الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة العلق
تفسيرُ سورةِ العلق كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 13 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذه السورة أول سورة نزلت على رسول الله ، وأول وحي أوحي إليه.
وقيل: غير هذه هي الأولى.
ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، و [، ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ﴾ ] وكذلك على هذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...
﴾ وأمثال ذلك، يجب ألا يقول هو مثل ما قيل: له: ﴿ قُلْ ﴾ ، أو: ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ ، ولكن يقول: "يا أيها الكافرون"، ويقول: "هو الله أحد"، "أعوذ برب الفلق"، "أعذوب برب الناس"، هذا هو وجه الكلام ومعناه.
وجوابه أنه يحتمل وجوها: أحدها: [أنه] أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول الله؟
وكيف أوحي إليه؟
وأنه لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف [المفهوم] منه.
والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خطاب جبريل - - رسول الله به، وأمره أن يقرأ، ثم يأمر رسول الله غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ يحتمل أن يريد به [أي]: افتتح القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب - - لينال بركة ذلك فيه.
والثاني: أن يكون ما ذكر على اثر اسم ربه، وهو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ربه.
أو يكون قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ كما يقال: "أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت"، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه.
ثم قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول الله ، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا إن إضافة خاصية الأشياء إلى الله - - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: [ ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ ] و ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ ، ونحو ذلك من إافة خاصية الأشياء إليه؛ وإضاضفة كلية الاشياء إلى الله - - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى الله - - لا يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت له خصوصية [و] فضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ : العلق: الدم الجامد، [ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ] أراد به كل إنسان، و ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد [إذا دخله] لام التعريف أريد به العموم، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ .
ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل.
ثم أضاف [خلقه مرة أخرى إلى] الأحوال التي قلب منها، حيث قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن هذه [الأسماء] أسامي هذه الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من [خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، فذكر بالذي ينتهي إليه من] الغاية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلأَكْرَمُ ﴾ ؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ابتداء إحسان من [إليه] وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذا ذكر في موضع المنة والفضل والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف لغاية الكرم؛ كلأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
جعل الله - - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يحخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم.
ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ ، أي: علم الخط والكتابة بالقلم.
وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة - م -: (علم الخط بالقلم).
ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه.
وكذلك قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم.
ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، [والله أعلم].
ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول الله ؛ لأنه علم أياه بلا كناية ولا خط؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ ، ثم في تعليم رسول الله بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط يخطه.
ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يحتلم رسول الله ؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ ، وكقوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ﴾ .
ويحتمل [قوله]: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ : كل إنسان؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .
وقوله - عز جل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ : طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في الخبر [من] التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى؛ إن رأى نفسه غنية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ : أي: المرجع كذا قال أبو عبيد.
وقال غيره: الرجوع.
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ ، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية.
وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴾ ، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل إنسان، ولا يخلف يقع في خبر الله ؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منهز وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن الذي ينهى: أبو جهل - لعنه الله - ﴿ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ ﴾ : رسول الله ، وذلك أنه كان يصلي في الحجر، فكان ينهاه أبو جهل؛ فنزل: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ .
[و] جائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على أثر ذلك، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ ، كأنه قال: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت الذي ينهى من كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، وهو رسول الله كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى، وعن الأمر بالتقوى، أرأيت الذي كذب رسول الله ، وتولى عن طاعة الله ، ألم يعلم بأن الله يرى؟!
يدخل دميع ما ذكر في هذا الوعيد؛ فيكون [ذلك] جوابا لما تقدم من قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وجائز أن يكون جواب قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ ﴾ مسكوتا عنه؛ ترك للفهم.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ ، أي: ألم يعلم بأن الله يرى؛ فينتقم [منه] لرسول الله .
أو: ألم يعلم بأن الله يرى؛ فيدفعه عما هم برسول الله فهو وعيد.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه فعل ذلك على المكابرة والعناد.
والثاني: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴾ على نفي العلم له بذلك؛ إذ لو علم بأن الله يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به، لكان لا يفعل ذلك به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ : أي: حقا لئن لم ينته عن صنيعه الذي يصنع برسول الله ﴿ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ ﴾ ، أي: لنأخذن بالناصية؛ كأنه عبارة عن الآخذ الشديد، والجر الشديد على الناصية.
ثم يحتمل أن يكون ذلك الوعيد له في الدنيا: أنه لو لم ينته عما ذكر: فإن كان في الدنيا فتكون السفع كناية عن العذاب، أي: لنعذبن.
وقيل: قد أخذ بناصيته يوم بدر، فألقي بين يدي رسول الله قتيلا.
وإن كان في الآخرة، فهو عن حقيقة أخذ الناصية؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...
﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ...
﴾ .
وقال أهل العربية: ﴿ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ ﴾ ، أي: نقبض، وسفعت ناصيته، أي: قبضت، ويقال: سفعه بالعصا، أي: ضربه بها، ويقال: أسفع بيده، أي: خذ بيده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ : يحتمل ما ذكر من قوله: ﴿ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ كناية عن النفس.
ويحتمل أن يكون كناية عن الناصية التي تقدم ذكرها.
وقوله - عز وزجل -: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ : أي: أبو جهل، ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ ، أي: أهل مجلسه في الإعانة له بما يهم برسول الله .
﴿ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ ﴾ نحن في الدفع عنه؛ لنرى هل يقدر أن يفعل به ما هم به.
ثم يحتمل ذلك في الدنيا، وقد ذكر أنه قتل يوم بدر.
وجائز أن يكون ذلك الدفع من الزبانية في الآخرة، وسموا: زبانية للدفع، أي: يدفعون النار في النار.
وقيل: الزبانية: الشرط، والواحد: زبينة، والنادى: المجلس، يريد به: قومه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ ﴾ ، أي: لا تطع ذلك الكافر، وكان ما ذكر، لم يطعه حتى مات؛ فكان فيه إثبات الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ﴾ أن يكون هذا خطابا للنبى - - أي: صل، واقترب إلى الله عز وجل .
ويحتمل أن يكن قوله: ﴿ وَٱسْجُدْ ﴾ خطابا للنبى - - أي: صل، وقوله: ﴿ وَٱقْتَرِب ﴾ خطابا لأبي جهل، أي: اقترب إلى محمد؛ حتى ترى على سبيل الوعيد؛ لما كان يقصد المكر بالنبى في حال الصلاة.
ثم على التأويل الظاهر الآية حجة لنا على أهل التشبيه؛ فإنه لم يفهم من قوله: ﴿ وَٱقْتَرِب ﴾ : القرب من حيث المكان، وقرب الذات، ولكنْ قرب المنزل والقدر، وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار: " ﴿ ومن تقرَّب إليَّ شبرا، تقربت إليه ذراعا ﴾ " ، ونحو ذلك، لا يفهم منه قرب الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب: قرب المنزلة والقدر.
ثم في هذه السورة السجدة؛ لما روي عن أبي هريرة - - أن النبي صلى الله عليه سلم سجد فيها.
وروي عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: "سجد في ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، و ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ - أبو بكر، وعمر، ومَن هو خير منهما".
وروي عن علي - - أنه قال: "في ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ : من عزائم السجود".
و[روى] أبو عبيدة عن الله أنه سجد فيها، والله أعلم.