصركم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، أي: ليعلم أولياءه المنافق المرائي، والمؤمن المحقق المخلص، وليبين لهم، كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخادعون أولياءه إذ الله لا يخادع ولا ينصر؛ إذ هو ناصر كل أحد، ولا يخفى عليه شيء، عالم بما يكون في وقت ما يكون.
أو أن يكون المراد من العلم الذي ذكر المعلوم، وذلك جائز في اللغة جار، وفي القرآن كثير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ﴾ .
أي: لم يجدوا ملجأ يلجئون إليه من دون ما ذكر، ولو وجدوا ذلك لاتخذوا ذلك، ولكن لما لم يجدوا لم يتخذوا؛ كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ [الآية [التوبة: 56-57]؛ أخبر أنهم لو وجدوا ملجأ يلجئون إليه لولوا، ولا يظهرون ذلك.
وقوله: ﴿ وَلِيجَةً ﴾ قال بعض أهل الأدب : الوليجة: البطانة من غير المسلمين، وأصلها من الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين وخليطاً ودوداً، وجمعه: الولائج.
وقال البعض: الوليجة أصلها من الدخول؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ يقال أيضاً: فلان وليجة فلان، أي: خاصته.
وقال بعضهم: الوليجة: الخيانة.
وقال بعضهم: الوليجة: ما يلجأ إليه.
وقال بعضهم: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة؛ وبعضه قريب من بعض.
﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
هو على الوعيد خرج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: نزلت الآية في العباس بن عبد المطلب أنه أسر يوم بدر، فأقبل ناس من المهاجرين والأنصار، منهم علي بن أبي طالب وغيره، وعيروه بالكفر بالله، والقتال مع النبي، وقطيعة الرحم، فقال: ما لكم تذكرون مساوئنا وتذرون محاسننا؟!
فقالوا أو لكم محاسن؟
قال: أي والله، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب البيت، ونسقي [الحاج و] نفك العاني.
فأنزل الله ردّاً عليه.
لكن في آخر الآية دلالة أنه لا يحتمل أن تكون في العباس؛ على ما قالوا؛ لأنه قال: ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ والعباس قد أسلم من بعد، فلا يحتمل هذا الوعيد بعد الإسلام.
وقال غيرهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ ، أي: ما كان بالمشركين عمارة مساجد الله، إنما كان بهم خراب مساجد الله، إن المساجد إنما تعمر بالذكر فيها، والصلاة وإقامة الخيرات؛ كقوله: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ الآية [النور: 36]، وهم لم يعمروها لذكر اسم الله فيها، إنما عمروها لذكر الأصنام والأوثان، فكان بهم خراب المسجد، لا العمارة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ على ما عندهم؛ لأن الذي منعهم عن الإيمان بالله حبهم الدنيا وميلهم إليها، فما ينبغي لهم أن يعمروها وينفقوها، ويضيعوا أموالهم فيها، ولا ينتفعوا، [أي الذي] منعهم عن التوحيد والإيمان حبهم الدنيا، وشهواتهم، وميلهم إليها؛ فعلى ما عندهم ما ينبغي لهم أن يعمروها.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ أي: ما كان على المشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة، [و] لا يؤمنون بالآخرة، وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها، فتضيع نفقتهم في ذلك؛ إذ لا مقاصد لهم ولا منفعة، إنما ذلك على المسلمين.
ويجوز "له" بمعنى عليه؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: فعليها.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ يحتمل هذا: أي: ما كان بالمشرك عمارة مساجد الله، إنما تكون عمارته بمن آمن بالله واليوم الآخر، لا بمن أشرك بالله وكفر بالآخرة.
وقوله: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: على نفس محمد ومن آمن معه؛ سماهم أنفسهم؛ لأنهم من قرابتهم وأرحامهم، وقد سمى الله المتصلين بهم بذلك؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.
أو ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ عند الضرورات عند نزول العذاب بهم، وعند الهلاك؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ الآية [غافر: 84]، وغير ذلك من الأحوال التي كانوا يقرون بالكفر [و] يرجعون عنه، شهدوا عليهم بالكفر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ \[أي أنفسهم\] تشهد بالكفر عليهم؛ لأن خلقتهم تشهد على وحدانية الله، وأنفسهم تشهد على فعلهم بالكفر، وهو ما قال الله - -: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، قيل: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: بيان من نفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ إلى آخر الآية.
في قوم ماتوا على الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ., الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ إن لم يكن عليهم، فذلك كله على المسلمين أي: عليهم عمارة المساجد، وبهم تعمر المساجد، ولهم ينبغي أن يعمروها.
﴿ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ أمر أن يخشوا الله، ولا يخشوا غيره، ثم ذكر - هاهنا - ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
وقال بعضهم: الخشية: العبادة؛ كأنه قال: ولم يعبد إلا الله.
﴿ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ والعسى من الله واجب، أي كانوا من المهتدين.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة؛ لأنه إنما يقابل فعل بفعل، أو فاعل بفاعل، لا يقابل فعل بفاعل، ولا فاعل بفعل، فهاهنا ذكر السقاية وعمارة المسجد مقابل من آمن بالله، فهو - والله أعلم -: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟!
أو أن يقال: أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر؟!
ليكون مقابلة شخس بشخص، أو فعل بفعل.
ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر والمؤمن، فيقال: لا يستويان عند الله، وإن كان الكافر قد أتى بالمحاسن، إلا أن يقال: ليس من فعل محاسن في حال كفره ثم آمن من بعده كمن [آمن و] فعل محاسن وهو مؤمن، هذا يجوز أن يجمع فيقال: لا يستوون عند الله، وأما الكافر الذي مات على الكفر وإن عمل خيرات، والمؤمن الذي عمل الصالحات فمات على ذلك، فيجمع فيقال: لا يستويان فلا.
أو أن يقابل بالجهاد الذي ذكر: لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ولم يبذل نفسه لذلك؛ فأما أن يقال: لا يستوي الكافر والمؤمن، فذلك محتمل؛ لأنه إنما يقابل الشيء بالشيء إذا قرب بعضه من بعض، وأما عند البعد منه فلا يقال ولا يقابل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
ما داموا في ظلمهم، وما داموا اختاروا الظلم، لا يهديهم وقت اختيارهم الظلم، أو لقوم مخصوصين، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ، أي: صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق، وفي جميع ما دعا إليه وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق، وإلا كانوا مؤمنين بالله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ كانوا مؤمنين بالله، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم.
أي: فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم، وهجروا جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو هذه الآية، وفارقوا ذلك الكل؛ إشفاقاً على دينهم؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا بكل وعيد وخوف، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية، ثم إذا أسلموا فارقوهم وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لرضوانه؛ ليعلم عظيم قدر الدين في قلوبهم، وخطير منزلته عندهم؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله أعظم وأشدّ من محننا؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا [عليه]؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا، مجبول عليه، فهم مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك، وتحملوا كراهة ذلك؛ ابتغاء مرضاة ربهم.
وأما محننا: فإنها على سبق من العادة، فهي أهون وأيسر.
وقوله: ﴿ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
أي: بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: من صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار.
وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة: أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا [من بعد ولحقوا].
وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ ﴾ .
الفوز: هو الظفر في اللغة، أي: أولئك هم الظافرون بنعيم الله وكرامته، والناجون من عذاب الله ونقمته ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : بالنصر لهم في الدنيا، والظفر لهم على عدوهم؛ كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر، كله إنما كان برحمته.
ويحتمل [رحمة منه]: الثواب لهم في الآخرة والكرامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .
أي: يبشرهم - أيضاً - أن ربكم عنكم راض.
﴿ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴾ .
أي: يبشرهم بجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وكرامة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: ما سمى الله عظيماً فهو عظيم لا تدرك عظمته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ تحتمل الولاية: الموافقة لهم في الحقيقة في الدين، ومن تولاهم - في الحقيقة - فهو منهم، وهو ظالم، فإن كان هذا فهو ظالم لا شك، فلم يكن لقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ معنى.
وتحتمل الولاية: الموافقة لهم في الظاهر على غير حقيقة، لكن إظهار على غير حقيقة يباح في حال إضرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين، فيجوز أن يكون قوم أسروا الإيمان في أنفسهم وكتموه، ويظهرون الموافقة لهم في الظاهر؛ إشفاقاً على دينهم، وخوفاً على أنفسهم، فيباح لهم ذلك؛ لما ذكرنا.
فلما أن جعل الله الهجرة، وجعل المؤمنين مأوى وأنصاراً يلجئون ويأوون إليهم - لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم، وإن كانوا في السر ليسوا على دينهم؛ لما ذكرنا.
فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه في غير اضطرار يصير كافراً؛ على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم إذا تولوهم في الظاهر، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك، وهذا أشبه، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية [النساء: 97]، لم يعذروا في تركهم الهجرة؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا أظهروا الموافقة لهم بعد ما جعل لهم المأوى والأنصار، صاروا هم - في الحقيقة - كذلك، نهانا عن موالاة الكفرة جملة بقوله: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ ﴾ وقال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ هذا النهي لنا في جملة الكافرين، ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء والأمهات وغيرهم من القرابات؛ لما تقع الشبه في موالاة المختصين بهم، فخص النهي فيه، وكذلك في تخصيص اليهود والنصارى؛ لما بيننا وبينهم موافقة في التوحيد والكتب، فخص النهي في ذلك.
ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه: أحدها: المودة والمحبة، أي: لا تودوهم ولا تحبوهم.
والثاني: ألا نتخذهم موضع سرنا وبطانتنا؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً...
﴾ الآية [آل عمران: 118].
والثالث: ولاية الطاعة لهم، أي: لا تطيعوهم؛ كقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم ﴾ الآية [آل عمران: 100]، وقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ ﴾ نهانا أن نحبهم ونودهم، ونهانا - أيضاً - أن نتخذهم موضع سرنا، ونفشي إليهم سرائرنا، ونهانا أن نطيعهم فيما يدعوننا إليه ويسرون - والله أعلم - للخلاف الذي بيننا وبينهم في الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ ﴾ .
أي: اختاروا الكفر على الإيمان، والمحبة - هاهنا - محبة الاختيار والإيثار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ \[هو\] مقابل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ إلى آخره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ ﴾ وما ذكر، أي: إن كان طاعة هؤلاء ورضاهم أحبّ إليكم من طاعة الله وطاعة رسوله ورضاه، وأحب من جهاد في سبيله ﴿ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ : هو حرف وعيد، أي: انتظروا ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ ، أي: بعذابه.
[و] قال أهل التأويل: حتى يأتي بأمره في فتح مكة.
ودل ما ذكر في قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ على أن المراد من قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ ﴾ الآباء والأبناء جميعاً، ﴿ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ الإخوان، وجميع المتصلين بهم؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: ﴿ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ ، ذكر الأبناء والأزواج والعشيرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ .
قال بعضهم: اكتسبتموها.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ ، أي: أموال جعلوها حلالاً وحراماً، ويقولون: الله أذن لنا في ذلك؛ كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾ .
كانوا يخشون فواتها وذهابها، لا الكساد؛ إذ في الهجرة تركها رأساً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ .
أي: نصركم في مواضع كثيرة كان فزعكم إلى الله - - ونصركم يوم حنين - أيضاً - بعد ما هزمكم العدو بإعجابكم بالكثرة فصرفكم الفزع إلى الله، ونصركم - أيضاً - يوم حنين.
﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ .
يعني: الكثرة.
يذكرهم - عز وجل - منته عليهم وفضله أن النصر والظفر متى كان إنما كان بالله، لا بكثرتهم وقوتهم؛ لأنه لو كان على الكثرة لوكلوا إليها.
فإن قيل: قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 60]، فإنما أمرنا بما يعجبنا، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة؟
وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا، وقد كلفنا الشكر لما آتانا، والصبر على ما فات منا، فلو لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر، ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه؟
معناه - والله أعلم - أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح بفضل الله ومنته الذي من علينا وخصنا به، وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا؛ لما جعل لنا لذلك ثواباً في الآخرة وأجراً عظيماً، وكذلك الكثرة، أمرنا بها، فإذا آتانا ذلك يعجبنا فضل الله ومنته في تلك الكثرة، لا الكثرة لنفسها والقوة، والله أعلم.
فإن قيل: الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم، لا من الكل، فكيف هزم الكل؟
وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع؟
قيل: لأن له أن يتلف الكل ابتداء.
ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين [ثم] في الأمر بالجهاد أمراً على غير وسع، ولا كذلك في سائر العبادات؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم، وليس في وسع أحد القيام لاثنين، فهو - والله أعلم - لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره، دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم ويهلكهم؛ فعلى ذلك [له] أن يأمر بقتل أنفسهم، فإذا كان له ذلك؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم؛ فعلى ذلك [له] أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم.
وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ والمحاربة مع عدو لا نراه وهو يرانا أمر صعب شديد، لكن الله علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه، وقال في الشيطان: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ ﴾ الآية [الأعراف: 201] علمنا أسباباً نقاتل بها الشيطان فنغلبه ونقهره، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك، وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر؛ حيث قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ وقال: ﴿ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ قد علمنا أسباب الجهاد معه، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعداً بالحيل، وإذا لم يكن له الوسع به بالقوة نفسها.
ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات؛ لما يحتمل أن جعل الله الجهاد آية من آيات الحق والرسالة؛ ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان بالله، لا بغيره؛ ليظهر الحق من الباطل، والمحق من المبطل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ .
هذا على التمثيل؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها [الغاية والنهاية]: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، يقال [ذلك] لسعة الأرض في أوهام الخلق.
وقوله - عز جل -: ﴿ ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: السكينة: الملائكة؛ كقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ...
﴾ الآية [آل عمران: 126].
وقال بعضهم: ﴿ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ ، أي: نصرته.
وقيل: وقاره.
وقيل: رحمته.
وقيل: طمأنينته.
وأصله: سكنت قلوبهم واطمأنت بعد شدة الخوف والحزن بأي وجه ما، تسكن بالملائكة أو بغيرها، فأسكن قلب رسول الله لما اشتد عليه رجوع أصحابه ومفارقتهم إياه ﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ : وهم الملائكة، ﴿ وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : بالقتال والهزيمة، وذلك جزاءهم.
وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سماهم مؤمنين بعد ما كان منهم التولي، والتولي لم يخرجهم من الإيمان على ما قالوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه.
وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسها للحج وإقامة العبادات؛ دليله وجوه: أحدها: قوله: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ولو كان لدخول المسجد، لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره.
والثاني: [قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
والثالث: قوله: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك" .
وفي آخر الآية دلالة ذلك؛ لأنه قال:] ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وخوف العيلة إنما يكون عن دخول مكة؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه، لكان لا خوف عليهم في ذلك؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة، فلا خوف عليهم في ذلك.
أو أن يقال: إنه ذكر المسجد الحرام؛ لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج به، فيكون النهي عن دخول المسجد نهياً عن الحج نفسه، وهو ما روي في الخبر أنه بعث عليّاً في الموسم بأربع، وأمره أن ينادي في الناس ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدته، فإذا مضت مدته [فإن الله] برئ من المشركين ورسوله، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك.
فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه، لأن البيت هو الذي يقصد إليه فيه.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...
﴾ الآية [آل عمران: 97]، وقال: ﴿ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ...
﴾ الآية [البقرة: 158]، وقال: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، [الحج: 29] ذكر البيت، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعاً؛ فعلى ذلك خرج النهي، لكنه ذكر المسجد؛ لما أن البيت فيه.
فإذا كان ما ذكرنا: فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها، وهو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول المسجد نفسه دون غيره من البقعة، لكان ليس [عليهم] خوف العيلة؛ لأنهم يدخلون مكة، ويتجرون فيها، ولا يدخلون المسجد.
وإن شئت فاجعل أول الآية تفسير آخرها، وهو قوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ وهو ما ذكرنا.
فإذا كان ما ذكرنا، دل أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام، وخبر علي بن أبي طالب - - [أيضاً] يدل على ذلك، فأما من كان من أهل الذمة والعبيد منهم: فليسوا - والله أعلم - بداخلين في الآية إذا كانوا ممن لا يحج.
فإن قيل: فقد روي عن علي بن أبي طالب - - أنه نادى: ألا لا يدخل الحرم مشرك، ولم يذكر الحج.
قيل: له روي عنه أنه قال: ناديت ألا يحج بعد العام مشرك؛ فيكون قوله: لا يدخل الحرم مشرك؛ على الحج؛ على ما ذكرنا.
وقد روي عن رسول الله [أنه رخص في دخول المسجد للعبيد والإماء، وروي عن جابر بن عبد الله عن النبي ] قال: "لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا، إلا أن يكون عبداً أو أمة" .
يحتمل استثناء العبد والأمة؛ لأن العبد لا يدخل للحج ولإقامة العبادة، إنما يدخل لخدمة المولى إذا كان مسلماً.
وفي بعض الأخبار: "أو أحداً من أهل الذمة" وعن جابر بن عبد الله موقوفاً كذلك: "أو أحداً من أهل الذمة" وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: "أن لا بأس للكافر أن يدخل المسجد"، وقال: أرأيت لو أراد أن يسمع كلام الله ليؤمن فيمنع عن ذلك، ويؤمر المُستمعُ إتيان ذلك المشرك فيسمع كلامه، فيكون الآمر إبلاغ المأمن لذلك المشرك الإمام دل أنه لا بأس لذلك.
وقد ذكرنا أن ليس في ظاهر الآية دلالة النهي عن دخول المسجد؛ بل المراد من ذكر المسجد ما ذكرنا من الحج وإقامة العبادة لغير الله.
ألا ترى إلى قول الله: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ وأن سبيل مكة كلها هذا السبيل، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ والحرم كله منحر؛ إلا أن المعنى في ذلك - والله أعلم - ما ذكرنا ألا يدخل المشركون حجاجاً؛ ألا ترى أنا نعلم أن المشركين لم يزالوا مقيمين في الحرم بعد النداء، ولم يخلو عنه.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول الله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ فإن كان يعني به موضع العهد، فإن ذلك العهد يوم الحديبية عند الشجرة، فقد صار ذلك الموضع من المسجد الحرام، وهو في المسافة بعيد منه، [وإن كان يعني به] الذين عوهدوا، فإنهم كانوا يوم نادى علي - - فذلك خارج من مكة؛ لأن أهل مكة قد كانوا [أسلموا] قبل ذلك حين فتحها النبي، فحاضري المسجد الحرام [هم من كان نازلاً] خارج مكة في الحرم وما حوله.
وقوله: "ولا يقرب المسجد الحرام مشرك".
يخرج على وجوه: [أحدها]: لا تدعوهم يقربوا المسجد الحرام.
والثاني: قولوا لهم: لا تقربوا المسجد الحرام.
والثالث: على البشارة؛ أي: إذا قلتم لهم ذلك فلا يقربوا بعد ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ أي: أفعال المشركين نجس، والعبادات التي يأتون فيها نجس، وهو ما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، صير عمل الشيطان رجساً؛ فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجسة، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله؛ لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادة لغير الله.
ثم اختلف في قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ قال بعضهم: هو نجس الأفعال.
وقال بعضهم: هو نجس الأحوال.
والأشبه أن يكون نجس الأفعال؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ يخرج مخرج الذم، ولا يحتمل أن يذموا ويشتموا بنجاسة الأحوال؛ دل أنه إنما لحقهم ذلك الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ رجس نجس؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ ، أي: نجسة الأفعال؛ لأن ذلك من كسبهم، فاستوجبوا المذمة لكسبهم، وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها.
وقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
قيل: خافوا من العيلة لما نُفي المشركون من مكة؛ لأن معايش أهل مكة إنما كانت من الآفاق، وبأهل الآفاق كانت سعتهم وتجارتهم، لكن الله وعدهم السعة والغنى بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ﴾ ، قال بعضهم: دل قوله: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ على أنه إنما وعدهم الإغناء في بعض الأوقات.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِن شَآءَ ﴾ كان من رسول الله؛ لأنه أمر رسوله أن يعدهم الإغناء، وهو مأمور أن يستثني في جميع ما يعده؛ بقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ﴾ : بهؤلاء الذين نفوا عنه؛ لأنه حبب إليهم التجارة والمكاسب وما ينالون الأرباح بها يحملهم ذلك على الإسلام فيسلمون، فيدخلون فيها يحملهم حب التجارة على الإسلام، فيكون لهم بهم غنى، كما كان يحملهم حب التجارة والربح على الهجرة، وقوله: ﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾ فعلى ذلك الأول.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : الجزية التي ذكرها في الآية التي تتلو هذه.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ .
بما أضمروا من خوف العيلة أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما لهم وعليهم، وممن يكون لهم الغنى.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أمره وحكمه.
وفي قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أضمروا ذلك في أنفسهم، ثم أخبرهم رسول الله بذلك؛ دل أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ الآية.
ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، أخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ [و] هم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر فما المعنى منه؟!
قيل: هم وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله له ولد كما ذكره على أثره، وهو قوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ فالإيمان بإله له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين، وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة، فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به.
أو أن يقال: إنهم وإن أقروا بما ذكرنا وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم، ومن آمن بالكتب كلها والرسل ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم، فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ \[إلى آخر\] الآية.
فإن قال لنا ملحد: إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئاً من المال تركتم مقاتلتهم، فلو كان قتالكم إياهم لذلك لا لطمع في الدنيا، لكنتم لا تتركون مقاتلتهم لشيء يبذلونكم، وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه، لكان النساء في ذلك والرجال سواء؛ إذ هم في الكفر شرعاً سواء.
وقالوا: لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمة، والآمر بذلك حكيم لكان الناس جميعاً في ذلك سواء، ولا تتركون أحداً لشيء من ذلك؛ بل يقاتلون أبداً ولا ترضون منهم غيره.
فيقال لهم: إنا لن نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا إلى ذلك [وإلا قتلناهم] ليضطرهم القتل إلى الإسلام [لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه فإذا كان في آخذ الجزية] معنى ما [ندعوهم إلى الإسلام]، فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك؛ لعلهم يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا؛ لا أنا تركناهم رغبة فيما نأخذ منهم أو طمعاً في ذلك.
وأصله المحنة؛ إذ الدار دار المحنة، ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا يجوز تلفها؛ مرة يمتحنهم بالقتال، ومرة بأخذ الأموال، ومرة بالشدائد؛ كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ ﴾ وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ونحو ذلك، فإذا كان ذلك محنة لا جزاءً جاز ذلك، وكان ذلك حكمة.
وأما قولهم بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء ونسترقهن؛ لأنهن أتباع الرجال في جميع الأحوال وخدم لهم، فإذا أسلموا أسلمن؛ هذا معروف فيما بينهم؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاءوا، وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة، ليس هو جزاء الكفر؛ إذ الدار دار محنة، فله أن يمتحن بعضاً بالقتل، وبعضاً بأخذ المال، وبعضاً لا بذا ولا ذاك، ولو كان جزاء لسوى بينهم، [و] هو التخليد في النار أبداً.
فإن قيل: ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب؟.
قيل: لوجوه: أحدها: أن ليس لمشركي العرب دين يدينون به يقاتلون عن ذلك الدين، ولا لهم أصل يعتمدون عليه، أو كتاب يكلون إليه، إنما هم قوم يقاتلون عن قبائلهم، ويتناصرون بهم، ولغيرهم من الكفرة دين يدينون به، وأصل يعتمدون عليه، ويحاجون الناس بالحجاج التي لهم؛ فإذا كان كذلك، أمكن إقامة الحجج على هؤلاء، وإلزام البراهين، ولا كذلك مشركو العرب؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليه، ولا مذهب يدعون غيرهم إليه بالحجاج، وأمكن في غيرهم؛ لذلك افترقا، والله أعلم بذلك.
والثاني: أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعونه فيما يدعوهم إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك، وأكدوا القول في ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ الآية [الأنعام: 109]، ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم؛ فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبداً حتى يوفوا ما وعدوا؛ كقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ .
والثالث: لفضل رسول الله؛ إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه.
وأمكن أن يكون وجه آخر: وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكن المقاتلة معهم والقيام لهم؛ فلا يرضى منهم إلا الإسلام، وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة: فهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ...
﴾ الآية.
قد ذكرنا أنهم وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم - في الحقيقة - غير مؤمنين؛ لأن شرط إيمانهم الإيمان بالرسل جميعاً والكتب أجمع، فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل، وببعض الكتب، ومن كفر برسول من الرسل، أو بكتاب من الكتب، أو بحرف منها - كان كافراً بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .
يحتمل أنهم لا يحرمون تحريف الكتاب وكتمان نعت رسول الله، والله حرم ذلك عليهم.
أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرم ذلك.
أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
وهو الإسلام؛ لأنه دين توجبه العقول كلها، وتشهد به خلقة الخلائق كلها.
أو أن يقول: لا يدينون دين الذي له الحق، إنما يدينون بدين الذي لا حق له، وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ ﴾ ، أي: يقبلوها، لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ هو على القبول لها، لا على الفعل نفسه.
ويحتمل: نفس الإعطاء، وهو - والله أعلم - لما جعلت الجزية لحقن الدماء، فتقدم؛ لتحقن بها الدماء.
وقوله: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ ، أي: لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها؛ بل تؤخذ يداً بيد، [وقال بعضهم: عن يد] أي: عن قهر وغلبة.
وقيل: ﴿ عَن يَدٍ ﴾ ، أي: عن طوع وطيب.
وقيل: عن جماعتهم.
لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة.
وقوله: ﴿ صَاغِرُونَ ﴾ قيل: ذليلون، وهو من الذل؛ يقال: صغر الرجل يصغر صغاراً، فهو صاغر، أي: ذل؛ فهو ذليل.
وقيل: ﴿ صَاغِرُونَ ﴾ \[أي\]: مذمومون.
وعن ابن عباس - -: يمشون بها متبلين.
وأصله: الذلة، وهو الخضوع - والله أعلم - الذلة التي ذكر الله في قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ ، فإذا قبلوا ذلك، فقد أذعنوا بالذل والصغار.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، أما اليهود والنصارى: فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية، أخذت منه وأقر على دينه.
وأمّا المجوس: فإنه تؤخذ منهم الجزية؛ لما روي عن عمر - - أنه قال: ما أدري ما أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا من أهل الكتاب قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد أني سمعت رسول الله يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وفي بعض الروايات: "أشهد أن رسول الله أخذ الجزية من مجوس هجر" .
وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس.
وقال علي ابن أبي طالب: أنا أعلم الناس بهم، كانوا أهل كتاب يقرءونه، وأهل علم يدرسونه، فنزع ذلك من صدورهم.
وعن أبي رزين عن أبي موسى قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها.
وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: كتب النبي إلى المنذر: "من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا - فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، ومن أحبّ ذلك من المجوس فهو آمن، ومن أبى فعليه الجزية" [وفي بعض الروايات: "استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن ترك ذلك فعليه الجزية." وعلى ذلك مضت الأئمة، ولم ينكر أحد من السلف، حتى قال قوم في المجوس: إنما أخذت منهم الجزية؛ لأنهم أهل كتاب، فأحلوا ذبائحهم ونساءهم، وذهبوا إلى ما روي عن علي.
وقال آخرون: ليسوا من أهل كتاب، ولكن الجزية تؤخذ منهم؛ اتباعاً لقول رسول الله : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم" ، وما روي عن الصحابة وأئمة الهدى.
ثم المسألة في تقدير الجزية: روي في بعض الأخبار عن رسول الله أنه بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: "خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافريا" وروي عن عمر - - أنه بعث عثمان بن حنيف إلى السواد، وأمره أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهماً، وأبعة وعشرين درهماً، واثني عشر درهماً.
وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً [وجعل] مع ذلك إرزافاً للمسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.
وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات: أغنياء، وأوساطاً، وفقراء، فيأخذون من الغني الموسر ثمانية وأربعين درهماً، ومن الوسط أربعة وعشرين درهماً، و من الفقير المحترف اثني عشر درهماً.
وفي بعض الأخبار: أربعين درهماً وأربعة دنانير، وضيافة ثلاثة أيام وعشرين درهماً وديناراً، وهو ما ذكرنا ثمانية وأربعين بغير الضيافة وغير المؤنة.
وما روي من أربعين درهماً أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في الخبر، وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأت عن أحد منهم النكير عليه ولا الردّ، فهو كالاتفاق منهم على ذلك.
ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأياً منه؛ لأن المقدرات والمحدودات سبيل معرفتها التوقيف والسمع، لا العقل؛ فهو كالمسموع عن رسول الله .
وما روي من حديث معاذ حين أمره النبي - - أن يأخذ من أهل اليمن من كل حالم ديناراً، فذلك يحتمل أن يكون أمر بذلك؛ لما كانوا أهل ضعف وفقر، على ما روي عن عمر في الضعفاء من أهل مصر والشام، وليس هو الحدّ الذي لا يلزم أكثر من ذلك؛ لما ذكرنا أن عمر ألزم المياسير أكثر من دينار، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدل فعلهم على ما وصفناه.
ثم المسألة في تمييز أصحاب الطبقات بين الموسر الغني، وبين الوسط والفقير.
قال بعضهم: الفقير: من يحترف وليس له مال تجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهم الفقراء المحترفون، فمن كانت له أقل من مائتي درهم فهو من أهل هذه الطبقة، والطبقة [الثانية]: أن يبلغ مال الرجل مائتي درهم.
فقال بعضهم: إذا بلغ ماله أربعة آلاف درهم وزاد عليها، صار من أهل الطبقة الثالثة، واحتجوا بقول علي بن أبي طالب - - وابن عمر؛ حيث قالا: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما فوق ذلك كنز.
وقد يجوز أن يجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، وما زاد على ذلك يجعل من الطبقة الثالثة؛ لحديث روي عن رسول الله برواية أبي هريرة قال: "من ترك عشرة آلاف درهم، جعلت صفائح يعذب بها يوم القيامة" ثم في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ دلالة على أن الجزية إنما تؤخذ ممن يجب أن يقاتل إن لم يبذلها، والنساء والصبيان [لا يقاتلون] ولا يقتلن إن ظهر بهم، فلا يجب أن توضع عليهم الجزية بدليل الكتاب؛ إذ كان الله إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن يقاتل، وكذلك فعل عمر والأئمة بعده.
روي أن عمر - - كتب إلى أمراء الجيوش: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، ولا تقتلوا الصبيان والنساء، ولا تقتلوا إلا من جرت عليه المواسي.
وكتب إلى عماله: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان.
وفي بعض الروايات أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تأخذوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، قال: والجزية أربعون درهماً أو أربعة دنانير.
[و] في خبر معاذ دلالة لذلك؛ حيث قال: بعثني رسول الله إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافريّاً.
بين معاذ أن رسول الله أمره أن يأخذ ذلك من الرجال دون النساء والصبيان.
فإن قيل: روي عن معاذ: قال: أمرني رسول الله أن آخذ من كل حالم وحالمة ديناراً.
وفي بعض الروايات عنه أنه قال: أن آخذ من كل حالم ذكراً أو أنثى ديناراً؛ فإن كان هذا مثبتاً محفوظاً، فهو دليل لما يؤخذ من نصارى بني تغلب، ويكون حكم نساء العرب من أهل الكتاب فيما يؤخذ منهم خلاف نساء العجم منهم.
أو أن يقال: إنه غير محفوظ؛ لما عمل الأمة بخلافه؛ لأن الوفاق قد جرى على أن لا جزية على النساء، ولو كان محفوظاً لظهر العمل به.
أو أن يكون قوله: "خذ من كل حالم [وحالمة] ديناراً"، أي: خذ منهما ديناراً ولا تأخذ من كل واحد ديناراً؛ كقوله: "لكل سهو سجدتان لا يلزمه أكثر من ذلك" ثم نذكر مسألة ليس في الآية ذكرها، وهي أن الجزية إذا ضربت، فدخلت سنة أخرى قبل أن يؤديها - أخذت منه للسنة الثانية، ولم تؤخذ للسنة الأولى الماضية، ليس كسائر الديون؛ [لأن مجوسيّاً لو أسلم بعد مضي السنة لم يطالب بجزية العام الماضي، فلو كانت كسائر الديون لطولب بها المسلم كما يطالب بمال يكون عليه إذا أسلم أو بقي على مجوسيته، فلما لم يطالب، دل أنه ليست كسائر الديون].
فإن قيل: أليس الخراج يطالب به من أخره من سنة إلى سنة؟!
قيل: ليست الجزية مثل الخراج؛ [لأن الخراج] يجب على المسلم في أرضه، فهو كسائر الديون.
فإن قيل: إن المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة، طولب بالجزية للسنة الماضية.
قيل: روي عن عمر أنه رفع الجزية بالإسلام، فقال: والله، إن في الإسلام لمعاذاً إن فعل ترفع عنه الجزية.
وروي في بعض الأخبار عن نبي الله أنه قال: "ليس على مسلم جزية" ، فمن طالبه بالجزية بعد الإسلام، فقد خالف الخبر.
فإن قيل: إنما يزول عن المسلم ما كان عليه من الجزية في حال كفره؛ لأنه صار إلى حال لا يجوز أن توضع عليه ابتداء.
قيل: إن الذمي إذا اجتمع عليه الجزية سنتين، فصار إلى حال لا يجوز أن يلزم في الابتداء في مثلها أكثر من اثني عشر درهماً لفقره - لم يجز أن يلزم أكثر منها؛ لأنه جعل حكم مستدبر الجزية التي وجبت، فأسلم صاحبها حكم الابتداء في توظيف الجزية عليه، فوجب أن يجعل حكم مستدبر من أتت عليه سنتان حكم ابتدائه، وأصله أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم، فإذا مضت سنة، صار دمه محقوناً في السنة الماضية؛ لذلك لم تؤخذ.
وقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ إلى آخره.
تضمنت هذه الآية أحكاماً: منها الأمر بقتال من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم يقرون بالأمرين، لكنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم مشبهة من تشبيههم الله بخلقه احتمل قولهم القول له بالولد؛ إذ الذين شهدوا من الخلائق على ذلك وجدوا بولد بعض من بعض، وإذا كان كذلك فهو غير مؤمن - في الحقيقة - بالله الذي هو الحق حتى يؤمنوا به، وأنه به تكون الآخرة دون الذي ادعوه.
والثاني: أن الذي جبل عليه الخلق هو تعظيم رسل الملوك وأجلتهم حتى يوجد من بر الرسل بين ملوك قد ظهرت بينهم العداوة، فلما كذبوا رسول الله مع البراهين التي قد أعجزت الخلائق، وشهادة كتبهم به، وتظاهر من عرفوا أنهم يكذبون بكتبهم وبرسلهم على من صدق بذلك - ثبت أنهم في الحقيقة مكذبون جميع الرسل والكتب وإن أظهروا الوفاق، وأن ذلك لا يكون إلا لتكذيب منهم بالله؛ فعلى ذلك إيمانهم بالله يكون بإيمانهم بالرسل، وعلى ذلك روي عن رسول الله في وفد عبد قيس أنه قال: "آمر بأربع: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟
أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ؛ فلذلك لم يكن إيمانهم بالله إيماناً حتى يؤمنوا برسول الله، وعلى هذا يحاربون.
والثالث: أن يكون نفى عنهم الإيمان بنفي منفعة الإيمان عنهم؛ إذ أقل المنفعة به الإيمان برسله، والقبول عنهم بالتعظيم، فإذا ظهرت منهم هذه المنفعة تركوا القتال.
ثم الترك على قبول الجزية جائز، وإن كان الأمر قد تقدم بالقتل من غير أن يكون دليل، إما لأجل ذلك المال نقاتل، كما كتب على كل نفس الموت.
ثم قد يتركون على ما هم عليه من اختلاف الأديان وتفرق الأهواء، وإن كان لا يدل ذلك على الإقرار بما هم عليه، والرضا بما اختاروا، فمثله في الأول لا يدل على الرضا بكفرهم، ولا على القتال لأخذ تلك الأموال منهم.
ثم الأصل أن القتال لم يجعل ليكون [القتل] عقوبة للكفر؛ إذ نوع القتل ومعناه قد يوجد في الأخيار والأشرار جميعاً، وهو الموت ثبت أنه لم يجعل لذلك، ولكن لوجهين: أن يضطرهم إلى الإجابة على ما فيه نجاتهم وبه نيل كرامة الأبد، وكان ذلك بعد أن ألزمناهم كل أنواع الحجج، فلم يقنعهم، قاتلناهم بما كان الذي يمنعهم عن النظر في الحجج حب اللذات وألذها الحياة، قاتلنا حتى ييأسوا عن تلك اللذة المانعة عن النظر في الحجج، والصادة عن الإجابة فتزول عنهم.
وفي قبول الجزية - قيل - بعض الذل والصغار الذي تنفر عنه الطباع، ويدعو إلى ما فيه الزوال، فينظرون في الحجج، ويقبلون ما دعوا إليه؛ فتكون به نجاتهم، وزيادة لنا في الكرامة.
والثاني: [أن] المحن كلها منقسمة على الحسنات والسيئات، والخيرات والشرور؛ ولذلك جعل الموت والحياة، وعلى ذلك جميع أمور الدنيا هو التقلب على مختلف الأحوال، فمثله الدعاء إلى الإسلام يكون مرة بمحاجة إليه، ومرة باللسان، ومرة بالترك، لا أن جعل شيء من ذلك لشيء، ولكن بما عليه أمر المحن؛ ليتذكر به وجود [الموعود بالآثار له في أحوال المحن، فعلى هذا أمر القتال في قوم، والعفو عن قوم، والدعاء إلى الإسلام في قوم، وإلى قبول] الذل في قوم على ما في علم الله من المصلحة، وعلى ما عليه حق الحكمة.
ثم الفرق بين مشركي العرب وغيرهم يخرج على وجوه: أحدها: أنهم قد كانوا أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الإمم، فجاءهم، فكذبوه، ثم أقسموا لئن جاءهم نذير ليؤمنن به، فجاءتهم آيات فلم يؤمنوا، فاستوجبوا القتال إلى أن يفوا بالعهد الذي سبق، والقسم الذي جهدوا به، وليس غيرهم هكذا.
أو على قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 110]، فبين الإياس عن إيمانهم إلا أن يشاء الله، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: الإياس عن إيمانهم.
وقبول الجزية ليخالطوا أهل شريعة الله، فيسمعوا منهم الحجج، ويعاينوا الأفعال المحمودة في العقول، والأخلاق الكريمة التي جاء بها الرسول فيؤمنوا، وهؤلاء قد أيأس الله من إيمانهم، وأخبرهم أنهم ييأسون أبداً؛ فلذلك لم يعط لهم عهد، وعلى ذلك ظهر نقضهم العقود مرة بعد مرة، والله أعلم.
والثاني: أنه استثنى فيهم ألا يؤمنوا بالآيات إلا أن يشاء الله، فلعل الله شاء أن يكون إيمانهم بالقتال خاصة، ففرض فيهم ذلك إلى أن يؤمنوا.
ووجه آخر: أن رسول الله هو بعث فيهم ومنهم؛ فأوجبت لهم الفضيلة به ألا يقبل منهم غير الإيمان، كما فضلت البقعة التي فيها بعث رسول الله .
ومنها ألا يترك فيها غير المؤمن تفضيلا.
ووجه آخر: أنهم قوم ليس لهم أسٌّ، ولا أئمة في الدين إليهم يرجعون في التأسيس، ومعلوم أن لا قوام في العقول لأمر الدين إلا بالأئمة؛ كالسياسات كلها والأمور فيها القوام من الملك وغيره؛ بل إنما كانوا جروا على عادتهم، وقاتلوا عن القبائل فلا يرجعون - في الحقيقة - إلا إلى عادة خارجة عن التدبير، وغيرهم يرجعون إلى مذاهب أسست مما أسس أمر الديانات، فقد تعلقوا بضرب من ذلك، فتركوا إذا خضعوا وأذعنوا لهم بحق التبع، فيتركون [رجاء] أن يتأملوا؛ إذ لكل مذهب نظر، وليس لأولئك سوى العادة وتقليد الآباء، ومن ذلك وصفه لا ينظر فيمهل للنظر، والله أعلم.
وأيضاً: إن لسائر المذاهب أصول يكثر أهلها، وفي الإقامة على القتال إلى الفناء ينضم بعض إلى بعض فيتناصرون، فيخاف على المسلمين بما به رجاء التكثر الفناء، والعرب يقل عددهم حتى لم يكونوا يقدرون على المناوأة إلا بمعونة أهل الكتاب وغيرهم، فأمكن أن يضطروا به إلى القتل مع ما ليست لهم مذاهب معلومة؛ إذ لا يذكر في شيء من الكتب لهم مذاهب، وقد ذكر لجميع الفرق، فإنما أمرهم على العادة، وقد تترك العادات بما يعترض فيها ما يمنع الاستمرار عليها من القتال والحرب فيتركونها، وأهل المذهب عندهم أنهم لزموا بالحجج، ومثل ذلك لا يترك إلا بالحجج، وذلك يكون بقبول الذمة والعهد.
وأيضاً: إنه يمكن إلزام كل ذي مذهب بما يوجد في مذهبه ما يثبت القول بالإسلام وبالعهد رجاء الوصول إليه، وليس لمشركي العرب ذلك؛ لما لم يُبْنَ مذهبهم على الحجج أو الشبه، إنما هو تقليد وعادة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ، أخبر أن السماوات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله - - من البهتان والفرية عليه أن له ولداً، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه: أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.
والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.
والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلاناً ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .
أى: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك.
أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .
يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [ ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله، كقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بالكفر وكقوله]: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ ، ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، [فعلى] ذلك قوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ] في الكفر نفسه.
ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه.
وقوله [أيضاً]: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: يشبه النصارى بقولهم لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في عيسى اليهود قبلهم في عزير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ .
هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.
وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم.
ويحتمل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً ﴾ .
قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد.
وقيل: الأحبار هم أصحاب الصوامع مع اليهود، والرهبان: من النصارى.
وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا في السفهاء والأتباع، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أرباباً يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أرباباً لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ ، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به؛ فعلى ذلك هذا.
ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم أشياء حرمها [الله] عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أرباباً - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم أرباباً، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.
وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن [الإله] إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .
يحتمل: إلا ليوحدوا إلهاً واحداً الذي لا إله إلا هو.
ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما] يعبدون من الأصنام والأوثان، ولكن أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .
قيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : ذكر الله وتوحيده.
وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.
وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : هو الإسلام.
فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله محمداً بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.
ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، و ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ و ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...
﴾ الآية [النحل: 103].
ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ...
﴾ النور: 35] في حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم المنافع التي كانت [لهم].
وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه.
ويحتمل: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .
بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .
وقد كره الكافرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، بعثه لذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك.
وقوله - عز جل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ \[وهو دين الحق\].
أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق.
ويحتمل قوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ [أي: أرسله بالهدى وبدين الحق.
ويحتمل قوله: ودين الحق] أي: دين الله؛ كقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: [يحتمل]: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلاً أن يتعرض في إبطاله.
ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين.
فإن كان المراد من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فهو بالحجج والبراهين كلها.
وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - إن شاء الله - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة.
وقوله - عز جل -: ﴿ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .
ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ ﴾ يدخل فيه كل إنسان.
وجائز أن تكون أدياناً مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين الشيطان، فسماه بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ ﴾ .
أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .
لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية [آل عمران: 78]، فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أرباباً في الآية الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالاً لأنفسهم، وأنفسهم عبيداً لهم، فهم كالأرباب لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله.
ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة.
روي في الأخبار عن رسول الله وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [عنه] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض.
ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعاً، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى.
ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه.
ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...
﴾ الآية.
جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.
ويحتمل قوله: ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ : كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.
وقوله: ﴿ وَجُنوبُهُمْ ﴾ : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.
وقوله: ﴿ وَظُهُورُهُمْ ﴾ : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.
ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، أي: يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه عن وجوههم.
وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية.
روي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: "يا رسول الله، فصاحب الخيل؟
قال: هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين، وكتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا يريد السقي به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات.
ومن ارتبطها فخراً وعزّاً على المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة" فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: "ثم لم ينس حق الله في رقابها"، والحق الذي في رقابها هو الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
من الناس من يقول: إن الشهور كانت التبست عليهم واختلطت؛ لكثرة ما كانوا يؤخرونها ويقدمونها، حتى لم يكونوا يعرفون الشهور بعينها كل شهر على حدة، فخطب رسول الله بمكة بالموسم، فقال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي [هو] بين جمادى وشعبان.
ثم قال لهم: أي بلد هذا؟
وأي شهر هذا؟
وأي يوم هذا؟، قالوا: بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، فقال: ألا هل بلغت، قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد" وفي بعض الأخبار زيادة: فقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية، وقالوا: وذلك أنهم كانوا يجعلون صفراً عاماً حراماً وعاماً حلالاً، ويجعلون المحرم عاماً حراماً وعاماً حلالاً، فكان النسيء من الشيطان.
وصف رسول الله في هذه الأحاديث الأشهر الحرم وبينها؛ فدل ذلك على أن النسيء كان يحرم القتال فيها؛ على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه، وزاد ذلك بياناً يصيب أصحاب النسيء؛ إذ كانوا يستحلون القتال في المحرم، ويؤخرونه إلى صفر، فيحرمون صفراً مكان المحرم، فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر، وجعله زيادة في الكفر، وقال: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ أي: عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله، وقال: ﴿ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ .
ومنهم من قال: إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر شهراً بالأهلة على ما عرفته العرب لما وفقوا إلى معرفة ذلك، ولم يوفق غيرهم، وإنما يعدون السنة بالأيام، والعرب تعرفها بالأهلة على ما خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض ﴿ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهوداً عليهم، يشهدون بما يعملون فيها من المعاصي والخيرات، وبها تنقضي آجالهم؛ يخبر ألا تظلموا في هذه الأشهر التي تأتي لكم بكل خير، وبكل نعمة، فإنها تنصرف بما تعملون فيها من الخير والشر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
أي: في الأربعة الحرم، خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر كلها لا يحل على ما خص مكة بترك الظلم، وإن كان الظلم حراماً في الأماكن كلها؛ كقوله: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ...
﴾ الآية [الحج: 25]، أي: لا تقاتلوا فيها؛ إذ كل ظلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
قيل: ذلك الحساب حساب الأشهر قيم، أي: صحيح مستقيم على ما خلقه الله.
وقيل: ذلك الحساب هو القضاء العدل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: ﴿ كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : اللوح المحفوظ؛ على ما قيل.
ويحتمل: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ أي: في حكم الله ذلك.
وقوله: ﴿ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل ما ذكرنا من اللوح المحفوظ أن ذلك عند الله، لم يطلع عليه غيره.
ويحتمل: ﴿ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، [أي]: في علمه؛ على ما عرفته العرب، والله أعلم,.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ كَآفَّةً ﴾ أي: مجتمعون، أي: قاتلوهم مجتمعين على ما يقاتلونكم هم مجتمعين.
ويحتمل: ﴿ كَآفَّةً ﴾ ، أي: جماعة.
ويحتمل: ﴿ كَآفَّةً ﴾ : إلى الأبد، إلى يوم القيامة، أي: قاتلوهم إلى الوقت الذي يقاتلونكم كما يقاتلونكم.
﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
في النصر والمعونة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [التوبة: 37].
كأن هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً ﴾ في مشركي العرب، وسائر الآيات التي قبلها وهو قوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ في أهل الكتاب.
يخبر أن ملوك العرب اتخذوا أنفسهم أرباباً والأتباع عبيداً من دون الله حتى يتبعوهم في جميع ما يحلونه ويحرمونه، كما أن اليهود والنصارى اتخذوا أنفس أولئك عبيداً؛ فكأنه قال للمؤمنين: إن ملوك العرب وأحبار اليهود ورهبان النصارى اتخذوا أنفسهم أرباباً، والأتباع عبيداً، فأنتم يا معشر المؤمنين لا تتخذوا أنفسكم أرباباً، والأتباع عبيداً.
<div class="verse-tafsir"
ألا ترى أنه قال في الآية التي تتلو هذه: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ، قال بعضهم: الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك؛ كقوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ...
﴾ الآية، فيفهم ذكر ذلك الوعيد.
وقال بعضهم: الآية في المؤمنين؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله.
﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .
قيل: استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم.
ويحتمل التثاقل: هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا؛ كما يقال: يتصامم ويتعامى، من غير أن كان به الصمم والعمى، ولكن لما يرى من نفسه ذلك.
وقال بعض أهل الأدب: قوله: ﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ ﴾ .
أي: تثاقلتم وركنتم إلى المقام، وذلك في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ أي: تداركوا.
وقوله: ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .
أي: ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة.
أو أن يقال: متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع الآخرة وكراماتها؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال، وكرامات الآخرة على الدوام أبداً.
أو أن يقول: متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ .
أي: لما أحدث أولئك الملوك من تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله زيادة في كفر أولئك أحدثوا من وقت إحداثهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يهلك به الذين كفروا، أي: الذين أحدثوا.
ويحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: ما أحدثوا أولئك الملوك إنما أحدثوا؛ ليضلوا به الأتباع ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ﴾ على ما ذكر في القصة أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاماً فلا يستحلون فيه الدماء والأموال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ قيل: ليوافقوا عدد ما حرم الله؛ كان عندهم أن التحريم إنما كان لعدد الأشهر [لا] للأشهر؛ لما في الأشهر، فحفظوا عدد الأشهر، ولم يحفظوا الوقت، وذلك تأويل قوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ ، أي: زين تأخير المحلل وتقديم المحرم ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
قيل: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ولا يهديهم في الآخرة طريق الجنة؛ لكفرهم في الدنيا، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.
قال أبو عوسجة: النسيء: التأخير؛ يقال: نسأت الشهر، أي: أخرته، ويقال: أنسأ الله في أجلك، أي: أخره الله.
وقوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ .
المواطأة: أن يدخلوا شهراً مكان شهر، وهو التتابع؛ يقال: تواطأ القوم على حديث كذا وكذا، أي: تتابعوا، وواطأت فلاناً، أي: تابعته.
وقال القتبي: النسيء: التأخير، وكانوا يؤخرون تحرم المحرم منها سنة، ويحرمون غيره مكانه؛ لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في سنة أخرى؛ كأنهم ينسئون ذلك.
﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ أي: ليوافقوا ﴿ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ ، يقول: إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة، لم يبالوا أن يحلوا الحرام ويحرموا الحلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
أي: إن لم تنفروا يعذبكم عذاباً [أليماً]، فإن كانت الآية في المنافقين فهو ظاهر، وإن كانت في المؤمنين فيحتمل قوله: ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : يحل بهم، ولم يبين ما ذلك العذاب.
وقال بعضهم: شدد الله الوعيد في تركهم النفر والخروج في سبيل الله، وعلى ما شدد ببدر في التولية للدبر بقوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ الآية [الأنفال: 16]، غير أنه شدد يوم بدر لما لم يكن ملجأ، وكان نفارهم نفار نفاق، وهاهنا شدد لغير ذلك؛ لوجوه: أحدها: لما في تخلف المؤمنين عنه موضع العذر للمنافقين بالتخلف عنه أنهم [إن تخلفوا] للعذر، فنحن نتخلف - أيضاً - للعذر، ولنا في ذلك عذر.
والثاني: يكون للكفار موضع الاحتجاج عليهم، يقولون: إنهم يرغبوننا في الآخرة ويحثوننا في ذلك، ثم إنهم ينفرون عن ذلك ويرغبون عنه.
والثالث: يكون في تخلفهم الشوكة على المؤمنين؛ إذ يقلون إذا تخلفوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ .
[قيل فيه بوجوه: قيل: يستبدل الملائكة فينصروا رسول الله على ما استبدل يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب.
وقيل: يستبدل قوماً غيركم على ما استبدلكم يا أهل مكة فينصرونه.
وقال بعض من أهل التأويل: يستبدل قوماً غيركم] أي: ينشئ قوماً غيركم.
لكن تأويل الأول أشبه.
ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ .
هو ما ذكرنا، أي: لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه.
وقال بعضهم: لا تضروا الله [شيئاً].
والأول أشبه؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ يقول: إن لم تنصروا رسول الله فالله ينصره، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار، لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر، على ما كفاه ونصره في الحال التي لم يكن معه من البشر [أحد] إلا واحد، فاليوم لا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟!
وكان ما استنفرهم رسول الله وأمرهم بالخروج إلى العدو، لم يكن يستنفرهم لمكان نفسه؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره، ولكن إنما كان يستنفرهم ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم؛ ليكتسبوا [بذلك] قرباً وثواباً عند الله وزلفى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ ، أي: إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول الله فلا تضروه شيئاً؛ إذ الله كافيه في نصره.
وإنما عاتبهم بترك النفر والخروج؛ لئلا يركنوا إلى الدنيا، ولا يرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة على ما ركن أولئك الكفرة؛ لأن ركونهم إلى الدنيا وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد، وهو الذي حملهم على الكفر بالله، والتكذيب لرسوله، وترك الإجابة له فيما يدعوهم إليه فيقول - والله أعلم - للمؤمنين: ولا تركنوا إلى الدنيا، ولا ترضوا بها من الآخرة؛ ليمنعكم ذلك عن النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله، على ما منع أولئك الكفرة؛ على ما ذكرنا.
وأصله: أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم؛ إذ هو قادر أن ينصر رسوله بما شاء، لكن طلب منهم النصر له؛ ليكتسبوا بذلك ثواباً لأنفسهم، وذكراً في الأجل، وكذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه، لا لحاجة له في ذلك، ولكن ليستديموا النعمة، ويصلوا إلى الباقية الدائمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
أي: اضطروه إلى الخروج حين هموا بقتله، حتى خرج من بين أظهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ ﴾ .
[ثاني اثنين] أي: لم يكن معه من البشر إلا واحد؛ ليعلموا أن النصر لم يكن بأحد من البشر، إنما كان بالله - - إذ بالواحد لا تكون النصرة والحفظ من ألوف، يذكر فضل أبي بكر، وكان هو ثانيه في كل أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ لم يكن حزن أبي بكر [خوفاً] على نفسه، ولكن إشفاقاً على رسول الله أن يصاب، وكذلك روي في الخبر أنه قال لرسول الله : يا رسول الله، إنك إن تُصبْ يذهب دين الله، ولن يعبد الله على الوجه الأرض.
وفي بعض الأخبار "أن أبا بكر كان يبكي إشفاقاً على رسول الله، فقال له رسول الله : ما يبكيك؟، فقال له: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين ثالثهما الله" وقيل: إنهما لما أتيا باب الغار سبق أبو بكر فدخل الغار، وكان الغار معروفاً بالهوام، فألقمها أبو بكر قدميه، فأطال ذلك، فقال: إن كان فيه شيء بدا لي، أو كلام نحو هذا، - والله أعلم -.
[وقوله] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ : ليس بنهي عن الحزن و[الخوف على رسول الله ]، ولكن على تخفيف الأمر عليه وتيسير الحال التي هو عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: أنزل سكينته على أبي بكر حين قال له رسول الله: "ما ظنك باثنين ثالثهما الله؟!" ، حتى سكن قلب أبي بكر من الحزن والخوف على رسول الله .
وقال بعضهم: أنزل السكينة على رسول الله؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه أنزل السكينة عليه حتى رأى هو جنوداً لم يروها هم؛ حيث قال: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .
والثاني: أنزل سكينته بالحجج والبراهين، لكنه إن كان ما ذكر، فهو قد أنزل السكينة عليه في البدء؛ لأنه كان رسول الله لا يخاف سوى الله، ويعلم أنه ينصره، وكذلك روي عن ابن عباس قال: فأنزل [الله] سكينته على أبي بكر؛ لأن النبي لم تزل السكينة معه؛ وهو أشبه.
وقوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .
يحتمل: في ذلك الوقت.
ويحتمل: في الغزوات التي نصره بالملائكة يوم بدر وغيره؛ يخبر أنه قادر أن ينصره لا بالبشر؛ ليعلموا أنه إنما يأمرهم بالنصر، لا لنصر رسول الله، ولكن ليكتسبوا بذلك ما ذكرنا من الثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا ﴾ .
[يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : وهو ما مكروا برسول الله وهموا بقتله جعل مكرهم ومكيدتهم واجتماعهم على ذلك هي السفلى وكلمة الله هي العليا].
أي: مكر الله [بهم] ونصرة رسوله هي العليا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : دينهم الذي يدينون به، ومذهبهم الذي ينتحلونه.
﴿ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل ذلك السفلى بالحجج، وجعل دين محمد [هو] العليا بالحجج والبراهين على ذلك ما كان.
ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل أهل الكلمة الذين كفروا هم السفلى، وأهل دين الله هم الأعلون؛ كقوله: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: شباباً وشيوخاً.
وقيل: مرضى وأصحاء.
وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل.
وقيل: فقراء وأغنياء.
وقيل: نشاطاً وغير نشاط.
وأصله: انفروا مستخفين ومستثقلين، أي: انفروا، خف عليكم الخروج أو ثقل، وما ذكر أهل التأويل من الشيوخة والشغل والفقر والمرض؛ لأن ذلك بالذي يثقل الخروج والنفر.
وأصله ما ذكرنا أن انفروا، خف عليكم [ذلك] أو ثقل.
وقوله: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .
انفروا، خف على النفس أو ثقل، أو خف على العقل أو ثقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
في الدنيا والآخرة، أي: اعلموا أن ذلك خير لكم من المقام وترك النفر، ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ : أي: غنيمة قريبة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ : في غزاتك: ﴿ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ﴾ يعني: المسير.
وقيل: العرض: الدنيا، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ : ليس فيه مشقة.
وأصل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ أي: منافع حاضرة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ أي: منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: المنافقين؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ذكر: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ ﴾ فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون [فإنهم] يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا يفارقون رسول الله على كل حال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ .
أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان [لنا] زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم.
ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .
وقالت المعتزلة: دل قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أن الاستطاعة تتقدم الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح.
لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: استطاعة الأسباب، والأحوال.
واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .
ومن قولهم أيضاً: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتاً، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتاً؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون.
وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ كقوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 61].
ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بالتخلف.
﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، أي: يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.
إو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين].
وفي قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ﴾ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.
وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر.
فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ .
قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين [له] الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضاً، ليس على العتاب.
ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ الآية.
أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ بالقعود لغير عذر.
﴿ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .
أي: عن شكهم يترددون.
وعن الحسن قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .
نسختها الآية التي في سورة النور: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزل.
أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك.
ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله - - أنهم كذبة، وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم.
ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فساداً، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم [أن خروجهم وانبعاثهم لا يزيد] في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ .
قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فساداً، حبسهم.
ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل.
وفيه دلالة خلق الله فعل الشرّ، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرّاً لهم، فعلى ذلك خلق فعل المعصية من المعاصي، وهو شرّ له، ويكون ذلك خيراً لغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ ﴾ : لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذراً في ذلك.
وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد.
ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيباً منه إياهم بالقعود والتخلف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ .
قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم ﴾ ، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.
والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .
والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.
وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.
وقيل: الغي، وهو واحد.
وقوله: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، يحتمل زيادة الخبال وجوهاً: يحتمل: أن يكونوا عيوناً للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ قيل: هو من إيضاع الإبل ﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ يتخلل فيما بينكم.
وقيل: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ .
أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم [شيء] من البلاء والشدة.
وقال القتبي: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ : من الوضع، وهو سرعة السير.
وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل.
وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.
﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ : بينكم.
وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ .
قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.
ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين أيضاً: يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعاً لهم وخبراً وعيوناً، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ ﴾ : من المؤمنين.
﴿ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ : كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؟
إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا - أيضاً - ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...
﴾ الآية [إبراهيم: 42].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ ﴾ تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ .
أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ قيل: دين الله الإسلام.
ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ : ظهراً لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ويقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]، [وقوله]: ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ما ذكرنا من دين الله وحججه، ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ لذلك؛ كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فظهر دين الإسلام وهم كارهون [له].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي ﴾ .
فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا غير هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ .
قيل: لا تؤثمني.
وقيل: ولا تخرجني.
وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك إن أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصياً، تاركاً لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي.
والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11]، يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي.
ومنهم من قال: إن رجلاً منهم يقال له: الجدّ بن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن.
ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفاً.
وقوله : ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في [المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة.
وقوله: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في] الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل من تأول قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تؤثمني، ولا تخرجني.
وعلى تأويل من قال: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذاً ولا مخلصاً.
أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارجة منهم؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...
﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أنها تحيط بهم.
وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .
قيل: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: الغنيمة، والظفر، والنصر على الأعداء، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة النكبة والهزيمة فرحوا بها.
﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .
أي: أخذنا أمرنا بالوثيقة والاحتياط؛ حيث لم نخرج معهم حتى لم يصبنا ما أصابهم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: قد أظهرنا الموافقة للمؤمنين في الظاهر، وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم في الحقيقة، وهو ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...
﴾ الآية [النساء: 141].
﴿ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾ .
يحتمل: يتولوا أولئك الكفرة وهم فرحون.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ونبوته؛ لأنه معلوم أن ما يسوءهم كانوا يضمرونه ويسرونه عنهم، ثم أخبر عما أسروا وأضمروا؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: قضى الله لنا، أي: لن يصيبنا إلا ما قضى الله لنا.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: ما جاء به القرآن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ : من الكرامة، والمنزلة، والنعيم الدائم في الآخرة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك، وإن كنتم أنتم تفرحون بذلك، فذلك الذي كتب الله لنا.
﴿ هُوَ مَوْلاَنَا ﴾ .
أي: [هو] ربنا ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر؛ أي: ما أكرمنا الله لنا، أي: ما أحل لنا وأباح، وأما القضاء فإنه قل ما يقال فيما يكون لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم، وأما الكتاب لهم فهو فيما ...
ويحل لهم ويبيح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: على الإخبار، أي: على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكلون على غيره.
والثاني: يحتمل: أن يكون على الأمر، أي: على الله توكلوا أيها المؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ .
عن ابن عباس - -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ يعني: الشهادة، والحياة، والرزق الدائم، والكرامة؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...
﴾ الآية [آل عمران: 169].
ويحتمل: إلا إحدى الحسنيين في الدنيا: الغنيمة والظفر؛ يقول: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الحياة الدائمة في الآخرة، والرزق الحسن، والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا، هذا تتربصون بنا ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: العذاب في الآخرة إن قتلتم، أو بأيدينا، أي: القتل بأيدينا.
﴿ تَرَبَّصُونَ بِنَآ ﴾ الشر ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ﴾ العذاب بكم، هم كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ ﴾ هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى، ولكن ما ذكرنا من الدوائر، لكن ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة، فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: الآية في الجهاد، أن المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة على [ما] أمر أهل الإيمان بذلك، ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم من كان يجهز غيره ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارهاً، ونحوه، فنزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ، أي: خوفاً، ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .
ومنهم من قال: الآية في الزكاة؛ أن الله - عز وجل - فرض الزكاة في أموال المؤمنين، والمنافقون قد أظهروا الإيمان، وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، لكن منهم من كان يؤدي طوعاً، ومنهم من يؤدي كرهاً، فقال: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ؛ دل أنهم كانوا ينفقون جميعاً وهم كارهون لذلك في الباطن، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .
وقال: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ في الآية وجهان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله، .
وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة لموافقيهم، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين لذلك في السر؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله .
والثاني: ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القرب، لا أن أنفسها إيمان؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر؛ دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .
أي: إنكم كنتم فاسقين.
ويحتمل قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان ثم تركوه؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ أخبر أنهم آمنوا ثم كفروا؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ ﴾ وكسلى وكسالى فيه لغات ثلاث والمعنى واحد، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين؛ لأنهم كانوا لا يرونها قربة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا]، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا.
والتعذيب في الدنيا: هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم ويشتد، فذلك التعذيب لهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ...
﴾ الآية.
أو التعذيب في الدنيا هو القتل؛ يقتلون إن لم يخرجوا.
وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يعطي الله أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسول الله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ ﴾ ، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح، فكأنه قال: لا يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح، فذلك بعيد؛ فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين.
وكذلك في قوله: { ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...
﴾ \[المؤمنون: 55-56\] الآية، دلالة الرد على قولهم؛ لأنه قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 56\] أنه يمدهم به لا للخيرات؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين.
وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ دلالة الرد عليهم أيضاً؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجاناً فيما لا فعل لهم في ذلك؛ دل أن لهم صنعاً في ذلك، وأنه إنما يعذبهم بفعل اكتسبوه.
وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما علم منهم، فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم، أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به، فإنما أعطي كلاًّ ما علم أنه يكون منهم؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .
قيل: تخرج أنفسهم وتهلك خوفاً.
قال أبو عوسجة: يقال: خرج نفسه من فمه.
وقيل: تذهب أنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب.
وكذلك قال أبو عبيد: تزهق، أي: تذهب.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله ؛ لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق وهم كافرون، فكان ما ذكر؛ دل أنه علم ذلك بالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ .
في الباطن في الدين؛ لأنهم كانوا معهم في الظاهر.
وقال: ﴿ وَمَا هُم مِّنكُمْ ﴾ : في الباطن في الدين.
﴿ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ، أي: يخافون القتل، فيظهرون الموافقة لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ .
قيل: لو وجدوا حرزاً ﴿ أَوْ مَغَارَاتٍ ﴾ يعني: الغيران في الجبال، ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ أي: سرباً في الأرض في الجبال - ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: رجعوا إليه ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ ، أي: يسعون.
وعن بن عباس: قال: الملجأ: الحرز في الجبال، والمغارات: الغيران، والمدخل: السرب.
قال أبو عوسجة: المغارات مثل الملجأ، وهو شيء يتحصنون فيه، ﴿ مُدَّخَلاً ﴾ : هو موضع يدخلونه أيضاً: ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي: يسرعون، يقال: جمحت الدابة، تجمح جماحاً، فهو جامح، وهو من الإسراع، وكذلك قال القتبي.
وقال أبو معاذ: الجموح: الراكب رأسه وهواه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ لو يجدون ناساً يدخلون بينهم، ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ : دونكم.
وأصله: أنهم لو وجدوا مأمناً يأمنون ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: لصاروا إليه مسرعين، ولا يظهرون لكم الإيمان، ولكن ليس لهم ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين ﴿ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ يزورك لمكان الصدقات؛ طمعاً فيها؛ لتعطيهم الصدقات، و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ ، أي: يزورك؛ ليسألك من الصدقات، أي: إنما يزورونك لمكان الصدقات لتعطيهم، لا يزورونك ولا يأتونك لمكان الرسالة، أو رغبة في الدين، ولكن لمكان الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا عنك ويعظمونك، وإن لم تعطهم إذا هم يسخطون؛ لأن إتيانهم رسول الله وزيارتهم إياه لمكان الصدقة، فإذا لم يعطوا منها شيئاً سخطوا.
ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، أي: يطعن عليك في الصدقات، أو في قسمة الصدقات.
روي عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا رسول الله يقسم قسماً له، فجاءه رجل يقال له: ابن ذي الخويصرة التميمي، قال: اعدل يا رسول الله، فقال له النبي : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل أنا؟!، فقال عمر - -: ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال له النبي : دعه؛ فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم؛ لحسن صلاتهم وصيامهم، فيحقر صلاته عند صلاة أولئك، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ذكر حديثاً طويلاً، وهو كأنه كان من الخوارج، وهو الذي قتله علي ابن أبي طالب، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .
ما آتاهم الله من الرزق، ورسوله من الصدقات.
﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
أي: من دينه ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، كان خيراً لهم مما طمعوا في هذه الصدقات، وطعنوا رسول الله في ذلك.
وقال بعضهم: [لو] رضوا ما آتاهم الله ورسوله من فضله مما رزق لهم، لكان خيراً لهم مما فعلوا.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ ﴾ من فضله، أي: من الصدقات التي كان أعطاهم رسول الله منها وإلى الله رغبوا، لكان خيراً مما طمعوا في تلك الصدقات، وطعنوا رسول الله، وسخطوا عليه.
ويقرأ و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ : برفع الميم.
قال أبو عوسجة: اللمز: العيب؛ يقال له: لماز ولامز، وهماز وهامز.
وقال القتبي: ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ ، أي: يعيبك ويطعن عليك؛ يقال: همزت فلاناً ولمزته: إذا اغتبته وعبته، وكذلك قول الله: ﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .
يشبه أن تكون الآية في بيان موضع الصدقة؛ على ما تقدم من الذكر بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ...
﴾ الآية، ما ذكر أن المنافقين كانوا يأتون رسول الله، يسألونه من الصدقات، فإن أعطاهم رضوا عنه، وإن لم يعطهم طعنوا فيه، وعابوا عليه، فبين أن الصدقات ليست لهؤلاء، ولكن للفقراء من المسلمين، والمساكين من المسلمين، وكذلك ما ذكر من الأصناف: المكاتبين والغارمين ...
أنها لهؤلاء من المسلمين، لا لهم.
ويدل على ذلك ما جاء من الأخبار: وروي عن رسول الله أنه وضع صدقات بأعيانها حملت إليه في صنف واحد [مثل]: ما روي أنه أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلاناً كذا.
وروي عن الصحابة أنهم وضعوا الصدقة في صنف واحد.
وروي عن حذيفة أنه قال: هؤلاء أهلها، ففي أي صنف وضعتها أجزأك.
وعن ابن عباس أنه قال كذلك.
وعن عمر: أنه كان إذا جمع صدقات [الناس] المواشي والبقر والغنم، نظر ما كان منتجة للبن، فيعطي لأهل البيت على قدر ما يكفيهم، فكان يعطي العشرة شاة للبيت الواحد، ثم يقول: عطية تكفي خير من عطية لا تكفي، أو كلام نحو هذا.
وقد روي عنه أنه سئل عن ذلك، فقال: والله، لأردن عليهم الصدقة حتى يروح على أحدهم مائة ناقة، أو مائة بعير.
وعن علي بن أبي طالب - - أنه أتي بصدقة، فبعثها إلى أهل بيت واحد.
هؤلاء نجباء الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد، ولو كان حق كل صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم، لكان قال الله - عز وجل -: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف؛ كما يقال: الميراث لقرابة فلان، أي: ليس للأجنبيين في ذلك حق، ولا يقال: الميراث بين قرابة فلان؛ لأن لكل في ذلك حقّاً؛ لأن حرف "بين" يقتضي التسوية بجميعهم، وقوله: "لهم" يقتضي أنه لا حق فيه لغيرهم.
ألا ترى أنه يقال: الخلافة لولد العباس، يراد أنه لا حظ فيها لغيرهم، والسقاية لبني هاشم، ونحوه، ليس يراد ذلك بينهم بالتسوية، وإنما يراد ذلك أن لا حق لغيرهم فيها؟!
وبعد، فإنه لو كان في الآية: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من ذكر معهم، لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية؛ لأنه ليس للصدقات انقطاع، بل لها مداد إذا دفع صدقة واحدة إلى صنف واحد، فإذا أتي بصدقة أخرى دفع إلى صنف آخر، هكذا يعمل في الأصناف كلها.
وبعد، فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أن تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها بينهم، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنهم دفعوا صدقة واحدة بين هؤلاء الذين ذكر؛ فدل أنه خرج على ما ذكرنا؛ لأنه لو كان على تسوية كل صدقة بينهم، لم يجز ألا يقسموها كذلك ويضيعون حق البعض من هؤلاء.
وبعد، فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك، دل أنه لم يخرج الخطاب على توهم خصومنا.
ولأن الحق لو كان التسوية بينهم في كل صدقة، لكان إذا لم يجد في بلدة مكاتبين أو واحدا من هؤلاء الأصناف، فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد عن أربابها، فذلك بعيد؛ فقد جاء في الخبر أنه بعث معاذاً إلى اليمن، فقال له: "خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم" ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى غيره من البلدان.
ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من الفيء وغيره، فبين أن هؤلاء موضع لذلك كله، من نحو قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ وقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .
ويحتمل زكاة الأموال المفروضة، والوجه فيه ما ذكرنا.
فإن قيل: إن الرجل إذا أوصى فقال: "ثلث مالي لفلان وفلان [وفلان]، أليس هو مقسوماً بينهما بالسويّة؟
ما منع أن الأوّل بمثله؟
قيل: لا تشبه الصدقات الوصايا؛ وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم، لا يزيد فيه بعد موت الميت شيئاً، ولا يتوهم له مدد، والصدقات يزيد بعضها بعضاً، وإذا فني مال جاء مال آخر، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد، فإذا دفع الإمام صدقة جميع ما عنده إلى الفقراء ثم حضره غارمون فتحمل إليه صدقة أخرى يجعلها فيهم، فيصلح بذلك أحوال الجميع؛ لما لا انقطاع للأموال إلى يوم القيامة.
وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم؟
ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم زاد ذلك على الثمن أو نقص منه، فإذا زالت القسمة في أحد الأصناف زالت في الجميع، فأعطي كل صنف منهم بقدر حاجته كما أعطي العاملون، وكيف يصنع بسهم المؤلفة قلوبهم وقد ارتفع ذلك ونسخ؟
وعلى ذلك جاء عن بعض الصحابة، من نحو أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم شيئاً، أليس يرد ذلك على سائر السهام؟!
فإذا جاز أن يزاد على الثمن في وقت، جاز أن ينقص منه في وقت.
وفي قوله: ﴿ وَٱلْعَامِلِينَ ﴾ دلالة أن لا بأس للأئمة والقضاة أخذ الكفاية من بيت المال، ولكل عامل للمسلمين أخذ كفايته ورزقه من ذلك إذا فرغ نفسه لذلك، وكفها عن غيره من المنافع والأعمال.
ثم اختلف في الفقراء والمساكين؛ قال بعضهم: الفقراء: هم من المهاجرين؛ كقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ والمساكين: من الذين لم يهاجروا.
وقال بعضهم: الفقير: الذي به زمانة، والمسكين: الذي ليست به زمانة، وهو محتاج.
وقال بعضهم: الفقراء: هم المتعففون الذين لا يخرجون ولا يسألون الناس؛ كقوله - -: ﴿ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ ﴾ ، والمساكين: هم الذين يسألون، وكذلك قال الحسن.
وعن عمر قال: ليس المسكين الذي لا مال له، ولكن المسكين الذي لا يصيب المكسب.
وعن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين: الطوافون.
وهو قريب مما قاله الحسن.
وعن الأصم قال: الفقير: الذي لا يسأل، وهو ما ذكرنا بدءاً، والمسكين: الذي يسأل إذا احتاج، ويمسك إذا استغنى.
وروي عن رسول الله برواية أبي هريرة - - قال: "ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قيل: فما المسكين يا رسول الله؟
قال: الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" فهذا لو حمل على ظاهره لدفع قول من قال: إن المسكين هو الذي يسأل الناس، ولكن يجوز أن يكون معناه - والله أعلم - أن الذي يسأل وإن كان عندكم مسكيناً، فإن الذي لا يسأل أشد مسكنة منه، ولا يحمل على غير ذلك؛ لأن الله قد سمى الذين لا يسألون الناس فقراء، ولا يجوز أن يجعل الحديث مخالفاً للآية ما أمكن أن يكون موافقاً لها؛ قال الله - -: { ﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ .
فقوله ﴿ ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ قيل: هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره؛ فدل بذلك - والله أعلم - على أن المسكين هو الشديد الفقر، والفقير هو الذي لا يملك شيئاً، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين، ويدل لذلك قول عمر: ليس المسكين من لا مال له، ولكن المسكين من لا مكسب له؛ كأنه يقول: إن الذي لا مال له وله مكسب هو فقير، والمسكين أشد حالاً من الفقير، وليس له مال ولا مكسب.
وإن حمل قول النبي - -: "ليس المسكين الذي يسأل، ولكن المسكين الذي لا يفطن له ولا يسأل" على أن ذلك الذي لا يفطن به هو أشد مسكنة من الآخر، وإن كان الآخر مسكيناً - أيضاً - كان موافقاً للمعنى الذي ذكرنا؛ لأنا قلنا: إن المسكين هو الشديد الفقر، وقد يكون فقيراً وإن لم يبلغ به الضر مبلغ الضر الأول.
وقد يخرج قول من قال: إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج؛ لأن من شأن المسلم الفقير أنه يحتمل ما كانت له حيلة، ويتعفف، ولا يخرج فيسأل وله حيلة فخروجه يدل على شدة ضيقه، وعلى الزيادة في سوء حاله، فكان القولان جميعاً يرجعان إلى معنى واحد.
وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا، فقد يجوز أن تدفع الصدقة إلى من له مال قليل؛ لأنه فقير، وإن لم يكن حاله في فقره حال المسكين الذي لا يملك شيئاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ ؟
اختلف فيه: قال بعضهم: يعطى لهم الثمن.
وقال بعضهم: يعطى لهم قدر عمالتهم.
وقال بعضهم: يعطى لهم قدر كفايتهم وعيالهم.
أما قول من قال: يعطى لهم الثمن: فلا معنى له؛ لما يجوز ألا يبلغ الثمن الوفاء أو عمالته لا تبلغ عشر عشر ذلك.
ومن قال: يعطى لهم قدر كفايتهم وكفاية عيالهم، فهو - والله أعلم - إذا [كان] هو يسلم نفسه لذلك واستعمله الإمام في جميع أمور المسلمين، فإذا كان كذلك يعطى له عند ذلك الكفاية له ولعياله، وأما إذا تولى شيئاً من تلك العمالة في وقت، فيعطي له الكفاية فلا.
والأشبه عندنا: أن يعطى لهم قدر عمالتهم، وهكذا الإمام إذا استعمل أحداً في عمل من أعمال اليتيم فإنه يعطى له قدر أجر عمله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أنه - - كان يعطي الرؤساء من المنافقين من الصدقات، يتألف به قلوبهم ليسلموا؛ على ما روي أنه كان يعطي فلاناً مائة من الإبل، وفلاناً كذا.
روي أنه قسم ذهبة أو أديماً مقروطاً، بعثها علي - - من اليمن، بين الأقرع بن حابس وبين فلان وفلان.
والحديث في هذا كثير أن النبي كان يخص به الرؤساء منهم بالصدقة يتألفهم، والإسلام في ضعف وأهله في قلة، وأولئك كثير ذوو قوة وعدة، فأما اليوم فقد كثر أهل الإسلام، وعز الدين، وصار أولئك إذ لا يحمد الله، فقد أرتفع ذلك وذهب؛ إذ قوي المسلمون وكثروا، فيقاتلون حتى يسلموا، وعلى ذلك جاء الخبر عن أبي بكر وعمر - ما - فدل على ما ذكرنا.
روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا إلى أبي بكر - - فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضاً سبخة، ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت [أن] تقطعناها، فأقطعنا إياها، وكتب لهما عليها كتاباً، وأشهد عمر - - وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه، فلما سمع عمر ما في الكتاب، فتناوله من أيديهما، ثم نظر فيه، فمحاه، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله - - قد أعز الإسلام؛ اذهبا فاجهدا جهدكما، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما.
ونحن نذهب إلى هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم ينكر على عمر قوله وفعله، فصار ذلك وفاقاً منه له، فكفى بقولهما حجة لنا.
ولنا في ذلك وجهان من الحجج: أحدهما: أن النبي - - كان يعاهد قوماً وهو إلى مداراتهم ومعاهدتهم محتاج؛ لما ذكرنا من قلة أهل الإسلام وضعفهم، فلما أعز الله الإسلام وأكثر أهله ردّ إلى أهل العهود عهودهم، ثم أمر بمحاربتهم جميعاً.
والثاني: ما قال الله - -: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فكانت الحال الثانية التي عز فيها الإسلام وقوي أهله وعزوا مخالفة للحال الأولى في هذه الأشياء، فكذلك أمر المنافقين جائز الرضا في الحال الأول محظور في الحال الثانية، والله أعلم.
وفي الآية دلالة جواز النسخ بالاجتهاد؛ لارتفاع المعنى الذي [به] كان؛ ليعلم أن النسخ قد يكون بوجوه.
وفي خبر أبي بكر، وعمر - ما - دلالة أن إذن الإمام شرط في إحياء الأرض الموات التي لا تملك إلا بالإذن؛ لأن ذَيْنَك الرجلين [اللذين] أتيا أبا بكر، والأرض لا كلأ فيها، وذلك صورة أرض الموات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: معناه: العتق، ويجوز أن يعتق عن الزكاة.
وقال بعضهم: هم المكاتبون، يستأدونهم في كتابتهم، وقالوا: لا يشبه الإعتاق ما يدفع إلى المكاتب فيؤدي فيعتق؛ لأن العتق ليس بتمليك، وإنما هو إبطال ملك، وما يدفع إلى المكاتب فهو تمليك، فذلك مختلف، وإنما تكون الزكاة زكاة إذا زالت من مالك إلى مالك.
والثاني: أن العتق يوجب الولاء للمعتق، فحقه فيه باق، والذي يدفع الزكاة إلى مكاتب لغيره لا يرجع إليه بذلك حق، ولا يجب فيه ولاء، فهما مختلفان.
والثالث: وهو أن الله - - [قال]: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ ، ولو أن رجلا قضى من غارم دينه بغير أمره، لم يجز من زكاة ماله، وإنما يكون زكاة إذا دفعها إلى الغارم، فعتق المزكي العبد بمنزلة قضاء دين الغارم؛ لأنه لا يحتاج في واحد منهما إلى قبول من الغارم والعبد، وإعطاؤه المكاتب في الزكاة كدفعه إياها إلى الغارم؛ لأنه قد دفعها في كلا الحالين إلى من قبلها منه من زكاة وقبضها، وفي ذلك وجه آخر: وذلك أن أشترى عبداً من رجل لأعتقه، فقد صار ثمنه ديناً في ذمتي قبل أن أنقد المال، فإذا أقبضته فإنما قضيته عن ذمتي ديناً قد لزمني، ولا يجوز أن أقضي ديني.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: هم الغزاة.
ويحتمل: ﴿ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: في طاعة الله أن كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات، فإنه داخل في ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
قيل: الضيف ينزل به.
وقيل: هو المار عليك وإن كان غنيّاً، والمنقطع عن ماله .
وقوله: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل: بياناً من الله وإعلاماً أهل الصدقات منهم من غيرهم.
ويحتمل قوله: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: واجباً من الله وفرضاً ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
أخبر أنهم يؤذون النبي، ولم يبين بما كانوا يؤذونه، فيحتمل: يؤذون النبي بتكذيبهم إياه، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه.
ويحتمل: يؤذونه بكلمات يسمعونه، وطعن يطعنونه، ويعيبون عليه ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ .
قيل: الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع [من كل أحد يعتذر إليه ويقبل، وكذلك كان يقبل العذر ممن اعتذر إليه ويسمع] منه سواء كان له عذر أو لا عذر له؛ لكرمه وشرفه، وحسن خلقه، فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه، وصغر همته، وقصور يده، وهم كانوا أهل كبر وأنفة، قالوا: هو أذن، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا، ويقبل عذرنا؛ قال الله - -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي: الذي يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنون [عليه]، وتعيبونه، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به؟
يخبر عن سفههم.
قال أبو عوسجة: الأذن: الذي من قال له شيئاً، أو حدثه حديثاً، صدقه واستمع منه، وكذلك كان رسول الله يصدق كل من قال له شيئاً أو حدثه حديثاً، واستمع منه؛ لكرمه، وشرفه، ومجده، وحسن خلقه، لا لما ظن أولئك.
وقيل: يقولون: هو أذن، أي: يسر في نفسه ويكتم، ولا يكافيء من آذاه، ولا يجازيه؛ قال الله: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته.
﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم، وأيمانهم على حقوقهم، وفروجهم، وأموالهم.
ويحتمل قوله: يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سرّ المنافقين، وما استكتموه منه من الكيد له، والمكر به، ويؤمن للمؤمنين بما يخبرونه من قبل أولئك المنافقين من الطعن فيه، والعيب عليه، والإيمان بآخر هو التصديق بجميع ما فيه، والإيمان له من خبره وحديثه.
وقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يؤمن بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ﴾ .
كان رحمة للمؤمنين؛ لما استنقذهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الهلاك إلى النجاة، يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا.
﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
في الآخرة، بقية من الآية الأولى.
وقوله: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ .
جعل الله الغارم موضعاً للصدقة، وهو الذي عليه الدين والغرم من أي وجه لحقه؛ [و]على ذلك روي في الخبر عن نبي الله قال: "إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو لذي دم موجع" وفي بعض الأخبار: "إن الصدقة لا تحل إلا لخمس: للعاملين عليها، أو رجل اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، [أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني]" وروي عن الحسن، والحسين وابن عمر، وابن جعفر أن رجلاً سألهم شيئاً فقالوا: إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك: في فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع.
هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة، قل دينه أو كثر.
فإن قيل: في الخبر: "أو غرم مفظع"، قيل: لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة، لا على التحريم، وهكذا نقول: إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له.
مسألة: قوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه المنقطع من ماله، جعله الله موضعاً للصدقة، وإن كان غنيّاً في مقامه للحاجة التي بدت له؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له" وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمس، وفيه: أو [فقير] تصدق عليه فأهداها لغني" وقد يكون الرجل غنيّاً بأن يكون له دار يسكنها، ومتاع يتهيأه، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره، وسلاح يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجاً إليه في حال إقامته، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره، فهو في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره غير غني، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله" على من كان غنيّاً في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره؛ لما أحدث له السفر من الحاجة.
ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه، والدابة لا يركبها، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة ليركبها، أنه يخرج من الغناء بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغنى عما يملكه.
فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملك، وصار ممن يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيّاً قبل ذلك لم ينقص، فهذا - والله أعلم - يحتمل.
وابن السبيل - أيضاً - ما ذكرنا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن السبيل ومن ذكر معه، وعلى ذلك اتفاق الأمة، وهو ما قيل: المجتاز من أرض إلى أرض.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ : هو المسافر.
وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيّاً في مقامه، والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة.
روي عن الحسن بن علي - ما - قال: قال رسول الله : "للسائل حق وإن جاء على فرس" وعن أبي هريرة عن النبي : "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" وجاء في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "لا يسأل عبدٌ - أو قال: أحد - مسألة ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشاً وكدوحاً في وجهه قيل: يا رسول الله، وماذا يغنيه؟
أو ما أغناه؟
قال: خمسون درهماً أو حسابها من الذهب" وفي بعض الأخبار يقول: "من سأل وله أربعون درهماً فقد ألحف" وعن علي وعبد الله قالا: لا تحلّ الصدقة لمن له خمسون درهماً، أو عوضها من الذهب.
وعن عمر كذلك.
وعن ابن عباس قال: "[سأل] رجل رسول الله : إن لي أربعين درهماً، أمستكثر أنا؟
قال: نعم" وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" وفي بعض الأخبار: [ولا] "لقوي مكتسب".
وإنما يحمل قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" على الزجر عن العرض على الصدقة والمسألة عليها.
ألا ترى أن النبي قال: "إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث" ، فذكر إحداها: "أو فقر مدقع"، فذلك يبيح لذي المرة السوى أن يقبل.
ألا ترى أن الرجلين اللذان سألا رسول الله قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما" ، فلو كان حراماً عليهما ما أعطاهما الحرام، ولكن ذلك على الزجر عن المسألة.
وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل [هو]، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمني، فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها [إلا] في حال الضرورة، لا على التحريم لها وأن من أخذها وله أقل من مائتي درهم أو قيمتها، فله فيها ملك سداد من عيش، فذلك مكروه.
ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله يأخذون الصدقة ولأحدهم من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم.
فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن؛ لقول رسول الله : "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" وقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئاً أعطوه أو منعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ .
بما حلفوا عليه.
ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم - يعني: إلى المنافقين - فقالوا: قد عيرنا بما نزل فيكم فحتى متى؟!
فكانوا يحلفون للأنصار: والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ ﴾ : ما كان الذي بلغكم، ﴿ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ : بما حلفوا، ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ ﴾ : منكم يا معشر الأنصار، ﴿ أَن يُرْضُوهُ ﴾ : حيث اطلع [على ما] حلفوا وهم كذبة، ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يقول: ولكن ليسوا بمصدقين.
والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كان منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم وحلفوا على ذلك ليرضوهم، فقال [الله]: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ حقيقة [ولكن] ليسوا بمؤمنين.
وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلاً من المنافقين قال: والله، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول الله، فدعاه، فقال: "ما حملك على الذي قلت" فحلف والتعن ما قاله، فنزل قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ ، هذا لو كان ما ذكر، لكانوا يحلفون لرسول الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر.
ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبداً وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل أن الأشبه ما ذكرنا، [و] فيه وجوه: أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع على ما أسرّوا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه.
والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون.
والثالث: تنبيهاً للمؤمنين وتعليماً لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف طلباً لإرضاء بعضهم بعضاً، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون منه مرضاته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ .
ذكره نفسه ورسوله ثم أضاف الرضاء إلى رسوله بقوله: ﴿ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ، ولم يقل: [أحق] أن يرضوهما؛ فهو - والله أعلم - لأنهم إذا أرضوا رسوله م، وكان في إرضائهم رسوله إرضاء له، فهو ما ذكر أنهم ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ ثم أضاف الحكم إلى رسوله؛ لأنهم إنما دعوا إلى أن يحكم الرسول بينهم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ؛ لأن الخلاف والخيانة كان في حق الله، وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين؛ لذلك قال: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ من المؤمنين.
ثم ذكر محادة الله ورسوله، ثم اقتصر على رضاء رسوله؛ لأنهم لم يقصدوا قصد مخالفة [الله، وإنما قصدوا قصد مخالفة] رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما؛ لأن في إرضاء رسوله رضاء الرب؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
[و]في الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون في صنيعهم، وعلموا أن من عاند وكابر بغير حق فإن له نار جهنم.
وقوله: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ .
يحتمل: يعاند الله.
وقيل: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ : يشاقق الله ويخالفه؛ وهو واحد.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر، لكنهم عاندوا [وقصدوا] الخلاف والمحادة له مع علمهم.
والثاني: أي: علموا أنه من يحادد الله ورسوله، فإن له ما ذكر؛ على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
يحتمل وجهين: الأول: يحتمل الخزي، أي: الفضيحة العظيمة في الدنيا.
والثاني: يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة، أي: نار جهنم خزي عظيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، أي: الحق عليهم أن يحذروا؛ لما أطلع الله ورسوله مراراً على ما أسروا وكتموا.
ويحتمل على الخبر: أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في قلوبهم؛ لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ .
فهو - والله أعلم - ليس على الأمر؛ ولكن على الوعيد، يقول: استهزئوا؛ فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .
ذكر السؤال، ولم يبين عمّ يسألهم، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ : ذكر أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق، ليمر رسول الله، ويرجع من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لماذا؟
فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .
وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لمّا رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزئون، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون بالله وكتابه ورسوله؛ فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .
وقيل بغير ذلك.
وقيل: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ﴾ ، أي: لو سألتهم: ما تقولون؟
فيقولون لك: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا.
وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيهاً للمؤمنين وتحذيراً لهم؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون.
وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ أَبِٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس المؤمنين؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله، ولكنهم كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين؛ فأضاف إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين، فأضاف إلى نفسه؛ تعظيماً لهم وإكراماً.
وقوله: ﴿ وَآيَاتِهِ ﴾ يحتمل أنهم كانوا يستهزئون بالأحكام التي لها آيات، فاستهزءوابتلك الأحكام؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ ﴾ الآية.
{ ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً ﴾ ، [هم] لم يتخذوا آيات الله هزوا؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .
أي: لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم.
وقوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .
يحتمل: كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان.
ويحتمل: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ ﴾ ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا.
وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ : أخبر أنه إن شاء تاب عليهم؛ فقوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ الطائفة التي يتوب [الله] عليهم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون بالله ورسوله ذلك.
وقيل: على الوعيد والتوبيخ؛ أبالله يفعلون هذا؟!
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ .
ذكر [في] أهل الإيمان [أن] بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وذكر في الكافرين الولاية لبعضهم ببعض بقوله: ﴿ وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وقال في المنافقين: ﴿ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن لأهل الإيمان ديناً يدينون به ويتناصرون، ويدعون الناس إليه، وأهل الكفر يدينون - أيضاً - بدين ويتناصرون به، ويعاون بعضهم بعضاً؛ فصار لكل واحد من الفريقين موالاة فيما بينهم: موالاة الدين.
وأما المنافقون: فإنه لا دين لهم يدينون به، ولا مذهب ينتحلونه، ولا يناصر بعضهم بعضاً، ولا يعاون بعضهم بعضاً، ولا يجري بينهم التناصر والتعاون، فإنما هم عباد النعمة والسعة، مالوا حيثما مالت النعمة والسعة فلا موالاة بينهم لما ذكرنا.
وفي قوله: ﴿ وَٱلْمُنَافِقَاتُ ﴾ دلالة أن من نافق بالتقليد لآخر [أو كفر بالتقليد لآخر] أو نافق لا بتقليد - سواءٌ في استيجاب الإثم والتعذيب في ذلك والوعيد؛ لأن النساء هن أتباع وأهل تقليد للرجال، ثم سوى بينهم وبين النساء في الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ ﴾ ، أي: ما تنكره العقول، وهو الشرك بالله والخلاف له.
﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي: ينهون عما تعرفه العقول وتستحسنه، وهو التوحيد لله والإيمان به، ويدخل في ذلك كل خير وحسن، وفي المنكر يدخل فيه الشرك وكل معصية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ .
من الإنفاق في سبيل الخير، لكن يحتمل أن يكون على التمثيل لا على تحقيق قبض اليد، ولكن على كف النفس ومنعها من الاشتغال بالخيرات وخوضها فيها وفي جميع الطاعات، لكنه ذكر اليد؛ لما بالأيدي يعمل بها ويكتسب الخيرات والسيئات؛ كقوله: ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، وذلك مما لم تقدمه الأيدي ولا كسبت؛ إنما ذلك كسب القلب، لكنه ذكر اليد؛ لما ذكرنا أنه باليد ما يقدم وبها يقبض في الشاهد، وجائز أن يكون ما ذكر من قبض اليد كناية عن بخلهم وقلة إنفاقهم في الجهاد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ .
قيل: جعلوا الله - عز وجل - كالشيء المنسي لا يذكرونه أبداً؛ فنسيهم، أي: جعلهم كالمنسيين في الآخرة من رحمته لا ينالونها ويحتمل ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: نسوا نعم الله التي أنعمها عليهم فلم يشكروها؛ فنسيهم على المجازاة لذلك، وإن لم يكن نسيانا؛ كما سمي جزاء السيئة سيئة، وإن لم يكن الثاني سيئة؛ فعلى ذلك ذكر النسيان على مجازاة النسيان، وإن لم يحتمل النسيان.
والثالث: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي بسؤال المعونة والنصرة وسؤال التوفيق؛ فنسيهم الله، أي: لم ينصرهم ولم يوفقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .
فإن قيل: اسم النفاق أشر وأقبح من اسم الفسق؛ فما معنى ذكر الفسق لهم؟!
فهو - والله أعلم - لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين باللسان؛ فأخبر أنهم ليسوا على ما أظهروا، والله أعلم.
أو أن يكون اسم النفاق أشر وأقبح عند الناس من اسم الفسق؛ فيحتمل عندهم أن يكون اسم الفسق أكبر في القبح.
أو سماهم فاسقين؛ لما أن كل أهل الأديان يأنفون عن [النسبة إلى] الفسق والتسمية به.
أو أن يكونوا يعلمون في أنفسهم أنهم أهل نفاق، ولا يعرفون أنهم فسقة.
وأصل الفسق: هو الخروج عن أمر الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ .
كأن جهنم هي المكان الذي يعذبون فيه والنار فيه بها يعذبون.
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ .
أي: حسبهم جزاء لصنيعهم، يقول الرجل لآخر: حسبك كذا، أي: كفاك ذلك جزاء ذلك.
وقوله: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .
قيل: اللعن: هو الطرد في اللغة، أي: طردهم عن رحمته.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ .
لا يفارقهم ألبتة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ﴾ .
أي: هؤلاء المنافقون والكفرة كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وبطشاً.
﴿ وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ .
في الشاهد: إنما يدفع العذاب أو العقوبة لهذا، وبه يتناصرون بعضهم من بعض، ثم لم يقدروا على دفع ذلك عن أنفسهم، فأنتم دونهم في القوة وما ذكر؛ كيف تقدرون على دفع ذلك، هذا قد قيل.
وقيل: ﴿ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ : أي: صرتم بما اخترتم من الأعمال كما صار أولئك بما اختاروا من الأعمال، وكل أنواع الخلاف لله، وتكذيب الرسل، وتعاطي ما لا يحل، فصرتم أنتم كما صاروا هم.
﴿ فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ﴾ .
قيل: انتفعوا بخلاقهم، أي: أكلتم أنتم الدنيا بدينكم كما أكل أولئك الدنيا بدينهم.
وقيل: ﴿ فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ ﴾ أي بنصيبهم من الدنيا ولم يقدموا شيئاً للآخرة.
والخلاق: النصيب؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: لا نصيب لهم.
وقال أبو هريرة: الخلاق: الدين، وكذلك قال الحسن في قوله: ﴿ بِخَلاقِهِمْ ﴾ ، أي: بدينهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ ﴾ .
أي: خضتم في الباطل والتكذيب كالذي خاض أولئك من الأمم الخالية.
قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾ ، أي: لعبتم ﴿ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ ﴾ ، أي: لعبوا بالتكذيب.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
فلا ثواب لها في الدنيا والآخرة؛ لأنها كانت في غير إيمان، فثواب الأعمال إنما يكون في الآخرة بالإيمان.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
خسراناً مبيناً، وبطلان أعمالهم في الدنيا لما يقبل واحد من الفريقين من المؤمنين والكفار صنيعهم؛ لأنهم يرون من أنفسهم الموافقة لكل واحد منهما، وما كانوا مع واحد من الفريقين؛ كقوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...
﴾ إلى أخره.
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ ، أي: قد أتاهم خبر الذين من قبلهم وما حلّ بهم وما انتقم الله منهم؛ بتكذيبهم الرسل وسعيهم في قتلهم وهلاكهم، وهم من جنس أنفسكم، وأشد قوة وبطشاً منكم، وأنتم تقلدونهم في ذلك، ثم حل بهم ما حل بتكذيبهم [الرسل] والخلاف لهم، فأنتم دونهم في كل شيء، وأقل منهم في القوة والبطش - أولى بذلك أن يصيبكم.
و[الثاني]: يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: يأتيهم نبأ الذين من قبلهم وما حل بهم؛ كقوله: ألم تر كذا، أي: سترى؛ فعلى ذلك هذا يحتمل، وهو حرف وعيد، يحذرهم ما حل بأولئك؛ ليمتنعوا عن مثل صنيعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ﴾ .
قال أهل التاويل: [هي] قربات لوط ..
مؤتفكات: أي منقلبات.
قال القتبي: ائتفكت، أي انقلبت.
وقال أبو عوسجة: المؤتفكات: هي من الإفك؛ وهو الصرف ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: يصرفون.
وقال بعضهم: المؤتفكات: المكذبات؛ ﴿ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ فكذبوهم فأهلكوا.
وهو من الانقلاب؛ كأنه أشبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ .
بتعذيبه إياهم، ولا يعذبهم وهم غير مستوجبين لذلك العذاب، ولكن هم ظلموا أنفسهم؛ حيث كذبوا رسله وردوا ما جاءوا به من البينات والبراهين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ على الإيجاب والإخبار أن الدين الذي اعتقدوا أو تمسكوا به يوجب لهم الولاية، ويصير بعضهم أولياء بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ...
﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ونحوه، فهي أخوة الدين وولايته.
ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ : على الأمر، أي: اتخذوا بعضكم أولياء بعض، ولا تتخذوا غيركم أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ نهى المؤمنين أن يتخذوا أولياء من غيرهم، فكأنه أمر أن يتخذ المؤمنون بعضهم بعضاً أولياء، لا يتخذوا من غيرهم.
ثم يحتمل الولاية وجهين: الأولى: ولاية روحانية؛ وهي ولاية في الدين توجب مراعاة حقوق تحدث بالدين الذي جمعهم وحفظها.
والثانية: ولاية نفسانية؛ وهي الولاية التي تكون في الأنفس والأموال؛ من نحو ولاية النكاح والميراث وغيره، فهذه الولاية هي الولاية النفسانية التي كانت بالرحم والنسب، فإذا اجتمعوا في دين واحد وجبت تلك الولاية لهم؛ وهي الولاية نفسها.
والولاية الروحانية هي [المودة والمحبة]، فيجب مراعاتها بالدين وتعاهدها، وهذا كما تقول: حياة روحانية وحياة جسدانية، والحياة الروحانية: هي العلم والآداب، يرى أشياء ويعرفها من بعد الحياة الجسدانية: وهي الروح الذي به يحيا الجسد، وبذهابه يموت الجسد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
يحتمل المعروف: الذي توجبه العقول، وهو التوحيد لله والإيمان به.
﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
أي: ينهون عما ينكر بالعقول؛ وهو الشرك بالله والتكذيب له.
وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [هو] فيما بين الكفرة، يأمرهم المؤمنون بذلك، ويدعونهم إلى ذلك، وينهونهم عن ضدّ ذلك.
وإن كان فيما بين المؤمنين فهو أمر شرع [ونهي شرع] يأمر بعضهم بعضاً بما جاء به الشرع، وينهاه عما لم يجيء به الشرع.
أو يأمر بعضهم بعضاً بكل خير وبرّ، وينهى عن كل شرّ ومعصية.
﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في كل أمره ونهيه.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ وعد أنه يرحمهم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ترى آثار عزه في كل شيء، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : ترى آثار حكمته وتدبيره في كل شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
أي: رضاء الله عنهم أكبر من كل ما أعطاهم؛ لأن فيه حياة الروح ولذته، وما أعطاهم من الجنة والمساكن الطيبة فيه حياة الجسد ولذته، وحياة الروح أرفع وأكبر من حياة الجسد؛ لأنه لا يؤثر زيادة في الجسد، كذلك العز والحمد، وذكر الحسن فيه حياة الروح ولذته؛ إذ ليس فيه زيادة في الجسد، إنما هو فرح وسرور يدخل فيه، وإذا أصابه شيء من الذل أو سمع مكروهاً، حزن واهتم من غير أن يتألم جسده أو يجد ألماً وشدة في نفسه، وذلك لما أصاب روحه لم يصب جسده، وأصله أن العمل في الدنيا لطلب مرضاة الله، ومرضاته أكبر من العمل لطلب ثوابه؛ لأن العمل لطلب [رضائه أمر عليه، والعمل لطلب] الثواب أمر له، فالذي قام بأداء ما عليه أعظم درجة وأكبر فضلاً من الذي قام بعمل ما له؛ لأن كل أحد يعمل ما له وله فيه نفع، ولا كل أحد يعمل لغيره؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
لأنه فوز ونجاة، لا خوف بعده، ولا هوان ولا ذل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يحتمل الأمر بالجهاد الفريقين جميعاً جهاداً بالسيف.
ويحتمل: مجاهدة بالحجج والبراهين الفريقين جميعاً.
ويحتمل - أيضاً -: الأمر بالمجاهدة الكفار، يجاهدهم بالسيف، ويغلظ القول ويشدده على المنافقين، ويقيم عليهم الحدود.
فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعاً بالسيف، فهو - والله أعلم - في المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين، وخرجوا من بين أظهرهم، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم؛ فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف ويقاتلون به، وهو كقوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ ﴾ الآية، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون إينما وجدوا، فيشبه أن تكون الآية في الأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله ويعيبون عليه، فأطلع الله رسوله على ذلك، وهم قد علموا أن الله أطلعه على ما يطعنون فيه ويذكرونه بسوء، فيقول - والله أعلم -: جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك بسوء بعد ذلك.
وإن كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج، فهو قد حاج الفريقين جميعاً بالحجج، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة المنافقين.
ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصّة، وفي المنافقين تغليظ القول والتشديد، وإقامة الحدود التي ذكرنا، والتعزير إذا ارتكبوا شيئاً مما يجب فيه الحد أو التعزير - والله أعلم بذلك - لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة.
[وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ هذا في المنافقين الذين ماتوا على النفاق.] وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: الآية نزلت في شأن رجل منافق قال يوماً: والله أعلم، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمير.
فسمع ذلك غلام وهو ربيب ذلك القائل، فقال له: تب إلى الله.
وجاء الغلام إلى النبي ، فأخبره، فأرسل إليه النبي ، فأتاه، فجعل يحلف: ما قال ذلك؛ فنزلت الآية فيه: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ...
﴾ .
لكن غير هذا كان أشبه؛ لأن الآية: ﴿ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ وقول الرجل: لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمير - هذا القول نفسه ليس هو كلام كفر؛ إنما كلامُ ذمٍّ، ذمَّ به نفسه في الآية ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ ﴾ فهو قول جماعة.
وقيل: نزل في شأن عبد الله بن أبي، قال أصحابه: فوالله، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: "سمِّنْ كلبك يأكلك"، وقال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، فأخبر النبي بذلك، فدعاه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله.
ولكن يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ...
﴾ الآية [التوبة: 65].
كانوا يستهزءون بالله وبآياته وبرسوله، والاستهزاء بذلك كفر، أو أن قالوا قول كفر لم يبين الله لنا ذلك فلا أنهم قالوا كذا؛ لما ليس لنا إلى معرفة ذلك القول الذي قالوه حاجة.
وقوله: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ : يحتمل: كفروا بعد ما أسلموا إسلام تقيَّة.
ويحتمل قوله بعد ما أظهروا الإسلام، أي: رجعوا عما أظهروا من الإسلام.
وفي الآية دلالة أن الإسلام والإيمان واحد؛ لأنه قال: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً ﴾ ؛ فدل أن الإسلام والإيمان واحد.
وقوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ .
قيل: هموا بقتل رسول الله والمكر به، فلم ينالوا ما هموا به.
وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أسروا ما هموا به، ثم أخبر عن ذلك وهو غيب، دل أنه بالله علم ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك، فقبل منه ذلك، وكان له قتيل في الإسلام فوداه رسول الله فأعطاه ديته، فاستغنى بذلك.
قال ابن عباس: ﴿ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : كان رسول الله يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات، يقول: ما نقموا ما أعطاهم رسول الله من الغنيمة والصدقة.
وقوله: ﴿ نَقَمُوۤاْ ﴾ ، قال بعض أهل الأدب - أبو معاذ وغيره -: نقموا، أي: طعنوا، فيه لغتان: نقِموا - بالخفض - ونقَموا - بالنصب - يقال: نقِم ينقَم، ونقَم ينقِم - بكسر القاف - فهو - والله أعلم - يقول: ما طعنوا [مني] رسول الله وما ذكروه بسوء إلا أن أغناهم الله؛ لأنهم لو كانوا أهل فقر وحاجة ما اجترءوا على الطعن على رسول الله وما ذكروه بسوء، ولكن طعنوا فيه لما أغناهم الله.
ويحتمل قوله: ﴿ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : ما عاملهم رسول الله معاملة الكرام وتبسط إليهم حتى قالوا: إنه أذن يقبل العذر، فذلك الذي حملهم على الطعن.
وقوله: ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فيه أن المنافق تقبل منه التوبة.
﴿ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ بما ذكرنا في الدنيا: الأمر بالجهاد والقتل والخوف، هذا التعذيب في الدنيا، والتعذيب في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ قد ذكرنا هذا في غير موضع.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ...
﴾ : قال بعضهم: نزلت الآية في ثعلبة بن حاطب، سأل رسول الله أن يدعو الله ليرزقه مالاً، وقال: ﴿ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
ومنهم من قال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، أنه كان له أموال في الشام، فقال: لئن آتاني تلك الأموال لأصدقن وأكن من الصالحين، فقد آتاه الله تلك الأموال، فبخل ومنع ما وعد.
ومنهم من قال: نزلت في المنافقين جملة، ولكن ليست في شأن واحد منصوص مشار إليه، ولكن في المنافقين جملة، وهكذا كانت عادتهم أنهم إذا وعدوا شيئاً أخلفوا ولم يوفوا الوعد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ أنه كان منافقاً وقت ما وعد الله، ووعد الله لئن أتاه من فضله ليصدقن، ويحتمل أنه لم يكن منافقاً في ذلك الوقت، لكنه صار بما بخل وكذب واعتقد الخلاف واستحل الخُلْف لما وعد - منافقاً، فإن كان إنما صار منافقاً بما بخل واستحل الخلاف له والمنع؛ فيكون قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: أعقبهم الدوام على النفاق إلى يوم القيامة ببخلهم ومنعهم ما وعدوا؛ فيكون هذا كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ...
﴾ الآية.
وفي قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ﴾ دلالة أن النذور يلزم أهلها الوفاء بها، ويؤاخذون بها إن تركوا الوفاء، ويكفرون إن استحلوا نقض ما عاهدوا.
وقوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ قال بعضهم: من المؤمنين، فهو على تأويل من قال: إنه كان منافقاً وقتئذ.
ويحتمل ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: من الشاكرين.
وكذلك ذكر في الخبر أن ثعلبة لما سأل رسول الله أن يسأل الله له مالاً فقال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه.
أو كلام نحو هذا.
وقوله: ﴿ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
يحتمل: تولوا عن وفاء ما وعدوا، أو تولوا عن طاعة الله، ﴿ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ : أيضاً عن طاعة الله، أو معرضون عما وعدوا وعاهدوا أن يوفوا.
وقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ : قال بعضهم أثابهم نفاقاً بما بخلوا به إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: أعقبهم الدوام على النفاق ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ .
ينبغي للمسلم أن يجتنب الكذب والخلف في الوعد؛ فإنه سبب النفاق أو نوع من النفاق، [و] على ذلك روي في الخبر: "أن اجتنبوا الكذب؛ فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق؛ فإنه باب من الإيمان" ، وفي بعضها عن النبي : "أربع من كن فيه كان منافقاً: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وفي بعضها: وإذا اؤتمن خان" فإن قيل: إن أولاد يعقوب اؤتمنوا فخانوا، وحدثوا فكذبوا بقولهم: ﴿ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ، ووعدوا فأخلفوا، فترى أنهم نافقوا؟
قيل: ما روي أن من إذا حدث كذب هو الكذب في أمر الدين، وأما الكذب في غير أمر الدين فإنه لا يوجب النفاق.
وفي الآية دلالة ألا ينص بالسؤال في شيء على غير الخبر في ذلك من الله؛ ألا ترى أن ثعلبة لما ألح على الرسول بالسؤال أن يسأل ربه ليرزقه مالاً ففعل، فأعقبه الله نفاقاً إلى يوم القيامة؟!
ولأن أولاد يعقوب قد قدموا التوبة والإصلاح قِبَلَ صنيعهم الذي صنعوا على خوف منهم بما فعلوا والمنافقين، وأصله: أن اعتقاد الكذب، واستحلال الخلاف لما عهد، والخلف في الوعد - هو الموجب للنفاق، فأما ترك الوفاء على غير استحلال منه فلا يوجب ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أن قد علموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم؛ لكثرة ما يطلع رسوله على ما أسروا من الخلاف له وذكرهم السوء في رسول الله .
والثاني: ألم يعلموا أي: الذين نافقوا أن يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، فيطلع رسوله على سرهم ونجواهم فيتركوا الطعن في رسول الله، وذِكْرِ ذلك والخلاف له.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
أي: علام بالغيوب التي غاب عن الخلق، وإلا ليس شيء يغيب عنه، ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنده بمحل واحد.
أو ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ، أي: علام بما يكون أبداً في جميع الأوقات التي تكون.
[و] فيه دلالة أنه عالماً بما في الضمائر والسرائر وما كان غائباً عن الخلق والغيب: هو ما علم أنه يكون له أنه كان ولم يزل عالماً؛ لما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ...
﴾ الآية.
يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَتَوَلَّواْ ﴾ .
إن أهل النفاق كانوا أهل بخل لا ينفقون إلا مراءاة وسمعة، فظنوا بمن أنفق من المسلمين وتصدق ظنّاً بأنفسهم، فقالوا: إنهم أنفقوا وتصدقوا مراءاة وسمعة.
[وقد] ذكر في بعض القصة "أن عبد الرحمن بن عوف أتى بنصف ماله في غزوة تبوك يتقرب به إلى الله، وقال: يا نبي الله، هذا نصف مالي أتيتك به، وتركت نصفه لعيالي، فدعا النبي أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك، فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة.
وجاء رجل آخر من فقراء المسلمين بصاع من تمر فنثره في تمر الصدقة، فقال له نبي الله خيراً ودعا له، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صاع هذا، فذلك لمزهم" .
فأنزل الله : ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ﴾ يعني: الذي جاء بصاع.
قال القتبي: الذين يلمزون المطوعين، أي: يصيبون المتطوعين بالصدقة، ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ﴾ أي: طاقتهم، والجهد: الطاقة، قال: والجهد: المشقة.
وقال أبو عوسجة: الجهد: إنفاق الرجل من الشيء القليل، يقال: جهد الرجل، إذا كان من الضعف أو من الفقر.
ويقال: جهد في العمل، يجهد جهداً؛ إذا بالغ في العمل.
قال أبو عبيد: الجهد مثل الوسع، والجهد: الطاقة، وكذلك قال أبو معاذ.
وفي الآية معنيان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة رسول الله ؛ لأنه معلوم أن ما كان منهم من اللمز لم يكن ظاهراً، ولكن كان سرّاً، ثم أخبرهم رسوله بذلك، دل أنه إنما عرف ذلك بالله.
والثاني: أن الأمور التي فيما بين الخلق إنما ينظر إلى ظواهرها، وإن كان في الباطن على خلاف الظواهر، حيث عوتبوا هم بما طعنوا فيهم بالرياء والسمعة؛ ليعلم أن الأمور التي فيما بين الخلق تحمل على ظواهرها، ولا ينظر فيها إلى غير ظاهرها، والحقيقة هو ما بطن وأسروا به يخلص العمل لله، والسر: هو ما يسر المرء في نفسه، والنجوى: هو اجتماع جماعة على نجوةٍ من الأرض، أي: المرتفع من المكان.
وقوله: ﴿ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: إن من اعتذر إلى آخر فيقبل عنه، على علم من المعتذَر إليه أنه لا عذر له فيما يعتذر إليه، وأنه كاذب في ذلك - فقبول المعتذَر إليه ما يعتذر من المعتذِر: سخرية من المعتذَر إليه إلى المعتذِر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: يجزيهم جزاء السخرية؛ فسمى جزاءه باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية، كما سُمِّي جزاء السبة: سبة، وإن لم تكن الثانية سبة، وكذلك سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الثاني اعتداء، فعلى ذلك سمي جزاء السخرية سخرية، وإن لم يكن سخرية.
ويحتمل قوله: ﴿ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: سخر أولياء الله منهم، فأضيف إليه، وكذلك يحتمل قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ أي: يستهزئ بهم أولياؤه، وهو قوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ فذلك استهزاؤهم بهم، وذلك جائز في اللغة إضافة الشيء إلى آخر، والمراد منه غير مضاف إليه.
وقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: "إنه لما مات عبد الله بن أبي أراد رسول الله أن يصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه، فقال: أأمرك الله بهذا؟
قال: ﴿ ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ فقال: قد خيرني ربي، افعل أو لا تفعل" .
وفي بعض الروايات "قال له عمر: لا تستغفر؛ فإن الله قد نهاك عن هذا.
فقال رسول الله إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين" أو كلام نحو هذا.
فأنزل الله عند ذلك: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ ، لكن هذا يبعد [أن] يفهم رسول الله من الآية التخيير، وعمر يمنعه من ذلك، ولا يجوز أن يفهم التخيير في ذلك، أو يخرج ذلك على التحديد، أو تكون منسوخة بالتي في "المنافقين"؛ لأنه وعيد، والوعيد لا يحتمل النسخ.
والوجه فيه - والله أعلم -: إن استغفرت لهم فإن استغفارك ليس بالذي يرد فلا يجاب، لكنهم قوم كفروا بالله ورسوله، وقد تعلم من حكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك.
[على ذلك] يخرج على الاعتذار لرسوله في ذلك، والنهي له عن الاستغفار لهم؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ ﴾ ، وقد علم شرك المنافقين وكفرهم بالله ورسوله؛ فنهاهم عن الاستغفار لهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطلع رسوله على كفرهم؛ فدل على أنه بعد العلم بذلك نهاه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: "إن صاحب الكبيرة لا يغفر له"؛ لأنه أخبر أنه لا يغفر لهم بما كفروا بالله ورسوله؛ فدل أن من لم يكن كفر بالله ورسوله فإنه يغفر له، وأن له الشفاعة، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، دل أنه ما ذكرنا.
ثم طلب المغفرة من الله والشفاعة لو يجيء لا يكون إلا للخواص من الخلق وهم الرسل والأنبياء، على ما يكون في الشاهد لا يرفع إلى ملوك الأرض الحاجة ليقربهم إلا الخواص لهم ولا يشفعون إلا أهل الشرف عندهم والمنزلة، لكن الله - - أذن لنا في استغفار غيرنا بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ ﴾ .
وقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: سواء عندهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ويكون طلب استغفارهم من رسول الله استهزاءً منهم به، حيث قال: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ، يخرج قولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ مخرج الاستهزاء على هذا التأويل.
ويحتمل قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: سواء عند الله أستغفرت لهم، أم لم تستغفر لهم - فإنه لا يغفر لهم بكفرهم بالله ورسوله.
ثم قوله: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ يحتمل: ذَكَرَ السبعين؛ لأن السبعين هو النهاية والغاية في الاستغفار، على ما روي أن كان يستغفر في كل يوم سبعين استغفاراً، فأخبر: أنك وإن انتهيت النهاية فيه لا يغفر لهم ولا ينفعهم ذلك.
وقوله ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
وقت اختيارهم الفسق، أو لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة؛ لفسقهم في الدنيا، إذا ماتوا على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
جمعوا - أعني المنافقين - جميع خصال الشر التي فعلوا: أحدها: ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول الله.
والثاني: كراهيتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم.
والثالث: صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ .
جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية.
وقوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ ، ذكر المخلفون، وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، لكنه يحتمل وجهين:] مخلفون خلفهم الله؛ لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً، وأنهم يبغون الفتنة خلفهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قيل: حبسهم؛ فعلى ذلك مخلفون خلفهم الله لما علم أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً.
ويحتمل: مخلفون خلفهم أصحاب رسول الله ؛ لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرهاً لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا متخلفين في الحقيقة.
وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ أي: مخالفة رسول الله، وقرئ: (خَلْفَ رَسُولِ اللهِ)، أي: فرحوا لقعودهم بعد خروج رسول الله .
وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ .
يحتمل: القعود، أي: بقعودهم خلفه.
ويحتمل: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ ، أي: موضع قعودهم، وهو منازلهم وأوطانهم، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم؛ لبخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفقة للمؤمنين، ولكن لم يكونوا أرادوا ذلك؛ إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله؛ إذ قالوا لهم مطلقاً: "لا تنفروا"، وهو كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو، وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله، ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك، ولظهر نفاقهم.
وجائز أن يكون قولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ قالوا ذلك لأتباعهم، لا للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ \[أي: لو كانوا يفقهون\] ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرّاً من حر الدنيا.
أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصّة، ولكن خلقهم [فيها] ليمتحنهم؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ﴾ .
يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ يقول: افرحوا وسروا قليلا، وتحزنون في الآخرة طويلاً كثيراً.
ويمكن أن يكون على حقيقة الضحك؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين في الدنيا؛ يقول: ضحكوا قليلاً؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع، ويبكون كثيراً في الآخرة؛ لأنها لا تنقطع ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ .
[دل] قوله: ﴿ رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو منافق، ولا كل المنافقين امتنعوا وتخلفوا عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ .
لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً، فيقول: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: عوقبوا بالقعود أول مرة لنفاقهم.
وقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ، أي: لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبداً، ولن آذن لكم أن تقاتلوا معي أبداً.
ويحتمل: لن تخرجوا، أي: و[إن] أذنت لكم بالخروج فلن تخرجوا أبداً.
﴿ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ ﴾ .
قيل: مع المتخلفين، وهم المنافقون؛ على ما ذكر.
ويحتمل: أن اقعدوا مع أصحاب الأعذار.
وقال بعضهم: مع النساء والزمنى؛ وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ .
يعني: المنافقين.
﴿ وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾ .
ذكر في بعض القصّة "أنه لما مات عبد الله بن أبيّ، فجاء ابنه إلى رسول الله ، فقال: يا رسول الله، إن إبي مات وأوصانا أن نكفنه في قميصك، وأن تصلي عليه، فخلع النبي قميصه فأعطاه، ومشى فصلى، وقام على قبره" .
وروي في بعض الأخبار "أنه صلى عليه، وألبسه قميصه، فقيل له: تلبس عدو الله فميصك، فقال: إني لأرجو أن يسلم بقميصي من بني الخزرج ألف" ، فذكر أنه لما فعل ذلك أسلم ألف رجل من المنافقين.
وروي أنه لم يصل عليه، فلا ندري كيف كان الأمر بعد أن جاء النهي عن الصلاة على المنافقين بقوله: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، سماهم فسقة، واسم الكفر أقبح وأذمّ، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق؛ ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل [ذي] مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده، وأصل الفسق: هو الخروج عن الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم من أهل التأويل: إنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة.
وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح، وقد ذكرنا الوجه الذي يدل على نقض قولهم فيما تقدم.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : وهو القتال والحروب التي أمروا بها؛ [كقوله]: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً ﴾ .
وهو التعذيب الذي ذكر؛ لأنهم يصيرون مقتولين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ﴾ .
قيل: تذهب وتهلك ﴿ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ﴾ .
أي: إذا أنزلت سورة فيها ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ ، لا أنها تنزل سورة بهذا الحرف، ولكن فيها ذكر ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ بقلوبهم؛ لأنهم قد أظهروا الإيمان باللسان، وهم لم يكونوا مؤمنين بالله حقيقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ ﴾ .
قيل: أولوا الطول: هم أهل الغنى والسعة.
وقيل: أولوا الطول: أهل الفضل والشرف الذين كانوا يصدرون لآرائهم، وينظرون إلى تدبيرهم، وقد كان في أهل النفاق أهل السعة والغناء، وأهل النظر والتدبير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .
استأذنوا في القعود عن الجهاد - والله أعلم - لما كانوا يوالون أهل الكفر سرّاً، فكرهوا القتال مع الأولياء، أو كانوا يتخلفون ويمتنعون عن الخروج إلى القتال؛ [لفشلهم وبغيهم؛ لأنهم لم يكونوا يعملون لعواقب تتأمل إنما كانوا يعملون لمنافع حاضرة؛ لذلك كانوا يمتنعون عن الخروج إلى القتال]، وأما أهل الإيمان: فإنهم إنما يعملون للعواقب، وكذلك أهل الكفر إنما يقاتلون أهل الإيمان إما غنيمة في العاقبة يتأملون، لكنهم كانوا يستأذنون في القعود، ويكونون مع القاعدين، يرون من أنفسهم أن لهم العذر في القعود.
ثم قوله: ﴿ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ يحتمل: مع القاعدين من الضعفاء والمرضى والصبيان، حتى إذا أتاهم العدو من بعد ما خرج الرجال منهم إلى قتال العدو، يقومون لدفع العدو عن هؤلاء.
أو يكون قولهم: ذرنا نكن مع القاعدين من أهل العذر، يرون أنفسهم أنهم أهل العذر، ولم يكن [لهم] عذر في ذلك؛ كقوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ الآية، فعلى ذلك الأول يحتمل هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ ﴾ .
قيل: مع النساء، فهذا حرف تعيير وتوبيخ، أي: رضوا بأن يكونوا في مشاهد النساء دون مشاهد الرجال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
أن للإيمان نوراً يبصر به عواقب الأمور، ويرفع الحجاب والستر عن القلوب وعن الأمور فتراها بادية ظاهرة، وللكفر ظلمة تستر الظاهر من الأمور والبادى منها، فتستر تلك الظلمة قلبه، فذلك الطبع، وقد ذكرنا الوجه فيه في غير موضع، والله أعلم.
﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
ما يلحقهم من التعيير برضاهم بالقعود مع الخوالف، والفقه: هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، منعت تلك الظلمة أن تعرف الأشياء بمعانيها وبنظائرها للحجاب الذي ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: إن الرسول والذين حققوا الإيمان والتصديق جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، أي: بذلوا أنفسهم وأموالهم لنصر دين الله، وإظهار سبيله، ولم يبخلوا كما بخل أهل النفاق في بذل أموالهم وأنفسهم في نصر دينه بالمجاهدة مع أعدائه، ولم يحققوا الإيمان والتصديق؛ أخبر أن للمؤمنين الذين حققوا الإيمان والتصديق، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وجاهدوا بها في نصر دين الله، وإظهار سبيله - لهم الخيرات.
قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ ﴾ : بالذكر في الدنيا، والثناء الحسن، وسلوك الناس طريقهم، وفي الآخرة الثواب والجزاء.
وقيل: الخيرات في الآخرة؛ لما بذلوا أنفسهم وأموالهم في نصر دينه، والمجاهدة مع عدوه.
وقيل: الخيرات: الحور العين؛ كقوله: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ والله أعلم.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
المفلح: هو الذي يظفر بحاجته؛ يقال: قد أفلح، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ ليعلم أن الأعظم ليس يقع فيما فيه الغلظ والكثافة، ولكن القدر والمنزلة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم من أهل التأويل: المعذرون هم الذين يستأذنون في القعود ولا عذر لهم في ذلك.
وقال الكلبي: المعذرون هم الذين لهم عذر وبهم علة.
وبعضهم قال: المعذرون: هم المعتدون.
[و] روي عن ابن عباس - - أنه قرأ "المعذرون" بالتخفيف، وقال: لعن الله المعذِّرين؛ كأنه ذهب إلى أن المعذر هو الذي له عذر، والمعذِّر بالتشديد: الذي لا عذر له؛ لذلك لعن المعذِّر.
قال أبو معاذ: وأكثر كلام العرب المعذر الذي له عذر، وهو قولهم: قد أعذر من أنذر.
وقال أبو عوسجة: - المعذر بالتشديد -: الذي لا يناصح، إنما يريد أن يعذر، ويقال: عذرت في الأمر: إذا لم تبالغ فيه؛ وأعذرت في الأمر، أي: بالغت فيه.
وقال القتبي: المعذرون - بالتشديد -: هم الذين لا يجدون [ما ينفقون]، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه؛ يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، وأعذرت: جددت.
ثم قال بعض أهل التأويل: دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين: صنف كانوا يستأذنون [في] القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ .
دلّ قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ على أن من أهل النفاق من قد آمن، وأن من تاب يقبل ذلك منه؛ لأنه قال: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ولم يقل: سيصيبهم عذاب أليم.
وقال بعضهم: المعذرون - بالتخفيف -: هم المؤمنون الذين لهم عذر في التخلف، أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق: إن كان الخروج لهم أوفق يخرجون، وإن كان القعود أوفق يقعدون؛ يدل على ذلك الآية التي تتلو هذه وهي قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ الآية.
فإن قيل: كيف احتمل أن تكون آية واحدة في فريقين مختلفين، إذا قرئ بالتخفيف فهي في الذين لهم عذر، وإذا قرئ بالتشديد فهي في الذين لا عذر لهم؟
قيل: تصير على اختلاف القراءة كآيتين في حالتين ووقتين مختلفين، إن كان تأويل المعذر بالتشديد هو الذي يعتذر ولا عذر له، والمعذر - بالتخفيف - هو الذي له عذر.
أو كان تأويل إحدى القراءتين على ضد الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر لهم في حال أخرى، وإلا لا يحتمل أن تكون القراءتان جميعاً في وقت واحد، وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ و ﴿ رَبَّنَا ﴾ بالرفع ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ أحدهما: على الدعاء، والآخر: على الإيجاب، هما آيتان صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ .
لو لم يذكر المرضى ولا الذين لا يجدون ما ينفقون، لكان المفهوم من قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ ﴾ المرضى والذي لا يجد ما ينفق.
وكذلك إذا ذكر المريض كان في ذكره ما يفهم منه كل ضعيف، وكل ما لا يجد ما ينفق.
وفي كل حرف من هذه الحروف ما يفهم منه معنى الآخر، فلما ذكر دل أن المراد من ذكر الضعفاء الزمنى؛ من نحو الأعمى والأعرج، فكان كقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ ﴾ ، فتكون الآيتان واحدة؛ أعني: معناهما واحد.
وفيه دلالة أن ليس في ذكر عدد من الأشياء حظر دخول غير المذكور في حكم المذكور إذا كان في معناه؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه ليس فيما ذكر رسول الله عدد في الربا بقوله: "والحنطة بالحنطة، والذهب بالذهب، والفضل ربا" على أنه لا لمعنى ورد، ولا يدخل فيه ما لم يذكر؛ لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض، والأعمى، والأعرج، وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار، ثم لم يدل ما ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر؛ فعلى ذلك خبر الربا.
ثم جعل العمى والعرج والمرض وعدم النفقة ونحوه عذراً في ترك الخروج، ولم يجعل شدة الحر وبعد المسافة ونحوه عذراً بقوله: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ﴾ .
وأصله - والله أعلم -: أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة، أو لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها - لم يكن ذلك عذراً في ترك الخروج؛ إذ شدة الحرّ وبعد السفر وخوف العدوّ مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة، فلم يصر ذلك عذراً في التخلف عن الخروج للجهاد، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون، فصار ذلك عذراً لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد.
والثاني: أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذراً في التخلف، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع فيصير كأن ليس، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ﴾ ، فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله، هان عليه الخروج وسهل، فارتفع ذلك؛ فلذلك صار أحدهما عذراً والآخر لا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
قيل: لم يخدعوا أحداً في دينه، ولم يغشوه في دنياه.
وقيل: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: أطاعوا الله ورسوله في الحضرة، ولم يتركوا طاعته.
[وقوله: ﴿ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: ما على المحسنين من سبيل في تركهم الخروج إذا لم يقدروا على الخروج؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ .
ذكر في بعض الأخبار عن النبي قال: "لولا أن أشق على أمتي - أو قال: على المؤمنين - وإلا لخرجت في كل سرية بعثتها" ؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون فيخرجون ولا أجد ما أحملهم عليه، فيشق عليهم مفارقتهم إيانا، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا [ما] يحمل عليه.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ولكن السبيل على الذين يجدون ما ينفقون فيتركون الخروج بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ ﴾ ، يعني النساء، ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، هذا قد ذكر هاهنا ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الأولى: ﴿ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
والفقه: هو معرفة الشيء بغيره، والعلم: هو وقوع العلم لا بغيره؛ ولذلك يقال: الله عالم، ولا يجوز أن يقال: فقيه، فأخبر - عز وجل - أنهم لا عرفوا الشيء بغيره [و] لا بنفسه؛ عناداً منهم ومكابرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ .
فيه إنباء عما يقول لهم المنافقون إذا رجعوا إليهم، وتعليم من الله لرسوله والمؤمنين ما يقولون لهم، وماذا يجيبون عليهم فقال: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ ، أي: لن نصدقكم بما تعتذرون، أي: بما تظهرون لأنفسكم من العذر.
وقوله: ﴿ لاَّ تَعْتَذِرُواْ ﴾ ليس على النهي، ولكن على التوبيخ والتعيير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ : أنكم لا تصلحون أبداً؛ كما قال: ﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ الآية، أخبر أنهم رجس وأن مأواهم جهنم.
وقيل: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ ، حين قال لهم: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً...
﴾ إلى قوله: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، قالوا: وهذا الذي نبأنا الله من أخباركم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ .
قال بعضهم: سيرى الله عملكم ورسوله فيما تستأنفون.
ويحتمل قوله: ﴿ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ .
أي: سيرى الله ورسوله عملكم باطلاً.
أو يقول: سيرى الله عملكم، أي: يجزيكم جزاء عملكم، ورسوله والمؤمنون يشهدون عليكم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
قد ذكرنا أنه ليس شيء يغيب عنه، أو يكون شيء عنده أظهر من شيء، ولكن ما يغيب عن الخلق وما لا يغيب عنده بمحل واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
يخرج على الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لِتُعْرِضُواْ ﴾ ، أي: لتجاوزوا عنهم ولا تكافئوهم، فيكون قوله: ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ ﴾ لما سألوا من المجاوزة عنهم وترك المكافأة.
ويحتمل قوله: ﴿ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تحاجهم ولا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يصلحون أبداً، ﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ ﴾ .
وتقبلوا منهم ما يظهرون من العذر، ثم أخبر أنكم إن رضيتم عنهم وقبلتهم ما يذكرون من عذرهم فإن الله لا يرضى عنهم؛ لما يعلم أنه لا عذر لهم فيما يظهرون لكم من العذر، والله أعلم.
ليس على النهي عن إرضاء أولئك؛ لأن إرضاء الخلق بعضهم لبعض إنما يكون بالحلف، وما يكون من الظاهر، ولكن النهي عن ترك الموافقة في الباطن، وفيه يتحقق رضاء الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ [يحتمل هذا وجهين: يحتمل: طائفة من الأعراب أشد كفراً ونفاقاً] وهو أن رسول الله دعا كفار المدينة ومنافقيها، فأيأس عن إيمانهم بقوله: ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...
﴾ الآية، فلما أيس عن إيمان هؤلاء، أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، فأخبر أنهم أشدّ كفراً ونفاقاً من أهل المدينة.
ويحتمل أنه أراد الأعراب جملة أنهم أشدّ - أي: الكفار منهم وأهل النفاق - كفراً ونفاقاً من أهل الأمصار والمدائن، فهو لوجهين: أحدهما: أن أهل الأمصار والمدن كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل رحمة ورأفة، وأهل مودة، وأما الأعراب وأهل البادية فكانوا لا يسمعون الآيات والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهؤلاء أقسى قلوباً وأضيق صدوراً وأهل المدن والأمصار [ألين قلوباً وأوسع صدوراً، فهم أسرع للإجابة وأولئك أبعد وأبطأ إجابة.
والثاني: أنهم وصفوا بأهل الجهل ما لم يوصف أهل المدن والأمصار] بذلك ما روي عن نبي الله قال: "لا يؤمنكم أعرابي" ، وفي بعضها: "لا يؤمن أعرابي مهاجراً" ، وفي بعض الأخبار: "من بدا جفا" ؛ وذلك - والله أعلم - لأنهم كانوا لا يدخلون الأمصار والمدن ليتأدبوا ويتعلموا الآداب، فإذا كانوا كذلك فهم أجهل، والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون بعد العلم؛ لأنه ما لم يعلم لم يصدق، فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا، كانوا أشد إنكاراً وتكذيباً من غيرهم، وهو ما ذكر: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ ، وصفهم بالجهل، وبالجهل يكون التكذيب، وبالعلم يكون التصديق، وهو ما ذكرنا.
وأجدر وأخلق وأحرى واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .
قال بعضهم: هم أقل علماً بالسنن.
وقيل: بالفرائض.
ويقال: الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته.
وأصله: أنهم أهل جهل بجميع الأوامر، والمناهي، وجميع الآداب، وما لا يحل وما يحل.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .
أي: على علم بما يكون منهم خلقهم.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ .
حيث وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته، لو تدبروا فيه ونظروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ﴾ .
أي: كان لا ينفق حسبة.
وقال بعضهم: ينفق ولا يراه حقّاً، إنما يراه غرماً يلحقه، وغرما يغرمه.
وأصله: أنهم لو كانوا علموا حقيقة أنهم وما حوته أيديهم لله ليس لهم، [لم] يعدوا ذلك غرماً وتبعه [لحقتهم، ولكن لما لم يروا لله في أموالهم حقّاً ولم يعلموا أن أموالهم لله حقيقة لا لهم عدوا ذلك غرماً وتبعة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .
قيل: الدوائر: هو انقلاب الأمر، وهو من الدوران.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ﴾ : ما قال بعضهم: موت محمد.
وقيل: دوائر الزمان وحوادثها.
﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أي: عليهم انقلاب الأمر وعليهم ما تربصوا على المؤمنين.
وقوله: ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .
ليس على حقيقة الإنزال من موضع، ولكن على خلق ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ : لما قال، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما أسروا وأضمروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
ذكر في الآية أن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ليعلم أن قوله: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ كان في طائفة مشار إليها، لا كل الأعراب؛ لأنه ذكر - هاهنا - أن منهم من ينفق ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، وذكر في الآية الأولى أن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما، أي: لا يراه حقّاً واجباً، ولكن غرما يلحقه، ومنهم من يرى ذلك حقّاً لله واجباً في أموالهم، فيجعلون ذلك قربة لهم عند الله، وأولئك يرونه غرماً لحقهم، لا قربة.
ثم في الآية خوف دخول المؤمنين في وعيد هذه الآية، الذين لا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون، وخوف لحوق النفاق؛ لأنه أخبر أنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً، فمن ترك أداءه إنما يتركه؛ لأنه لا يرى ذلك حقّاً؛ لأنه لو رأى ذلك حقّاً واجباً لأداه على ما أدى غيره من الحقوق، أو لو كان موقناً بالبعث لأنفق وجعل ذلك قربة له عند الله؛ لأنّ المؤمن إنما ينفق ويعمل للعاقبة، فإذا ترك ذلك يخاف دخوله في وعيد الآية، ولحوق اسم النفاق به، وإن كنا لا نشهد عليه بذلك.
وقوله: ﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .
قال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا قربات عند الله بصلوات الرسول؛ لأنهم إذا أنفقوا كان الرسول يدعو لهم بذلك ويستغفر، فكان ذلك لهم قربات عند الله باستغفار الرسول ودعائه.
وقال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا وصلوات الرسول قربات عند الله، ويكون لهم ما أنفقوا قربة عند الله، وصلوات الرسول طمأنينة لهم وبراءة من النفاق؛ لأن الرسول كان لا يدعو لأهل الكفر والنفاق، فإذا دعا لهؤلاء وصلى عليهم كان ذلك طمأنينة لقلوبهم، وعلماً لهم بالبراءة من النفاق؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ ، أي: تسكن قلوبهم بصلاة الرسول وتطمئن بأنهم ليسوا من أهل النفاق، وأنهم برآء من ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ﴾ .
ذكر هذا مقابل ما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أخبر - هاهنا - أن ما يتربصون هم بهم من الدوائر عليهم ذلك، وهاهنا أخبر أن ما ينفق المؤمنون ويطلبون بذلك قربة عند الله أنها قربة لهم.
ثم وعدهم الجنة بقوله: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، أي: جنته، سمى جنته رحمة؛ لما برحمته يدخلون، لا استيجاباً لهم منه بذلك، بل رحمة منه وفضلاً.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ : حيث لم يؤاخذهم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ .
يحتمل هذا أن يكون مربوطاً معطوفاً على قوله: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ مع السابقين الأولين، أي: أولئك الذين آمنوا من بعد أولئك المهاجرين والأنصار يدخلهم في الجنة مع السابقين الأولين.
ويحتمل أن يكون على الابتداء، لا على العطف على الأول، ثم اختلف فيه: قال بعضهم: السابقون الأولون في الإسلام والنصرة.
وقال بعضهم: الأولون في الهجرة والنصرة.
﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ \[أي والذين اتبعوا أولئك في الإسلام\] على تأويل من جعل السابقة في الإسلام، وعلى تأويل من جعل على الهجرة اتبعوهم بإحسان فريقين: المهاجرين والأنصار، ولا يجعل طبقة ثالثة، وأمّا قراءة العامة من القراء فهي على إثبات الواو، وجعل طبقة ثالثة.
ثم منهم من قال من أهل التأويل: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار: الذين بايعوا بيعة الرضوان.
وقال بعضهم: هم الذين صلوا [إلى] القبلتين.
وقال بعضهم: السابقون إلى الإسلام: الأولون من المهاجرين والأنصار الذين صلوا [إلى] القبلتين، والذين اتبعوهم على دينهم إلى يوم القيامة بإحسان.
ثم خصوص تسمية أهل المدينة أنصاراً وإن كانوا هم [و]المهاجرون جميعاً نصروا رسول الله وكانوا أنصاراً له؛ فهو - والله أعلم - لأنهم نصروا المهاجرين؛ حيث آووهم، وأنزلوهم في منازلهم وأوطانهم، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، وإن كانوا جميعاً في النصر لرسول الله شرعاً سواء.
ثم في الآية دلالة الرد على الروافض؛ لأنهم يجعلون أبا بكر، وعمر، وهؤلاء - م - ظلمة، على الحق بتوليهم أمر الخلافة والإمامة؛ لأنه معلوم أنهم كانوا فيما ذكر عز وجل من المهاجرين والأنصار.
ثم أخبر أن الله راضٍ عنهم، وأنهم راضون عنه، دل أنهم كانوا على حق وصواب من الأمر، وأن من وصفهم بالظلم والتعدي هو الظالم.
والمتعدي: واضع الشيء غير موضعه.
وفيه [دلالة] جواز تقليد الصحابة والاتباع [لهم] والاقتداء بهم؛ لأنه مدح - عز وجل - من اتبع المهاجرين والأنصار بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ ، ثم أخبر عن جملتهم أن الله راضٍ عنهم [دل] - والله أعلم - أن التقليد لهم لازم، والاقتداء بهم واجب، وإذا أخبروا بخبر أو حدثوا بحديث يجب العمل به، ولا يسع تركه، والله أعلم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ﴾ .
أخبر أن من حولهم من الأعراب ومن أهل المدينة - أيضاً - منافقون مردوا على النفاق، [فقال بعضهم: المرد في الشيء: هو النهاية في الشرّ.
وقال بعضهم: ﴿ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ﴾ ]، أي: ثبتوا عليه وداموا.
وقال بعضهم: ﴿ مَرَدُواْ ﴾ أي: عتوا عليه وبالغوا فيه.
أخبر أنهم لشدة مكرهم وخداعهم وعتوهم ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ : أنت، ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ ؛ لأن من المنافقين من كان يعرفهم الرسول في لحن القول، كقوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ ومنهم من كان يعرفهم في صلاته؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ ﴾ ، ومنهم من كان يعرف نفاقه في تخلفه عن رسول الله يعني: عن الغزو - فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء لشدة عتوهم ومكرهم وفضل خداعهم لا تعرف نفاقهم، نحن نعرف نفاقهم.
ثم أخبر أنه سيعذبهم مرتين؛ قال بعضهم: القتل والسبي.
وعن الحسن قال: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.
وقال بعضهم: يعذبهم بالجوع والقتل.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ القتل والسبي قبل الموت، والعذاب الآخر يعذبون في القبر ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ .
ويشبه أن يكون تعذيبه إياهم مرتين؛ حيث أخذوا بالإنفاق على المؤمنين [وبنيهم] وبين المؤمنين عداوة، وأمروا أيضاً بالقتال مع الكفار وهم أولياؤهم؛ هذا أحد العذابين؛ لأنهم أمروا بالإنفاق على أعدائهم، وأمروا - أيضاً - أن يقاتلوا أولياءهم، والعذاب الثاني: القتل في القتال.
فإن قيل: لم يذكر أن منافقاً قتل.
قيل: لم يذكر لعلة أنهم كانوا لا يعرفونهم؛ لقوله ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ فإذا لم يعرفوا فيقتلون كما يقتل غيرهم من المؤمنين، والله أعلم.
وقال بعضهم: سنعذبهم مرتين: عند الموت ضرب الملائكة الوجوه والأدبار؛ كقوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ ، وفي القبر منكر ونكير ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ : في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: الآية نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك عن رسول الله ، فندموا على ذلك، واعترفوا، ورجعوا عن ذلك، وتابوا، فقبل الله توبتهم، ووعدهم المغفرة بقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وذكر في بعض القصّة "أنه لما رجع رسول الله عن غزوته تلك جاء هؤلاء الذين تخلفوا عنه بأموالهم إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فكره أن يأخذها، فقال: لم أومر بذلك" ، فنزل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ وهذا الوعد لكل مسلم ارتكب ذنباً لم يخرجه من الإيمان، ثم ندم على ذلك وتاب يرجو - والله أعلم - أن يكون في وعد هذه الآية؛ لأنه ذكر المؤمنين وما هم عليه، وذكر المنافقين وما هم عليه، ثم ذكر الذين خلطوا أعمالهم الصالحة بأعمالهم السيئة ثم ندموا على ذلك وتابوا، وعد [الله] لهم قبول التوبة والمغفرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ اختلف في هذه الصدقة التي أمر الله رسوله بأخذها من أموالهم: قال بعضهم: هي صدقة فريضة، ثم اختلف فيها أية فريضة هي؟
فقال بعضهم: فريضة زكاة الأموال.
وقال بعضهم: هي فريضة كفارة المآثم، وذلك أن أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك ندموا على تخلفهم، فلما رجع رسول الله جاءوا بأموالهم فقالوا له: تصدق بأموالنا عنا؛ فإن أموالنا هي التي خلفتنا عنك، فأمر الله رسوله أن يأخذ منهم ذلك ويتصدق به كفارة لما ارتكبوا.
ومن قال: هي فريضة زكاة المال؛ لما روي عن أبي أمامة [قال]: "إن ثعلبة بن حاطب أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال رسول الله: ويحك يا ثعلبة!
قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: ويحك يا ثعلبة!
أما [ترضى أن تكون مثل] رسول الله لو سألت الله أن يسيل الجبال علي ذهباً لسالت، ثم أتاه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالله لو أتاني مالاً لأوتين كل ذي حق حقه.
فدعا له فقال: اللهم ارزق ثعلبة مالاً ثلاث مرات، وذكر أنه اتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يصلي الصلوات كلها مع رسول الله ويخرج إليها، ثم ضاقت عليه [بها] مراعي المدينة فتنحى بها فكان يصلي الظهر والعصر مع رسول الله ثم يتبعها، ثم تنحى بها، فكان يصلي الجمعة مع رسول الله ثم يتبعها، ثم بلغ أمره إلى أن ترك الجمعة والجماعات، فتنحى بها ويتلقى الركبان فيسألهم عن الخبر وعما أنزل على رسول الله [فأنزل الله]: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً...
﴾ الآية، فبعث رسول الله على الصدقة رجلين فكتب لهما فرائض [الصدقة]، وأمرهما أن يسعيا في الناس ويأخذا صدقاتهم، وأن يمرّا بثعلبة ورجل من بني سليم فيأخذا صدقاتهما، فخرجا بصدقات الناس، فمرا بالسلمى فأقراه كتاب رسول الله فأطاع بالصدقة، ومرّا بثعلبة فأقراه كتاب رسول الله ، فقال: والله ما أدري ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فإذا فرغتما فمرا بي حتى أرى رأيي، فلما فرغا من الناس مرّا به [فقال لهما مثل] مقالته الأولى، وقال: انطلقا فإني سألقى رسول الله، فأنزل الله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ " إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل أنها نزلت في شأن ثعلبة.
ومنهم من قال ما ذكرنا أنها نزلت في شأن أهل تبوك الذين تخلفوا عن رسول الله.
ومنهم من قال: الصدقة التي أمر الله رسوله أن يأخذها من أموالهم هي صدقة تطوع وتبرع، وهو ما ذكر أن رسول الله كان يحث الناس على الإنفاق في غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بكذا، وفلان بكذا، فأخذهم منهم، وفيه نزل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ .
ومنهم من قال: هو في كل صدقة تطوع، قلَت الصدقة أو كثرت، أمر رسوله أن يأخذ من أموالهم ما رأى لا يأخذ الكل؛ لأن أخذ الكل يحوجهم ويشغلهم عن جميع الطاعات والعبادات، ولكن أمر أن يأخذ قدراً منها وطائفة، مقدار ما يكفر ما ارتكبوا من المآثم.
وقوله: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .
إن كانت صدقة الزكاة، فهي تطهر آثامهم وتزكي أخلاقهم حتى يتيسر عليهم إخراج الصدقة وأداؤها إلى أهلها، وإن كان صدقة كفارة لمن تخلف عن غزوة تبوك، فهي تكفر آثامهم التي لحقتهم بذلك ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ .
قيل: وتصلحهم، وهو ظاهر.
وإن كانت صدقة تطوع فهي مما يطهرهم أيضاً، ويزكيهم؛ لما ينفي عنهم البخل، ويؤدي إلى الجود والكرم؛ ألا ترى أنه مدح من أعطى، وذم من بخل ومنع بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...
﴾ الآية ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: كان رسول الله إذا أتى أحد بصدقة دعا له ويستغفر، وكان لا يستغفر لأهل النفاق، وكانت قلوبهم تسكن وتطمئن باستغفار النبي؛ لما علموا بذلك أنهم ليسوا من أهل النفاق؛ هذا يحتمل.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، [فكانت قلوبهم تسكن] وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، والله أعلم.
﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قد ذكرنا هذا غير مرة.
وفي قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾ دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم؛ لأن النبي كان لا يحل له الصدقة، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية.
وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزاً، وكان وقفاً صحيحاً.
ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال، وكذلك مضت السنة من رسول الله في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد: أبو بكر، وعمر، والأئمة الراشدون، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله حاربتهم عليها.
فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم.
وقد بين الله وجوب ذلك بياناً شافياً بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ الآية، فجعل للعاملين عليها حقّاً، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال؛ ما كان لذكر العاملين وجه، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومن حمله منهم إلى الأئمة يقبلون ما يحمل إليهم منه، ولا يسألون أحداً عن مبلغ ملكه، ولا يطالبون به إلا ما كان من توجيه عمر العشار في الأطراف، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - للتخفيف عمن بعد عن داره، وشق عليه أن يحمل صدقته إلى إمامه، فجعل في [كل] طرف من الأطراف عاشراً لتجار أهل الحرب والذمة، وأمره أن يأخذ من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفاً على المسلمين؛ لأنه ليس على الإمام مطالبة أرباب الأموال بأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة سوى المواشي والأنعام، فإن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحد منهم الإمام بشيء من ذلك، فيقبله منه ولا يتعدى ما جرت به السنة إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: قد علموا أن الله يقبل توبة من تاب.
ويحتمل على الأمر، أي: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده.
[و]يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ أي: قد علموا ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ ﴾ ممن تاب.
﴿ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، قيل: يقبل.
ويشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ ، وذلك كثير في القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قال أبو بكر الأصم: التواب هو صفة العافي، وهو اسم للتائب.
والتواب عندنا: هو الموفق للتوبة.
ثم الكافر إذا أسلم وتاب لم يلزم مع التوبة كفارة أخرى سوى التوبة، وإن كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر، والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمته التوبة والكفارة جميعاً؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من الشرائع، فإذا ارتكب ما ذكرنا خرج [عن] شرائعه وأدخل نقصاناً فيما اعتقد حفظه، فإذا ترك حفظه وأدخل فيه النقصان، لزمته الكفارة يجبر بها النقصان الذي أدخل فيه، وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع، إنما عليه أن يتوب عن الشرك ويأتي بالإيمان؛ لذلك افترقا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الذين كانوا تخلفوا عن تبوك، ثم ندموا وتابوا عن ذلك، فتاب الله عليهم؛ يقول: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، أي: إن عدتم إلى ما عنه تبتم - وهو التخلف - يطلع الله رسوله والمؤمنون على ذلك ﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ \[أي: تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب والشهادة\].
وقال بعضهم: الآية في المنافقين؛ يقول: [اعملوا] فيما تستأنفون؛ فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم فتفتضحون، حيث يطلعون على سرائركم.
﴿ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
أي: تردون إلى ما أعد لكم [في] عالم الغيب والشهادة.
﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون؛ يخرج ذلك على الوعيد.
وذكر في بعض الأخبار "أن رسول الله شهد جنازة والمؤمنون - أيضاً - شهدوها، فأثنى عليها، فقال رسول الله : وجبت، فقيل: يا رسول الله، ما وجبت؟
قال: الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت" ثم [قرأ] قوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع؛ لأنه قال: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض [فإذا شهدتم وجبت]" ، فإذا شهدوا على شر فهو شر، وإذا شهدوا على خير فهو خير، فعلى ذلك إذا شهدوا على حكم يلزم العمل به.
وقوله: ﴿ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
ليس على الأمر أن يقول لهم جميعاً: اعملوا كذا، ولكن [أن] كل من بلغته هذه الآية يتفكر فيها ويتدبر، فلا يقدم [على عمل] لا يستحسنه أن يكون رسول الله والمؤمنون بحضرته فإذا خلا به لا يعمله، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، ليس على الأمر بالسير على الأرض، ولكن على الأمر بالتفكر والتدبر فيما نزل بهم بالتكذيب، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، ليس على الأمر أن يقول لهم ذلك، ولكن يتفكر كل فيه أنه واحد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ ، كانوا موقوفين محبوسين، لا يدرون ما يحكم الله فيهم، أيعذبهم أو يتوب عليهم؟
فنزل قوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ .
وقال بعضهم: هو صلة ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً ﴾ \[كانوا اتخذوا مسجداً فكانوا مرجون لأمر الله، ثم بين أن اتخاذهم المسجد ضراراً\] ﴿ وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال: هم الثلاثة الذين خلفوا.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ [أي: محبوسون: يقال: أرجيته: أي: حبسته.
وقال القتبي: مرجون لأمر الله] أي: مرجون [على أمره]؛ كأن هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عنه للركون إلى الدنيا ورغبة فيها، وهم المؤمنون، والآية التي كانت قبل هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا للركون إلى الدنيا وكفراً ونفاقاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
عن ابن عباس - - أن المنافقين اتخذوا مسجداً، فلما فرغوا منه جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: يا رسول الله، بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، [و] إنا نحب يا رسول الله أن تأتينا فتصلي فيه، قال رسول الله: "إنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله"، فأنزل الله على رسوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً...
﴾ الآية؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا: إنا بنينا [مسجداً] لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والإشفاق على الدين، وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين.
وقوله: ﴿ ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يكون قوله: ﴿ وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ضِرَاراً ﴾ يقصدون ببناء المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين.
روي عن رسول الله أنه قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة" وقوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جعل الاجتماع في الدين نعمة، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم؛ لما ذكرنا، أو كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيلبسوا عليهم الدين؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر.
وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أسرّوا وأضمروا فيما بينهم الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
أي: بنوا ذلك المسجد إرصاداً لمن حارب الله ورسوله.
قال عامة أهل التأويل: هو أبو عامر؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله، ثم فرّ منه، فقال للمنافقين: ابنوا مسجداً واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، [فآتي بجند فنخرج محمداً وأصحابه من المدينة.
فذهب إلى قيصر بالشام]، فبنوا مسجداً إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر.
قال القتبي: ضراراً، أي: مضارة، وإرصاداً، أي: ترقباً بالعداوة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِرَاراً ﴾ ، أي: مضارة، ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: وقوفاً وانتظار الفرصة لمن حارب الله على المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ .
أي: حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد.
﴿ إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ والخير.
﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات [رسالة محمد ].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ .
قيل: لا تصل فيه؛ لأنهم سألوه أن يصلي فيه.
وقيل: ﴿ لاَ تَقُمْ ﴾ ، اي: لا تأته، ولا تدخل؛ وهو واحد.
﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو مسجد قُباء.
وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله .
روي عن أبي سعيد الخدري قال: "اختصم - أو قال: اختصمنا - [في] المسجد الذي أسس على التقوى؛ فقال النبي صلى الله عليه سلم: هو مسجدي هذا" وعن أبي بن كعب قال: "إن النبي سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجدي هذا" وظاهر ما ذكر "أن يكون مسجد قباء؛ لأنه ذكر لما نزل قوله: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ، قال لأهل قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فماذا تصنعون؟
قالوا: نغسل عنا أثر الغائط والبول" .
وفي بعض الأخبار "قالوا: يا رسول الله، إنا نجد مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، فلا ندعه، فقال: لا تدعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .
يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد، والصلاة فيه، وكل مسجد هذا فيه فهو مؤسس على التقوى، أي: تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه.
أو يقول: فيه رجال يحبون، أي: يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقدار والأنجاس؛ كأنه قال: فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهير من الأقذار والأنجاس التي تصيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
أي: على الطاعة لله والإخلاص له.
﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .
له وطلب مرضاته.
﴿ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
أي: بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله؛ هذا المثل مقابلة مكان بمكان؛ يقول: من بنى بناء على قرار من الأرض مما يقر به وينتفع به خير ممن بنى بناء على المكان الذي لا يقر، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به، والأول مقابلة فعل بفعل، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ كالذي بنى الضد من ذلك، أي: ليسا بسواء، ثم قال: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ هذا مقابلة فعل بفعل؛ يقول: الذين بنوا المسجد على الطاعة لله، والإخلاص له، وطلب مرضاته، والاجتماع فيه خير ممن بنى للكفر بالله، والتفريق بين المؤمنين، وضراراً بهم؛ هذا مقابلة فعل بفعل.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
هذا مقابلة مكان بمكان؛ لما ذكرنا.
وقوله: ﴿ أُسِّسَ ﴾ .
أصل الأس والأسس والتأسيس واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ شَفَا جُرُفٍ ﴾ قال: شفاه: فمه، والجمع: أشفاء، وجرف: أرض يسيل فيها السيل حتى يحفرها، والجِرَفة جمع.
وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال: الهار: الهش الذي ليس بصلب، ويقال: انهار ينهار، أي: انهدم، ويقال: رجل هار، أي: ضعيف، وهي أرض هشة، أي: رخوة، سريعة الانهدام، والهش: الرخو.
وقال القتبي: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ \[أي حرف جرف هار\] والجرف: ما ينجرف بالسيول [من] الأودية، والهائر: الساقط، ومنه يقال: تهور البناء: إذا سقط وانهار.
وقال أبو عبيدة: ﴿ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ ﴾ الشفا: هو الشفير، والجرف: ما ينجرف من السيول من الأودية، وهار، يريد: هائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .
قال بعضهم: خسف الله مسجدهم في نار جهنم.
وفي حرف ابن مسعود: (فخر من قواعده في نار جهنم) وقال: حفرت فيه بقعة فرؤي منها دخان سطع، وقال: يهوي ببنائهم الذي بنوا في نار، ولا ندري كيف هو؟
وما معناه؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بَنَوْاْ رِيبَةً ﴾ ، أي: حسرة وندامة.
وقال بعضهم: ريبة: أي شكّاً وريباً.
ومن قال: حسرة وندامة، فهو على وجهين: الأول: يحتمل: أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا.
والثاني: يحتمل: حسرة وندامة؛ لما افتضحوا بما صنعوا، وبما أرادوا بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
ومن قال: شكّاً ونفاقاً ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى الممات، أي: هم على الشك والنفاق إلى الموت، وهو كقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .
وأصل الريبة: التهمة؛ يقال: فلان مريب: إذا كانت به تهمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ ﴾ .
هذا - أيضاً - على وجهين: أحدهما: على التمثيل أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته؛ يقال: فلان متقطع القلب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ ﴾ ، أي استام؛ لأن قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ ﴾ خبر، ولكن يحتمل الاستيام، أي: استام أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم لله؛ ليجعل لهم الجنة.
ثم بين فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ ؛ خبراً عن قوم باعوا أنفسهم وأموالهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية، فإذا صاروا بائعين أنفسهم، كان الله - عز جل - مشتريها منهم.
ثم بين أن كيف تباع وكيف تُشترى فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: يقتلون العدو، ﴿ وَيُقْتَلُونَ ﴾ أي: يقتلهم العدو.
وقد قرئ الأول بالرفع: فيقتلون، والثاني بنصب الياء، فهو ليس على الجمع أن يَقتلوا ويُقتلوا، ولكن أن يقتلوا العدو أو يقتلهم العدو، أيهما كان، أو يقاتلون العدو وإن لم يقتلوا؛ كقوله: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية؛ سمي الإيمان بالله والمجاهدة في سبيله تجارة، ثم قال: ﴿ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ بحق الوعد لهم فضلاً منه، لا بحق البذل.
ثمّ قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ .
ذكر شراء أنفسهم وأموالهم منهم، وأنفسهم في الحقيقة لله أن يأخذ منهم أنفسهم وأموالهم، وأن يتلفهم بأي وجه ما شاء، لكنه عامل عباده معاملة من لا ملك له في ذلك، ولا حق؛ كرماً منه [وفضلاً] وجوداً، ووعدهم على ذلك أجراً وبدلاً، وكذلك ما ذكر من القرض له، ووعدهم على ذلك الأجر مضاعفاً، وكذلك ما وعدهم من الثواب فيما يعملون لأنفسهم كالعاملين له؛ حيث قال: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ ونحوه، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم بقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...
﴾ الآية، ذكر ما ذكر فضلاً منه وإكراماً؛ إذ هي له في الحقيقة، وهو كما قال: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ ، فإنما طلب بذل حق أنفسهم وأموالهم، أو ذكر - والله أعلم - شرى ماله في الحقيقة؛ ليعلم الخلق أن كيف يعامل بعضهم [بعضاً]، وكذلك قال الله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، عاملهم معاملة من لا حق له في أموالهم وأنفسهم؛ ليعامل الناس بعضهم بعضاً في أموالهم وأنفسهم، كمن لا حق له في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .
أي: وعداً واجباً [حقّاً].
﴿ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ .
أي: وعد ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن.
وفي حرف ابن مسعود: (عهداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والفرقان).
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ .
هذه الآية تنقض قول من يقول بأن الإنجيل نزل على التخفيف والتيسير والتوراة بالشدائد، وكذلك قوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ ، وذلك مذكور في حكم الإنجيل، إلا أن يقال بأن قوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ ، أي: كان هذا مذكوراً لهذه الأمة في التوراة والإنجيل وما ذكر.
[ثم] قال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا على أن قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...
﴾ الآية إنما هو عهد إليهم؛ حيث قال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا أحد أوفى وأصدق بعهده من الله إن وفيتم أنتم بعهده الذي عهد عليكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون الاستبشار الذي ذكر وقت الموت أن تقول لهم الملائكة: استبشروا ببيعكم الذي بايعتم به في الحياة؛ [و] هذا يدل أن البيع يكون بيعاً بالبدل وإن لم يتلفظ بلفظة البيع، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأحكام لم تتعلق بالألفاظ والأسامي؛ إنما علقت بمعاني فيها، فإذا وجدت المعاني حكم بها.
﴿ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ الذي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ...
﴾ إلى آخره.
قال بعضهم: [هو] على الصلة بالأول فيما ذكر من الشرى والوعد لهم الجنة إذا كانوا على الوصف الذي ذكر.
وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي - ما -: (إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين الحامدين)، على الصلة بالأول بالكسر إلى قوله: ﴿ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ﴾ ، قرآها: (والقائمين على حدود الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة).
ومنهم من قال على الابتداء بالرفع: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ...
﴾ إلى آخره.
ويشبه أن يكون الشراء الذي ذكر في أول الآية وما وعد لهم ببذل أنفسهم وأموالهم في الجهاد، يكون ذلك أيضاً في غيره من الطاعات والخيرات، من بذل نفسه لله فيما ذكر من العبادة له والجهد، وما ذكر في الآية - فهو بائع نفسه منه؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ﴾ .
يحتمل: التائبون من الشرك، أو من جميع المعاصي.
﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ .
يحتمل: الموحدون.
ويحتمل: العابدون: جميع أنواع العبادة.
﴿ ٱلْحَامِدُونَ ﴾ .
قيل: الشاكرون.
وقيل: المثنون على الله.
فإن كان قوله: ﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ من العبادة، فيكون الحامدون: المثنون على الله؛ لأن العبادات كلها شكر.
وإن كان قوله: ﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ : الموحدون، فيكون قوله: ﴿ ٱلْحَامِدُونَ ﴾ الشاكرون للنعم التي أنعمها الله عليهم.
﴿ ٱلسَّائِحُونَ ﴾ .
قيل: الصائمون؛ وعلى ذلك روي عن نبي الله : "أنه سئل عن السائحين؟
فقال: هم الصائمون" ، وقال: "وسياحة أمتي الصيام" وقال القتبي: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات.
وقال أبو عوسجة: هم الذين يمضون على وجوههم في الأرض ليست لهم منازل، يقال: ساح يسيح سيحاً وسياحة.
﴿ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ﴾ .
قيل: المصلون.
وقيل: الخاضعون لله والخاشعون له؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة.
﴿ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
يحتمل التوحيد، أي: آمرون الناس بتوحيد الله.
ويحتمل: الآمرون لهم بالخيرات والمعروف كله.
﴿ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ﴾ .
الشرك، ويحتمل: كل معصية.
﴿ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: لفرائض الله التي فرضها على عباده.
وقال بعضهم: لسنن الله، ولكن حافظون جميع أحكام الله، لا يجاوزون ما حد لهم [و] لا يفرطون فيها.
[ ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يحتمل البشارة لهؤلاء الذين سبق ذكرهم.
ويحتمل: على الابتداء، أي: بشر جميع المؤمنين؛ كقوله]: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
دلت الآية بما نهانا أن نستغفر لمن علمنا أنه من أهل النار؛ لما أن الله لا يغفر له؛ لما علم أنه لا يؤمن، فعلى ما علمنا أنه لا يغفر له لم نستغفر له فلم يجز لنا أن نقول: إنه أراد الإيمان لمن يعلم أنه لا يؤمن أبداً؛ كما لم يجب أن يغفر لمن وجبت له النار، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أراد لكل كافر الإيمان، لكنه لم يؤمن.
ثم قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: "إن رسول الله قد استغفر لأحد والديه، وذكر أنه دخل على أبي طالب عمه فدعاه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فأبى، ثم استغفر له وقال: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه أو كلام نحو هذا، فنزل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ...
﴾ الآية" .
قال الحسن: لا يحتمل أن يكون رسول من رسل الله لا يعلم أن الله لا يغفر للكافر؛ إذ في العقل والحكمة ألا يغفر له والتعذيب له أبداً، وعندنا في الحكمة تعذيب الكافر أبداً وألا يغفر له لوجوه: أحدها: أن في ذلك تسوية بين العدو ووليه، ومن سوى بين عدوه ووليه فهو ليس بحكيم؛ إذ في الحكمة التمييز بينهما.
والثاني: أنه إذا عبد غير الله معه إنما يعبد غيره لجهله، وتلك الجهالة لا ترتفع أبداً؛ لأنه إذا غفر له فيقع عنده أنه إنما جزى وغفر له لعبادة غير الله.
والثالث: [أنه] لو غفر للكافر لذهبت حكمة الأفعال؛ لأن الأفعال إنما يؤمر بها لعواقب تتأمل: إما حمداً وإما ذمّاً، فإذا غفر له حمد بأفعال كان الحق له الذم بها، ففي ذلك خروجها عن الحكمة.
وجائز أن يكون رسول الله يستغفر للمنافقين، قبل: أن يتبين له أنهم منافقون، فلما تبين له نفاقهم كف عن استغفاره لهم، فأما أن يستغفر للكافر على علم منه أنه كافر فلا يحتمل، على ما يقوله بعض أهل التأويل: إنه استغفر لعمه ولأحد والديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ ﴾ .
قال بعضهم: وعدها إياه: الإسلام، فكان استغفاره لأبيه على وعد الإسلام، فإنما كان استغفاره بعد إسلامه.
ألا ترى أنه قال: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فإنما طلب له المغفرة في ذلك اليوم وقد كان وعده الإسلام؛ لذلك كان استغفر له.
ألا ترى أنه تبرأ منه؛ إذ تبين له أنه من أهل النار.
ويحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه طلب السبب الذي به منه يستوجب المغفرة وهو التوحيد [والإسلام]؛ وهو كقول هود [لقومه]: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ ؛ وكقول نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، ليس يأمرهم أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم ويكونوا من أهل المغفرة، فعلى ذلك استغفار إبراهيم لأبيه؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، أي: أعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة وهو التوحيد، كان سؤاله سؤال التوحيد؛ إذ لا يحل طلب المغفرة للكافر وفي الحكمة لا يجوز أن يغفر له.
فإن قيل: فإن كان على ما ذكرتم كيف استثنى قول إبراهيم: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ بعد ما أخبرنا أن في إبراهيم قدوة بقوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ؟
قيل: يحتمل الاستثناء لقول إبراهيم: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ لأبيه، أي: حتى نعلم المعنى من استغفاره؛ لأنا لا نعرف مراد إبراهيم من استغفاره لأبيه؛ وكذلك استغفار الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لقومهم والمتصلين بهم، فاستثنى ذلك إلى أن نعلم مرادهم من استغفارهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ .
قيل: الأواه: الدعاء، وعلى ذلك روي عن رسول الله "أنه سئل عن الأواه؟
فقال: الدعاء الخاشع المتضرع" وعن ابن عباس - - قال: الأواه: المؤمن.
وقيل: الأواه: الفقيه، الموقن.
وقيل: المسبح.
وقيل: الأواه: المتأوه حزناً وخوفاً.
و"حليم" قيل: الحليم ضد السفيه.
وقيل: العليم.
والحليم: هو الذي لا يغضب ولا يسفه عند سفه السفيه.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: الآية في استغفار المؤمنين للمشركين.
وقال بعضهم: الآية في نسخ الأحكام والشرائع التي تحتمل النسخ.
فإن كانت في الاستغفار للمشركين، فإنه ليس هنالك نسخ؛ لأنه لم يسبق لهم الأمر بالاستغفار ولا الإباحة لهم في ذلك، فكأنه قال: ما كان الله ليجعل قوماً ضلالاً بالاستغفار بعد أن جعلهم مهتدين حتى يعلموا بالنهي عن ذلك، والله أعلم.
وهو يحتمل ما ذكرنا من استغفارهم للمنافقين قبل أن يتبين لهم؛ يقول: لا يجعلهم ضلالاً بذلك.
﴿ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ ، أي: حتى يعلموا بالذي يلزمهم الانتهاء عنه، وهو النسخ؛ هذا في الأحكام التي تحتمل النسخ.
وأما الأحكام التي لا تحتمل النسخ فلا.
وأصله: أن كل ما كان في العقل امتناع نسخة فإنه لا يرد فيه النسخ، وكل ما كان في العقل لا امتناع على نسخه فإنه يجوز أن يرد فيه النسخ.
ثم المسألة فيما عملوا بالمنسوخ قبل العلم بالنسخ ما حال العمل الذي عملوا به يجرحون ويأثمون في عملهم بذلك في حال نسخه، أو يثابون ويؤجرون على ذلك؟
فإن كان الفعل فعل طاعة وقربة، فإنه يثاب في قصده وفعله ولا يجرح فيه.
وإن كان فعله ليس بفعل قربة وطاعة، ولكن فعل حل وحرمة - فإنه في فعله قبل بلوغ العلم بنسخه لا يجرح في فعله؛ نحو ما روي أنهم كانوا يشربون الخمر ثم أتاهم آت فقال: ألا إن الخمر قد حرمت، فصبّوها وكفوا عنها، فهم في شربهم بعد التحريم قبل بلوغ الخبر إليهم لا يجرحون.
وأما الفعل الذي هو فعل قربة وطاعة: فإن لهم القربة في فعلهم وهو الصلاة؛ ونحوه ما روي أن نفراً كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فمرّ عليهم مار فقال: ألا إن القبلة قد حولت - وهم في الركوع - إلى الكعبة، فتحولوا نحوها، فأخبروا عن ذلك رسول الله فلم يأمرهم بالإعادة؛ لأن الفعل فعل قربة وطاعة، فالطاعة والقربة موجودة في فعلهم؛ لأن الأفعال التي فرضت لم تفرض لنفس الأفعال إنما فرضت للطاعة والقربة لله فيها، فإنه يؤجر على ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؟
بما فيه مصالح الخلق وما ليس فيه؛ كأن هذا - والله أعلم - خرج لإنكار من أنكر النسخ في الشرائع؛ يقول: إن الله يعلم بما فيه مصالح الخلق وأنتم لا تعلمون، وفي الناسخ مصالح لهم وأنتم لا تعلمون، ويؤكد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .
وأنتم عبيده، وليس للعبد إنكار [شيء] على سيده، وإنما على العبد الطاعة لسيده والائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه.
﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .
أي: كما له أن يميت بعد الحياة ويحيي بعد الموت، فله أن يتعبدهم في حال بعبادة، وفي حال بعبادة أخرى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ...
﴾ الآية.
قال بعض من أهل التأويل: تاب الله عليهم لزلات سبقت منهم، ولهفوات تقدمت من غير أن كان منهم زلات في هذا - يعني: [في] غزوة تبوك - وهفوات، أما التوبة على النبي فقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ وعلى المهاجرين والأنصار ما كان منهم يوم أحد ويوم حنين، و[هو] قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: تاب عليهم لهفوات كانت منهم في غزوة تبوك، هموا أن ينصرفوا في غير وقت الانصراف على غير إذن لشدائد أصابتهم، فقال: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، لما هموا بالانصراف في غير وقت الانصراف.
ويشبه أن تكون التوبة التي ذكر على وجهين سوى ما ذكروا: [أحدهما]: وهو أنه تاب عليهم، أي: جدد عليهم التوبة للهفوات التي تقدمت، أو الثبات عليها من غير أن كان منهم في الحدوث شيء، ولكن يكون لذلك حكم التجديد أو الثبات عليها كسؤال الهدى [وهم] على الهدى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .
[وقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الوقت آمنوا في حادث الوقت، أو اثبتوا على ذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله]: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: جدد عليهم التوبة من غير أن كان منهم هفوة، أو ثبتهم على التوبة التي كانت منهم.
والثاني: أنه ذكر التوبة، وذلك أنهم حيث صبروا على ما أصابهم من الشدائد والجهد، كشف الله عنهم أشياء كانت مستورة عندهم وجلالهم أغطية كانت لا تنجلي لهم من قبل، لكن انجلى ذلك لهم وانكشف؛ لصبرهم على الشدائد التي أصابتهم؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ، لما صبروا على ما أصابهم من المصائب ازداد لهم تفويض وتسليم الأمر والمرجع إليه؛ وكقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية، ازداد لهم بما صبروا هدى وتجلى لهم أشياء لهم لم تكن من قبل؛ فعلى ذلك يحتمل التوبة التي ذكر أنهم لما صبروا على ما أصابهم من الشدة والجهد، تجلت لهم أشياء كانت مغطاة - والله أعلم - فإنه ذكر: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، [ولم يذكر أنها زاغت وذكر قلوب فريق منهم] ولم يذكر قلوب الكل فهو ما ذكرنا.
ويحتمل ذكر التوبة على النبي على الإشراك مع المؤمنين من غير أن كان له ذنب؛ لأنه أخبر أن ذنبه مغفور بقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ ، فهو كما أشركه في الاستغفار؛ بقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، أمره بالاستغفار لذنبه على الإشراك له مع استغفار المؤمنين؛ إذ أخبر أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والتوبة من الله تخرج على وجوه: أحدها: التوفيق وفقهم للتوبة وأكرمهم بها؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ﴾ أي: وفقهم للتوبة فتابوا.
والثاني: التوبة منه قبولها منهم، أي: يقبل منهم التوبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
والثالث: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: تجاوز عنهم وعفا وصفح عنهم.
على هذه الوجوه الثلاثة تخرج إضافة التوبة إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ ﴾ .
قيل: في عسرة النفقة وعسرة الظهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ .
ذكر في بعض القصة أنه قد أصابهم من الجهد والشدة حتى أن الرجلين يقسمان التمرة بينهما، وكانوا يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها الماء، ثم يمصها هذا، ذكر نحو هذا، ولكن لا ندري كيف كان الأمر سوى أنه أخبر أن قلوبهم كادت تزيغ من الجهد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾ .
[قال بعضهم: خلفوا] عن التوبة؛ نحو قوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ﴾ .
فكانوا يبتهلون ويدعون الله حتى تاب الله عليهم فتابوا.
وقال قائلون: خلفوا عن رسول الله لما تقدمهم القوم، فهم المخلفون بتقدم أولئك.
وقال قائلون: خلفوا خلفهم الله، أي: خلفهم.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾ هم الذين تخلفوا فخلفهم رسول الله، وهو ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ .
يحتمل هذا على التحقيق، ويحتمل أن يكون على التمثيل.
وللتحقيق وجهان: أحدهما: ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ : ما ذكر أنهم شدوا أنفسهم بالسواري والأسطوانات، وأتوا بأموالهم التي منعتهم عن الخروج مع رسول الله، وتصدقوا بالأرضين التي منعتهم عن الخروج، وضاقت عليهم الأرض بعد ما كانت عليهم متسعة يتسعون فيها؛ لأنه ذكر في القصة أن واحداً من هؤلاء ممن حبسته أرضه عن الخروج فتصدق بها على الفقراء، وكان له التوسع بتلك الأرض ثم ضاقت عليه.
والثاني: ﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ : لما حبسوا أنفسهم عن أراضيهم، وتركوا شهواتهم وأمانيهم وما يتلذذون به؛ ذلك ضيق الأرض.
﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ : لما شدوا أنفسهم بالأسطوانات.
ويحتمل أن يكون على التمثيل؛ وذلك أن الخوف إذا اشتد بالإنسان وبلغ غايته حتى يمنعه عن القرار في الأرض والتلذذ فيها يقال: ضاقت عليه الأرض بسعتها، وضاقت عليهم أنفسهم؛ لما ذكر كان الناس لا يكلمونهم ولا يخالطونهم ولا يبايعونهم ولا يكلمهم أهاليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: ظنوا أن لا نجاة من عقوبة الله إلا عفوه، أي: أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا احتراز [لهم] من عقابه.
وقيل: ظنوا أن لا ملجأ من عذاب الله إلا إلى رحمته.
وقيل: وظنوا أن لا ملجأ من رسول الله [إلا إلى الله؛ لأنه ذكر أنهم سألوا رسول الله] التجاوز عن ذلك فلم يجبهم، فأيقنوا عند ذلك أن المفزع والملجأ إلى الله لا إلى أحد دونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: وفقهم للتوبة فتابوا.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
أي: يقبل التوبة، أي: قابلها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
في ظاهر الآية أن قوماً عرفوا بالصدق فأمروا بالكون معهم، ويشبه أن يكون أمر هؤلاء [الذين] تخلفوا عن رسول الله بالكون مع المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع رسول الله.
وفيه دلالة على أن الإجماع حجة؛ لأنه أمر بالكون مع الصادقين في دين الله، فلو لم يلزمهم قبول قولهم لم يكن للأمر بالكون معهم وجه.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، وهو ظاهر.
وقوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: أحدها: [يقول]: احفظوا الله في حقه ولا تضيعوه، وكونوا مع الصادقين في وفاء ذلك وحفظه.
أو: اتقوا الله فيما نزل ما امتحنكم به من الخروج والجهاد مع رسول الله وغير ذلك من المحن.
أو يقول: اتقوا مخالفة الله ورسوله فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافقين لأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبايعة والعهود التي جرت بينهم وبين رسول الله؛ يقول - والله أعلم -: ﴿ مَا كَانَ ﴾ ، أي: لم يكن لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، بعد ما قبلوا النصر له والمعونة وبايعوه على ذلك؛ هذا محتمل.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يكون صلة ما ذكر على أثره وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ يقول - والله أعلم -: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وقد جعل بكل ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة، وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة، أو يصيبون من العدو ومن القتل والغنيمة - إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح، أي: ما كان ينبغي لهم أن يتخلفوا عنه، وقد كتب لهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من الخير - العمل الصالح والأجر لهم، والله أعلم.
أو يقول: ما كان لأهل المدينة إذ تخلفوا عن رسول الله أن يتخلفوا عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: ولا يرغبوا بالتخلف عن نفسه؛ يقال: جاء فلان بنفسه، ورأيت أنا بعيني ونحوه، أي: جاء هو ورأى هو؛ فعلى ذلك هذا ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ ﴾ ، أي: ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله.
ويحتمل ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: لأنفسهم عن نفسه، [و] ذلك جائز ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ قيل: عطش، ﴿ وَلاَ نَصَبٌ ﴾ : العناء والمشقة، ﴿ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مجاعة.
﴿ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ، قال بعضهم: ولا يقفون موقفاً.
وقال بعضهم: هو من الوطء والموطئ: الشيء الذي يوطأ.
﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً ﴾ ، قيل: فيهم أو إغارة عليهم، ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ ، أي: يكتب ما لهم وما عليهم العمل الصالح مكان من تخلف منهم مخافة أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة؛ يقول: كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل الصالح، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون.
﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها، ولا يجزيهم لسيئاتهم؛ وهو كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، أخبر أنه يتقبل منهم أحسن ما عملوا ويكفر عنهم سيئاتهم؛ فعلى ذلك الأول يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ...
﴾ الآية.
اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعاً، فتبقى المدينة خالية عن الرجال، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .
وقال بعضهم: كان رسول الله إذا بعث سرية خرجوا جميعاً، فبقي هو وحده لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل؛ ليخبروا أولئك إذا حضروا.
وقال آخرون: الآية في الوفود، وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعاً، فأمروا أن ينفر الرجال منهم دون النساء والذراري، أو من كل قوم نفر؛ ليتفقهوا في الدين.
ذكر في هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ ، نهى الكل أن ينفروا، وأمروا في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ ، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين؛ ليكون لهم الكفاية مع العدو.
والثاني: أمر بنفر الكل عند النفير.
فيكون إحدى الآيتين في حالة النفير، والاخرى في غير حال النفير وما ذكرنا في وقت القلة والكثرة.
فمن يقول: إن الآية في الذين كانوا يخرجون جميعاً مع رسول الله إذا خرج، كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله؛ خوفاً على أهاليهم وذراريهم، لعل العدو سباهم وأخذ أموالهم يقول الله: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: هلا نفر طائفة منهم فيخبروا الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعونة والهزيمة على الكفار الذين قاتلوا رسول الله، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى الإسلام.
وإلى هذا ذهب الحسن والأصم ويقولون: إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها وهي قوله: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول الحسن: إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله إذا خرج، فيقول: هذا منسوخ بالآية التي تليها: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ الآية.
ومن يقول بأن الآية في الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة بالنساء والذراري، فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم ويغلون أسعارهم ونحوه؛ يقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ، أي: يعلمون الدين وأحكامه، ثم ليرجعوا إلى قومهم فيعلموهم.
ومن يقول: الآية في الذين خرجوا ونفروا مع السرايا، نهاهم عن خروج الكل؛ لما لعله لما نزل على رسول الله شيئاً، فلم يكن معه أحد يبلغه إليهم ثم يبلغ إلى من هو غاب عنه ضاع ذلك فيقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ما نزل على رسول الله، وليبلغوا ذلك إلى من غاب عنه.
﴿ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ .
قيل: من كل عصبة، ومن كل قبيلة، ومن كل حي، ففي الآية دلالة سقوط فرض السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ويتعلمون ثم يعلمون قومهم؛ لأنه قال: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ...
﴾ الآية.
وفيه أيضاً دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض.
وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الأحاد وإن احتمل الغلط؛ لأن ما ذكر من الطائفة يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا، ثم ألزم قومهم قبول خبرهم وإن احتمل الغلط والكذب بقوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ .
والآية تخرج على وجهين: أحدهما: أن كل أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقة في الدين والتعلم فينفر، حتى إذا تفقه وتعلم رجع إلى قومه فيعلمهم.
والثاني: يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقه عند رسول الله؛ فينذر قومه إذا رجعوا إليه من غزاتهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: نزلت الآية قبل أن ينزل قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً ﴾ .
كان الأمر بالقتال بالأدنى فالأدنى، ثم جاء الأمر بقتال الكفار عامة.
وقال بعضهم: إن رسول الله كان إذا غزا ربما كان يجاوز كفارا ويتركهم وراءه ويقاتل غيرهم؛ ليكون ذلك آية لنبوته، [و] ليعلم أنه لا يبالي بمن يقاتل ولا يخاف من تركهم وراءه، ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأقرب فالأقرب منهم والأدنى فالأدنى وألا يتركوا العدو وراءهم؛ إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وأمكن أن يكون هذا تعليماً من الله المؤمنين أمر الحرب وأسبابها، كما علمهم جميع ما يقع لهم من الحاجة إلى أسباب الحرب في غير آي من القرآن؛ من ذلك: قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ ، وقوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...
﴾ الآية، وغير ذلك من الآيات.
أو يحتمل أن يكون أمر بقتال الأقرب فالأقرب منهم كسائر العبادات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه يخرج على أمر القتال منه للمؤمنين.
والثاني: إنباء عن دوام الجهاد والقتال مع الأعداء أبداً؛ لأنه كلما فتح ناحية وقوماً، صار الذين بقوا وراء هؤلاء الذين يلونهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ .
قيل: شدة عليهم.
وفي حرف ابن مسعود - - وأبي: (وليجدوا عليهم غلظة)، أي: شدة، ويقرأ: (غُلظة) برفع الغين، ويقرأ: ﴿ غِلْظَةً ﴾ بكسرها، وهما لغتان ومعناهما واحد.
﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
أي: من اتقى الخلاف له بالنصر لهم على عدوهم.
وقوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكرنا إذا اتقوا الخلاف له فيما علمهم من أمر الحرب يكون معهم بالنصر.
والثاني: معهم في التوفيق والهداية.
والثالث: في الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ .
قال أهل التأويل: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ يعني: يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين: أيكم زادته هذه إيماناً؟
استهزاء منهم بها وسخرية، فأجاب الله فقال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ، أي: شك ونفاق، ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أي: تكذيباً وكفراً إلى تكذيبهم الذي كان منهم؛ لأن أهل النفاق والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف يقبلون الحجة والدلالة إذا قامت عليهم، إنما همتهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم عناداً في التكذيب والرد، وأما أهل الإيمان فإن همتهم قبول الحجج والإنصاف، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم إيماناً وتصديقاً على ما كان لهم.
ثم قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ : زادتهم ثباتاً ودواماً على ما كانوا من قبل، بما قامت لهم من الحجج والبراهين، وكذلك ازداد أهل النفاق والكفر بها الثبات على العناد في تكذيب الحجج والآيات.
والثاني: ازداد لهم إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة، وإذا كانوا مصدقين لذلك كله جملة، فإذا نزلت لهم نوازل وفرائض ازداد لهم بذلك التصديق والثبات.
وأصله أنه لو ما كان منهم من الإيمان والتصديق، لكان هذا منهم ابتداء إيمان وإحداث تصديق، وكذلك لو لم يكن من أهل النفاق ما سبق من العناد، لكان ذلك منهم إحداث تكذيب وعناد، فإذا كان منهم ما ذكرنا كان ذلك زيادة على ما كان لما ذكرنا.
وقال بعضهم: يزداد لأهل الإيمان خيرات، ولأهل النفاق شرّ، ولكن هو واحد وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: زادت المؤمنين إيماناً على الذين كان لهم من الإيمان والتصديق.
والثاني: زاد لهم حجة وبرهاناً لما كان، وكذلك يزداد لأهل النفاق ضد ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .
قيل: يفرحون بنزولها، ثم إضافة الزيادة إلى السورة بقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ لوجهين: أحدهما: أضيف أليها الزيادة على ما أضيف الغرور إلى الدنيا، وهو لما ذكرنا أنه يبدو منها لهم من التزيين ما لو كان [ذلك] من ذوي الأفعال والتغرير كان ذلك غروراً.
والثاني: إضافة التغرير إليها لما بها اغتر أهلها، وكذلك إضافة الزيادة إلى السورة لما بها ازداد لهم التكذيب والكفر، وازداد لأهل الإيمان بها التصديق، فأضيف الزيادة إليها.
وقال بعضهم: [هو] ما ذكرنا أنها حجة ودلالة، فبالحجة يزداد لأهل [الإيمان] الإيمان بها؛ إذ هم قد اعتقدوا قبول الحجج والدلائل، وأما أهل النفاق والكفر فإنهم أهل عناد ومكابرة؛ إذ قد اعتقدوا العناد ورد الحجج، فكلما [ازداد لهم الحجة] ازداد لهم عناداً وكفراً.
وقال أبو بكر الأصم: إنما أضيف الزيادة إليها؛ لأنها كانت سبب الزيادة، وقد تضاف الأشياء إلى أسبابها كما تضاف إلى حقيقة الأفعال، ولكن [لا] يحتمل أن تكون السورة التي نزلت سبباً لزيادة الكفر، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ .
قيل: يبتلون بالجهاد والغزو فيتخلفون عنه، فيظهر بذلك نفاقهم وكفرهم.
وقيل: يبتلون بالشدة والجوع فيظهر أيضاً بذلك نفاقهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ .
وقيل: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؛ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا بالكفر فيما بينهم، ثم إذا أتوا النبي أخبرهم بما تكلموا به في الخلوة فيفتضحون بذلك، فذلك افتتانه إياهم وابتلاؤه لهم، كان يظهر بما ذكر نفاقهم: مرة في الجهاد في سبيل الله، ومرة بالشدة والخوف، ومرة بما يطلع الله نبيه بما يضمرون ويتكلمون به [في الخلاء].
وتحتمل هذه الآية الوجوه الثلاثة: الجهاد معه، الابتلاء بالشدائد، والإفزاع.
وتحتمل إظهار الأسرار التي أسروا في أنفسهم والافتضاح مما أخفوا، لكن لو كان هذا فذلك مما يكثر منهم، أعني: كتمان النفاق وإسرار الخلاف لهم، لكن ذكر المرة والمرتين يرجع [إلى] الافتضاح والإظهار، فذلك يحتمل أن يكون في العام مرة أو مرتين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ﴾ : عن نفاقهم.
﴿ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : بما ابتلوا من الافتضاح وظهور النفاق منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .
قال بعضهم: الآية صلة قوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ ، أي: كان ينظر بعضهم إلى بعض ثم يقولون ما ذكر.
ومنهم من يقول: إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان، يسمعون ويقولون: ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ وإذا أنزلت في إظهار نفاقهم وافتضاحهم نظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا ولا يسمعون منه السورة؛ إشفاقاً لئلا يظهر نفاقهم.
وقوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .
يحتمل خلق الله منهم انصرافهم فأضيف إليه الصرف، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ عقوبة، أي: عاقبهم الله بصرف قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج وتركهم القبول.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، [أي]: من البشر وهو امتنان منه عليهم؛ حيث بعث الرسول من البشر وله أن يبعث من غير البشر، لكنه بعث من البشر؛ ليعرفوا الآيات التي يأتي بها من التمويهات؛ لأنهم يعرفون مبلغ وسع البشر في الأشياء وقدر إمكانهم بعلم الأشياء، فإذا جاء بالأشياء التي هي خارجة عن الطباع ووسع البشر في التعليم، عرفوا أنها آيات لا تمويهات، مع [ما] يألف كل ذي جنس بجنسه وينفر من غير جنسه، هذا ظاهر في الخلائق أن كل ذي جنس يألف بجنسه ولا يألف بغير جنسه، فبعث الرسول من البشر ومن جنسهم؛ ليألفوا به، ويقبلوا منه ما يأتيهم به ويجيبوه إلى ما يدعوهم إليه.
وقال بعضهم: ﴿ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: من المكان الذي أنتم فيه وهو الحرم.
وقال آخرون: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: من أنسابكم، وهو أيضاً موضع الامتنان عليهم؛ حيث بعثه من أنسابهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه من بين أظهرهم سليماً عن جميع الآفات بريئا عن جميع المطاعن والعيوب؛ لأن المرء إذا كان مولده ومنشؤه من غير أظهرهم في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب، ربما يتمكن فيه الطعن والعيب، ويقع التناكر في نسبه؛ لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه على السلامة والصحة والبراءة من العيوب، فبعث رسوله محمداً ؛ لئلا يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا فيه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، [أي]: من العرب أميا كما هم، لا يكتب ولا يقرأ ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ...
﴾ الآية، وقال: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ ، وذلك أن العرب تتمنى أن يبعث رسول منهم بقوله: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ ، ذكر مجيء الرسول من أنفسهم؛ ليكون أبعد من المطاعن التي طعنوا فيه والآفات التي ذكروا فيه، وأبرأه من العيوب التي رموه بها من نحو السحر والكهانة والجنون والافتراء على الله، و[ليكون] أقرب إلى المعرفة بأنه رسول؛ لأن ما يأتي به من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية؛ لما عرفوا أنه لم يتعلم السحر ولا أخذوا عليه بكذب قط ولا جن قط بما كان منشؤه فيما بين أظهرهم.
وقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ .
قيل: شديد عليه ما أعنتكم، أي: ما ضيق عليكم وضركم.
وقال القتبي: العنت: الضيق.
وقال بعضهم: العنت: الإثم، أي: شديد عليه ما أثمتم.
وقال أبو عوسجة: هو إلى الإثم أقرب.
وهو يحتمل كل إثم: الكفر وغيره.
﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: حريص على من يسلم أن يسلم، حريص عليكم بالهدى والرشد.
﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ : رحمة الدين والإسلام، لا رحمة الطبع.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ : سماه بفعله العمل الحسن وبرأفته ورحمته بذلك، أي: استحق ذلك الاسم بفعله، وإنما سماه بذلك؛ لأن عمله كان لله لم يكن عمل لنفسه شيئاً، وكذلك ماله وأكسابه؛ فلذلك لم يكن ماله ميراثاً بين ورثته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .
أي: أعرضوا عن إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد.
﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: يكفيني الله لا إله إلا هو.
ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : عنك، وردّوا إجابتك والطاعة لك والانقياد وهمُّوا أن يكيدوك ويمكروا بك، ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: على ما وعدني من النصر والظفر ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: اتكلت على وعده ووكلت أمري إليه.
ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : عن نصرك ومعونتك على الأعداء، ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ في النصر والمعونة على الأعداء يكفيني عليهم.
هذا في الموضع أقرب؛ لأنه ذكر على أثر ذكر المنافقين، ويحتمل ما ذكرنا من الإعراض عن التوحيد والإجابة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .
قيل: هو رب الملك العظيم، أي: كل ملك عند ملكه صغير ليس بملك.
فإن كان العرش هو السرير على ما قاله بعض أهل التأويل - والله أعلم - [فهو] السرير الذي يكرم به الأخيار من الخلائق والأبرار منهم، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.